← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

وكان الخاطب إذا دخل بيت أهل البنت حياهم ومن كان حاضرًا بتحية أهل الجاهلية، مثل انعموا صباحًا، أو عموا صباحًا، أو أمثال ذلك، فإذا استقر به المقام، تكلم فيما جاء فيه، كأن يقول: نحن أكفاؤكم ونظراؤكم، فإن زوجتمونا فقد أصبنا رغبة وأصبتمونا وكنا لصهركم حامدين، وإن رددتمونا لعلة نعرفها رجعنا عاذرين. ثم يجيب ولي أمر البنت جوابًا مناسبًا يضمنه الرضى والقبول، وبذلك تكون البنت قد خطبت لذلك الرجل١. ووصف بعض أهل الأخبار طريقة من طرق الخطبة عند بعض الجاهليين، فقال: كان الرجل في الجاهلية يأتي الحي خاطبًا، فيقوم في ناديهم، فيقول: خطب، أي جئت خاطبًا. فيقال له: بعد الموافقة نكح، أي قد أنكحناك إياها، ومن ذلك ما قدمت من خبر أم خارجة إن صح. وذكر أن "نكحًا" هي كلمة كانت العرب تتزوج بها٢. ويرتدي أهل الخاطب وأهل المخطوبة خير ما عندهم من ملابسهم ويزينون أنفسهم عند مجيء أهل الرجل إلى بيت البنت لخطبتها. وإذا تمت الخطبة ضمخ والد الخطيبة بالعبير وخلِّق بالطيب ونُحر بعير وأكثر على حسب منزلة أهل البنت. والعادة عند العرب أن ينحروا بعيرًا أو شاة في المناسبات المفرحة المبهجة، فلا بد لمثل هذه المناسبات من "ذبيحة" وإسالة دم. ولما خطب النبي "خديجة" وأجابته، استأذنت أباها في أن تتزوجه وهو ثمل، فأذن لها في ذلك، وقال: هو الفحل لا يقرع أنفه. فنحرت بعيرًا، وخلّقت أباها بالبعير، وكسته بردًا أحمر٣. وكان الجاهليون يقولون للإبل تساق في الصداق: النوافج. وكانوا يقولون عند تقديمها: تهنئك النافجة. على أن بعضهم من كان يكره ذلك. وقد بطل هذا القول في الإسلام٤.

стр. 2697

وتلبس العروس ثوبًا يجعل له ذيل تسحبه حين تمشي. لأنه يكون طويلا، وقد أشير إليه في شعر لامرئ القيس. إذ قال: لها ذنب مثل ذيل العروس ... تسد به فرجها من دبر كما أشير إليه في شعر لخداش بن زهير. إذ قال: لها ذنب مثل ذيل الهديّ ... إلى جؤجؤٍ أيدِ الزافر١ والهديّ: العروس التي تهدى إلى زوجها. واستعملت المرأة الغنية المسك والطيب في تطييب جسمها وثيابها. حتى كان المسك يفوح من أردانها. قال قيس بن الخطيم: وعمرة من سروات النسا ... ء تنفح بالمسك أردانها٢ و"الصداق" هو مهر المرأة، أي ما يدفعه الرجل إلى أهل البنت عند عقد الزواج، ويقال له الصَّدَقة والصَّدُقة والصُّدُقة والصَّداق. وترادف هذه الكلمة كلمة أخرى هي "مهر"، وهي من المصطلحات الجاهلية كذلك٣. وطريقة العرب من جاهليين وإسلاميين في دفع الرجل "المهر" للزوجة، تناقض المألوف عند اليونان والرومان، حيث جرت عادتهم أن تقدم المرأة صداقها إلى زوجها نقودًا أو عينًا. وهي الطريقة المألوفة عند الغربيين حتى الآن. وكان الرومان يستغربون طريقة الجاهليين هذه في دفع المهر٤. ويروي "روبرتسن سمث" أن ترادف معنى "الصداق" و "المهر" إنما حدث في الإسلام. أما في الجاهلية، فقد كان هناك فرق بين مدلول الكلمتين. فإن المراد من كلمة الصداق عند الجاهليين هو ما يقدم إلى العروس. أما المهر، فهو ما يقدم إلى الوالدين٥.

стр. 2698

والرجل إما أن يكون من ذوي قرابة البنت وإما أن يكون من الأباعد، أي غريبًا عنها. فإن كان ذوي قرابتها، قال لها ولي أمرها إذا حملت إليه: أيسرتِ وأذكرتِ ولا أنثت، جعل الله منك عددًا وعزًّا وخلدًا. أحسني خلقك، وأكرمي زوجك، وليكن طيبك الماء ... ومثل ذلك من كلام. وإذا زوّجت في غربة قال لها: لا أيسرتِ، ولا ذكرتِ، فإنك تدنين البعداء، أو تلدين الأعداء. أحسني خلقك، وتحببي إلى أحمائك، فإن لهم عينًا ناظرة إليك، وأذنًا سامعة إليك، وليكن طيبك الماء١. وإذا كان العرس أولموا وليمة، ودعوا إليها ذوي قرابة الزوجين وأصدقاءهم. وتتناسب الولائم مع مكانة العريس وأهله، للهو، فإن كان غنيًا كانت وليمته ضخمة، وربما دعوا إليها أهل الطرب، وقدموا فيها المأكولات الشهية والخمور. ويقال للوليمة التي تقام "الملاك" ويقال "الإملاك"، ويقال للطعام الذي يقدم في "الإملاك" "الشندخ" لأنه يقدم الدخول. وأما ما يصنع للدخول بالمرأة، فيقال له: "وليمة" و "وليمة العرس"٢. وكانوا يعدون ولائم العرس من الأمور اللازمة، ويفعل ذلك حتى الفقير الضعيف الحال. وقد حث الإسلام عليها، فورد في الحديث أن الرسول قال لعبد الرحمن بن عوف: "أولم ولو بشاة"٣. وتزف العروس إلى زوجها، ومعها أصدقاؤها وأهلها: وقد يقترن ذلك بضرب الدفوف والغناء. وقد كان الأنصار يعجبهم اللهو، ولهذا كانوا يهتبلون هذه المناسبات للهو فيها. ومما كان يقال في زف العروس: أتيناكم أتيناكم ... فحيانا وحياكم ولولا الذهب الأحمر ... ما حلت بواديكم ولولا الحنطة السمراء ... ما سمنت عذاريكم٤ ويقال لليلة التي تزف فيها العروس إلى زوجها ليلة الزفاف. ويعرف موكب

стр. 2699

الزفاف وب "الزفة" ويزف "العروس" إلى بيته أيضًا، فقد كان من عادة ذوي القرابة والأصدقاء إقامة وليمة له، إذا انتهت رافق المدعوون العريس إلى بيته في موكب يغنى فيه ويضرب بالدفوف. وقد يبقى المدعوون إلى الصباح؛ حيث يحيون ليلتهم، وهي ليلة العرس، بالشرب والغناء واللعب. وتخلّق العروس بالعبير وبأنواع الطيب بحسب سعة حالها وأحوال أهلها المعاشية. وذكر أن "العبير" الزعفران وحده عند أهل الجاهلية. وذكر أنه أخلاط من الطيب يجمع بالزعفران، وورد أن العبير غير الزعفران. وقد اشتهر رداء العروس بطيب رائحته، لما فيه من العبير. قال الأعشى: وتبرد برد رداء العرو ... س في الصيف رقرقت فيه العبيرا١ وتزف العروس إلى زوجها ليلا: تزف على قدر حال العروسين، وقد تزف في النهار، ويرافق العروس "موكب" موكب من نساء ورجال على الإبل المزينة يسير والنيران بين يدي العروس. وقد توضع الأنماط على هودج العروس وفي بيتها. وقد منع استعمال النيران في الإسلام؛ لما في ذلك من التشبه بالمشركين، كما نهي عن استعمال أنماط الحرير٢. وقد تزف العروس في محفة يقال لها "المزفة"، ومعها أصحاب "الزفة". وذكر أن "الزفة"، الزمرة. ومنه الحديث: أنه ﷺ ، قال لبلال حين صنع طعاما في تزويج فاطمة، ﵂: "أدخل الناس عليّ زفةً زفةً" أي: فوجًا بعد فوج؛ وطائفة بعد طائفة٣. وفي المثل: "لا عطر بعد عروس" أول من قال ذلك امرأة اسمها: أسماء بنت عبد الله العذرية، واسم زوجها -وكان من بني عمها- "عروس". ثم مات عنها، فتزوجها رجل من قومها أعسر أبخر بخيل دميم، يقال له "نوفل". فلما أراد أن يظعن بها، قالت: لو أذنت لي، رثيت ابن عمّي، وبكيت عند رمسه؟ فقال: افعلي. فقالت: أبكيك يا عرس الأعراس،

стр. 2700

يا ثعلبًا في أهله، وأسدًا عند الباس، مع أشياء ليس يعلمها الناس! فقال: وما تلك الأشياء؟ فقالت: كان من الهمة غير نَعّاس، ويعمل السيف صبيحات الباس. ثم قالت: يا عروس الأغر الأزهر، الطيب الخيم، الكريم المحضر، مع أشياء لا تذكر! فقال: وما تلك الأشياء؟ قالت: كان عيوفًا للخنا والمنكر، طيب النهكة غير أبخر، أيسر غير أعسر. فعرف الرجل أنها تعرّض به. فلما رحل بها، قال: ضمّي عطرك. وقد نظر إلى قشوة عطرها مطروحة. فقالت: "لا عطر بعد عروس" فذهبت مثلًا. أو "لا مخبأ لعطر بعد عروس"١. وتحمل العروس معها أدوات زينتها وموادها الأخرى تضعها في قشوة: قفة من خوص يجعل فيها مواضعها للقوارير بحواجز بينها لعطر المرأة وقطنها، قال الشاعر: لها قشوة فيها ملابٌ وزنبق ... إذا عزبٌ أسرى إليها تطيبا٢ ويقال للبنت العذراء التي لم تفتض "البكر"٣. ويقال ذلك للرجل الذي لم يقرب امرأة بعد٤. وزوجها الأول هو الذي يفتض بكارتها. وإذ كانت لسلامة بكارة البنت مكانة عند العرب، كانوا يعرضون دم البكارة على الأقارب، ليكون شهادة على سلامة بكارتها. ويكنى عن البكارة والبنت البكر ب "بنت سعد"٥. والزواج حادث مهم في حياة الإنسان، ولذلك يعلن عنه بفرح وسرور، ويقال لذلك "بشاشة العرس"٦. يعلن عنه بدعوة "وليمة" تولم لذوي القربى والأحباء والجيران والأصدقاء، تقترن بالغناء وبالضرب على الدفوف أحيانًا، وبارتداء ملابس نظيفة مناسبة، أو ملابس مصبوغة بصفرة، والصفرة عند أهل

стр. 2701

الحجاز في ذلك العهد علامة العرس والفرح والسرور، كما كانوا يصبغون أيديهم ولحاهم بالزعفران، ويكحلون عيونهم، والكحل عندهم من الزينة أيضا١. ويقال للطعام يصنع لعرس: "الوليمة". وقد ذهب بعض علماء اللغة إلى أن اسم الوليمة مختص بطعام العرس. وقد حث الإسلام عليها. ورد في الحديث قوله لعبد الرحمن بن عوف: "أولم ولو بشاة"٢. ويقابل الزوج على تفضله بالدعوة إلى الوليمة بكلمات فيها خير وشكر وتمنيات للحياة الزوجية الجديدة، ويقال له عند الانتهاء والانصراف: على الطائر الميمون، وبالرفاه والبنين. وقد كره في الإسلام القول: بالرفاه والبنين لأنه من أقوال الجاهلية، ولما فيه من الإشارة إلى بغض البنات، لتخصيص البنين بالذكور٣، وإحياء سنن الجاهلية٤.

стр. 2702

المال والبنون: وإذا ولد مولود ذكر، سُرَّ أهله بميلاده. والعرب مثل غيرهم من الشعوب القديمة كانوا يفرحون بميلاد ولد ذكر، ويغتمون إذا ولدت لهم أنثى، ويقيمون وليمة لميلاده، وكثرة البنين من المفاخر التي يفتخر بها أهل الجاهلية. إن كثرتهم نعمة وعزة. والبنون والمال زينة الحياة الدنيا. بالبنين يدافع الرجل عن نفسه وعن بيته، وبهم ينال المال والحق والأخذ بالثأر، فهم الحماية ورأس المال. ونقرأ في أهل الأخبار افتخار الآباء والأمهات بكثرة ما أنجبوا من أولاد، ولا سيما إذا كان الأولاد حازوا شهرة بالجود أو بالشجاعة أو بأمثال ذلك، أو سادوا قومهم ورأسوهم. ورد في القرآن: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ١. صحيح أن إعالتهم مسألة صعبة عسيرة، ولا سيما إعالة الفقراء أولادهم، غير أن الحياة الاجتماعية في ذلك العهد لم تكن على مستوى عال من المعيشة تطلب مالًا

стр. 2703

يضمن الوالد به عيش أولاده، إنما كانت المعيشة سهلة لا تتطلب حاجات كثيرة، ولم تكن بالناس حاجة شديدة إلى النقود، فما يقوم به المرء من مجهود بدني هو أصيلة١ كل إنسان، وبه يعيش، وبه يحصل على ما يحتاج إليه من وسائل معيشة محدودة. فإذا كثر الأولاد، ازادادت وسائل المعيشة، وعاش الوالد عيشة ناعمة طيبة، وحصل بفضلهم على قوة ومنعة. وقد ذكر أهل الأخبار عددًا من الرجال عرفوا ببنين حصلوا على شهرة وذكر، فكانوا يفتخرون بهم بين الناس. من هؤلاء "سعد العشيرة"، قيل له "سعد العشيرة" لأنه كان يركب في عشرة من أولاده الذكور، فكأنه منهم في عشيرة، فصار مثلًا للرجل يستكثر بأبنائه وعشيرته ويتعزز بهم٢. و "الحارث بن سدوس". وكان له واحد وعشرون ولدًا ذكرًا٣. ويكون الذكور فخرًا للأمهات وقوة لهن، ويقال للمرأة التي تلد الأولاد الكرماء الأشراف منجبة ومنجاب. "ولم تكن العرب تعد منجبة من لها أقل من ثلاثة بنين أشراف"٤. وتعرف ب "أم البنين" كذلك. ومنهن "أم البنين بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة"، و "عمرو بن عامر" هو "فارس". ولدت "أبا براء" ملاعب الأسنة، و "طفيلا" فارس قرزل و "ربيعة" ربيع المقترين، و "معاوية" معوذ الحكماء، "سلمى" تزال المضيق، بني مالك بن جعفر بن كلاب٥. وقد أشار القرآن الكريم إلى نفرة العرب من البنات، وما كان يصاب به الرجل من ضيق صدر ومن همّ إذا بلّغ أن مولوده أنثى، قال تعالى ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ٦. ويزداد كربه إذا زاد عدد بناته، وقد يعمدون إلى "الوأد"، أي دفنهن أحياء للتخلص منهن.

стр. 2704

قيل: "إنهم كانوا يقتلونهن خوف العار"١. وإلى ذلك أشار القرآن الكريم: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ ٢، ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ ٣. وقد افتخرت "بنو عبس" ب "زهير بن جذيمة بن رواحة" العبسي، لأنه كان أبا عشرة، وعم عشرة، وأخا عشرة، وخال عشرة، ورأس غطفان كلها في الجاهلية ولم يجمع على أحد قبله٤. فكثرة البنين من موجبات الفخر والاعتزاز والتباهي عند الجاهليين.

стр. 2705

العقيقة: وإذا كانت نهاية الإنسان عند الجاهليين مقترنة بالدم، فإن مبدأ حياته مقترن عندهم بالدم كذلك. لقد كان عادتهم ذبح شاة عند ميلاد مولود وتلطيخ شيء من دمها برأس المولود، ويقال لهذه الذبيحة "العقيقة"، وهي كلمة جاهلية وردت في الشعر الجاهلي١. وتذبح عادة في اليوم السابع من ميلاد المولود٢. وقد أقر الإسلام ذلك، فوردت الكلمة في الحديث. ويذكر علماء اللغة أن معنى العقيقة هو شعر كل مولود يخرج على رأسه في بطن أمه، وأنه قيل للشاة المذبوحة لذبحها عند الاحتفال بحلق هذا الشعر. وقد كانوا يعيرون من لم تحلق عقيقته، إذ يرون في ذلك منقصة لا تليق بالرجل الكامل٣. ويستقبل المولود بدلك حنكه بالتمر الممضوغ، أو الحلو مثل عسل النحل،

стр. 2706

وكل ما لم تمسه نار من الحلو١. وكان العبرانيون يفركون المولود بالملح. واستقبال المواليد بمثل هذه الأمور من العادات الشائعة عند كثير من الأمم القديمة، وهي عادات وشعائر دينية أيضًا. فإن الشعوب القديمة لم تكن تفرق كثيرًا بين العادات والشعائر بخلاف الحال في الزمن الحاضر٢. ولاستقبال المولود بدلك جسمه بالحلو أو بالملح أو بما شابه ذلك، معنى التفاؤل. فالحلو رمز السعادة والفرح. وأما الملح، فإنه عنصر مهم من عناصر الحياة عند الأمم القديمة. والخبز والملح هما رمز الصداقة والمودة حتى اليوم. ويسلى الأطفال بإعطائهم العرائس والتماثيل الصغيرة يلعبون بها ويقضون وقتهم بالتسلي بها وبمكالمتها على نحو ما يفعل أطفال اليوم. كما يتسلون باللعب معًا بألعاب خاصة بالصبيان.

стр. 2707

الختان: ويعد الختان من العادات الجاهلية القديمة، والعرب في ذلك كالعبرانيين. وهو أمر لم يرد ذكره في القرآن إنما ورد ذكره في الحديث، وترجع الكلمة إلى أصل سامي شمالي قديم٣. والختان في الأصل نوع من أنواع العبادة الدموية التي كان يقدمها الإنسان إلى أربابه، وتعدّ أهم جزء من العبادات في الديانات القديمة٤. فقطع جزء من البدن وإسالة الدم منه، تضحية ذات شأن خطير في عرف أناس ذلك العهد، كما كان حلق الشعر كله أو جزء منه نوعًا من أنواع التقرب إلى الآلهة٥. والختان في الإسلام معدود من سنن الفطرة التي ابتلى اللهُ إبراهيمَ بها؛ وهي الكلمات العشر. وفي جملتها الختان٦. وقد كان الجاهليون يسمون من لم يختتن: أقلف وأغلف وأغرل، ويعيبونه،

стр. 2708

ويعدّونه ناقصًا١. وذكر انتشار هذه العادة عند العرب بعض الكتبة "الكلاسيكيين" مثل: "يوسفوس" المؤرخ اليهودي و "أويسبيوس" و ""سوزومينوس" "Sozomenius"٢ ويظهر أنه كان معروفًا عند العرب الجنوبيين وعند الحبشة كذلك٣. وقد طبق على النوعين الذكور والإناث. وكانت العرب تزعم أن الغلام إذا ولد في القمراء قسحت قلفته فصار كالمختون؛ قال امرؤ القيس وقد كان دخل مع قيصر الحمام فرآه أقلف، على ما يزعمه أهل الأخبار: إني حلفت يمينًا غير كاذبة ... لأنت أقلف إلا ما جنى القمر٤ وذكر "يوسفوس" أن العرب يختنون أولادهم عند بلوغهم عشرة من سنهم٥. ومن الضعف قبول خبره، ويظهر من موارد أخرى أن الجاهليين لم يعينوا عمرًا معينًا للاختتان٦ وأحسب أن هذا الكاتب اعتمد على ما جاء في التوراة عن اختتان إسماعيل وهو في الثالثة عشر من عمره، أو أنه اعتمد على ما سمعه من بعض القبائل الإسماعيلية الساكنة في المناطق الشمالية الغربية من جزيرة العرب، فظن أن الاختتان عند جميع العرب هو هذه السن. وقد ورد في بعض الأخبار أن الروم حاولوا منع العرب من الاختتان٧. والاختتان من المناسبات المفرحة المبهجة في حياة الأسرة، لهذا كان من عادة العرب يدعون ذوي القرابة والأصدقاء إلى الولائم ويلبسون الأطفال أحسن ما عندهم من لباس ابتهاجًا وفرحًا بذلك.

стр. 2709

الرجولة: وإذا بلغ الطفل، صار رجلًَا، وجاز له حينئذ أن يفعل فعل الرجال.

стр. 2710

واحتفل أهله بذلك عند الصنم "Oratal"، الذي يقابل الإله "باخوس" "Bacchus" عند اليونان، ويبلغ الاحتفال غايته عند قص الضفائر ورميها أمامه، لأن ذلك معناه عندهم دخول الشاب في مرحلة الرجولة، ودخوله في عبادة هذا الإله١. والبلوغ إدراك الغلام والجارية. وقد كان أهل مكة إذا بلغت عندهم الجارية أخذوها إلى "دار الندوة" فدرعوها بها، علامة على بلوغها. ومن أمثال العرب: "ولدك من دمّى عقبيك"٢، أي من نفِست به، وصير عقبيك ملطخين بالدم، فهو ابنك حقيقة، لا من أخذته وتبنّيته وهو من غيرك٣. والابن الشرعي، من ينسب إلى أبيه بنسب صحيح، وعزي إلى والده. ويقال: إنه لَحَسن العزوة، أي صحيح النسب حسنه٤. والعادة عند أكثر الساميين نسبة الأولاد إلى الآباء. ونجد أكثر أسماء الجاهليين على هذا النحو. وهناك أشخاص عرفوا بأسماء أمهاتهم، وللأخباريين في تفسيرها آراء، الغالب أنهم اشتهروا بأمهاتهم لما كان لأمهاتهم من كفايات وصفات خاصة جعلت لهن صيتًا بعيدًا طغى على اسم الرجال، فنسب أبناؤهم إليهن لهذا السبب تمييزًا عن بقية الأبناء الذين قد يكونون للرجل من زوجة أخرى. ومن هذا القبيل اشتهار "عمرو" ملك الحيرة ب "عمرو بن هند". واشتهار "المنذر"، وهو أحد الملوك ب "المنذر بن ماء السماء" على رأي من جعل "ماء السماء" اسم والدة الملك. ولم يكن للجاهليين قواعد ثابتة معينة في تسمية المواليد، ففي بعض الروايات أن الأجداد أو الآباء هم الذي كانوا يقومون بتسمية المولود، وفي روايات أخرى ما يفيد قيام المرأة بهذه المهمة. والذي يتبين من غربلة الروايات أن الرجال هم يسمون الأولاد، فيضعون لهم الأسماء. أما تسمية البنات فكانت في الغالب من اختصاص النساء. وقد يثبت اسم المولود ويحدد في اليوم السابع من مولده، أي

стр. 2711

في يوم "العقيقة". وتذكر كتب السير أن "عبد المطلب" هو الذي سمى الرسول محمدًا، في يوم سابعه، أخذه فدخل به الكعبة، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها، وفي هذا اليوم عقّ له على عادة العرب في ذلك العهد. وتذكر أيضا أن قريشًا "قالوا لعبد المطلب ما سميت ابنك هذا؟ قال سمّيته محمدًا"١. وتختلف التسميات في جزيرة العرب، كما تختلف معانيها، فالأسماء المشهورة عند العرب الجنوبيين والواردة في نصوص المسند لا ترد في قوائم أسماء الجاهليين الذين كانوا يعيشون قبيل الإسلام في نجد والحجاز. وأسماء أكثر ملوك العرب الجنوبيين ولا سيما الذين عاشوا منهم قبل الإسلام هي أسماء مركبة، ولها صلة بالآلهة. أما أسماء الملوك الشماليين فأكثرها مفردة مثل المنذر والنعمان والحارث وعمرو وأمثال ذلك. والأسماء الشمالية المركبة لها صلة بالأصنام، ولكن بأصنام العرب الشماليين، مثل عبد مناة، وعبد العزى، وامرئ القيس، وعبد ودّ. وأما أسماء سواد الناس، فتختلف كذلك في العربية الجنوبية عنها في الشمال، وفي المواضع الأخرى من جزيرة العرب. وقد أحدث الإسلام تغييرًا كبيرًا في الأسماء، فاجتث منها كلّ ما له صلة بالوثنية والأوثان، وجاء بتسميات لم تكن شائعة بين الجاهليين، مثل: محمد وعلي وأمثال ذلك من أسماء لها صلة بالرسول وبالصحابة وبتأريخ الإسلام.

стр. 2712

ما كان العرب يسمون به أولادهم: وقد بحث "الجاحظ" في علل التسميات عند العرب وفي أسبابها، فقال: "والعرب إنما كانت تسمّى بكلب، وحمار، وحجر، وجعل، وحنظلة، وقرد، على التفاؤل بذلك. وكان الرجل إذا ولد له ذكر خرج يتعرض لزجر الطير والفأل، فإن سمع إنسانًا يقول حجرًا، أو رأى حجرًا، سمى ابنه به وتفاءل فيه الشدة والصلابة والبقاء والصبر، وأنه يحطم ما بقي: وكذلك إن سمع إنسانًا يقول ذئبًا أو رأى ذئبًا، تأول فيه الفطنة والخبّ والمكر والكسب. وإن

стр. 2713

كان حمارًا تأول فيه طول العمر والوقاحة والقوة والجلَد. وإن كان كلبًا تأول فيه الحراسة واليقظة وبُعد الصوت والكسب وغير ذلك". وجاء بآراء آخرين على هذه التسميات وعلى آرائهم فيها١. وتعرض "الجاحظ" إلى أسماء الحيوان التي تسَمّى بها الناس. فذكر منها: غراب، وصُرد، وفاختة، وحمامة، ويمام، ويمامة، وعقاب، وقطامي، وحجل، وصقر، وصقير، وطاووس، وطويس، وحيقطان، والغرانيق، والغرنوق٢.

стр. 2714

المعمرون: وقد عمر بعض أهل الجاهلية عمرًا طويلا، فعُدّوا من المعمّرين في الجاهلية. وروى أهل الأخبار وألف بعضهم كتبًا فيهم. فلأبي حاتم السجستاني مؤلف في المعمرين١. والعادة عند العرب أن المرء إذا شاخ وكبر بالغوا في تقدير عمره، وزادوا في سني حياته. حتى جعلوا المعمر من عاش فوق المائة عام. ولا يعد المعمر معمرًا عندهم إلا إذا عاش مائة وعشرين سنة وصاعدًا٢. ولهذا، فلا نستغرب ما يرويه أهل الأخبار عن بعضهم من أنهم عاشوا فوق المائة بكثير. ومن المعمرين: الحارث بن كعب بن عمرو بن وعلة بن خالد المذحجي. يزعمون أنه عاش مائة وستين سنة. ورووا له وصية في الأخلاق والآداب والمواعظ والحكم. بَيَّن فيها أنه على دين شعيب النبي، وما عليه أحد من العرب غيره، وغير أسد بن خزيمة، وتميم بن مُرّة. وأنه لم يصافح غادرًا، ولم يتخلق بأخلاق فاجر، ولا صبى بابنة عم له ولا كنة. ولا جاءته مومسة. وأوصى أولاده بالتجمع، وبالموت في سبيل العز، وبالحذر من الناس، وبتزوج الأكفاء وبتجنب الزواج من المرأة الحمقاء، لانتقال الحمق منهن إلى من يلدن. وأوصى بوصل

стр. 2715

الرحم، وبلزوم إطاعة الوالدين، ونبذ الحقد والضغينة١. ومنهم: المستوغر: وهو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة. ذكروا أنه عاش ثلاثمائة وعشرين، وأدرك الإسلام أو كاد يدرك أوله. ونسبوا له شعرًا وحكما٢. وحشروا في المعمّرين: "دويد بن زيد" من قضاعة. ذكروا أنه عاش أربعمائة سنة وستًّا وخمسين سنة ونسبوا له وصية فيها: "أوصيكم بالناس شرًّا، لا ترحموا لهم عبرة، ولا تقيلوا لهم عثرة" إلى آخر ذلك من وصية فيها شدة على الناس وحث لأهله على عدم الرحمة بهم، وألا يرحموا أحدًا، وألّا يهنوا٣. وهي تمثل وضعًا خاصًّا ورأيًا لواضع هذه الوصية ولراويها من أناس زمانه، فيها سوء ظن، ووجوب الحذر والاعتماد على النفس: حيث لا ينفع الإنسان في حياته إلا نفسه. ومن المعمرين زهير بن جناب. عاش مائتي سنة وعشرين سنة. وأوقع مائتي وقعة، وكان سيّدًا مطاعًا شريفًا في قومه. فيه عشر خصال لم يجتمعن في غيره من أهل زمانه، كان سيد قومه وشريفهم، وخطيبهم، وشاعرهم، ووافدهم إلى الملوك، وطبيبهم، وحازي قومه، وكان فارس قومه وله البيت فيهم. وقد نسبوا له وصية، على عادتهم في نسبتهم الوصايا إلى المعمرين. ذكروا أنه أوصى بنيه فيها بوجوب التجمع ومقاومة النوائب وترك التخاذل والاتكال، وبعدم الغرور في هذه الدنيا، فإنما الإنسان في هذه الدنيا غرض تعاوره الرماة فمقصر دونه، ومجاوز موضعه، وواقع عن يمينه وشماله، ثم لا بد أنه مصيبه. ورووا له شعرًا وحكمًا. وذُكر أنه كان على عهد "كليب وائل"، ولم يكن في العرب أنطق من زهير ولا أوجَه منه عند الملوك، وكان لسداد رأيه يسمى كاهنًا، ولم تجمع قضاعة إلا عليه وعلى رزاح بن ربيعة٤. واختلف في عمر "ذو الأصبع العدواني" يوم مات. فذكر بعضهم أنه

стр. 2716

عاش مائة وسبعين سنة. واستقل "أبو حاتم السجستاني" هذا المقدار، فجعله ثلاثمائة سنة. وهو من "عدوان". وأحد حكّام العرب في الجاهلية. ونسبوا له على عادتهم بالنسبة للمعمرين حكمًا وشعرًا١. ومن المعمرين الذين ذكرهم أهل الأخبار "معد يكرب الحميري"، من آل ذي رعين، و "الربيع بن ضبع الفَزاري". ذكر أنه عاش أكثر من مائتي سنة. وأنه لما بلغ مائتين وأربعين سنة قال شعرًا في ذلك. وقد عاش في الإسلام أيضًا وأدرك أيام معاوية٢. وجعلوا عمر "أبو الطحان القيني" مائتي سنة ونسبوا له حكمًا وشعرًا٣. وأبي "الكلبيُّ" أن يجعل عمر "عبد المسيح بن بقيلة الغساني"، وهو عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حيّان بن بقيلة، أقل من ثلاثمائة وخمسين سنة. وجاراه في ذلك "أبو مخنف" وآخرون. وذكروا أنه عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام فلم يسلم، ومات نصرانيًا. وذكروا أن "خالد بن الوليد" لما نزل على الحيرة، وتحصن منه أهلها أرسلوا إليه "عبد المسيح بن بقيلة" ليكلمه فسأله خالد أسئلة عديدة. منها: أعرب أنتم أم نبط؟ قال عبد المسيح: عرب استنبطنا ونبيط استعربنا. ثم سأله: كم أتى لك؟ قال: ستون وثلاثمائة سنة. ثم عاد إلى قومه فنصحهم بمصالحة خالد. ورووا له شعرًا في دخول المسلمين الحيرة، وكيف صار أمر "آل المنذر"، وقد تحسر فيه على الأيام الماضية، التي ولت حتى آل الأمر بهم أن يؤدوا الخراج إلى "معدّ" التي اقتسمتهم علانية كأقسام الجزور، يؤدون لهم الخراج، بعد خراج كسرى وخراج من قريظة والنضير. ثم خلص إلى أن الدهر هو كذلك لا يدوم على حال. فيوم من مساءة ويوم من سرور٤. وذكر أن بعض سادات أهل الحيرة خرج إلى ظاهرها يختط٤ دارًا، فلما احتفر

стр. 2717

موضع الأساس، وأمعن في الاحتفار أصاب كهيئة البيت، فدخله فإذا رجل على سرير من رخام، وعند رأسه كتابة: أنا عبد المسيح بن بقيلة: حلبت الدهر أشطره حياتي ... ونلت من المنى بُلَغَ المزيد وكافحت الأمور وكافحتني ... فلم أحفل بمعضلة كثود وكدت أنال في الشرف الثريا ... ولكن لا سبيل إلى الخلود١ وأدخلوا "النابغة الجعدي"، واسمه "قيس بن عبد الله بن عدس" في المعمّرين. ولكنه لم ينل من أهل الأخبار عمرًا يستحق الذكر. إذ منحوه أقصر ما يمكن من العمر بالنسبة للمعمرين. وهو عشرون ومائة سنة. وتفضل "أبو حاتم السجستاني" عليه فمنحه مائتي سنة٢. وأبو حاتم من الكرماء جدًا بالنسبة لمنح الأعمار إلى المعمرين. وقد أدرك الإسلام فأسلم. ومدح الإسلام بشعر. ويذكر أنه جاء الرسول وأنشده من شعره٣. وذكر "الجاحظ" نقلًا عن المتقدمين عليه، أنهم "ذكروا أنهم وجدوا أطول أعمار الناس في ثلاثة مواضع: أولها سرو حمير، ثم فرغانة، ثم اليمامة، وإن في الأعراب لأعمارًا أطول، على أن لهم في ذلك كذبًا كثيرًا"٤.

стр. 2718

أصحاب العاهات: والعمى من العاهات المعروفة بين الجاهليين. منهم من ولد أعمى، أو أصيب بالعمى في طفولته، ومنهم من أصابه وهو على كبر. وذكروا أن من أشراف العميان "زهرة بن كلاب" و "عبد المطلب بن هاشم" و "العبّاس بن عبد المطلب"، وغيرهم. و"العور" من العاهات التي كان الجاهليون يعيبون من أصيب به. وكانوا

стр. 2719

يرمون العوران باللؤم والخبث. وقد أصيب به بعضهم في الحروب. "كأبو سفيان" فقد أصيب يوم الطائف بالعَوَر، وأصيب غيره في معارك أخرى١. وأصيب بعض الناس بالبرص. وقد ذكر "السكري" أسماء جماعة من "البرص الأشراف"٢، ومن هؤلاء: "جذيمة الأبرش"، الملقب ب"الوضاح"، وذكر أن "الوضح" كناية عن "البرص"٣،وكانت قريش تخاف البرص خشية العدوى. فأخرجت "أبا عزة عمرو بن عبد الله بن عمير بن وهب" عنها، مخافة العدوى. فكان يكون بالليل في شعف الجبال، وبالنهار يستظل في الشجر، وسقي بطنه، فأخذ مدية فوجأ بها في معدته. فسال ذلك الماء، فبرأ برصه، ورجع إلى مكة٤. ومن العاهات "الفقم"، وهو تقدم الثنايا العليا، فلا تقع على السفلى، إذا ضم الرجل فاه. ثم كثر حتى صار كل معوج أفقم٥ و "العرج"، ومن أشهر "العرجان الأشراف" الحارث بن أبي شمر الغساني"، و "عبد الله بن جدعان"، و "الحوفزان بن شريك الشيباني"، و "النابغة الذبياني"، وغيرهم٦. ومن المعيبات في الإنسان، ألا يكون للرجل شعر في وجهه. ويقال لمن عرى وجهه من الشعر "الكوسج". وذكر أنه الذي عرى وجهه من الشعر إلا كطاقات في أسف حنكه، كالأثط والثط. والثط هو القليل شعر اللحية والحاجبين. ويقال: رجل ثط، وامرأة ثطة الحاجبين٧. ومن الثط "الحارث بن أبي شمر الغساني"، و "المنذر بن النعمان بن ماء السماء اللخمي"، و "عبد الله بن جدعان" و "قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري"٨.

стр. 2720

حياة الشبان: ومن الشبان من كان يقضي وقته بالشراب، وبمصاحبة القيان، وهم أولاد اليسار والمجّان. وكان منهم من يأوي إلى منزل أحدهم فيعكفون على اللهو أو الشرب، لا يعبئون ولا يكترثون١ ومنهم شباب مكة قبل الإسلام. وكان منهم قوم مستهترون لم يبالوا بحرمة ولا بأحد، حتى إن شبابًا من شباب مكة سرق من خزانة الكعبة لينفق مما سرقه على شربه وقيانه. وقد عرف هؤلاء ب "الفتيان". وكانوا يقضون أوقاتهم بالشرب وبلبس الملابس النظيفة، وبالسماع إلى القيان كما عرفوا بالسخاء على من حولهم وعلى من يجتمع معهم من الفتيان. وكانوا شجعانًا، يخرجون إلى القنص والصيد. وقد أشار أهل الأخبار إلى أسماء بعض هؤلاء الفتيان٢. وشباب الجاهلية مثل شباب أهل كل زمان، لا يختلفون عنهم بشيء، في تأنق بعض منهم وفي محاولته إظهار شبابه تجاه البنات. فكان شباب القرى والمدن ولا سيما الوضيئون منهم وأهل الجمال يتسكعون في الأسواق وفي مواضع التجمع، بل وحتى في المعابد ليعبثوا في كلامهم مع البنات وليتحدثوا إليهن، شأن أي شاب في هذه الدنيا بالنسبة إلى الشابات. وقد اضطر آباء وأقرباء بعض هؤلاء الشباب إلى تقريع أبنائهم لتجاسرهم على بنات الحي. حتى منع البعض من الشباب الجميل من التأنق في الملبس حتى لا يلفتوا إليهم أنظار البنات، فيثرن فيهم عاطفة الجموح نحو التشبب والحب. وذكر "محمد بن حبيب" أسماء رجال من مكة كانوا يتعممون مخافة النساء على أنفسهم من جمالهم٣. ويظهر أنهم كانوا يرخون العمائم حتى تنزل على الوجه فتخفي معالمه، ولا يبدو عندئذ شيء من معالم جمال ذلك الشخص. ولم يذكر فيما إذا كانوا قد فعلوا ذلك من أنفسهم ضبطًا للنفس من الوقوع في غوى الشيطان، وتحت تأثير سحر العيون، أم أنهم أجبروا على ذلك إجبارًا، على

стр. 2721

نحو ما كان يفعله أهل مكة بالنسبة إلى المستهترين من شبابهم، ليكون التعميم أحد الحواجز التي تحول دون سقوط عين المرأة على الشاب الجميل أو الرجل الجميل. أو أنهم فعلوه هم، على أنه "موضة" وزِيّ من أزياء الشباب. ومن الرجال الذين ذكر "ابن حبيب" أنهم تعمموا مخافة النساء ولم يكونوا من أهل مكة، "امرؤ القيس بن حجر الكندي"، "قيس بن الخطيم" الأوسي، و "ذو الكلاع الحميري"، و "زيد الخيل بن مهلهل الطائي". ولم يذكر السبب في إقحام مثل هذه الأسماء في موضع التعمم بمكة. هل ذكرهم بمعنى أنهم كانوا إذا قدموا مكة تعمموا، خشية الوقوع في هوى النساء، فيجلب عليهم صداعًا وصدامًا مع أهل أولئك النسوة، أو أنه ذكرهم بمعنى أنهم كانوا يتعممون مثل أهل مكة حذر الوقوع في الحب، فدرج أسماءهم في هذا الموضع لهذه المناسبة. وقد ذكر "ابن حبيب" أن "الحضر"، وهو أحد من كان يتعمم مخافة الوقوع في حب النساء، لم يكتف بالتعمم، بل تبرقع أيضًا١. ولعله فعل ذلك بتأثير ديني. أخذ ذلك عن الرهبان والمتزمتين بدينهم من أهل الجاهلية الذين حجبوا أنفسهم عن الناس وآووا إلى الغار أو قمم الجبال للتبصر والتأمل والابتعاد عن الملأ، ولا سيما عن النساء.

стр. 2722

الفتيان: وعرف شباب أبناء الأغنياء والجاه ب "الفتيان". وأحدهم "فتى". ويراد به الشاب. وقد تطلق على السخيّ الكريم، وهو من "الفتوة"١. وكثيرًا ما نقرأ في كتب أهل الأخبار جملا تشير إلى"الفتوة" في الجاهلية، مثل "وهو من فتيان قريش أيضًا"٢. يريدون بذلك جماعة من أبناء الأسر عاشت عيشة شباب وعبث، تلهو وتشرب، وتنفق وتعطي، وتغيث،

стр. 2723

وتتسابق، وتقتل وقتها في اللذة والاستمتاع وفي الإنفاق على الجسد، على نحو ما يفعله أبناء الطبقة المترفة في كل وقت. وقد كانت لها نجدة وشهامة، إذا استنجد بأحدها هبّ لنجدة المستنجد ودافع عنه.

стр. 2724

الأحامرة: والحياة عند بعض الناس: خمر ولحم وخُلوق. فهي متع الحياة عندهم. قال الأعشى: إن الأحامرة الثلاثة أهلكت ... مالي وكنت بها قديمًا مولعا الخمر واللحم السمين وأطَّلي ... بالزعفران فلن أزال مبقعا١ والحياة عند البعض خمر ونساء. واتهمت المرأة بحبها الحليّ والطيب. ورد: "أهلك النساء الأحمران. يعنون الذهب والزعفران، أي أهلكهن حب الحلي والطيب". وورد "الأحمران: اللحم والخمر". ويقال للذهب والزعفران: الأصفران، وللماء واللبن الأبيضان، وللتمر والماء الأسودان. وفي الحديث: أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض. والأحمر الذهب والأبيض الفضة. والذهب كنوز الروم، لأنها الغالب على نقودهم. وقيل أراد العرب والعجم. وقيل: الأحامرة: اللحم والخمر والخلوق. وورد الأحمران: الخمور والبرود٢.

стр. 2725

الخمور: وفي مجتمع الحياة فيه على وتيرة واحدة، والفراغ فيه أكثر من العمل، ومرافق اللهو والتسلية فيه قليلة أو ومعدومة، والفقر فيه أكثر من الغنى، وتشغيل الفكر فيه محدود ضيق، في مجتمع كهذا المجتمع لا بد وأن يقبل الناس فيه على قتل فراغهم بالبحث عن شيء ينسيهم فراغهم وفقرهم وشدة حاجتهم، ويلهيهم عن قساوة الطبيعة عليهم، ويبعث فيهم الأمل والطرب والنشوة، والشعور بأنهم

стр. 2726

سادة ملكوا الدنيا، وأن كل واحد منهم هو "رب الخورنق والسدير"١، فكان إقبالهم على الخمر شديدًا، حتى أفرطوا في شربه وآذى بعضهم نفسه من شدة إقباله عليه، فصار آفة من الآفات، حتى ضحى شاربه بمركزه وماله في سبيله، فكان ذلك من عوامل تحريمه في الإسلام. وقد كان الخمر من متع الحياة الثلاث بالنسبة للشباب. والمتع الثلاث: الخمر والقمار والنساء٢. فإذا أضيف الشجاعة إليها صار الفتى من خيرة الفتيان، لذلك كان الشباب يفتخرون إذا جمعوا بين هذه المتع ويتباهون على غيرهم بها. وربما ارتكبوا المعاصي والمخالفات في سبيل الحصول على المال للإنفاق على متعهم هذه وعلى ملذاتهم وملاهيهم في هذه الحياة. ومن أسماء الخمر: العقار، سُميت لمعاقرتها أي لملازمتها الدنّ. والمعاقرة الإدمان ومعاقرة الخمر إدمان شربها. وقيل سميت عقارًا لأن أصحابها يعاقرونها أي يلازمونها أو لعقرها شاربها عن المشي، وقيل هي التي لا تلبث أن تسكر٣. والسكران نقيض الصاحي. والسكر حالة تعترض بين المرء وعقله. وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب المسكر. و "السكّير" الكثير السكر٤. و "المدمن" هو الملازم للشراب وغيره، لم يقلع عنه، فهو يلازمه ولا يقلع عن شربه أو شرب الخمر٥. وقد أدمن كثير من أهل الجاهلية على شرب الخمر، وهلك قسم منهم بسببها. وقد حذر من ذلك الإسلام فورد: "مدمن الخمر كعابد الوثن"٦، و "لا يدخل الجهة مدمن خمر"٧.

стр. 2727

وعرف علماء اللغة "الخمر" بما أسكر من عصير العنب ومن عصير كل شيء يُسكر. ولما نزل الأمر بتحريم الخمر، كان شرابهم بالمدينة يومئذ الفضيخ، البُسْر والتمر في الغالب١. غير أن الجاهليين كانوا يصنعون الخمر من أي شيء يقع في أيديهم مما يمكن تخميره للحصول على مادة مسكرة منه مثل الحبوب والأعشاب وغير ذلك، بل كان منهم من يخمر اللبن، ولا سيما ألبان الإبل، للانتشاء بها. و "النشوة" السكر٢. وكان أهل المدينة يسقون ضيوفهم شرابًا من الفضيح. فإذا جاءهم ضيف سقوه منه. كانوا يضعونه في قلال وجرار وهو خليط من بسر وتمر، ومن تمر وزَهْو. والزهو٣ هو البسر الملون الذي ظهرت فيه الحمرة والصفرة٤، كما كانوا يصنعونها من خلط الزبيب والتمر٥ أيضًا وكانوا يجلسون مجلسهم، ويسقيهم أحد أبناء صاحب الدار أو خادم من خدمه، من قلال أو كئوس يدور بها عليهم قليلا قليلا٦. واستخرج أهل اليمن من الشعير شرابًا عرف عندهم باسم "المزر"٧. وذكر أن "المزر" نبيذ الذرة والشعير والحنطة والحبوب، وقيل: نبيذ الذرة خاصة. وذكر أبو عبيد أن ابن عمر فسر الأنبذة، فقال: البتع نبيذ العسل، والجعة نبيذ الشعير، والمزرة من الذرة، والسكر من التمر، والخمر من العنب٨. وورد أن أهل اليمن كانوا يتخذون شرابًا مسكرًا من القمح يستعينون به على برد بلادهم ويتقوون به على عملهم. وقد منعوا عن ذلك في الإسلام حين نزل الأمر بتحريم الخمر٩.

стр. 2728

ومن الخمور نوع اشتهر في العراق باسم "الخمور الصريفية" نُسبت إلى قرية "صريفون" عند "عكبراء" في العراق، وإياها عنى الأعشى بقوله: وتجبى إليه السيلحون ودونها ... صريفون في أنهارا والخورنق ووصف الأعشى في شعر آخر الخمر الصريفية فقال: تعاطي الضجيع إذا أقبلت ... بُعَيْد الرقاد وعند الوسن صريفية طيب طعمها ... لها زبد بين كوب ودن وذكر بعض العلماء أنها إنما عرفت بصريفية، لأنها أخذت من الدن ساعتئذ كاللبن الصريف١. وكانوا يضعون خمرهم في زق يحملونه معهم، فأينما يكون الإنسان يكون خمره معه. وقد كانوا يكثرون من استعماله كما يظهر ذلك من روايات أهل الأخبار مع فقر شاربها وعدم وجود طعام عنده. أما في المدن والقرى والحواضر، فهناك خمارات، جمعت إلى الخمر وسائل المتع الأخرى، يقصدها أهل المكان والغرباء للاستمتاع بها، والترفيه عن خاطرهم. وقد هيأت بعض الخمارات المغنين فيها وجلبوا إلى حاناتهم أنواع الخمور. وكانت الخمارات منتشرة في كل مكان، ولا سيما على الطرق. حيث ينزل بها المسافرون للاستراحة واستعادة النشاط بعد تعب ونصب. وكان بمكة وبسائر القرى خمارات كذلك. أصحابها نصارى ويهود في الغالب. ومعظمهم من غير العرب، وفودا من الخارج للتكسب والعيش فامتهنوا مهنة بيع الخمر وإسقائها للناس. وقد عرفت "الخمارة" بالحانوت. يذكر علماء اللغة أن "الحانوت دكان الخمير". وقد أشير إلى الحانوت في الشعر الجاهلي. وكانت العرب تسمي بيوت الخمارين الحوانيت. وأهل العراق يسمونها المواخير. وورد أن الخليفة "عمر" أحرق بيت "رويشد الثقفي"، وكان حانوتًا يعاقر فيه الخور ويباع٢. وعرفت "الخمارة" بالدكة أيضًا٣.

стр. 2729

وقد يجتمع فتيان من مواضع شتى للشرب، فيقال لهم "الأندرون" يتنادرون فيما بينهم شذ وخرج من الجمهور. وذكر أن قول عمرو بن كلثوم: ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا هو في هذا المعنى١. وقد تاجر اليهود بالخمر، وفتحوا لهم الخمارات في الأماكن التي أقاموا بها من جزيرة العرب، فقصدها الناس للشرب. ومن جملتهم الشاعر الأعشى الذي كان كلفًا بشرب الخمر حريصًا على تعاطيها، قيل إنه عزم على الدخول في الإسلام وأراد الذهاب إلى الرسول لينشده ويعلن أمامه دخوله في الإسلام، ونظم شعرًا في مدحه، فأدرك "أبو سفيان" ما في شعر "الأعشى" في مدح الرسول والإسلام من أثر في تصرفه وفي إضعاف قريش، فلقيه وحادثه وكلمه وجاءه من ناحية نقطة الضعف التي كانت فيه. وهي حبه للخمرة. فهيج أشجانه فيها، وأظهر له كيف أن الإسلام حرمها على المسلمين، وجعل في شربها الحد، فهو سيُحرم من متعته الوحيدة التي بقيت له في حياته أن دخل في الإسلام. وأثار فيه الحنين إليها، ورغبه في الذهاب إلى قومه والمكوث هناك سنة يشربها، ثم رأى رأيه بعد ذلك، فإما أن يستمر على شربها، وإما أن يعافها ويدخل في الإسلام، على أن يأخذ مقابل ذلك مائة من الإبل. فأثر كلام "أبو سفيان" فيه، وأخذ الإبل وذهب بها إلى قومه٨ وأقام ب "منفوحة" حتى مات بها قبل الحول٢. وذكر "بلينيوس" أن العرب كانوا يصنعون الخمر من النخيل، وذلك كما يفعل سكان الهند٣. ويقصد بذلك التمور بالطبع. وقد ذكر ذلك من باب التنويه بالأمور الغريبة. فليس استخراج الخمر من التمور مألوفًا عند اليونان والرومان.

стр. 2730

ولهذا السبب أشار إليه، ليقف عليه قومه. غير أن العرب كانوا يستخرجون النبيذ من الكروم أيضًا، وذلك في الأماكن التي توفرت فهيا الكروم، مثل الطائف واليمن. وقد أشار "سترابون" إلى صنع الخمر من التمر١. أما خمور العرب فمن البتع، وهو نبيذ العسل، وهو خمر أهل اليمن. ومن التمر ومن البُرّ والشعير والزبيب. ولأهل اليمن شراب من الشعير، يقال له المزر، أشرت قبل قليل إليه٢. وشرب الجاهليون أشربة استخرجوها من الذرة ومن مواد أخرى. فقد صنع أهل اليمن "المرز" من الذرة أيضًا. فلما أسلم قوم منهم سألوا الرسول عنه. فقال لهم: أله نشوة؟ فلما قالوا له: نعم، قال: فلا تشربوه٣. وانتبذوا في "النقير": أصل النخلة ينقر فينبذ فيه، فيشتد نبيذه. وذكر أن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم يشدخون فيها الرطب والبسر ثم يدعونه حتى يهدر ثم يموت٤ وانتبذوا في "الحنتم": الجرار الخضر، وفي "الدبّاء"، اليقطين، وفي "المزفت" أي ما طلي بالزفت٥. ومن الخمور "المقدى". يتخذ من العسل على بعض الروايات. يقال إنه من قرية تسمى "المقدة" بالأردن، وقيل هي في طرف حوران قرب أذرعات٦. وللخمر أسماء عديدة، ذكرها علماء اللغة. منها ما هي معربة. عربت عن اليونانية، أو الفارسية، أو السريانية، لأنها استوردت من بلاد الشام، أو العراق٧. ومن الخمور خمر يقال له: "الإسفنط". وهو المطيب من عصير العنب.

стр. 2731

وقيل هي خمر فيها أفاويه، أو أعلى الخمر وصفوتها. وذكر أن اللفظة "رومية". قال الأعشى: وكان الخمر العتيق من الإ ... سفنط ممزوجة بماء زلال باكرتها الأغراب في سنة النو ... م فتجري خلال شوك السيال١ واستعمل الجاهليون أواني الشرب المصنوعة من الزجاج والبلور ومن الذهب والفضة، واستعملوا أواني أخرى تتناسب مع منزلة الشارب ومكانته. وقد كان ملوك الحيرة وملوك الغساسنة يشربون بالآنية الغالية، وبعضها منقوش. وكذلك تفنن أغنياء مكة في الشرب، فاستعمل عبد الله بن جدعان الأواني المصنوعة من الذهب في شربه، حتى ضرب به المثل، فقيل: "أقرى من حاسي الذهب"، وعرف ب "حاسي الذهب". وشرب غيره من أصحاب الثراء بأواني غالية استوردوها من الخارج، على حين كان أكثر سكان مكة فقراء لا يملكون شيئًا. ولهذا ورد في الحديث النهي عن الشرب بآنية الذهب والفضة٢. وقد ذكر أن النابغة الذبياني، وهو من شعراء الجاهلية الكبار، كان لا يأكل ويشرب إلا في آنية الذهب والفضة، من عطايا النعمان وأبيه وجده، ولا يستعمل غير ذلك٣. وحرم قوم من الجاهليين الخمر على أنفسهم، وأكثرهم ممن يسمون الأحناف، ومنهم من كان يشربها ويقبل عليها، ولكنه وجد نفسه وقد قم بأعمال لم يرتضها، جعلته يشعر بالخجل منها، فتركها وحرمها على نفسه. ويذكر أهل الأخبار أن أول من حرمها على نفسه وامتنع منها في الجاهلية، هو "الوليد بن المغيرة". وهو رجل ينسب إليه أهل الأخبار جملة أمور، منها أنه أول من خلع نعيه لدخول الكعبة في الجاهلية، فخلع الناس نعالهم في الإسلام، وأول من قضى بالقسامة في الجاهلية فأقرها الإسلام وأول من قطع في السرقة في الجاهلية، فأقرها

стр. 2732

الإسلام. ويذكرون أن الجاهليين كانوا يقولون: "لا وثَوْبي الوليد، الخلق منهما والجديد"١. وممن ترك الخمر في الجاهلية "عبد الله بن جدعان"، وسبب تركه لها أنه شرب مع أمية بن أبي الصلت الثقفي، فلطم وجه "أمية" بعد أن ثمل، فأصبحت عينه مخضرَّة فخاف عليها الذهاب، فسأله عبد الله: ما بال عينك؟ فقال: أنت أصبتها البارحة. قال: وبلغ مني الشراب ما أبلغ معه من جليسي هذا المبلغ، فأعطاه عشرة آلاف درهم، وقال: الخمر علي حرام، لا أذوقها أبدًا٢. وذكر أيضًا أنه سكر فجعل يساور القمر. فلما أصبح أخبر بذلك، فحرمها٣. إلى غير ذلك من قصص. وممن حرمها في الجاهلية، قيس بن عاصم المنقري، وعامر بن الظرب العدواني، وصفوان بن أمية بن محرث الكناني، وعفيف بن معد يكرب الكندي، والأسلوم بن اليامي من همدان، ومقيس بن عدي السهمي، والعباس بن مرداس السلمي، وسعيد بن ربيعة بن عبد شمس، وورقة بن نوفل، والوليد بن المغيرة، وأبوه أمية بن المغيرة، والحارث بن عبيد المخزومي، وزيد بن عمر بن نفيل، وعامر بن جذيم الجمحي، وأبو ذر الغفاري، ويزيد بن جعونة الليثي، وأبو واقد الحارث بن عوف الكناني، وعمرو بن عَبَسَة، وقس بن ساعدة الإيادي، وعبيد بن الأبرص، وزهير بن أبي سُلمى المزني، والنابغتان الذبياني والجعدي، وحنظلة الراهب بن أبي عامر، وقبيصة بن إياس الطائي، وإياس بن قبيصة بن أبي غفر، وحاتم الطائي، و "سويد بن عدي بن عمرو بن سلسلة الطائي"٤. وذكر أن ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية: "بشير الثقفي". وكان نذر في الجاهلية ألا يأكل الجزور ولايشرب الخمر٥.

стр. 2733

وروي أن "عفيف بن معد يكرب الكندي"، عم الأشعث بن قيس، كان قد طلق الخمر وحرمها على نفسه وحرَّم معها القمار والزنا، والثلاثة من أهم وسائل التلهي والتمتع بالحياة عند الجاهليين١. وكان قيس بن عاصم يأتيه في الجاهلية تاجر خمر فيبتاع منه ولا يزال الخمار في جواره حتى ينفد ما عنده. فشرب قيس ذات يوم فسكر سكرًا قبيحًا، فجذب ابنته وتناول ثوبها، ورأى القمر فتكلم بشيء ثم نهب ماله ومال الخمار. فلما صحا أخبرته ابنته بما صنع وما قال فآلى لا يذوق الخمر٢. وبعض هؤلاء هم من الحنفاء، وبعضهم من السادة الأشراف الذين لم يتذوقوها، أو أنهم تعاطوها ثم رأوا ضررها فتركوها وحرموها على أنفسهم. ويظهر أن بعضهم قد حرمها على نفسه وعلى آله أيضًا، فذكر مثلا أن الوليد بن المغيرة ضرب فيها ابنه هشامًا على شربها، ولعل منهم من كان يستعمل الحد، وهو الجزاء الذي قرره الإسلام على شاربي الخمر. وقد أشار أهل الأخبار إلى وقوع حوادث لأكثر من ذكرتهم دفعت بهم إلى تحريم الخمر على أنفسهم، كالذي ذكرته من أمر عبد الله بن جدعان، وكالذي أشار إليه أهل الأخبار من تحرش بعضهم بمحارمهم تحرشًا لا يفعله إنسان سوي، أو تخليطهم أثناء سكرهم وقيامهم بأعمال مضحكة صيرتهم سخرية للحاضرين، فلما صحوا وسمعوا بما فعلا ندموا على ما بدا منهم، وقرروا اجتنابها وتحريمها على أنفسهم منذ ذلك اليوم٣. وكان الجاهليون يشتدون على النساء في شرب الخمر حتى لم يحفظ أن امرأة سكرت٤.

стр. 2734

المخدرات: لم أعثر على نص جاهلي جاء فيه ذكر لاستعمال الجاهلية للمخدرات، ولم

стр. 2735

أعثر في أخبار أهل الأخبار على خبر يفيد تعاطي الجاهليين لها. ولكن هذا لا يعني نفي معرفة عرب الجاهلية بالمخدرات، ويظهر أن إفراطهم في تناول الخمور ووجود الخمور الرخيصة لديهم، وتحضيرهم لها بطرق بدائية رخيصة، وتخدرهم بنا، كانت من الأمور التي صرفتهم عن استعمال المخدرات الأخرى التي ربما زاد ثمنها على ثمن الخمر.
следующие страницы →