الخيلاء:
وقد عرف بعض الجاهليين بالخيلاء والزهو والتغطرس. وقد اعتبرها الإسلام من سمات أهل الجاهلية. وقد اشتهر "سماك بن خرشة الأنصاري" بمشية خاصة به، فيها تبختر وخيلاء؛ حتى عرفت ب "مشية أبي دجانة"١. والتبختر هي مشية العجب والخيلاء. وكانت من مشية بعض المغرورين المترفين من أصحاب الجاه والمال.
стр. 2627
الهجاء:
والهجاء عكس المدح، وهو ذم الشخص والانتقاص منه وشتمه. وقد نبغ فيه بعض الشعراء، وتخصص به، ويجب أن نقف منه موقف الحذر الشديد، لما للعواطف والهوى من أثر فيه. وقد يهجو شخص شخصًا أو قومًا لسبب تافه، أو بسبب حادث وقع له لا يستوجب صدور ذلك الهجاء منه. وهناك أشخاص جبلوا على ازدراء الناس وشتمهم والانتقاص منهم، فهجوا أكثرهم، بل بلغ بهم الهجاء حدًّا حملهم على هجر أقاربهم وأهلهم، بل أنفسهم في بعض الأحيان.
ويستحق الهجاء من اتصف بسوء الخصال، واتسم بأخلاق الأرذال، والأنذال، وجعل اللؤم جلبابه وشعاره، والبخل وطاءه ودثاره. وقد حفظ الرواة بعض الأشعار التي قيل إنها كانت من أهجى أشعار العرب في الجاهلية
стр. 2628
وفي الإسلام. وذكر أن من شعر الهجاء المرّ القاسي قول الأعشى:
تبيتون في المشتى ملاءً بطونكم
وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا١
وقوله في "الزبرقان بن بدر":
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي٢
وقول الطرماح:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلّت٣
إلى غير ذلك من شعر، يجب أن نأخذه بحذر. وأن نعالجه دائما على أنه يمثل العواطف الشخصية والانفعالات النفسية، والتهيج الآني. وأن شعرًا من هذا القبيل لا يمكن أن يحمل محمل الصدق، وأن نقول عنه إنه يعبر عن الواقع. بل نأخذه كما سبق أن ذكرت عن شعر المديح على أنه تعبير عن نوع من أنواع الأدب في ذلك الوقت. وعلى أنه باب يجب أن يدرس من الوجهة النفسية لأنه يفيد في الوقوف على النفسية العربية والعقلية الجاهلية في ذلك الوقت.
ولم يكن الهجّاءون يراعون الصدق في كلامهم، وكيف يراعونه وهم يريدون هجو خصومهم والإساءة إليهم وإلى سمعتهم بأية طريقة ووسيلة كانت، حتى وإن علموا أن سامعي الهجاء لا يصدقونه. ومن هذا القبيل رمي بعض القبائل أو الأُسر بأنها من أصل أعجمي، وفي كتب الأخبار أمثلة عديدة على ذلك، وقد يكون ذلك بسبب وجود دم أعجمي من أم أو من أب بعيد أو قريب، وقد لا يكون أي أثر من ذلك. شتم "عمرو بن الأهتم" "قيس بن عاصم"، فقال له ولقومه:
إن تبغضونا فإن الروم أصلكم ... والروم لا تملك البغضاء للعرب٤
وقد عير "حسان بن ثابت" "بني المغيرة" وسبهم بأنهم عبيد قيون، أبوهم
стр. 2629
قين لدى "كيره" جاثم. يأخذون "الإهالة" وهو الدهن الذي يستخرج من اللحم، ويبيعونه من الدبّاغين١. فما ذكره فيهم هو من أعمال العجم والصعاليك، لا العرب الأصلاء والأقحاح.
وذكر أن "الوليد" المعروف ب "الوليد بن المغيرة" لم يك عربيًّا، وإنما كان عبدًا روميًّا، وكان اسمه "ديم"، واسم أبيه "صقعب"، فرغب فيه "المغيرة"، فادعاه، وألحق صقعبًا بالشام، فاشتاق إليه، فصوره في الحائط. وقد هجاه "حسان بن ثابت"، فقال له إن والدك "صقعبًا" كان قينًا، وأما أمك فهي "حباشة"، وهي عبدة سوداء. وقد تباهيتَ إذ صرت غنيًّا، وإنما صرت ثريًّا بكلبتك هذه، وهي آلة من آلات الحدادين يشير بذلك إلى أنه كان حدادًا، يعرف ضرب النصال، وحسن الرقع للبرم. وهي القدور٢. ويظهر من شعر حسان ومن شرح الشراح أن "الوليد" كان مصورًا ماهرًا متمكنًا من فنه، حتى صور أباه، إن صح هذا الادعاء من "حسان".
ولحسان بن ثابت هجاء شديد لثقيف، قال في بعضه خلّوا "معدًّ" ولا تنتسبوا إليها، واتركوا "خندفا"، فما لكم من ولادة فيها، وذلك على عاداته وعادة الشعراء والناس عند هجاء قوم، حيث يرمونهم بكل قبيح، ويجردونهم من كل مكرمة، إلا أنه لم يصرح في شعره بأنهم من ثمود، إذ كانوا وقت هجاء "حسان" إياهم من "قيس". وقد نسبهم بعضهم إلى "الفهود بن بني جائر بن إرم، إخوة ثمود"، ونسبهم آخرون إلى "وحاظة" بن حمير، وقال آخرون إن "ثقيفًا"، هو عبد٣. كل ذلك نكاية بثقيف.
وذكر أهل الأخبار أن "الأزرق"، وهو غلام رومي في الأصل كان للحارث بن كلدة الثَّقفي، وقد ادعى نسله أن "الأزرق" هو ابن "عمرو بن الحارث بن أبي شمر الغساني"، فهم من غسان. وذكر أنهم ادعوا في أول أمرهم أنهم من تغلب، ثم من بني عكب، ثم أفسدتهم خزاعة، ودعوهم إلى اليمن، وزينوا لهم ذلك، وقالوا: أنتم لا يغسل عنكم ذكر الروم إلا أن تدعوا أنكم
стр. 2630
من غسان. فانتموا إلى غسان بعد١.
وقد عَيَّرت العرب وسبت من كان ذا أصل خامل، كأن يكون قينا، والقين العبد والحداد. ولعلها جمعت هذا المعنى من الترابط بين الحرفة والمنزلة، فقد كان القيون من العبيد. وقد عَيّر "حسان بن ثابت" "بني عوف بن عوف" بأنهم منتسبون إلى قريش، ولكن نسبهم ليس منهم، بل من جذع قين لئيم العروق عرقوب والده أصهب٢. فرماهم بأنهم ليسوا من قريش، ولا من العرب، بل من الروم، ووالدهم أصهب به حمرة، وليست الصهبة من لون العرب. وقال لهم: وإذا أردتم الانتساب إلى العرب، فانتسبوا إلى "تغلب"، إنهم شرّ جيل، وليس لكم غيرهم مذهب٣. ويبعث قول "حسان" هذا "تغلب" على الظن أن أقواما من الغرباء دخلوا في تغلب، وصاروا منهم. ولعله قصد أن من تنصر، دخل في تغلب، حتى دخل فيهم من ليس من العرب بسبب نصرانيته، حتى دخل فيهم قوم أصلهم من الروم.
وعير ب "أولاد درزة"، ويراد بهم الغوغاء. وبنو درز: الخياطون والحاكة، والعرب تقول للدعي: هو ابن درزة وأولاد فرتني. وذلك إذا كان ابن أمة تُساعي، فجاءت به من المساعاة، ولا يعرف له أب، وقال: هؤلاء أولاد درزة وأولاد فرتني للسفلة والسقاط٤.
والسب: الشتم، والسباب: الشتائم والمشاتمة. وأما "السبّة" فالعار٥. وكانوا يتشاتمون جماعات وفرادى، ويعير بعضهم بعضًا وقد يقذعون في السب، ولا سيما في الأمور التي تتغلب فيها العواطف على العقل.
ومن شتائم الجاهليين وسبابهم "عضضت بأير أبيك"٦، ويا ابن الزانية،
стр. 2631
ويا ابن الفاعلة، و "يا عاض أير أبيه"، و "يا مصفر استه"١، و "يا ابن ملقى أرحل الركبان"٢.
وعيرت العرب بالبخل. والبخل هو على نقيض الكرم. وقد ذُمّ بعض الجاهليين لبخلهم ولحرصهم الشديد على مالهم وعدم مساعدتهم للفقراء والمحتاجين، وقد انتخبوا من بينهم رجلًا زعم أنه أبخل الناس في الجاهلية اسمه "مادر"، "بخل مادر" و "أبخل من مادر". وهو رجل من "بني هلال بن عامر". ذكر أنه كان إذا أتى ماءً روي وأروى، ملأه مدرًا ضنا على غيره بوروده. وأنه بلغ من بخله أنه سقى إبله، فبقي في الحوض ماء قليل، فسلح فيه ومدر الحوض بالسلح، أي لطخه٣. وورد في الأمثال: "ألأم من مادر"٤.
وعيّرت بالغدر. قال بشر:
رَضِيعَةُ صَفْحٍ بالجباه ملمة ... لها بَلَقٌ فوقَ الرءوس مشهَّرُ
وصفح رجل من "بني كلب بن وبرة"، جاور قومًا من "بني عامر"، فقتلوه غدرًا. يقول غدرْتكم ب "زيد بن ضباء الأسدي"، أخت غدرتكم بصفح الكلبي٥.
وعيرت من ينكر الصنيع الجميل والفعل الحميد، فينسى إحسان من أحسن له، وعيرت من لا يفي، ولا سيما من أكل الخبز والملح، وهما من موجبات الوفاء، فقالوا: "ملحه على ركبته"، في عدم الوفاء٦.
وإذا سبت العرب أحد الموالي، قالت: يا ابن حمراء العجان، أي يا ابن الأَمة. كلمة تقولها في السبّ والذمّ. والعرب تسمّي الموالي: الحمراء٧. وكانوا يعيرون "الأتاوي"، وهو الغريب في غير موطنه، ولا يعدلون أحدًا من
стр. 2632
الأتاويين بأصحاب المحلات. قال الشاعر:
لا تعدلن أتاويين قد نزلوا ... وسط الفلاة بأصحاب المحلات
وقالت امرأة من الكفار، وهي تحرض الأوس والخزرج، حين نزل فيهم النبي:
أطعتم أتاويّ من غيركم ... فلا من مُراد ولا مذحج
أرادت أن تؤلب وتذكي العصبية١.
وكانوا إذا أرادوا الاستهزاء برجل جاهل سفيه، قالوا له: هذا من أشد سباب العرب، أي أن يقول الرجل لصاحبه إذا استجهله يا حليم! أي أنت عند نفسك حليم وعند الناس سفيه٢.
ويعير الإنسان بأبويه، أو بأحدهما، إذا كان بهما أو بأحدهما مثلبة ومنقصة يؤاخذ عليها، كأن يكون ابن أمة أو ابن سبي بيع في السوق. وقد رأينا أنهم كانوا يزدرون الهجين، ولا ينظرون إليه نظرتهم إلى إنسان صريح، كما كانوا يزدرون مَنْ أُمه أو أبوه من أصحاب الحرف. وقد عير "النعمان بن المنذر" لأن أمه "سلمى" كانت ابنة قَيْن، على زعم بعض الرواة. وكانوا إذا شتموا ابن أمة، قالوا له: يا ابن استها٣.
وقد كان للجاهليين أعراف في إهانات الناس، من مثل سب الشخص على ما ذكرت، وتحريض الأطفال على العبث بمن يريدون إهانته، ورميه بالحجارة والركض خلفه، وبأمثال ذلك أو بتحريض السفهاء على التحرش بالشخص، أو تحريض النسوة بسبِّه، وبالإقذاع في كلامهم معه، وبما شاكل ذلك من وسائل دنيئة لا تنم على قدرة المحرض ولا على جرأة عنده، فيعمد إلى أمثال هذه الأمور.
وأما المقتدرون المتمكنون، فكانوا إذا أرادوا إهانة إنسان أهانوه بأسلوب يدلّ على قدرة المهين وتمكنه من مُهانه وازدرائه، فكان أحدهم إذا تمكن من عدوه،
стр. 2633
عمد إلى إهانته بنتف لحيته. ونتف اللحية من الإهانات الشديدة عند العرب، لأن اللحية من سيماء الرجولة، فإذا نتفت عد نتفها انتقاصًا من شأن ذلك الرجل وازدراءً شديدًا به.
وما يقال عن الإهانة التي توجه إلى الرجل بنتف لحيته، ينطبق كذلك على "جز الناصية". فجز الناصية من وسائل التحقير والازدراء، وفيه دلالة على ازدراء مَنْ جَزَّ الناصية بمن جُزّت ناصيته، بعد أن تمكن منه. وقد كان في إمكانه استرقاقه، أو المن عليه بفك أسره، أو بفك رقبته بفدية، ولكنه لم يفعل كل ذلك، ولم يطمح في الفدية إمعانا في ازدراء خصمه بإفهام الناس أن ذلك الشخص لا يساوي شيئًا، وأن المتمكن أرفع من أن يقبل فدية عن رجل وضيع خامل.
وكانوا إذا ذكروا خصومهم، تمنوا لهم الشر والأذى، واستعملوا جملًا فيها هذه المعاني. مثل: أخس الله حظه١، وأبعده الله وقبحه، أو رضيع اللؤم أو أبعد الله دار فلان، وأوقد نارًا في أثره٢، وقد يذكرونهم بهزء وسخرية. ويكثر ذلك عند أهل القرار.
ومن معاني الشتم لفظة "لحى"، التي تعني "شتم". يقال "لحى الله فلانا"، أي قبحه ولعنه. و "الملاحاة" المنازعة. وفي المثل من لاحاك، فقد عاداك٣.
وكان من دعاء بعضهم على بعض قولهم: "حبنًا وقدادًا". والحبن الاستسقاء، والقداد، وجع في البطن٤.
وكان إذا دعا الرجل على صاحبه، يقول: قطع الله مطاك. فيقول الآخر: بسلا بسلًا، أي آمين آمين. وكان يحلف الرجل ثم يقول بسل، أي: آمين. وكان "عمر" يقول في دعائه: آمين وبسلًا، أي إيجابا وتحقيقًا. وهي في معنى الويل، يقال: بسلًا له أي ويلًا له٥.
стр. 2634
١٩١
وكانوا إذا ما أرادوا التكنية عن الكذاب، قالوا: "أبو بنات عبر". و "بنات عبر" الكذب والباطل١.
стр. 2635
الخسة والدناءة:
والخسة والدناءة، والخسيس الدنيء والحقير١. والدنيئة النقيصة٢. والدنيّة الخصلة المذمومة٣. وهي من المثالب التي تكون في الإنسان. فيزدرى من شأنه ويحتقر بين قومه. ومنها الحسد واللؤم وعدم احترام العرض. والعرب تتنخى من الدنايا وتستنكف منها٤.
والحسد من الصفات السيئة التي كرهها العرب. وقد كان الحسد إذ ذاك كثيرًا، بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية وانتشار الفقر. فكان الفقير يحسد غيره على ما عنده، مهما كان ما عنده قليلا، لأنه لا يملك حتى هذا القليل. وقد بحث "الجاحظ" في الحسد، ووضع رسالة فيه دعاها: كتاب فصل ما بين العداوة والحسد. والحسد عنده شيء مألوف يقع لكل طبقة ولكل إنسان. ومن أسبابه: حب للرياسة، ووجود النعمة، وأمور أخرى ذكرها وتحدث عنها. كما تكلم عن مظاهر الحسد وأشكاله عند الجاهليين والإسلاميين، وقد جعله فوق العداوة، لأن العداوة تزول بزوال أسبابها، أما الحسد، فإنه دائم باق٥.
و"الجبن"، من الصفات التي يعير "الجبان" بها. وهو الذي لا يحب القتال ولا يستعمل سيفه. ولما كانت الحياة عند العرب حياة قتال صارت الشجاعة في الإنسان صفة من صفات التكريم والتعظيم والتقدير، عكس "الجبن"،
стр. 2636
وينظر الناس إلى "الجبان" نظرتهم إلى النساء، بل هو عندهم دونهن شأنًا. لأن المرأة ولدت وفي طبعها اللين والاستسلام، أما الرجل فقد خلق للعراك والقتال، وقد حفظ أهل الأخبار قصصًا عن الجبناء وعن تحايلهم في سبيل تخليص أنفسهم من القتال ومن استعمال السيف. وقد اتهموا بتهم. منها: أنهم كانوا ينتابهم "الضراط" عند شعورهم بخوف وبأصوات السيوف. حتى استخفَّت النساء بهم من أجل ذلك. قيل في المثل: أجبن من المنزوف ضرطًا. ومن ذلك أن نسوة من العرب لم يكن لهن رجل، فتزوجت إحداهن رجلا كان ينام الصبحة، فإذا أتينه بصبوح، قلن قم فاصطبح، فيقول: لو نبهتُنَّني لعادية، فلما رأين ذلك. قال بعضهن لبعض: إن صاحبنا لشجاع، فتعالين حتى نجربه، فأتينه كما يأتينه، فأيقظنه. فقال: لو لعادية نبهتنني. فقلن هذه نواصي الخيل. فجعل يقول: الخيل الخيل ويضرط، حتى مات. إلى غير ذلك من قصص يرويه الأخباريون١.
стр. 2637
الشرف والخمول في قبائل العرب:
والقبائل كالأفراد والأسر، فيها النابة المذكورة المهاب، وفيها الخامل الهزيل الضعيف الذي لا ينظر إليه نظرة تقدير وتبجيل. والقبيل الكثير الذَّرء والفرسان والحكماء والأجواد والشعراء، وكثير السادات في العشائر، وكثير الرؤساء في الأرحاء، هو القبيل المقدر المعظم، ذو الشأن بين القبائل٢. وقد تقع أحداث وعوامل، تؤدي إلى خمول القبيل وإلى انفصام وحدته، وإلى طمع غيره فيه، فيهزل عندئذ ويخمل، ويأخذ مكانه من هو أقوى منه. وقد ذكر "الجاحظ"، أن القبيل الذرء والعدد، والذي لا يكون فيه خير كثير ولا شرّ كثير، ويخمل ويدخل في غمار العرب، ويغرق في معظم الناس، وصار من المغمورين ومن المنسيين، وسلم من ضروب الهجاء ومن أكثر ذلك؛ وسلم من أن يضرب به
стр. 2638
المثل في قلة ونذالة إذا لم يكن شر، وكان محلهم من القلوب محل من لا يغيظ الشعراء، ولا يحسدهم الأكفاء.. وإذا تقادم الميلاد ولم يكن الذرء وكان فيهم خير كثير وشر كثير، ومثالب ومناقب، لم يسلموا من أن يُهجوا ويضرب بهم المثل.. وقد يكون القوم حلولا مع بني أعمامهم، فإذا رأوا فضلهم عليهم حسدوهم، وإن تركوا شيئًا من إنصافهم اشتد ذلك عليهم، وتعاظموا بأكثر من قدره، فدعاهم ذلك إلى الخروج منهم إلى أعدائهم. فإذا صاروا إلى آخرين نهكوهم وحملوا عليهم، فوق الذي كانوا فيه من بني أعمامهم، حتى يدعوهم ذلك إلى النَّدم على مفارقتهم، فلا يستطيعون الرجوع، حميّة واتقاء، ومخافة أن يعودوا لهم إلى شيء مما كانوا عليه، وإلى المقام في حلفائهم الذين يرون من احتقارهم، ومن شدة الصولة عليهم"١.
وقد ذكر "الجاحظ"، أن مما تبتلى به القبائل فيصيبها الخمول: الشعر ونبوغ الأقارب أو المنافسين. فالشعر عند العرب يرفع من قدر الناس ويحط من درجاتهم. فقد يقال بيت واحد يربطه الشاعر في قوم ليس لهم جاه، فيرفع من شأنهم، وقد يقال بيت واحد في قوم لهم النباهة والعدد والفعال، فيغض من مكانتهم، ويكون سبّة لهم، ولأمر ما بكت العرب بالدموع الغزار من وقع الهجاء، كما بكى مخارق بن شهاب، وكما بكى علقمة بن عُلاثة، وكما بكى عبد الله بن جُدعان، والبلية الأخرى: أن يكون القبيل متقادم الميلاد، قليل الذرء قليل السيادة، وتهيأ أن يصير في ولد إخوتهم الشرف الكامل والعدد التام، فيستبين لمكانهم منهم من قلتهم وضعفهم لكل من رآهم وسمع بهم، أضعاف الذي هم عليه لو لم يكونا ابتلوا بشرف إخوتهم.
ومن شؤم الإخوة أن شرفهم ضعة إخوتهم، ومن يمن الأولاد أن شرفهم شرف من قبلهم من آبائهم ومن بعدهم من أولادهم٢. ولذلك كانت القبائل تفخر بنبوغ الشعراء بها، لأنهم لسانها الذابّ عنها، وسيفها المصلت على رقاب
стр. 2639
الأعداء. وتتباهى بما يقوم به ساداتها من فعال حميدة وأعمال مجيدة ترفع رأس أبناء القبيلة بين الناس.
ولأهمية الشعراء عند الجاهليين، قال بعض العلماء: كلاب الحيّ شعراؤهم، وهم الذين ينبحون دونهم، ويحمون أعراضهم. وفي هذا المعنى جاء قول عمرو بن كلثوم:
وقد هرَّت كلابُ الحيّ منّا ... وشَذَّبنا قتادة من يلينا١
стр. 2640
الإسلام والجاهلية:
وقد أبطل الإسلام كل سمة من سمات الجاهلية وعلامة من العلامات التي كانت تعد من صميم حياة الجاهليين. وفي جملتها المثل الأعرابية والحياة البدوية، فاعتبر الأعرابية بعد الإسلام ردة ونهى عن الهجرة من المدن إلى البوادي، فكان الأعرابي إذا دخل الإسلام، لزم الحضارة، وكلف بواجب الجهاد في سبيل نشر الإسلام، لما في التبدي والأعرابية من ابتعاد عن الجماعة وترك للواجب الملقى على المواطن في الدفاع عن الإسلام وفي العمل على إنهاض المجتمع والإنتاج في سبيل الخير العام. لذلك لام الناس "أبا ذر الغفاري"، حين لجأ إلى "الربذة" فأقام بها وتعزب بذلك عن الجماعة١.
وفي جملة ما حاربه الإسلام من أمور الجاهلية الأصنام والأوثان، فطُمست وأزيلت معالمها، بل غيّر أمورًا أقلّ منها شأنًا وخطرًا، مثل: خضرمة النوق. وكان أهل الجاهلية يخضرمون نعمهم، فلما جاء الإسلام أمروا أن يخضرموا من غير الموضع الذي يخضرم منه أهل الجاهلية٢. وذلك منعًا من التشبه بالجاهليين، وإبعادًا للمسلمين عن تذكر أيام ما قبل الإسلام. ونهى عن تسنيم القبور وعن لبس بعض الملابس، وعن أمور أخرى، لأنها كانت من صميم أعمال الجاهليين.
стр. 2641
وحارب الإسلام العصبية التي كانت من أهم سمات الجاهلية، والتي بقيت مع ذلك كامنة في نفوس الناس. عصبية القبائل وعصبية القرى والمواضع. من ذلك ما كان بين يمن وأهل مكة من نزاع، تحول إلى نزاع قحطان وعدنان. فعير أهل مكة اليمن بأنهم قيون، وأجابهم أهل اليمن بكلام غليظ شديد. هذا "أمية بن خلف" يهجو حسان بن ثابت بقوله:
أليس أبوك فينا كان قينًا ... لدى القينات فسلا في الحفاظ
يمانيًّا يظل يشدّ كيرًا ... وينفخ دائبًا لهب الشواظ١
وهذا "حسان" يجبيه ويرد عليه في شعر مطلعه:
أتاني عن أميّة زُورُ قولٍ ... وما هو في المغيب بذي حفاظ٢
وطالما ظهرت هذه العصبية في أيام الرسول، بتنازغ الأنصار وقريش وتفاخرهم بعضهم على بعض. وذكر أن في جملة أسباب تحريم الخمر، أن رجلا من الأنصار صنع طعامًا، فدعا جمعًا من الأنصار وقريش، وشربوا الخمر حتىانتشوا، فتفاخرت الأنصار وقريش، فقالت الأنصار: نحن أفضل منكم. وقالت قريش نحن أفضل منكم، وتخاصموا، فبلغ ذلك الرسول، فنزل الأمر بتحريم الخمر٣.
وفي جملة ما نهى الإسلام عنه "دعوى الجاهلية" من التفاخر بالأحساب والأنساب والتباهي بالمال والبنين والأموات، وتحريم بعض الطعام والشراب والعادات الاجتماعية والأوضاع الاقتصادية على نحو ما رأينا فيما تقدم، وما سنراه فيما بعد.
وقد ترك المسلمون أمورًا كثيرة أخرى مما كان مستعملًا في الجاهلية، فمن ذلك تسميتهم للخراج إتاوة، وكقولهم للرشوة ولما يأخذه السلطان: الحُملان والمكس. وكما تركوا: أنعم صباحًا، وأنعم ظلامًا، وصاروا يقولون: كيف أصبحتم؟ وكيف أمسيتم؟ كما تركوا أن يقولوا للملك أو السيّد المطاع:
стр. 2642
أبيت اللعن، وتركوا أن يقول العبد لسيده: ربّي، وأن تقول حاشية الملك والسيد للملك وللسيد: ربنا. وكما تركوا أن يقولوا لقوّام الملوك السدنة وقالوا: الحجبة. كما تركوا أشياء أخرى مثل المرباع والنشيطة والصفايا، إلى غير ذلك، مما كان مستعملًا في الجاهلية. فكره لذلك استعماله في الإسلام١.
стр. 2643
الفصل التاسع والأربعون: الحياة اليومية
مدخل
...
الفَصْلُ الثَّامِنُ والأرْبَعُون: الحياة اليومية
لا نستطيع أن نتصور وجود حياة يومية صاخبة أو متغيرة عند أهل الوبر، فحياة البادية في غاية البساطة ساذجة إلى أقصى حدّ من السذاجة. تذهب وتأتي على وتيرة واحدة ونمط واحد. فليس للرجل في البادية من عمل سوى رعي الإبل والإشراف عليها. وهو عمل لا يستوجب مجهودًا ولا يتطلب بذل طاقة، لذلك يعهد به إلى الأحداث في الغالب، أما الرجال، فليس لهم عمل مهم يذكر. لذلك يقضون معظم وقتهم جلوسًا بغير عمل، أو في التحديق بعضهم إلى بعض. وحياة على هذا النحو تجبل الإنسان على الكسل والخمول. فصار الأعرابي خاملًا كسولًا على صحة جسمه وتوقد ذهنه وذكائه. يحسن الكلام ويجيد تنميق الحديث ويتلاعب في كلامه وفي إيجاد معانٍ وحيل ومخارج له، ويسترسل في الخيال وفي التصور وفي شعوره الذي سبكه وصاغه في كلام موزون منظوم مقفى، وفي كلام مسترسل غير مقفى، وفي كل حرفة لسانية، أو تعبير عن شعور ذاتي كالحب والبطولة وما شاكل ذلك مما لا يحتاج إلى مجهود وعمل. أما النواحي العملية من الحياة، النواحي التي تحتاج إلى جهد وعمل، فقد ترك أمرها لغيره، بل ازدراها وازدرى شأن من يعمل بها، واحتقر الحرف والصناعات، لأنها من عمل الأعاجم والعبيد. ورأى أن من العار أن يصاهر أهل الصناعات والحرف والزراعة، لأنهم دونه في المنزلة بكثير. وهو غير ملوم على نظرته هذه إلى العمل اليدوي المجهد، فالإنسان عدو ما جهل معظّم لما يكون عنده؛ كاره لما لا يملكه ويكون عند غيره. فقد حرمته الطبيعة من كل
стр. 2644
ما يحمله على بذل الجهد للاشتغال في صناعات أو حرفة أو زراعة، ولم تهيّئ له البذور والمواد اللازمة لإقامتها، لذلك جهلها فحاربها وازدراها وازدرى شأن من يشتغل بها. كما سأتحدث عن ذلك في المواضع المناسبة لهذا البحث.
والبادية أرضون واسعة شاسعة جرداء في أغلب أيام السنة، خلا مواسم نزول الغيث وهي قليلة، وقد تنحبس. إذا أمطرت السماء ظهر "الربيع"، فتفرح الأرض وتكسى بخضرة تتخللها أوراد وأزهار وشقائق، ويضحك عندئذ وجهها، بعد يبوس وعبوس، ضحكًا يُفهم الإنسان الحضري عندئذ سرّ تعلق الأعرابي بباديته. ففي البادية على ما فيها من شقاء وجفاف ويبوسة؛ سحر ينسي الإنسان صعوبة الحياة، وحلاوة تنسيه مرارة الأيام القاسية التي يعيشها البدوي في باديته. بعيدًا عن الحضر وعن المجتمع المتكثف في مستوطنة أو قرية أو مدينة، بل بعيدًا حتى عن أبناء عشيرته. فمن طبيعة الصحراء أن قلبها لا يتقبل المجتمعات الكبيرة، بل يفضل المجتمعات الصغيرة المتناثرة. فصارت البيوت فيها متباعدة منتشرة هنا وهناك انتشار النجوم في السماء. كل بيت مسئول عن حماية نفسه وعن وقاية أفراده من أذى الإنسان والحيوان، وعن حماية جاره وذوي رحمه وأبناء عشيرته. لأنه إن لم يفعل ذلك، لم يجد من يدافع عنه أيام الشدة والعناء، حتى صار الجار عنده بمنزلة الأهل والدار.
وحياة من هذا النوع هي حياة لا بد وأن تصير بسيطة جدًّا ساذجة إلى أقصى حدود السذاجة. أحاديثها اليومية تكرار وإعادة، وأحاسيسها نسخة لأحاسيس اليوم الماضي والأيام السابقة. وأفق التفكير فيها محدود ضيق. إذ لا مجال فيها للفكر أن يتفتق وأن يتفتح ويتوسع. ومنها طبعت الحياة العقلية والاجتماعية بطابع الفطرة والبساطة. وهي لا يمكن إلا أن تكون كذلك. وكيف تريد منها أن تكون غير ذلك، ومحيطها وظروفها هي على هذا النحو من الحدود والقيود!
وفي وسع الرجل بفضل ما أوتي من قوة ومن بسطة في الجسم، قطع المسافات لزيارة الأقارب والجيران، لقتل الوقت بالكلام معهم، أو للتحدث عن غزو سابق أو عن شئون سيد القبيلة أو عن إشراف العشيرة أو للخروج إلى صيد لاصطياد ما قد يجده من حيوان مسكين، حَتَّم عليه سوء طالعه أن يولد في هذا الأرض الفقيرة، فهو مثل الإنسان تائه بهذه الحياة في هذه البادية الواسعة المكشوفة الشحيحة، يشكو إلى خالقه من ظلم طبيعةٍ أنبتته في هذه الأرض الفقيرة، على
стр. 2645
حين زرعت غيره في غابات كثيفة ذات ظروف حياتية غنية، فيها من المأكول أشكال وألوان. بينما هو لا يكاد يجد أمامه شيئًا، حتى إذا اشتد عوده واستوى، وقع في قبضة أناس جائعين، لا يقل جوعهم عن جوعه، فلا يخرج من قبضتهم أبدا. يتلذذون في أكله شواءً، ويتحدثون عن صيدهم ويفتخرون به. وقد يكون الصيد ظبيًا أو ضبًّا أو يربوعًا. ويفخرون بصيدهم لأنهم محرومون من اللحم، وكل ما تقع عليه عين المحروم من الأكل، هو أكل لذيذ دسم في نظر المحروم.
أما الأطفال فهم أطفال أينما وجدوا. لا يعرفون من أسرار الحياة وعنائها وشقائها شيئًا. همّهم اللعب، يلعب الذكور مع الإناث، الإخوة مع الأخوات، فهم أطفال البيوت. وقد يلعب معهم أطفال جيرانهم، إذا كانت البيوت متقاربة. يلعبون ألعابا هي من نتاج طبيعة أرضهم ومحيطهم. لا يعبئون بحر ولا برد، ولا بريح أو بأشعة شمس محرقة، وما الذي يفعلونه تجاه طبيعة قوية قهارة لم تعطهم إمكانيات بناء بيوت من مدر يأوون إليها لحماية أنفسهم من أشعة الشمس لهم على الأقل. وإنما مكنت آباءهم من صنع بيوت من وبر أو صوف أو شعر معز قد تقيهم من الأشعة بعض الوقاية، بأن تمنحهم شيئا من ظل. ولكنها عاجزة عن حمايتهم من البرد ومن الحر ومن الغيث إذا نزل عليهم مدرارًا. لا سيما إذا طال عهد هذه البيوت ولعب بها العمر، وصارت مهلهلة بالية، ذات جيوب وشقوق كالغرابيل، تعبث بها الرياح ساخرة من جهل هذا الإنسان القانع الراضي بحياته هذه على ما فيها من شظف وعسر وفقر، بينما هناك مجال واسع له لتحسين حاله، لو حرك نفسه واستخدم عقله وذراعه لتسخير الطبيعة في خدمته، لتحسين وضعه والترفيه عن نفسه ولو إلى حد.
стр. 2646
الرجل:
والرجل بحكم تفوق بنيته على بنية المرأة، وبفضل قوة عضلاته ومقاومته للطبيعة وللأخطار سيد الأسرة و "رب العائلة" و "بعل المرأة"، أي سيدها. منح نفسه حقوقًا لم يعطها للنساء. وبنى مفاهيم العدل والحق على أساس أن العدل هو القوة، فاغتصب حق المرأة والبنت والولد والرجل العاجز لقوته ولأنه مقاتل، أما غيره
стр. 2647
من المذكورين فعاجز عن القتال، فحرمهم من الحقوق. ومنها حقوق الإرث، وأباح لنفسه حق الاستمتاع بملاذ الحياة، وفي جملتها الاستمتاع بالنساء وبالخمور وببقية الأطايب. فله أن يتزوج ما يتمكن من النساء، وجعل بيده حق الطلاق، وجوّز لنفسه الاتصال بأية امرأة شاء وإن كان متزوجًا، وله أن يتسرى ما يشاء، وله غير ذلك من امتيازات وحقوق، بسبب قوته وتفوقه على الجنس الآخر وعلى المستضعفين من المخلوقات، لأن الحق للمخلوق القوي، ولا حق عند القوي لإنسان ضعيف.
стр. 2648
اللحية:
ومن الرجولة الشجاعة والإقدام وعدم المبالاة والمحافظة على مقوّمات الرجل وما منحته الطبيعة إياه من ملامح ميزته عن المرأة، وأهمها: اللحى. فاللحية عند العرب رمز الرجولة وزينتها وسيماء تكريم الرجل وتقديره. وإهانة اللحية عند العرب وعند الساميين هي من أعظم الإهانات التي لا تغتفر، وتقبيلها عندهم من علامات التقدير والاحترام والإجلال. ويعد نتف اللحية أو حزها أو حلقها إهانة كبيرة تنزل بصاحبها. يفعلها من يريد الازدراء بشأن الملتحي، ويعد عدم الاكتراث بتسوية اللحية من سيماء الحزن أو الغيظ أو المرض أو الارتباك وتضعضع الحال. ونجد في التوراة أن في جملة الإهانات التي تلحق بالناس حلق أنصاف لحاهم١. ويقسم باللحية، ويعد القسم بها من الأيمان المغلظة بمسك بها الحالف بيده اليمنى فيحلف بحلقها أنه لا يكذب أو أنه سيفعل، أو ما شابه ذلك، ولكن العادة أن الحلف بها يكون بإمساكها باليد، وإذا مد غريب يده على لحية رجل أكبر منه في المنزلة والدرجة وأقسم بها أو استجار بها، وجب على صاحبها الأخذ بقسمه والاهتمام بأمره ومساعدته. وقد يمسك غريب محتاج أو مطارد بلحية سيد قبيلة أو شريف قوم، ويبين له أنه في حماه ومنعته، وعلى الرجل بذل الحماية والمنعة له.
والعربي يكرم لحيته، ولا يحلقها، وتكون لحيته مدببة في الغالب على نمط
стр. 2649
اللحى الفرنسية. ويصرف بعض الوقت لإصلاحها حتى لا تكون متناثرة بشعة، وقد يعير الإنسان بلحيته، فيقال: له لحية تيس. وتنسب عادة إكرام اللحى إلى سنن إبراهيم. وقد تكون اللحية كثة كبيرة منتظمة. ويقال للرجل ذي اللحية الطويلة: "اللحياني" و "رجل لحيان"١.
ويحلف العربي بشاربه، فإذا أراد إعطاء عهد أو جوار أو أي عهد آخر وأقسم بشاربه، وجب عليه الوفاء بعهده. ومن عادة العرب تخفيف الشارب، وقد تحف وتنسب هذه العادة إلى سنن إبراهيم، ومن السنن الأخرى تقليم الأظافر وحلق العانة٢. وذكر أن الرسول كان يقص شاربه وأنه قال: "قصوا الشوارب وأرخوا اللحى وخالفوا المجوس". وورد أنه قال: "خالفوا المشركين ووفروا اللحى وأحفوا الشوارب"٣.
ويعد قص الشارب من "الفطرة". وهي عشرة أو خمسة أمور٤. يذكرون أنها من سنن إبراهيم ومن اتبعه من العرب. وفي جملتها الختان.
ويذكر العلماء أن الله ابتلى "إبراهيم" بسنن الفطرة، وهي التي ذكرت في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ ٥، وهي الكلمات العشر: خمس في الرأس، وخمس في الجسد. فأما التي في الرأس فالمضمضة والاستنشاق وقص الشارب والفرق والسواك. وأما التي في الجسد فالاستنجاء وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان. فلما جاء الإسلام، قررها سنة من السنن٦.
والعرب من أصحاب الشعور السوداء. وهم مثل غيرهم يفاخرون بشعر
стр. 2650
رأسهم، ويتركونه ينمو ولا يحلقونه على نحو ما كان يفعل اليهود والمصريون١. وكانوا يدهنونه ويمشطونه بالمشط، ويتركونه يتدلى على المنكبين. وقد يضفرونه ضفائر. ومنهم من يضفره ضفيرتين يجعلهما تتدليان على جانبي الوجه. وذكر أن العرب تسمى الخصلة من الشعر أو الضفيرة قرنًا. ولهذا عرف "المنذر بن ماء السماء" جد "النعمان بن المنذر" ب "ذي القرنين" لضفيرتين كانتا في قرني رأسه٢. والعرب تكني عن العربي بالجعدي وعن العجمي بالسبط٣. والجعد من الشعر خلاف السبط، أو هو القصير منه. وهم يعنون بذلك أن سبوطة الشعر هي الغالبة على شعور العجم من الروم والفرس، وجعودة الشعر هي الغالبة على شعور العرب. وكانوا إذا قالوا رجلا جعدًا عنوا رجلا كريمًا، كناية عن كونه عربيًّا سخيًّا، لأن العرب موصوفون بالجعودة. وقد يقصدون بذلك رجلا بخيلًا لئيمًا، فهو من الأضداد. وذكر أن العرب تقول: رجلًا جعدًا، إذا كان قصيرا متردد الخلق. وإذا قالت جعد السبوطة، فإنها تريد بذلك المدح، إلا أن يكون مفلفلا كشعر الزنج والنوبة، فهو حينئذ ذم٤.
وكان الرسول يسدل شعره، ثم فرقه. والفرق أن يجعل شعره فرقتين كل فرقة ذؤابة. والسدل أن يسدله من ورائه ولا يجعله فرقتين٥. وذكر أنه كان يضفره غدائر، والغدائر الضفائر. وكان إذا طال شعره جعله غدائر أربعًا. وكان يكثر دهن رأسه ولحيته ويكثر القناع كأن ثوبه ثوب زيّات. وكان يحب الترجل، وكان يرجل نفسه تارة وترجله عائشة تارة٦. وترجيل الشعر تسريحه.
стр. 2651
وقد تقوم به المرأة١. ويكون ذلك بالمشط. قال امرؤ القيس:
كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حَنّاء بشيب مرجّل٢
وللعرب عادات بالنسبة إلى شعرهم. فهم إذا غضبوا وأرادوا الأخذ بالثأر، لم يغسلوا شعورهم وتركوا تدهينها حتى يأخذوا بثأرهم. كالذي رووه من قصة امرئ القيس، حينما جاءه خبر مقتل والده. وهم إذا أرادوا إذلال رجل وإهانته كإذلال سيد قبيلة أو شريف قوم سقط أسيرًا، وأرادوا الإمعان في إذلاله جزوا ناصيته وتركوه يذهب فذلك عندهم شر إذلال. والناصية مقدم الرأس٣.
ويستوي الرجل والمرأة في دهن شعر الرأس. ولا زال الأعراب يدهنون شعورهم على الطريقة القديمة. ويستعمل أغنياؤهم الدهون الجيدة المستوردة من الخارج. مثل "الزيت" المطيب بالعطور وبأنواع الطيب، يدهنون به شعورهم ولحاهم في أيام الأفراح بصورة خاصة وفي الأعياد. وكان الرومان واليونان يدهنون الجسم كله بالزيت. ويعد دهن شعر الرأس من علامات الفرح والسرور، وتركه من علامات الغم والحزن٤. وقد كان الصحابة يطلون شعر رأسهم ولحيتهم بالدهن ليزيلوا شعث رءوسهم ولحاهم به٥.
ويضفر شعر الأولاد والبنات ضفائر، تتدلى على جانبي الوجه ومؤخرة الرأس. وأما الرجل، فكان منهم من يضفر شعر رأسه ضفيرتين يتركهما تتدليان على جانبي وجهه، ومنهم من يضفره جملة ضفائر، قد تبلغ سبعًا. وعادة ضفر شعر الرأس سبع ضفائر عادة معروفة عند غير العرب أيضًا. وكان شعر "شمشون" المشهور مضفورًا في سبع خصل٦. ولا زال الأعراب يضفرون شعورهم. ويقال للضفيرة "الذؤابة". والذؤابتان اللتان تسقطان على الصدر.
стр. 2652
ويقال لهما "غديرتان". وكل عقيصة غديرة: قال امرؤ القيس:
غدائره مستشزرات إلى العلى ... تضل العقاصي في مثنى ومرسل١
ولما قدم "صمام بن ثعلبة" من "بني سعد على الرسول، كان رجلا جلدًا أشعر ذا غديرتين. فلما ولى قال رسول الله: إن صدق ذو العقيصتين٢. ويقال لهما "القرنان" كذلك. والعرب تسمي الخصلة من الشعر القرن. والقرن الذؤابة عامة. ومنه: الروم ذات القرون، لطول ذوائبهم٣.
وهم مثل غيرهم من الناس يعتبرون الشعر الأشيب إكليل مجد الشيخ، والشعر الأبيض رمزًا للحكمة والجلالة٤. وذلك بسبب أن تقدم العمر بالإنسان يكسبه خبرة وحكمة، لما يراه في حياته من تجارب وعظات. لذلك أقاموا للسن وزنًا كبيرًا في أخذ الرأي وفي التقدم في الدخول وفي الجلوس في المجالس.
ولم يكن شيوخ الجاهلية وشيبها أقل عناية بمظهرهم وبمرآهم من شيوخ هذا اليوم وشيبه، فحاولوا ما قدروا إخفاء شيبهم وإطفاء لعب الزمان بشعرهم وبأوجههم بمختلف الوسائل والسبل، ومنها إخفاء الشيب بصبغه وباستعمال الخضاب، وبعضه أسود، كما خضبوا بالعِظْلم وبالحنّاء٥. وصبغوا لحاهم. ولم يهملوا العيون، فاكتحلوا لتظهر براقة مؤثرة. ولا تزال "الوسمة"، وهي خضاب أسود معروف، ويستعملها بعض الناس اليوم.
وذكر بعض علماء اللغة أن الخضاب، إخفاء الشيب بالحناء، وإذا كان بغير الحناء قيل: صبغ شعره، ولا يقال خضبه. وذكر آخر أن أول من خضب بالسواد من العرب "عبد المطلب"٦. وقد تعلمه من أهل اليمن. إذْ كان قد زارهم فوجد شيبهم يخضبون شعورهم بالسواد، فأعطوه خضابًا، فجاء إلى مكة، وعنه شاع الخضاب بين أهلها.
стр. 2653
وقد استعملوا الزعفران في صبغ لحاهم وشعورهم. واستعملوا لون الزعفران في صبغ ثيابهم أيضا. وذلك لغلاء ثمن "الزعفران" الطبيعي. كما استعمل "العصفر" في الصبغ، وهو نبات ينبت في جزيرة العرب، إذا صبغ الثوب به قيل: عصفر الثوب به١. كما استعملوا "الكتم" في تخضيب الشعر. وهو نبت يخلط بالحناء ويخضب بالشعر فيبقى لونه. وقد أشار إليه "أمية بن أبي الصلت" بقوله:
وسودت شمسهم إذا طلعت ... بالجلب هفا كأنه كتم
والمكتومة: دهن من أدهان العرب أحمر، يجعل فيه الزعفران أو الكتم. وطبخوا الكتم بالماء واستخرجوا منه مدادًا للكتابة٢.
ويكون الخضاب بالحناء، كما يكون بالحناء والكتم كما ذكرت، وقد يكون بالحناء والوسمة. وتجعل الوسمة الشعر أسود فاحمًا. وكل هذه من النباتات التي تنبت في الحجاز وفي اليمن وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب. وقد استعلموا "السواد" ويكون بالوسمة في الغالب لتسويد شعر الجارية والمرأة الكبيرة والشيخ للغش والتدليس، حتى إذا جاء سيد لشراء جارية ظن أن شعرها على هذه الصورة من السواد، أو جاء رجل يطلب المرأة الكبيرة ظن أنها أصغر من عمرها، أو عرض الرجل الشيخ نفسه للزواج، ظهر أصغر من عمره. ونظرًا إلى ما في هذا العمل من غش نهي عنه في الإسلام٣.
وخوفًا من أن يقملوا لبّدوا شعر رءوسهم بالخطمي والصمغ. وقد عرف من يفعل ذلك ب "الملبد". وقيل: إن "الملبد" المحرم، الذي لبد شعره حتى لا يقمل، إذا دخله الغبار بعد العرق٤. وقد كان القمل قد عشش في آباط كثير من الناس، لا سيما الفقراء والأعراب منهم. وفي شعر رءوسهم في المواضع المشعرة من أجسامهم، نظرًا لسوء وضعهم من الناحية الاقتصادية وفقرهم: وعدم تمكنهم من غسل أجسامهم. وقد أشير إلى القمل والتلبيد في الشعر. ذكر أن القمل
стр. 2654
كان يتهافت من رأس "كعب بن عجوة بن عدي" على وجهه، وكان محرمًا، فرآه الرسول، فأمره أن يحلق رأسه وأن يطعم فرقًا بين ستة مساكين١.
وذكر أن التلبيد، أن يأخذ شيئًا من خطمي وآسٍ وسدر، وشيئا من صمغ، فيجعله في أصول شعره وعلى رأسه، كي يتلبد شعره ولا يعرق ويدخله الغبار، فيخمّ ويقمل٢.
وتطيب الرجال بالطيب، ودهنوا شعورهم بالدهن المطيب. وكانوا يتطيبون إذا ذهبوا إلى زيارة بيت، وفي المجتمعات العامة كالمواسم والأفراح. وللرجال طيب يختلف عن طيب النساء.
وقد يرقن الرجل كما ترقن المرأة بالحناء والزعفران. يقال: أرقن الرجل لحيته ورقنها، أي خضبها بالحناء وبالزغفران. قال الشاعر:
ومسمعة إذا ما شئت غنت ... مضمخة الترائب بالرقان٣
والرقان والرقون الحناء والزعفران.
ويكثر العرب من حمل "العصا" معهم. إذ هي ضرورة بالنسبة لحياتهم. يستعينون بها في طرد الكلاب عنهم، ورد الحيوانات المتوحشة التي قد تصادفهم، كما يستعملونها في ضرب إبلهم حتى تطيع أوامرهم. حتى إنهم جعلوا العصا رمزًا لأمور عديدة. منها الطاعة والجماعة. ومنها "شق العصا" بمعنى مخالفة الجماعة. والعصا الجماعة. ومنها "ألقى المسافر عصاه"، أي بلغ موضعه وأقام. وضرب مثلا لكل من وافقه شيء فأقام عليه. ومنها "هو لين العصا"، أي رقيق لين حسن السياسة، و "هو ضعيف العصا"، أي قليل ضرب الإبل. "وإن العصا من العصية"، يقال ذلك إذا شبه بأبيه، أي: إن بعض الأمر من بعض٤.
كما حملوا القضب، وهي من علائم السلطة والقوة والحكم والنفوذ عندهم. وقد ورد في خبر إرسال رسول الله "عباس بن أبي ربيعة المخزومي" إلى
стр. 2655
"الحارث" و "مسروح" و "نعيم" بني عبد كلال من حمير، أنهم كانوا يحملون قضبًا معهم. وهي من الأثل: قضيب ملمّع ببياض وصفرة وقضيب ذو عُجَر وكأنه خيزران، وقضيب أسود بهيم كأنه من ساسم١. وكان أحدهم إذا جلس وفكر في أمره، أو أراد الإجابة على سؤال يحتاج إلى عمل روية نكت الأرض بالقضيب الذي يحمله بيده.
стр. 2656
المرأة:
والمرأة في المحيط البدوي أنشط وأكثر عملًا من الرجال؛ فعليها تهيئة الطعام وحلب النياق وغسل الملابس وغزل الصوف والوبر، والعناية بالأطفال وتحضير مادة الوقود، إلى غير ذلك من أعمال لا يقوم بها الرجل، لأنها من عمل المرأة، ولا يليق بالرجل القيام بها.
ولم نقرأ في كتب أهل الأخبار ما يفيد سيادة النساء على القبائل، في الجاهلية القريبة من الإسلام. ولم نقرأ في المسند ما يفيد بوجود ملكات حكمن اليمن. بينما قرأنا في الكتابات الآشورية وجود ملكات عربيات حكمن قبائل عربية، كانت تنزل البوادي من بادية الشام. ووقفنا أيضا على حكم الملكة "الزباء" لتدمر وذلك بعد الميلاد. ولكننا نقرأ في أخبار أهل الأخبار أخبار كاهنات، كانت لهن مراكز خطيرة عند القبائل. وكذلك أخبار حاكمات حكمن فيما بين الناس في الخصومات. وقد كان منهن من يقرأ ويكتب كما سنرى فيما بعد.
وللمرأة الشريفة ذات السؤدد حظ في المجتمع لا يدانيه حظ المرأة الحرة الفقيرة. فسؤددها حماية لها ودرع يصونها من الغض من منزلتها ومكانتها. وأسرتها قوة لها، تمنع زوجها من إذلالها أو إلحاق أي أذى بها، وهي نفسها فخورة على غيرها لأنها من أسر كريمة موازية لها في المنزلة والشرف. ومن ذلك قولهم: "استنكح العقائل، إذا نكح النجيبات"١.
стр. 2657
حال المرأة في الجاهلية:
وقد اختلف حال المرأة في الجاهلية عن حالها في الإسلام، بسبب تغير الأحوال
стр. 2658
وتبدل الظروف. "فلم يكن بين رجال العرب ونسائها حجاب، ولا كانوا يرضون مع سقوط الحجاب بنظرة الفلتة ولا لحظة الخلسة، دون أن يجتمعوا على الحديث والمسامرة، ويزدوجوا في المناسمة والمثافنة، ويسمى المولع بذلك من الرجال الزِّير، المشتق من الزيارة. وكل ذلك بأعين الأولياء وحضور الأزواج، لا ينكرون ما ليس بمنكر إذا أمنوا المكر"١. "فلم يزل الرجال يتحدثون مع النساء، في الجاهلية والإسلام، حتى ضرب الحجاب على أزواج النبي ﷺ خاصة"٢. "ثم كانت الشرائف من النساء يقعدون للرجال للحديث، ولم يكن النظر من بعضهم إلى بعض عارًا في الجاهلية، ولا حرامًا في الإسلام"٣.
وما نراه اليوم من اعتكاف النساء في بيوتهن ومن عدم اختلاطهن بالرجال ومن التشدد في الحجاب وأمثال ذلك، هو بين أهل الحضر خاصة. وقد كان هذا التحفظ معروفًا نوعًا ما عند أهل الحواضر والقرى في الجاهلية، إلا أن التزمُّت والتشدد في وجوب ابتعاد الرجل عن المرأة وانفصالهما بعضهما عن بعض إنما نشأ في الإسلام، بسبب تغير الظروف واختلاط العرب بالأعاجم، وظهور حالات جعلت العوائل الكبيرة تحرص على حصر المرأة في بيتها. أما في البادية فإن المرأة لا تزال تشارك الرجل في أعماله وتجالسه وتكلمه ولو كان غريبًا عنها، لأن محيط البادية محيط بعيد عن موطن الريبة والشبهات، وينشأ البنات والأولاد فيه سوية، ويلعبون سوية ويشبون سوية، ولذلك لم تنشأ عندهم القيود والحدود التي تفصل بين المرأة والرجل. وقد كان حال المرأة الأعرابية على هذه الحال في الجاهلية.
وقد عرفت المرأة بالكيد بين الجاهليين، ونظروا إليها نظرتهم إلى الشيطان وليست هذه النظرة العربية إلى المرأة هي نظرة خاصة بالجاهليين، بل هي نظرة عامة نجدها عند غيرهم أيضًا. بل هي وجهة نظر الرجل بالنسبة للمرأة في كل العالم في ذلك الوقت. وهي نظرة نجدها عند الحضر بدرجة خاصة، لما لمحيط الحضر من خصائص التجمع والتكتل، والتصاق البيوت بعضها ببعض، ولما لهم من حياة اجتماعية واقتصادية وسياسية، وقد تجبر المرأة على دس أنفها، والاتصال بالغرباء، فنشأ من ثم هذا الرأي بين أهل الحضر أكثر من الأعراب.
стр. 2659
وعرفت المرأة عندهم بالمكر والخديعة. إذ كان في وسعها استدراج الرجل والمكر به. وهم يتمثلون بمكر "الزبّاء". واستدراجها "جذيمة الأبرش" إليها، ثم فتكها به. على نحو ما ورد من قصص عنها في كتب أهل الأخبار. غير أنهم يروون في الوقت نفسه قصة "قصير" معها، وكيف تمكن من الأخذ بثأره منها، في حيلة ومكر ومكيدة، حتى فتك بها في قصة من قصص المكر والخديعة، ضرب بها المثل١. وعُدَّت المرأة كالحيّة في المكر.
ونظر الرجل إلى رأي المرأة على أن فيه وهنًا وضعفًا وأنه دون رأيه بكثير، وتصور أن مقاييس الحكم عندها، دون مقاييسه في الدقة والضبط، ولهذا رأى العرب أن من الحمق الأخذ برأي المرأة. فكانوا إذا أرادوا ضرب المثل بضعف رأي وخطله قالوا عنه: "رأي النساء"٢ و "رأي نساء" وقالوا: شاوروهن وخالفوهن، لما عرف عن المرأة من تأثر بأحكام العاطفة عندها. حتى ذهب البعض إلى عدم وجود رأي للمرأة، ولهذا قالوا: يقال للرجل "الفند" إذا خرف وخف عقله لهرم أو مرض، وقد يستعمل في غير الكبر وأصله في الكبر. ولا يقال "عجوز مفندة، لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأي أبدًا فتفند في كبرها. وفي الكشاف: ولذا لم يقل للمرأة مفندة لأنها لا رأي لها حتى يضعف. قال شيخنا: ولا وجه لقول السمين إنه غريب، فإنه منقول عن أهل اللغة. ثم قال: ولعل وجهه أنّ لها عقلًا وإن كان ناقصًا يشتد نقصه بكبر السن"٣.
ويكني العرب عن المرأة ب "الدُّمية". والدمية الصنم، وقيل: الصورة المنقشة: العاج ونحوه. وقيل هي الصورة. وقول الشاعر:
والبيض يرفلن في الدُمي ... والريط والمذهب المصون
يعني ثيابًا فيها تصاوير٤.
ويقال للمرأة البذيئة القليلة الحياء "العنفص". وقال بعض علماء اللغة إنها
стр. 2660
المرأة القليلة الجسم الكثيرة الحركة. أو الداعرة الخبيثة. وقيل هي القصيرة المختالة المعجبة. أو المرأة الكثيرة الكلام، وهي المنتنة الريح١. وقد ذمت المرأة "النمامة"، والبذيئة التي تشتم الناس وتنطق بالبذاء. والسليطة اللسان التي تتطاول على الناس، ولا تبالي أحدًا. وقد كان بعض الناس يحرضون أمثال هؤلاء النسوة لإهانة كرام الناس والتحرش بهم، لما يعرفونه من أن في طبع الرجل الكريم عدم الرد على المرأة ردًّا قبيحًا والتعرض لها بسوء.
وتشاءموا من بعض النسوة. وقالوا: "امرأة مشئومة"، و "عقرى حلقى"، أي عقرها الله وحلقها، بمعنى حلق شعرها أو أصابها بوجع في حلقها، أو أنها تعقر قومها وتحلقهم بشؤمها وتستأصلهم٢. وقد كانوا يطلقونها إذا تشاءم الزوج أو أهله منها، لاعتقادهم الشديد بالشؤم. وتشاءموا من الفرس الأشقر ومن عتبة الباب، ومن أشياء أخرى سأتحدث عنها في موضع التفاؤل والتشاؤم عند العرب.
وجمال المرأة في حلاوة العينين، وفي جمال الأنف، والملاحة في الفم. قال الشاعر:
خزاعيّة الأطراف مريّة الحشا ... فزارية العينين طائيّة الفم٣
стр. 2661
المرأة القبيحة:
وذكر بعض علماء اللغة أن العرب تصف ب "السعلاة" العجائز والخيل، وقيل السعالي: النساء الصاخبات البذيئات، والمرأة القبيحة الوجه السيئة الخلق. ومن ذلك قول الأعشى:
ونساء كأنهم السعالي١.
والعرب تكني عن المرأة بالعتبة والنعل والقارورة والبيت والدمية الغل والقيد والريحانة والقوصرة والشاة والنعجة٢.
стр. 2662
وما قلته يمثل الفكرة العامة عن المرأة بين سواد الناس. غير أن هناك نسوة اشتهرن بالعقل والحكمة عند الجاهليين. وكن مرجعًا للرجال في أخذ الرأي. حتى إن منهن من تولين أمر الحكومات، وقد سبق أن ذكرت فيما مضى أن قبائل بادية الشام كانت تحت حكم ملكات في أيام الآشوريين. ومنهن الملكات "شمس" و "زبيبة". كما أشرت إلى الملكة "الزباء". فلم يجد العرب قبل الميلاد ولا بعده غضاضة من تعيين النساء ملكات عليهم. وقد كن يصاحبن الرجال إلى القتال لإثارة هممهم عند اشتداد المعارك ولمداواة الجرحى، وحمل الماء إلى العطشى من المقاتلين. وقد كانت "رفيدة" تداوي جرحى المسلمين في مسجد الرسول بيثرب١. وكانت "زينب" طبيبة "بني أود" تعالج المرضى وحازت على شهرة بين العرب٢.
حتى الشعر، برزت به شاعرات. مثل الخنساء، وخرانق، وجليلة، وكبشة أخت عمرو بن معد يكرب، وغيرهن. ومنهن من حكمن بين الشعراء المتنافسين في تفضيل شعر شاعر على شعر شاعر آخر. وكان من بينهن كاتبات ومتاجرات إلى غير ذلك من حقول الأعمال التي تحتاج إلى عقل وذكاء.
стр. 2663
زينة المرأة:
والمرأة الحضرية أكثر تفننا واعتناءً بنفسها من الأعرابية، بسبب اختلاف المحيط والوضع الاقتصادي. ولها من أمور الزينة ما لا تعرفه الأعرابيات، من وسائل تجميل وتحلية جسم وملبس. ولا سيما النساء الغنيات القريبات من مواطن الأعاجم. فقد تأثرن بالأعجميات وأخذن منهن ما راق لهن من ملبس وزينة وطيب وحلية.
والعادة أن المرأة تضفر شعر رأسها ضفائر وغدائر، أما الرجال فيتخذون لهم ضفيرتين، تتدليان على طرفي الوجه إلى المنكبين١. ويقال للضفيرة:
стр. 2664
العقيصة. وذكر أن "العقيصة" الذؤابة. وذكر بعض علماء اللغة أن كل عقيصة غديرة، والغديرتان الذؤابتان تسقطان على الصدر. وقيل الغدائر للنساء، وهي المضفورة. والضفائر الرجال١. وقيل العقص الفتل، أي فتل الشعر، وهو أن يلوي الشعر حتى يبقى ليُّه ثم يرسل. وذكر بعض علماء اللغة أن العقص أن تأخذ المرأة كل خصلة من شعر فتلويها ثم تعقدها حتى يبقى فيها التواء ثم ترسلها، فكل خصلة عقيصة. وقد عرف "ضمام بن ثعلبة" أحد بني سعد بن بكر ب "ذي العقيصتين"، وكان أشعر ذا غديرتين. وكان خصل شعره عقيصتين وأرخاهما من جانبيه. وهو من الصحابة٢.
ويعد شعر المرأة من أثمن الأشياء عندها لذلك تستعز به وتحافظ عليه، وتسعى لإثارته وتنشيطه، وهي لا تحلقه إلا إذا نزلت بها نازلة، مثل موت زوجها أو عزيز آخر عليها، ويعد ذلك غاية في التضحية وفي إظهار حزنها على رجلها الراحل العزيز٣. فإذا مات عزيز حلقت المرأة شعرها وذَرَّت التراب أو الرماد على رأسها، إظهارًا لشدة ألمها وحزنها على ميتها. ويقال لها "الحالقة". وقد لعن الرسول من النساء الحالقة والصالقة والخارقة. والحالقة التي تحلق شعرها في المصيبة٤. وقد ضرب بها المثل في الشؤم. لأن من عادة الناس في الجاهلية أنهم إذا أصيبوا بمصيبة حلقت النساء شعورهن. وإلى ذاك أشير في شعر الخنساء:
ولكني رأيت الصبر خيرا ... من النعلين والرأس الحليق
وأصل ذلك أن المرأة كانت إذا أصيب لها كريم حلقت رأسها وأخذت نعلين تضرب بهما رأسها وتعفره. وفي هذا المعنى جاء في الشعر:
ألا قومي أولو عقرى وحلقى ... لما لاقت سلامان بن غنم
ولهذا السبب اعتبرت الحالقة علامة من علامات الشؤم ونذيرًا من نذر الفرقة
стр. 2665
يضرب بها المثل. وفي الحديث: "دبّ إليكم داء الأمم: البغضاء والحالقة". "هو قطيعة الرحم والتظالم والقول السيء"١.
ويسرح الشعر ب "المشط". وقد عرفه الجاهليون، وهو من آلات التجميل القديمة.. وقد أشير إليه في الحديث. كما أشير إليه في الشعر. ورد قول عبد الرحمن بن حسان:
قد كنت أغنى ذي غنى عنكم كما ... أغنى الرجال عن المشاط الأقرع٢
وتمشط شعر العرائس "الماشطة"، فتقوم بترجيله وتجميله لخبرتها فيه٣. ويكون المشط من خشب في الغالب، وقد يعمل من ذهب أو فضة أو من معدن آخر، وقد يتخذ من "العاج".
وتغسل المرأة رأسها بطين وأشنان وخطمى ونحوه لتنظيفه. وقد تغتسل بالطيب، وذلك بالنسبة للغنيات. وإذا انتهت من غسله استعملت "الغسلة"٤، وهو ما تجعله المرأة في شعرها عند الامتشاط من طيب وورق الآس يطرى بأفاويه من الطيب ويمتشط به٥. والطين أنواع، يختلف باختلاف طبقات الأرض. وأجوده الحر النقي الخالص بعد رسوب الماء، ويستعمل في تنظيف الشعر.
وقد كانت القبائل إذا أرادت الصبر في القتال، والوقوف في الحرب إلى النهاية وحتى النصر، حلقت نساؤها شعورهن، لبثّ الشجاعة في نفوس المقاتلين وإذكاء نار الشجاعة فيهم. وذكر أن "يوم تحلاق اللمم"، إنما سمي بذلك، لأن شعارهم كان الحلق. وكان لتغلب على بكر بن وائل٦.
وتجملت المرأة الجاهلية وتزينت على قدر حالها وإمكانها، لتظهر بذلك جمالها وأنوثتها على سنة الطبيعة، وعلى عادة المرأة بل والإنسان: رجلا كان أو امرأة