وقد كان للملك "النعمان بن المنذر" مضحك اسمه "القرقرة"، كان يضحك منه "النعمان"، واسمه "سعد"١. والقرقرة: نوع من الضحك، اختص بالضحك العالي منه. وقد أدخلوه في المستأكلين والمتطفلين. قالوا: سأله أحد الأشخاص يومًا ما رأيناك إلا وأنت تزيد شحمًا وتقطر دمًا. فقال: لأني لا آخذ ولا أعطي، وأخطئ ولا ألام، فأنا طول الدهر مسرور ضاحك٢.
وقد جاء في شعر للشاعر "لبيد" وصف مجلس للنعمان، وقد وقف فيه "الهبانيق" أي الوصفاء بأيديهم الأباريق ينتظرون إشارة من أحد جلساء النعمان ليصبوا له خمرًا طيبة من خمور تلك الأباريق. فإذا طلب منهم ملء كأس ساروا إلى الطالب سيرًا فاترًا وبتؤدة ليملأوا له الكأس٣.
وكانت لهم عادات وتقاليد في مجالس الشرب وفي مجالس الطعام على نحو ما نفعل اليوم في المآدب الرسمية، فكان من عادة ملوك الغساسنة والمناذرة إجلاس السادة الرؤساء والمقربين إليهم على يمينهم وعلى مقربة منهم، تعظيمًا لشأنهم، ودلالة على مكانة الشخص عندهم. فإذا قدم الشراب أو الطعام، قدم إلى الملك أولًا، فإذا شرب منه، أو ذاقه، أمر فقدم الشراب أو الطعام إلى من هو في يمينه. وقد اتبعت هذه العادة عند سائر الناس في الولائم والدعوات. فكان "النعمان بن المنذر" مثلًا إذا همت الوفود التي تفد إليه بالانصراف، أمر باتخاذ مجلس لهم، يطعمون فيه معه، ويشربون. وكان إذا وضع الشراب سقي النعمان، فمن بدأ به على أثره فهو أفضل الوفد. ويذكر أنه أقام مجلسًا ذات يوم ضم فيه من وفود "ربيعة" "بسطام بن قيس" و"الحوفزان بن شريك" البكريّان.
وفيمن قدم عليه من وفد "مضر" من قيس عيلان: "عامر بن مالك" و"عامر بن الطفيل"، ومن تميم "قيس بن عاصم" و"الأقرع بن حابس"، فلما انتهوا إلى النعمان أكرمهم وحباهم، وأمر "القينة" أن تسقي "بسطام بن قيس"، المعروف بـ"ذي الجدين" أولًا، ثم تسقي الآخرين. فانزعج بقية
стр. 2802
سادات الوفود من هذه المعاملة التي اعتبروها إهانة متعمدة ألحقت بهم١.
وإلى هذه العادة، عادة تقديم الأيمن، أشير في شعر عمرو بن كلثوم في هذا البيت:
صَبَنتِ الكَأسَ عَنّا أُمَّ عَمرٍو ... وَكانَ الكَأَسُ مَجراها اليَمينا٢
و"الردف"، هو الذي يجلس على يمين الملك في قصور الحيرة. فإذا شرب الملك، شرب الردف قبل الناس. وإذا غزا الملك، جلس الردف في مجلسه، وخلفه على الناس حتى يرجع من غزاته. وله المرباع، فهي منزلة كبيرة، ولهذا شرف بالجلوس على يمين الملك، والشرب من بعده. وقد اتخذت هذه المنزلة لإرضاء سادات القبائل وإسكاتهم، ومنعهم بذلك من التحرش بعرب الحيرة. وقد خصصت في "بني يربوع"، وكانوا من القبائل القوية التي تكثر الغارات٣.
وقد تأثر رؤساء الحيرة وأصحاب الحل والعقد والجاه منهم، والمتصلون بالحكومة الساسانية، بالعادات والرسوم المتبعة عند الفرس، فإذا هم يحاكونهم في مآكلهم وفي مجالس شربهم وأنسهم، وفي طريقة معيشتهم. جاء ذلك إليهم عن طريق اختلاطهم بهم بالطبع وشدة امتزاجهم بهم، فنرى عديّ بن زيد العبادي يذكر "النستق" في شعره.
وقد دخلت على الحسناء كلتها ... بعد الهدوء تضيء البيت كالصنم
يَنْصِفُها نُسْتُق تكادُ تُكْرِمهم ... عن النَّصافة كالغِزْلانِ في السَّلَم
و"النستق" الخدم، وهي من الألفاظ المعربة٤. و"الكلّة"، هي الستر الرقيق، ولا تزال تعرف بهذه التسمية في العراق، توضع فوق الفراش وينام تحتها، فتكون كالقبة فوقها، لتمنع البعوض والذباب والحشرات الأخرى من الدخول إلى داخلها ومن إزعاج النائم. وهي "كلتو" Kelto في لغة بني إرم٥.
стр. 2803
وكان المتمكنون من أهل الجاهلية يستعملون "الكلل" للتخلص من البعوض.
ينصبونها على سرير المنام وينامون تحتها١.
ولا بد في المجالس والأندية التي يقصدها الضيوف أو في البيوت من تكريم الرجل بتقديم طيب إليه أو تجميره. ويكون التجمير بمبخرة فيها نار، يرمى عليها شيء من بخور أو مواد أخرى عطرة لتنبعث منها رائحة طيبة تتجه نحو الشخص المراد تكريمه، فيتبخر بها. والتجمير علامة بالطبع من علامات التقدير والتكريم.
وهي ما زالت معروفة، وإن أخذت شأن كثير من العادات والتقاليد القديمة بالانقراض. وقد كانوا يجمرون الميت كذلك، إكرامًا له، وهو تبخيره بالطيب. لتكون رائحته طيبة. ورد في الحديث: إذا أجمرتم الميت، فجمروه ثلاثًا٢.
ونظرًا إلى شح البادية وفقر الحياة وصعوبتها في تلك الأيام، صار الملوك ملاذًا لذوي العسر والحاجات، ولا سيما لأصحاب الألسنة من الشعراء الذين كان للسانهم خطر وأثر في نفوس المجتمع إذ ذاك، فللمديح قيمة وللهجاء أثر في الناس ينتقل بينهم من مكان إلى مكان. فكان هؤلاء يتحايلون ويبحثون عن مختلف المناسبات للوصول إلى الملوك لنيل عطائهم وألطافهم. وكانت مناسبات الشرب والأنس من خيرة المناسبات بالنسبة إليهم، لجو السرور والمرح الذي كان يخيم فيه على الملوك، فيعطون ويجودون ولا يبالون بما يعطون إذا كان صاحب الحاجة لبقًا لطيفًا حلو المعشر، يسيطر بلسانه على الملك، وقد يجعله في عداد المقربين إليه.
ولما كانت الدنانير والدراهم، قليلة إذ ذاك، صارت أعطية الملوك لسادات القبائل مالًا في الغالب، والمال عندهم: الإبل. ويعطون الأكسية والألبسة والطعام لهم ولسواد الناس من الفقراء المحتاجين الذين يقفون عند أبواب الملك يلتمسون منهم الرحمة والشفقة والإنقاذ من الجوع.
والجائزة العطية. فكان الملوك يجيزون من يطلب منهم الجوائز٣ ومنها: "القطوط"، جمع "قط"، وهي الصك بالجائزة والصحيفة للإنسان بصلة يوصل بها. قال الأعشى:
стр. 2804
ولا الملك النعمان يوم لقيته بغبطته، يعطي القطوطَ ويأفق١
ولسادات القبائل أنديتهم أيضًا، يقصدها أشراف القبيلة والناس. وكانوا إذا اجتمعوا تداولوا أمور قبيلتهم وما وقع بين القبائل ونظروا في أيامهم الماضية وقد يتناشدون الأشعار ويتفاخرون٢. ويذكر علماء اللغة أن "النادي المجلس يندون إليه من حواليه ولا يسمى ناديًا حتى يكون فيه أهله. وإذا تفرقوا لم يكن ناديًا. وفي التنزيل العزيز: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَر﴾ . قيل: كانوا يحذفون الناس في المجالس، فأعلم الله تعالى أن هذا من المنكر وأنه لا ينبغي أن يتعاشروا عليه ولا يجتمعوا على الهزء والتلهي وأن لا يجتمعوا إلا فيما قرب من الله وباعد من سخطه"٣. وقد كان ملأ مكة إذا اجتمعوا في نواديهم تذاكروا أمور ساداتها فغض قوم من قوم، وسخر بعض من بعض وروى بعض عن بعض قصصًا للغض من شأنهم، شأن المجتمعات الفارغة التي لا لهو فيها يلهي ولا عمل فيها يشغل. فكان هذا شأنهم حتى نزل التنديد بفعلهم في القرآن. كما نزل يندد في أمور أخرى كانت من هذا القبيل، مثل "المشمعة"، العبث والاستهزاء والضحك بالناس والتفكه بهم.
وفي الحديث: "من تتَبَّعَ المَشْمَعَةَ يُشَمِّعُ اللهُ به". أراد من كان شأنه العبث والاستهزاء والضحك بالناس والتفكه بهم جازاه الله جزاء ذلك. وقال الجوهري: أي من عبث بالناس أصاره الله إلى حالة يعبث به فيها"٤.
وقد لجأ العرب إلى اتخاذ وسائل للتخفيف من شدة وطأة الحرّ عليهم. إذْ أن الجو حار في بلاد العرب بالصيف. وفي جملة ما استخدموه: "المراوح".
ورد أن الناس كانوا يستعملونها للترويح عن أنفسهم٥. وللريح أهمية كبيرة في جزيرة العرب وفي البلاد الحارة. إذ أن وقوفه يزعج الناس ويؤذيهم، فلا غرابة إذا ما اعتبروا الرياح رحمة تغيث الناس وتفرج عن كربهم. وتغَنّوا بها وسروّا بهبوبها سرورًا كبيرًا. بهبوب الرياح المنعشة المرطبة التي تحمل المزن لهم. فتصيب الأرض وترويها بما تحمله معها من مزن. ولريح الصبا، ذكريات طيبة عند العرب.
стр. 2805
ولها أثر خالد في الشعر، حتى أنهم كانوا يطعمون عند هبوبها. وهي ريح معروفة تقابل الدبور. سميت بذلك لأنها تستقبل البيت وكأنها تحن إليه. قال ابن الأعرابي مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش. وتزعم العرب أن الدبور تزعج السحاب وتشخصه في الهواء ثم تسوقه، فإذا علا كشفت عنه واستقبلته الصبا، فوزعته بعضه على بعض حتى يصير كسفًا واحدًا، والجنوب تلحق روادفه به وتمده من المدد، والشمال تمزق السحاب١.
ومن وسائل التلطيف من حدة الحر، رش الأرض بالماء. أي نفح المكان بالماء٢. ورش الحصر المنسوجة من جريد النخل أو من الحلفاء أو من غيرها بالماء، حتى تبرد فينام الإنسان عليها، أو تعليقها ونضحها بالماء. فيبرد الهواء الذي يمر من مساماتها بعض الشيء٣. ورش ستر الكرباس والخيش بالماء، ليبرد الهواء الذي يخترق مساماتها، فينعش الجالس أمامها.
وكان الوجوه وأشراف البلد إذا أرادوا الانشراح شربوا وسمعوا القيان، وكان لأكثرهم قيان امتلكوها للترفيه عنهم بالغناء. و"القينة" الأمة المغنية أو أعم. يذكر علماء اللغة، أن اللفظة من "التقين" التزين، لأنها كانت تزين. وذكر أن القينة الأمة والجارية تخدم حسب٤. و"المغنية" هي التي تغني للناس، والتي اتخذت الغناء حرفة لها، تعيش عليها.
ومنهم من يستدعي إليه أصحاب المجون والنوادر والفكاهات والملح للترفيه عنهم. وقد اشتهر بالمزاح رجل اسمه "نعيمان" وكان من أصحاب رسول الله البدريين٥. والمجون ألا يبالي الإنسان بما صنع. والماجن عند العرب: الذي يرتكب المقابح المردية والفضائح المخزية، ولا يمضه عذل عاذله ولا تقريع من يقرعه٦، ولا يبالي قولًا وفعلًا لقلة استحيائه٧.
стр. 2806
والمزاح: الدعابة، والمزح نقيض الجد١. وليس في طبع العربي ميل إلى المزاح، إذ يراه منقصة بحق الرجل وإسفافًا يعرضه إلى التهكم والازدراء به.
وذكر بعض علماء اللغة أن الدعابة المزاح مع لعب٢. وقيل: يتكلم بما يستملح٣.
стр. 2807
الخصومات:
ويقع النزاع بين الناس، يقع بين الأهل كما يقع بين الجيران أو بين الأباعد. وقد يتحول إلى "عراك" وإلى وقوع معارك١. والمشاجرة الخلاف والاشتباك. وقد تكون المشاجرة بسيطة بأن يشاتم ويسابب طرف طرفًا آخر. ويعبر عن ذلك باللحاء. ونظرًا لجهل الناس في ذلك الوقت، فشا السباب والتشاتم بينهم. بين الرجال والرجال وبين النساء والنساء وبين الجنسين. وإذا طال واشتد تدخل الناس في الأمر لإصلاح ذات البين. وقد تتطور الخصومة البسيطة فتتحول إلى خصومة كبيرة يساهم فيها آل المتخاصمين وأحياؤهم، وقد يقع بسبب ذلك عدد من القتلى. وقد حفظت كتب الأخبار والأدب أسماء معارك وأيام، سقط فيها عدد من القتلى بسبب خصومات تافهة، كان بالإمكان غض النظر عنها، لو استعمل أحد الجانبين الحكمة والعقل في معالجة الحادث.
стр. 2808
قتل الوقت:
وقد أشرت إلى أن "النعمان بن المنذر" كان يستخدم المضحكين، وعلى رأسهم "سعد القرقرة" لإضحاكه. وقد عد في المستأكلين والمتطفلين. وقد استعان السادة والأشراف بالمضحكين أيضًا ليقصوا لهم القصص المضحك. والقرقرة الضحك إذا استغرب فيه. وقد لقب بها سعد هازل النعمان بن المنذر ملك الحيرة. كان يضحك منه١. وكان من أهل هجر٢.
стр. 2809
والمخنثون مادة من مواد التسلية والفكاهة والطرب. وقد خصي بعضهم، وعادة الخصاء عادة قديمة معروفة عند مختلف الشعوب، ذلك لأنهم كانوا يدخلون على النساء في البيوت، فخصوا اتقاء حدوث اتصال بين هؤلاء والنساء. وكان في المدينة على عهد الرسول ثلاثة من المخنثين: هيت، وهرم، وماتع، فسار المثل من بينهم بهيت، فقيل: أخنث من هيت١. ومن المخنثين في الإسلام طويس، ويقال له: إنه أول من غنى بالمدينة في الإسلام، ونقر الدفّ المربع.
وكان أخذ طرائف الغناء عن سبي فارس. وقد خصي مع غيره من المخنثين.
وكان مألوفًا خليعًا يضحك كل ثكلى٢.
وقد عير العرب بالخنث، والخنث من فيه انخناث وتثن. وهو المسترخي.
وهو جبان لا يطيق القتال. وتكون المرأة أشجع منه مع أنه رجل. ويقال للجمع: "الخناث". قال الشاعر:
لعمرك ما الخناث بنو قشير ... بنسوان يلدن ولا رجال٣
والمحمقون مادة من مواد التسلية والترويح عن النفس. ومنهم من اتخذ التحمق وسيلة للوصول إلى الملوك والسادات. ومنهم من كان محمقًا بطبعه. مثل هؤلاء يكونون وسيلة من وسائل السمر، بما يظهر منهم طبعًا أو تصنعًا من حمق. وقد عرف "نعامة"، واسمه "بيهس"، بالتحمق، فقيل: "أحمق من بيهس".
وهو من "بني ظالم بن فزارة"٤. وذكر أنه أحد الأخوة السبعة الذين قتلوا وترك هو لحمقه. وهو القائل:
ألبس لكل حالة لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها٥
واشتهرت بمكة امرأة عرفت بالحمق. قيل لها: "خرقاء مكة". ذكر أنها كانت إذا أبرمت غزلها نقضته. فاشتهر أمرها حتى ضرب بها المثل. وإليها أشير
стр. 2810
في القرآن في قوله: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ ١. "وقيل: المراد امرأة معينة من قريش: ريطة بنت سعد بن تيم. وكانت خرقاء. اتخذت مغزلًا قدر ذراع وصنارة مثل أصبع. وهي الحديدة في رأس المغزل وفلكه عظيمة على قدرها. وكانت تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهر، ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن"٢. وذكر أن تلك المرأة هي: "ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة"، وكانت امرأة حمقاء بمكة، وكانت تفعل ذلك٣. والظاهر أن أهل مكة كانوا يتندرون بذكر حمقها، فضرب القرآن بها المثل لتذكير قريش قومها بها، لئلا يكونوا مثلها في الحمق.
وعرف الجاهليون لونًا آخر من ألوان الترويح عن النفس والترفيه عنها، هو التنزه في البساتين وفي مواطن الكلأ والأماكن الجميلة من البادية في أيام الربيع حيث تكتسي ببسط من الخضرة، وحيث تظهر الأزهار البرية، ذات الروائح الزكية.
فكان ملوك وأهل الحيرة يقضون أيامًا في المتنزهات القريبة منهم وفي مواطن في البادية يروحون عن أنفسهن ويتلهون بالصيد. وكان أهل يثرب يخرجون إلى "العقيق" متنزههم للتسلية٤. وهكذا فعل غيرهم من سكان بلاد الشام وجزيرة العرب.
ومن ملوك الحيرة الذين ارتبط اسمهم باسم الأزهار التي تجود بهام البوادي أيام الربيع الملك "النعمان بن المنذر" فقد قيل للشقائق التي تنبتها البادية، مثل أرض النجف، "شقائق النعمان". قيل: إنها دعيت باسمه لأنه جاء إلى موضع وقد اعتم نبته من أصفر وأحمر، وإذا فيه من هذه الشقائق ما راقه ولم ير مثله، فحماها فسميت "شقائق النعمان" بذلك٥.
وكان من عادة أهل مكة الذهاب إلى الطائف في أيام القيظ، للتخلص من حر مكة الشديد، لطيب هواء الطائف واعتداله، ولوجود الماء البارد بها الخارج من العيون والآبار. ولوجود مختلف الأثمار والخضرة بها. وقد كان لأغنياء مكة
стр. 2811
أملاك بها وبساتين استغلوها. ومنهم من كان يذهب إلى بلاد الشام للاتجار ولتمضية الصيف هناك.
وكان في جملة ما ابتكره الجاهليون لقطع الوقت "الأغلوطات"، وهي صعاب المسائل، فيطرح سائل ما سؤالًا عويصًا على المستمعين، ويطلب منهم أن يعملوا فكرهم لحلّه، وقد ورد في الأخبار أن الرسول نهى عن "الأغلوطات"١. وقيل: "الغلوطات". وهي الكلام الذي يغلط فيه ويغالط به٢.
وكان تناشد الشعر والتساجل فيه من جملة الأمور التي أمضوا أوقاتهم بها.
فكان أحدهم يطارح صاحبًا له أو جملة أصحاب له الشعر، وقد يجتمع الأصدقاء حولهم ليروا الفائز من المتبارين. والفائز هو من يبز غيره في الحفظ، إذ يبقى يطارح أصحابه ما يحفظ حتى يعجزهم، فيغلبهم ويكسب الفوز. وقد يكون ذلك برهن يعطى للغالب، وقد يكون بغير رهن. والمساجلة المباراة والمفاخرة في الأصل، بأن يصنع كل من المتبارين صنعه في شيء فمن بقي وبز صاحبه غلبه.
وهكذا تكون في الشعر، فمن يثبت يكسب المساجلة٣.
стр. 2812
اللباس:
جاء في بعض الأخبار: "كل ما شئت والبس ما شئت"١. ولكن الشائع بين الناس "كل ما شئت والبس ما يشتهي الناس"، ذلك لأن اللباس مظهر، وعلى الإنسان أن يظهر في خير مظهر أمام الناس. وقد ورد أن العرب تلبس لكل حالة لبوسها٢. وينطبق ذلك على السراة وذوي اليسار والثراء بالطبع، أما سواد الناس، فلم يكن من السهل عليهم الحصول على اللباس. إذ كان غاليًا مرتفع الثمن بالنسبة لأوضاعهم الاقتصادية. فكانوا يسترون أجسامهم بأسمال بالية وبكل ما يمكن أن يستر الجسم به.
وكسوة العرب، تختلف وتتباين، باختلاف الشخص وباختلاف الجماعة التي
стр. 2813
ينتسب إليها والمكان الذي يعش فيه. فللأعراب ألبسة وذوق، ولأهل المدر أذواق وأمزجة في اللباس، تتباين فيما بينها، بتباين المنزلة والمكانة والحرفة. ولذوي اليسار والثراء ألبسة فاخرة، يستوردونها من الخارج في بعض الأحيان، فيها أناقة وفيها تصنع، وهي من المواد الغالية الثمينة في الغالب، لا يتاح لغير الموسرين الحصول عليها. ثم إن بعض الناس يفضلون لونًا يعافه بعض آخر ويتجنبه.
فكان الكاهن لا يلبس المصبغ، والعرف لا يدع تذييل قميصه وسحب ردائه، والحكم لا يفارق الوبر، ولحرائر النساء زيّ، ولكل مملوك زي، يتساوى في ذلك لباس الرأس ولباس البدن١.
وقد كان أثرياء مكة ويثرب والقرى والقبائل يلبسون الملابس الفاخرة المصنوعة من الحرير ودقيق الكتان والخز، وغير ذلك من الثياب الغالية الرقيقة، المستوردة من دور النسيج المعروفة في جزيرة العرب ومن خارجها، ويلبسون النعال الجيدة، مثل النعل الحضرمية المشهورة بمكة، ويتعطرون بعطور غالية ثمينة٢، ويركبون الدواب الحسنة المطهمة مبالغة في التباهي والتظاهر.
وتختلف كسوة الرأس عند العرب باختلاف منزلة الرجل ومكانته ووضعه وحاله.
و"العمامة" هي فخرهم وعزهم وأفخر ملبس يضعونه على رءوسهم. حتى قيل: "عمم الرجل: سوّد؛ لأن تيجان العرب العمائم، فكما قيل في العجم: توج من التاج، قيل في العرب: عمم"، "والعرب تقول للرجل إذا سود: قد عمم، وكانوا إذا سودوا رجلًا عمموه عمامة حمراء"٣. وورد عن عمر قوله: "العمائم تيجان العرب٤". وهي تعد عادة من عادات العرب٥. خاصة العرب أصحاب الجاه والمكانة والنفوذ من حضر وبادية، فإنها تميزهم عن بقية الناس.
وقد جاء في الخبر: "أن العمائم تيجان العرب". "وكان يقال: اختصت
стр. 2814
العرب من بين الأمم بأربع: العمائم تيجانها، والدروع حيطانها، والسيوف سيجانها، والشعر ديوانها"١.
وتعد العمامة من لبس الطبقة العالية والمترفة، وذلك لأن الطبقة الفقيرة والعامة لم تكن تتمكن من اقتنائها، وإنما تضع على رأسها أغطية أخرى، أخف وزنًا وثمنًا من العمامة، ولذلك كانوا إذا أرادوا التعبير عن رخاء شخص، قالوا: "أرخى عمامته: أمن وترفه، لأن الرجل إنما يرخي عمامته عند الرخاء"٢.
وجاء في الحديث: أنه كان يتعوذ من الحور بعد الكور، أي من النقصان بعد الزياد. وهو من تكوير العمامة، لأن الكور تكوير العمامة، والحور نقضها، وتكوير العمامة دلالة على الرخاء وحسن الحال، والحور يعني تغير الحال كما ينتقض كور العمامة بعد الشد٣. ففي تكوير العمائم، دلالة على النعمة والرخاء. إذ لم يكن في وسع الفقير شراء قماش يعمم به رأسه على سنة الأغنياء. فكيف به يعمم رأسه بعمامة كبيرة.
ولم يكن تكوير العمامة العلامة الوحيدة الدالة على الغنى والجاه، بل كان الإسراف في إطالة الردن والذيل في الثوب من علائم الغنى والجاه أيضًا. فقد كان السادات والأغنياء يطيلون الأردان وأذيال الثياب، حتى تصير تلامس الأرض، للتعبير عن غناهم وكثرة مالهم وأنهم لا يبالون بالمال ولا بالثياب فيتركونها تجر الأرض وراءهم من سعة عيشهم. بينما لم يكن في وسع الفقير أكساء جسمه حتى بالأسملة.
وللعمامة منزلة كبيرة عند العرب. فهي تعبر عن شرف الرجل وعن مكانته، فإذا اعتدي عليها أو أهينت، لحق الذل بصاحبها، وطالب بإنصافه وبأخذ حقه.
وإذا أهين شخص أو شعر بإهانة لحقت به، ألقى بعمامته على الأرض، ونادى بوجوب إنصافه. ويعدّ اللوذ بعمامة رجل، وذكرها من موجبات الوفاء والإنصاف لمن لاذ بها. "وإذا قالوا سيد معمم، فإنما يريدون أن كل جناية يجتنيها الجاني في تلك العشيرة، فيه معصوبة برأسه"٤. كما يريدون بذلك السيادة لأن تيجان العرب العمائم، فكما قيل في العجم: توج من التاج. قيل في العرب: عمم. وكانوا
стр. 2815
إذا سودوا رجلًا عمموه عمامة حمراء. وكانت الفرس تتوج ملوكها فيقال له: المتوج١.
ويدل سيماء العمامة على مكانة حاملها، فلقماش العمامة وللونها ولشكلها العام، أي كيفية تكويرها، دلالة على مكانة صاحبها ومنزلته في المجتمع. فعمامة المترفين المتمكنين هي من أقمشة فاخرة، نسجت بعناية، منها عمائم الديباج والخز، وذكر أن العمائم المهراة، وهي الصفرة، هي لباس سادة العرب٢. وأن بعض السادة مثل "الزبرقان بن بدر" كانوا يصبغون عمائمهم بصفرة، ويعصفرونها بالعصفر وإلى ذلك أشار الشاعر بقوله:
وَأَشهَدُ مِن عَوفٍ حُلولًا كَثيرَةً ... يَحُجّونَ سَبَّ الزَبرَقانِ المُزَعفَرا
والسب: العمامة٣.
وورد في الحديث "كانت عمائم العرب محنكة" أي طرف منها تحت الحنك٤.
وقد جرت عادة العرب بإرخاء العذبات، وقد يزيدون في ذلك دلالة على الوجاهة والغنى٥.
ويذكر علماء اللغة أن "من أسماء العمامة: العصابة، والمقطعة، والمعجر، والمشوذ، والكوارة"٦. وقيل: إن العصابة والعمامة سواء٧.
وقد كان السادات يتفننون في لبس العمامة وفي اختيار ألوانها، فكانوا يختارون لكل مناسبة لونًا، فكان بعضهم إذا قاتل لبس عمامة حمراء، ولبس بعضهم عمامة صفراء أو سوداء. يتبع ذلك مزاج لابسها وعمره، ونُظر إليها على أنها جمال الرجل، ومظهره الذي يظهر به. ورد أن علي بن أبي طالب كان يقول:
стр. 2816
جمال الرجل في عمته، وجمال المرأة في خفها١.
وفي الأمثال: "أجمل من ذي عمامة"، وهو مثل من أمثال مكة، قيل: إنهم قالوه لسعيد بن العاص بن أمية، المعروف عندهم بـ"ذي العمامة".
وكان في الجاهلية إذا لبس عمامة، لا تلبس قريش عمامة على لونها. وقيل: إنه كناية عن السيادة. وذلك لأن العرب تقول: فلان معمم، يريدون أن كل جناية يجنيها الجاني من تلك القبيلة والعشيرة، فهي معصوبة برأسه. وإلى مثل هذا ذهبوا في تسميتهم سعيد بن العاص، ذا العمامة، وذا العصابة٢.
وربما جعلوا العمامة لواء، فينزع سيد القوم عمامته، ويعقدها لواء، وفي ذلك معنى التقدير والاحترام، لأنها عمامة سيد القوم، وربما شدوا بها أوساطهم عند التعب والمجهدة٣.
وما يكون تحت الحنك من العمامة هو "الحنكة". أما ما أرسل منها على الظهر فهو الذؤابة. وأما "القفدة" فأعلى العمامة. والعمة العجراء. هي العمة الضخمة. وفي العمامة الكور، وهي الطرائق التي يعصب بها الرأس٤.
ولطريقة شد العمامة ووضعها على الرأس أسماء، وضعت لكل شدة أو طريقة من طرق وضعها فوق الرأس. ويختلف حجم العمامة وألوانها باختلاف العمر أيضًا. فللشاب عمائم تميزهم عن الكهول والشيوخ. كما يختلفون عنهم في اختيار ألوان الألبسة. وذكر أن الرسول كانت له عمامة تسمى السحاب، وكان يلبسها ويلبس تحتها "قلنسوة". وكان يلبس القلنسوة بغير عمامة ويلبس العمامة بغير قلنسوة.
وكان إذا اعتم أرخى عمامته بين كتفيه. ولما دخل مكة، دخلها وعليه عمامة سوداء٥.
ووضعت القلنسوة على الرأس كذلك، فورد أن خالد بن الوليد كان يضع قلنسوة على رأسه٦. وقد لبسها الرسول. وكانت معروفة عند الجاهليين وأشير إليها في الشعر. ولفظة "قلنسوة" من الألفاظ المعربة عن "اللاتينية". عربت من Calantica. ويراد بها ضرب من ملابس الرأس٧.
стр. 2817
وقد كان الجاهليون يوفقون أيضًا بين نوع ملابسهم، فكانوا يلبسون مثلًا عمامة خز مع جبة خز ومطرف خز١ وذلك للتناسق في اللباس.
وجعلوا العمامة شعارًا للعرب ورمزًا لهم، إذا زال زالت عروبتهم. "قال غيلان بن خرشة للأحنف: يا أبا بحر. ما بقاء ما فيه العرب؟ قال: إذا تقلدوا السيوف، وشدوا العمائم، واستجادوا النعال، ولم تأخذهم حمية الأوغاد"٢.
وورد "في الخبر، إن العمائم تيجان العرب، فإذا وضعوها وضع الله عزهم".
وقيل: اختصت العرب: بالعمائم تيجانها، وبالدروع وبالسيوف وبالشعر٣.
وعرفت "المساتق" في الحجاز. وهي فراء طوال الأكمام، واحدتها "مستقة". وذكر الجواليقي أنها من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وأنها "مشته" في لغة الفرس. وروي أن الرسول كان يصلي وعليه مستقة، وأن مستقته من سندس مبطنة بالحرير، أهديت إليه٤. ذكر أن ملك الروم أهداها إليه٥.
وأما الجبة، فهي من ألبسة الموسرين كذلك، لأنها غالية، تكون من خز، وتكون من ديباج ومن أقمشة أخرى. وقد ذكر أن الأكيدر أهدى إلى الرسول جبة من ديباج منسوج فيها الذهب٦. وقد تكون واسعة الكمين، كما تكون ضيقتهما. وقد لبس الرسول في السفر جبة ضيقة الكمين٧. وذكر أنه قد كانت عند "أسماء بنت أبي بكر" جبة لرسول الله، "طيالسية خسروانية لها لينة ديباج وفرجاها مكفوفان بالديباج. فقالت هذه كانت عند عائشة حتى قبضت، فلما قبضت قبضتها، وكان النبي، ﷺ ، يلبسها، فنحن نغلسها للمريض نستشفي بها"٨.
وتعدّ الجبب من مقطعات الثياب. فقد اصطلح علماء اللغة على تقسيم الثياب إلى مقطعات وغير مقطعات. والمقطع من الثياب كل ما يفصل ويخاط من قميص
стр. 2818
وجباب وسراويلات وغيرها، وما لا يقطع منها كالأردية والأزر والمطارف، والرياط التي لم تقطع، وإنما يتعطف بها مرة ويتلفع بها أخرى١.
والجبب مثل سائر الثياب، لا تكون بلون واحد. فقد تكون بيضاء، وقد تكون سوداء، وقد تكون حمراء، وقد تكون خضراء، ويختار لابسها اللون الذي يلفت نظره. وقد تكون له جملة جبب بألوان مختلفة، يلبس صاحبها الجبة التي يلائم لونها المناسبة والمكان الذي يذهب إليه.
و"البرنس"٢: قلنسوة طويلة، أو كل ثوب رأسه منه، ملتصق به، درّاعة كان أو جبة، أو ممطرًا. وكان النساك يلبسونها في صدر الإسلام٣.
واللفظة من الألفاظ المعربة عن اليونانية، عربت من أصل "فيروس" Virros، بمعنى ثوب عريض الكمين، غطاء الرأس ملتص به، أي: هو جزء منه. ويلبس عندهم فوق الثياب٤.
و"القميص" من الثياب المقطعة. ذكر بعض علماء اللغة أنه لا يكون إلا من قطن أو كتان. وأما من الصوف فلا. والظاهر أنهم خصصوه بالقطن أو الكتان للغالب٥. وذكر أن الرسول لبس قميصًا من قطن، وكان قصير الطول، قصير الكمين. والظاهر أن هذه الصفة كانت هي الصفة الغالبة على القمصان، ثم طولت فيما بعد ووسعت أكمامها٦.
و"الخميصة" من الألبسة القديمة. وهي ثياب من خز ثخان سود وحمر ولها أعلام ثخان أيضًا. وذكر أن الخميصة كساء أسود مربع له علمان، فإن لم يكن معلمًا، فليس بخميصة. وذكر أنها قد تكون من خز أو صوف. والظاهر أنهم كانوا لا يسمون الخميصة خميصة، إلا إذا كانت ذات أعلام. وهي من ألبسة الموسرين٧.
و"الرداء"، الوشاح، ويقع على المنكبين ومجتمع العنق٨. وهو ما يشمر
стр. 2819
على النصف الأعلى من الجسم لتغطيته، ويكون من قطعة واحدة من القماش، يلف على هذا النصف. قد يكون طويلًا واسعًا، وقد يكون قصيرًا. وقد يلف على الجسم رأسًا، وهو الغالب، وقد يلف فوق ألبسة أخرى.
و"الإزار" الملحفة، وما يستر أسفل البدن، والرداء ما يستر به أعلاه. وكلاهما غير مخيط. وقيل: الإزار ما تحت العاتق والظهر. ولا يكون مخيطًا فهو قطعة قماش، يلف به القسم الأسفل من البدن لستره١. يختلف طوله وعرضه حسب رغبة لابسه. ويلبس الإزار مع الرداء في الغالب، وقد تلبس معه ألبسة أخرى.
و"النمرة" شملة فيها خطوط بيض وسود، وبردة مخططة من صوف تلبسها الأعراب. وذكر أن كل شملة مخططة من مآزر الأعراب، فهي نمرة. وجمعها أنمار ونمار. كأنها أخذت من لون النمر، لما فيها من السواد والبياض. وقد لبس النبي النمار. وورد: نبطي في حبوته، أعرابي في نمرته أسد في تامورته٢.
والمطرف: رداء من خز مربع، له أعلام. وهو من الأردية التي يلبسها الأغنياء وذوو اليسار. وذكر أن المطرف رداء في طرفيه علمان٣.
ولبس الجاهليون القباء. وقد كان كسرى قد أهدى "الأكيدر" قباءًَ من ديباج منسوج بالذهب٤. وكان من عادة الأكاسرة أن يكسوا الرؤساء وسادات القبائل أقبية من الديباج، للتلطف والاسترضاء.
واكتسبت البرد اليمانية شهرة كبيرة بين الجاهليين، وبقيت شهرتها في الإسلام، وهي ذات ألوان. وفي كتب الأخبار: إن وفد رؤساء مكة حينما ذهبوا على سيف بن ذي يزن، لتهنئته، ودخلوا عليه في قصر غمدان، وجدوه متضمخًا بالعنبر، يلمع وبيص المسك في مفرق رأسه، وعليه بردان أخضران قد ائتزر بأحدهما٥.
واشتهرت برود "تزيد" عند العرب كذلك وضرب بها المثل، كما يضرب
стр. 2820
ببرود اليمن. وذكر أن العرب تنسب البرود الفاخرة إلى تزيد، وتزعم أنها قبيلة للجن١.
ولبس الجاهليون الألبسة الحمراء مثل: المياثر الحمر والألبسة الحمراء البحتة القانية. وذكر أن الرسول نهى عن لبس الألبسة الحمراء الخالصة التي لا يخالط لونها هذا لون آخر. ولم ينه عن لبس الألبسة المخططة بحمرة مع لون آخر، مثل الحلل اليمانية، وهي إزار ورداء، منسوجان بخطوط حمر مع الأسود. كما نهى الرجال من لبس الربط المضرجة بالعصفر، لأنها من لبس الكفار٢.
ولبس العرب الثياب المصبغة، وذكر أن ساداتهم كانوا يصبغون ثيابهم بالزعفران.
وأن من صبغ ثيابه به "ذو المجاسد"٣. وهو من حكام الجاهلية وفقهائها.
وذكر أن العرب كانت مصفقة على توريث البنين دون الأناث، فورث ماله لولده في الجاهلية للذكر مثل حظ الأنثيين. فوافق حكم الإسلام٤. وورد أن ملحفة رسول الله التي يلبس في أهله مورسة حتى أنها لتردع٥ على جلده٦.
وقد كان الأغنياء والشباب يبالغون في ألبستهم، فكان منهم من يشمر ثوبه، ومنهم من يسبله ويتركه يجر الأرض، ومنهم من يبالغ في ردائه خيلاء وتيهًا وتكبرًا. ونظرًا إلى ما يتركه من أثر في نفوس الفقراء، وإلى ما فيه من إسراف وتبذير في استعمال الأقمشة، نهي عن فعل ذلك في الإسلام. وورد النهي عن ذلك في كتب الحديث٧. وورد النهي عن لبس القمصان ذات الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراج، لأنها من جنس الخيلاء٨.
ويلبس العرب النعال في أرجلهم، ويفضلونها على غيرها من ألبسة الرجل مثل الخف. وقد ورد ذكرها في شعر النابغة٩. وتصنع من الجلود المدبوغة، ولا سيما
стр. 2821
جلود البقر١. ويذكر بعض أهل الأخبار أن أول من حذا النعال هو جذيمة الأبرش بن مالك٢.
وقد ضرب العرب المثل بموضع تجميع الأنعلة في الذلة والهوان. فقيل: هو في صف النعال، لا في صف الرجال٣. دلالة على أن الرجل من الطبقة الذليلة.
والخفاف، جمع الخف، هي في منزلة النعل عند العرب. لبسوها في أرجلهم، وشاع استعمالها بين أهل المدر في الحجاز وفي الأمكنة الأخرى. وذكرت في كتب الفقه، في باب الوضوء والصلاة، حيث جوز الفقهاء المسح على الخفين.
وورد النهي باستعمال الخفين للمحرم إلا عند عدم النعلين٤، وذلك يدل على استعمال أهل الحجاز للخفاف قبيل الإسلام.
ومن الخفاف، نوع يقال له: "الموزج"، ويذكر بعض علماء اللغة أن اللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وأن أصلها "موزه"٥. وهناك نوع آخر يسمى "الموق" ويجمع على "أمواق"، وقد عرف بأنه خف غليظ يلبس فوق الخف. ويظهر من بيت للشاعر المخضرم النمر بن تولب، إن العباديين كانوا يلبسون الأمواق إذ وصف مشية النعاج بمشي العباديين في الأمواق٦.
وورد في الأخبار: أن العرب تلهج بذكر النعال، والفرس تلهج بذكر الخفاف٧.
وورد أن النساء كن يلبسن الخفاف، وقد ورد أن أصحاب رسول الله كانوا ينهون نساءهم عن لبس الخفاف الحمر والصفر. ويقولون: هو من زينة آل فرعون٨. ويعني هذا أن نساء الجاهلية كن يلبسن الخفاف الملونة، فوجد المسلمون أن في ذلك تقليدًا للأعاجم فأمروهن بنبذ الملون منها.
стр. 2822
وقد ضرب العرب المثل بخفي حنين عند اليأس من الحاجة والرجوع بالخيبة.
فيقال: رجع بخفي حنين. وكان حنين إسكافًا من أهل الحيرة، فساومه أعرابي بخفين، فاختلفا حتى أغضبه الأعرابي، وأراد حنين غيظ الأعرابي، فلما ارتحل أخذ أحد خفيه، فطرحه، ثم ألقى الآخر في مكان آخر، فلما مر الأعرابي بأحدهما قال: ما أشبه هذا الخف بخفي حنين ولو معه الآخر لأخذته، ومضى فلما انتهى إلى الآخر ندم على تركه الأول، فأناخ راحلته ورجع في طلب الأول، وقد كان حنين كمن له، فعمد إلى راحلته وما عليها فذهب بها، وأقبل الأعرابي وليس معه إلا خفان. فقال له قومه: ماذا جئت به من سفرك؟ قال جئتكم بخفي حنين. فذهبت كلمته مثلًا١.
وحيث أني سأتكلم عن ملابس الجاهليين بشيء من الإطناب في أثناء حديثي عن الحرف، لذلك أكتفي بما ذكرته في هذا الموضع عن الملابس، على أمل التحدث عنها في ذلك المكان.
ومن عادة أهل "نجد" الاستصباح بـ "الداذين". مناور من خشب الأرز ليستصبح بها. وهي بنجد من شجر المظ٢.
ومصابيح القوم من الفخار، أي الطين المشوي بالنار، يوضع في بطنه زيت الوقود تتصل به فتيلة تولع بالنار، ليستضاء بها، وذلك في الأماكن التي يندر فيها استعمال الحجر. أما في الأماكن الجبلية ذات الحجر، فتستعمل كذلك المصابيح المستعملة من الحجر، وخاصة في بيوت الكبار والموسرين. ويستعملون فيها زيت الزيتون. ولا يزال بعض الناس يستعملون هذه "الضواية" في الإنارة٣، وتعرف بـ "المسرجة" كذلك. و"السراج" هو المصباح والنبراس. و"القراط" شعلة السراج، و"الذبال" ما يحمل "السراج". ويقال: سَغْم المصباح، أي مده بالزيت. والنسيلة الفتيلة في بعض اللغات. والمشاعل القناديل والزهليق السراج في القنديل٤.
أما الأعراب، فلم يكونوا يعرفون المصابيح، ومصابيحهم نجوم السماء وضوء القمر يهتدون بها ويستلهمون منها معنى الحياة.
стр. 2823
المأكل والمشرب:
يختلف أكل العرب عن أكل الأعراب. كما يختلف أكل أهل كل مكان عن أكل أهل مكان آخر من جزيرة العرب. وأكل الحضر، متنوع نوعًا ما بالنسبة إلى مأكول أهل الوبر. لفقرهم ولشح باديتهم ولذلك صار طعام الأعراب على العموم بسيطًا. وقد أثر اختلاف نوع الطعام على هيئة الإنسان ووزن جسمه.
فصار جسم الأعرابي نحيفًا في الغالب، لبساطة أكله، وقلة المواد النشوية والدهنية فيه.
ومن عادات العرب أنهم يقلون من الأكل. ويقولون: البطنة تذهب الفطنة، و"البطنة تأفن الفطنة". وكانوا يعيبون الرجل الأكول الجشع. ويرون أن "الأزم"، أي قلة الأكل أفضل دواء لصحة الأبدان. قيل للحارث بن كلدة، طبيب العرب في الجاهلية: ما أفضل الدواء؟ قال: الأزم. ولهم في ذلك أمثلة كثيرة في الأزم، وضرر البطنة. رووا بعضًا منها على لسان لقمان، ورووا بعضًا آخر على ألسنة الحكماء العرب. وهم يعالجون البطنة بالحمية. لأن المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء١. وهم يرون أن الشبع والامتلاء يضعف الفطنة.
أي الشبعان لا يكون فطنًا٢ لبيبًا. فللأكل علاقة كبيرة بالفطنة والعقل والذكاء.
وللعرب مصطلحات عديدة في درجات الأكل. أي من حيث كيفية تناول الطعام، ومن حيث الإقبال عليه إلى حد التخمة. ولما كان الإكثار من الأكل معيبًا عندهم وضعوا ألفاظًا في هؤلاء الذين كانوا يسرفون في الأكل، فإذا دعوا إلى وليمة أسرفوا في الأكل، وأقدموا عليه، وكأنهم جاءوا من سني قحط.
وعابوهم، ومدحوا من اعتدل في أكله وتوسط فيه، وأظهر نظافة وأدبًا في تعاطيه٣.
стр. 2824
ومن عادات العرب، أنهم كانوا يبكرون في الغداء، ويرون أن ذلك أقرب إلى راحة البدن وصحته، ويؤخرون العشاء١.
ومآكل الأعراب قليلة شحيحة مثل شح البادية، خاصة إذا انحبس المطر وهلك الزرع. فإن رزقه يقل وقد يذهب ما معه من زاد فيهلك خلق من الأعراب من شدة الجوع. قيل لأعرابي: ما طعامكم؟ قال: "الهبيد، والضباب واليرابيع، والقنافذ والحيات، وربما والله أكلنا القد، واشترينا الجلد، فلا نعلم والله أحدًا أخصب منا عيشا"٢. و"الهبيد" حب الحنظل، تنقعه الأعراب في الماء أيامًا، ثم يطبخ ويؤكل٣. وأما القد، فجلد السخلة. "وفي حديث عمر، ﵁، كانوا يأكلون القد. يريد جلد السخلة"٤.
وكانوا يفصدون عرق الناقة ليخرج الدم منه فيشرب، يفعلونه أيام الجوع.
كما كانوا يأخذون ذلك الدم ويسخنونه إلى أن يجمد ويقوى فيطعم به الضيف في شدة الزمان، إذا نزل بهم ضيف فلا يكون عندهم ما يقويه، ويشح أن ينحر المضيف راحلته فيفصدها. و"الفصيد" دم كان يوضع في الجاهلية في معي من فصد عرق البعير ويشوى وكان أهل الجاهلية يأكلونه وتطعمه الضيف في الأزمة.
وأما "الفصيدة"، فتمر يعجن ويشاب بدم. وهو دواء يداوى به الصبيان٥.
ويقال للفصيد: "البجة" كذلك. و"البجة" دم الفصيد، يأكلونها في الأزمة. والبج الطعن غير النافذ، فقد كانوا يفصدون عرق البعير ويأخذون الدم يتبلعون به في السنة المجدبة. جاء في الحديث: "إن الله قد أراحكم من الشجة والبجة"، وورد "أراحكم الله من الجبة والسجة"٦. أي قد أنعم عليكم بالتخلص من مذلة الجاهلية وضيقتها ووسع لكم الرزق وأفاء عليكم الأموال.
وكان أحدهم إذا نال شربة من اللبن الممذوق بالماء، وخمس تميرات صغار، ظن نفسه ملكًا، ودب إليه نشاطه، قال الشاعر:
стр. 2825
إذا ما أصبنا كل يوم مُذيقة ... وخمس تميرات صغار كنائز
فنحن ملوك الأرض خصبًا ونعمة ... ونحن أسود الغاب عند الهزاهز
وكم متمن عيشنا لا يناله ... ولو ناله أضحى به حق فائز١
وأكل الجراد معروف مشهور عند الأعراب. يأكلونه نيئًا، وقد يطبخونه أو يحمصونه ويلقون عليه شيئًا من الملح. وقد يأكلونه بالتمر. وبغيره، وهو عندهم طعام لذيذ. يذكر بعضهم أن الإنسان قد يصاب بالشري من أكله، وقد يشكو من بطنة قد تصيبه٢.
وغالب أكل الأعراب لحوم الصيد والسويق والألبان. وكانوا لا يعافون شيئًا من المآكل لقلتها عندهم. حتى أنهم كانوا يأكلون كل شيء تقع أيديهم عليه. ولا نجد من كتب أهل الأخبار ما يفيد تحريم العرب لأكل بعض الحيوان. بل نجد أن أغلبهم قد استباحوا أكلها جميعًا. مهما كان ذلك الحيوان صغيرًا أوكبيرًا حسن المنظر أو قبيحه، من ذات الأظلاف أو من غيرها. حيًّا كان أم ميتًا٣.
وذلك لفقرهم ولشدة الجوع عندهم. فلما جاء الإسلام حرم أكل الميتة والدم ولحم الخنزير والمختنقة وحدد الذبح وما يمكن أكله من الحيوان، بسبب ما كان يصيب الناس من أكل لحومها من أضرار.
وقد أكلوا لحوم الحمر الوحشية والحمر الأهلية، فنهى الإسلام عن أكلها لما في ذلك من ضرر. وتمنى أحد الرجّاز لو اصطاد ضبًّا سحبلًا سمينًا، ليفوز بلحمه من شدة الفاقة والحاجة إلى اللحم٤.
نعم لقد ورد أن بعض القبائل عافت أكل لحوم بعض الحيوانات، أو عابت أكل بعض أجزائها، إلا أن هذا لا يعتبر عامًّا، كما أنه من قبيل العرف والعادة أو مما له علاقة بالعقائد عندهم. فقد ذكر أن قبيلة "جعفي" كانت تحرم أكل "القلب"٥، إلا أن هذا التحريم هو تحريم خاص بهذه القبيلة. أما القبائل الأخرى فقد كانت تأكله ولا تبالي، لأنه غير حرام عندها.
стр. 2826
وفي أيام الشدة وفي الأيام الأخرى أيضًا يرسل الأعراب أولادهم لجمع الحنظل، فإذا جمع نُقِف، لإخراج هبيدة، أي حَبّه، لطبخه، أو تحميصه لأكله.
وقد تفاخر "حسان بن ثابت" بالغساسنة، لأنهم كانوا في بحبوحة من العيش، وليسوا بصعاليك يرسلون ولائدهم لنقف الحنظل١. وإلى ذلك أشار "امرؤ القيس" بقوله:
كأني غداة البين حين تحملوا ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل٢
وقد كانوا يقاسون من شدة الجوع والفقر في بعض السنين حتى يموت من يموت منهم من الجوع. قيل: "كانوا إذا اشتد بهم الجوع وخافوا أن يموتوا أغلقوا عليهم بابًا وجعلوا حظيرة من شجرة يدخلون فيها ليموتوا جوعًا"، "ولقي رجل جارية تبكي فقال لها: ما لك؟ فقالت نريد أن نعتفد"، "والاعتفاد أن يغلق الرجل بابه على نفسه، فلا يسأل حتى يموت جوعًا"٣. فالاعتفاد انتحار للتخلص من ألم الجوع.
قال بعض المدنيين لبعض الأعراب: أتأكلون الحيّات والعقارب والجعلان والخنافس؟ فقال: نأكل كل شيء إلا أم حُبين. فقال المدني: لتَهْنِ أم الحُبَينِ العافية٤. فالفقر كافر، والجوع يدفع الإنسان إلى أكل كل شيء.
والعرب تكني عن الجوع بـ"أبي مالك". وتسمي الخبز جابرًا وعاصمًا وعامرًا٥. وقد كنّت عنه وعن الإفلاس بـ"أبي عمرة"٦.
وهو على فقر أكله وبساطته وجوعه يهزأ بأكل الحضر ويسخر منه، ويرى فيه طعامًا صعبًا لا يهضم. وأكلًا لا يناسب مزاج العرب. إذا أكله آكل أصيب بمرض. وهو محق في ذلك، فرجل ذو معدة فارغة، لا يذوق إلا القليل من الأكل والماء، لا تتمكن معدته من هضم طعام مهما كان بسيطًا، فإنه ثقيل بالنسبة
стр. 2827
إلى معدة الأعرابي، فإذا أقبل على أكل طعام أهل الحضر، وهو طعام غير مألوف عنده أصيب ببطنة تجعله يكره أكل الحضر، وطعام أهل القرى والمدن، ويعجب كيف يأكله أولئك ثم لا يصابون بمكروه. قال أعرابي قدم الحضر فشبع فأتخم:
أقول للقوم لما ساءني شبعي ... ألا سبيل إلى أرض بها الجوع
ألا حيل إلى أرض يكون بها ... جوع يصدع منه الرأس ديقوع١
وقد كان الجاهليون يأكلون كل ما وقع تحت أيديهم من حيوان مقتول أو ميت، فنزلت الحرمة عن ذلك في الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ ٢. وذكر أن أهل الجاهلية كانوا يخنقون الشاة وغيرها، فإذا ماتت أكلوها. وأنهم كانوا يضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلوها. وذكر أن الموقوذة: هي التي ترمى أو تضرب بحجر أو عصًا حتى تموت من غير تذكية. والوقذة شدة الضرب٣.
وأما المتردية، فهي التي تتردى من العلو إلى السفل فتموت، كان ذلك من جبل أو في بئر ونحوه. وسواء تردت بنفسها أو ردّاها غيرها. وكانت الجاهلية تأكل المتردي، ولم تكن تعتقد ميتة إلا ما مات بالوجع ونحوه دون سبب يعرف.
فأما هذه الأسباب، فكانت عندها كالذكاة. فحصر الشرع الذكاة في صفة مخصوصة. وبقيت هذه كلها ميتة. وكذا النطيحة وأكيلة السبع التي فات نفسها بالنطح والأكل٤. وكانت الجاهلية تأكل النطيحة الميتة كما تأكل الشاة التي يأخذها السبع فتخلص منه، وكذلك إن أكل بعضها٥.
وقد كان الجاهليون يستحلون أكل المحرمات المذكورة التي حرمت في الإسلام، ويأكلون ما يذكى من الحيوان على الأنصاب للأصنام، وما يذكى على غير
стр. 2828
الأنصاب على نحو ما يفعل القصاب. والذكاة في كلام العرب الذبح. فلما جاء الإسلام حدد الذبح، على كل ما أدرك ذكاته من المذكورات وفيه حياة، ولو بعض حياة. فأبطل ذكاة ما خمد نفسه من حيوان١. وهو بهذا خالف الجاهليين، إذ لم يشترطوا الشروط التي اشترطها الإسلام في الذبح.
وللأغنياء والحضر آداب في مآكلهم، تبدأ بغسل الأيدي في الغالب، لإزالة ما قد يكون قد علق بها من أتربة وأوساخ، فإذا انتهوا من غسل الأيدي، أكلوا بها. إذ قلما كانوا يستعملون السكاكين و"الملاعق" و"الشوكات" في أكلهم على نحو ما كان يفعله أغنياء العجم. وإذا انتهوا من طعامهم غسلوا أيديهم كذلك لتنظيفها من الدسم ومن المواد الأخرى التي تكون قد علقت بها من بقايا الطعام. والأكل باليد عادة شائعة بين الشعوب السامية، يرون لها مزايا على الاستعانة بأدوات الأكل في الأكل، حتى صارت في حكم العرف والعادات، بل جعل الأكل باليد من السنن المحببة في الدين.
وتستعمل "الربطة" وهي المنديل و"الفوطة" لمسح اليد وتنشيفها من الماء٢. وقد استعمل الملوك والأغنياء المناديل المصنوعة من الحرير أو من الكتان، وهي غالية ثمينة. وذكر بعض علماء اللغة أن الربطة لا تكون إلا بيضاء٣.
والمنديل الذي يتمسح به من أثر الماء وغيره٤. ويظهر أن "الفوطة" و"الفوط" من الألفاظ المعربة، ذكر أنها من لغة سندية معربة "بوته".
وهي في الأصل ثياب تجلب من السند، غلاظ قصار تكون مآزر، أو هي مآزر مخططة يشتريها الجمالون والعراب والخدم وسفل الناس، فيأتزرون. ثم استعملت في معنى "منديل" و"مناديل"، يضعها الإنسان على ركبتيه ليقي بها ملابسه عند الطعام٥.
وقد استخدم الملوك والأغنياء الخدم في تقديم الأطعمة والأشربة، وكما كان يفعل ملوك الفرس والروم وسراتهما، في كسو خدمهم أكسية خاصة نظيفة
стр. 2829
وإلباسهم "سرابيل"، معتملة، كذلك فعل ملوك العرب وسراتهم ولا سيما عرب العراق وبلاد الشام، بخدمهم، وقد قرطوا آذانهم بالنطف -أي: الأقراط- أحيانًا مبالغة في تزيينهم، حتى يعطي جو المآدب والضيافة لونًا شعريًّا خاصًّا.
فإذا قدم شيئًا، وضع المنديل أو الديباجة على كتفه، ووضع تحت صحن الطعام شيئًا، ثم يقدمه إلى الضيوف١.
ويختلف الحضريّ عن الأعرابي في طريقة أكله. فإذا تناول الحضري لقمة صغرها وأكلها بأطراف الأسنان، وحاول جهده ألّا يملأ فمه بلقمة كبيرة، فيبدو الفم منتفخًا منها. وهذا ما يخالف مألوف الأعرابي. "قدم أعرابي على ابن عم له بمكة، فقال له: إن هذه بلاد مقضم وليست ببلاد مخضم". والخضم أكل بجميع الفم. والقضم دون ذلك٢. وقيل: الخضم: ملء بالمأكول٣.
ويعد أكل "اللحوم" من أطايب الحياة، ومن المفاخر التي يتباهى بها الناس على غيرهم، إذ لم يكن في ميسور كل إنسان الحصول على اللحم، ولا سيما "اللحم السمين". وإذا أضيفت إليها الخمور والطيب، والنساء، تمت بذلك مباهج الحياة. وقد عبر عن "الخمور واللحم والطيب"، بالأحامرة الثلاثة.
وكانت هذه تستنزف المال، لما ينفق الإنسان في الحصول عليها من ماله. قال الأعشى:
إن الأحامرة الثلاثة أهلكت ... مالي وكنت بها قديمًا مولعًا
وقال:
الخمر واللحم السمين وأطلي ... بالزعفران فلن أزال مولعا٤
وكان من تنصر من العرب يأكلون لحم الخنزير، يأكلونه أشد الأكل، ويرغبون في لحمه أشد الرغبة٥. وذكر أن غيرهم كانوا يأكلونه أيضًا. وزعم
стр. 2830
"أن العرب لم تكن تأكل القرود"، وروي أنهم كانو يأكلون كل شيء يقع بين أيديهم لشدة الفاقة والحاجة، ولا سيما الأعراب١. فأكلوا دم "الفصيد"، وكانوا يحبونه، ويرون أنه يورث القوة٢.
وورد في ألسنة الناس "أهلك الرجال الأحمران: اللحم والخمر". وورد أيضًا "أهلك النساء: الأحمران، الذهب والزعفران". وذلك لما كان الرجال والنساء ينفقونه من مال للحصول على هذه الأشياء٣. وورد أيضًا: "الأحمران: الطيب والذهب"٤.
وتسربت إلى أهل الحجاز وسائر جزيرة العرب مأكولات أعجمية أخرى، حافظت بعضها على أصالتها وعلى عجمتها. فذكر أن أهل المدينة، لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر، علقوا ببعض مأكولاتهم، فسموا السميط "الرزدق" والمصوص المزور، والبطيخ الحريز٥، ومأكولات أخرى، أدخلها هؤلاء الفرس وأمثالهم بحكم نزولهم على العرب قبل الإسلام.
والثريد هو طعام محبوب مشهور عند العرب. وهو طعام يتكون من فت الخبز وتهشيمه ثم بله بالمرق. والغالب أن يكون بالمرق واللحم. وقد اشتهر "هاشم بن عبد مناف"، بتقديمه الثريد لقومه٦.
ومن أكلات العرب المعروفة "الحريقة"، وهي أن يذر الدقيق على ماء أو لبن حليب فيحتسى، وهي أغلظ من السخينة يبقى بها صاحب العيال على عياله وقت الشدة٧. و"الحيسة" وهي تمر وسمن وأقط، وقد أهدت "أم سليم" حيسة إلى الرسول وضعتها في "برمة" في قدر من حجر، وأرسلتها إليه، لمناسبة دخوله بـ"زينب"٨.
стр. 2831
وعند العرب أكلات تعير بها من يأكلها، منها "السخينة"، وهي تتخذ من الدقيق، دون العصيدة في الرقة وفوق الحساء، وإنما يأكلونها في شدة الدهر وغلاء السعر وعجف المال. والظاهر أنها كانت أكلة معروفة عند قريش خاصة، لذلك عُيّرت بها. وقد عَيَّرها "حسان بن ثابت" بها، فدعاها "سخينة"١، كما سماها بهذه التسمية كعب٢.
وقد مازح "معاوية" "الأحنف بن قيس"، فقال: ما الشيء المُلفَفُ في البجاد؟ قال: هو السخينة يا أمير المؤمنين٣. وإنما أراد معاوية قول الشاعر:
إذا ما مات ميّت من تميم ... فسرك أن يعيش فجئ بزاد
بخبز أو بتَمر أو بسمن ... أو الشيء الملفف في البجاد
تراه يطوف في الآفاق حرصًا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد
وكان الأحنف من تميم، وإنما أراد الأحنف بالسخينة رمي قوم معاوية بالبخل، لأنهم كانوا يقتصرون عليها عند غلاء السعر حتى صار هذا اللفظ لقبًا لقريش٤.
والشواء هو الطريقة الشائعة بين الأعراب وأهل الريف في طبخ اللحوم. فهو وطريقته سهلة: توقد نار، ثم يوضع اللحم عليها، ومتى نضج أُكل. فكان أهل الوبر إذا اصطادوا أو ذبحوا لضيف، أوقدوا نارًا، واشتووا اللحم وأكلوه.
ونجد في قصص أجواد العرب، مثل حاتم، أنهم كانوا ينحرون الإبل أو يذبحون فرسًا، ثم يوقدون نارًا فيشوون اللحم عليها. ويدعى الناس إلى الأكل، فإذا فرغوا منه، مَشوا أيديهم بكل ما يكون أمامهم، حتى أعراف الجياد. كما نجد ذلك في شعر لامرئ القيس٥.
وللعرب أواني استخدموها لتقديم الطعام بها إلى الضيوف. منها: الفيخة والصحفة، وهي تشبع الرجل، ولمكتلة تشبع الرجلين والثلاثة، والقصعة تشبع
стр. 2832
الأربعة والخمسة، والجفنة تشبع ما زاد على ذلك، والدسيعة وهي أكبر الأواني عندهم. وقيل: أكبرها الجفنة التي ورد ذكرها في شعر الشعراء على سبيل الفخر والمدح١.
стр. 2833
الذبح:
والغالب على الجاهليين ذبح الحيوان، لأخذ لحمه، وذلك بقطع الحلقوم بسكين١.
يفعلون ذلك في الشياه والكباش والتيوس والطيور والدجاج. أما بالنسبة إلى السمك وما يستخرج من البحر، فإنهم يتركونه حتى يموت، أو يشقون بطونها وقد يذبحونها أيضًا. ويأكلون الميت منه كذلك. وأما الإبل، فإنهم ينحرونها، ونحر البعير طعنه في منحره٢. وكانوا إذا أرادوا نحر البعير عقروه، أي قطعوا أحد قوائمه ثم ينحر، يفعل ذلك به كيلا يشرد عند النحر٣.
هذا هو الأصل في الحصول على اللحم، ولكنهم كانوا كما جاء في القرآن الكريم لا يعافون أكل الميتة والمختنقة والمتناطحة، لفقرهم وجوعهم. مع ما كان يلحقهم من ضرر من أكلها بسبب فسادها. ولذلك حرم أكل لحومها في الإسلام.
والعادة عند العرب أن من العيب بيع شيء من طعام لمن هو في حاجة إليه.
وهم يشعرون بالخجل وبالإهانة إذا طلب معسر طعامًا أو شرابًا كلبن أو ماء ثم لا يجاب طلبه، أو يطلب عن ذلك ثمنًا يقبضه مقابل ما قدم من طعام أو شراب.
لأن القرى واجب على كل عربي، ولا يكون القرى بثمن. فكيف يقف إنسان موقف بخل وإمساك أمام مرمل محتاج٤.
ويقال لكل ما يؤكل "الطعام"، فالطعام اسم جامع، وجمع أطعمة.
وأشهر وجبات الطعام عند العرب الغداء والعشاء. فالغداء وقت الغدي، والعشاء وقت العشي. أما الفطور، وهو ما يتناوله الإنسان صباحًا، أي عند نهوضه
стр. 2834
من نومه، فليس له عند غالبية العرب مقام كبير، كمقام الغداء أوالعشاء ولا سيما عند أهل الوبر، وحظفه مع ذلك عند أهل المدر أحسن حالًا وأكثر مكانة.
والطعمة: الدعوة إلى الطعام١.
ويعبر عن الطعام بـ"الزاد" كذلك. وورد أن الزاد: طعام السفر والحضر.
وورد: التزود بمعنى اتخاذ الزاد. وأما "العيش"، فالزاد والطعام في لغة أهل اليمن٢.
стр. 2835
الضيافة والأضياف:
وعرف الجاهليون بالقرى -أي: إطعام الأضياف- والجود خلة يتفاخر بها العرب ويتسامون، حتى إن بعضهم أوقد نارًا ليراها الأضياف فيستدلون بها على المنزل، وتسمى هذه النار: "نار القرى"، أي نار الضيافة. وأفقر رجل عندهم يقوم قدر حاجته وإمكانه بإكرام من يفد عليه. والبخل سجية مذمومة يعاب بها، وتكون سبة بين الناس. وهو لؤم، واللؤم قبيح بالعربي.
ولا يقتصر واجب المضيف على تقديم الطعام لضيفه والترحيب به، بل عليه حمايته والدفاع عنه ما دام في بيته. فإذا اعتدى عليه، كان الاعتداء كأنه وقع على المضيف، وخزي وكسف اسمه بين الناس. يلحق العار به وبأسرته، فلا بد له من حماية ضيفه والدفاع عنه مهما كان شأنه وحاله من ضعف وفقر، فإن كان عاجزًا استدعى قومه للدفاع عن اسمه من المعتدين.
وخفرة الجار ثلاث، فإذا انتهى الأجل ومضى اليوم الثالث، انتهت خفرة الجوار، وعلى الضيف الخروج. وفي أثناء الضيافة ونزول الضيف في خفرة مضيفه، يكون في مأمن وفي حمى جاره، فإن وقع عليه شيء، طالب مضيفه بالانتصاف ممن أهان ضيفه، لأنه في ضيافته، وتكون الإهانة كأنها قد لحقت به١.
وورد في الأخبار أن العرب أصحاب حياض. وأنهم كانوا يقرون في الحياض
стр. 2836
وينفون الأقذاء عن الماء١، وذلك لما للماء من أهمية في جزيرة العرب، فعليه تتوقف حياة الإنسان. ولذلك عدت السقاية في مكة مفخرة من مفاخر قريش. وقد فسرت هذه السقاية بأنها وضع الماء في حياض داخل الحرم ليستقي منها الحاج، والاستقاء مجانًا من ماء زمزم للفقراء والمعوزين. وقد يكون هذا هو الأصل من السقاية.
غير أن أهل الأخبار يشيرون أيضًا إلى نوع آخر من السقاية كان يليها الهاشميون في مكة وذلك بإسقاء الحاج الزبيب المنبوذ في الماء مجانًا لهم٢. وهو أغلى وأثمن من الماء.
وذكر أن "بني أفصى بن نُذير بن قسر بن عبقر"، وهم من بجيلة، كانوا "لم ينزل بهم نازل قط إلا عمدوا إلى ماله فحبسوه ودفعوه إلى رجل يرضون أمانته ومانوه بأموالهم ما أقام بين أظهرهم. فإذا ظعن أدوا إليه ماله ورحلوا معه. فإن مات ودوه، وإن قتل طلبوا بدمه، وإن سلم ألحقوه بمأمنه. وفي ذلك يقول عمرو بن الخثارم:
ألا من كان مغتربًا فإني ... لغربته على أفصى دليل
يعينون الغني على غناه ... ويثرو في جوارهم القليل٣
وطبيعي أن يكون بينهم من يشذ عن العرف ويخالف المألوف، فيمسك يديه ويبخل. فقد روي أن ناسًا سافروا من الأنصار فأرملوا فمروا بحي من العرب فسألوهم القرى فلم يقروهم، وسألوهم الشراء فلم يبيعوهم، فأصابوا منهم وتضبطوا، أي: أخذوه على حبس وقهر٤.
стр. 2837
إلى الطعام في أوقات الأتراح أيضًا، وذلك مثل وفاة عزيز، أو مرور أمد على ذكراه، ولهم ولائم أيضًا في المناسبات الدينية. والغاية من كل ذلك هو مشاطرة من يدعون أصحاب الدعوة في مشاعرهم والاجتماع بهم. ويذكر علماء اللغة أن "الوليمة" طعام العرس، أو كل طعام صنع لدعوة وغيرها. وقد كانت العادة إيلام الولائم في الأعراس، لذلك غلب اسم الوليمة على وليمة العرس. وذكر أن الرسول قال لعبد الرحمن بن عوف: أولم ولو بشاة. أي اصنع وليمة١.
والدعوة اسم لكل طعام دعيت إليه الجماعة. فهي تشمل كل أنواع الطعام والدعوات. وبهذا المعنى ترد لفظة: المأدبة. حيث يدعى الناس إلى الطعام لمختلف المناسبات. وهي أعم من الوليمة٢.
وتذبح الذبائح في الولائم والمناسبات إكرام الضيوف. والمفرد "ذبيحة".
وإن كانت تدل على أنثى، غير أنها قد تكون حيوانًا ذكرًا. فلا يشترط فيها أن تكون شاة، بل يجوز أن تكون خروفًا، وهي لا تختص بحيوان معين، فقد تكون جملًا وقد تكون ناقة. ويقال لما يهلّ للآلهة: "ذبائح" كذلك. وتكون الذبائح في مناسبات إكرام الضيف، تبعًا لمنزلة الضيف. فإذا كان الضيف ملكًا مثلًا أو سيد قبيلته بولغ في عدد الذبائح التي تقدم له، إكرامًا لمنزلته ومكانته.
والوليمة هي طعام الإملاك، وقد تطلق على الولائم عامة، ولكن الناس يخصصونها في الغالب بمثل هذه الحالات. فيقولون: وليمة العرس، ووليمة الختان، ونحو ذلك. والدعوة أعم من الوليمة. وأما "الخُرس" فطعام الولادة، وقيل: الطعام الذي يصنع للنفساء لسلامة المرأة من الطلق. و"العقيقة"، وهي طعام سابع الولادة، و"الأعذار" "العذيرة" الطعام يصنع للختان، و"النقيعة" طعام الإملاك، أي: التزويج، وقيل: وما يصنع للقدوم من السفر، وقيل: النقيعة التي يصنعها القادم، والتي تصنع له تسمى التحفة، و"الملاك" ما يصنع للخطبة، ويقال: "الأملاك"، ودعي طعام "الأملاك" بـ"الشدخ" كذلك٣.
стр. 2838
وقيل: إنما قيل لطعام الإملاك "الشندخ"؛ لأن الشندخ هو الفرس الذي يتقدم بقية الخيل. وحيث إن طعام الإملاك هو طعام يتقدم العرس. أي: هو طعام الزفاف، أو ما يصنع للخطبة، لذلك قيل له: الشندخ. وذكر بعض العلماء الشندخ١: الطعام يجعله الرجل إذ ابتنى دارًا أو عمل بيتًا٢، أو قدم من سفر أو وجد ضالته٣.
وقد أشير إلى "النقيعة" على أنها الطعام الذي يصنع للقادم، والناقة التي ينحرها القادم للطعام الذي يتخذه، في شعر ينسب إلى "مهلهل" هو:
إنّا لنضرب بالسيوف رءوسهم ... ضرب القدار نقيعة القُدّام٤
وذكر أن النقيعة كل جزور جزرت للضيافة. ومنه قولهم: الناس نقائع الموت.
وذهب بعضهم إلى أن النقيعة طعام الرجل ليلة يملك٥.
وورد أيضًا أن "المنقع"، طعام المآتم، وأن النقيعة الذبيحة التي تذبح عند الوفاة، والنقع، رفع الصوت وشق الجيب٦. وهذا المعنى يخالف بالطبع المعنى المتقدم لذلك الطعام.
وإذا قام الإنسان بعمل مفيد جديد، فقد بصنع وليمة لهذه المناسبة فإذا قام إنسان ببناء بيت، أو أي بناء آخر جديد، أو استفاد الرجل شيئًا جديدًا، يتخذ طعامًا يدعو إليه إخوانه وأصدقاءه، ويسمون ذلك: العذار٧. وذكر أيضًا أن العذار طعام البناء وطعام الختان، وأن تستفيد شيئًا جديدًا فتتخذ طعامًا تدعو إليه إخوانك٨.
وأما "الوكيرة"، فهي طعام يصنع عند تمام البيت يبنيه الرجل لنفسه، مشتقة من "الوكر"، وهو المأوى والمستقر. وعادتهم عند الانتهاء من البناء
стр. 2839
بيت، دعوة الأقرباء والأصدقاء إلى وليمة لمشاركة صاحب البيت في أنسه وفرحه بتمام البيت١.
و"العقيقة" من الولائم التي يدعى الناس إليها، لمناسبة المساهمة بفرح أهل مولود، حينما يحلقون شعر رأسه لأول مرة، أي: الشعر الذي ولد به٢. وقد تكون العقيقة في الأسبوع الأول من ولادة المولود. وعندئذ يعلن عن اسم المولود الذي سيعرف به.
والختان من المناسبات المبهجة في حياة الأسر. لذلك يولم الناس ولائم لهذه المناسبة يدعونها "العذيرة"، والجمع الإعذار. والمعذور هو المختتن. وقد كان الاختتان معروفًا بين الجاهليين. ويقال للعذيرة أيضًا: العذار والإعذار والعذير.
وكل ذلك في معنى طعام الختان. وفي الحديث: الوليمة في الإعذار حق. وورد في الحديث أيضًا: كنا إعذار عام واحد، أي ختنا في عام واحد. وكانوا يختتنون لسن معلومة فيما بين عشر سنين وخمس عشرة٣.
و"القِرَى": ما يصنع للضيف، و"المأدبة": كل طعام يصنع لدعوة، و"الآدب" صاحب المأدبة٤.
وإذا كانت الدعوة عامة مفتوحة للجميع، قيل لها: "الجَفلَى"، أما إذا كانت خاصة فيقال لها: "النقرى". وفي هذا المعنى ورد في شعر طرفة:
نحن في المشتاة ندعو الجَفَلى ... لا نرى الآدِبَ منها ينتقر٥
ويقال انتقر الرجل إذا دعا بعضًا دون بعض، فكأنه اختارهم واختصهم من بينهم٦.
стр. 2840
وورد أن الجَفَلى، ويقال لطعامها الجفالة: الوليمة، التي ينادي الداعي فيها جميع القوم، أي كل من حضر إلى الطعام. ولا يستثني أحدًا، فكل من حضر يحضر تلك الوليمة عكس النقرى، حيث ينتقر الداعي، أي: صاحب الوليمة الأشخاص بأن يذكر أعيانهم، ولا يدعي غير هؤلاء المنتقرين إلى تلك الوليمة، وهي لذلك مذمومة. يقال: نقرت باسمه، أي: اسميته بين جماعة١.
وقد يقدم طعام يتعلل به قبل الطعام، يعرف عندهم بـ"السُّلْفَة". وإذا أريد أن يكرم الرجل بطعامه عبر عن ذلك بلفظة "القفي". وأما ما يرفع من المرق للإنسان، فيقال له: "القفاوة"٢، وذلك دلالة على التكريم والتقدير.
وإذا هل هلال شهر رجب، دعي بعض الناس إلى وليمة يسمونها "العتيرة"٣.
ولشهر رجب حُرمة ومكانة ومنزلة خاصة في نفوس الجاهليين. وقد كان الجاهليون ينذرون، أنهم إذا كثر مالهم، فإنهم يذبحون منه، ما يذكرون عدده في هذا الشهر. وكان منهم من يذبح من الإبل حين يبلغ الحد الذي ذكر في النذر، ومنهم من يذبح الشاة. كما كانو ينذرون بتقديم عتيرة في كل نذر آخر يريدون تحقيقه. فإذا أولموا لذلك وليمة أو وزعوا لحم العتيرة أو طعامها على الناس فعملهم هذا عتيرة٤. وهناك عتيرة أخرى، هي الذبيحة التي كانت تذبح للأصنام ويصب دمها على رأسها، فهذه عتيرة أيضًا٥.