← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وللتمتع بمناظر الحضارة. ولزيارة الملوك والحكام. والسكان منهم على مقربة من الحضر، يخالطهم وقد يشتري له ملكًا يعيش فيه بينهم. فإذا جاء الربيع، وحمد وقت البادية عاد إلى وطنه، ليرعى ماله، ولينظر في شئون قبيلته. وقد استخدم الأعراب "العبيد" أيضًا، ولكنهم لم يكثروا من استخدامه استخدام أهل الحضر له، لعدم وجود حاجة كبيرة عندهم إليه. وقد كان عبيد الأعراب أكثر حرية وأحسن حالا من عبيد أهل الحضر، ذلك لأن البادية لا تعرف الأعمال المرهقة، ولا الحرف الكثيرة التي فرضتها الحضارة على أهل الحضارة، لذلك صارت الأعمال التي يقوم بها عبيد الأعراب أقل بكثير من الأعمال التي يقول بها عبيد أهل القرى، وصار العبد في البادية ألصق بصاحبه من مثيله في القرية، حتى صار وكأنه جزء من أهل البيت الذي اشتراه أو ورثه.

стр. 2592

بيوت العرب: لقد تبين لنا مما تقدم أن العرب وإن بدوا وكأنهم سواسية كأسنان المشط، الكل متساوون في المعاملة لا فرق عندهم بين غني وفقير، كل معتز بنفسه فخور بفعاله، إلا أنهم مع ذلك وفي الواقع طبقيون، لكل طبقة عرف وتقاليد، فبيوتهم تتفاوت عندهم في الشرف والمكانة، هناك بيوت اشتهرت في القبيلة وحافظت على فعالها ومكانتها، وكانت تتفاخر وتتباهى على غيرها فلا تزوج أحدًا من أبنائها أو بناتها إلا لمن كان كفؤًا لها. وقد تحدث أهل الأخبار والأنساب عن بيوت برزت في القبائل وتفوقت على غيرها في ناحية من نواحي الفضل والفخر. فذكر ابن الكلبي: مثلا أن العدد من تميم في بني سعد، والبيت في بني دارم، والفرسان في بني يربوع، والبيت من قيس في غطفان، ثم في بني فزارة، والعدد في بني عامر، والفرسان في بني سليم، والعدد من ربيعة في بكر، والبيت والفرسان في شيبان١. وكان يقال: إذا كنت من تميم ففاخر بحنظلة، وكاثر بسعد، وحارب بعمرو،

стр. 2593

وإذا كنت من قيس ففاخر بغطفان، وكاثر بهوازن، وحارب بسليم، وإذا كنت من بكر ففاخر بشيبان، وكاثر بشيبان، وحارب بشيبان١. وقد اشتهرت ثلاثة بيوت شهرة خاصة في الجاهلية القريبة من الإسلام، وهي: بيت بني زرارة، وهم من "بني عبد الله بن دارم" في تميم، وبيت "بني بندر"، وهم من "بني فزارة" من "بني قيس"، وبيت "ذي الجدّين"، وهم من "بني شيبان" من "بكر بن وائل"٢. وجعل "أبو عبيدة" بيوت العرب ثلاثة: فبيت قيس في الجاهلية بنو فزارة، ومركزه بنو بدر، وبيت ربيعة بنو شيبان، ومركزه ذو الجدين، وبيت تميم بنو عبد الله بن درام، ومركزه بنو زرارة٣. وذكر أنه قال: ليس في العرب أربعة إخوة أنجب ولا أعدّ ولا أكثر فرسانًا من بني ثعلبة بن عكابة. وكان يقال له الأغر والحصن. وبنوه: شيبان وذهل وقيس وتيم الله. وفارس غطفان الربيع بن زياد العبسي، وفاتكها الحارث بن ظالم، وحكمها هرم بن قطبة، وجوادها هرم بن سنان المريّ؛ وشاعرها النابغة الذبياني. وفارس بني تميم عتيبة بن الحرث بن شهاب أحد بني يربوع. وفارس عمرو بن تميم طريف بن تميم العنبري. وفارس دارم عمرو بن عدس، وفارس سعد فدكي بن المنقري، وفارس الرباب زيد الفوارس بن حصين الضبيّ، وفارس قيس عامر بن الطفيل، وفارس ربيعة بسطام بن قيس٤. وقال أبو عمرو بن العلاء: بيت بني سعد إلى الزبرقان بن بدر من بني بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد، وبيت بني ضبة بنو ضرار بن عمرو الرديم، وبيت بني عديّ بن عبد مناة آل شهاب من بني ملكان، وبيت التيم آل النعمان بن جساس٥. وزعم "ابن الكلبي" أن آل حصن الفزاريين، وآل الجدين الشيبانيين،

стр. 2594

وآل عبد المدان الحارثيين، هم أعلى بيوت العرب. ويقال: بيت تميم في بني حنظلة، أي شرفها١. فهذه البيوت هي البيوت البارزة المسلم لها بالسيادة والشرف عند الجاهليين على رأي "ابن الكلبي". وذكر "الجمحيّ": أن الفروسية في اليمن في بني زبيد بن عمرو بن معد يكرب. وأن شاعر اليمن امرؤ القيس، وأن بيتها في كندة: في الأشعث بن قيس. لا يختلف في هذا وإنما اختلف في نزار. وقال أخباري: كان بيت قيس في آل عمرو بن الظرب العدواني، ثم في غني في آل عمرو بن يربوع ثم تحول إلى بني بدر. فجاء الإسلام وهو فيهم. وقال الأخفش: فرعا قريش هاشم وعبد شمس. وفرعا غطفان بدر بن عمرو بن لوذان وسيّار بن عمرو بن جابر. وفرعا حنظلة رياح وثعلبة ابنا يربوع. وفرعا ربيعة بن عامر بن صعصعة جعفر وأبو بكر ابنا كلاب. وفرعا قضاعة عذرة والحرث بن سعد٢. وقد ذكر "الجاحظ" أن هناك قبائل في شطرها خير كثير، وفي االشطر الآخر شرف وضعة. "فمن القبائل المتقادمة التي في شطرها خير كثير، وفي الشطر الآخر شرف وضعة، مثل قبائل غطفان وقيس عيلان، ومثل فزارة ومرّة، وثعلبة، ومثل عبس، وعبد الله بن غطفان، ثم غنيّ وباهلة، واليعسوب والطفاوة. فالشرف والخطر في عبس وذبيان، والمبتلى والملقى والمحروم والمظلوم، مثل باهلة وغنيّ. ومن هذا الضرب تميم بن مرّ، وثور وعكل، وتميم ومزينة. ففي عكل وتيم ومزينة من الشرف والفضل ما ليس في ثور"٣. وذكر "الجاحظ" أن بعض الناس تكبّروا على غيرهم، لما وجدوا لأنفسهم من الجاه والثراء والمكانة، ومنهم: بنو مخزوم، وبنو أمية، وبنو جعفر بن كلاب، وبنو زرارة بن عدس. فلم يكونوا كبني هاشم في تواضعهم، وفي إنصافهم لمن دونهم٤.

стр. 2595

الشرف: وللشرف مقام كبير عند العرب. وإذا دخل شريف قوم في مجتمع جلس في

стр. 2596

المقام اللائق به. ويلعب هذا المقام دورًا كبيرًا في مجالس الملوك وفي مجالس سادات القبائل وفي أندية الحضر. وإذا لم يأخذ الشريف مكانه، كأن يجلس في مجلس هو دون مجلسه اللائق بمقامه بالنسبة إلى الحاضرين، عد ذلك إهانة له، ومعاملة سيئة متعمدة. قد تأتي بأوخم النتائج إذا كان الشريف من أصحاب الحول والطول. ولهذا كان الملوك خاصة وسادات القبائل يراعون حرمة المكان، ويعينون للقادم مكانة، وبأسلوب لطيف لا يثير مشاعر الجالسين ولا يشعرهم بأنهم قصدوا إهانتهم إن طلبوا من القادم التقدم على الحاضرين، والجلوس على مقربة منهم. وذلك على حسب مكانته ومنزلته، والغالب أن ينص على المكان الذي يجلس به. والشرف في العرف الجاهلي، هو الحسب بالآباء. والشرف والمجد عندهم لا يكونا إلا بالآباء. أما الحسب والكرم فيكونان، وإن لم يكن له آباء لهم شرف١. ولهذا حرصوا على استمرار الشرف في الأسر الشريفة، وعلى إمدادها بالحيوية والنشاط حتى يبقى الشرف متألقًا لامعًا فيها. ومن ذلك الزواج المكافئ والفعال الحميدة والمحافظة على سجايا الأسرة الطبية، والأعراف المثالية، والتمسك بالنسب وعدم تلويثه بدم من هو دونهم في الشرف، ورعاية ذلك النسب وحفظه، ليكون نسب كل شريف بيّنًا واضحًا ظاهرًا للناس. ومن الشرف: التخلق بالأخلاق الحميدة، وعمل الأمور المحببة المفيدة التي تخلد الذكر لصاحبها وتجعل الناس يلهجون باسمه من ذلك.

стр. 2597

العرض: والعرض في معنى الشرف، ويتجلى في مظاهر متنوعة يراد بها صيانة السمعة وطرد سوء الظن وما يخدش شرف الإنسان من سوء أو مكروه. وهو لا يكتفي بالدفاع عن عرضه، بل يلزم نفسه أيضًا بالدفاع عن عرض قبيلته وعن عرض من يدخل في جواره أو في حلفه، لأن أعراضهم عرضه. فهو يلزم نفسه بلوازم كثيرة ثقيلة، يحاول مهما كلفه الأمر الوفاء بها خشية العار. وهو في سبيل الوفاء بالتزامات العرض يفعل ما يشاء، ويدخل في ذلك القتل والعنف في سبيل الدفاع عن الالتزامات التي ألزم نفسه بها في سبيل حماية العرض١.

стр. 2598

وإذا مُسّ عرض امرئ بأذى هاج وأهاج مَنْ هو من ذوي دمه ولحمه، للاقتصاص ممن دنس عرضه. وهو لا يهدأ حتى يأخذ بثأره ممن داس على عرضه. فثأر العرض مثل ثأر القتل، لا يهدأ صاحبه ولا يهجع إلا إذا أخذ بثأره ممن تجاوز على عرضه. والغالب في عقوبة هذا الثأر الذبح. أي بقطع الرأس عن الجسد. يذبح حتى في حالة إذا كان قد توفي من طعنة بخنجر يقضي عليه، فإنه يذبحه عندئذ. ويكون هذا غسلًا للعار الذي ألحقه ذلك المتجاسر بعرض القاتل.

стр. 2599

المروءة: وتتمثل المثل الجاهلية العليا في "المروءة"، وقد فسرت المروءة بأنها كمال الرجولية. ومن المروءة: الحلم، والصبر، والعفو عند المقدرة، وقرى الضيف، وإغاثة الملهوف، ونصرة الجار، وحماية الضعيف. فإذا تمثلت أمثال هذه السجايا في رجل، كان كاملًا، عظيم الشأن في قومه. والمروءة عند الجاهليين كالدين عند المسلم. وقد ورد أن المروءة ألّا تفعل في السرّ أمرًا وأنت تستحي أن تفعله جهرًا١ فهي أقصى ما تكون من أخلاق في الرجال الكامل الشجاع. وقد أقرها الإسلام في جملة ما أقره من فضائل الجاهلية، ورد: الدين، المروءة، ولا دين إلا بالمروءة٢. والشهامة هي من صفات السيد الشريف النبيل. والشهم، وهو السيّد النجد، الذي إذا دعي أنجد، وإذا طلب أجاب٣.

стр. 2600

الكَمَلة: وتحدث أهل الأخبار عن جماعة من الجاهليين قالوا إنهم عرفوا بين قومهم بالكملة. منهم "بنو زياد العبسيون"، وهم أنس الحفاظ، ويقال له أيضًا أنس الفوارس، وعمارة الوهاب، وربيع الكامل، وقيس الجواد. وقيل: ربيع الحفاظ، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارس، أمهم فاطمة بنت الخُرشب الأنمارية١.

стр. 2601

وكان "الربيع بن زياد العبسي" المعروف بالكامل، ممن ينادم الملك النعمان، ويكثر عنده، ويتقدم على من سواه. وينزل في قبة يضربها له. حتى أفسد "لبيد" الشاعر، وكان إذ ذاك غلامًا ما كان بينهما من ودّ في خبر ترويه كتب الأدب والأخبار١. وعرف قوم ب "الأكابر"، قيل هم: شبيان، وعامر، وجليحة، والحارث بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل٢. والإنسان الكامل عند الجاهليين وفي أول الإسلام، هو الذي يكتب بالعربية، ويحسن العوم والرمي. وقد لقب رجال عديدون بهذا اللقب، منهم: "أوس بن خولي"، وهو من المخضرمين٣. قال "ابن سعد" عنه: "وكان أوس بن خَوَلي من الكَمَلة، وكان الكامل عندهم في الجاهلية وأول الإسلام الذي يكتب بالعربية ويحسن العوم والرمي"٤.

стр. 2602

من الخصال الحميدة: ومن الخصال الحميدة عند العرب: النخوة. والنخوة في اللغة الافتخار والتعظم، والنخوة الكبر والعظمة. ومن صفات العرب أنها كانت تتنحى من الدنايا أي تستنكف٥.

стр. 2603

الكرم: ومن الأعراف عرف إكرام الضيف، وتقديم حق الضيافة له مهما كانت درجة تلك الضيافة ومنزلة المضيف. يقدم له ما يقدر عليه وما يتسع حاله له. والضيافة درس من الدروس التي لقنتها الطبيعة للإنسان أيضًا. لقنته أن الإنسان مهما كان

стр. 2604

فقيرًا، عليه أن يقدم ما عنده لمن يأتيه من ضيف قريب أو غريب ليضيفه، إنقاذًا لحياته من قحط البادية ومن شحها. فليس في البادية ملجأ يلجأ الفرد إليه غير الخيام المضروبة هنا وهناك، ملاجئ مهما قيل فيها، لكنها قوارب النجاة أو جزر صغيرة في محيط واسع شاسع. لا يطمع الإنسان منها إلا في الاستراحة وإمضاء أمور سفره إلى الموضع الذي يريده، وإذا امتنع صاحب الخيمة عن أداء حق الضيافة، وعرض حياة ضيفه للخطر، وعرض حياه نفسه إلى ذلك الخطر، فلا بد أن تنزل به في يوم ما حاجة ما، ولا بد أن يقطع البادية مرارا في حياته بحثا عن رزق، فإذا بخل ولم يضيّف غيره، لم يستضفه الآخرون فيقع في ضنك قد يكون به هلاكه وهلاك من معه. والعرف أن الضيافة ثلاثة أيام وثلاث ليال، فإذا انتهت المدة، سقط حق الضيافة من رقبة "المضيف" إلا إذا جددها، وزاد عليها. ويعبر عن منزلة الضيف عند المضيف يحمل وتعابير تعبر عن ترحيب المضيف بضيفه، مثل جملة: "بيتي بيتك"، وعلى الضيف بالطبع أن يتأدب بأدب الضيافة، فيصون حرمة بيت مضيفه، فلا يسرق منه، ولا ينظر إلى العائلة بسوء وألا يقوم بأي عمل يخل بعرف الضيافة١. ونظرًا إلى ما للمعابد من حرمات، اعتبر الوافدون عليها لزيارتها والتقرب لأصنامها ضيوفًا لها، وعدوا الذي يعتدون عليهم خارجين عن العرف مارقين بالنسبة لمجتمعهم. فمن كان يفد إلى مكة يقال له "ضيف الله"، وقيل للحُجَّاج "ضيوف الكعبة"، فلا يجوز الاعتداء عليهم، ومن وقع اعتداء عليه، يجد حتمًا من بين أهل مكة من يدافع عنه٢. والجود، وهو السخاء صفحة أخرى من صفحات الكرم. وهو أن يمطر الرجل غيره بمعروفه، وأن يجود على غيره بما عنده٣. وقد بالغ بعضهم بجوده حتى ضرب به المثل. ومن هؤلاء حاتم الطائي. وهو "حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عديّ بن أحزم" من قبيلة طيء.

стр. 2605

وقد ضرب به المثل في الجود والسخاء، فقيل "أجود من حاتم"، ورووا عنه قصصًا كثيرًا في الجود والسخاء، يرينا أن الجود فيه سجية، نبت فيه مُذْ كان صغيرًا، فقد روي أنه اختلف مع والده، وهو صغير، لأنه فرق إبله وغنمه وكان يرعى بها على قوم مرّوا به، فيهم: عَبِيد بن الأبرص، وبشر بن أبي خازم، والنابغة الذبياني، فطرده أبوه، وقال له: إذن لا أساكنك بعدها أبدًا ولا آويك، فقال حاتم: إذا لا أبالي١. ويذكر: أنه كان إذا أهل شهر رجب نحر في كل يوم عشرة من الإبل، وأطعم الناس، وأنه كان يقول لغلامه يسار، إذا اشتد البرد وكلب الشتاء: أوقد نارًا في يفاع من الأرض: لينظر إليها من أضل الطريق ليلًا فيقصد نحوه٢. وكان يوقد نار القرى، ليقصدها من يريد الضيافة من الناس. وذكروا أنه كانت لحاتم قدور عظام بفنائه لا تنزل عن الأثافي، إلى غير ذلك من أخبار في كرمه وسخائه٣. وذكر عنه أنه قسم ماله بضع عشرة مرّة؛ وأنه مرّ في سفر له على بني عنزة ولهم أسير في القدّ، فاستغاث به، ولم يحضره فكاكه، ففاداه وخلّاه، وأقام مقامه في القدّ حتى أُدي فداؤه. ورووا أنه ذبح فرسه، ووزع لحمها على جيرانه، لأن امرأة كانت جارة له جاءت إليه مستغيثة به، تقول له: أتيتك من صبية يتعاوون من الجوع ولم يكن لديه ما يعطيها، فذبح فرسه، مع أنه وعائلته كانوا جياعًا مثل صبيتها، فلما مانعت زوجته في ذبح فرسه، قال لها: إن هذا للُؤم أن تأكلوا وأهل الحي جياع٤. وينسب أهل الأخبار إليه شعرًا، في جملته قصيدة تتعلق بالكرم وبمكارم الأخلاق وبالحكم٥، وقد جمعوا من شعره ديوانًا، وذكروا أنه من الشعر

стр. 2606

البليغ الجيد١. وضرب المثل بجود "كعب بن مامة الإيادي". ويذكر أهل الأخبار أنه هلك بسبب جوده، فقد مات عطشًا، لأنه أعطى الماء غيره، فمات هو من العطش٢. وقد فضله "الجاحظ" ورَجَّحه على "حاتم الطائي" في الجود. ذلك لأن حاتمًا كان يجود على غيره بماله، أما "كعب"، فقد بذل النفس حتى أعطبه الكرم، وبذل المجهود في المال، فساوى حاتمًا من هذا الوجه وباينه ببذل المهجة. فهو على رأيه فوقه في الكرم بمنازل ودرجات٣. وذكر أن من عادة "كعب بن مامة" أنه إذا جاوره رجل قام له بكل ما يصلحه وعياله، وحماه ممن يريد. وإن هلك له بعير أو شاة أو عبد أخلف عليه، وإن مات وداه، فجاوره "أبو دواد الإيادي" الشاعر، فكان يفعل به ذلك ويزيد في بره، فصارت العرب إذا حمدت جارًا بحسن جواره، قالوا: كجار أبي دواد٤. وقد افتخرت به إياد. وعدّ من مفاخرها٥. وذكر "عبد الملك بن مروان" إيادًا، فقال: هم أخطب الناس لمكان قس، وأسخى الناس لمكان كعب، وأشعر الناس لمكان أبي دواد، وأنكح الناس لمكان ابن الغز٦. و"أوس بن حارثة بن لأم الطائي". يذكرون أن "النعمان بن المنذر" حباه حلة نفيسة بحضور وفود العرب من كل حيّ، وكانوا قد اجتمعوا عنده، فقال لهم: "إني ملبسٌ هذه الحلة أكرمكم" فألبسه النعمان الحلة٧. ويذكرون أنه تمكن من الشاعر "بشر بن أبي خازم"، وكان "أوس" قد نذر لئن

стр. 2607

ظفر به ليحْرِقنه، لأنه أسرف في هجائه، حتى تجاسر فهجا أمه "سُعدى". فلما ظفر به، أشارت "سُعدى" على "أوس" بأن يمنّ على بشر، فخلى سبيله وأكرمه وأحسن كسوته وحمله على نجيبة وحباه، فصار "بشر" يمدحه١ ويذكر أهل الأخبار، أن أوسًا وحاتمًا وفدا على "عمرو بن هند"، فأراد امتحانهما، والوقوف على رأي أحدهما في الآخر، فما انتقص واحد منهما الآخر. فقال عمرو: والله ما أدري أيكما أفضل! وما منكما إلا سيد كريم٢. و"هرم بن سنان المُريّ"، من أجواد الجاهلية أيضا. وهو سيد غطفان. وكان والده سيّد غطفان كذلك. وقد مدحه الشاعر زهير بن أبي سلمى في أبيات لا يزال الناس يحفظونها ويذكرونها عن هرم وقد كان هرم أعطاه مالًا كثيرًا من خيل وإبل وثياب وغير ذلك مما أغناه، وفيه ورد المثل: "أجود من هرم". وقد أدركت بنت له أيام عمر فسألها عن أبيها وعن صلته بزهير٣. قال "أبو عبيدة": "أجود العرب ثلاث: كعب بن مامة، وحاتم الطائي، وكلاهما ضُرب به المثل، وهرم بن سنان صاحب زهير"٤. وقد ضرب المثل بجود "عبد الله بن حبيب العنبري" فقيل: "أقرى من آكل الخبز". ذكر أنه سمي آكل الخبز، لأنه كان لا يأكل التمر ولا يرغب في اللبن. وأكل الخبز ممدوح عند العرب. وهو عندهم من علامات الغنى والمال. وعرف "ثور بن شحمة العنبريّ" بالجود كذلك، وقد كان قومه "بنو العنبر" إذا افتخروا، قالوا: "منا آكل الخبز، ومنا مجير الطير"٥. وقد عرف "ثور بن شحمة" ب "مجير الطير" لأنه كان يشفق على الطيور فيطعمها ويشبعها لجوده وكرمه. واشتهر "عبد الله بن جُدعان" بجوده كذلك، وقد كان يسمى ب "حاسي الذهب"، لأنه كان يشرب في إناء من الذهب، وقيل: "أقرى من حاسي

стр. 2608

الذهب". وكان يجود على "أمية بن أبي الصلت"، ويقري أهل مكة ومن يأتي إليها، وله جفنة كبيرة يأكل منها الناس، ويصنع لهم "الفالوذج"، ولم يكن معروفًا قبله بمكة، فلما كان بالعراق. أكله واستذوقه، وجاء منه بطبّاخ ليطبخ له "الفالوذج". وهو من "بني تيم". وكان ممن حرم الخمر على نفسه بعد أن كان بها مغرى، لما رأى فيها من ضرر وإسفاف يلحق بشاربها. وذكر أنه لما كَبُرَ وهرِم، أراد قومه أن يمنعوه من تبذير ماله، ولاموه في العطاء، فكان يدعو الرجل، فإذا دنا منه، لطمه لطمة خفيفة، ثم يقول له: قم فانشد لطمتك واطلب ديتها، فإذا فعل، أعطته بنو تيم من مال ابن جُدعان١. وقد ضرب المثل بفالوذج ابن جُدعان في أطايب الأطعمة٢. وقد عدّ في "مطعمي قريش"، وهم سادات قريش وأشرافها ممن كان يطعم الناس ويفتح بيته للضيوف، ولا يمنع جائعًا من دخول داره. كهاشم بن عبد مناف. وكانت له جفان يأكل منها القائم والراكب، إذا وقع في إحداها صبي غرق. فجرى بها المثل في العظم٣. وللتعبير عن إسراف الأجواد في جودهم، وفي قراهم الضيوف، نعت أحدهم ب "مطعم الطير"، كناية عن كرمهم، وعن كثرة طعامهم المهيأ، حتى كانت الطيور تشارك الضيوف في أكل الزاد، وهو كثير. وقد نعت "حسان بن ثابت" عمه "خالد بن زيد" المعروف ب "ابن هند"، وهو من "بني النجّار"، ب "مطعم الطير"، كناية عن أنه كان ينحر الإبل للأضياف، فيأكل منها الناس والطير٤. ونعتت "ليلى بنت الخَطِيم بن عدي بن عمرو"، وهي أخت الشاعر "قيس بن الخطيم" أباها بأنه "مطعم الطير ومباري الريح"، وذلك أمام الرسول٥.

стр. 2609

ومن الأجواد من كان يجود في أوقات الشدة والحاجة بصورة خاصة، في مثل حلول الجدب. وقد عرف نفر من العرب ب "مطاعيم الريح"، وذلك لأنهم كانوا يطعمون إذا هبت ريح الصبا، لأنها لا تهب إلا في جدب، فمدحوا. ومن هؤلاء: "كنانة بن عبد يا ليل الثقفي" عم أبي محجن١. وزعم "ابن الأعرابي" أن "مطاعيم الريح"، هم أربعة منهم: كنانة بن عبد يا ليل الثقفي المذكور و "لبيد بن ربيعة"٢. ويقال للرجل الذي يهتز للمعروف والعطية "الأريحي"، وهو السخي، و "الأريحية" السخاء٣. وقد ضرب المثل بجماعة من الجاهليين عرفوا بجودهم وكرمهم، حفظ العرب ذكرهم لجودهم، وما زالوا يحتفظونه حتى اليوم، يتذاكرونه ويروونه في كتاباتهم وفي أنديتهم وفي كلامهم. من هؤلاء ثلاثة سُمّوا "زاد الراكب" و "أزواد الركب"، لأنهم كانوا إذا سافروا مع قوم لم يتزودوا معهم. كانوا من أهل مكة هم: أبو عمرو بن أمية "مسافر بن أبي عمرو بن أمية"، وأبو أمية بن المغيرة المخزومي، والأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العُزّي "زمعة بن الأسود بن المطلب". وقد ضرب بهم المثل، فقيل: أقرى من زاد الراكب٤. وقد كان "عبد الله بن أبي أمية"، المعروف ب "زاد الركب" شديد الخلاف على المسلمين، ثم خرج مهاجرًا من مكة يريد النبي، فلقيه ب "الصلوب" فوق العرج، فأعرض عنه رسول الله، ثم عفى عنه٥. وفي معنى "زاد الركب" معنى "جفنة الركب"، والجفنة: الرجل

стр. 2610

الكريم. قيل له: "جفنة الركب"، لأنه كان مطعامًا يضع جفنته ويطعم الناس فيها، ومن يكون معه في ترحاله فسمي باسمها١. وكانت العرب تقول: السفر ميزان القوم، كأنه يزنهم بأوزانهم ويفصح عن مقاديرهم في الكرم واللؤم٢. إذ يتبين الكريم من اللئيم في سفره. فاللئام إذا ما سافروا ضجروا، لخوفهم من تقديم ما عندهم إلى من هم دونهم من فقير ومحتاج، أما الكريم، فإنه لا يبالي في سفره فيعطي وينفق ويساعد من يسافر معه بما يجود به عليهم. فهو على عكس اللئيم فرح بسفره هذا مستبشر. وزعم الأخباريون أن "سويد بن هرمي بن عامر الجمحي"، كان أول من وضع الأرائك وسقى اللبن والعسل بمكة٣. ومعنى هذا أنه أول من وضع الأرائك لراحة الناس في الجاهلية، ولعلّهم قصدوا أرائك وضعت في الحرم لجلوس الناس عليها. كما ذكروا أن "أبا أمية بن المغيرة المخزومي" و "أبا وادعة بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم" وكانا يسقيان العسل بمكة، بعد سويد بن هرمي٤. وقد كان "عدي بن نوفل" يسقي الحجيج اللبن والعسل على ما ذكره أهل الأخبار٥. وقد عدت السقاية من مفاخر قريش. وقد كان من عادة الأجواد إيقاد النار في الظلام ليراها الغريب والمحتاج والجائع من مسافة بعيدة فيفد إليها، فيجد له من يقريه ويقدم له ما يحتاج إليه من طعام. ويقال لها "نار القرى" و "نار الضيافة". وهي نار توقد لاستدلال الأضياف بها على المنزل، وكانوا يوقدونها على الأماكن المرتفعة، لتكون أشهر. حتى زُعم أن منهم من كان يوقدها بالمندلي الرطب، ليهتدي إليها العميان، بشم رائحة الطيب التي تفوح منها عند الاحتراق. وهي من أجل الأعمال عند العرب. وقد ذكرت في الشعر الجاهلي٦.

стр. 2611

ويعدّ الشتاء محكًّا للأجواد ولكرام الأنفس فالشتاء عدو الفقير، يؤلمه ببرده ويوجعه بفقره ويضيف آلامًا على آلامه. فخيمته الممزقة البالية، لا تقيه من رياح ولا من مطر ولا من برد. والصيد يختفي ويقل، والأعشاب تزول، فلا يجد الفقير أمامه سوى ما ادخره من قوت ليعيش عليه. فإذا أكله أو كان قليلًا، فليس أمامه من ملجأ سوى الاستجارة بأهل الجود والسخاء. ممن كانوا إذا جاء الشتاء أدنوا إليهم الناس وأطعموهم، فيقتلون بذلك جوع الشتاء. ولهذا عرف الواحد منهم ب "قاتل الشتاء"١. وغاية الجود أن يجود الإنسان بأعز ماله لغيره، يقال: "إنه لمنحار بوائكها، أي ينحر سمان الإبل"، وهو للمبالغة، يوصف للجود٢. فهو ليس من أولئك الذين يبخلون بمالهم العزيز، فينحرون الهزيل من الإبل، حرصًا على العزيز، بل يقدم أقصى ما عنده لضيوفه. ويعد العرب "إقراء الضيف" و "الرفادة": "رفادة الحج" في جملة "إرث إبراهيم وإسماعيل". ويدخل أهل الأخبار في جملة هذا الإرث تعظيم الحرم ومنعه من البغي فيه وقمع الظلام ومنع المظلوم٣. فالكرم إذن من السنن القديمة الموروثة عن سنة إبراهيم على أهل الأخبار. ولا يعد الكريم كريمًا إذا وهب ماله في سبيل غرض. فمن وهب المال لجلب نفع أو دفع ضرر أو خلاص من ذم فليس بكريم٤. ويقال للعطية الجزيلة "الدسيعة". ويقال للجواد، هو ضخم الدسيعة، أي كثير العطيّة. وقيل هي المائدة الكريمة والجفنة على سبيل المجاز٥، لما عرف به الأجواد من تقديم الطعام للأضياف. ويقال للجواد المعطاء السيد الحمول: "الخضرم"، تشبيها بالبحر الخضرم وهو الكثير الماء٦.

стр. 2612

وقد يعبر عن غاية الجود بقولهم: "هو جبان الكلب"، أي نهاية في الكرم وكثرته، لأنه لكثرة تردد الضيفان إليه يأنس كلبه فلا يهر أبدًا. قال حسان بن ثابت: يُغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون من السواد المقبل١ ومن الجود والكرم: الرفادة. والرفد: العطاء وإعانة المحتاج. ومن ذلك ما فعلته قريش من "الرفادة"، حيث اتفقت أن يخرج كل إنسان مالًا بقدر طاقته، يشترون به للحاج الجُزر والطعام والزبيب للنبيذ، فيجمعون من ذلك مالًا عظيمًا، فلا يزالون يطعمون الناس حتى تنقضي أيام موسم الحج. وذكر أن "هاشم بن عبد مناف"، كان أول من قام بالرفادة، وأول من هشم الثريد، وقد سُمّي هاشمًا لهشمه الثريد٢. وذكر علماء اللغة أن السخاء مراتب ثلاث: سخاء وجود وإيثار. فالسخاء إعطاء الأقل وإمساك الأكثر. والجود إعطاء الأكثر وإمساك الأقل، والإيثار إعطاء الكل من غير إمساك شيء. وهو أشرف درجات الكرم٣. ويعبر عن السخاء ب "الندى". ويقال "هو ندي الكف"، إذا كان سخيًّا٤. و "طلحة الندى"٥، أي السخي الكريم.

стр. 2613

من شيم السادة: ويعد حمل أثقال الديات من شيم السادة، إذ لم يكن من الممكن للأسر الفقيرة دفع دية القتلى حين توزع في العشيرة أو القبيلة، لذلك يحملها السادة عن الضعفاء. وقد مدح "حسان بن ثابت" "حكيم بن حزام من خويلد"، فكان مما مدحه به أنه "أنه حمال أثقال الديات"١.

стр. 2614

وممن حمل الدماء ودفع أثمان دياتها: "عمرو بن عصم"، الذي حمل الدماء التي كانت بين "بني سدوس" و "بني عنزة" في الجاهلية١، وهرم بن سنان، والحارث بن عوف، إذ تحمل ديات قتلى الحرب التي وقعت بين عبس وذبيان٢. كما يعد حمل ثقل المولودة التي يراد وأدها من الشيم ومن الأعمال الحميدة التي يحمد القائم بها عليها. وقد ذكر أهل الأخبار أسماء جماعة دفعوا مالا لآباء كانوا قد همّوا بوأد بناتهم لإملاقهم ولضعف حالهم، فأبقوا بذلك على حياتهن. وهو عمل يقدر حقًّا، لأنه عن حس انساني ودافع خيري نبيل.

стр. 2615

فك الأسر: ومن شيم الرجال المنّ على الأسرى بفك رقابهم وإعطائهم حريتهم. وقد أبت مروءة بعض السادات إلا أن يقوموا بفك أسر الأسرى وإعتاق رقبتهم، ولو بشراء أسرهم بثمن. وقد ذكر العلماء أسماء رجال منهم عاشوا في الجاهلية عرفوا بعدم رضاهم عن الأسر، فكانوا يدفعون مالًا في مقابل فكّ رقبتهم. من هؤلاء "سعد بن مُشمت بن المُخَيّل"، وهو من رجال "بني المخيل" في الجاهلية. وكان آلى أن لا يرى أسيرًا إلا افتكّه١. ومن شيم الرجال العفو عند المقدرة والحلم والصفح عن المسيء، وكان من عاداتهم في غفران الذنب، حفر بئر، ثم ينادي من يريد غفران الذنب والعفو عن المذنب: اشهدوا أني جعلت ذنبه في هذه البئر. ثم يرد فيها ترابها، وبذلك يغفر الذنب٢. وقد ضرب العرب المثل بحلم "قيس بن عاصم"، وب "الأحنف بن قيس" و "قيس بن عاصم"، هو من بني منقر من تميم. وكان ممن حرم الخمر في الجاهلية، وذكر أنه كان أول من وأد، لأنه خشي أن يخلف على بناته من هو غير كفء لهن. وكان قد وأد ثماني بنات، ووفد في وفد

стр. 2616

"بني تميم" على الرسول فأسلم. وقد قال له الرسول لما دنا منه: "هذا سيد أهل الوبر"١. وأما "الأحنف بن قيس"، فهو تميمي كذلك. أدرك النبي ولم يجتمع به. وكان يضرب بحلمه المثل. وله قصص مع الخلفاء. وسكن البصرة، وبها مات سنة سبع وستين٢. وقد رجّح الجاحظ "الأحنف" على كل من عرف عند العرب واشتهر بينهم بالحلم، حتى رجحه على لقمان ولقيم وقيس بن عاصم ومعاوية بن أبي سفيان. وله قصص مع معاوية٣. ونسبوا له حكمًا وشعرًا٤. وذكر أنه هو القائل: "لا تزال العرب بخير ما لبست العمائم، وتقلدت السيوف، وركبت الخيل، ولم تأخذها حميّة الأوغاد. قيل: وما حمية الأوغاد؟ قال: أن يروا الحلم ذلًّا، والتواهب ضيمًا"٥. وقيل للأحنف بن قيس: بماذا سدت؟ فقال: بثلاث، بذل الندى، وكف الأذى، ونصر المولى. وقال: إنما تعلمت الحلم من قيس بن عاصم: أُتي بقاتل ابنه فقال: رعبتم الفتى. وأقبل عليه فقال: يا بني لقد نقصت عددك، وأوهنت ركنك، وفتت في عضدك، وأشمتَّ عدوك، وأسأت بقومك، خلوا سبيله، وما حل حبوته، ولا تغير وجهه٦. وللعرب كلمة تقولها عند طلب العفو والحلم وفي مواطن الغضب والتشاجر، هي: "إذا ملكت فاسجح"، يقصد بها طلب العفو والحلم عند ثوران الغضب. ولهم كلمات أخرى كثيرة في الحث على التحلي بالحلم والصبر٧. ومن خصال السادة: النخوة. وقد عرف بها العرب حتى ضرب بها المثل، فقيل: نخوة العرب، وورد: "لؤم النبيط ونخوة العرب". وهم ينتخون لمن

стр. 2617

لمن ينتخيهم مع ترفع وتعزز١. فإذا نخي شخص، فعلى من انتخى إجابة داعي النخوة وإلا عدّ جبانًا وصار سبة للناس. ولا يعني أن ما ذكرته كان يجب أن يتوفر حتمًا في رجل ليستحق أن يكون سيدًا. فقد رمي بعض الرؤساء بالبخل وبشدة الحرص وبإمساك يدهم، ووصف بعض السادات بالظلم وبالقسوة، ومع ذلك، فقد حكموا قبيلتهم وساد بعضهم وهم شُبّان، والعادة عند العرب أن الرئاسة للمسنّ، وإنما الذي ذكرته يمثل رأي ذوي الرأي في الرئيس المثالي الذي يعرف كيف يحكم قومه وكيف يوجه قبيلته. وهي ليست بالضرورة مؤهلات وصفات يجب أن تكون لازمة في الرجل الذي سيسود قومه، لقد ذكرت أن السيادة بالوراثة، وأن هذه الخلال إذا تحلى بها إنسان آخر من رجال القبيلة عدّ أيضا سيدًا من ساداتها، بمعنى أنه صار شريفًا مقدمًا فيها ووجهًا من وجوهها. تمامًا كما يكون لمدينة ما رئيس مدينة، يحكمها بصفة رسمية، ويكون لها في الوقت نفسه وجهاء وأشراف قد يكون من بينهم من هو أكثر ذكرًا وأعلى مكانة وأشرف منزلة من رئيس المدينة، ولكنه مع ذلك لا يمثل المدينة في الحفلات والمجتمعات، لأنه ليس برئيسها العامل المعين. وهكذا هو شأن تلك الخصال، خصال مثالية قد تتوفر في رئيس القبيلة، وقد لا تتوفر فيه، بل تتوفر في غيره من أبناء القبيلة ومن رؤساء فروعها، ليكون لهم السيادة والشرف فيها ويشار إليهم على أنهم سادة القبيلة، ولكنهم لا يعنون بذلك رئاسة فعلية، وإنما رئاسة شرف ومكانة وتقدير في مجتمع. ومن هنا نجد أهل الأخبار يذكرون أسماء جملة سادات، على أنهم سادات قبيلة واحدة وفي وقت واحد، فهم في الواقع سادات مجتمع وفروع قبيلة.

стр. 2618

المدح والهجاء: وللمدح والهجاء شأن كبير عند الجاهليين إذ كان الجاهليون يقيمون وزنًا كبيرًا للقيم المعنوية. فرب مدح يخلد الممدوح ويبقي ذكره، ورب هجاء يغض من شأن المهجو ويحط من اسمه. ونحن هذا اليوم نقرأ ما ورد عندهم من المدح، ونسمع أسماء الممدوحين وما حصلوا عليه من جاه وفخر بين الناس، ونقرأ ما ورد في ذم أناس وما قيل فيهم من ذمّ وقذع. ولولا الأهمية التي أعطاها الماضون للمدح وللهجاء لما بقي الذم والمديح حتى اليوم.

стр. 2619

ومن أسباب المدح سخاء الممدوح أو شهامته ونجدته وشجاعته وعفته وحلمه وصبره وتضحيته وما إلى ذلك من صفات وخلال حميدة. فكان إذا جاءه ضيف يعرفه أو لا يعرفه قدم إليه واجب الضيافة، وبالغ في إكرامه وإن كان فقيرًا لا يملك شيئًا. ويقدمه على نفسه وعلى أهله، لأن الضيافة حق وواجب، وعلى من يقصَد للضيافة أداء هذا الواجب. وقد كان الملوك يهبون على المدح ويثيبون المادح على قدر ما جاء في مدحهم لهم من تفنن في المدح ومن إطراء زائد ومبالغة في المدح. ولما دخل "النابغة الذبياني" على "النعمان بن المنذر"، وحياه بتحية الملوك، ثم مضى مسترسلًا في مدحه، تهلل وجه النعمان سرورًا، وأمر أن يقدم له الدر، و "كسي أثواب الرضى. وكانت جُبّات أطواقها الذهب بقصب الزمرد. ثم قال النعمان: هكذا فليمدح الملوك"١. وفي كتب الأدب والأخبار أشعار قيل عن كل شعر منها "إنها أمدح بيت قالته العرب"٢. وفيها مبالغات وغلو في المدح، تجعل الممدوح شمسًا والملوك كواكب، إذا طلعت لم يبد منهن كوكب٣. وأمثال ذلك. وهذا الشعر وشعر الفخر وأمثالهما، يجب أن يكونا موضوعين لدراسات نفسية، لأنهما يمثلان أعمق الأحاسيس النفسية للعرب، ويتحدثان عن المواطن الرقيقة عند العرب، التي تهتز أوتارها بسرعة عند سماعها هذا النوع من المدح. والنواحي العاطفية التي يمكن منها التأثير في العرب. ونحن لا نستطيع بالطبع، أن نأخذ هذا الفخر أو ذاك المدح على أنهما يمثلان الواقع ويمثلان الممدوح تمام التمثيل. أو أنهما تعبير عن نفس صادقة مخلصة في كل ما قالته أو نظمته. فنحن نعلم أن من الشعراء من يمدح للعطاء ويهجو إذا حُرم منه. وأن الممدوح إذا قطع عطاءه عن الشاعر، كفّ شاعر عن مدحه، وربما انقلب عليه فيغسل كل ما قاله في مدحه له، بشعر يشتمه فيه بأبشع أنواع الشتم وأمضه. فشعر مثل هذا، وإن كنا نرويه ونتحدث عنه ونحفظه، ولكنا نرويه ونستلذ بروايته، لأنه لذيذ من

стр. 2620

ناحية الأدب، ولأنه شعر قديم يمثل ضربا من ضروب الحياة في ذلك الوقت. وقد يمدح الشخص بنعته بنعوت مشرفة، مثل "فلان أبيض" و "قوم بيض"، و "البيض المناجيد" وهم لا يريدون من اللفظة بياض البشرة، وإنما يريدون المدح بالكرم ونقاء العرض من الدنس والعيوب١. وقد ينعت قوم بالخضرة، ويريدون بذلك أن المنعوتين قوم عرب خلص. والأخضر بمعنى الأسود، والعرب تسمي الأسود أخضر، يريدون بذلك سواد الجلد، والمراد بسواد الجلد أنهم عرب خلص٢. ويمدح المحافظون على الوفاء بالعهد والمتمسكون بالودّ، والمحامون على عوراتهم الذابّون عنها. ويعبر عنهم ب "أهل الحفاظ"٣.

стр. 2621

التفاخر: والتفاخر، وهو التعاظم، من أهم مظاهر الحياة الاجتماعية عند أهل الجاهلية٤. وفي الكتب العربية أمثلة كثيرة من تفاخر الجاهليين بعضهم على بعض، وتباهيهم بالأشياء الخارجة عن الإنسان والتمدح بالخصال. وتكون المفاخر بالآباء والأجداد، وبالسيادة والشرف، وبالكثرة، وبالحسب والنسب، حتى إنهم انطلقوا في بعض الأوقات إلى القبور فكانوا يشيرون إلى القبر بعد القبر، ويقولون: فيكم مثل فلان ومثل فلان؟ وفي ذلك نزلت الآية: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ، كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ٥. فذكر أن حيين من قريش، بني عدنان وبني سهم، تكاثروا بالسيادة والأشراف، فقال كل حيّ بهم: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ . وقيل: إن قبيلتين من قبائل الأنصار، تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان وفلان؟ وقال الآخرون مثل ذلك. تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور، فجعلت إحدى

стр. 2622

الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبر، وقال الآخرون مثل ذلك فأنزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ ١. وتقع المفاخرات بحضور محكمين في الغالب، أو طرف ثالث محترم، وعلى الطرفين قبول الحكم وإطاعته، وسماع رأي الطرف الثالث في حجج وأقوال المتخاصمين المتفاخرين، وتكون المفاخرة بإظهار كل طرف ما عنده من خصال يفاخر بها، ومن مناقب يستأثر بها، ومن مجد يرى أنه انفرد به دون خصمه، ثم يذكر ما امتاز به على خصمه، بكلام منثور ومنظوم، منسق منمق، وما قام به من أعمال فريدة، وما حل عليه من حروبه مع الناس. وبعد أن يفرغ المتفاخرون من إلقاء ما عندهم من حجج وبيان، ينظر المحكمون في الحجج التي استمعوا إليها، ليبدوا حكمهم بموجبها ويكون حكمهم أصعب شيء يواجهونه، لما يتركه من أثر في نفوس المتخاصمين، ولما سيكون له من تأثير في مكانة من سيخسر المفاخرة. ويقال للمفاخرة "المنافرة". و "المنافرة" المحاكمة في الحسب، وأن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه، ثم يحكّما بينهما رجلًا، كفعل "علقمة بن علاثة" مع "عامر بن طفيل" حين تنافرا إلى "هرم بن قطبة الفزاري"، وفيهما يقول الأعشى يمدح "عامر بن الطفيل" ويحمل على "علقمة بن علاثة": قد قلت شعري فمضى فيكما ... واعترف المنفور للنافر وقد نافر "أنيس" أخو "أبي ذرّ الغفاري" شاعرًا على شعره، إذْ كان يرى أنه أجود منه شعرًا٢. وتكون المنافرة في كل شيء، يرى إنسان أنه يفوق به غيره، كالمنعة والعزّ والجاه والكرم وما شاكل ذلك من خصال. قال "ابن سِيده": "وكأنما جاءت المنافرة في أول ما استعملت أنهم كانوا يسألون الحاكم: أينا أعز نفرًا؟ "٣. و"النفار" أن يتنافروا إلى حاكم يحكم بينهم. و "النفورة" الحكومة.

стр. 2623

وورد "يوم نفورة": أي يوم حكومة، حكم فيه بالنفار١. ومن المفاخرات، مفاخر وفود ربيعة ومضر ابني نزار عند النعمان بن المنذر. فكان فيمن قدم عليه من وفود ربيعة "بسطام بن قيس" و "الحوفزان بن شريك". وفيمن قدم عليه من وفد مضر من قيس بن عيلان "عامر بن مالك" وعامر بن الطفيل. ومن تميم قيس بن عاصم، والأقرع بن حابس٢. ومفاخرة "آل حذيفة بن بدر" و "آل الأشعث بن قيس الكندي" عند كسرى. وهم من أعرق الأسر في أيامهم، وأشرفها. وقد عَجِب "كسرى" بذكائهم وبحدة أذهانهم٣. ومفاخرات أخرى مدونة في الكتب. ومن مفاخرات أهل الجاهلية، منافرة "عامر بن الطفل" مع "علقمة بن علاثة"٤ المذكورة، ومنافرة "بني فَزَارة" و "بني هلال"٥، ومنافرة "الفقعسي" و "ضمرة"٦، ومنافرة "جرير البجلي" و "خالد بن أرطاة الكلبي"٧، ومنافرة "القعقاع بن زُرارة بن عدس" و "خالد بن مالك بن رُبعي بن سلم بن جندل بن نهشل"٨ ومنافرة "هاشم بن عبد مناف" و "أمية بن عبد شمس"٩. ومن المنافرات، منافرة "عامر بن أحيمر" عند "المنذر بن امرئ القيس بن ماء السماء". فقد ذكر أن "المنذر" أخرج بردين يومًا يبلو الوفود، وقال: ليقم أعز العرب قبيلة، فليأخذهما. فقام "عامر بن أحمير" فأخذهما وائتزر بأحدهما وارتدي الآخر، فقال له المنذر: أأنت أعز العرب قبيلة؟ فقال: العز والعدد في معدّ، ثم في نزار، ثم في مضر، ثم في خندف،

стр. 2624

ثم في تميم، ثم في سعد، ثم في كعب، ثم في عَوف، ثم في بهدلة، فمن أنكر هذا فلينافرني، فسكت الناس، فقال المنذر: هذه عشيرتك كما تزعم، فكيف أنت في أهل بيتك وفي نفسك؟ فقال: أنا أبو عشرة، وأخو عشرة، وخال عشرة، وعم عشرة، وأما أنا في نفسي، فشاهد العز شاهدي، ثم وضع قدمه على الأرض، فقال: من أزلها عن مكانها، فله مائة من الإبل. فلم يقم إليه أحد من الحاضرين، ففاز بالبردين، وعرف ب "ذي البُردَين"١. وطالما كانت تؤدي هذه المفاخرات إلى وقوع حروب وسفك دماء، ولذلك أبطلها الإسلام، ونهى عنها؟ وعدّها من شعار الجاهلية٢. والمساجلة في معنى المفاخرة، بأن يصنع مثل صنيعه في جري أو سقي. وتساجلوا بمعنى تفاخروا. ذكروا أن أصل المساجلة: أن يستقي ساقيان، فيخرج كل منهما في سَجْله مثل ما تخرج الآخر، فأيهما نكل فقد غلب، فضربته العرب مثلًا للمفاخرة، فإذا قيل فلان يساجل فلانًا فمعناه أنه يخرج من الشرف مثل ما يخرجه الآخر، فأيهما نكل فقد غلب٣. وتعرف "المفاخرة" ب "المُباهاة" أيضًا. فيقال. تباهوا إذا تفاخروا. وأما إذا صايحه، فيقال هاباه٤. وذلك بأن يذكر كل متباه مناقبه ومناقب قومه، يتفاخر بها على خصمه. وطالما أدت المباهاة إلى وقوع خصومات ومعارك. ومن مفاخر العرب التفاخر بمن برز عندهم في عمل فذ وفي عمل خصال كريمة، أو قام بفعل استحق الإعجاب. فكانت القبائل تتفاخر بذكر أسماء هؤلاء، وتحفظ أسمائهم للتباهي بهم، كما تفعل الدول في التباهي برجالها. ومن مفاخرها: الفروسية، فعد "الحوفزان" مثلًا وهو "الحوفزان بن شريك" فارس بكر بن وائل.

стр. 2625

وافتخروا ب "الأصم عمرو بن قيس"، ولقب عند المتفاخرين به ب "صاحب رءوس بني تميم"، وافتخروا ب "مفروق بن عمرو" "حاضن الأيتام" والظاهر أنه كان يحن على الأيتام ويعطف عليهم، لذلك لقب بهذا اللقب، وافتخروا ب "سنان بن مفروق"، الذي عرف ب "ضامن الدمن". كما افتخر ب "عمران بن مرة" لأنه أسر "يزيد بن الصعق" مرتين١.

стр. 2626

الخيلاء: وقد عرف بعض الجاهليين بالخيلاء والزهو والتغطرس. وقد اعتبرها الإسلام من سمات أهل الجاهلية. وقد اشتهر "سماك بن خرشة الأنصاري" بمشية خاصة به، فيها تبختر وخيلاء؛ حتى عرفت ب "مشية أبي دجانة"١. والتبختر هي مشية العجب والخيلاء. وكانت من مشية بعض المغرورين المترفين من أصحاب الجاه والمال.

стр. 2627

الهجاء: والهجاء عكس المدح، وهو ذم الشخص والانتقاص منه وشتمه. وقد نبغ فيه بعض الشعراء، وتخصص به، ويجب أن نقف منه موقف الحذر الشديد، لما للعواطف والهوى من أثر فيه. وقد يهجو شخص شخصًا أو قومًا لسبب تافه، أو بسبب حادث وقع له لا يستوجب صدور ذلك الهجاء منه. وهناك أشخاص جبلوا على ازدراء الناس وشتمهم والانتقاص منهم، فهجوا أكثرهم، بل بلغ بهم الهجاء حدًّا حملهم على هجر أقاربهم وأهلهم، بل أنفسهم في بعض الأحيان. ويستحق الهجاء من اتصف بسوء الخصال، واتسم بأخلاق الأرذال، والأنذال، وجعل اللؤم جلبابه وشعاره، والبخل وطاءه ودثاره. وقد حفظ الرواة بعض الأشعار التي قيل إنها كانت من أهجى أشعار العرب في الجاهلية

стр. 2628

وفي الإسلام. وذكر أن من شعر الهجاء المرّ القاسي قول الأعشى: تبيتون في المشتى ملاءً بطونكم وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا١ وقوله في "الزبرقان بن بدر": دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي٢ وقول الطرماح: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلّت٣ إلى غير ذلك من شعر، يجب أن نأخذه بحذر. وأن نعالجه دائما على أنه يمثل العواطف الشخصية والانفعالات النفسية، والتهيج الآني. وأن شعرًا من هذا القبيل لا يمكن أن يحمل محمل الصدق، وأن نقول عنه إنه يعبر عن الواقع. بل نأخذه كما سبق أن ذكرت عن شعر المديح على أنه تعبير عن نوع من أنواع الأدب في ذلك الوقت. وعلى أنه باب يجب أن يدرس من الوجهة النفسية لأنه يفيد في الوقوف على النفسية العربية والعقلية الجاهلية في ذلك الوقت. ولم يكن الهجّاءون يراعون الصدق في كلامهم، وكيف يراعونه وهم يريدون هجو خصومهم والإساءة إليهم وإلى سمعتهم بأية طريقة ووسيلة كانت، حتى وإن علموا أن سامعي الهجاء لا يصدقونه. ومن هذا القبيل رمي بعض القبائل أو الأُسر بأنها من أصل أعجمي، وفي كتب الأخبار أمثلة عديدة على ذلك، وقد يكون ذلك بسبب وجود دم أعجمي من أم أو من أب بعيد أو قريب، وقد لا يكون أي أثر من ذلك. شتم "عمرو بن الأهتم" "قيس بن عاصم"، فقال له ولقومه: إن تبغضونا فإن الروم أصلكم ... والروم لا تملك البغضاء للعرب٤ وقد عير "حسان بن ثابت" "بني المغيرة" وسبهم بأنهم عبيد قيون، أبوهم

стр. 2629

قين لدى "كيره" جاثم. يأخذون "الإهالة" وهو الدهن الذي يستخرج من اللحم، ويبيعونه من الدبّاغين١. فما ذكره فيهم هو من أعمال العجم والصعاليك، لا العرب الأصلاء والأقحاح. وذكر أن "الوليد" المعروف ب "الوليد بن المغيرة" لم يك عربيًّا، وإنما كان عبدًا روميًّا، وكان اسمه "ديم"، واسم أبيه "صقعب"، فرغب فيه "المغيرة"، فادعاه، وألحق صقعبًا بالشام، فاشتاق إليه، فصوره في الحائط. وقد هجاه "حسان بن ثابت"، فقال له إن والدك "صقعبًا" كان قينًا، وأما أمك فهي "حباشة"، وهي عبدة سوداء. وقد تباهيتَ إذ صرت غنيًّا، وإنما صرت ثريًّا بكلبتك هذه، وهي آلة من آلات الحدادين يشير بذلك إلى أنه كان حدادًا، يعرف ضرب النصال، وحسن الرقع للبرم. وهي القدور٢. ويظهر من شعر حسان ومن شرح الشراح أن "الوليد" كان مصورًا ماهرًا متمكنًا من فنه، حتى صور أباه، إن صح هذا الادعاء من "حسان". ولحسان بن ثابت هجاء شديد لثقيف، قال في بعضه خلّوا "معدًّ" ولا تنتسبوا إليها، واتركوا "خندفا"، فما لكم من ولادة فيها، وذلك على عاداته وعادة الشعراء والناس عند هجاء قوم، حيث يرمونهم بكل قبيح، ويجردونهم من كل مكرمة، إلا أنه لم يصرح في شعره بأنهم من ثمود، إذ كانوا وقت هجاء "حسان" إياهم من "قيس". وقد نسبهم بعضهم إلى "الفهود بن بني جائر بن إرم، إخوة ثمود"، ونسبهم آخرون إلى "وحاظة" بن حمير، وقال آخرون إن "ثقيفًا"، هو عبد٣. كل ذلك نكاية بثقيف. وذكر أهل الأخبار أن "الأزرق"، وهو غلام رومي في الأصل كان للحارث بن كلدة الثَّقفي، وقد ادعى نسله أن "الأزرق" هو ابن "عمرو بن الحارث بن أبي شمر الغساني"، فهم من غسان. وذكر أنهم ادعوا في أول أمرهم أنهم من تغلب، ثم من بني عكب، ثم أفسدتهم خزاعة، ودعوهم إلى اليمن، وزينوا لهم ذلك، وقالوا: أنتم لا يغسل عنكم ذكر الروم إلا أن تدعوا أنكم

стр. 2630

من غسان. فانتموا إلى غسان بعد١. وقد عَيَّرت العرب وسبت من كان ذا أصل خامل، كأن يكون قينا، والقين العبد والحداد. ولعلها جمعت هذا المعنى من الترابط بين الحرفة والمنزلة، فقد كان القيون من العبيد. وقد عَيّر "حسان بن ثابت" "بني عوف بن عوف" بأنهم منتسبون إلى قريش، ولكن نسبهم ليس منهم، بل من جذع قين لئيم العروق عرقوب والده أصهب٢. فرماهم بأنهم ليسوا من قريش، ولا من العرب، بل من الروم، ووالدهم أصهب به حمرة، وليست الصهبة من لون العرب. وقال لهم: وإذا أردتم الانتساب إلى العرب، فانتسبوا إلى "تغلب"، إنهم شرّ جيل، وليس لكم غيرهم مذهب٣. ويبعث قول "حسان" هذا "تغلب" على الظن أن أقواما من الغرباء دخلوا في تغلب، وصاروا منهم. ولعله قصد أن من تنصر، دخل في تغلب، حتى دخل فيهم من ليس من العرب بسبب نصرانيته، حتى دخل فيهم قوم أصلهم من الروم. وعير ب "أولاد درزة"، ويراد بهم الغوغاء. وبنو درز: الخياطون والحاكة، والعرب تقول للدعي: هو ابن درزة وأولاد فرتني. وذلك إذا كان ابن أمة تُساعي، فجاءت به من المساعاة، ولا يعرف له أب، وقال: هؤلاء أولاد درزة وأولاد فرتني للسفلة والسقاط٤. والسب: الشتم، والسباب: الشتائم والمشاتمة. وأما "السبّة" فالعار٥. وكانوا يتشاتمون جماعات وفرادى، ويعير بعضهم بعضًا وقد يقذعون في السب، ولا سيما في الأمور التي تتغلب فيها العواطف على العقل. ومن شتائم الجاهليين وسبابهم "عضضت بأير أبيك"٦، ويا ابن الزانية،
следующие страницы →