← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

والجدار الذي يضم الإطار، والأعمدة التي تبنى على جانبي الباب أحيانًا والبناءين المحكمين اللذين يبنيان عند طرفي أبواب المدن والقصور والمعابد لحراستها. وتتصل شوارع المدن والقرى بهذه الساحات. والشوارع الرئيسية مبلطة في الغالب، ولا سيما الشوارع المؤدية إلى قصور الملوك ودور الكبار والحكومة والمعابد، وتؤدي إلى ساحات أمام هذه المواضع المهمة. ويكون تبليط الشوارع عندهم بتغطيتها بصخور عريضة مستطيلة أو مربعة نحتت بأطرافها بحيث يوضع طرف حجر فوق طرف الحجر الذي يليه، فيظهران كأنهما حجر واحد، أو يصقل أطراف الحجر صقلًا جيدًا ووضعه بجانب حجر مصقول آخر ولصقهما لصقًا تامًّا، حتى يبدوَا كأنهما قطعة واحدة. ويظهر أنهم كانوا يعتنون عناية شديدة تامة بالتبليط. وقد تبين من دراسة بعض قطع شوارع مدينة "غيمان" الباقية من أيام الجاهلية حتى اليوم أن أهل هذه المدينة لم يعتنوا بتبليط شوارعهم عناية أهل المدن الأخرى، كما يتبين من طريق رصف الحجر ومن وضعه بعضه إلى بعض ومن دراسة المواد التي توضع تحت الأحجار وبينها١. وللمدن حدود، ما كان بعدها عُدّ تابعًا للمدينة، وما كان خارجها عُدّ منقطع الصلة بتلك المدينة. وقد ذهب "رودوكناكس" إلى أن لفظة "أود" التي ترد في بعض الكتابات تعني "الحد" كما في هذه الجملة "أود هجرن"، أي "حد المدينة"٢. وعندي أن المراد بها "السدود" وكل شيء يقي شيئًا. فإن الأياد في العربية ما أيد به من شيء، وإياد كل شيء ما يقوى به من جانبيه، والتراب يجعل حول الحوض والخباء يقوى به أو يمنع ماء المطر٣. وعلى هذا فإن تفسير "أود" بسداد تحيط بمدينة أوفق في نظري من تفسيرها بـ "حد" وحدود" والواقع أن من الصعب علينا في الزمن الحاضر أن نتحدث عن هندسة المدن وتخطيطها وعن طراز أبنيتها وارتفاعها، وعن ساحاتها وأسواقها، لقلة التنقيبات الأثرية العلمية واقتصارها على وجه الأرض وفي بقاع قليلة جدًّا من جزيرة العرب، وانعدامها من أكثر الأنحاء مع وجود آثار كثيرة فيها لا تزال مطمورة تحت الرمال.

стр. 2767

ولو تهيأت للجزيرة بعثات أثرية على شاكلة البعثات التي تقصد العراق أو بلاد الشام أو فلسطين أو مصر أو غيرها من أماكن، لكان علمنا بأحوال المدن العربية الجاهلية وبأحوال الجاهلين غزيرًا جديدًا يختلف عن هذا النزر اليسير الذي نتحدث به عن أحوال العرب قبل الإسلام. أما الحجاز، فالظاهر أن الطائف منه، كانت القرية أو المدينة الوحيدة المحاطة بجدار أو حائط، يمكن أن نسميه سورًا. وكان يحيط بالمدينة وبه مواضع يتحصن فيها، وفيها تحصنت ثقيف يوم قاومت الرسول في أثناء حصاره لها. وكانت له أبواب أغلقوها عليهم، وامتنع على المسلمين عندئذ الدخول منها، والاقتراب من الجدار. ولما اختفى المسلمون تحت دبابة، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف، أرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل، وقتلوا رجالا من المسلمين١. وأما مكة، فيظهر من وصف أهل الأخبار لها أنها لم تكن مسوّرة. وإنما كانت ذات منافذ وطرق تؤدي إلى داخل المدينة وتمر بالشعاب. وعلى كل شعب حماية حد شعبه من الأطراف عند دنو عدو من مكة. وأما المدينة، فلم يكن لها سور كذلك. ويمكن أن يقال مثل ذلك عن بقية قرى الحجاز. ولا نجد في وصف أهل الأخبار لقرى أهل الحجاز وبيوتها، ما يفيد بوجود أبنية ضخمة فيها على طراز أبنية اليمن. فلم يتحدث أهل الأخبار عن وجود قصور فيها تشبه "قصر غمدان" أو "قصر ذو ريدان" أو غير ذلك من القصور. حتى مكة وهي أم القرى لا يشير أهل الأخبار إلى وجود بناء ضخم فيها على طراز أبنية اليمن، ولا وجد بيت كبير فيها على طراز بيوت سراة اليمن. و"دار الندوة"، وهي دار قصي، مؤسس ملك قريش، لم تكن دارًا ضخمة ولا كبيرة على ما يظهر من روايات أهل الأخبار ويظهر أن أهل الأخبار لم يحفلوا كثيرًا بالنواحي العمرانية من الجاهلية، لذلك صارت معلوماتنا بسيطة جدًّا عنها من هذه الناحية. فلا نكاد نعرف شيئًا عن بيوت مكة أو غيرها قبل الإسلام. وقد كانت بيوت المتمكنين من الناس وأصحاب اليسر والمال، مشيدة بالحجارة وباللبن. ويذكر علماء اللغة أن كل بيت مربع مسطح، فهو "أجم". ويظهر

стр. 2768

من شعر ينسب إلى امرئ القيس: وتيماء لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أجمًا إلا مشيدًا بجندل١ أن آجام "تيماء"، كانت مشيدة بالجندل. والجندل الحجر، وقيل: الصخور، وذكر أنها الصخرة كرأس الإنسان٢. وقد استعين بتشييد السقوف بجذوع النخل. ويقال للآجام: القصور بلغة أهل الحجاز، وعرفت بالآكام كذلك٣، وهي حجر، وذكر أن اللفظة "قرشية"٤. ووردت لفظة "قصر" و"قصور" في القرآن الكريم٥. وقد ذهب المفسرون إلى أن معنى "مشيد" في الآية: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ ٦، المجصص. والجص بالمدينة يسمى: المشيد٧. فالقصر، البناء الضخم المبني بالجص والحجارة، وقد يكون منفردًا محصنًا، وقد يكون في قرية، مع قصور أخرى، ولكل قصر بئر، يؤخذ منها الماء. وهي ضرورية جدًّا بالنسبة لبيوت ذلك الوقت. ويظهر من روايات أهل الأخبار عن البيوت أن في بيوت يثرب بيوت تكونت من طابقين. طابق أرضي وطابق علوي. وكانوا يسكنون الطابقين. ولعلهم كانوا يودعون ماشيتهم ودوابهم الطابق الأرضي، أو مواضع خاصة بها ملحقة بهذا الطابق. وكانت دار "أبو أيوب الأنصاري" التي نزل بها الرسول ذات طابقين نزل الرسول بطابق، وسكن "أبو أيوب" بالطابق الثاني٨. وكان سادات القرى قد حلوا مشكلة الدفاع عن أنفسهم وعن مواليهم ببناء

стр. 2769

أبنية حصينة ذات جدران سميكة قالوا لها: الحصون والآطام والواحد هو الأطم. فكان أهل المدينة من الأوس والخزرج يلجئون إلى آطامهم وقت الخطر فيتحصنون بها ويمتنعون، وكذلك كانت ليهود وادي القرى حصون وآطام. بها آبار ومواضع لخزن ذخيرتهم وما عندهم من غال وثمين ودخلوا حصونهم وآطامهم وأغلقوا عليهم الأبواب. وبذلك صارت القرية مجموعة حصون وآطام. والأطم القصر وكل حصن بني بالحجارة. وقيل: هو كل بيت مربع مسطح. وقد ورد أن "بلالًا الحبشي" كان يؤذن على أطم المدينة. وقد اشتهرت بها المدينة. وذكر أن الأطمة الحصن. وأن "الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب ابن سعد بن زيد مناة بن تميم"، بنى أطمًا باليمن، عرف باسمه: "أطم الأضبط". وكان قد أغار على أهل صنعاء. وأشير في شعر "أوس" إلى "آطام نجران". حيث ذكر أن أحد الملوك بث الجنود في الأرض، فأخذوا بقتل أعدائه ما بين بصرى وآطام نجران١. ويظهر من روايات أهل الأخبار أن قرى الحجاز ومدنها كانت شعابًا، أي أحياء. تكونت على الطريقة البدوية. وذلك بإقامة كل عشيرة في حيّ معين من أحياء القرية أو المدينة. وتكون بين الحيّ عصبية مثل عصبية أفراد القبيلة للقبيلة. وينتمي الحي إلى القبيلة أو العشيرة التي يرجع إليها، ويتعصب لها. ويشعر أن بين أفراد الحي قرابة ورابطة دم. ويعبر عن سكان الحي بـ"آل ... ". ويكون وجيه الشعب، هو نقيبه وممثله وسيده. وقد يقال للمنزل أو المحلة: "الربع" والجمع "الرباع". وذكر أن "الرباع" المنازل وجماعة الناس٢. فتتألف كل قرية أو مدينة من رباع. وقد كانت "الحيرة" على هذه الشاكلة أيضًا. فقد كانت مؤلفة من مواضع حصينة بناها سادات المدينة وأشراف الأحياء، عرفت عندهم بـ"القصور" والمفرد "قصر". فإذا داهم المدينة خطر دخل أهل الحي قصر سيدهم وشريفهم وتحصنوا به.

стр. 2770

الأبراج: وتؤلف الأبراج والحصون صفحة من صفحات كتاب الفن المعماري والحربي في التاريخ الجاهلي. فقد بنيت لتؤدي واجب الدفاع والحماية والوقوف بجبروت وتعنت في وجه من يريد الكيد بمن يحتمي وراء تلك الحصون. وطبيعي أن تراعى في تصميمها وبنائها الأغراض التي من أجلها شيدت وبنيت والمكان الذي تقام عليه. ويراعى في جدران الحصون أن تكون سميكة وأن تبنى بمواد متماسكة تماسكًا شديدًا حتى لا تنهار عند ضرب المهاجمين لها ومحاولتهم تهديمها لإيجاد ثغر فيها يهجمون منها، وتنشأ فيها مخازن لخزن الأسلحة، ويُيَسَّر فيها الماء ومواد المعيشة التي يحتاج إليها المدافعون، وتحدث منافذ في أعالي الأبراج لرمي المهاجمين منها. ويكون سمك الحائط عند القاعدة أكثر من سمكه أعلاه. وأما الأبواب المؤدية إلى الحصن، فإن الطريق إليها لا يكون مستقيمًا ممتدًّا، بل يأخذ اتجاهات مختلفة، ويمر بممرات وقاعات، ليكون في إمكان المدافعين الاحتماء بها حين يتمكن المهاجمون من اقتحام الباب الخارجي. وتقام الأبراج فوق الأسوار والأبواب لحمايتها من المهاجمين. وتكون هندسة بنائها عندئذ متناسبة مع هندسة بناء السور أو أعلى الباب. وقد تنتهي بما يشبه الأسنان والأفاريز، ليتمكن المدافع من إصابة المهاجمين بما عنده من مواد مؤذية فيمنعهم بذلك من اقتحام السور ومن إلحاق أي أذى به. وذكر علماء العربية أن "البرج" بيت يبنى على السور والحصن. وقد يسمى بيتًا. وذكروا أن برج الحصن ركنه١. ولم يذكر أولئك العلماء أصل الكلمة. وهو من الألفاظ المعربة عن اليونانية، إذ هو Pirghos فيها. بمعنى "بناء" وبرج فوق بناء يدافع به المدافعون ولصدّ المهاجمين من التقدم نحوه٢.

стр. 2771

الطرق: وتوجد آثار طرق جاهلية في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية مبلطة تبليطًا حسنًا،

стр. 2772

وأخرى ممهدة تمهيدًا فنيًّا. وقد أنشئ بعضها في أرض جبلية وفي أرضين وعرة، وذلك باستعمال آلات بمهارة في قطع الصخور لإنشاء هذه الممرات. وأنشئ بعض آخر في الأودية وفي السهول برفق وعناية وقد كسيت ورصفت بالأحجار رصفًا متينًا قويًّا كالذي يظهر من بقايا هذه الطرق التي لا تزال متماسكة شديدة، تقاوم الأيام بالرغم من طول عمرها ومن عدم اهتمام الناس بها. ومن الطرق الجاهلية التي وجدها السياح والباحثون، طريق "مبلقة" "مبلقت"١ في وادي بيحان. الذي يتراوح طوله من ثلاثة أميال إلى أربعة أميال، ويرجع عهده إلى حوالي السنة "٣٢٥" قبل الميلاد في تقدير بعض الباحثين٢ وهو يؤدي إلى "حريب". وقد رصف وجهه وكسي بصفاح ضخم عريض. ونحت قسم منه طوله زهاء مئة قدم في الصخر نحتًا إلى عمق ثلاثين قدمًا، وذلك اختصارًا للمسافة. وهو عمل يقدر بالنسبة إلى ذلك الزمن٣. ومن هذه الطرق طريق مدرج عمله الجاهليون في المرتفعات المؤدية إلى "وادي ذنه" على مقربة من مأرب. "مدرج نقيل" "نقيل مدرج". وقد نحت في الصخر٤ وطريق آخر عرضه زهاء أربعة أمتار يقع شمال "معبر"، وطريق آخر يؤدي من هضبة "عقبة" إلى وادي عرمة ثم إلى "شبوة"٥. وطريق في جنوب حافة جبل اللوذ، نحت نحتًا في الصخر حتى يؤدي بسالكيه من "خربة السود" إلى "كعاب اللوذ"٦. ونجد طرقًا نحتت في صخور المرتفعات والهضاب والجبال لتؤدي إلى الحصون "العر" والمحافد والقصور والمدن مثل "عر ذو مرمر" و"عراتوت" "حصن أتوت" في أرحب، و"قصر ريدان" "ذو ريدان" "جبل ريدان في بيحان"٧. وأشير في النص: Glaser إلى طريق جبلي،

стр. 2773

عمل على جبل "جحاف" في هضبة "الضالع"١. ومن الطرق الجبلية المسماة "منقل" في المسند٢، طريق في جبل "علمان" يؤدي إلى "مأرب"٣. وقد ذكر علماء اللغة أن "المنقل: الطريق في الجبل"٤. وقد وصفه "هاملتون"، الطريق القديم الذي ربط عدن بالداخل٥. وهناك طريق معروف مشهور اشتهر باسم "درب الفيل"، ينسب إلى "التبع أسعد كامل" في حوالي السنة "٤٠٠" للميلاد، ومنه بقايا بين "تربة" ومواضع أخرى من أعالي اليمن٦. وقد وجدت شوارع المدن وطرقها مبلطة مرصوفة رصفًا حسنًا في بعض الأحيان بحجارة وضع بعضها فوق بعض، وربطت بينها مادة بناء مثل الجبس، ذات قوة وتماسك كقوة "السمنت" وتماسكه حين يجف. وقد رصف بعض آخر بحجارة مربعة أو مستطيلة قدت من صخر، وضع بعضها إلى جانب بعض وضعًا محكمًا بحيث بدت وكأنها حجر واحد، ورصف بعض آخر بحجارة هذبت أوجهها وصقلت وجعلت لها حواشي منخفضة، وحواشي بارزة يكون سمكها سمك القسم المنخفض من الحواشي المنخفضة حتى توضع فوقها فتغطيها، فتكون الأحجار متماسكة بذلك كقطعة واحدة٧. وقد وجد بعض الطرق مكسوًّا بـ"الأسفلت". وقد ذكر علماء اللغة أن "البلق" الرخام، وحجارة باليمن تضيء ما وراءها كالزجاج٨. ولم يذكروا أن "مبلقة" بمعنى الطريق الممهد. وقد تبين من فحص البقية الباقية من الطريق القريب من "غيمان"، وعهده أيام ما قبل الإسلام، أن تبليطه ورصفه لم يكونا على جانب كبير من الدقة

стр. 2774

والعناية. وهو بعرض أربعة أمتار تقريبًا، ويؤدي إلى "قصر غيمان". وقد أقيم في موضع منه على سدّ ارتفاعه خمسة أمتار، وقد حفظ من الجانبين بجدارين١. ويقال للطرق الضيقة التي يسلكها الإنسان للوصول إلى أعلى البرج أو القلعة "محول" في اللهجة المعينية. وقد تكون مسقوفة، وقد تكون بغير سقف، كما تكون مدرجة أي ذات سلالم، وربما لا تكون كذلك، وقد تؤدي إلى ارتفاع، وقد تكون ممرًا مستويًا يخترقه الإنسان كالدهليز٢. واتخذ الجاهليون القناطر، والقنطرة لغة في الجسر٣. ويراد بها القنطرة المعقودة المعروفة عند الناس. والعرب تسمي كل أزج قنطرة. وقد ورد ذكرها في شعر لطرفة بن العبد. وهي تعقد بالحجارة وتشاد بالجص أو بجياد وهو الكلس٤. ويعبر عليها الناس ووسائط النقل وقد عثر على آثار قناطر في مواضع متعددة من جزيرة العرب، ولا سيما في اليمن وبقية العربية الجنوبية حيث تكثر الأودية والسيول. وجاء في شعر لـ"طرفة بن العبد"، هذا البيت: كقنطرة الرومي اقسم ربّها ... لتكتفنن حتى تشاد بقرمد وقد ذكر "الزوزني"، أن صاحب القنطرة وهو رومي، حلف ليحاطن بها حتى ترفع أو تجصص بالصاروج أو بالآجر. وأن القرمد: الآجر، وقيل: هو الصاروج، والشيد الرفع والطلي بالشيد وهو الجص. ولم يذكر الشارح موضع القنطرة المذكورة التي بناها صاحبها وهو رومي فنسبت إليه٥.

стр. 2775

أثاث البيوت: وليست لدينا صور واضحة دقيقة عن بيوت أغنياء المدن، وعن محتوياتها وعما فيها من أثاث وأدوات. غير أن بعضًا منها يجب أن يكون واسعًا كبيرًا حوى

стр. 2776

كل وسائل الراحة المتوفرة بالقياس إلى ذلك العهد. فرجل مثل "عبد الله بن جدعان" كان ثريًّا ثقيل الثراء، يملك آنية من الذهب والفضة، ويشرب بكئوس غالية، ويأكل أكلات غريبة، ويتفنن في مأكله، وقد استحضر لذلك طباخين من الخارج من العراق مثلًا، ليطبخوا له طعامًا غريبًا عجميًّا، أقول: إن رجلًا مثل هذا لا بُدَّ أن يكون بيته بيتًا كبيرًا يتناسب مع ثراء صاحبه وماله وقد بني بناء محكمًا، وأحصنت جدرانه وارتفعت حتى يكون في مستطاعه التحصن فيه وقت الخطر والمحافظة على نفسه، السراق والطامعين في ماله في الليل والنهار. ولا بد أن يكون بيت عبد الله بن جُدْعان هذا قد بني من أجنحة متعددة، جناح لسكناه مع نسائه، وجناح لقيانه وخادماته وجناح لخدامه وعبيده، وجناح لاستقبال أصحابه وندمائه وأصحاب الحجات والأشغال، فقد كان يجلس للأصدقاء يتسامر معهم ويسمع معهم غناء قيانه، وعلى رأسهن "الجرادتان"، وهما قينتاه المختارتان، وكان لهما صوتان شجيان، وقد اشتهرتا بمكة، وخلد ذكرهما حتى الآن، فلا يعقل أن يكون بيته صغيرًا أو حقيرًا أو بدائيًّا، إذْ لا يتناسب ذلك مع ما يذكره أهل الأخبار ويروونه عن ثرائه وبذخه وعن شربه بآنية من ذهب وفضة، إلى غير ذلك مما يحملنا –لو صدقنا روايات الأخباريين- على أن بيته يجب أن يتناسب مع ثرائه. وعاصر ابنَ جُدْعان نفر آخر كانوا من أغنياء مكة ومن أصحاب المال والثراء، لهم ذوق في الجمال وحب للشراب. وكان لهم خدم وحشم، ورجال من هذا الطراز لا بد أن تكون بيوتهم حسنة ومن حجارة، وفيها وسائل الراحة، ولها مواضع خاصة بإقامة النساء، وأماكن خاصة باستقبال الضيوف، ومواضع لإقامة الخدم والعبيد. والحيوانات التي يرتبطها للركوب، وحجر لحفظ الأطعمة والأشربة بمقادير كافية احتمالا لحالات الطوارئ. وعرفت الزرابي، وهي "الطنافس"، في بيوت أثرياء الجاهليين وقصور الأمراء. وقد ذكرت "الزرابي" و"النمارق" في القرآن الكريم١. وورد أن الزرابي ضرب من الثياب محبر، منسوب إلى موضع٢، وذكرت "الزرابي" في شعر "حسان"٣.

стр. 2777

وعرف عند الجاهليين نوع خاص من الطنافس قيل له: "الرحال"، ذكر أنه من طنافس الحيرة. وإليه أشار الأعشى بقوله: وَمَصابِ غادِيَةٍ كَأَنَّ تِجارَها ... نَشَرَت عَلَيهِ بُرودَها وَرِحالَها١ وقد استعملت الكراسي والأسرة في بيوت الأغنياء. والكرسي السرير. وأما السرير، فهو ما يجلس عليه وينام فوقه أيضًا. وقد عبر به عن الملك والنعمة٢. والظاهر أن ذلك بسبب كونه من مظاهر الغنى والجاه. و"الخلب" الكرسي قوائمه من حديد٣. ويقال للمجلس "الموثب" في لغة "حمير". ويراد بها أسفل الشيء وما يستقر على الأرض. وهي قريبة في المعنى من لفظة "شت" و"اشدو"٤. وقد استورد أهل مكة الأواني الغالية والأثاث الراقي من بلاد الشام، لما عرفت به هذه البلاد من التقدم في الصنعة وحسن الذوق، ولقربها من الحجاز، كما استوردوها من العراق. ويمكن معرفة أصولها والأماكن التي وردت منها بدراسة أسمائها. فأكثر أسماء الأشياء المستوردة، هي أسماء معربة. عربت من أصول أعجمية، ويمكن الوقوف على أصلها بدراسة أصولها اللغوية التي جاءت منها. وقد تبنى "دكك" عند باب البيت، يجلس عليها الدرابنة، أي "البوابون"، لمنع الغرباء من الدخول داخل البيت، ولحراسة الدار. وقد أشير إليها في شعر ينسب للمثقب العبدي: فَأَبقى باطِلي وَالجِدُّ مِنها ... كَدُكّانِ الدَرابِنَةِ المَطينِن٥ أما بيوت الفقراء، فهي كما يظهر من روايات أهل الأخبار، بيوت حقيرة إن جاز إطلاق لفظة "بيت" و"بيوت" عليها. وهي من طين ومن بيوت شعر، لا تقي من برد ولا من حر، لذلك فإن الطبقة الفقيرة عاشت عيشة

стр. 2778

بؤس وشقاء. وليس في مثل هذه البيوت مرافق صحية ولا مغاسل ولا حمامات، فكان أصحابها يقضون حاجاتهم في خارج البيوت. وإذا كان من السهل على الذكور أداء هذا الواجب، فإن ذلك كان من أصعب الأشياء بالنسبة للأثاث.

стр. 2779

وسائل الركوب: وكان السير على الأقدام للوصول إلى المواضع المقصودة هو المألوف عند أكثر الناس، بسبب فقرهم وعدم تمكنهم من امتلاك دابة ركوب. لقد كان أكثرهم يقطع مسافات طويلة مشيًا على قدميه في ذهابه إلى قبيلته أو للتنقل من مكان إلى مكان. أما المتمكنون منهم، فقد ركبوا الجمال في قطع المسافات البعيدة والأرضين الصحراوية، وركبوا الخيل والبغال والحمير في القرى وفي الأرضين التي لا تغلب عليها الطبيعة الصحراوية. ولحماية النفس أثناء النوم من "البعوض" والحشرات الأخرى استعملوا "الكلل". و"الكلة" ستر رقيق يخاط كالبيت يتوقى به من الحشرات١. ومن هذه الحشرات والهوام: البعوض، وأكثر ما يكون في بيوت الحضر، حيث تتوفر له وسائل النمو والمعيشة، من أوساخ ورطوبة وماء. في المواضع التي يكثر وجود الماء بها، مثل خيبر، حيث عرفت بكثرة بعوضها الحامل للبرداء "الملاريا". و"الناموس"، و"البرغوث" الذي يزعج الإنسان ويقلقه، فلا يجعله يستريح في نومه، ثم الذباب.

стр. 2780

آداب المجالس: وللقوم آداب في مجالسهم على الإنسان اتباعها ومراعاتها، من ذلك أن لكل بيت مهما كان حجمه أو مكانته حرمة. وأن على كل إنسان صيانة حرمة بيته وبيت غيره سواء بسواء. لأن بيوت الناس هي في الحرمة سواء. ومن ينتهك حرمة بيت غيره يكون قد قام بإثم كبير وعرض نفسه لانتقام أهل البيت المنتهك

стр. 2781

منه. وقد يؤدي ذلك إلى وقوع قتال بنداء العصبية وبتجمع أهل البيت للأخذ بثأرهم ممن ثلب حرمة بيتهم وتطاول عليه، ودنس شرفه، بالإساءة إليه. ولن تغفر الإساءة ولا يغسل عارها إلا بالانتقام وبالانتقاص من شأن ذلك الإنسان الذي انتهك حرمة بيت غيره. ومن حرمة البيت عدم جواز دخوله إلا بإذن من صاحبه. فإن دخل إليه دون إذن، عنف الداخل وأنب، وإن ثبت أنه دخله عن غاية وتصميم عد معتديًا عليه منتهكًا لحرمته. ويكون جزاءه الانتقام منه. وعلى من يريد دخول بيت الاستئذان من أصحابه حتى وإن كان البيت خيمة مهلهلة تذروها الرياح. لأن تلك الخيمة هي بيت ومأوى. ولا ينظر الناس إلى نوع البيت وإلى جنسه بل إلى أهله، فالبيت بأهله لا بكيفيته، وحرمته من حرمة أصحابه. وقد كان بعض الجاهليين يدخلون البيوت من غير استئذان، ولا سيما الأعراب. ومنهم من كان يقف عند الباب فينادي: يا فلان اخرج، أو يا فلان أأدخل. ونجد في كتب السير والأخبار أن من الأعراب من كان يقف أمام حجر النبي وينادي: أخرج يا محمد؟ ولهذا شدد على "الاستئذان" وعلى السلام في الإسلام١. ولا يخاطب الرجل الرجل الأكبر منه سنًّا أو منزلة باسمه، وإنما يخاطبه بكنيته. كأن يقول يا أبا فلان، وتكون الكنية باسم الابن الأكبر، إلا إذا حدث ما يستوجب عدم ذكر اسمه. فيكنى بغيره ممن يختارهم ذلك الرجل. وقد لا يكون ولدًا، ولكنه يكنى مع ذلك بكنية يختارها هو، أو تكون متعارفة عن الاسم بين الناس. ولا تزال عادة التكنية مستعملة عند الحضر وعند الأعراب. وقد عرف بعضهم الكنية بـ"اسم يطلق على الشخص للتعظيم نحو أبي حفص وأبي حسن، أو علامة عليه". وتقوم الكنية مقام الاسم فيعرف صاحها بها كما يعرف باسمه كأبي لهب عرف بكنيته. وأبو فلان كنيته٢.

стр. 2782

التحية: والعادة عند الجاهليين أن يحيي الصديق صديقه إذا رآه. والتحية: السلام.

стр. 2783

ومن تحياتهم: حياك الله أو حياك ... ثم يذكر الصنم١. وإذا كان صباحًا قالوا: أنعم صباحًا وعم صباحًا، أما إذا كانوا جماعة فيقول عندئذ: أنعموا صباحًا، وعموا صباحًا، وإذا كان الوقت مساء، قال: أنعم مساءً وعم مساءً وأنعموا مساءً إذا كانوا جماعة. والمصافحة معروفة عند الجاهليين. وتكون باليد اليمنى. وقد يتصافحون باليدين٢. وقد يتعانقون، إذا كانوا قد جاؤوا من سفر أو من فراق٣. وقد أشير في الحديث إلى المصافحة باليدين عند اللقاء٤. وتكون إجابة الصغير للكبير بتلبية مؤدبة. فإذا سأل إنسان ذو منزلة إنسانًا آخر أقل منزلة منه أجابه بجمل فيها أدب وتقدير مثل لبيك وسعديك٥. أي لزومًا لطاعتك، وأنا مقيم على طاعتك، وإجابة لك، وأنا مقيم عندك، واتجاهي إليك وقصدي لك وما شاكل ذلك من معان ذكرها علماء اللغة. ومن هنا قيل لقول الحجاج في الحج: لبيك اللهم لبيك، التلبية٦. ويجاب بـ"نعم" وبـ"نعم وكرامة". وقد يكون الجواب لطلب عمل عملٍ. كأن يطلب رجل من رجل آخر عمل عملٍ، فيقول له: "نعم"، و"نعم وكرامة"، و"نعم عين ونعمة عين"، و"نعام عين"، و"نعيم عين"، و"نعام عين"٧. وتعد لفظة "بلى" من ألفاظ الإجابة كذلك. ومن آداب البيت الامتناع عن قول الفحش بحضور النساء. وعدم النظر بسوء إلى البنات والنساء، وعدم تركيز النظر عليهن. لأن معنى ذلك توجيه إهانة إلى رب البيت، وإظهار أنه إنما قصد من دخول البيت التمتع برؤية النساء. وعليه السيطرة على نفسه وضبطها فلا يسمح لنفسه بإخراج الريح من جوفه، لأن ذلك عند العرب عيب كبير. فالضراط والفساء إذا وقعا من إنسان بحضرة غرباء عدّا

стр. 2784

من المغامز التي قد يؤاخذونها على الرجل. لا سيما إذا كان الرجل معروفًا مشهورًا وله حساد. ومن عاداتهم: تشميت العاطس، لا سيما إذا كان كبيرًا ذا جاه. كأن يدعى له بطول العمر. وقد أكده الإسلام. فإذا عطس إنسان قال: الحمد لله؛ فيجيبه الحضار بـ"يرحمك الله". ويحمد العطاس عند العرب، ما لم يكن من زكام ويذم التثاؤب١. وذكر أن كل دعاء بخير فهو تشميت٢. ويقال للشاب إذ سعل: عمرًا وشبابًا. أما إذا كان الساعل شيخًا أو رجلًا بغيضًا، فيقال لهما: وريًا وقحابًا. وللحبيب إذا سعل: عمرًا وشبابًا٣. وكانت تحيتهم للملك أن يقولوا: أبيت اللعن. وإذا قال أحدهم للآخر: أنعم صباحًا، أو أنعم مساءً، أو أنعم ظلامًا، أجابه صاحبه: نعمتَ٤.

стр. 2785

ثقال الناس: ومن الناس مَنْ يُستَثْقل ظلهم ويرجى انصرافهم بسرعة. لثقل طبعهم ووجود جفاوة فيهم، أو تلبد في طبعهم يجعلهم لا يدركون طباع الناس. ويقال لأمثال هؤلاء: الثقلاء. وثقال الناس وثقلاؤهم من تكره صحبته ويستثقله الناس. يقال: مجالسة الثقيل تضني الروح. ويقال: هو ثقيل على جلسائه، وما أنت إلّا ثقيل الظل بارد النسيم١. ومن الثقلاء من يطيل الجلوس في المجالس: أو يدخلها دون دعوة، أو يتدخل فيما لا يعنيه أو فيما يجهله ليظهر علمه وفهمه. أو يزور صديقًا في وقت لا تستحب زيارة أحد فيه، أو يعود مريضًا ثم يطيل الجلوس عنده. وكانوا إذا وجدوا من الثقيل بلادة، فلربما أسمعوه كلامًا يشعر بتثاقلهم منه، فإذا لم ينتبه أشعروه بصور أخرى تفهمه أنه ثقيل الظل حتى يرحل عن المجلس.

стр. 2786

و "الظريف" على عكس "الثقيل"، يستظرفه الناس ويستملحون كلامه ويحبون مجالسته. وهو البليغ الجيد الكلام، أو هو حسن الوجه والهيئة، كما يكون في اللسان. وقيل الظرف: البزاعة وذكاء القلب. والبزاعة هي الظرافة والملاحة والكياسة١. وقد يدعون بالشر على الأعداء والحساد والثقلاء، فيقولون: رماه الله في الدوقعة، أي في الفقر والذل٢، و"أخسّ الله حظه"٣، و"أبعد الله دار فلان، وأوقد نارًا إثره". والمعنى لا رجعه الله ولا ردّه. و"أبعده الله وأسحقه وأوقد نارًا إثره"٤.

стр. 2787

الصلف: وأما "الصلف"، فالتمدح بما ليس عندك، وقيل: مجاوزة قدر الظرف والبراعة فوق ذلك تكبرًا. وفي الحديث: آفة الظرف الصلف. وهو الغلو في الظرف والزيادة على المقدار مع تكبر١. وهو مكروه ويستثقل صاحبه ويقل أصحابه.

стр. 2788

المجالس: والعادة عندهم أنهم إذا زاروا ملكًا أو سيد قبيلة أو عظيمًا، لبسوا أحسن ما عندهم من لباس، وتزينوا بأجمل زينة يعرفونها ومنها التكحل والترجيل ولبس جبب الحبرة المكففة بالحرير، كالذي فعله سادات نجران١ يوم وفدوا على الرسول. والتكحل عادة منتشرة عند جميع الجاهليين رجالًا ونساء وفي كل جزيرة العرب. كما كانوا يتطيبون بالطيب والعطر٢.

стр. 2789

ومن آدابهم في مجالسهم قيام القاعد للقادم عند قدومه وتوجيه التحية لهم. ولا سيما إذا كان القادم شريفًا وله منزلة عند قومه ومكانة. فيقف القوم على أرجلهم ويجيبون المحيي على تحيته هي خير منها، هذه سنة كانت معروفة عندهم، ولا تزال. وقد تطرق "الجاحظ" إلى هذه القاعدة، ثم قال: "قالوا: ومن الأعاجيب أن الحارث بن كعب لا يقوم لحزم، وحزم لا تقوم لكندة، وكندة لا تقوم للحارث بن كعب". ثم قال: "قالوا: ومثل ذلك من الأعاجيب في الحارث: أن العرب لا تقوم للترك، والترك لا تقوم للروم، الروم لا تقوم للعرب"١. وتفرش أرض سيد القبيلة وذوي اليسار من الناس، وكذلك غرف بيوتهم بالفرش، كالبسط، وتوضع الوسد في صدر المجلس ليتكئ عليها الجالسون. وليتوسدوها عند النوم٢. ويعد تقديم الوسادة إلى الضيوف من أمارة التكريم والتقديس بالنسبة لمن قدمت له. ولا تزال هذه العادة متبعة عند الأعراب. ويجلس العرب على الأرض وعلى الحصير والبساط. وقد يجلسون على وسادة وقد يستلقون ويضعون إحدى رجليهم على الأخرى، وقد يتكئون على الوسادة، وربما اتكأوا على اليمين وربما اتكأوا على اليسار٣. والحصير سقيفة تصنع من بردى وأسل ثم يفترش. سمي بذلك لأنه يلي وجه الأرض. وتصنع الحصر من خوص السعف أيضًا، وتفرش على الأرض. يستعملها أهل القرى والمدن والأرياف، وفي بيوت الفقراء. وذلك لعدم تمكن الفقير من شراء بساط منسوج، ولا سرير يجلس عليه. قال شاعر: فأضحى كالأميرِ على سرير ... وأمسى كالأسيرِ على حصير٤ وقد عدّ "السرير من أمارات الغنى والرفاه والنعمة، حتى عبروا عنه بالملك. فقالوا: "سرير الملك"٥.

стр. 2790

ويقال للحصير المنسوج من القصب "البارية" و"البوري". وقد عرف أهل الحجاز "البارية". وأشير إليها في الحديث١. ويتناول الإنسان عند نهوضه من نومه "الصبوح". ويحيي أهله ومن هو حوله بتحية الصباح: عم صباحًا وعموا صباحًا إذا كانوا جماعة. وهي تحية الجاهلية. و"الصبوح" كل ما أكل أو شرب من أكل أو لبن٢. وهم يستحبون الجلوس من النوم صباحًا، لأن ذلك عندهم أنشط للجسم وأدعى للصحة، ثم إن الغارات تقع في الصباح، وإذا أغاروا صاحوا: يا صباحاه! ينذرون الحي أجمع بالنداء العالي، ويسمون الغارة يوم الصباح. ولكن أكثرهم كانوا ينامون الصباح أي نوم الغداة، ويسمون ذلك النوم "الضجة" ولا ينهضون إلا متأخرين أو بعد حيل وإزعاج لهم، لإكراههم على النهوض. وقد كره الإسلام هذه النومة، فجاء النهي عنها في حديث الرسول٣.

стр. 2791

تنظيف الأجسام: ولتنظيف الجسم من الأوساخ والأدران استعملت الحمامات. وذلك عند الحضر بالطبع. أما حمامات البدو، فهي بيوتهم والعراء، يسكبون الماء على أجسامهم ويغتسلون. وقد عرف أهل القرى والمدن الحمامات ولها مساخن تسخن لهم الماء ليغتسلوا بها. وكانوا يستعملون النورة في الحمامات لإزالة الشعر. وإذا خرج أحدهم من الحمام قيل له: طابت حمتك١. وذكر أن من أسماء الحمام "الديماس". وزعم بعضهم أن الديماس من الألفاظ المعربة. عربت من لغة الحبشة٢. وكانت الحمامات العامة قليلة العدد وربما لم تكن معروفة، إذ لم تكن شائعة بين الناس في الشرق الأدنى، لأنهم كانوا يستحمون في بيوتهم في الغالب، فجزيرة العرب حارة ومن الممكن الاغتسال في البيوت بكل سهولة. ولم يعرف

стр. 2792

اليهود الحمامات العامة، وإنما تعلموها من الروم والرومان. وكانوا يستحمون في المياه الجارية وفي البيوت١. وقد ورد أن الرسول لم يدخل حمامًا قط، ولم يصح في الحمام حديث٢. مما يدل على أن الحمام العام لم يكن شائعًا في أيامه. فكان الرسول يغسل جسمه في بيته. وإذا وجد الحمام العام فلم يكن الأغنياء وذوو اليسار وأهل البيوت يقصدونه، إذْ كانوا يرون أن في تعري الرجل من ملابسه أمام الغرباء زراية ومنقصة، وأن في مخالطة الناس والاغتسال معهم في حمام، مثلبة ودلالة على نقص في البيت. فاستحموا في بيوتهم. وقد قام السدر في الحجاز مقام الصابون في الاغتسال، فكانوا إذا أرادوا تنظيف أجسامهم استعملوا ورق السدر مع الماء، فيخرج له رغاء أبيض، وذلك بعد طحن الورق أو دقه. وقد جرت العادة بغسل الميت به. وذكر أن الرسول أمر قيس بن عاصم بأن يغتسل بالماء والسدر٣. وعندما تغتسل المرأة، تغسل رأسها بالخطمي والطين الحرّ والأشنان ونحوه. ثم تمشط شعرها. وقد تستعمل المرأة المتمكنة ورق الآس يطرى بأفاويه من الطيب لتمشيط شعرها به٤. ونظرًا لقلة وجود الماء في البادية، اقتصدوا في استعماله كثيرًا، حتى أنهم لم يكونوا يشربون منه إلا قليلًا وعند الضرورة، وذلك خوفًا من الإسراف فيه، فينفد ويهلكون عطشًا، لذلك كان من الطبيعي بالنسبة لهم عدم غسل أجسامهم حتى صار عدم الاستحمام بالماء شبه عادة لهم. وقد أدى ذلك إلى توسخ أجسامهم وظهور رائحة الوسخ منهم. ورد في حديث "عائشة": "كان الناس يسكنون العالية فيحضرون الجمعة وبهم وسخ، فإذا أصابهم الروح سطعت أرواحهم، فيتأذى به الناس. فأمروا بالغسل"٥. وكان منهم الفقراء من أهل الحضر كذلك، ممن لا يملكون بيتًا ولا يجدون لهم مكانًا يغسلون أجسادهم فيه. وكان من بينهم

стр. 2793

وكانوا إذا أرادوا قضاء الحاجة دخلوا "الخلاء". وهو موضع قضاء الحاجة١. وتكون في بيوت الحضر. وقد تكون غرفة وقد تكون سترًا. ويستنجى بالماء إن وجد وبالحجارة. والنجو ما يخرج من البطن من ريح أو غائط. وقيل: العذرة نفسها. واستنجى مسح النجو أو غسله٢. وكانوا إذا ذهبوا في سفرهم للحاجة انطلقوا إلى موضع يتوارون فيه عن أصحابهم، ليقضوا حاجتهم به. وربما تستروا بالهدف وبحشائش النخل وبشجر الوادي. ويقال للكنيف المشرف في أعلى السطح المتصل بقناة إلى الأرض "الكرياس". أما إذا كان أسفل فليس بكرياس. وقد تكون للغرف "مراحيض"٣. والكنيف المرحاض كأنه كنف في أستر النواحي٤. وكانوا إذا أرادوا أن يبولوا ابتعدوا عن أصحابهم بعض الشيء ثم بالوا. وأكثر ما يبولون قعودًا. ولكنهم كانوا يبولون وقوفًا أيضًا، وهو في الأقل. وإذا أرادوا قضاء حاجتهم أو التبول لم يرفعوا ثوبهم بل جعلوه يتدلى حتى يدنوا من الأرض، إلا من الأمام حيث يرتفع بعض الشيء، ويبعد من الخلف أو يرفع قليلًا حتى لا يتأذى بالعذرة٥. ويرى العرب أن ما بين السرة والركبة من الرجل عورة، لذلك يجب ستره. والعورة السوأة من الرجل والمرأة٦. وكانوا يرون ظهورها عارًا أي مذمة. لذا حرصوا على إنزال ثيابهم إلى الأرض لسترها قدر الإمكان، وذلك عند قضاء الحاجة.

стр. 2794

الخدم والخصيان: وتحتاج البيوت الكبيرة إلى خدم، لتحضير ما يحتاج البيت إليه من طعام وماء ولتنظيفه وللعناية بدوابه وبما يربط في مرابطه من حيوان. كما يوكل إليهم خدمة الضيوف وتقديم الشراب إلى المتنادمين. وكانوا يستخدمون "الخصي" لخدمة أهل

стр. 2795

البيت من النساء، لأنهن محرم، ولا تصح خدمة الرجال لمحارم البيت ونظرًا إلى ضرورة استخدام الرجال في بعض أمور البيت، استعاضوا عنهم باستخدام "الخصي" في هذه الأمور. وقد كان "مأبور" القبطي الخصي، الذي قدم مع "مارية القبطية" أم ولد الرسول من مصر يدخل عليها ويجلس في بيتها، وكان خصيًّا.

стр. 2796

الحياة الليلية: والحياة الليلية حياة هادئة على وتيرة واحدة، يأوي الناس إلى بيوتهم مع غروب الشمس في الغالب، أما وجهاء القوم، فقد كانوا يتسامرون في بيوتهم وفي مضاربهم، وذلك بأن يأتي أصدقاؤهم إليهم فيتحدثون معهم ويتذاكرون الأيام الماضية وما يقع من أحداث إلى ساعات من الليل ثم يعودون إلى بيوتهم. ويكون السمر في الليل خاصة، والسمر الظلمة. ولهذا كانوا يقسمون بالسمر والقمر. أي بالظلمة والقمر. ثم أطلق السمر على السمر عامة في الليل أو في النهار١. وقد صار هذا "السمر" أساسًا للقصص العربي وللأدب العربي والتاريخ الجاهلي. وعلى الرغم من أن طابع السمر -أي القص والتحدث والاتصالات إلى المسامر- لا يتفق مع الطابع التأريخي، إلا أنه موّن المؤرخين مع ذلك بشيء من أخبار أيامها ورجالها في صورة من الصور المعروفة عن القص. والعادة أن الذين يبرزون ويظهرون في رواية القصص هم أصحاب الألسنة، اللبقون الذين أوتوا مواهب خاصة، والذين يجيدون معرفة نفسيات من يحيط بهم للاستماع إلى قصصهم. فيحدثون السامعين إليهم بما سمعوه ممن تقدم عليهم أو من يعاصرهم من أخبار وحوادث مسليّة طريفة كان الجاهليون إذ ذاك يتشوقون إلى الاستماع إليها. ومن ذلك قصص الأيام والأبطال الشجعان الذين ساهموا فيها، وقد يكون المتكلم نفسه ممن شهد الأيام وقاتل فيها. وهذا النوع من السمر، لا يتقيد بالصدق وبالتعقل، كما أن المستمعين لا يهمهم فيه إذا كان معقولًا أو غير معقول.

стр. 2797

وكل ما يهمه منه هو التلذذ بسماع القصص أو الأشعار أو الأخبار وأمور الشجعان أو غير ذلك ولما كان السمر يكون في كل بيت وفي كل مكان. وهو يتناسب مع عقلية القاص أو المتكلم وعقلية السامع وحالاته النفسية التي يكون عليها عند الاستماع إلى السمر، لهذا كان السمر ألوانًا وأشكالًا، منه ما يتناول أخبار العالم، كما وصلت إلى البادية، ومنه ما يتناول أخبار الملوك وأخبار سادات القبائل، ومنه ما يتناول الشعر والمناسبات التي قيل الشعر فيها، ومنها ما يتناول الجن والأساطير والخرافات وأمثال ذلك من غريب، قد يبهر لب أذكى الناس، ويلهب في السامعين نيران العواطف، فيجعلهم يقبلون على الاستماع إليه بكل قلوبهم. على الاستماع إلى هذا العنصر: عنصر التصنع في القص والإغراب، لأن من طبع الإنسان البحث والتفتيش عن كل شيء غريب عجيب. ويتخذ الملوك والأشراف وذوو اليسر لهم ندماء، يشربون معهم ويقضون وقتهم بالمنادمة. وهم من المقربين إلى الملوك ومن ضيوفهم الذين تكون لهم عندهم مكانة خاصة، وكان من عادة أهل القرى، اتخاذ الندماء، والغالب أن المنادمة تكون على الشراب١. ونجد في أخبار "مكة" التي يذكرها أهل الأخبار، أسماء جماعة من أشرافها، اختصوا بمنادمة بعضهم بعضًا. يبقون في منادمتهم مدة طويلة وقد يقع سوء فهم بينهما، فيترك أحدهما منادمة صاحبه، لينادم غيره. ويجلس الملك أو سيد القبيلة في صدر المجلس، ودونه بقية الجالسين على حسب المنازل والدرجات، وقد عطر نفسه، وتطيب، وتضمخ بالعنبر وبالمسك. والظاهر أنهم كانوا يكثرون من وضع المسك على رءوسهم حتى كان يبدو واضحًا جليًّا من مفارقهم. وقد أشير إلى هذه العادة في الشعر والأخبار٢. وكان من عادة سادة العرب استعمال الخلوق والطيب في الدعة وفي جلوسهم مجالس أنسهم، مثل مجالس السماع والغناء٣. وكان المتمكنون منهم وعلى رأسهم الملوك يضمخون أجسادهم ورءوسهم بالطيب حتى يقطر منهم٤ فكانت

стр. 2798

تفوح منها رائحة الطيب، فضلًا عن البخور الذي يتبخر به. وقد كان الأغيناء والمتمكنون من الناس يشترون العطور ويكثرون من التطيب بها. وقد تباهى "كعب بن الأشرف" بأنه كان يملك أطيب العطور المعروفة عند العرب١. وتكون ملابسهم بالطبع من أحسن الملابس، من الديباج أو من الخز أو من الكتان، وتوشى بالذهب، وتقصب به. وقد تكون للملك دور خاصة بنسيجه، تنسج فيها حلله وما يجود به على ضيوفه وزائريه. ولديه ملابس كثيرة حاضرة، إذ طالما كان يخلع ملابسه التي يرتديها في المجلس ليعطيها إلى حاضر مدحه فأجاد في مدحه، أو لشخص قال كلامًا ظريفًا استحسنه، ومن يناله هذا التكريم يفتخر به بين أقرانه ويتباهى، فهي من المفاخر التي كان يتباهى بها في ذلك الزمان. وعادة الخلع، خلع الحلل والملابس التي يلبسها الملوك على السادة رؤساء القبائل والأشراف، أمارة على التكريم والتقدير، هي عادة معروفة في الجاهلية، وطالما أثارت حسد الرؤساء وتباغضهم، إذ عدّ خلع الملوك لملابسهم على السيد، تفضلًا له وتقديمًا على غيره من السادة رؤساء القبائل. وكان لهذه الرسوم والعادات التي لا نعيرها اهتمامًا في زماننا ولا نقيم لها وزنًا، أهمية كبيرة في عرف ذلك العهد، وقد عرفت هذه العادة في الإسلام أيضًا. وقد كان المسلمون يتباهون بالحصول على خلع من الرسول، يخلعها عليهم من ملابسه التي يلبسها، فإن فيها تكريمًا، وفيها بركة لمن خلعت عليه، لأنها من ملابس الرسول. وقد عرفت هذه الحلل والخلع بـ"أثواب الرضى"، لأنها لا تعطى إلا تعبيرًا عن رضى الملك عن الشخص الذي أعطيت له. وكان جباب أطواقها الذهب بقصب الزمرد. وقد أغدق "النعمان" بها على مادحيه. وكان يقول: "هكذا فليمدح الملوك"٢. وقد ذكر أهل الأخبار أن أولئك الملوك اتخذوا ندماء من الفرس والروم أيضًا، فذكروا مثلًا أن الملك النعمان كان له نديمان، يعرف أحدهما بـ"النطاسي" واسمه "سرجون"، ويعرف الآخر بـ "توفيل"، وكلاهما من الروم٣. وورد

стр. 2799

في رواية أخرى: أن أحد النديمين هو "سرجون بن توفل"، "توفيل"، وكان رجلًا من أهل الشأم تاجرًا حريفًا للنعمان يبايعه، وكان أديبًا حسن الحديث والمنادمة: فاستخفه النعمان. وكان إذا أراد أن يخلو عن شرابه بعث إليه وإلى "النطاسي"، وهو رومي كذلك متطبب، وهو النديم الآخر له١، وكان طبيبًا بارعًا، ضرب به المثل عند العرب لبراعته بالطب. وفي منادمة النعمان للنطاسي ولابن توفيل، أشير في بيت شعر للشاعر الربيع ابن زياد المعروف بالكامل، وهو: أبرُقْ بأرضك يا نعمان متّكِئًا ... مع النطاسيّ يومًا وابن توفيلا٢ وممن ذكرهم أهل الأخبار من ندماء قريش عبد المطلب بن هاشم. كان نديمًا لحرب بن أمية حتى تنافرا إلى "نفيل بن عبد العزى". فلما نفر عبد المطلب افترقا. ونادم حرب عبد الله بن جدعان. ونادم حمزة عبد الله بن السائب المخزومي، وكان أبو أحيحة سعيد بن العاص نديمًا للوليد بن المغيرة المخزومي، وكان معمر بن حبيب الجمحي نديمًا لأمية بن خلف بن وهب بن حذافة. وكان عقبة بن أبي معيط نديمًا لأبيّ بن خلف. وكان الأسود بن المطلب بن أسد نديمًا للأسود بن عبد يغوث الزهري. وكان من أعز قريش في الجاهلية وكانا يطوفان بالبيت متقلدين بسيفين سيفين. وكان أبو طالب نديمًا لمسافر بن أبي عمرو بن أمية. فمات مسافر. فنادم أبو طالب بعده عمرو بن عبد ود بن نضر. وكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس نديمًا لمطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف. وكان أبو سفيان نديمًا للعباس بن عبد المطلب. وكان الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم نديمًا لعوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة. وكان زيد بن عمرو بن نفيل نديمًا لورقة بن نوفل بن أسد. وكان شيبة بن ربيعة بن عبد شمس نديمًا لعثمان بن الحويرث. وكان العاص بن سعيد بن العاص نديمًا للعاص بن هشام بن المغيرة. وكان يدعيان أحمقيْ قريش. وكان أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب نديمًا للحارث بن عامر بن نوفل. وكان الوليد بن عتبة

стр. 2800

ابن ربيعة نديمًا للعاص بن منبّه السهمي. وكان ضرار بن الخطّاب بن مرداس الفهري الشاعر نديمًا لهبيرة بن أبي وهب المخزومي. وكان أبو جهل بن هشام، وهو عمرو بن هشام نديمًا للحكم بن أبي العاص بن أمية. وكان الحارث بن هشام بن المغيرة نديمًا لحكيم بن حزام بن خويلد بن أسد. وكان العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سهم نديمًا لهشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبي جهل. وكان نبيه بن الحجاج بن عامر السهمي نديمًا للنضر بن الحارث. وكان عمارة بن الوليد بن المغيرة نديمًا لحنظلة بن أبي سفيان بن حرب. وكان الزبير بن عبد المطلب، وهو من فتيان قريش، نديمًا لمالك بن عميلة بن السباق بن عبد الدار. وكان الأرقم بن نضلة بن هاشم بن عبد مناف -وهو من فتيان قريش أيضًا- نديمًا لسويد بن هرمي بن عامر الجمحي. وكان سويد أول من وضع الأرائك وسقى اللبن والعسل بمكة. وكان الحارث بن حرب بن أمية نديمًا للحارث بن عبد المطلب. فلما مات نادم العوام بن خويلد بن أسد. وكان الحارث بن أسد بن عبد العُزى نديمًا لعبد العزى بن عثمان بن عبد الدار. وكان أبو البختري العاص بن هاشم بن الحارث بن أسد نديمًا لطلحة بن أبي طلحة بن عبد الدار. وكان منبه بن الحجاج السهمي نديمًا لطعيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف. وكان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب نديمًا لعمرو بن العاص بن وائل السهمي. وكان أبو أمية بن المغيرة المخزومي نديمًا لأبي وداعة بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، وكانا يسقيان العسل بمكة بعد سويد بن هرمي. وكان أبو قيس بن عبد مناف نديمًا لسفيان بن أمية بن عبد شمس. وكان أبو العاص بن أمية نديمًا لقيس بن عدي بن سهم. وكان يأتي الخَمَّار وبيده مقرعة. فيعرض عليه خمره، فإن كانت جيدة، وإلا قال له: أجد خمرك، ثم يقرع رأسه وينصرف١. وقد يستدعي الملوك في مجالس أنسهم الخاصة من يضحكهم ويسليهم ويجلب لهم البهجة والسرور. من أمثال القصاصين الذي يقصون لهم القصص، والمسامرون الذين يسامرون الملوك بأنواع قصص السمر والحكايات المضحكة الغريبة والأمور المثيرة، والمضحكون الذين يأتون بالنكت وبالأفعال المضحكة لإضحاك الملك.

стр. 2801

وقد كان للملك "النعمان بن المنذر" مضحك اسمه "القرقرة"، كان يضحك منه "النعمان"، واسمه "سعد"١. والقرقرة: نوع من الضحك، اختص بالضحك العالي منه. وقد أدخلوه في المستأكلين والمتطفلين. قالوا: سأله أحد الأشخاص يومًا ما رأيناك إلا وأنت تزيد شحمًا وتقطر دمًا. فقال: لأني لا آخذ ولا أعطي، وأخطئ ولا ألام، فأنا طول الدهر مسرور ضاحك٢. وقد جاء في شعر للشاعر "لبيد" وصف مجلس للنعمان، وقد وقف فيه "الهبانيق" أي الوصفاء بأيديهم الأباريق ينتظرون إشارة من أحد جلساء النعمان ليصبوا له خمرًا طيبة من خمور تلك الأباريق. فإذا طلب منهم ملء كأس ساروا إلى الطالب سيرًا فاترًا وبتؤدة ليملأوا له الكأس٣. وكانت لهم عادات وتقاليد في مجالس الشرب وفي مجالس الطعام على نحو ما نفعل اليوم في المآدب الرسمية، فكان من عادة ملوك الغساسنة والمناذرة إجلاس السادة الرؤساء والمقربين إليهم على يمينهم وعلى مقربة منهم، تعظيمًا لشأنهم، ودلالة على مكانة الشخص عندهم. فإذا قدم الشراب أو الطعام، قدم إلى الملك أولًا، فإذا شرب منه، أو ذاقه، أمر فقدم الشراب أو الطعام إلى من هو في يمينه. وقد اتبعت هذه العادة عند سائر الناس في الولائم والدعوات. فكان "النعمان بن المنذر" مثلًا إذا همت الوفود التي تفد إليه بالانصراف، أمر باتخاذ مجلس لهم، يطعمون فيه معه، ويشربون. وكان إذا وضع الشراب سقي النعمان، فمن بدأ به على أثره فهو أفضل الوفد. ويذكر أنه أقام مجلسًا ذات يوم ضم فيه من وفود "ربيعة" "بسطام بن قيس" و"الحوفزان بن شريك" البكريّان. وفيمن قدم عليه من وفد "مضر" من قيس عيلان: "عامر بن مالك" و"عامر بن الطفيل"، ومن تميم "قيس بن عاصم" و"الأقرع بن حابس"، فلما انتهوا إلى النعمان أكرمهم وحباهم، وأمر "القينة" أن تسقي "بسطام بن قيس"، المعروف بـ"ذي الجدين" أولًا، ثم تسقي الآخرين. فانزعج بقية

стр. 2802

سادات الوفود من هذه المعاملة التي اعتبروها إهانة متعمدة ألحقت بهم١. وإلى هذه العادة، عادة تقديم الأيمن، أشير في شعر عمرو بن كلثوم في هذا البيت: صَبَنتِ الكَأسَ عَنّا أُمَّ عَمرٍو ... وَكانَ الكَأَسُ مَجراها اليَمينا٢ و"الردف"، هو الذي يجلس على يمين الملك في قصور الحيرة. فإذا شرب الملك، شرب الردف قبل الناس. وإذا غزا الملك، جلس الردف في مجلسه، وخلفه على الناس حتى يرجع من غزاته. وله المرباع، فهي منزلة كبيرة، ولهذا شرف بالجلوس على يمين الملك، والشرب من بعده. وقد اتخذت هذه المنزلة لإرضاء سادات القبائل وإسكاتهم، ومنعهم بذلك من التحرش بعرب الحيرة. وقد خصصت في "بني يربوع"، وكانوا من القبائل القوية التي تكثر الغارات٣. وقد تأثر رؤساء الحيرة وأصحاب الحل والعقد والجاه منهم، والمتصلون بالحكومة الساسانية، بالعادات والرسوم المتبعة عند الفرس، فإذا هم يحاكونهم في مآكلهم وفي مجالس شربهم وأنسهم، وفي طريقة معيشتهم. جاء ذلك إليهم عن طريق اختلاطهم بهم بالطبع وشدة امتزاجهم بهم، فنرى عديّ بن زيد العبادي يذكر "النستق" في شعره. وقد دخلت على الحسناء كلتها ... بعد الهدوء تضيء البيت كالصنم يَنْصِفُها نُسْتُق تكادُ تُكْرِمهم ... عن النَّصافة كالغِزْلانِ في السَّلَم و"النستق" الخدم، وهي من الألفاظ المعربة٤. و"الكلّة"، هي الستر الرقيق، ولا تزال تعرف بهذه التسمية في العراق، توضع فوق الفراش وينام تحتها، فتكون كالقبة فوقها، لتمنع البعوض والذباب والحشرات الأخرى من الدخول إلى داخلها ومن إزعاج النائم. وهي "كلتو" Kelto في لغة بني إرم٥.

стр. 2803

وكان المتمكنون من أهل الجاهلية يستعملون "الكلل" للتخلص من البعوض. ينصبونها على سرير المنام وينامون تحتها١. ولا بد في المجالس والأندية التي يقصدها الضيوف أو في البيوت من تكريم الرجل بتقديم طيب إليه أو تجميره. ويكون التجمير بمبخرة فيها نار، يرمى عليها شيء من بخور أو مواد أخرى عطرة لتنبعث منها رائحة طيبة تتجه نحو الشخص المراد تكريمه، فيتبخر بها. والتجمير علامة بالطبع من علامات التقدير والتكريم. وهي ما زالت معروفة، وإن أخذت شأن كثير من العادات والتقاليد القديمة بالانقراض. وقد كانوا يجمرون الميت كذلك، إكرامًا له، وهو تبخيره بالطيب. لتكون رائحته طيبة. ورد في الحديث: إذا أجمرتم الميت، فجمروه ثلاثًا٢. ونظرًا إلى شح البادية وفقر الحياة وصعوبتها في تلك الأيام، صار الملوك ملاذًا لذوي العسر والحاجات، ولا سيما لأصحاب الألسنة من الشعراء الذين كان للسانهم خطر وأثر في نفوس المجتمع إذ ذاك، فللمديح قيمة وللهجاء أثر في الناس ينتقل بينهم من مكان إلى مكان. فكان هؤلاء يتحايلون ويبحثون عن مختلف المناسبات للوصول إلى الملوك لنيل عطائهم وألطافهم. وكانت مناسبات الشرب والأنس من خيرة المناسبات بالنسبة إليهم، لجو السرور والمرح الذي كان يخيم فيه على الملوك، فيعطون ويجودون ولا يبالون بما يعطون إذا كان صاحب الحاجة لبقًا لطيفًا حلو المعشر، يسيطر بلسانه على الملك، وقد يجعله في عداد المقربين إليه. ولما كانت الدنانير والدراهم، قليلة إذ ذاك، صارت أعطية الملوك لسادات القبائل مالًا في الغالب، والمال عندهم: الإبل. ويعطون الأكسية والألبسة والطعام لهم ولسواد الناس من الفقراء المحتاجين الذين يقفون عند أبواب الملك يلتمسون منهم الرحمة والشفقة والإنقاذ من الجوع. والجائزة العطية. فكان الملوك يجيزون من يطلب منهم الجوائز٣ ومنها: "القطوط"، جمع "قط"، وهي الصك بالجائزة والصحيفة للإنسان بصلة يوصل بها. قال الأعشى:

стр. 2804

ولا الملك النعمان يوم لقيته بغبطته، يعطي القطوطَ ويأفق١ ولسادات القبائل أنديتهم أيضًا، يقصدها أشراف القبيلة والناس. وكانوا إذا اجتمعوا تداولوا أمور قبيلتهم وما وقع بين القبائل ونظروا في أيامهم الماضية وقد يتناشدون الأشعار ويتفاخرون٢. ويذكر علماء اللغة أن "النادي المجلس يندون إليه من حواليه ولا يسمى ناديًا حتى يكون فيه أهله. وإذا تفرقوا لم يكن ناديًا. وفي التنزيل العزيز: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَر﴾ . قيل: كانوا يحذفون الناس في المجالس، فأعلم الله تعالى أن هذا من المنكر وأنه لا ينبغي أن يتعاشروا عليه ولا يجتمعوا على الهزء والتلهي وأن لا يجتمعوا إلا فيما قرب من الله وباعد من سخطه"٣. وقد كان ملأ مكة إذا اجتمعوا في نواديهم تذاكروا أمور ساداتها فغض قوم من قوم، وسخر بعض من بعض وروى بعض عن بعض قصصًا للغض من شأنهم، شأن المجتمعات الفارغة التي لا لهو فيها يلهي ولا عمل فيها يشغل. فكان هذا شأنهم حتى نزل التنديد بفعلهم في القرآن. كما نزل يندد في أمور أخرى كانت من هذا القبيل، مثل "المشمعة"، العبث والاستهزاء والضحك بالناس والتفكه بهم. وفي الحديث: "من تتَبَّعَ المَشْمَعَةَ يُشَمِّعُ اللهُ به". أراد من كان شأنه العبث والاستهزاء والضحك بالناس والتفكه بهم جازاه الله جزاء ذلك. وقال الجوهري: أي من عبث بالناس أصاره الله إلى حالة يعبث به فيها"٤. وقد لجأ العرب إلى اتخاذ وسائل للتخفيف من شدة وطأة الحرّ عليهم. إذْ أن الجو حار في بلاد العرب بالصيف. وفي جملة ما استخدموه: "المراوح". ورد أن الناس كانوا يستعملونها للترويح عن أنفسهم٥. وللريح أهمية كبيرة في جزيرة العرب وفي البلاد الحارة. إذ أن وقوفه يزعج الناس ويؤذيهم، فلا غرابة إذا ما اعتبروا الرياح رحمة تغيث الناس وتفرج عن كربهم. وتغَنّوا بها وسروّا بهبوبها سرورًا كبيرًا. بهبوب الرياح المنعشة المرطبة التي تحمل المزن لهم. فتصيب الأرض وترويها بما تحمله معها من مزن. ولريح الصبا، ذكريات طيبة عند العرب.

стр. 2805

ولها أثر خالد في الشعر، حتى أنهم كانوا يطعمون عند هبوبها. وهي ريح معروفة تقابل الدبور. سميت بذلك لأنها تستقبل البيت وكأنها تحن إليه. قال ابن الأعرابي مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش. وتزعم العرب أن الدبور تزعج السحاب وتشخصه في الهواء ثم تسوقه، فإذا علا كشفت عنه واستقبلته الصبا، فوزعته بعضه على بعض حتى يصير كسفًا واحدًا، والجنوب تلحق روادفه به وتمده من المدد، والشمال تمزق السحاب١. ومن وسائل التلطيف من حدة الحر، رش الأرض بالماء. أي نفح المكان بالماء٢. ورش الحصر المنسوجة من جريد النخل أو من الحلفاء أو من غيرها بالماء، حتى تبرد فينام الإنسان عليها، أو تعليقها ونضحها بالماء. فيبرد الهواء الذي يمر من مساماتها بعض الشيء٣. ورش ستر الكرباس والخيش بالماء، ليبرد الهواء الذي يخترق مساماتها، فينعش الجالس أمامها. وكان الوجوه وأشراف البلد إذا أرادوا الانشراح شربوا وسمعوا القيان، وكان لأكثرهم قيان امتلكوها للترفيه عنهم بالغناء. و"القينة" الأمة المغنية أو أعم. يذكر علماء اللغة، أن اللفظة من "التقين" التزين، لأنها كانت تزين. وذكر أن القينة الأمة والجارية تخدم حسب٤. و"المغنية" هي التي تغني للناس، والتي اتخذت الغناء حرفة لها، تعيش عليها. ومنهم من يستدعي إليه أصحاب المجون والنوادر والفكاهات والملح للترفيه عنهم. وقد اشتهر بالمزاح رجل اسمه "نعيمان" وكان من أصحاب رسول الله البدريين٥. والمجون ألا يبالي الإنسان بما صنع. والماجن عند العرب: الذي يرتكب المقابح المردية والفضائح المخزية، ولا يمضه عذل عاذله ولا تقريع من يقرعه٦، ولا يبالي قولًا وفعلًا لقلة استحيائه٧.
следующие страницы →