المرأة القبيحة:
وذكر بعض علماء اللغة أن العرب تصف ب "السعلاة" العجائز والخيل، وقيل السعالي: النساء الصاخبات البذيئات، والمرأة القبيحة الوجه السيئة الخلق. ومن ذلك قول الأعشى:
ونساء كأنهم السعالي١.
والعرب تكني عن المرأة بالعتبة والنعل والقارورة والبيت والدمية الغل والقيد والريحانة والقوصرة والشاة والنعجة٢.
стр. 2662
وما قلته يمثل الفكرة العامة عن المرأة بين سواد الناس. غير أن هناك نسوة اشتهرن بالعقل والحكمة عند الجاهليين. وكن مرجعًا للرجال في أخذ الرأي. حتى إن منهن من تولين أمر الحكومات، وقد سبق أن ذكرت فيما مضى أن قبائل بادية الشام كانت تحت حكم ملكات في أيام الآشوريين. ومنهن الملكات "شمس" و "زبيبة". كما أشرت إلى الملكة "الزباء". فلم يجد العرب قبل الميلاد ولا بعده غضاضة من تعيين النساء ملكات عليهم. وقد كن يصاحبن الرجال إلى القتال لإثارة هممهم عند اشتداد المعارك ولمداواة الجرحى، وحمل الماء إلى العطشى من المقاتلين. وقد كانت "رفيدة" تداوي جرحى المسلمين في مسجد الرسول بيثرب١. وكانت "زينب" طبيبة "بني أود" تعالج المرضى وحازت على شهرة بين العرب٢.
حتى الشعر، برزت به شاعرات. مثل الخنساء، وخرانق، وجليلة، وكبشة أخت عمرو بن معد يكرب، وغيرهن. ومنهن من حكمن بين الشعراء المتنافسين في تفضيل شعر شاعر على شعر شاعر آخر. وكان من بينهن كاتبات ومتاجرات إلى غير ذلك من حقول الأعمال التي تحتاج إلى عقل وذكاء.
стр. 2663
زينة المرأة:
والمرأة الحضرية أكثر تفننا واعتناءً بنفسها من الأعرابية، بسبب اختلاف المحيط والوضع الاقتصادي. ولها من أمور الزينة ما لا تعرفه الأعرابيات، من وسائل تجميل وتحلية جسم وملبس. ولا سيما النساء الغنيات القريبات من مواطن الأعاجم. فقد تأثرن بالأعجميات وأخذن منهن ما راق لهن من ملبس وزينة وطيب وحلية.
والعادة أن المرأة تضفر شعر رأسها ضفائر وغدائر، أما الرجال فيتخذون لهم ضفيرتين، تتدليان على طرفي الوجه إلى المنكبين١. ويقال للضفيرة:
стр. 2664
العقيصة. وذكر أن "العقيصة" الذؤابة. وذكر بعض علماء اللغة أن كل عقيصة غديرة، والغديرتان الذؤابتان تسقطان على الصدر. وقيل الغدائر للنساء، وهي المضفورة. والضفائر الرجال١. وقيل العقص الفتل، أي فتل الشعر، وهو أن يلوي الشعر حتى يبقى ليُّه ثم يرسل. وذكر بعض علماء اللغة أن العقص أن تأخذ المرأة كل خصلة من شعر فتلويها ثم تعقدها حتى يبقى فيها التواء ثم ترسلها، فكل خصلة عقيصة. وقد عرف "ضمام بن ثعلبة" أحد بني سعد بن بكر ب "ذي العقيصتين"، وكان أشعر ذا غديرتين. وكان خصل شعره عقيصتين وأرخاهما من جانبيه. وهو من الصحابة٢.
ويعد شعر المرأة من أثمن الأشياء عندها لذلك تستعز به وتحافظ عليه، وتسعى لإثارته وتنشيطه، وهي لا تحلقه إلا إذا نزلت بها نازلة، مثل موت زوجها أو عزيز آخر عليها، ويعد ذلك غاية في التضحية وفي إظهار حزنها على رجلها الراحل العزيز٣. فإذا مات عزيز حلقت المرأة شعرها وذَرَّت التراب أو الرماد على رأسها، إظهارًا لشدة ألمها وحزنها على ميتها. ويقال لها "الحالقة". وقد لعن الرسول من النساء الحالقة والصالقة والخارقة. والحالقة التي تحلق شعرها في المصيبة٤. وقد ضرب بها المثل في الشؤم. لأن من عادة الناس في الجاهلية أنهم إذا أصيبوا بمصيبة حلقت النساء شعورهن. وإلى ذاك أشير في شعر الخنساء:
ولكني رأيت الصبر خيرا ... من النعلين والرأس الحليق
وأصل ذلك أن المرأة كانت إذا أصيب لها كريم حلقت رأسها وأخذت نعلين تضرب بهما رأسها وتعفره. وفي هذا المعنى جاء في الشعر:
ألا قومي أولو عقرى وحلقى ... لما لاقت سلامان بن غنم
ولهذا السبب اعتبرت الحالقة علامة من علامات الشؤم ونذيرًا من نذر الفرقة
стр. 2665
يضرب بها المثل. وفي الحديث: "دبّ إليكم داء الأمم: البغضاء والحالقة". "هو قطيعة الرحم والتظالم والقول السيء"١.
ويسرح الشعر ب "المشط". وقد عرفه الجاهليون، وهو من آلات التجميل القديمة.. وقد أشير إليه في الحديث. كما أشير إليه في الشعر. ورد قول عبد الرحمن بن حسان:
قد كنت أغنى ذي غنى عنكم كما ... أغنى الرجال عن المشاط الأقرع٢
وتمشط شعر العرائس "الماشطة"، فتقوم بترجيله وتجميله لخبرتها فيه٣. ويكون المشط من خشب في الغالب، وقد يعمل من ذهب أو فضة أو من معدن آخر، وقد يتخذ من "العاج".
وتغسل المرأة رأسها بطين وأشنان وخطمى ونحوه لتنظيفه. وقد تغتسل بالطيب، وذلك بالنسبة للغنيات. وإذا انتهت من غسله استعملت "الغسلة"٤، وهو ما تجعله المرأة في شعرها عند الامتشاط من طيب وورق الآس يطرى بأفاويه من الطيب ويمتشط به٥. والطين أنواع، يختلف باختلاف طبقات الأرض. وأجوده الحر النقي الخالص بعد رسوب الماء، ويستعمل في تنظيف الشعر.
وقد كانت القبائل إذا أرادت الصبر في القتال، والوقوف في الحرب إلى النهاية وحتى النصر، حلقت نساؤها شعورهن، لبثّ الشجاعة في نفوس المقاتلين وإذكاء نار الشجاعة فيهم. وذكر أن "يوم تحلاق اللمم"، إنما سمي بذلك، لأن شعارهم كان الحلق. وكان لتغلب على بكر بن وائل٦.
وتجملت المرأة الجاهلية وتزينت على قدر حالها وإمكانها، لتظهر بذلك جمالها وأنوثتها على سنة الطبيعة، وعلى عادة المرأة بل والإنسان: رجلا كان أو امرأة
стр. 2666
في كل وقت وزمان، من حبه في إظهار الزينة وحسن المظهر. جملت نفسها بالاعتناء بالنظافة وبالثياب وبالحلية، كالخلخال والسوارين والخاتم والقُلبين والقلب والفتخة والمسكة والقرطين والقلائد الأخرى، وبالتجميل بالكحل وبالمساحيق التي توضع على الوجه والدهن الذي يدهن به الشعر وخضاب الكف والقدم، وبالوشم وما شاكل ذلك من أمور تجميل وتحلية كانت معروفة في ذلك العهد.
ومن وسائل الزينة: الوشم. غرز إبرة ونحوها في عضو حتى يسيل الدم ثم يحشى بنؤور أو بالكحل أو بالنيلج أو نحوها فيزرق أثره أو يخضر١. وكانوا يقصدون بذلك التزين فينقشون به غالب أبدانهم، أنواعًا من النقوش من صور حيوانات أو نبات أو صور إنسان وكذلك الشفاه، فترى غالب شفاه نسائهم زرقًا. والأطفال منهم يوشمون في بعض المحال من وجوههم لقصد الزينة. وكذلك الرجال. وذكر أن الرسول قد نهى عن ذلك في حديث: "لعن الله الواشمة". أو "لعن الله الواشمة والمستوشمة"٢.
وكانوا يعتنون بتجميل حواجبهم وإزالة الشعر من وجوههم ب "النماص" وهو "المنقاش". وعرفت مزينة النساء ب"النامصة". وهي مزينة بالنمص. وذكر أن النمص نتف الشعر. وأن المشط ينمص الشعر وكذلك المحسّة لأن لها أسنانا كأسنان المشط. ويقال إن النماص مختص بإزالة الشعر من الحاجبين ليرققهما أو ليسويهما. وفي الحديث: لعنت النامصة والمتنمصة٣.
وعنوا بالأسنان فاستعملوا المبرد لبرد ما بين الثنايا والرباعيات، لتجميلها. وقد لعنت المتفلجات في الحديث. والمتفلجات جمع متفلجة التي تفلج بين الأسنان٤. وعنوا بتبييض الأسنان باستخدام "المسواك"، وهو ما يدلك به الفم. ويكون من عيدان بعض الأشجار ذات الرائحة الطيبة. وقد أشير إليه في الحديث٥.
стр. 2667
ويقص الشعر والظفر بالمقص، أي المقراض وهما مقصان١. يقص به الرجل شعره، كما تقص به المرأة. وتتخذ المرأة "القُصة" في مقدم رأسها تقص ناصيتها ما عدا جبينها٢.
وذكر أن من نساء الجاهلية من كن يقمحن لثنهن ب "النوور"، حصاة كإثمد تدق فتسفها اللثة. وكن يتّسمن ب "النؤر". وهو دخان الشحم أو دخان الفتيلة، يتخذ كحلًا أو وشمًا، وخصصه بعضهم بالوشم٣.
ولم تنس المرأة الجاهلية زينتها، فزينت نفسها ب "الحلي" من ذهب وفضة ومعادن أخرى ومن أحجار كريمة وأحجار تلفت النظر وبالعظام أيضا وبالخرز. ومن الحلي "الأساور" المصنوعة من الذهب. بالنسبة إلى المرأة الموسرة، والحلي المطعمة باللؤلؤ. ومن الحليّ؛ ما يزين به الرأس والعنق، ومنه ما يزين به الأيدي أو الأرجل٤. وسأتحدث عنها في القسم الخاص بالحرف، بشيء من التفصيل.
و"الكرم": القلادة. وقيل هي القلادة من الذهب والفضة، وقيل تكون من لؤلؤ أيضًا٥.
ويضفر شعر رأس الأطفال ذوائب، أي ضفائر تتدلى على رأسه وعلى ناصيته. ومتى كبر الطفل وبلغ سن الرشد، أو شعر برجولته، ضفرت له ذؤابتان، وهي علامة الشباب والرجولة عندهم. وقد كان الساميون يحتفلون بحلق الذوائب، لأن هذا الحلق معناه انتهاء مرحلة من الحياة ودخول الطفل مرحلة الرجولة، وهي مرحلة الحياة الصحيحة. وكانوا يرمون الذوائب أمام الأصنام. والعادة أنهم يضفرون للأطفال سبع ضفائر. وهي عادة معروفة عند الجاهليين أيضًا. ولا تزال متبعة عند الأعراب وأشباه الحضر. وقد يعلقون حليًّا على
стр. 2668
كل ضفيرة، وذلك إمعانًا منهم في تدليل الطفل وفي إراءة جماله. فالزينة وتعليق الحلي من مظاهر التدليل والتجميل.
стр. 2669
نساء شهيرات:
وقد ذكر أهل الأخبار أسماء نساء ذكروا أنهن عشن في الجاهلية. منهن: صحر بنت لقمان بن عاد. وكان أبوها لقمان وأخوها لقيم خرجا مغيرين، فأصابا إبلا كثيرة فسبق لقيم إلى منزله، وعمدت صحر إلى بعض ما جاء به لقيم، فصنعت منه طعامًا يكون معدًّا لأبيها لقمان إذا قدم، وقد كان لقمان حسد لقيمًا في تبريزه عليه، فلما قدمت صحر إليه الطعام وعلم أنه من غنيمة لقيم، لطمها لطمة قضت عليها، فصارت عقوبتها مثلًا لكل من لا ذنب له ويعاقب١ "فقيل: ما لي ذنب إلا ذنب صحر"، ولم يكن لها ذنب٢.
وقد حصلت "الزبّاء" على شهرة بين العرب، ووضعوا حولها القصص. ذكروا أنها امرأة من العماليق، وأمها من الروم. وكانت تغزو بالجيوش، وهي التي غزت ماردًا والأبلق فاستعصيا عليها، فقالت: تمرد مارد وعز الأبلق، فذهبت مثلًا. ويروي أهل الأخبار لها أمثلة أخرى٣. ورموها بالغدر، فقالوا: "قال عدي بن زيد يذكر قصة جذيمة الأبرش لخطبة الزباء":
لخطيبي التي غدرت وخانت ... وهن ذوات غائلة لحينا
أي لخطبة زباء. وهي امرأة غدرت بجذيمة الأبرش حين خطبها فأجابته وخاست بالعهد فقتلته٤.
واشتهرت "البسوس" بالبؤس والشؤم حتى قالوا "شؤم البسوس". وهي بنت منقذ التميمية، زارت أختها أم جساس بن مرة ومع البسوس جار لها من جرم، يقال له سعد بن شمس، ومعه ناقة له، فرماها كليب وائل لما رآها
стр. 2670
في مرعى قد حماه، فأقبلت الناقة إلى صاحبها وهي ترعو وضرعها يشخب لبنًا ودمًا، فلما رأى ما بها انطلق إلى البسوس فأخبرها بالقصة، فقالت: وا ذلاه! وا غربتاه! وأنشأت تقول أبياتًا تسميها العرب أبيات الفناء. فسمعها ابن أختها جساس فثار الدم في رأسه، وخرج معقبًا كليبًا حتى وجده فطعنه طعنة قضت عليه. ووقعت الحرب بين بكر وتغلب ودامت أربعين سنة. وسار شؤم البسوس مثلا، ونسبت الحرب إليها لكونها سببها، فقيل: حرب البسوس١. وهكذا فسر أهل الإخبار سبب وقوع حرب البسوس.
وقص أهل الأخبار قصة امرأة أخرى، قالوا إن رغيف خبز لها صار سببًا في وقوع شر بين حيّين، وأدى إلى وقوع قتلى. حتى قيل: أشأم من رغيف الخولاء. والخولاء خبازة في "بني سعد بن زيد مناة"، فمرت وعلى رأسها كارة خبز، فتناول رجل عن رأسها رغيفًا، فاشتكت إلى رجل كان جارًا لها. فثار وثار معه قومه إلى الرجل الذي أخذ الرغيف وقومه بينهم ألف نفس، وسار رغيف الخولاء مثلا في الشيء اليسير بجلب الخطب الكبير٢.
وذكر أهل الأخبار اسم امرأة أخرى اشتهرت بعطرها، حتى ضرب به المثل، فقيل: "عطر منشم". ولهم أقوال في سبب ضرب هذا المثل. وخلاصتها أن "منشم" امرأة عطارة تبيع الطيب، فكانوا إذا قصدوا حربًا غمسوا أيديهم في طيبها، وتحالفوا عليه بأن يستميتوا في الحرب ولا يولوا أو يقتلوا، فكانوا إذا دخلوا الحرب بطيب تلك المرأة يقول الناس: قد دقّوا بينهم عطر منشم، فلما كثر القوم صار مثلا. فممن تمثل به زهير حيث قال:
تدراكتما عبسًا وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم٣
واختار أهل الأخبار من بين النساء امرأة جعلوها مثالا للحمق، حتى قالوا: "حمق دغة". وهي دغة بنت منعج. روي لها حماقات كثيرة. وجعلوها مثلًا
стр. 2671
سائرًا بين الناس في الحمق١.
وضرب المثل ب "أم خارجة" في السرعة، فقال أسرع من نكاح أم خارجة. وهي "عمرة بنت سعد بن عبد الله بن بجيلة". كان يأتيها الخاطب فيقول: خطب، فتقول: نكح. ولدت أم خارجة في نيف وعشرين حيا من آباء متفرقين، وكانت إذا تزوج منها الرجل فأصبحت عنده كان أمرها إليها، إن شاءت أقامت، وإن شاءت ذهبت، وكانت علامة ارتضائها للزوج أن تصنع له طعامًا كلما تصبح٢.
وضربوا المثل ب "عز أم قرفة"، فمن أمثالهم إذا أرادوا العز والمنعة قالوا: إنه لأمنع من أمر قرفة. وهي بنت "مالك بن حذيفة بن بدر": وكان يحرس بيتها خمسون سيفًا بخمسين فارسًا، كلهم لها محرم٣.
كما ضربوا المثل ب "برد العجوز". ولهم قصص في سبب ضربه وهم متفقون على أن المثل جاهلي، وليس بإسلامي. ذكر بعضهم أن عجوزًا دهرية كاهنة من العرب كانت تخبر قومها ببرد يقع في أواخر الشتاء وأوائل الربيع، فيسوء أثره على المواشي، فقالوا: هذا برد العجوز، يعني العجوز الذي أنذرت به. وذكر بعض آخر؛ أن عجوزًا كانت بالجاهلية ولها ثمانية بنين فسألتهم أن يزوّجوها، وألحت عليهم، فتآمروا بينهم، وقالوا لها: إن كنت تزعمين أنك شابة فابرزي للهواء ثمان ليال، فإننا نزوجك بعدها، فوعدت بذلك، وتعرضت تلك الليلة والزمان شتاء كلب، وبرزت للهواء، وبقيت تفعل ذلك سبع ليال، ثم ماتت في الليلة السابعة. فضرب بها المثل: وقيل برد العجوز٤.
стр. 2672
أهل الحضر:
وما ذكرته يتناول حياة الأعراب، وحياتهم الاجتماعية هي حياة أخرى تختلف
стр. 2673
عن حياة أهل الحاضرة. ففي حياة الحضر تجمع وتكتل وإذا تجمع الإنسان وتكتل في موضع وكوّن جماعة، ظهرت عنده خلال، لا يمكن ظهورها عند الأعراب. تتسع وتكبر كلما بعدت الشقة بين البداوة والحضارة. لذا فإن بين حياة أهل الحيرة أو يثرب أو مكة أو المستوطنات الحضرية الأخرى المنتشرة في جزيرة العرب وبين حياة أهل البادية فروقًا كبيرة، تختلف في الدرجة والشدة، بدرجة تكاثف السكان في المستوطنة الحضرية، وبدرجة قربها أو بعدها من الأعاجم، وبدرجة اتصالها بالعالم الخارجي. فالمستوطنات التي تقع على سواحل البحر يكون لها اتصال خاص بالعالم الخارجي، لا يمكن أن يتوفر لأهل البواطن، ويؤدي هذا الاتصال إلى التلاحم في الأفكار وإلى الاختلاط والامتزاج وإلى توسع أفق أهل الساحل بالنسبة إلى من وراءهم في الباطن، بسبب هذا الاختلاط في الموقع.
لقد تأثر أهل الحواضر من عرب العراق بأخلاق أهل النبط وغيرهم من أهل العراق، حتى بان ذلك على لسانهم وعلى طراز معاشهم كما بان ذلك على عرب بلاد الشام لاختلاطهم بالروم وبأهل بلاد الشام. فعرفوا عنهم أكل الأعاجم وأحبوا غناء الفرس وغناء الروم. ودخل من دخل منهم في النصرانية. وقلّد ملوك الفرس في بعض شئون حياتهم، وتشبه ملوك عرب الشام بملوك الروم، حتى في أمور دينهم حيث اعتنقوا النصرانية، وجاءوا إلى قصورهم بقيان يغنين بغناء الروم وبقيان يغنين بغناء الفرس. وزار سادات عرب العراق "المدائن"، ووقفوا على حياتها؛ وعاش سادات عرب الشام بدمشق وبمدن بلاد الشام الأخرى، وجلبوا إلى قصورهم وبيوتهم شيئًا مما أعجبهم ونال حبهم. فصارت حياتهم من ثم حياة تختلف عن حياة الأعراب من هذه النواحي.
وكان لأهل قرى العربية الشرقية اتصال دائم بالعراق وبسواحل الهند الغربية، وبإيران وبالتجار الروم، فأخذوا منهم وتأثروا بهم، كالذي يظهر من الآثار التي عثر عليها ويعثر عليها المنقبون في مواضع العاديات. وتأثر أهل العربية الغربية بأهل بلاد الشام والعراق لما كان لهم من اتصال تجاري دائم بهم. ولما كانوا يجلبونه من هذه البلاد من رقيق. كما كان لهم ولأهل العربية الجنوبية اتصال بأهل إفريقية، سكان السواحل المقابلة لبلاد العرب فأثروا فيهم وتأثروا بهم. ومن آيات هذا التأثير الملامح الإفريقية التي ظهرت في العربية الجنوبية بصورة خاصة، لا سيما باستيلاء الأحباش مرارًا على السواحل العربية المقابلة لإفريقية، وظهور جيل أخذ
стр. 2674
من ملامح الجنسين، نتيجة للازدواج الذي صار بين العرب والإفريقيين.
ونجد أثر هذا الاختلاط في اللغة كما نجده في الغناء وفي آلات الطرب. إذ يختلف غناء أهل سواحل جزيرة العرب عن غناء القبائل الساكنة في الباطن، بعيدة بعض البعد عن السواحل وعن التأثير بمؤثرات الأعاجم الذين يقصدون المواني الساحلية للإتجار.
стр. 2675
يزال الكثير منها قائما في أنحاء متعددة من العالم. وهي في الغالب مرآة صافية للظروف التي يعيش فيها الناس. وبعض هذه الأنواع زناء معيب في عرفنا، غير أننا يجب أن نفكر دائمًا أن أولئك القوم كانت لهم مقاييس دينية وخلقية خاصة بهم، وهي سليمة صحيحة بالقياس إليهم، وأنهم عاشوا قبل الإسلام وفي ظروف تختلف عن ظروفنا، وأن ما نسميه عيبًا لم يكن عيبًا بالقياس إلى المراحل التي كانوا فيها وإلى عرف ذلك العهد.
ويقال للرجل العزب الذي لا زوج له "الخالي"، قال امرؤ القيس:
ألم ترني أصبي على المرء عرسه ... وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي١
وللرجولة عند العرب أثر بارز، لما في طبيعة بلادهم من الحر وعدم وجود أمور مسلية لديهم تصرف ذهنهم عن التفكير فيه وتلهيهم بعض الشيء عن الغريزة الجنسية. ونجد في الأدب العربي شيئًا كثيرًا مما يتعلق بهذا الموضوع. وللغلمة المفرطة صار العربي مزواجًا، يتشبب بالنساء ويتغزل، والتشبيب من أمارات الرجولة عند الجاهليين.
ونجد في القصص المنسوب إلى الجاهليين وفي شعرهم شيئًا كثيرًا يتعلق بالحب: حب الرجل للمرأة، وليس العكس، ذلك لأن في طبع الرجل التباهي والتفاخر بحبه للنساء. أما المرأة فإن في طبعها الخجل الذي يمنعها من إظهار حبها وتعلقها برجل ما، ثم إن المجتمع لا يسمح لها بذلك، وهو يردعها عن أن تبوح بحبها لرجل ما، ويعد ذلك نوعًا من الخروج على الآداب العامة وجلب العار إلى البنت وإلى الأسرة. ويعبر عن النسيب بالنساء، أي بذكرهن في ابتداء القصائد، ب" التشبيب". ويعد ابتداء القصيدة بالتشبيب من العرف الجاهلي، ويقولون إن في ذلك ترقيقًا للشعر٢.
والنسيب في الشعر، التشبب بالمرأة والتغزل بها، وذلك في أول القصيدة، إذا ذكرها في شعره ووصفها بالجمال والصبا، ووصف أعضاء جسمها وغير ذلك، ثم يخرج الشاعر بعد ذلك إلى المديح. ويدخل في النسيب، ووصف مرابع الأحباب ومنازلهم واشتياق المحب إلى لقائهم ووصالهم وغير ذلك٣.
стр. 2676
والغزل في نظر بعض العلماء كالتشبيب والنسيب، كلها بمعنى واحد. وهو وصف الأعضاء الظاهرة من المحبوب، أو ذكر أيام الوصل والهجر أو نحو ذلك. وفرق بعض آخر بينها، بأن جعل التشبيب ذكر صفات المرأة وهو القسم الأول من النسيب، فلا يطلق التشبيب على ذكر صفات الناسب ولا على غيره. والتغزل بمعنى النسيب ذكر الغزل. فالغزل غير التغزل، والنسيب والغزل في رأي بعض آخر هو الأفعال والأقوال والأحوال الجارية بين المحب والمحبوب نفسها. وأما التشبيب فذكر حال الناسب والمنسوب به والأمور الجارية بينهما. وقال بعض: الغزل إنما هو التصابي والاستهتار بمودّات النساء١. وإلى غير ذلك من آراء لا صلة لها بهذا الموضوع.
والعادة أن يتغزل الرجل بامرأة فيجعلها بطلة غزله. يلف ويدور في غزله حولها ويلهج بذكرها. وقد يذكر اسمها وقد لا يذكره. وهي قد تكون امرأة حقًّا، رآها الشاعر فأعجب بها، وقد لا تكون امرأة معينة خاصة، وإنما امرأة تخيلها ذهن الشاعر، فصار يتغزل بها ويلهج بذكرها ويلج في إظهار وصفها وصفاتها وما قالت له وما قال لها إلى غير ذلك. وسبب ذلك هو أذواق أهل ذلك العهد، وعاداتهم في وجوب الابتداء بالقصيدة بهذا النوع من المقدمات، حتى يكون شعرًا رقيقًا مرموقًا، وقد أدى تغزل بعض الشعراء بنساء رجال معروفين أو ببناتهم إلى وقوعهم في مهالك. ومن أمثلة ذلك ما زعم من تغزل "النابغة الذبياني" بالمتجردة زوج الملك "النعمان بن المنذر"، وما كان من غضب الملك عليه وتهديده له بالقتل، مما اضطر النابغة إلى الهرب إلى الغساسنة أعداء النعمان، ليسلم بريشه من سيد الحيرة وما ورد في قصة الشاعر "طرفة بن العبد".
والطابع العام في هذا الغزل البراءة والعفة ونقاء الألفاظ المؤدبة، لا يتطرق فيه الشاعر إلى ما وراء إظهار الوجد والحب والتلهف إلى زيارة معشوقته له، أو زيارته لها، وذكر الأيام الجميلة وأحلام الحب الصافية الخالصة النقية، وقَلَّما نجد في الشعر الجاهلي إقذاعًا وفحشًا. فالشاعر متأدب في شعره، يعرف حدوده في الغزل فلا يتجاوزها، لأنه يعلم حقًا أنه إذا ذكر الفحش في شعره وتعرض بامرأة معينة، فأصابها بسوء قول، فإنها لن تسكت عنه، وإذا سكتت هي، فلن يفلت من عقاب أسرتها وآلها له. وقد يكون ذلك العقاب القتل.
стр. 2677
وقد ضرب العرب المثل ببعض الرجال في شدة النكاح وكثرته. ومن هؤلاء "حوثرة" رجل بني عبد القيس، ضربت به العرب المثل في ذلك فقالت "أنكح من حوثرة"١، و "خوات بن جبير الأنصاري"، وكان يأتي أحياء العرب يتطلب النساء، فإذا سئل عن حاجته قال: قد شرد لي بعير فخرجت في طلبه. وأدرك الإسلام، ورأى الرسول، فقال له: ما فعل بعيرك الشرود؟ فقال: أما منذ قيده الإسلام فلا٢. وكان يحسن الغناء. وكان إذا رأى النساء لبس حلته وجلس إليهن. وذكر أنه "صاحب ذات النحيين"٣.
ويقال: "اغتلم الرجل" إذا هاج من الشهوة، وكذلك الجارية وفي الحديث: "خير النساء الغلمة على زوجها". والغلمة: شهوة الضراب، "وفسره جماعة بالشبق واشتهاء الغلمان"٤. و"الشبق" شدة الغلمة وطلب النكاح، يقال: رجل شبق، وامرأة شبقة٥. وقد ذكر أهل الأخبار أسماء رجال عرفوا بالشبق والغلمة، ومن هؤلاء "ابن الغز". فذكر أن عبد الملك بن مروان ذكر إيادًا، فقال: "هم أخطب الناس لمكان قس، وأسخى الناس لمكان كعب، وأشعر الناس لمكان أبي دواد، وأنكح الناس لمكان ابن الغز"٦.
وفي المثل: "أنكح من ابن الغز"، وهو من بني إياد، واسمه سعد أو عروة أو الحارث بن أشيم. وذكروا أنه كان نكّاحًا عظيم الأير، زعموا أن عروسه زفت إليه، فأصاب رأس أيره جنبها، فقالت: أتهددني بالركبة٧.
وقد عرف من يحب محادثة النساء ومجالستهن ومخالطتهن ب "الزير"٨، ومن هنا قيل: "زير نساء". وقد ذكر أهل الأخبار أسماء نفر من المشهورين بذلك.
стр. 2678
ويقال لمن لا يأتي النساء عجزًا أو لا يريدهن" العنين". كما يقال للمرأة التي لا تريد الرجال ولا تشتهيهم "العنينة" على بعض الآراء١. ويقال امرأة مساحقة. وامرأة سحاقة، لمن تشتهي النساء. ويقال إنها لفظة مولدة٢.
وقد عرف "التبتل" عند بعض الجاهليين، ممن تأثر بآراء الرهبان. ويراد به ترك النكاح والزهد فيه، ويكون ذلك للرجال كما يكون للنساء. وتعرف المرأة المنقطعة عن الرجال ب" البتول". وقد نهى الرسول "عثمان بن مظعون" عن التبتل. وورد في الحديث: "لا رهبانية ولا تبتل في الإسلام"٣. ويقال لمن لم يأت النساء ولم يتزوج "الصارور". و"الصارورة"، المتبتلة، فلم تتزوج ولم تتصل برجل. ومن ذلك: "لا صرورة في الإسلام"٤. و "الصرورة" عند الجاهليين أرفع الناس في مراتب العبادة، وقد أطلقت على الراهب المتعبد، كما جاء في شعر "ربيعة بن مقروم" الضبي، من مخضرمي الجاهلية والإسلام:
لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متبتل
لدنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولهمَّ من تاموره بتنزل٥
وقد عيب العازف عن اللهو والنساء، والذي لا يطرب للهو ويبعد عنه. ولا يقرب النساء، ولا يحدثهن ولا يلهو. فإن مثل هذا الرجل هو كالحجر الصلد الجلمد، وفيه غفلة. ويقال له "العزهاة"٦.
стр. 2679
الزواج:
والزواج هو من أهم ملامح الأفراح في حياة الإنسان؛ وهو ما زال وسيبقى من أهم الأفراح في حياته، لما له من علاقة سعيدة به. ولهذا يحتفل الناس به عادة؛ بإقامة المآدب فيه وبدعوة ذوي القرابة والأصداقاء إليها لمشاركة الزوجين أفراحهما.
وقد صنف "روبرتسن سمث" زواج العرب ثلاثة أصناف: زواج يكون في حدود القبيلة فلا يتعداه، ولا يسمح لرجال القبيلة إلا بالزواج من بنات القبيلة نفسها، وهو ما يسمى ب "Endogamous"، وزواج يفرض فيه على الرجل أن يتزوج امرأته من قبيلة أخرى، وهو ما يعرف ب"Exogamous" أي "زواج خارجي". وزواج يجمع الطريقتين المذكورتين، أي الزواج في داخل القبيلة والزواج من خارجها١.
ويظهر من دراسة كل ما ورد في كتب أهل الأخبار وفي كتب التفسير والحديث عن الزواج والطلاق عند الجاهليين أن أهل الجاهلية لم يكونوا يسيرون على سنّة واحدة في عرف الزواج والطلاق، ولكن كانوا يسيرون على أعراف مختلفة اختلفت باختلاف الأماكن وباختلاف الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية واتصالها بالخارج. وقد وردت إلينا مسميات بعض تلك الأنواع، مثل "الخدن" و "المتعة" و "البدل" و "الشغار" و "البعولة" وزواج ذوات الرايات وغير ذلك مما ورد وصفه وشرحه، ولكنه لم ينعت باسم معين.
وأنواع الزواج هذه، ليست خاصة بالجاهليين، وإنما هي معروفة عند غيرهم أيضًا، ولا سيما عند الشعوب السامية، وهي مراحل مر بها جميع البشر، ولا
стр. 2680
عدد الزوجات:
ومن حق الرجل في الجاهلية أن يتزوج ما يشاء من النساء من غير تحديد ولا
стр. 2681
حصر. إذ لم تحدد شرائعهم للرجال عدد ما يتزوجونه من نسائهم. فلما جاء الإسلام، حدد العدد وجوَّز للرجل أن تكون له أربع زوجات في وقت واحد، ومنعه من تجاوز العدد في حالة الجمع، بمعنى أنه لا يسمح له أن يجمع بين خمس زوجات أو أكثر من ذلك في وقت واحد بشرط العدالة بينهن، فإن خاف الزوج ألا يعدل بينهن فواحدة.
ويذكر أهل الأخبار أن أهل الحرم أول من اتخذ الضرائر١، والضرائر زوجات الرجل الواحد، وكل منها ضرة للأخرى.
والغاية الأولى من الزواج هي النسل، لذلك قالت العرب: من لا يلد لا وُلد٢. وكرهت العاقر وعدتها شؤمًا. واتخذ العقر من الأسباب الشرعية للطلاق، إذ كان الرجل يأبى البقاء مع امرأة لا تلد. لذلك كان يطلقها في الغالب، لانتفاء الفائدة منها مع إنفاقه عليها، أو يتزوج عليها ليكون له عقب، وعندهم أن المرأة القبيحة الولود، خير من الحسناء العاقر، وأن "سوداء ولودًا خير من حسناء عاقر"٣. وليست هذه العادة من عادات العرب وحدهم ولكن يشاركهم فيها أكثر الشعوب الأخرى، ومنها الشعوب السامية.
ولسادات القبائل والأشراف والملوك غرض آخر من الزواج، هو غرض كسب الألفة واجتذاب البعداء، والنصرة، حتى يرجع المنافر مواليًا، ويصير العدو مؤالفًا، فهو زواج "سياسي". يتزوج الملك أو سيد قبيلة ابنة سيد قبيلة أخرى، فيشد بزواجه هذا من أزر ملكه أو من قوة قبيلته. لا سيما إذا كانت البنت من قبيلة كبيرة. وقد عمل بهذا الزواج كثيرًا في الجاهلية، كما عمل به في الإسلام. فقد استفاد معاوية كثيرًا من زواجه من قبيلة "كلب"، إذ ساعدته وأيدته. وروعي هذا الزواج في المواضع التي تغلبت عليها الحياة القبلية بصورة خاصة للتغلب على طباع البداوة، القائمة على النفرة من الخضوع لحكم حاكم غريب عنها. وبهذا الزواج تخف هذه النفرة، فتشعر القبيلة أنها من أصهار هذا الحاكم، وعليها واجب مساعدته بحكم عصبية المصاهرة.
стр. 2682
وكثرة الإخوة عزة، فمن كثرت إخوته استظهر بهم. فلا يتمكن أحد من النيل منه بسوء، ولا من ابتزاز حق من حقوقه، ولا من الاعتداء عليه١.
وحظ الرجل العقيم خير من حظ المرأة العاقر. فهو يتزوج عدة زوجات فإن لم يلدن منه، آمن عندئذ بعقمه. أما المرأة، فتبقى قانعة راضية في بيت الزوجية، إن أراد زوجها ذلك، لأن من الصعب عليها الحصول على زوج آخر إن طلقت، إذ كان الرجال يفضلون الأبكار على المطلقات، وإذا طلقت المرأة العاقر، بقيت بين أهلها من غير زواج في الغالب.
ويرغب العرب في التزوج بالأبكار، ويفضلون الأبكار الصغار على الأبكار الكبار، والبكارة من الشروط التي يجب توافرها في الزواج، وإذا تبين أن البنت ليست بكرًا، عُدّ ذلك نكبة٢ وعير أهلها بها، ولذلك يكون مصيرها القتل تخلصًا من عارها. أما الزواج بالثيب، فلا يشترط فيه البكارة لأن المرأة كانت قد تزوجت من قبل، ثم طلقها زوجها أو مات عنها، فهي مما لا يتوافر فيها شروط البكارة، وهو زواج يعزف عنه الشباب ويعير به من يقدم عليه، إذ يتهم بالوهن الجنسي وبالطمع في مال الزوجة، فليس يجمل بالشاب أن يتزوج امرأة أعطت بكارتها غيره. ومن صارت ثيبًا من النساء، صار نصيبها الثيب من الرجال في الغالب، وإن كانت لا تزال شابة صغيرة السن.
ويكره العرب الجمال البارع، لما يحدث عنه من شدة الإدلال، ومن الخوف من محنة الرغبة وبلوى المنازعة وشدة الصبوة وسوء عواقب الفتنة، لكنهم كانوا يراعون حسن الصورة وجمال الجسم وتناسق أعضائه. ولهم صفات ونعوت ذكروا أنها تمثل جمال المرأة، تختلف باختلاف الأذواق٣، كما أن لهم رأيًا في محاسن أخلاق المرأة وفي الخصال التي يجب أن تتحلى بها في معاشرة زوجها وفي العناية ببيتها وفي تربية أولادها٤. من ذلك أن تكون حريصة على إرضاء زوجها وخدمة أولادها والعناية ببيتها.
стр. 2683
وللعرب نعوت رأوا أنها إن وجدت في المرأة عابتها، منها أن تكون بذيئة اللسان، نمامة كذوبة، عابسة قطوبًا، كثيرة الانتباه والتدخل، طويلة مهزولة، ظاهرة العيوب، سبابة وثوبة إن ائتمنها زوجها خانته، وإن لان لها أهانته، وإن أرضاها أغضبته، وإن أطاعها عصته، إلى غير ذلك من نعوت رووها عن الجاهليين في ذم المرأة المتخلقة بها١. وقد نعتت المرأة التي تلبس درعها مقلوبًا، وتكحل إحدى عينيها وتدع الأخرى ب "القرثع"، وهي المرأة الجريئة القليلة الحياء البذيئة الفاحشة٢.
ويرغب العرب في الزواج بالنساء الشقراوات البيض، ورد أن بعض العرب قالوا الملوك: هل لكم في النساء الزهر، والخيل الشقر، والنوق الحمر٣.
والعادة أن أمر الزواج بيد الأبوين، وليس للبنت معارضة وليّها الشرعي في الزواج، غير أن بعض بنات الأسر الشريفة لم يكنّ يقبلن بالزواج بأحد إلا بموافقتهن، فإلى البنت يكون حق قبول الزوج أو رفضه٤. كما اشترطت بعض النسوة أنهن إن أصبحن عند زوجهن، كان أمرهن إليهن، إن شئن أقمن معهم، وإن شئن تركنهم، أي أن حق الطلاق بيدهن. وذلك لشرفهن وقدرهن. ومن هؤلاء "سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش"، وهي أم عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، و "فاطمة بنت الخرشب الأنمارية"، وهي أم الكَمَلة من بني عبس، وهم: الربيع الكامل، وعمارة الوهاب، وقيس الحفاظ، وأنس الفوارس، بنو زياد٥.
ومنهن "عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة"، وهي أم هاشم، وعبد شمس، والمطلب بني عبد مناف. و "السوا بنت
стр. 2684
الأعيس" من عنزة، وكانت تحت خالد بن جعفر بن كلاب١. و "مارية بنت الجعيد بن صنبرة بن الديل بن شن بن أفصى" من لكيز٢.
وقد اشتهرت "أم خارجة" وهي "عمرة بنت سعد بن عبد الله بن قداد بن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن الغوث بن أنمار" من بجيلة بأنها كانت قد اشترطت أن يكون طلاقها بيدها، فكانت كما يقول أهل الأخبار تتزوج وتطلق. وقد أكثرت من الولد في العرب، وبها ضرب المثل فقيل: "أسرع من نكاح أم خارجة"٣. كان يقال لها: خطب، فتقول: نكح وخارجة ابنها، ولا يعلم ممن هو٤. وولدت ل "بكر بن عبد مناة": الليث والدُّول، وعُريجًا، وهي أم العنبر، والهجيم، وأُسيد. وولدت أيضًا في "بني القين" من اليمن، قوم يقال لهم: بنو الحرة، وولدت في بهراء٥. وللعداوات بين القبائل أثر بليغ في اختلاق أمثال هذا القصص، كما لا يخفى.
وذكر أهل الأخبار أسماء نساء تزوجن ثلاثة أزواج فصاعدًا. منهن "مارية بنت الجعيد"، ذكر "ابن حبيب" أنها تزوجت من عشرة رجال. ونسوة أخر ذكر أسماءهن "محمد بن حبيب"٦.
стр. 2685
تخفيف غلمة النساء:
وقد أمر بعض الجاهليين بختان النساء للحدّ من طغيان الشهوة، فإن البظراء تجد من اللذة ما لا تجده المختونة، وفي حديث: يا ابن مقطعة البظور. دعاه بذلك، لأن أمه كانت تختن النساء. والعرب تطلق هذا اللفظ في معرض الذم،
стр. 2686
وإن لم تكن أم من يقال له هذا خاتنة١. وذكر أن الرسول قال لأم عطية الخاتنة: "أشميه ولا تنهكيه، فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند البعل". كأنه أراد أنه ينقص من شهوتها بقدر ما يردها إلى الاعتدال، فإن شهوتها إذا قلت ذهب التمتع، ونقص حب الأزواج، وحب الزوج قيد دون الفجور٢.
وذكر أن العرب اتخذت بعض الطرق لتضييق فرج المرأة، من ذلك استعمال عجم الزبيب. وذكروا أن نساء ثقيف فعلن ذلك، ويظهر أن أعداء ثقيف أيام الحجاج قد أشاعوا قصصًا من هذا النوع نكاية به. ويقال لذلك التفريب٣ والتفريم٤.
стр. 2687
حق التقدم في الزواج:
ويقدم ابن العم على غيره في الزواج، فإذا جاء رجل يريد خطبة ابنة رجل، سئل ابن عمها إن كان لها ابن عم عن رأيه في بنت عمه، فإن أظهر رغبته في الاقتران بها قدم على غيره، وزوّجت منه، وإن أظهر أنه غير راغب فيها زوجت من غيره. ذلك لأن ابن العم مقدم على كل أحد في الزواج من ابنة العم، وقد يأبى ابن العم من تزويج ابنة عمه من غيره ويصر على أن تكون له. ولكنه يأبى أن يحدد موعدًا للزواج منها، ويتركها أمدًا طويلا تنتظر حتى يرى رأيه، وقد تأبى ابنة العم الزواج من ابن عمها، ويأبى ابن عمها إلا الزواج منها، فتنشأ من ذلك منازعات وخصومات قد تصل إلى إراقة الدم.
стр. 2688
ومع وجود عرف أن القريب أولى بالبنت من البعيد، فإن العرب تراعي في الغالب إنكاح البعداء والأجانب. يرون أن ذلك أنجب للولد وأبهى للخلقة، وأحفظ لقوة النسل؛ لأن إنكاح الأهل والأقارب يضر بالمولود ويسمه بالضعف والهزل، ويزعمون أن تقارب الأنساب مدح في الإبل، لأنه إنما يكون في الكرائم يحمل بعضها على بعض حفظًًا لنوعها، وذم للناس لأنه فيهم سبّب الضعف. وبهذا المعنى ورد الحديث: "اغتربوا ولا تضووا" أي أن تزوج القرائب يوقع الضوى في الولد، والضوى: الضعف والهزال١. وقد أوصى "حصن بن حذيفة بن بدر" قومه أن "ينكحوا الكفء الدريب، فإنه عز حادث"٢. وقال "عمر" مخاطبًا آل السائب: "يا بني السائب، إنكم قد أضويتم، فانكحوا في النزائع". أي تزوجوا في البعاد الأنساب، لا في الأقارب، لئلا تضوى أولادكم. والنزائع جمع نزيعة، وهي المرأة التي تزوج في غير عشيرتها. وأضوى: ولد له ولد ضاو أي ضعيف٣.
وروي أن رجلًا قال: بنات العم أصبر والغرائب أنجب، وما ضرب رءوس الأبطال كابن أعجمية٤. وقد أدركوا أثر العرق في الولد. قال رجل: لا أتزوج امرأة حتى أنظر إلى ولدي منها، قيل له: كيف ذلك؟ قال: أنظر إلى أبيها وأمها، فإنها تجر بأحدهما٥. وقال بعض الشعراء:
إذا كنت تبغي أيّمًا بجهالة ... من الناس فانظر من أبوها وخالها
فإنهما منها كما هي منهما ... كقدّك نعلًا إن أريد مثالها
فإن الذي ترجو من المال عندها ... سيأتي عليه شؤمها وخبالها٦
ويراعى التكافؤ في الزواج، فالأشراف لا يتزوجون إلا من طبقة مكافئة لهم، والسواد لا يتجاسرون على خطبة ابنة سيد قبيلة أو ابنة أحد الوجهاء، ويعير السيد الشريف إن تزوج بنتًا من سواد الناس، ولا سيما إذا كانت ابنة
стр. 2689
صائغ أو نجار أو ابنة رجل يشتغل بحرفة من الحرف اليدوية لأنها من حرف العبيد. وقد عيّر "النعمان بن المنذر" بأمه، لأنها كانت ابنة يهودي صائغ، على ما يزعمه أهل الأخبار. ولم يكن من المستساغ عرفًا تزويج ابنة رجل حر من عبد مملوك أو مفكوك الرقبة، ولم يكن من الممكن تزويج البنت الأصيلة الحرة من ابن عبد أو من حفيد عبد، أو من حفيد حفيد عبد، وهكذا لأن سمة العبودية والضعة تلازم الأسر، وإن تحررت وحسن حالها وصارت غنية، وما زال هذا العرف قائمًا في جزيرة العرب.
ويقدم العرب البيت على الجمال. فللبيت أثر في أخلاق المرأة وفي نجابة الأولاد، وهو أثر دائم. والجمال صورة زائلة. فكانوا يهتمون بالبيت المنجب، ليكون النسل نجيبًا صحيح البنية والعقل١ لقد علمتهم الطبيعة، وتبين من تجارب الحياة أن لبيت البنت أثرًا كبيرًا في مستقبل الأسرة وفي نجابة الأولاد وصحة أجسامهم وسلامتهم من المرض. لذلك فضلوا أصالة البيت على جمال المرأة. لما للأصالة من أثر في الوراثة التي تنتقل من الأبوين إلى الأولاد. ونجد هذا المسلك عند غير العرب من الساميين أيضًا، ورد في التلمود: "لا تحفل بجمال المرأة. وانظر إلى أسرتها"٢. وروي أن رجلا شاور حكيمًا في التزوج، فقال له: افعل، وإياك والجمال الفائق، فإنه مرعى أنيق. فقال: ما نهيتني إلا عما أطلب، فقال: أما سمعت قول القائل:
ولن تصادف مرعى ممرعًا أبدًا ... إلا وجدت به آثار منتجع٣
وورد في الحديث: "إياكم وخضراء الدمن، قيل: يا رسول الله، وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في منبت السوء"٤. فللمنبت شأن كبير في الزواج وفي أخلاق الولد، فلا قيمة للمرأة الحسناء إذا كانت من بيت سوء.
стр. 2690
المناكح الكريمة:
وقد روي عن "أكثم بن صيفي" قوله: "المناكح الكريمة مدراج الشرف"١. ولهذا حرصوا على تطبيق قاعدة التكافؤ في الزواج، واختيار كرائم البنات لكرائم الرجال. وروي أن جملة ما أوصى به "الحارث بن كعب" سيد مذحج قومه أن "تزوجوا الأكفاء، وليستعملن في طيبهن الماء، وتجنبوا الحمقاء. فإن ولدها إلى أفنٍ ما يكون، إلا أنه لا راحة لقاطع القرابة"٢.
وقد عرفت هذه القاعدة ب "الكفاءة في النكاح". وهي أن يكون الزوج مساويًا للمرأة في حسبها ودينها ونسبها وبيتها وغير ذلك٣.
والمرأة في نظر العرب وعاء للولد. هذه نظرتهم إليها في الجاهلية وفي الإسلام. قال "عروة بن الزبير": "لعن الله فلانة، ألفتُ بني فلان بيضًا طوالاً، فقلبتهم سودًا قصارًا". وفي هذا المعنى جاء في الشعر:
وأول خبث الماء خبث ترابه ... وأول خبث القوم خبث المناكح٤
وللأم أثر خطير في الولد. وقد ذكر "الجاحظ" أن العرب تقول: "عرق الخال لا ينام". وإن كثيرًا من العلماء يزعمون أن عرق الخال أنزع من عرق العم. ومن دلائل ذلك تباهي الناس بأخوالهم، واعتبار الخال بمنزلة الوالد. وقول العرب: "لئيم الخال"، واحتماء الأولاد بأخوالهم ولجوؤهم إليهم أكثر من لجوئهم إلى أعمامهم٥. ودعوتهم لهم عند العصبية. وقول العرب "العرق دساس" و "عرق الخال".
ولكننا لا نستطيع القطع برأي العرب في موضوع "دس العرق". وفي أن أيًّا هو أكثر أثرًا ووضوحًا في الولد: عرق الخال، أم عرق العم؟ فهناك أمثلة في التأريخ الجاهلي تظهر أن من الجاهليين من كان يقدم العم على الخال،
стр. 2691
ويرى أن العم مقام الوالد. ولما كان الوالد هو الأصل في النسب عند الجاهليين، وهو الولي وصاحب الحق الشرعي الأول في ولده، يكون هذا الحق في إخواته بعد وفاته. كما أننا نجد أن بعض الأولاد كانوا ينزعون إلى أعمامهم أكثر من نزوعهم إلى أخوالهم. وموضوع نزع العرق عند العرب، اعتباري اصطلاحي بالطبع، يمثل وجهة نظرهم في النسب، ولا يقوم على أسس "بيولوجية" أي من ناحية أثر الدم وانتقال الخصائص الدموية من الوالد، أو من الأم إلى الولد. وهو موضوع علمي، يختلف عن هذه النظرة الاعتبارية، حيث إنه يقوم على الدراسات العلمية، ولا يأخذ بالاعتبارات والآراء المبنية على اعتبارات أهل النسب في خصائص الولد.
والظاهر أن الوئام لم يكن واقعًا دائما بين أبناء العم، إذ نجد أن الخصومات طالما كانت تحدث بينهم. ولعل ذلك بسبب ما ألقاه المجتمع على عاتق العم من تبعات أولاد إخوته حين وفاة الأخ، فإنه يكون بحسب العرف القبلي الوصي الشرعي على أولاد المتوفى، وله حق في إرثه بحسب قانون "العصبة" عند وفاة الأخ عن بنات ومن غير أبناء، أو لطمع الأعمام في أموال اليتامى، إلى غير ذلك من أمور سببت حدوث خصومات أحيانًا بين الأعمام وبين أبناء الإخوة، أو بين أبناء الأعمام. ولعل هذه الخصومات هي التي جعلت "الجاحظ" يتصور أن أبناء العم محسودون١.
ونجد العرب يقولون: "عرق فيه أعمامه وأخواله"٢، فقدموا الأعمام على الأخوال، واعترفوا بأثر عرق الاثنين في الولد، من كرم أو لؤم، إذ يكون دس العرق في اللؤم والكرم٣.
ولاحظ العرب أن الأبوين قد يلدان ولدًا يكون لونه مغايرًا للونهما، فيحدث نزاعًا بين الرجل وزوجته في هذه الولادة الغريبة، وتتهم المرأة أحيانًَا باتصالها برجل غريب جاء منه هذا المولود، إلا أن منهم من أدرك "دس العرق" في هذه الولادة، واحتمال انتقال هذا اللون من آباء أحد الوالدين. وقد اختصم رجل
стр. 2692
مع زوجته في مولود ولد له، فجاء إلى رسول الله وقال له: إن امرأتي قد ولدت غلامًا أسود، فقال له الرسول: "لعل عرقا نزعه"١. فاعتقاد العرب أن الولد قد ينزعه عرق من الأب. وفي هذا المعنى أيضا قول "ابن الزبير": "لا يمنعكم من تزوج امرأة قصرها، فإن الطويلة تلد القصير، والقصيرة تلد الطويل، وإياكم والمذكَّرة فإنها لا تنجب"٢. والمذكرة المتشبهة بالذكور.
وقد حرص العرب لما تقدم على التزوج في الأسر الصحيحة السالمة من الأمراض والعيوب، ليكون النسل صحيحًا نجيبًا. قال أعرابي لصاحب له: "إذا تزوجت امرأة من العرب فانظر إلى أخوالها، وأعمامها، وإخوتها، فإنها لا تخطئ الشبه بواحد منهم"٣.
стр. 2693
لبن الأم:
وللبن الأم شأن كبير عند العرب، لما يتركه من أثر في طبيعة الولد، ولذلك كانوا يرون أن تكون الأم مرضعة الولد، إلا إذا تعذر ذلك لسبب، فترضعه مرضعة قريبة من أهل المولود أو من المرضعات السليمات من المرض، ومن ذوات العرق الطيب. لأن اللبن دساس يؤثر في شاربه.
واهتم العرب باختيار المرضعات. لما يكون للبن الرضاع من أثر في الرضيع، ولما يكون للمرضعة ولبيتها من أثر فيه، كما اهتموا باختيار من يتأبط المولود ويحمله، لتسليته وتلهيته، لما يتركه ذلك من أثر في تربيته وخلقه. وفي حديث عمرو بن العاص: "ما تأبطتني الإماء ولا حملتني البغايا في غبرات المآلي" أراد أنه لم تتول الإماء تربيته. وغبرات المآلي: بقايا خِرَق الحيض١.
وإذا أرادوا مدح إنسان والثناء عليه ذكروا مرضعته وصفاء لبنه الذي رضعه، فقالوا "نعمت المرضعة"، , و "نعمت المرضعة مرضعته". وإذا أرادوا
стр. 2694
ذم إنسان قالوا: "بئست المرضعة مرضعته"، كناية عن أنها هي التي أرضعته، فخرج رضيعها على شاكلتها. وفي الحديث حين ذكر الإمارة، فقال: "نعمت المرضعة وبئست الفاطمة"، ضرب المرضعة مثلا للإمارة وما يوصله إلى صاحبها من الأحلاب، يعني المنافع، والفاطمة مثلا لموت الذي يهدم عليه لذاته ويقطع منافعها١.
وتعد الرضاعة بمنزلة الأخوة بين المتراضعين، ويفتخر ويتعزز الواحد منهم بالآخر، خاصة إذا كان من السادات والأشراف، والعرب تقول: "هذا رضعيك"، أي أخوك من الرضاع٢، وتقول: "استرضع في بني فلان"٣. ويصير كأنه واحد من القوم الذين استرضع فيهم. وتكون المراضع بمنزلة الأم للرضيع.
ويبدأ الزواج برغبة يبديها الرجل لوالديه، أو برغبة من والديه، أو من أحدهما تقدم إلى الولد تطلب إليه أن يتزوج، فإن حصلت الموافقة اختيرت له زوجة، وقد يكون الرجل قد اختار خطيبته وعينها، فإذا وافق أهله خطبوها إلى ولي أمرها، وإذا أبوا فعليه أن يختار أخرى زوجًا له، وإذا أبى أهل البنت عليه ذلك تركها، وقد يصر على الزواج بها، ويصر أهله أو أهلها على رفضهم ذلك، وقد يزداد الرجل أو البنت إصرارًا على الاقتران معًا حتى يتحول ذلك إلى هرب من مكانهما إلى مكان آخر. وقد تقع بغضاء بين أهلي الرجل والبنت من وقوع هذا الزواج.
стр. 2695
الخطبة:
وإذا استقر الرأي على البنت، يذهب ولي أمر الرجل أو أقرب الناس إليه إلى ولي أمر البنت، كالأب أو الأخ أو العم أو بني عمها أو غيرهم ممن هم أقرب الناس إليها، يخطب البنت بعد أن يكونوا قد مهدوا لذلك وحددوا الصداق.
стр. 2696
وكان الخاطب إذا دخل بيت أهل البنت حياهم ومن كان حاضرًا بتحية أهل الجاهلية، مثل انعموا صباحًا، أو عموا صباحًا، أو أمثال ذلك، فإذا استقر به المقام، تكلم فيما جاء فيه، كأن يقول: نحن أكفاؤكم ونظراؤكم، فإن زوجتمونا فقد أصبنا رغبة وأصبتمونا وكنا لصهركم حامدين، وإن رددتمونا لعلة نعرفها رجعنا عاذرين. ثم يجيب ولي أمر البنت جوابًا مناسبًا يضمنه الرضى والقبول، وبذلك تكون البنت قد خطبت لذلك الرجل١.
ووصف بعض أهل الأخبار طريقة من طرق الخطبة عند بعض الجاهليين، فقال: كان الرجل في الجاهلية يأتي الحي خاطبًا، فيقوم في ناديهم، فيقول: خطب، أي جئت خاطبًا. فيقال له: بعد الموافقة نكح، أي قد أنكحناك إياها، ومن ذلك ما قدمت من خبر أم خارجة إن صح. وذكر أن "نكحًا" هي كلمة كانت العرب تتزوج بها٢.
ويرتدي أهل الخاطب وأهل المخطوبة خير ما عندهم من ملابسهم ويزينون أنفسهم عند مجيء أهل الرجل إلى بيت البنت لخطبتها. وإذا تمت الخطبة ضمخ والد الخطيبة بالعبير وخلِّق بالطيب ونُحر بعير وأكثر على حسب منزلة أهل البنت. والعادة عند العرب أن ينحروا بعيرًا أو شاة في المناسبات المفرحة المبهجة، فلا بد لمثل هذه المناسبات من "ذبيحة" وإسالة دم. ولما خطب النبي "خديجة" وأجابته، استأذنت أباها في أن تتزوجه وهو ثمل، فأذن لها في ذلك، وقال: هو الفحل لا يقرع أنفه. فنحرت بعيرًا، وخلّقت أباها بالبعير، وكسته بردًا أحمر٣.
وكان الجاهليون يقولون للإبل تساق في الصداق: النوافج. وكانوا يقولون عند تقديمها: تهنئك النافجة. على أن بعضهم من كان يكره ذلك. وقد بطل هذا القول في الإسلام٤.
стр. 2697
وتلبس العروس ثوبًا يجعل له ذيل تسحبه حين تمشي. لأنه يكون طويلا، وقد أشير إليه في شعر لامرئ القيس. إذ قال:
لها ذنب مثل ذيل العروس ... تسد به فرجها من دبر
كما أشير إليه في شعر لخداش بن زهير. إذ قال:
لها ذنب مثل ذيل الهديّ ... إلى جؤجؤٍ أيدِ الزافر١
والهديّ: العروس التي تهدى إلى زوجها.
واستعملت المرأة الغنية المسك والطيب في تطييب جسمها وثيابها. حتى كان المسك يفوح من أردانها. قال قيس بن الخطيم:
وعمرة من سروات النسا ... ء تنفح بالمسك أردانها٢
و"الصداق" هو مهر المرأة، أي ما يدفعه الرجل إلى أهل البنت عند عقد الزواج، ويقال له الصَّدَقة والصَّدُقة والصُّدُقة والصَّداق. وترادف هذه الكلمة كلمة أخرى هي "مهر"، وهي من المصطلحات الجاهلية كذلك٣.
وطريقة العرب من جاهليين وإسلاميين في دفع الرجل "المهر" للزوجة، تناقض المألوف عند اليونان والرومان، حيث جرت عادتهم أن تقدم المرأة صداقها إلى زوجها نقودًا أو عينًا. وهي الطريقة المألوفة عند الغربيين حتى الآن. وكان الرومان يستغربون طريقة الجاهليين هذه في دفع المهر٤.
ويروي "روبرتسن سمث" أن ترادف معنى "الصداق" و "المهر" إنما حدث في الإسلام. أما في الجاهلية، فقد كان هناك فرق بين مدلول الكلمتين. فإن المراد من كلمة الصداق عند الجاهليين هو ما يقدم إلى العروس. أما المهر، فهو ما يقدم إلى الوالدين٥.
стр. 2698
والرجل إما أن يكون من ذوي قرابة البنت وإما أن يكون من الأباعد، أي غريبًا عنها. فإن كان ذوي قرابتها، قال لها ولي أمرها إذا حملت إليه: أيسرتِ وأذكرتِ ولا أنثت، جعل الله منك عددًا وعزًّا وخلدًا. أحسني خلقك، وأكرمي زوجك، وليكن طيبك الماء ... ومثل ذلك من كلام. وإذا زوّجت في غربة قال لها: لا أيسرتِ، ولا ذكرتِ، فإنك تدنين البعداء، أو تلدين الأعداء. أحسني خلقك، وتحببي إلى أحمائك، فإن لهم عينًا ناظرة إليك، وأذنًا سامعة إليك، وليكن طيبك الماء١.
وإذا كان العرس أولموا وليمة، ودعوا إليها ذوي قرابة الزوجين وأصدقاءهم. وتتناسب الولائم مع مكانة العريس وأهله، للهو، فإن كان غنيًا كانت وليمته ضخمة، وربما دعوا إليها أهل الطرب، وقدموا فيها المأكولات الشهية والخمور. ويقال للوليمة التي تقام "الملاك" ويقال "الإملاك"، ويقال للطعام الذي يقدم في "الإملاك" "الشندخ" لأنه يقدم الدخول. وأما ما يصنع للدخول بالمرأة، فيقال له: "وليمة" و "وليمة العرس"٢. وكانوا يعدون ولائم العرس من الأمور اللازمة، ويفعل ذلك حتى الفقير الضعيف الحال. وقد حث الإسلام عليها، فورد في الحديث أن الرسول قال لعبد الرحمن بن عوف: "أولم ولو بشاة"٣.
وتزف العروس إلى زوجها، ومعها أصدقاؤها وأهلها: وقد يقترن ذلك بضرب الدفوف والغناء. وقد كان الأنصار يعجبهم اللهو، ولهذا كانوا يهتبلون هذه المناسبات للهو فيها. ومما كان يقال في زف العروس:
أتيناكم أتيناكم ... فحيانا وحياكم
ولولا الذهب الأحمر ... ما حلت بواديكم
ولولا الحنطة السمراء ... ما سمنت عذاريكم٤
ويقال لليلة التي تزف فيها العروس إلى زوجها ليلة الزفاف. ويعرف موكب
стр. 2699
الزفاف وب "الزفة" ويزف "العروس" إلى بيته أيضًا، فقد كان من عادة ذوي القرابة والأصدقاء إقامة وليمة له، إذا انتهت رافق المدعوون العريس إلى بيته في موكب يغنى فيه ويضرب بالدفوف. وقد يبقى المدعوون إلى الصباح؛ حيث يحيون ليلتهم، وهي ليلة العرس، بالشرب والغناء واللعب.
وتخلّق العروس بالعبير وبأنواع الطيب بحسب سعة حالها وأحوال أهلها المعاشية. وذكر أن "العبير" الزعفران وحده عند أهل الجاهلية. وذكر أنه أخلاط من الطيب يجمع بالزعفران، وورد أن العبير غير الزعفران. وقد اشتهر رداء العروس بطيب رائحته، لما فيه من العبير. قال الأعشى:
وتبرد برد رداء العرو ... س في الصيف رقرقت فيه العبيرا١
وتزف العروس إلى زوجها ليلا: تزف على قدر حال العروسين، وقد تزف في النهار، ويرافق العروس "موكب" موكب من نساء ورجال على الإبل المزينة يسير والنيران بين يدي العروس. وقد توضع الأنماط على هودج العروس وفي بيتها. وقد منع استعمال النيران في الإسلام؛ لما في ذلك من التشبه بالمشركين، كما نهي عن استعمال أنماط الحرير٢.
وقد تزف العروس في محفة يقال لها "المزفة"، ومعها أصحاب "الزفة". وذكر أن "الزفة"، الزمرة. ومنه الحديث: أنه ﷺ ، قال لبلال حين صنع طعاما في تزويج فاطمة، ﵂: "أدخل الناس عليّ زفةً زفةً" أي: فوجًا بعد فوج؛ وطائفة بعد طائفة٣.
وفي المثل: "لا عطر بعد عروس" أول من قال ذلك امرأة اسمها: أسماء بنت عبد الله العذرية، واسم زوجها -وكان من بني عمها- "عروس". ثم مات عنها، فتزوجها رجل من قومها أعسر أبخر بخيل دميم، يقال له "نوفل". فلما أراد أن يظعن بها، قالت: لو أذنت لي، رثيت ابن عمّي، وبكيت عند رمسه؟ فقال: افعلي. فقالت: أبكيك يا عرس الأعراس،
стр. 2700
يا ثعلبًا في أهله، وأسدًا عند الباس، مع أشياء ليس يعلمها الناس! فقال: وما تلك الأشياء؟ فقالت: كان من الهمة غير نَعّاس، ويعمل السيف صبيحات الباس. ثم قالت: يا عروس الأغر الأزهر، الطيب الخيم، الكريم المحضر، مع أشياء لا تذكر! فقال: وما تلك الأشياء؟ قالت: كان عيوفًا للخنا والمنكر، طيب النهكة غير أبخر، أيسر غير أعسر. فعرف الرجل أنها تعرّض به. فلما رحل بها، قال: ضمّي عطرك. وقد نظر إلى قشوة عطرها مطروحة. فقالت: "لا عطر بعد عروس" فذهبت مثلًا. أو "لا مخبأ لعطر بعد عروس"١.
وتحمل العروس معها أدوات زينتها وموادها الأخرى تضعها في قشوة: قفة من خوص يجعل فيها مواضعها للقوارير بحواجز بينها لعطر المرأة وقطنها، قال الشاعر:
لها قشوة فيها ملابٌ وزنبق ... إذا عزبٌ أسرى إليها تطيبا٢
ويقال للبنت العذراء التي لم تفتض "البكر"٣. ويقال ذلك للرجل الذي لم يقرب امرأة بعد٤. وزوجها الأول هو الذي يفتض بكارتها. وإذ كانت لسلامة بكارة البنت مكانة عند العرب، كانوا يعرضون دم البكارة على الأقارب، ليكون شهادة على سلامة بكارتها. ويكنى عن البكارة والبنت البكر ب "بنت سعد"٥.
والزواج حادث مهم في حياة الإنسان، ولذلك يعلن عنه بفرح وسرور، ويقال لذلك "بشاشة العرس"٦. يعلن عنه بدعوة "وليمة" تولم لذوي القربى والأحباء والجيران والأصدقاء، تقترن بالغناء وبالضرب على الدفوف أحيانًا، وبارتداء ملابس نظيفة مناسبة، أو ملابس مصبوغة بصفرة، والصفرة عند أهل