← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

وقيل هي خمر فيها أفاويه، أو أعلى الخمر وصفوتها. وذكر أن اللفظة "رومية". قال الأعشى: وكان الخمر العتيق من الإ ... سفنط ممزوجة بماء زلال باكرتها الأغراب في سنة النو ... م فتجري خلال شوك السيال١ واستعمل الجاهليون أواني الشرب المصنوعة من الزجاج والبلور ومن الذهب والفضة، واستعملوا أواني أخرى تتناسب مع منزلة الشارب ومكانته. وقد كان ملوك الحيرة وملوك الغساسنة يشربون بالآنية الغالية، وبعضها منقوش. وكذلك تفنن أغنياء مكة في الشرب، فاستعمل عبد الله بن جدعان الأواني المصنوعة من الذهب في شربه، حتى ضرب به المثل، فقيل: "أقرى من حاسي الذهب"، وعرف ب "حاسي الذهب". وشرب غيره من أصحاب الثراء بأواني غالية استوردوها من الخارج، على حين كان أكثر سكان مكة فقراء لا يملكون شيئًا. ولهذا ورد في الحديث النهي عن الشرب بآنية الذهب والفضة٢. وقد ذكر أن النابغة الذبياني، وهو من شعراء الجاهلية الكبار، كان لا يأكل ويشرب إلا في آنية الذهب والفضة، من عطايا النعمان وأبيه وجده، ولا يستعمل غير ذلك٣. وحرم قوم من الجاهليين الخمر على أنفسهم، وأكثرهم ممن يسمون الأحناف، ومنهم من كان يشربها ويقبل عليها، ولكنه وجد نفسه وقد قم بأعمال لم يرتضها، جعلته يشعر بالخجل منها، فتركها وحرمها على نفسه. ويذكر أهل الأخبار أن أول من حرمها على نفسه وامتنع منها في الجاهلية، هو "الوليد بن المغيرة". وهو رجل ينسب إليه أهل الأخبار جملة أمور، منها أنه أول من خلع نعيه لدخول الكعبة في الجاهلية، فخلع الناس نعالهم في الإسلام، وأول من قضى بالقسامة في الجاهلية فأقرها الإسلام وأول من قطع في السرقة في الجاهلية، فأقرها

стр. 2732

الإسلام. ويذكرون أن الجاهليين كانوا يقولون: "لا وثَوْبي الوليد، الخلق منهما والجديد"١. وممن ترك الخمر في الجاهلية "عبد الله بن جدعان"، وسبب تركه لها أنه شرب مع أمية بن أبي الصلت الثقفي، فلطم وجه "أمية" بعد أن ثمل، فأصبحت عينه مخضرَّة فخاف عليها الذهاب، فسأله عبد الله: ما بال عينك؟ فقال: أنت أصبتها البارحة. قال: وبلغ مني الشراب ما أبلغ معه من جليسي هذا المبلغ، فأعطاه عشرة آلاف درهم، وقال: الخمر علي حرام، لا أذوقها أبدًا٢. وذكر أيضًا أنه سكر فجعل يساور القمر. فلما أصبح أخبر بذلك، فحرمها٣. إلى غير ذلك من قصص. وممن حرمها في الجاهلية، قيس بن عاصم المنقري، وعامر بن الظرب العدواني، وصفوان بن أمية بن محرث الكناني، وعفيف بن معد يكرب الكندي، والأسلوم بن اليامي من همدان، ومقيس بن عدي السهمي، والعباس بن مرداس السلمي، وسعيد بن ربيعة بن عبد شمس، وورقة بن نوفل، والوليد بن المغيرة، وأبوه أمية بن المغيرة، والحارث بن عبيد المخزومي، وزيد بن عمر بن نفيل، وعامر بن جذيم الجمحي، وأبو ذر الغفاري، ويزيد بن جعونة الليثي، وأبو واقد الحارث بن عوف الكناني، وعمرو بن عَبَسَة، وقس بن ساعدة الإيادي، وعبيد بن الأبرص، وزهير بن أبي سُلمى المزني، والنابغتان الذبياني والجعدي، وحنظلة الراهب بن أبي عامر، وقبيصة بن إياس الطائي، وإياس بن قبيصة بن أبي غفر، وحاتم الطائي، و "سويد بن عدي بن عمرو بن سلسلة الطائي"٤. وذكر أن ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية: "بشير الثقفي". وكان نذر في الجاهلية ألا يأكل الجزور ولايشرب الخمر٥.

стр. 2733

وروي أن "عفيف بن معد يكرب الكندي"، عم الأشعث بن قيس، كان قد طلق الخمر وحرمها على نفسه وحرَّم معها القمار والزنا، والثلاثة من أهم وسائل التلهي والتمتع بالحياة عند الجاهليين١. وكان قيس بن عاصم يأتيه في الجاهلية تاجر خمر فيبتاع منه ولا يزال الخمار في جواره حتى ينفد ما عنده. فشرب قيس ذات يوم فسكر سكرًا قبيحًا، فجذب ابنته وتناول ثوبها، ورأى القمر فتكلم بشيء ثم نهب ماله ومال الخمار. فلما صحا أخبرته ابنته بما صنع وما قال فآلى لا يذوق الخمر٢. وبعض هؤلاء هم من الحنفاء، وبعضهم من السادة الأشراف الذين لم يتذوقوها، أو أنهم تعاطوها ثم رأوا ضررها فتركوها وحرموها على أنفسهم. ويظهر أن بعضهم قد حرمها على نفسه وعلى آله أيضًا، فذكر مثلا أن الوليد بن المغيرة ضرب فيها ابنه هشامًا على شربها، ولعل منهم من كان يستعمل الحد، وهو الجزاء الذي قرره الإسلام على شاربي الخمر. وقد أشار أهل الأخبار إلى وقوع حوادث لأكثر من ذكرتهم دفعت بهم إلى تحريم الخمر على أنفسهم، كالذي ذكرته من أمر عبد الله بن جدعان، وكالذي أشار إليه أهل الأخبار من تحرش بعضهم بمحارمهم تحرشًا لا يفعله إنسان سوي، أو تخليطهم أثناء سكرهم وقيامهم بأعمال مضحكة صيرتهم سخرية للحاضرين، فلما صحوا وسمعوا بما فعلا ندموا على ما بدا منهم، وقرروا اجتنابها وتحريمها على أنفسهم منذ ذلك اليوم٣. وكان الجاهليون يشتدون على النساء في شرب الخمر حتى لم يحفظ أن امرأة سكرت٤.

стр. 2734

المخدرات: لم أعثر على نص جاهلي جاء فيه ذكر لاستعمال الجاهلية للمخدرات، ولم

стр. 2735

أعثر في أخبار أهل الأخبار على خبر يفيد تعاطي الجاهليين لها. ولكن هذا لا يعني نفي معرفة عرب الجاهلية بالمخدرات، ويظهر أن إفراطهم في تناول الخمور ووجود الخمور الرخيصة لديهم، وتحضيرهم لها بطرق بدائية رخيصة، وتخدرهم بنا، كانت من الأمور التي صرفتهم عن استعمال المخدرات الأخرى التي ربما زاد ثمنها على ثمن الخمر.

стр. 2736

الانتحار بشرب الخمر: وقد قتل بعض الجاهليين أنفسهم بشرب الخمر صرفًا، ذكر "السكري" منهم "عمرو بن كلثوم الثعلبي". وكانت الملوك تبعث إليه بحبائه وهو في منزله من غير أن يفد إليها. فلما ساد ابنه الأسود بن عمرو، بعث إليه بعض الملوك بحبائه كما بعث إلى أبيه، فغضب "عمرو" وقالك "ساواني بولدي"، وحلف لا يذوق دسمًا حتى يموت، وجعل يشرب الخمر صرفًا على غير طعام، فلم يزل يشرب حتى مات١. وأهلك "البرح بن مسهر الطائي" نفسه بشرب الخمر الصرف كذلك، في قصة ذكرها "السكري"٢. و"زهير بن جناب بن هبل"، هو ممن أتلف نفسه بشرب الخمر أيضًا، لمّا خالفه ابن أخيه عبد الله بن عليم بن جناب، فانزعج من ذلك وغضب، وأمات نفسه بشرب الخمر. ذكر أنه قال في ابن أخيه: "عدو الرجل ابن أخيه، غير أنه لا يدع قاتل عمه"٣. وذكر أن "أبا براء بن مالك بن جعفر"، قتل نفسه بشرب الخمر أيضًا انتحر لمخالفة قومه أمره. فدعا قَيْنَتَيْن له، فشرب، وغنتاه، ثم دعا بالشاعر "لبيد"، وطلب منه أن يقول ما يقول فيه من المراثي، فلما أثقله الشراب، اتكأ على سيفه حتى مات٤.

стр. 2737

الاغتيال: الغيلة: هي الخديعة وإيصال الشر إلى إنسان من حيث لا يعلم ولا يشعر١. وقد كان معروفًا بين الجاهليين، شجع على ظهوره وانتشاره بينهم عرف الأخذ بالثأر، والتنافس الذي كان بينهم على الرئاسة والوجاهة، وقواعد مجتمع ذلك الوقت التي كانت تقيم وزنًا كبيرًا للكلمة، وللمدح والهجاء، ولتقديم شخص على شخص في الجلوس في المجالس، فكانت هذه الأمور وأمثالها تدفع من يتعرض لها على الانتقام ممن أهانه والتربص به وتتبع آثاره حتى يتمكن من قتله أو اغتياله. وقد اتبع المغتالون أساليب شتى في الاغتيال. منها الطعن بالرمح أو الخنجر أو بالسكين، ومنها الذبح، والخنق، ومنها اللجوء إلى الحيلة بدس السم في الشراب أو الطعام، إلى غير ذلك من أسباب الغيلة. والغيلة غير الفتك. ذكر أن الفتك أن يقتل الرجل الرجل مجاهرة. وهو أن يأتي الرجل صاحبه وهو غار غافل حتى يشد عليه فيقتله، وإن لم يكن أعطاه أمانا قبل ذلك، ولكن ينبغي له أن يعلمه ذلك. قال المخبل السعدي: إذ فتك النعمان بالناس محرما ... فمن ليَ من عوف بن كعب سلاسله وكان النعمان بعث إلى "بني عوف بن كعب" جيشًا في الشهر الحرام، وهم آمنون غارون فقتل فيهم وسبا٢. ولمحمد بن حبيب السكري، كتاب ذكر فيه أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام، وأسماء من قتل من الشعراء٣. بدأ فيه ب "جذيمة الأبرش"

стр. 2738

الذي غدرت به "الزباء" ملكة "تدمر"، فأجلسته على نطع، وسقته الخمر، ثم أمرت بقطع رواهشه، حتى مات. ثم ثنى ب "حسان بن تبع"، فزعم أن أخاه قتله غيلة وهو نائم على فراشه، طمعًا في ملكه، ثم تكلم عن "عمليق" ملك طسم، وكانت منازلهم "عذرة" في موضع اليمامة١. وذكر في جملة من ذكرهم اسم "عمرو بن مسعود" و "خالد بن نضلة" من بني "أسد". وكانت أسد وغطفان حلفاء لا يدينون ويغيرون عليهم، فوفدا سنة من السنين ومعهما "سيرة بن عمير الفقعسي" الشاعر، على "المنذر" الأكبر اللخمي، فكلمهما في أمر دخولهما في طاعته والذب عنه كما ذبت "تميم" و "ربيعة"، فعلم أنهم لا يدينون له. فقرر الكيد بهما، فأومأ إلى الساقي فسقاهما سمًا، فماتا، ثم ندم على ما فعل، فأمر فحفر لهما قبران ودفنا فيهما، وبنى عليهما منارتين، وهما "الغريان" وعقر على كل قبر خمسين فرسًا وخمسين بعيرًا، وغراهما بدمائهما، وجعل يوم نادمهما يوم نعيم، ويوم دفنهما يوم بؤس٢. وقد كان خنق الأشخاص في جملة وسائل الاغتيال والتخلص من الأعداء، وقد ذكر أن الملك "النعمان بن المنذر"، أمر بخنق "عدي بن زيد العبادي"، فمات منه. ويكون الخنق بالضغط الشديد على الرقبة باليد، وباستعمال الحبل أو قطع القماش. ويقال للحبل الذي يخنق به "الخناق"٣. وذكر أن "الحكم بن الطفيل"، لما انهزم في نفر من أصحابه يوم "الرقم" "حتى انتهوا إلى ماء يقال له المرورات، فقطع العطش أعناقهم فماتوا، وخنق ابن الطفيل نفسه مخافة المثلة، فقال في ذلك عروة بن الورد: عجبت لهم إذ يخنقون نفوسهم ... ومقتلهم تحت الوغى كان أعذرا٤

стр. 2739

الصيد: والصيد في جزيرة العرب رغبة وحاجة. رغبة للملوك والرؤساء والأثرياء للأنس

стр. 2740

والترويح عن النفس، وحاجة عند السواد وهم فقراء في الغالب لا يملكون شيئا، فلحم الصيد نعمة كبرى لهم وغذاء طيب لا يصل إليهم دائمًا. أما اصطياد الرؤساء والأثرياء فبالاستعانة بالصقور في الغالب، حتى إذا قيل كنا نتصقر، انصرف الذهن في الحال إلى الصيد، لاستعمال الطيور في الصيد، حيث تدرب تدريبًا خاصًّا وتعلم تعليمًا متقنًا، فإذا رأت الحيوان انقضت عليه، فلا تتركه يستطيع الحركة والهرب إلى أن يصل الصياد إلى الفريسة المسكينة. ويدعى قيم الصقور ومعلمها "الصقار". وتستعمل كلاب الصيد كذلك، وهي كلاب سريعة مدربة تدريبًا خاصًّا، فإذا رأت الصقر فوق الفريسة عدت خلفها لتساعد الصقر في القبض على الحيوان فلا يهرب ويولي. ومنها ما تفتش عن مواضع اختفاء الحيوانات، فإذا شعرت بوجود حيوان في كهف أو مغارة تدخل إليها أو تقوم بحركات تضطره إلى الخروج فيصطاده الصياد. وقد تستعمل الخيل كذلك. وهي لم تكن كثيرة في الجاهلية، ولا يملكها إلا المتمكنون. وقد ذكر الصيد في آيات القرآن الكريم، مما يدل على أهميته ومكانته في حياة العرب يومئذ. ويقال للصياد القانص كذلك. وأما استثارة الصيد وإخراجه، فيعبر عن ذلك بلفظة "النُّجش"، والمنجاش والنجاش هو المثير للصيد. ويقال: هَبِض الكلب إذا حرص على الصيد وقلق نحوه، ويقال أيضًا: غرَّبت الكلاب، إذا امعنت في طلب الصيد. وكانت العرب تعيش في الغالب بلحوم الصيد، وكانت خيلهم تسهل عليهم نيل صيدهم، وتعينهم على الوصول إلى غايتهم. فكانت عندهم من أعز الأموال وأثمن الأشياء يُعتنى بها اعتناء الرجل بنفسه، ولولاها حرم من لذة أكل اللحوم. وكانت إذا أغارتها على صيد، خضبوا نحر السابق بدم ما يمسكونه من الصيد، علامة على كونه السبّاق الذي لا يدرك في الغارات١. ولأهل الجاهلية عناية خاصة ب"الصقور". يربونها تربية خاصة. وذكر علماء اللغة أن كل شيء يصيد من البزاة والشواهين، صقر. وقد أشير إلى صيد "الصقور" في الحديث٢.

стр. 2741

وقد استعانوا بالكلاب السريعة الجري في الصيد كذلك. وقد عنوا بتربية أنواع ذكية سريعة الجري منها لمطاردة الفريسة، إذا أدركتها نهشتها أو قبضت عليها، فيأتي الصياد، فيأخذها منها. ويتحايل الصيادون في الاصطياد، فيحفرون حفيرة تلجف من جوانبها، أي يجعل لها نواحي، وتعرف عندهم بالقرموص، وذلك للتمويه على الحيوان. وقد يتخذ الصياد أو أي شخص آخر موضعا فوق أطراف الشجر والنخل خوفًا من الأسد، فيقال لذلك "العرزال". وأما "الزُّبية" فحفرة تحتفر للأسد، وكذلك "الزونة"، و "القُترة" حفرة يحتفرها الصائد يكمن فيها حتى لا يشعر به الصيد. وقد يدخن الصائد في قترته لكيلا تجد الوحش ريحه، ويقال لذلك "المدمر". و "الروق" موضع الصائد، و "الدجية"، قترة الصائد. وهناك ألفاظ أخرى من هذا القبيل يراد بها الحفر التي يستتر بها الصيادون في الصيد. ويستخدم الصيادون جملة أدوات في الاصطياد، منها آلة تسمى "الجرة"، وهي خشبة نحو الذراع يجعل في رأسها كفة وفي وسطها حبل، فإذا نشب فيها الظبي ناوصها واضطرب، فإذا غلبته استقر فيها. و "الحبالة" الحبل الذي يصاد به. و "الأحبول" حبالة الصائد. وأما "الشرك" فحبائل الصائد والواحدة "شركة" و "المصلاة" شرك ينصب للصيد، و "الكصيصة" حبالة الظبي التي يصاد بها وهناك آلة تشبه المنجل تشد بحبالة الصائد ليختطف به الظبي يقال لها "الخاطوف". وأما "الرداعة" فمثل البيت تجعل فيه لحمة يصيد الصياد به الضبع والذئب. ويتخذ الصيادون بيتًا يبنونه من حجارة، ثم يجعلون على بابه حجرًا يقال له السهم. والملسن يكون على الباب، ويجعلون لحمة السبع في مؤخرة البيت فإذا دخل السبع لتناول اللحمة، سقط الحجر على الباب فسدها، وبذلك يحبس، فلا يستطيع الخروج. ويقال لذلك البيت "الرواحة". وأما "الجريئة"، فإنها بمعنى "الرداعة". ولعرقبة الحمير الوحشية تستعمل آلة خاصة تشبه الهلال يقال لها "هلال الصيد". وتستعمل الشباك في الصيد كذلك. تستعمل في صيد البحر والبر. ويغدف الصياد بالشبكة على الصيد ليأخذه. وأما القصبة التي تصاد بها العصافير، فيقال لها الغاية. والغاية الراية كذلك. وأما "الرامق" و "الرامج" فبمعنى الملواح الذي يصاد به البُزاة والصقور، وهو أن يؤتى ببومة فيشد في رجلها شيء أسود،

стр. 2742

ويخاط عيناها، ويشد في ساقيها خيط طويل، فإذا وقع عليها البازي صاده الصياد من قترته. ويقال إنها لفظة عجمية. وقد تعشى الطيور بالليل بالمنار ليصيدوها، ويعبرون عن ذلك بجملة: قمر القوم الطير. و"المفقاس" عودان يشد طرفاهما بخيط، كالذي في وسط الفخ، ثم يلوى أحدهما، ثم يجعل بينهما شيء يشدهما، ثم يوضع فوقهما الشركة، فإذا أصابها شيء، وثبت، ثم أغلقت الشركة في صيد. والعطوف والعاطوف مصيدة فيها خشبة منعطفة الرأس، والمقلة والقلة عود يجعل في وسطه حبل، ثم يدفن، ويجعل للحبل كفة فيها عيدان، فإذا وطئ الظبي عليها عضت على أطراف أكارعه. وأما الدواحيل فخشبات على رءوسها خرق، كأنها طرّادات قصار، تركز في الأرض لصيد حمر الوحش. وأما البجة، فإنها "الرداحة". وأما "اللبجة"، فإنها حديدة ذات شعب كأنها كف بأصابعه تنفرج، فيوضع في وسطها لحم ثم يشد إلى وتد، فإذا قبض عليها الذئب، التبجت في خطمه، فقبضت عليه، وصرعته. و "النامرة" مصيدة تربط فيها شاة للذئب. وقد يستتر الصياد بحيوان أو غيره ليخفي نفسه عن الصيد، ويقال لذلك "الدريئة"، وبهذا المعنى "الذريعة" و "الرقيبة" و "السيفة"، وإذا استتر الإنسان بالبعير من الصيد فيقال لذلك "المسوق". وفي جزيرة العرب حيوانات وحشية، وقد قتل فيها الأسد الآن. أما في الجاهلية، فقد كان معروفًا في مواضع عديدة عرفت عندهم بالمآسد، جمع مأسدة١، وقد كانوا يصطادونه بطريقة إسقاطه في حفر تغطى، فإذا سار عليها الأسد سقط فيها، وبطرق أخرى. وهناك الفهود والنسور والضباع والذئاب، وتكثر القردة في المناطق الجبلية وفي النجود، وهي لا تزال موجودة في نجود الحجاز واليمن والعربية الجنوبية. ويقال لمأوى الأسد في خيسه: "العريس" "والعريسة". ويصعب صيده وهو في مكمنه، وضرب المثل بذلك فقيل: كمبتغي الصيد في عريسة الأسد

стр. 2743

وقال طرفة: كليوث وسط عريس الأجم١ ومن الحيوانات الوحشية المعروفة في جزيرة العرب الحمار الوحشي. ويظهر أن بعض الناس كانوا يأكلونه، بدليل ما ورد في كتب الفقه من النهي عن أكل لحوم الحمر الوحشية. ويذكر علماء اللغة أن الحميريين كانوا يطلقون على الحمار لفظة "العكسوم" و "الكسعوم"٢. ويكثر الظبي في جزيرة العرب، ويطمع فيه الصيادون. وقد كان الجاهليون يلجئون إلى جحوره فيسدون أبوابها ويحفرون من موضع آخر للوصول إليه، كما كانوا يضربون بحجر على الحجر ليفزع الظبي، فإذا فزع تهيأ للقتال، وتهيأ الصياد للقبض عليه، ويتحايل عليه فيقبض عليه من ذيله. وهو ما زال كثيرًا في مواضع عديدة من جزيرة العرب، وقد استعملت السيارة في الزمن الحاضر في صيده وذلك في باب التجديد في الصيد٣. والنعام من الحيوانات المعروفة في جزيرة العرب. وقد ذكر علماء اللغة ألفاظًا كثيرة قالوا إن العرب أطلقوها على النعام، على ذكر النعامة وعلى أنثاها وعلى صغار النعام. ومنها "الجعول" ويراد بها ولد النعام، وهي يمانية. وكذلك لأصوات النعام وجماعاتها٤. وورود هذه الألفاظ دليل على كثرة النعام في جزيرة العرب ووقوف العرب عليها. وأما أهل السواحل، فقد اضطرتهم طبيعة بلادهم على الاصطياد في البحر، على اصطياد سمكه، للاعتياش عليه ولبيع الفائض منه. أو لتجفيف الزائد منه لأكله وقت الحاجة أو لتقديمه علفًا لحيواناتهم. وقد اشتهر سكان الخليج في الجاهلية أيضًا بالغوص لاستخراج اللؤلؤ من الصدف الكامن على قاع البحر. وقد كان يؤتيهم ذلك أرباحا طائلة، أما أهل باطن جزيرة العرب والأماكن البعيدة عن السواحل فقد قل علمهم بالسمك، لعدم وجود أنواع منه في البوادي. وعدم إمكان إيصاله طريًّا إليهم. فقلت أسماء أنواعه في لهجاتهم. بينما نجد له أسماء عديدة في لغات أهل السواحل لوجود أنواع عديدة منه في البحار كانوا يصطادونها. فتكون القسم الغالب من اللحم عندهم.

стр. 2744

وذكر علماء اللغة أن "السمك" الحوت من خلق الماء١. وذكر أن الحوت ما عظم من السمك٢. ومن أنواع سمك الحوت: "القرش"٣. وهو من الأسماك العظام. ومن وسائل صيد السمك "العروك"، خشب يلقي في البحر، يركبون عليه، ويلقون شباكهم، يصيدون السمك٤. و "العركي" صياد السمك. ولهذا قيل للملاحين عرك، لأنهم يصيدون السمك. وفي الحديث في كتابه إلى قوم من اليهود: "إن عليكم ربع ما أخرجت نخلكم؛ وربع ما صادت عروككم، وربع المغزل". والعروك هم الذين يصيدون السمك٥. ومن عادة ملوك الحيرة والغساسنة أنهم كانوا يتبدون في المواسم الطيبة من السنة، بعد هطول الأمطار واكتساء البادية بسط الربيع، وتعييد الطيور والماشية بالمناسبة السعيدة. وكانوا يخرجون إلى البوادي للاستمتاع بالمناظر الجميلة وللصيد والقنص، ومن الأماكن التي كان ملوك الحيرة يقصدونها منزل "ماوية"، وهو منزل بين مكة والبصرة٦. ذكر أن الملك "النعمان" كان إذا أراد الاستئناس برؤية حلل الربيع والماء، خرج إلى "النجف" وإلى البادية، فتنصب له ولأصحابه القباب ويمضي أيامًا هناك يتصيد ويستمتع بمنظر الشقائق ذوات الألوان الأخاذة للقلوب، حتى زعم أن "شقائق النعمان" إنما سميت بذلك نسبة إليه. جاء إلى موضع وقد اعتم نبته من أصفر وأحمر وإذا فيه من هذه الشقائق ما راقه ولم ير مثله، فقال: ما أحسن هذه الشقائق! احموها! وكان أول من حماها، فسميت شقائق النعمان بذلك٧. ويظهر من حديث جرى بين يدي "النعمان" أن من العرب من كان يذم الصياد، ويفضل صاحب الإبل عليه. فقد روي أن "معاوية بن شكل" ذمَّ

стр. 2745

"حجل بن نضلة" بين يدي النعمان، إذ قال فيه: "إنه مقبل النعلين، منتفخ الساقين، قعو الإليتين مشاء بأقراء، قتال ظباء، بياع إماء". فقال له النعمان: "أردت أن تذمه، فمدحته"، وصفه بأنه صاحب صيد لا صاحب إبل١. ولعله قصد بذلك أنه كان صيادًا محترفًا، اتخذ الصيد حرفة له. فقد كان بين الصيادين قوم اتخذوا الصيد لهم حرفة. فإذا اصطادوا باعوا صيدهم، ولم يستفد منه، فهو مثل الجزار، الذي يبيع اللحم ولا يطعم أهله منه، ولذلك نظروا إليه نظرة استصغار.

стр. 2746

سباق الخيل: والتسابق على ظهور الخيل رياضة الأثرياء والفرسان القديمة. وهي لا تزال معروفة، وإن كانت قد أخذت تلفظ أنفاسها بسب إقبال الأثرياء على ركوب السيارات الفخمة التي لفتت أنظارهم وجرتهم إليها، فلم يبق من يمارس تلك الرياضة إلا أولئك الذي لم تصل السيارات إليهم بكثرة، لوعورة الطرق وإمعانهم في البوادي وابتعادهم عن المواطن التي أخذت تغزوها منتجات الغرب. ويذكر أهل الأخبار أن أول من ركب الخيل "إسماعيل"، ولذلك سميت ب "العراب"، وكانت قبل ذلك وحشية كسائر الوحوش. خرج إلى موضع "أجياد"، فنادى بالخيل، فلم يبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا أجابته فأمكنته من نواصيها وتذللت له. ولذلك قال النبي: "اركبوا الخيل فإنها ميراث أبيكم إسماعيل"١. وراهن أهل الجاهلية على الخيل، فكانوا يخرجون إلى السباق ويقال: مجتمع الناس للرهان، ثم يتراهنون هنالك على الخيل المتجمعة و "السابق" من الخيل، وهو الأول، هو الذي يأخذ الجائزة الأولى، ويتلوه "المصلَّي" وهو الفائز الثاني٢. و "الحلبة" الدفعة من الخيل في الرهان خاصة، وقيل: خيل تتجمع

стр. 2747

للسياق من كل أوب١. ومجمع الخيل. ويقال للحبل الذي يمد في صدر الخيل عند الإرسال الحلب. والمنصبة الخيل حين تنصب للإرسال. ويقال للسابق من الخيل: الأول، والمصلي الثاني الذي يتلوه. وما سوى ذينك يقال له الثالث والرابع وكذلك إلى التاسع ثم السكيت. فما جاء بهد ذلك لا يعتد به. والغسكل الذي يجيء آخر الخيل. وذكر: أن: أسماء خيل الحلبة عشرة لأنهم كانوا يرسلونها عشرة عشرة، وسمي كل واحد منا باسم. فالأول منها السابق. وهو المجلي لأنه كان يجلي عن صاحبه، والثاني المصلي لأنه يضع جحفلته على صلا السابق، والثالث المسلي، والرابع والخامس المرتاح، والسادس العاطف، والسابع المؤمل، والثامن الحظي، والتاسع اللطيم، والعاشر السكيت، والغسكل الذي يجيء آخر الخيل في الحلبة. ويقال للحبل الذي يجعل في صدور الخيل يوم الرهان المقبض والمقوس. وقيل في أسماء خيل الحلبة أن أولها المجلي ثم المصلي ثم المسلي ثم العاطف ثم المرتاح ثم الحظي ثم المؤمل. هذه السبعة لها حظوظ، ثم التي لا حظوظ لها. اللطيم، ثم الوغد، ثم السكيت٢. وكانوا يضعون عند نهاية الحد الذي يقررونه للسباق قصبة فمن يصل إليها قبل غيره من المتسابقين، يعد السابق لقصبة السبق، ويكون قد أحرز القصب لأن الغاية التي يسبق إليها تذرع بالقصب. وتركز تلك القصبة عند منتهى الغاية، فمن سبق إليها حازها واستحق الخطر٣. و"الخطر" الذي يوضع بين أهل السباق، وقيل الذي يوضع في النضال والرهان في الخيل فمن سبق أخذه. والسابق إذا تناول القصبة، علم أنه قد أحرز الخطر٤. وكانوا يقلدون السابق من الخيل؛ ولا يقلد من الخيل إلا سابق كريم. ويقولون للسابق من الخيل: المقلد٥.

стр. 2748

وقد سابق الرسول بين الخيل التي قد ضمرت من موضع "الخفياء" إلى "ثنية الوداع" والمسافة بين الموضعين خمسة أميال أو ستة، وقيل ستة أميال أو سبعة. وسابق بين الخيل التي لم تضمر من "الثنية" إلى مسجد "بني زريق" والمسافة ميل أو نحوه. وسابق بين الخيل على حلل أتته من اليمن، فأعطى السابق ثلاث حلل والمصلي حلتين، والثالث حلة، والرابع دينارًا، والخامس درهمًا، والسادس قصبة. وقد ساهمت خيله في السباق. وراهن رسول الله على الخيل، وذكر أن أول مسابقة كانت في الإسلام سنة ست من الهجرة. سابق رسول الله بين الخيل، فسبق فرس أبي بكر فأخذ السبق. والمسابقة مما كان في الجاهلية، فأقرها الإسلام١. وفي الحديث: أحاديث عن الرسول في السبق، منها: " لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر "، فالخف للإبل، والحافر للخيل، والنصال للرمي٢ وبقية الأحاديث في كتب الحديث والفقه. ولم يقتصر السباق عند الجاهليين على السباق بين الخيل، بل سابقوا بين الإبل، وجعلوا للسباق خطرًا، كما سابقوا بين الكلاب والحمير والحيوانات الأخرى. ومن سباق أهل الجاهلية والإسلام، السبق بالنصل، أي المراماة بالسهم. وذلك بأن يوضع خطر، ويذكر عدد الرمي والهدف، فمن أصاب الهدف أكثر من غيره نال السبق. وقد عرف نفر من الجاهليين بإصابتهم الهدف، وبقوة رميهم، وجعلوا لقوة الرمي وشدته أو لرخاوته ولمكان من إصابته الهدف درجات هي: الخاضل، والخازق والخاسق، والحابي، والمارق، والخارم، والمزدلف. والخاضل الذي يقرع الشن ولا يخدشه، والخازق الذي يخدشه ولا يثقبه، والخاسق الذي يثقبه ويثبت فيه، والحابي أن يدني الرامي يده من الأرض فيرميه فيمر على وجه الأرض فيصيب الهدف، والمارق الذي يمرق الشن

стр. 2749

أي يثقبه وينفذ فيه، والخارم الذي خرم طرف الشن أي يقطعه، والمزدلف الذي يسقط بقرب الغرض ثم يشتن فيصيب الهدف١. وفي السباق: المناضلة، وهي المباراة في الرمي: والنضيل هو الذي يرامي ويسابق. والمناضلة المفاخرة والتسابق الأشعار٢. وتكون المباراة في الرمي بثلاثة أنواع: مبادرة، ومحاطة، ومناضلة. فالمبادرة أن يشترطا إصابة عشرة من عشرين، فيبتدر أحدهما إلى العشرة فينضل صاحبه، والمحاطة أن يقولا نرمي عشرين رشقًا على أن من فضل صاحبه بخمس إصابات فقد نضله، فإذا اشترطا ذلك، ورمى كل واحد مهما عشرين رشقًا وأصابا إصابات نظر إن استويا في الإصابة لم يحصل النصل، وأن تفاوتا في الإصابة حط الأقل أو الأكثر، فإن بقي لصاحب الأكثر الخمس المشروطة فقد نضل صاحبه، وإن بقي له أقل من الخمس المشروطة لم يحصل النضل. والناضلة أن يشترطا عشرة من عشرين على أن يستوفيا جميعًا، فيرميان معًا جميع ذلك، فإن أصاب كل واحد منهما عشرة أوفوقها أو دونها لم يحصل النضل، وإن أصاب واحد منهما دون العشرة والآخر عشرة فما فوقها، فقد نضل صاحبه٣. وللعرب عناية خاصة بالخيل، وما زالوا يعتنون بها إلى اليوم، حتى لقد حفظوا أنسابها حفظهم لأنساب الناس، وألفوا الكتب فيها. ونجد في كتب الأدب واللغة أسماء خيل اشتهرت في الجاهلية. وذكر "ابن النديم" في كتابه "الفهرست" أسماء كتب ألفت في الخيل، ذهب أكثرها، وبقي بعض منها. ونجد في "تاج العروس" أسماء خيل اشتهر أمرها في الجاهلية ذكرت في مواضع متناثرة من أجزاء الكتاب٤. وذكر معها أسماء أصحابها، كما أشار إلى مؤلفات رجع إليها في هذا الموضوع مثل كتاب الخيل لابن الكلبي٥، وقد طبع،

стр. 2750

وكتاب الخيل لأبي عبيدة وقد طبع كذلك، ومؤلفات أخرى لم تطبع حتى الآن١.

стр. 2751

ولائم العرب: الوليمة كل طعام يصنع لعرس وغيره ويدعى إليه. وأما الدعوة: فهي أعم من الوليمة، وأما المأدبة، فكل طعام صنع لدعوة أو عرس. والآدب الداعي إلى الطعام١. وولائم العرب ست عشرة وليمة. هي: وليمة العرس، وهي ما يصنع للدخول بالزوجة، و "الملاك" "الأملاك" وهي ما يصنع للخطبة، و "الخُرس" وهي طعام يصنع للنفساء لسلامة المرأة من الطلق، وقيل: هي طعام الولادة. و "العقيقة" وهي ما يصنع للطفل بعد ولادته وتختص باليوم السابع، و "الأعذار" وهي ما يصنع للختان، و "الشندخ" وهي أيضًا طعام الأملاك، و "الوكيرة" وهي ما يصنع للبناء يعني للسكن المتجدد، و "التحفة" هي ما يصنع للزائر، و "الشندخ" وهي طعام الأملاك كما ذكرت، وما يصنع عند وجود الضالة، و "النقيعة" وهي ما يصنع للقدوم من السفر، وقيل: النقيعة التي يصنعها القادم والتي تصنع له تسمى "التحفة"، و "القرى" وهي ما يصنع للضيف، و "الوضيمة" وهي ما يصنع للميت، أي لأهل المصيبة. ويقال للدعوة التي تعم دعوتها "الجَفلى"، وأما "النقرى" فهي التي تخص دعوتها. قال طرفة: نحن في المشتاة ندعو الجفلى ... لا ترى الآدب فينا ينتقر

стр. 2752

يفتخر بقومه وأنهم إذا صنعوا مأدبة دعوا عمومًا لا خصوصًا، وخص أيام الشتاء لأنها أيام الشدة والضيق١. ويقال للطعام المستعجل، وهو الذي يقدم للراكب: "العُجل" و "العجيل"، وهو من السويق والتمر في الغالب. وإذا أكرم رجل رجلا آخر بتقديم "اللبن" إليه، قيل لذلك الكرم "القفي"، ويقال لما يرفع للإنسان من المرق "العفارة". وهنالك أسماء تجدها في كتب اللغة لأنواع المأكول والأطعمة٢.

стр. 2753

فهرس: الجُزْءُ الثَّامِن الفصل السادس والأربعون أنساب القبائل ٥ الفصل السابع والأربعون القبائل العدنانية ٥٨ الفصل الثامن والأربعون الناس منازل ودرجات ١٣٢ الفصل التاسع والأربعون الحياة اليومية ١٩٧ الفهرست ٢٧٩

стр. 2754

فهرس: الجُزْءُ الثَّامِن الفصل السادس والأربعون أنساب القبائل ٥ الفصل السابع والأربعون القبائل العدنانية ٥٨ الفصل الثامن والأربعون الناس منازل ودرجات ١٣٢ الفصل التاسع والأربعون الحياة اليومية ١٩٧ الفهرست ٢٧٩

стр. 2755

المجلد التاسع الفصل الخمسون: البيوت مدخل ... الفصل الخمسون: البيوت ومساكن العرب متباينة مختلفة. منها: البيوت المتنقلة، ومنها المباني المبنية بالمدر أو الحجر، وهي أبنية أهل الحضر. وهي مختلفة أيضًا في طرازها المعماري وفي سعتها ومادتها ويكون اختلافها باختلاف مكانها وباختلاف مكانة صاحبها، ومنزلته من حيث الغنى والفقر. والبيت لفظة تطلق على الصغير من البيوت وعلى الكبير منها. وقد جعل "ابن الكلبي" بيوت العرب ستة: قبة من أدم، ومظلة من شعر، وخباء من صوف، وبجاد من وبر، وخيمة من شجر، وقنة من حجر، وسوط من شعر، وهو أصغرها. وذكر بعض علماء اللغة أن الخباء بيت صغير من صوف أو شعر، فإذا كان أكبر من الخباء فهو بيت، ثم مظلة إذا كبرت عن البيت. وهي تسمى بيتًا أيضًا إذا كان ضخمًا مزوقًا. وذكر بعض آخر أن الخباء بيت يعمل من وبر أو صوف أو شعر. ويكون على عمودين أو ثلاثة. والبيت يكون على ستة أعمدة إلى تسعة. وذكر أن الخباء هو البيت كيفما كان١. وذكر علماء اللغة أن البناء المبني، ويراد به أيضا البيت الذي يسكنه الأعراب في الصحراء. ومنه الطراف والخباء والبناء والقبة والمضرب٢. والطراف بيت من

стр. 2756

أدم ليس له كفاء، وهو من بيوت الأعراب ذكر في شعر طرفة بن العبد: رأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل هذاك الطراف الممدد١ وقد اشتهر "بنو قيدار" بخيمهم المصنوعة من شعر الماعز. وقد أشير إليها في التوراة. وهم رعاة في الغالب يعيشون على الرعي، ولذا اتخذوا بيوتهم من شعر الماعز، فصارت ذات لون أسود. وقد اشتهروا ببراعتهم في الرمي بالقوس٢. وأصحاب الخيام المصنوعة من شعر الماعز أو من الصوف، هم من الأعراب أصحاب الماشية، الذين يعيشون في مواضع تكثر فيها الأمطار وتكون غير بعيدة عن المدن والقرى ومواضع الماء، ولذلك يعيشون في الغالب على الرعي. وفي سعة الخيمة دلالة على منزلة صاحبها ومكانته وثرائه. ولذلك يفتخر العزيز منهم بسعة بيته، أي خيمته. وقد تقطع الخيمة بقاطع، يقسمها إلى قسمين: قسم للحريم، أي للنساء والسكن، لا يدخله غريب. وقسم يكون للرجال وللضيوف، يجلسون ويأكلون فيه. ويكون ناديًا ومضيفًا يخصص للقادمين ولضيوف صاحب ذلك البيت. ولسيد القبيلة خيمة كبيرة تكون "مضرب القبيلة"، ومقر السيد الرئيس ونادي القوم. يسمر فيها "رب القبيلة"، ويأوي إليها الضيوف٣. وإليها يلتجئ المحتاج ومن به حاجة إلى الإقراء أو أية حاجة أخرى. ويفتخر سيد القبيلة بمضربه هذا، ويتباهى به على أقرانه، وتفتخر قبيلته به أيضا؛ لأنه يرفع رأسها بين القبائل. وورد المضرب: الفسطاط العظيم، وهو فسطاط الملك٤. وتضرب للسادات الأشراف والأغنياء قبب خاصة تكون من الأدم. فكان لرؤساء القبائل أصحاب العز قباب من أدم، كما كان من عادة ملوك الحيرة ضرب قباب من الأدم لأصحاب الجاه وسادات القبائل الكبار الذين يفدون عليهم. وتعتبر هذه القباب من أمارات التعظيم والتفخيم والامتياز والجاه عند الملوك. ولذلك

стр. 2757

يعامل من تضرب له القبة معاملة خاصة. وتعرف قبة الأدم بـ "قبة المبناة" أيضا١. وذكر بعض علماء اللغة أن القبة هي البناء من الأدم خاصة. وذكر بعض آخر أن القبة من الخباء بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب٢. وذكر "الطبري" في كلامه عن غزوة الخندق، أن الرسول أدار المعركة "وهو ضارب عليه قبّة تُرْكِيّة"٣. ولم يشر إلى شكل هذه القبّة ولا إلى سبب تسميتها بذلك. وقد اشتهرت "القباب الحُمْر"المصنوعة من أدم، يأوي إليها أصحاب الجاه واليسار والمشهورون. وقد ذكر أن النابغة الذبياني كان يضرب له بسوق عكاظ قبة حمراء من أدم، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. وكان ممن أنشده "حسان بن ثابت". وقد انتقده النابغة بأدب ولطف٤. وقيل: إن بيت الأدم، قبة الملك، يجتمع فيها كل ضرب، يأكلون الطعام٥. ويذكر أهل الأخبار أن العرب تضرب الأخبية لأنفسها، والمضارب لملوكها، والمضارب إنما ترتبط بالأوتاد٦. وذكر أن الخباء هو ما كان من وبر أو صوف ولا يكون من شعر، وهو على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك فهو بيت. وقيل: الخباء من شعر أو صوف، وهو دون المظلة. وهو من بيوت الأعراب٧. وذكر أن "المظلة" الكبير من الأخبية ذات رواق، وربما كانت شقة وشقتين وثلاثا، وربما كان لها كفاء وهو مؤخرها. قال بعض علماء اللغة: إنها تكون من الشعر، وقال بعض آخر: لا تكون إلا من الثياب٨. و"المضرب" الفسطاط العظيم، وهو فسطاط الملك. وقد استعمل للملوك خاصة، لأصحاب الجاه والعز والمكانة. ولهذا كانوا إذا مدحوا إنسانًا وأرادوا

стр. 2758

الإشادة بمكانته وبمنصبه قالوا: "إنه لكريم المضرب شريف المنصب"، وإذا أرادوا ذَمَّ إنسان، قالوا: "مايعرف له مضرب عسلة"١، و"لا منبض عسلة"، أي: من النسب والمال، يقال ذلك إذا لم يكن له نسب معروف ولا يعرف أعراقه في نسبه٢. ولما كانت المضارب من بيوت الملوك، وأهل الجاه وهم خيار الناس ونخبتهم، صارت المضارب كناية عن الجاه والشرف والمال. و"السرادق"، كل ما أحاط بشيء من حائط أو مضرب أو خباء. وقيل: كل بيت من "كرسف" فهو سرادق٣. وترد اللفظة في الفارسية بمعنى حائط أو حاجز من نسج غليظ حول خيمة٤. وذكر أن "الفسطاط" ضرب من بيوت الشعر. والظاهر أنه البيت الكبير. وورد "الفسطاط العظيم"، وهو "فسطاط الملك"٥. وذكر أن الفسطاط هو مجتمع الناس. وذكر أن الفسطاط ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق وبه سميت المدينة: مدينة الفسطاط٦. ويظهر أن الكلمة من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وهي في هذه اللغة بمعنى "خيمة"٧. و"الطراف" خباء من أدم يتخذه الأغنياء٨. و"الطوارف" من الخباء ما رفعت من جوانبه ونواحيه للنظر إلى خارج٩. قال عروة بن الورد: رأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل هذاك الطراف الممدد١٠ يعني أن الفقراء يعرفونني بإعطائي، والأغنياء يعرفونني بفضلي وجلالة قدري وتكون بيوت الأعراب المتناثرة، وهي خيامها، منازل القبيلة ومضاربها. وتحيط خيامها بخيم الرئيس. فتكون من ذلك مستوطنة بدوية. ومنها يتألف مجتمع

стр. 2759

البوادي. ويرتبط حجم هذه المستوطنات، بسعة ماء المكان وبعدد بيوت القبيلة النازلة به، فإن كان الماء قليلًا، قل عدد خيامها، وإن كان غزيرًا، كثر عددها. واتسعت رقعة المضارب اتساعًا بتناسب مع كفاءة ذلك الماء وما على الأرض من رزق تعيش إبلهم عليه.

стр. 2760

بيوت أهل المدر: أما أهل القرى والمدن، أي أهل المدر، وهم المستقرون وشبه المستقرين، فإنهم يقيمون في بيوت ثابتة أو شبه ثابتة. وهي تتفاوت بالطبع بتفاوت منازل ودرجات أصحابها. فربّ بيت يكون من خيمة أو من أغصان شجر وعيدان وجريد، ويقال له: "العنة". وقد قيل: إن العنة الخيمة تتخذ من أغصان الشجر١. وقيل: البيت يعمل من الخشب٢. وربّ بيت يكون من طين، ويسقف بجريد أو بأغصان أو بحصير يطين أيضًا. ويختلف حجم مثل هذا البيت باختلاف حجم العائلة. وقد يبنى البيت باللبن وهو الغالب، وتكون حالة أصحابها أحسن من حالة أصحاب بيوت الطين. وكنتيجة لتيسر مواد البناء في العربية الجنوبية، ظهرت مدن لا نجد لها مثيلًا في أنحاء أخرى من جزيرة العرب. مدن كبيرة بيوتها ثابتة وبعضها ذو جملة طوابق، تحاط بأسوار عالية وأبراج وحصون يأوي فيها المدافعون. وقد تمكن المنقبون من التنقيب في بعض خرائبها ومن وضع مخططات لبعض شعابها أو مخططات عامة مبدئية للمدينة كلها وللسور الذي كان يحتضنها. والقرية في نظر علماء العربية لفظة يمانية الأصل. يقولون: إنها المصر الجامع، وكل مكان اتصلت به الأبنية واتخذ قرارًا. وتقع على المدن وغيرها٣. ولكن الأغلب أنها أصغر حجمًا من المدن. وأنها تكون غير مسورة. فإذا أحاط بها "سور" صارت مدينة. وذلك على نحو ما نفهم من نصوص الجاهليين ومن

стр. 2761

المتعارف عليه بين الساميين من أن القرية أصغر حجمًا من المدينة. وأن المدن هي القرى الكبيرة المسورة١. وقد فهم علماء العربية هذا المعنى بالنسبة للمدينة أيضًا. إذ قالوا: مدينة الحصن يبى في اصطمة الأرض٢. وتقابل "مدنتو" Medinto في لغة بني إرم٣. وتقابل لفظة "هكر" "هجر" "هجرن" "هكرن" في لغة أهل اليمن. وهي لا تزال مستعملة في العربية الجنوبية لهذا اليوم. وذكر علماء اللغة أن "هجر" هي القرية بلغة حمير٤. وورد أن العرب تسمي "القرى" مصانع، واحدتها مصنعة. يقال: هو من أهل المصانع، أي القرى. و"المصانع" أيضًا المباني من القصور والحصون٥. ويطلق العرب على الرجل من أهل القرى مصطلح: "أخضر النّواجذ"، يريدون أنه ممن يأكل الكرات والبصل والبقول والخضر٦. ولا يتناول الأعراب هذه الخضر. وفي العربية لفظة "الحير" بمعنى شبه الحظيرة والحمى، و"الحيرة" بمعنى المعسكر والمقام، و"الحائر"٧ وهي من مواطن الحضر، أي من المستوطنات. قد كانت مستعملة بين الجاهليين. ومثلها "الحاضرة" و"الحضرة" و"الحضر"، وهي المدن والقرى والريف. وهي من مساكن الحضر وأهل القرار٨. وتسمى المدن بأسماء. أما القرى والمستوطنات الصغيرة، فقد تسمى بأسماء، وقد تنسب إلى أصحابها المالكين لها أو إلى العشائر أو الأفخاذ أو الأسر النازلة بها. ولا تزال هذه العادة متبعة في مواضع من جزيرة العرب. أما بيوت كبار الناس وأغنيائهم، فتستعمل فيها الحجارة والخشب وغير ذلك من مواد تجعل البناء يدوم أمدًا ويعيش مدة طويلة، وبفضل ذلك بقيت آثار بعض منها حتى الآن. ولا يزال الناس في مواضع من جزيرة العرب، ولا سيما الأماكن المعزولة

стр. 2762

القصية، يتخذون بيوتًا تشبه بيوت العرب قبل الإسلام، وخاصة بيوت سادات القبائل والرؤساء. وبعض ذلك قصور وحصون ذوات جدر وأسوار مرتفعة وتقوم في طرف من الأرض أبراج لها مزارق ومرابيع للدفاع، وأبراج مربعة. وقد تقع البيوت في عدة طبقات تحمى بمختلف وسائل الدفاع. وتستعمل الزينة من أصباغ محلية ومن حجارة طبيعية ذوات ألوان مختلفة. وأعتقد أن هذه الأبنية يجب أن يعنى بدراستها المهندسون المعماريون والآثاريون، فإن دراستها تحل لنا مشكلات كثيرة للفن العربي الجاهلي، وتوصلنا إلى وضع مخططات عن بقايا الأبنية الجاهلية القديمة التي تهدمت غالبيتها، أو اعتدى عليها الإنسان ويا للأسف فاستخدم حجارتها في أبنيته الحديثة، وقضى بذلك على معالمها في الغالب، وتجاوز على حجارتها المكتوبة فحطمها وأبادها، وبذلك ألحق بتأريخ العرب قبل الإسلام ضررًا بليغًا. وأعظم شيء في المدن هو هياكلها، أي معابدها المسماة بأسماء الآلهة التي بنيت لها، وقصور الملوك وسادات القوم وأشرافهم. فلهؤلاء مال مكنّهم من بناء قصور ضخمة ذات جملة طوابق، بنوها بحجارة طبيعية اقتلعت من الصخور، وزخرفوا الوجوه البارزة منها، وافتنَّ فيها الفنانون على وفق أذواقهم وذوق طبيعة بلادهم، ونشروا الرخام الأبيض والملون وشرحوه ألوانًا رقيقة جعلوها في النوافذ بدلًا عن الزجاج. فهذه الأماكن إذن هي التي تتحدث لنا عن العمارة عند الجاهليين. وقد استعين في بناء بعض المدن بحجارة اقتلعت من مواضع بعيدة بعض البعد عنها في بعض الأحيان. فقد بنيت "قرنو" "معين"، بحجارة جلبت من موضع يبعد عشرين كيلومترًا تقريبًا من شمال "معين"، من "جبل اللوذ" أو من جنوب "جبل يام". ويرى بعض الباحثين احتمال جلب بعض الصخور إليها من مواضع تبعد ثمانين كيلومترًا من المدينة. وبعض هذه الأحجار ثقيل يبلغ طول الواحدة منها خمسة أمتار١. وجاءوا بـ "المرمر" إلى "شبوة" من موضع "مداث" و"كلوة" على مسافة خمسين كيلومترًا من المدينة٢. وقد تبين من الدراسات العامة الأولية التي قام بها الباحثون لخرائب المدن الجاهلية أن بعضها قد بني على شكل مستطيل، ويحيط به سور مستطيل الشكل أيضًا

стр. 2763

ذو أبراج، وبعضها بني على شكل إهليلجي أو قريب منه، وبعضها على شكل دائري. وقد أحيطت بأسوار لحمايتها من غزو الغزاة وللدفاع عن نفسها والثبات بوجه الأعداء. ولها أبواب تغلق ليلًا وتحرس حراسة شديدة حتى لا تفاجأ المدينة بعدو يأخذ على حين غرة، كما تغلق وتسد سدًّا محكمًا أيام الحروب. ويظن أن تخطيط المدن على شكل مستطيل كان هو الشكل الغالب، إذ وجد المنقبون أكثر خرائب المدن قد بني في الأصل على هذا النحو فـ "مأرب" بنيت على شكل مستطيل على رأي بعض من درس آثارها. وكذلك خربة "غربون" في جنوب "المشهد" بوادي "حجرين" بحضرموت. وذهب بعض من زارها إلى أنها كانت مربعة الشكل١. وعلى هذا النحو كانت "شبوة" و"حريب"٢ و"يلط" "يليط"٣، و"قرنو" التي هي معين في الجوف٤. ومن المدن التي بنيت على شكل إهليلجي تقريبًا مدينة "حاز" "حيزم" وهي محاطة بسور يتراوح ارتفاعه من ستة أمتار إلى ثمانية أمتار، تخترقه خمسة أبواب. وبنيت مدينة "بيحان النقب" التي تقع على مسافة عشرة أميال إلى الشمال من "بيحان" على شكل إهليلجي كذلك٥. وقد تبين أن أكثر المدن اليمانية القديمة قد بني في بطون الأودية على مرتفعات طبيعية، أو صناعية، أي من عمل الإنسان. وقد يكون ذلك بسبب خصب الأودية وتوافر الماء فيها بسهولة، بحفر الآبار أو من العيون أو بواسطة بناء السدود. غير أن هناك مدنًا أقيمت على الهضاب والنجاد وعلى سفوح الجبال، وذلك لتتمتع حماية طبيعية وليكون من الصعب على الأعداء التغلب عليها. ومن المدن القديمة التي أقيمت في بطون الأودية مدينة "قرنو" "القرن" "معين"، فقد بنيت على تل أقامه المعينيون أنفسهم ارتفاعه خمسة عشر مترًا عن سطح أرض الوادي، وذلك لحماية المدينة من طغيان ماء السيول في الوادي في موسم الأمطار٦.

стр. 2764

وتحمي المدن حصون وقلاع، وقد تقام الأسوار على مسافة من المدينة لتشغل العدو وتمنعه من الدنو منها، ثم لتحمي مزارع المدينة وأموالها، وتكون أبنيتها حصينة ذات جدر سميكة فيها منافذ ترمي منها السهام، وفي أعلاها أبراج يرمي منها الرماة الحجارة والسهام على المهاجمين. كما تبنى في المدن نفسها خلف الأسوار، لحماية داخل المدينة من العدو عند تغلبه على الحصون والقلاع الخارجية، وأسوار المدن. وبيوت الملوك والأشراف وسادات المدينة، قلاع وحصون في حدّ ذاتها، فيها كل وسائل المقاومة والدفاع ومخازن لحفظ مواد الإعاشة، وآبار. ويكاد يكون لكل مدينة من المدن حصن يقيها ويحميها، وقد اشتهرت وعرفت به. فاحتمت "ظفار" مثلًا بحصنها "ذو ريدان"، وأقيمت "شبام سخيم" عند حصن "عر ذو مرمر"، و"شبام أقيان" عند "الوة" "كوكبان"، و"بيحان" عند "ذي ريدان"، و"برج أتوت" على "ميفع ظبيان"، وأنشئت "غيمان" على تلّ مرتفع يحمي المدينة من المهاجمين. وأقيم "ذو معاهر" ليحمي مدينة "وعلان" بـ "ردمان"١. ويظهر من كتابات المسند ومن الآثار أن بعض مدن اليمن كانت مسورة، يحيط بها سور للدفاع عنها. ويقال لمثل هذه المدن "هجرن" في العربيات الجنوبية، أي "المدن". مثل "هجرن قرنو"٢، بمعنى المدينة "قرنو" وهي عاصمة معين. وهو "هجرن مرب"، أي المدينة مأرب، و"هجرن نجرن" أي المدينة نجران، المدينة الشهيرة عاصمة مخلاف نجران والتي لا يزال اسمها حيًّا معروفًا في العربية السعودية في هذا اليوم. وتختلف أطوال أسوار المدن وارتفاعها بحسب حجم المدن وبحسب مواقعها. فالمدن الكبيرة تكون أسوارها طويلة يتناسب طولها مع سعتها. والمدن التي تبنى فوق الجبال والهضاب والمحلات الحصينة تكون أسوارها أقل ارتفاعًا من أسوار المدن المبنية في السهول. وقد وجد سور مدينة "قرنو" مستطيلًا، وطوله زهاء أربع مئة متر، وعرضه زهاء خمسين ومائتي متر، وعلى كل زاوية من زوايا هذا المستطيل الأربع برج لمراقبة الأعداء ولرميهم بالحجارة والسهام وبوسائل الدفاع

стр. 2765

الأخرى التي كانت ميسورة لهم١. وقد وجدت أسس سور مدينة "حيزم" "حزم"، وهي "حاز"، مبنية بحجر بركاني، أخذ من لابة قريبة من المكان٢. على حين بنيت أسس أسوار المدن الأخرى وجدرها من أحجار تقع مقالعها على مقربة من المدن المسورة، ليكون في الإمكان نقلها بسهولة إلى مواضع البناء. وغالب مدن العربية الجنوبية، لها بابان متقابلان، فإذا كان أحدهما في الجدار الشرقي للمدينة كان الثاني في الجدار الغربي. وقد وجد في بعض المدن أربعة أبواب أو خمسة. فـ "شبوة" عاصمة حضرموت كان لها خمسة أبواب، يقع الباب الرئيسي في الجهة الشمالية من المدينة. وتؤدي الأبواب إلى أفنية تكون متجمع الناس٣، تعلن على جدرانها الأوامر الحكومية ليقف عليها الغادي والرائح، ويعلن المعلنون فيها أوامر الحكومة، كما ينادي الدلالون بما عندهم من خبر أو بضاعة. وتكون هذه الساحات أسواقًا كذلك، ومواضع لتنفيذ أحكام القتل أو العقوبات الأخرى ليعتبر بها الناس. وهكذا نجد أن أبواب المدن كانت من أهم الأماكن العامة للمدينة في تلك الأيام. وقد وجد بعض الأبواب، وهي الأبواب الرئيسية، محصنًا من الجهتين ببناءين قويين، للدفاع عن الباب، فيهما منافذ ومواضع يرمي منها المدافعون من يريد اقتحام المدينة. وبين البناءين أو الحصنين باب قوي يغلق في الليل وعند وقوع خطر ما. ويؤدي هذا الباب إلى ساحة تحيط بها غرف ومواضع لإيواء الجنود، ثم تنتهي هذه الساحة بحائط قوي أو سور يخترقه باب آخر يغلق ويفتح ليؤدي إلى المدينة. والغاية من وجود هذا الباب الثاني سد الطريق على الأعداء عند اقتحامهم الباب الأول وتغلبهم على الجواسيس ووصولهم إلى الساحة التي يقيم فيها الجنود، فيقابلهم عندئذ باب ثان يسد عليهم الطريق ولا يمكنهم من دخول المدينة إلا إذا تغلبوا على هذا الباب. وقد عُني العرب الجنوبيون بزخرفة الأبواب وبزخرفة الإطار الذي ترتكز عليه،

стр. 2766

والجدار الذي يضم الإطار، والأعمدة التي تبنى على جانبي الباب أحيانًا والبناءين المحكمين اللذين يبنيان عند طرفي أبواب المدن والقصور والمعابد لحراستها. وتتصل شوارع المدن والقرى بهذه الساحات. والشوارع الرئيسية مبلطة في الغالب، ولا سيما الشوارع المؤدية إلى قصور الملوك ودور الكبار والحكومة والمعابد، وتؤدي إلى ساحات أمام هذه المواضع المهمة. ويكون تبليط الشوارع عندهم بتغطيتها بصخور عريضة مستطيلة أو مربعة نحتت بأطرافها بحيث يوضع طرف حجر فوق طرف الحجر الذي يليه، فيظهران كأنهما حجر واحد، أو يصقل أطراف الحجر صقلًا جيدًا ووضعه بجانب حجر مصقول آخر ولصقهما لصقًا تامًّا، حتى يبدوَا كأنهما قطعة واحدة. ويظهر أنهم كانوا يعتنون عناية شديدة تامة بالتبليط. وقد تبين من دراسة بعض قطع شوارع مدينة "غيمان" الباقية من أيام الجاهلية حتى اليوم أن أهل هذه المدينة لم يعتنوا بتبليط شوارعهم عناية أهل المدن الأخرى، كما يتبين من طريق رصف الحجر ومن وضعه بعضه إلى بعض ومن دراسة المواد التي توضع تحت الأحجار وبينها١. وللمدن حدود، ما كان بعدها عُدّ تابعًا للمدينة، وما كان خارجها عُدّ منقطع الصلة بتلك المدينة. وقد ذهب "رودوكناكس" إلى أن لفظة "أود" التي ترد في بعض الكتابات تعني "الحد" كما في هذه الجملة "أود هجرن"، أي "حد المدينة"٢. وعندي أن المراد بها "السدود" وكل شيء يقي شيئًا. فإن الأياد في العربية ما أيد به من شيء، وإياد كل شيء ما يقوى به من جانبيه، والتراب يجعل حول الحوض والخباء يقوى به أو يمنع ماء المطر٣. وعلى هذا فإن تفسير "أود" بسداد تحيط بمدينة أوفق في نظري من تفسيرها بـ "حد" وحدود" والواقع أن من الصعب علينا في الزمن الحاضر أن نتحدث عن هندسة المدن وتخطيطها وعن طراز أبنيتها وارتفاعها، وعن ساحاتها وأسواقها، لقلة التنقيبات الأثرية العلمية واقتصارها على وجه الأرض وفي بقاع قليلة جدًّا من جزيرة العرب، وانعدامها من أكثر الأنحاء مع وجود آثار كثيرة فيها لا تزال مطمورة تحت الرمال.

стр. 2767

ولو تهيأت للجزيرة بعثات أثرية على شاكلة البعثات التي تقصد العراق أو بلاد الشام أو فلسطين أو مصر أو غيرها من أماكن، لكان علمنا بأحوال المدن العربية الجاهلية وبأحوال الجاهلين غزيرًا جديدًا يختلف عن هذا النزر اليسير الذي نتحدث به عن أحوال العرب قبل الإسلام. أما الحجاز، فالظاهر أن الطائف منه، كانت القرية أو المدينة الوحيدة المحاطة بجدار أو حائط، يمكن أن نسميه سورًا. وكان يحيط بالمدينة وبه مواضع يتحصن فيها، وفيها تحصنت ثقيف يوم قاومت الرسول في أثناء حصاره لها. وكانت له أبواب أغلقوها عليهم، وامتنع على المسلمين عندئذ الدخول منها، والاقتراب من الجدار. ولما اختفى المسلمون تحت دبابة، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف، أرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل، وقتلوا رجالا من المسلمين١. وأما مكة، فيظهر من وصف أهل الأخبار لها أنها لم تكن مسوّرة. وإنما كانت ذات منافذ وطرق تؤدي إلى داخل المدينة وتمر بالشعاب. وعلى كل شعب حماية حد شعبه من الأطراف عند دنو عدو من مكة. وأما المدينة، فلم يكن لها سور كذلك. ويمكن أن يقال مثل ذلك عن بقية قرى الحجاز. ولا نجد في وصف أهل الأخبار لقرى أهل الحجاز وبيوتها، ما يفيد بوجود أبنية ضخمة فيها على طراز أبنية اليمن. فلم يتحدث أهل الأخبار عن وجود قصور فيها تشبه "قصر غمدان" أو "قصر ذو ريدان" أو غير ذلك من القصور. حتى مكة وهي أم القرى لا يشير أهل الأخبار إلى وجود بناء ضخم فيها على طراز أبنية اليمن، ولا وجد بيت كبير فيها على طراز بيوت سراة اليمن. و"دار الندوة"، وهي دار قصي، مؤسس ملك قريش، لم تكن دارًا ضخمة ولا كبيرة على ما يظهر من روايات أهل الأخبار ويظهر أن أهل الأخبار لم يحفلوا كثيرًا بالنواحي العمرانية من الجاهلية، لذلك صارت معلوماتنا بسيطة جدًّا عنها من هذه الناحية. فلا نكاد نعرف شيئًا عن بيوت مكة أو غيرها قبل الإسلام. وقد كانت بيوت المتمكنين من الناس وأصحاب اليسر والمال، مشيدة بالحجارة وباللبن. ويذكر علماء اللغة أن كل بيت مربع مسطح، فهو "أجم". ويظهر

стр. 2768

من شعر ينسب إلى امرئ القيس: وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أجمًا إلا مشيدًا بجندل١ أن آجام "تيماء"، كانت مشيدة بالجندل. والجندل الحجر، وقيل: الصخور، وذكر أنها الصخرة كرأس الإنسان٢. وقد استعين بتشييد السقوف بجذوع النخل. ويقال للآجام: القصور بلغة أهل الحجاز، وعرفت بالآكام كذلك٣، وهي حجر، وذكر أن اللفظة "قرشية"٤. ووردت لفظة "قصر" و"قصور" في القرآن الكريم٥. وقد ذهب المفسرون إلى أن معنى "مشيد" في الآية: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ ٦، المجصص. والجص بالمدينة يسمى: المشيد٧. فالقصر، البناء الضخم المبني بالجص والحجارة، وقد يكون منفردًا محصنًا، وقد يكون في قرية، مع قصور أخرى، ولكل قصر بئر، يؤخذ منها الماء. وهي ضرورية جدًّا بالنسبة لبيوت ذلك الوقت. ويظهر من روايات أهل الأخبار عن البيوت أن في بيوت يثرب بيوت تكونت من طابقين. طابق أرضي وطابق علوي. وكانوا يسكنون الطابقين. ولعلهم كانوا يودعون ماشيتهم ودوابهم الطابق الأرضي، أو مواضع خاصة بها ملحقة بهذا الطابق. وكانت دار "أبو أيوب الأنصاري" التي نزل بها الرسول ذات طابقين نزل الرسول بطابق، وسكن "أبو أيوب" بالطابق الثاني٨. وكان سادات القرى قد حلوا مشكلة الدفاع عن أنفسهم وعن مواليهم ببناء

стр. 2769

أبنية حصينة ذات جدران سميكة قالوا لها: الحصون والآطام والواحد هو الأطم. فكان أهل المدينة من الأوس والخزرج يلجئون إلى آطامهم وقت الخطر فيتحصنون بها ويمتنعون، وكذلك كانت ليهود وادي القرى حصون وآطام. بها آبار ومواضع لخزن ذخيرتهم وما عندهم من غال وثمين ودخلوا حصونهم وآطامهم وأغلقوا عليهم الأبواب. وبذلك صارت القرية مجموعة حصون وآطام. والأطم القصر وكل حصن بني بالحجارة. وقيل: هو كل بيت مربع مسطح. وقد ورد أن "بلالًا الحبشي" كان يؤذن على أطم المدينة. وقد اشتهرت بها المدينة. وذكر أن الأطمة الحصن. وأن "الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب ابن سعد بن زيد مناة بن تميم"، بنى أطمًا باليمن، عرف باسمه: "أطم الأضبط". وكان قد أغار على أهل صنعاء. وأشير في شعر "أوس" إلى "آطام نجران". حيث ذكر أن أحد الملوك بث الجنود في الأرض، فأخذوا بقتل أعدائه ما بين بصرى وآطام نجران١. ويظهر من روايات أهل الأخبار أن قرى الحجاز ومدنها كانت شعابًا، أي أحياء. تكونت على الطريقة البدوية. وذلك بإقامة كل عشيرة في حيّ معين من أحياء القرية أو المدينة. وتكون بين الحيّ عصبية مثل عصبية أفراد القبيلة للقبيلة. وينتمي الحي إلى القبيلة أو العشيرة التي يرجع إليها، ويتعصب لها. ويشعر أن بين أفراد الحي قرابة ورابطة دم. ويعبر عن سكان الحي بـ"آل ... ". ويكون وجيه الشعب، هو نقيبه وممثله وسيده. وقد يقال للمنزل أو المحلة: "الربع" والجمع "الرباع". وذكر أن "الرباع" المنازل وجماعة الناس٢. فتتألف كل قرية أو مدينة من رباع. وقد كانت "الحيرة" على هذه الشاكلة أيضًا. فقد كانت مؤلفة من مواضع حصينة بناها سادات المدينة وأشراف الأحياء، عرفت عندهم بـ"القصور" والمفرد "قصر". فإذا داهم المدينة خطر دخل أهل الحي قصر سيدهم وشريفهم وتحصنوا به.

стр. 2770

الأبراج: وتؤلف الأبراج والحصون صفحة من صفحات كتاب الفن المعماري والحربي في التاريخ الجاهلي. فقد بنيت لتؤدي واجب الدفاع والحماية والوقوف بجبروت وتعنت في وجه من يريد الكيد بمن يحتمي وراء تلك الحصون. وطبيعي أن تراعى في تصميمها وبنائها الأغراض التي من أجلها شيدت وبنيت والمكان الذي تقام عليه. ويراعى في جدران الحصون أن تكون سميكة وأن تبنى بمواد متماسكة تماسكًا شديدًا حتى لا تنهار عند ضرب المهاجمين لها ومحاولتهم تهديمها لإيجاد ثغر فيها يهجمون منها، وتنشأ فيها مخازن لخزن الأسلحة، ويُيَسَّر فيها الماء ومواد المعيشة التي يحتاج إليها المدافعون، وتحدث منافذ في أعالي الأبراج لرمي المهاجمين منها. ويكون سمك الحائط عند القاعدة أكثر من سمكه أعلاه. وأما الأبواب المؤدية إلى الحصن، فإن الطريق إليها لا يكون مستقيمًا ممتدًّا، بل يأخذ اتجاهات مختلفة، ويمر بممرات وقاعات، ليكون في إمكان المدافعين الاحتماء بها حين يتمكن المهاجمون من اقتحام الباب الخارجي. وتقام الأبراج فوق الأسوار والأبواب لحمايتها من المهاجمين. وتكون هندسة بنائها عندئذ متناسبة مع هندسة بناء السور أو أعلى الباب. وقد تنتهي بما يشبه الأسنان والأفاريز، ليتمكن المدافع من إصابة المهاجمين بما عنده من مواد مؤذية فيمنعهم بذلك من اقتحام السور ومن إلحاق أي أذى به. وذكر علماء العربية أن "البرج" بيت يبنى على السور والحصن. وقد يسمى بيتًا. وذكروا أن برج الحصن ركنه١. ولم يذكر أولئك العلماء أصل الكلمة. وهو من الألفاظ المعربة عن اليونانية، إذ هو Pirghos فيها. بمعنى "بناء" وبرج فوق بناء يدافع به المدافعون ولصدّ المهاجمين من التقدم نحوه٢.
следующие страницы →