← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

وينفون الأقذاء عن الماء١، وذلك لما للماء من أهمية في جزيرة العرب، فعليه تتوقف حياة الإنسان. ولذلك عدت السقاية في مكة مفخرة من مفاخر قريش. وقد فسرت هذه السقاية بأنها وضع الماء في حياض داخل الحرم ليستقي منها الحاج، والاستقاء مجانًا من ماء زمزم للفقراء والمعوزين. وقد يكون هذا هو الأصل من السقاية. غير أن أهل الأخبار يشيرون أيضًا إلى نوع آخر من السقاية كان يليها الهاشميون في مكة وذلك بإسقاء الحاج الزبيب المنبوذ في الماء مجانًا لهم٢. وهو أغلى وأثمن من الماء. وذكر أن "بني أفصى بن نُذير بن قسر بن عبقر"، وهم من بجيلة، كانوا "لم ينزل بهم نازل قط إلا عمدوا إلى ماله فحبسوه ودفعوه إلى رجل يرضون أمانته ومانوه بأموالهم ما أقام بين أظهرهم. فإذا ظعن أدوا إليه ماله ورحلوا معه. فإن مات ودوه، وإن قتل طلبوا بدمه، وإن سلم ألحقوه بمأمنه. وفي ذلك يقول عمرو بن الخثارم: ألا من كان مغتربًا فإني ... لغربته على أفصى دليل يعينون الغني على غناه ... ويثرو في جوارهم القليل٣ وطبيعي أن يكون بينهم من يشذ عن العرف ويخالف المألوف، فيمسك يديه ويبخل. فقد روي أن ناسًا سافروا من الأنصار فأرملوا فمروا بحي من العرب فسألوهم القرى فلم يقروهم، وسألوهم الشراء فلم يبيعوهم، فأصابوا منهم وتضبطوا، أي: أخذوه على حبس وقهر٤.

стр. 2837

إلى الطعام في أوقات الأتراح أيضًا، وذلك مثل وفاة عزيز، أو مرور أمد على ذكراه، ولهم ولائم أيضًا في المناسبات الدينية. والغاية من كل ذلك هو مشاطرة من يدعون أصحاب الدعوة في مشاعرهم والاجتماع بهم. ويذكر علماء اللغة أن "الوليمة" طعام العرس، أو كل طعام صنع لدعوة وغيرها. وقد كانت العادة إيلام الولائم في الأعراس، لذلك غلب اسم الوليمة على وليمة العرس. وذكر أن الرسول قال لعبد الرحمن بن عوف: أولم ولو بشاة. أي اصنع وليمة١. والدعوة اسم لكل طعام دعيت إليه الجماعة. فهي تشمل كل أنواع الطعام والدعوات. وبهذا المعنى ترد لفظة: المأدبة. حيث يدعى الناس إلى الطعام لمختلف المناسبات. وهي أعم من الوليمة٢. وتذبح الذبائح في الولائم والمناسبات إكرام الضيوف. والمفرد "ذبيحة". وإن كانت تدل على أنثى، غير أنها قد تكون حيوانًا ذكرًا. فلا يشترط فيها أن تكون شاة، بل يجوز أن تكون خروفًا، وهي لا تختص بحيوان معين، فقد تكون جملًا وقد تكون ناقة. ويقال لما يهلّ للآلهة: "ذبائح" كذلك. وتكون الذبائح في مناسبات إكرام الضيف، تبعًا لمنزلة الضيف. فإذا كان الضيف ملكًا مثلًا أو سيد قبيلته بولغ في عدد الذبائح التي تقدم له، إكرامًا لمنزلته ومكانته. والوليمة هي طعام الإملاك، وقد تطلق على الولائم عامة، ولكن الناس يخصصونها في الغالب بمثل هذه الحالات. فيقولون: وليمة العرس، ووليمة الختان، ونحو ذلك. والدعوة أعم من الوليمة. وأما "الخُرس" فطعام الولادة، وقيل: الطعام الذي يصنع للنفساء لسلامة المرأة من الطلق. و"العقيقة"، وهي طعام سابع الولادة، و"الأعذار" "العذيرة" الطعام يصنع للختان، و"النقيعة" طعام الإملاك، أي: التزويج، وقيل: وما يصنع للقدوم من السفر، وقيل: النقيعة التي يصنعها القادم، والتي تصنع له تسمى التحفة، و"الملاك" ما يصنع للخطبة، ويقال: "الأملاك"، ودعي طعام "الأملاك" بـ"الشدخ" كذلك٣.

стр. 2838

وقيل: إنما قيل لطعام الإملاك "الشندخ"؛ لأن الشندخ هو الفرس الذي يتقدم بقية الخيل. وحيث إن طعام الإملاك هو طعام يتقدم العرس. أي: هو طعام الزفاف، أو ما يصنع للخطبة، لذلك قيل له: الشندخ. وذكر بعض العلماء الشندخ١: الطعام يجعله الرجل إذ ابتنى دارًا أو عمل بيتًا٢، أو قدم من سفر أو وجد ضالته٣. وقد أشير إلى "النقيعة" على أنها الطعام الذي يصنع للقادم، والناقة التي ينحرها القادم للطعام الذي يتخذه، في شعر ينسب إلى "مهلهل" هو: إنّا لنضرب بالسيوف رءوسهم ... ضرب القدار نقيعة القُدّام٤ وذكر أن النقيعة كل جزور جزرت للضيافة. ومنه قولهم: الناس نقائع الموت. وذهب بعضهم إلى أن النقيعة طعام الرجل ليلة يملك٥. وورد أيضًا أن "المنقع"، طعام المآتم، وأن النقيعة الذبيحة التي تذبح عند الوفاة، والنقع، رفع الصوت وشق الجيب٦. وهذا المعنى يخالف بالطبع المعنى المتقدم لذلك الطعام. وإذا قام الإنسان بعمل مفيد جديد، فقد بصنع وليمة لهذه المناسبة فإذا قام إنسان ببناء بيت، أو أي بناء آخر جديد، أو استفاد الرجل شيئًا جديدًا، يتخذ طعامًا يدعو إليه إخوانه وأصدقاءه، ويسمون ذلك: العذار٧. وذكر أيضًا أن العذار طعام البناء وطعام الختان، وأن تستفيد شيئًا جديدًا فتتخذ طعامًا تدعو إليه إخوانك٨. وأما "الوكيرة"، فهي طعام يصنع عند تمام البيت يبنيه الرجل لنفسه، مشتقة من "الوكر"، وهو المأوى والمستقر. وعادتهم عند الانتهاء من البناء

стр. 2839

بيت، دعوة الأقرباء والأصدقاء إلى وليمة لمشاركة صاحب البيت في أنسه وفرحه بتمام البيت١. و"العقيقة" من الولائم التي يدعى الناس إليها، لمناسبة المساهمة بفرح أهل مولود، حينما يحلقون شعر رأسه لأول مرة، أي: الشعر الذي ولد به٢. وقد تكون العقيقة في الأسبوع الأول من ولادة المولود. وعندئذ يعلن عن اسم المولود الذي سيعرف به. والختان من المناسبات المبهجة في حياة الأسر. لذلك يولم الناس ولائم لهذه المناسبة يدعونها "العذيرة"، والجمع الإعذار. والمعذور هو المختتن. وقد كان الاختتان معروفًا بين الجاهليين. ويقال للعذيرة أيضًا: العذار والإعذار والعذير. وكل ذلك في معنى طعام الختان. وفي الحديث: الوليمة في الإعذار حق. وورد في الحديث أيضًا: كنا إعذار عام واحد، أي ختنا في عام واحد. وكانوا يختتنون لسن معلومة فيما بين عشر سنين وخمس عشرة٣. و"القِرَى": ما يصنع للضيف، و"المأدبة": كل طعام يصنع لدعوة، و"الآدب" صاحب المأدبة٤. وإذا كانت الدعوة عامة مفتوحة للجميع، قيل لها: "الجَفلَى"، أما إذا كانت خاصة فيقال لها: "النقرى". وفي هذا المعنى ورد في شعر طرفة: نحن في المشتاة ندعو الجَفَلى ... لا نرى الآدِبَ منها ينتقر٥ ويقال انتقر الرجل إذا دعا بعضًا دون بعض، فكأنه اختارهم واختصهم من بينهم٦.

стр. 2840

وورد أن الجَفَلى، ويقال لطعامها الجفالة: الوليمة، التي ينادي الداعي فيها جميع القوم، أي كل من حضر إلى الطعام. ولا يستثني أحدًا، فكل من حضر يحضر تلك الوليمة عكس النقرى، حيث ينتقر الداعي، أي: صاحب الوليمة الأشخاص بأن يذكر أعيانهم، ولا يدعي غير هؤلاء المنتقرين إلى تلك الوليمة، وهي لذلك مذمومة. يقال: نقرت باسمه، أي: اسميته بين جماعة١. وقد يقدم طعام يتعلل به قبل الطعام، يعرف عندهم بـ"السُّلْفَة". وإذا أريد أن يكرم الرجل بطعامه عبر عن ذلك بلفظة "القفي". وأما ما يرفع من المرق للإنسان، فيقال له: "القفاوة"٢، وذلك دلالة على التكريم والتقدير. وإذا هل هلال شهر رجب، دعي بعض الناس إلى وليمة يسمونها "العتيرة"٣. ولشهر رجب حُرمة ومكانة ومنزلة خاصة في نفوس الجاهليين. وقد كان الجاهليون ينذرون، أنهم إذا كثر مالهم، فإنهم يذبحون منه، ما يذكرون عدده في هذا الشهر. وكان منهم من يذبح من الإبل حين يبلغ الحد الذي ذكر في النذر، ومنهم من يذبح الشاة. كما كانو ينذرون بتقديم عتيرة في كل نذر آخر يريدون تحقيقه. فإذا أولموا لذلك وليمة أو وزعوا لحم العتيرة أو طعامها على الناس فعملهم هذا عتيرة٤. وهناك عتيرة أخرى، هي الذبيحة التي كانت تذبح للأصنام ويصب دمها على رأسها، فهذه عتيرة أيضًا٥.

стр. 2841

المتطفلون: وقد عاب أهل الجاهلية أهل التطفل ومن يتحين طعام الناس، أو يكثر من السؤال. وقالوا للحريص من الرجال: "الفلحس". وقالوا: أسأل من "فلحس"، و"تفلحس الرجل"، إذا تطفل. وذكر أهل الأخبار أن "الفلحس" رجل من بني شيبان، زعموا أنه كان إذا أعطي سهمه من الغنيمة، سأل سهمًا لامرأته

стр. 2842

ثم لناقته، وكان يسأل سهمًا في الجيش، وهو في بيته، فيعطى لعزه وسؤدده، فقالوا: "أسأل من فلحس"١. وذكر أنه كان حريصًا رغيبًا وملحفًا ملحًا، وكل طفيلي، فهو عندهم فلحس٢. والطفيلي الذي يدخل الولائم والمآدب بلا دعوة. وقد نسب التطفل إلى رجل من أهل الكوفة، زعموا أن اسمه "الطفيل بن زلال"، وهو من "بني عبد الله بن غطفان"، كان يأتي الولائم بلا دعوة، وكان يقول: وددت أن الكوفة مصهرجة، فلا يخفى علي منها شيء. فنسب الطفيليون إليه٣.

стр. 2843

المعاقرة: العقر قطع الفرس أوالإبل أو الشاة بالسيف، وهو قائم. يقال: جمل عقير. بمعنى مقطوع القوائم وكذلك ناقة عقيرة، أي قطعت إحدى قوائمها أو قوائمها. وكان الموسرون منهم يتعاقرون، يفاخر بعضهم بعضًا ويتفاضلون في عقر الإبل، ويتبارون في ذلك ليرى أيهم أعقر لها، فيكون له الفضل والفخر على الغير. ومن ذلك معاقرة "غالب بن صعصعة" أبي الفرزدق و"سحيم بن وثيل الرياحي"، لما تعاقرا بـ"صوأر"، موضع من أرض "كلب" من طرف السماوة، مسافة يوم وليلة من الكوفة مما يلي الشام١. فعقر "سحيم" خمسًا ثم بدا له، وعقر غالب مائة٢. ذكر أنهم كانوا يفعلونه رياء وسمعة وتفاخرًا، ولا يقصدون به غير ذلك، ولهذا نهي عنه في الإسلام، لأنه لم يقصد به وجه الله. جاء في حديث ابن عباس: "لا تأكلوا من تعاقر الأعراب، فإني لا آمن من أن يكون مما أهل به لغير الله. قال ابن الأثير: هو عقرهم الإبل. كان الرجلان يتباريان في الجود والسخاء، فيعقر هذا وهذا حتى يعجز أحدهما الآخر، وكانوا يفعلونه رياء وسمعة وتفاخرًا ولا يقصدون به وجه الله تعالى فشبهه بما ذبح

стр. 2844

لغير الله. وفي الحديث: "لا عقر في الإسلام". قال ابن الأثير: كانوا يعقرون الإبل على قبور الموتى أي ينحرونها ويقولون: إن صاحب القبر كان يعقر للأضياف أيام حياته فنكافئه بمثل صنيعه بعد وفاته. وأصل العقر ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم. وفي الحديث: "لا تعقرن شاة ولا بعيرًا إلا لمأكلة"، "وإنما نهي عنه؛ لأنه مثلة وتعذيب للحيوان"١.

стр. 2845

مبرات جاهلية: وكانت للجاهليين مناقب ومبرات ومكرمات، فعلوها في جاهليتهم وقبل إسلامهم. لا ندري إذا كانوا فعلوها عن دين وعقيدة في ثواب تثيبهم الآلهة عليها في هذه الدنيا أو في الدنيا الآخرة، وذلك بالنسبة لمن آمن بوجود عالم ثان، أم أنهم فعلوها عن مروءة وكرم نفس. فمنها "السقاية:" سقاية مكة، وهي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وذلك في أيام الجاهلية. وكانت تعد مأثرة من مآثرهم، أو إقامة البيوت في المواسم وعلى الطرق وفي المعابد تتخذ سقاية يستقي منها الناس بلا ثمن. وقد ورد في الحديث: أنه كان يستعذب الماء من بيوت السقيا١. ومن مبراتهم قبة عوف بن أبي عمرو بن عوف بن محلم بن ذهل بن شيبان، لا يدخلها جائع إلا أشبع، ولا خائف إلا أمن٢. ومنها نخل ربيعة بن الأسود اليشكري، وكان جعلها لابن السبيل وكل مقطوع وقبره فيها. فلما كانت حجة الوداع، ووضع رسول الله كل دم ومكرمة في الجاهلية إلا السدانة والسقايا، قام ابن ربعة بن الأسود، فقال: يا رسول الله إن أبي كان وقف نخلًا له على أبناء السبيل أفهي مكرمة له؟ فأمضها. فأمره النبي بإمضائها. وقد مدح أولاده ونسله فنعتهم أحد الشعراء بـ"بني مورث

стр. 2846

الأضياف من آل أسود". وتذكرهم معاوية، فقال: "وددت أن صاحب نخل ربيعة بن أسود مكان الخلافة لي"١.

стр. 2847

مياه الشرب: ولما كان الجفاف هو الغالب على طبع جزيرة العرب، لذلك قل الماء فيها، واضطر الناس إلى قطع المئات من الأميال للوصول إلى موضع ماء للتزود به. ولهذا صار عزيزًا عندهم ثمينًا، فقد تنقذ كمية قليلة منه حياة شخص. وتكثر الحاجة إليه بصورة خاصة في الصيف، حيث تكثر الحرارة، فيشتد العطش، ويضطر الإنسان إلى الإكثار من شرب الماء لكسر حدة ذلك العطش. ولذلك يقترب الناس في موسم الصيف من مواضع الماء، حتى إذا نفد ما عندهم منه، ذهبوا إلى أقرب ماء إليهم، للتزود به. وألذ المياه عند العرب ماء الغيث. أي: ماء المطر، فإذا جادت السماء به، سال إلى المواضع المنخفضة وتجمع بها، فيأتي الأعراب إليها للاستقاء منها. ولهم أسماء ومصطلحات عديدة لأنواع المطر ولمواضع تساقطه، نظرًا لما لذلك من علاقة بحياتهم، ولما لهم من حاجة شديدة إلى الغيث. والعيون والآبار والحسي، هي من المنابع الأخرى التي أمدت العرب بالماء والعين، هي ينبوع الماء الذي ينبع من الأرض. وقد تطلق على موضع تجمع مطر خمسة أو ستة أيام أو أكثر١. والبئر، هي القليب. قد تكون بئرًا عادية، وهي البئر القديمة التي لا يعلم لها حافر ولا مالك، وقد تكون بئرًا يعرف صاحبها وحافرها ومالكها. وقد كان الجاهليون يحفرون الآبار لأنفسهم للاستقاء منها وللزرع بمائها، كما كانوا يبيعون ماءها لغيرهم. وقد كانت لليهود آبار بالحجاز حصلوا منها على أموال بسبب بيع مائها للمحتاج إليه، وأما "الحسي"، فهي المواضع التي يظهر فيها الماء من جوف الأرض على وجه التربة. ومنها حسي المواضع التي يظهر فيها الماء من جوف الأرض على وجه التربة. ومنها حسي الأحساء وأحساء خرشاف، وأحساء "بني وهب" على خمسة أميال من المرتمى،

стр. 2848

فيه بركة وتسع آبار كبار وصغار بين القرعاء وواقصة على طريق الحاج، وإحساء "غنى" وأحساء اليمامة، أحساء جديلة١. ويشرب الأعراب الماء بأيديهم، بأن يمدوا أيديهم في عين الماء أو في مستجمعه ثم يغرفوا منه، فيشربوه وهكذا حتى يرتووا. وقد ينبطح أحدهم على الأرض، ثم يمد فمه إلى الماء فيشرب منه. أما بالنسبة إلى الآبار والقرب ومخازن الماء، فإنهم قد يشربون من أفواه الدلاء أو القرب، وقد يستعملون أواني يشربون بها منها: الغمر، وهو قدح صغير، والقدح والتبن، والصحن والقعب، وغير ذلك من أسماء ذكرها علماء اللغة٢. وقد يتجمع الماء في حفر، فيكوِّن بركًا. وذكر أن البركة مثل الحوض يحفر في الأرض لا يجعل له أعضاد فوق صعيد الأرض. وذكر أن العرب يسمون الصهاريج التي سويت بالآجر وصرجت بالنورة في طريق مكة ومناهلها بركًا. وربَّ بركة تكون ألف ذراع وأقل وأكثر. وأما الحياض التي تسوى لماء السماء ولا تطوى بالآجر، فهي الأصناع٣. وذكر علماء اللغة أن "الصنع"، مصنعة الماء، وهي خشبة يحبس بها الماء وتمسكه حينًا، والجمع "أصناع". وذكر أن "المصنعة" كالحوض أو شبه الصهريج يجمع فيها ماء المطر، يحتفرها الناس فيملأونها ماء السماء يشربونها. وورد أن "الحبس" مثل المصنعة٤. ولهم في سقي إبلهم عادات. وكانوا يسمّون كل سقية حسب يومها. فإذا سقوا الإبل كل يوم، قالوا: سقيناها رفهًا، وإذا أوردوها يومًا وتركوها في المرعى يومًا، قالوا: سقيناها غبًّا. وإذا أقاموها في المرعى بعد يوم الشرب يومين ثم أوردوها في اليوم الثالث يقولون: سقيناها ربعًا، وهكذا. وتمام ظمأ الإبل في الغالب ثمانية أيام فإذا أوردوها في اليوم التاسع منه، وهو العاشر من الشرب الأول، قالوا: سقيناها عِشرًا بالكسر. إلى غير ذلك مما تجده في كتب اللغة عن هذا الموضوع٥. ومن أوعية الماء "المهراس". حجر منقور ضخم لا يقله الرجال ولا يحركونه

стр. 2849

لثقله، يسع ماء كثيرًا. يؤخذ منه الماء للشرب وللاستعمال، وقد استعمل في الإسلام للوضوء منه١. والحب، معروف عند الجاهليين، يختزن فيه الماء للشرب، يعمله الكواز والفخار. والكوز إناء يشرب به، ذكر أنه يكون بعروة، أما إذا لم تكن به عروة فهو "كوب"٢. وهناك الأباريق وأوان أخرى استعملت في الشرب.

стр. 2850

طرق معالجة الماء: وللعرب طرق في معالجة المياه المالحة، مثل ماء البحر، وفي معالجة المياه الكدرة. من ذلك أنهم كانوا إذا اضطروا إلى شرب ماء البحر، وضعوه في قدر، وجعلوا فوق القدر قصبات وعليها صوف جديد منفوش، ويوقد تحت القدر حتى يرتفع بخارها إلى الصوف، فإذا كثر عصروه، ولا يزالون على هذا الفعل حتى يجتمع لهم ما يريدون. فيكون ما استخرج من الماء من عصر الصوف ماء عذب، ويبقى في القدر الزعاق١. وربما حفروا على ساحل البحر أو شاطئ مجتمع الماء المالح حفرة، يرشح الماء من الماء المالح إليها، ويحفرون حفرة أخرى على مسافة منها، يرشح إليها الماء من الحفرة الأولى، ثم يحفرون ثالثة، وبذلك يتحايلون على ملوحة الماء، حتى يعذب، فيكون صالحًا للشرب٢. ولهم في دفع كدرة الماء حيل. من ذلك أنهم كانوا إذا اضطروا إلى شرب الماء الكدر، ألقوا فيه قطعة من خشب الساج أو جمرًا ملتهبًا يطفأ فيه، أو طينًا أو سويق حنطة، فإن كدورته ترسب إلى أسفل٣. وقد يضعون إناء تحت حب الماء، لتتجمع قطرات الماء الصافية فيه، فيشربون منه ماءً صافيًا لا كدرة فيه. وربما عرفوا استعمال "الشب" في إزالة كدرة الماء. وهو أنواع، منه شب يماني٤.

стр. 2851

الفصل الحادي والخمسون: فقر وغنى وأفراح وأتراح مدخل ... الفصل الحادي والخمسون: فقر وغنى وأَفراح وأَتراح وبين الجاهليين أناس عرفوا بالغنى وبالثراء وبكثرة المال، كالذي ذكرته عن بعض رجال مكة. فقد كان بينهم رجال متخمون شبعون، سكنوا بيوتًا حسنة، زينوها بأثاث جيد وثير، ولبسوا ملابس الحرير والألبسة الجيدة المستوردة من بلاد الشام واليمن، وأكلوا أكلات الأعاجم وتفننوا في الطبخ، وشربوا بآنية من ذهب وفضة وبلور. وساهموا في قوافل تجارة مكة الجماعية. كما كانت لهم قوافل خاصة بهم، تأتي إليهم بأرباح طيبة. ومنهم من استغل ماله بالربا وبامتلاك الأرض لاسغلالها، كما فعلوا بالطائف، إلى غير ذلك من وسائل اتبعوها في جمع المال. وكان منهم أناس ذوو حس وعاطفة، فعطفوا على المحتاج وأطعموا الناس، رقة بحالهم أو طلبًا للشهرة والاسم. فهم جماعة محسنة على كل حال، وكان بينهم من لم يكن له قلب ولا حس، فلم يعرف محتاجًا أو فقيرًا ولم يفهم معنى للإحسان على الفقير. فاشتط وأبى وقسى في رباه، ولم يتساهل فيه. ومنهم من أكل أموال اليتامى ومنع الماعون. وإذا باع أنقص في المكيال، ليزيد في ماله. وفي القرآن الكريم آيات في وصف حال هؤلاء الأغنياء، وتقريع لهم وتوبيخ على ما فعلوه: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ ١. أي يدفع

стр. 2852

اليتيم عن حقه، ويقهره ويظلمه. وأنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار، ويقولون: "إنما يحوز المال من يطعن بالسنان، ويضرب بالحسام"١. وكان منهم من يبخل بماله فلا ينفق منه على المحتاجين والمساكين. وكان منهم من يعتذر عن بخله وحرصه، فيقول: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ فنزلت هذه الآية: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ فيهم، "وتوجه الذم إليهم. فيكون معنى الكلام: لا يفعلونه إن قدروا، ولا يحثون عليه إن عسروا"٢. وكان بين الجاهليين فقراء معدمون مدقعون لم يملكوا من حطام هذه الدنيا شيئًا. وكانت حالتهم مزرية مؤلمة. منهم من سأل الموسرين نوال إحسانهم، ومنهم من تحامل على نفسه تكرمًا وتعففًا، فلم يسأل غبًّا ولم يطلب من الموسرين حاجة، محافظة على كرامته وعلى ماء وجهه، مفضلًا الجوع على الشبع بالاستجداء. حتى ذكر أن منهم من كان يختار الموت على الدنية. والدنية، أن يذهب رجل فيتوسل إليه بأن يجود عليه بمعروف. ومنهم من اعتفد. والاعتفاد أن يغلق الرجل بابه على نفسه، فلا يسأل أحدًا حتى يموت جوعًا. وكانوا يفعلون ذلك في الجدب. قيل: كانوا إذا اشتد بهم الجوع وخافوا أن يموتوا أغلقوا عليهم بابًا وجعلوا حظيرة من شجرة يدخلون فيها ليموتوا جوعًا٣. وكان بعض تجار مكة إذا أفلسوا أو ساءت حالتهم، خرحوا إلى البادية سرًّا، وأقاموا هناك حتى يهلكوا جوعًا. خشية معرة وقوف رجال مكة على حالهم، وإشفاقًا على أنفسهم من التوسل بالأغنياء لمساعدتهم٤. فالموت على هذه الصورة أسهل عندهم من الاستجداء. روي "عن ابن عباس" في تفسير ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ،قوله: "وذلك أن قريشًا كانوا إذا أصابت واحدًا منهم مخمصة، جرى هو وعياله إلى موضع معروف، فضربوا على أنفسهم خباء فماتوا"٥. وكان منهم من رضي وقنع بالدون من المعيشة، فعاش في فقر مدقع. والدقع

стр. 2853

الرضا بالدون من المعيشة وسوء احتمال الفقر واللصوق بالأرض من الفقر والجوع. فهم ينامون على التراب ويلتحفون السماء. والدوقعة الفقر والذل، وجوع أدقع وديقوع شديد١. وهم مثل "بنو غَبْراء" في الفقر والحاجة، أولئك الذين توسدوا الغبراء واتخذوا التربة فراشًا لهم، لعدم وجود ملجأ لهم يأوون إليه، ولا مكان يحتمون به. ولم يكن في وسع كثير من الجاهليين الحصول على اللحم لفقرهم فكانوا يأتدمون "الصليب" وهو الودك. ودك العظام. يجمعون العظام ويكسرونها ويطبخونها، ثم يجمعون الودك الذي يخرج منها ليأتدموا به. وقد عرفوا بـ"أصحاب الصلب". ولما قدم الرسول مكة "أتاه أصحاب الصلب الذي يجمعون العظام إلا لحب عنها لحماتها فيطبخونها بالماء ويستخرجون ودكها ويأتدمون به"٢. ولم يكن في استطاعة الفقراء أكل الخبز لغلائه بالنسبة لهم. لذلك عدّ أكله من علائم الغنى والمال٣. وكان الذي يطعم الخبز والتمر يعد من السادة الكرام. وكان أحدهم يفتخر بقوله: "خبزتُ القومَ وتمرتهم"، بمعنى أطعمتهم الخبز والتمر٤. وقد افتخر "بنو العنبر" بسيدهم "عبد الله بن حبيب العنبري"، لأنه كان لا يأكل التمر ولا يرغب في اللبن، بل كان يأكل الخبز. فكانوا إذا افتخروا قالوا: منا آكل الخبز. وكانوا يقولون: "أقرى من آكل الخبز"٥ لأنه كان جوادًا. وذكر أن "كسرى" حين سأل "هوذة بن علي الحنفي" عن غذائه ببلده، قال له هوذة: الخبز. "فقال كسرى: هذا عقل الخبز لا عقل اللبن والتمر"٦. وكان منهم من لا يستطيع شراء الملابس ليلبسها، فيستر جسمه بالأسمال البالية وبالجلود، ويعيش متضورًا جوعًا. وقد ذكر أن الفقراء من الصحابة كانوا لا يملكون شيئًا، ويتضورون جوعًا، وينامون في صفة المسجد، يرزقهم الرسول

стр. 2854

من رزقه، تنبعث منهم روائح كريهة، من عدم الغسيل. ويلعب القمل في شعرهم، ويتنقل على أجسامهم حيث يشاء. ويظهر أن بعض زعماء مكة قد شعر بخطر ظاهرة انتشار الفقر بمكة، وبما سيتركه الاعتقاد من أثر في مجتمعها، فعمل على معالجة مشكلة الفقر والجوع والتسول، حفظًا لمصالح الأغنياء على الأقل. فهم إن تركوا الفقر ينتشر ويتفشى، ولم يعملوا على معالجته، تطاول الفقراء منهم على أموال الأغنياء، وقاموا عليهم وأرغموهم على أخذ أموالهم أو على أن يساهموهم فيه. أضف إلى ذلك ما سيحدثه اعتداء الفقراء على أموال الأغنياء من خوف، ومن فزع في نفوس أهل هذه المدينة المتاجرة، لذلك سعوا لإقناع تجار المدينة على إنصاف الفقراء والمحتاجين ومساعدتهم للتخفيف من شدة الجوع والفقر. ويظهر أن المخمصة، كانت شديدة، شدة حملت البعض على السطو على أموال الناس وعلى سرقة ما يجدونه أمامهم. ففزع من ذلك أهل مكة، وعمل زعماؤها على التفكير في اتخاذ أقسى العقوبات في حق السارق، فكان أن حكم "الوليد بن المغير" بقطع يد السارق، ذكر أنه كان أول من حكم بقطع يد السارق في الجاهلية١ فصار القطع سنة عندهم. وكان أن نادى "هاشم"، وهو "عمرو بن عبد مناف" إنصاف الفقراء والمحتاجين وتقديم المعونة لهم، حتى يصير فقيرهم كالكافي، فما ربح الغني أخرج منه نصيبًا ليكون للفقراء٢. وبذلك يخفف من حدة وطأة الفقر في هذه المدينة المتاجرة. وذكر في تعليل دعوة "هاشم" إلى إنصاف الفقراء ومساعدتهم، أنه "كان سيدًا في زمانه، وله ابن يقال له: أسد، وكان له ترب من بني مخزوم، يحبه ويلعب معه. فقال له: نحن غدًا نعتفد. فدخل أسد على أمه يبكي، وذكر ما قاله تربه فأرسلت أم أسد إلى أولئك بشحم ودقيق، فعاشوا به أيامًا. ثم إن تربه أتاه أيضًا، فقال: نحن غدًا نعتفد، فدخل أسد على أبيه

стр. 2855

يبكي، وخبره خبر تربه، فاشتد ذلك على عمرو بن عبد مناف، فقام خطيبًا في قريش وكانوا يطيعون أمره، فقال: إنكم أحدثتم حدثًا تقلون فيه وتكثر العرب، وتذلون وتعزّ العرب، وأنتم أهل حرم الله جل وعز، وأشرف ولد آدم، والناس لكم تبع، ويكاد هذا الاعتفاد يأتي عليكم. فقالوا: نحن لك تبع. قال: ابتدئوا بهذا الرجل -يعني: أبا ترب أسد- فأغنوه عن الاعتفاد، ففعلوا. ثم إنه نحر البدن، وذبح الكباش والمعز، ثم هشم الثريد، وأطعم الناس، فسمي هاشمًا. وفيه قال الشاعر: عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف تم جمع كل بني أب على رحلتين: في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام للتجارات، فما ربح الغني قسّمه بينه وبين الفقير، حتى صار فقيرهم كغنيهم، فجاء الإسلام وهم على هذا، فلم يكن في العرب بنو أب أكثر مالًا ولا أعز من قريش، وهو قول شاعرهم: والخالطون فقيرهم بغنيّهم ... حتى يصير فقيرهم كالكافي فلم يزالوا كذلك حتى بعث الله رسوله محمدًا ﷺ ، فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ بصنيع هاشم ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ أن تكثر العرب ويقلوا١. وورد أن "حكيم بن حزام" كان يقاسم ربحه من تجارته الفقراء وأهل الحاجة والمحاويج٢. وذكر أن قريشًا كانت تتراحم فيما بينها وتتواصل. وأن تفسير "لإيلاف قريش"، هو "لتراحم قريش وتواصلهم". فالإيلاف التراحم والتواصل.

стр. 2856

وذكر أن قريشًا كانوا "يتفصحون عن حال الفقراء ويسدون خلة المحاويج"١. ويظهر أن هذا إنما حدث بفعل "هاشم" وبتنظيمه وجمعه وبدعوته تلك. فصار أصحاب القلوب الرقيقة يخرجون منذ يومئذ من دخلهم نصيبًا يجمعونه ويوحدونه، لينفقوا منه على من به حاجة من أهل مكة ومن الغرباء. والإيلاف هو التطبيق العملي لدعوة "هاشم" إلى إنصاف الفقراء والمساكين والمحاويج. فبعقد "الإيلاف" وإجماع قريش على تلبية دعوة هاشم بإخراج نصيب من أموالهم يخصص لمساعدة المحتاج، تمكن "هاشم" من تطبيق دعوته تطبيقًا عمليًّا، ومن مساعدة المحتاجين. حتى صار عمله سنة لمن جاء بعده. فحسن حال المحتاجين، ونعش فقراء مكة. يؤيد ذلك ما نجده من قول "ابن حبيب": "أصحاب الإيلاف من قريش الذي رفع الله بهم قريشًا ونعش فقراءها"٢. والرفادة والسقاية، هما من ثمرات دعوة "هاشم"، فالرفادة، هي إقراء ضيوف مكة وإطعام المحتاجين من أهلها. والسقاية إسقاءهم الماء، والنبيذ واللبن. فلم تقتصر السقاية على تقديم الماء بلا ثمن إلى العطشان والمحتاج إلى الماء. بل اشتملت على تقديم اللبن والنبيذ بل والعسل كذلك إلى المحتاج بلا ثمن. وقد ذكر أن "سويد بن هرمي بن عامر الجمحي"، كان "أول من وضع الأرائك وسقى اللبن والعسل بمكة"٣. وأن "أبا أمية بن المغيرة المخزومي": المعروف بـ"زاد الركب"، و"أبا وادعة بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم"، "كانا يسقيان العسل بمكة بعد سويد بن هرمي"٤. وكل هذه الأعمال، هي من الأعمال الخيرية النافعة، التي تدل على نفس طيبة، تسعى للتخفيف عن مصاعب الناس، وعن رغبة في مساعدة الفقراء والمحتاجين. فصار في وسع من يقصد البيت الجلوس على أرائك ليرتاح عليها، كما صار في وسعه الحصول على ماء أو سقاء لبن أو ماء معسل، أي محلى، مجانًا إن لم يتمكن من دفع الثمن. وفي حلف "الفضول" دعوة لـ"مواساة أهل الفاقة ممن ورد مكة بفضول أموالهم"٥، وذلك لمنع الظالمين من أهل مكة من اغتصاب أموال أهل الفاقة

стр. 2857

والغرباء ممن يرد إلى المدينة وليس لهم من جار ومعين، ومن أهل مكة كذلك. فهو توثيق وتتمة لعمل "هاشم". ونجد هذه الدعوة الإنسانية في مساعدة الجار والفقير في الشعر: في مثل قول الشاعر: يبيتون في المشتى ملاء بطونهم ... وجاراتهم غرثى يبتن خمائصًا١ وهو بيت يمثل المثل الجاهلية العليا التي تجسمت في الجوار وفي المروءة والإحسان والحميّة وأمثال ذلك. ونجد مثل هذه النزعة في قول الشاعر: هنالك إن يُستحبلوا المال يُحبلوا ... وإن يسألوا يُعطوا وإن ييسروا يُغْلوا على مُكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المُقِلّين السماحةُ والبذل وفي قول "الخرنق بنت هفان" ترثي زوجها "عمرو بن مرثد" وابنها "علقمة بن عمرو" وأخويه حسان وشرحبيل، حيث قالت في جملة ما قالته: والخالطين نَحيِتهم بنضارهم ... وذوي الغنى منهم بذي الفقرِ٢ والنحيت الدخيل في القوم، والنضار الخالص النسب٣. فهم قوم كرام، لم يفرقوا بين الدخيل والأصيل، ولا بين الغني والفقير، فنال الدخيل ما عند الأصيل، وشارك ذو الفقر والمدقعة الغني في ماله، وهو أعز شيء عند الإنسان، لأنه أبى أن يستأثر به، وجاره فقير ليس عنده ما يسد حاجته. فمجتمعهم مجتمع "خليط، و"الخليط: القوم الذين أمرهم واحد"، والمشارك الحقوق. وفي الحديث: الشريك أولى من الخليط. والخليط أولى من الجار. وأراد بالشريك: المشارك في الشيوع٤. ونجد فكرة مساعدة الفقير، والاستهانة بالمال بإنفاقه على المعوزين، والإنعام به على الفقراء، في أبيات أخرى في مثل:

стр. 2858

والخالطين غنيّهم بفقيرهم ... والمنعمين على الفقير المرمل١ وفي مثل قول الأعشى: وأهان صالح ماله لفقيرها ... وآسى وأصلح بينها وسعى لها٢ وقول الشاعر عمرو بن الأطنابة: والخالطين حليفهم بصريحهم ... والباذلين عطاءهم للسائل٣ وأرى أنّ في ورود لفظة "الخالطين" في هذه الأبيات، بمعنى خلط المال، وتخصيص الأغنياء نصيبًا من أموالهم للفقراء، دلالة على أن من الجاهليين الأغنياء من كان قد وضع في ماله حقوقًا للمحتاجين، بحيث صاروا كالمخالطين لهم في مالهم، وفي منزلة الشركاء لهم في المال. من دون إرغام لهم ولا إكراه، أو طمع في ثواب دنيوي أو في عالم ما بعد الموت. وذلك غاية الجود والكرم. وفي شعر للنعمان بن عجلان الأنصاري، إشادة بعمل قومه الأنصار، إذ قَسَّموا أموالهم وديارهم بينهم وبين المهاجرين. فيقول: وقلنا لقولم هاجروا مرحبًا لكم ... وأهلًا وسهلًا قد أمنتم من الفقر نقاسمكم أموالنا وديارنا ... كقسمة أيسار الجزور على الشطر٤ ويذكرنا شعره هذا الذي افتخر فيه بقومه الأنصار بالمؤاخاة، إذ آخى رسول الله بين المهاجرين والأنصار. بعد مقدمه بخمسة أشهر، وقيل: ثمانية أشهر. فكانوا يتوارثون بهذا الإخاء في ابتداء الإسلام إرثًا مقدمًا على القرابة. ثم نسخ التوارث بالمؤاخاة بعد بدر٥. والمؤاخاة هي "المخالطة" الجاهلية في صورة أخرى. وقد كان بين الجاهليين من حبس الحبوس، لتكون وقفًا على الفقراء والمحتاجين.

стр. 2859

وأبناء السبيل. ومنهم من ساعد الفقراء والصعاليك بتقديم الخيل لهم للإغارة بهما واكتساب الرزق عن طريق الغارات. كالذي روي عن "الريّان بن حويص العبدي" من أنه كان قد جعل فرسه "هراوة" موقوفة على الأعزاب من قومه. فكانوا يغزون عليها ويستفيدون المال ليتزوجوا، فإذا استفاد واحد منهم مالًا وأهلًا دفعها إلى آخر منهم، فكانوا يتداولونها كذلك، فضربت مثلًا، فقيل: أعز من هراوة الأعزاب١. وذكر أنها جاءت سابقة طول أربع عشرة سنة، فتصدق بها على العزاب، يتكسبون عليها في السباق الغارات٢. ومن تقاليد العرب مساعدة الضال والمنقطع والمعزب، وهو الذي عزب عن أهله في إبله وانقطع عنهم. ومن ذلك ما ورد في الحديث: أنهم كانوا في سفر مع النبي، فسمع مناديًا، فقال: انظروا ستجدوه معزبًا أو مكلئًا. والتعزب: الابتعاد عن الجماعات بسكنى البادية، وقد نهي عن ذلك في الإسلام. كما أشير إلى ذلك في حديث "ابن الكوع" لما أقام بالزبدة "أبو ذر الغفاري"، قال له الحجاج ارتددت على عقبيك تعزبت٣. ومنهم من جعل في ماله صدقة يؤديها إلى الفقراء على وجه القربة إلى الآلهة أو عن دافع إنساني أو عن حب للظهور والفخر. ويقال لمن يتصدق على غيره "المتصدق". وهو عمل تطوعي، يقوم به الإنسان اختيارًا وتطوعًا، لمساعدة المعوز والمحتاج. و"ابن السبيل" هو "ابن الطريق"، الذي قطع عليه الطريق، ولا يجد ما يتبلغ به. والضيف المنقطع به، فيجب أن يعطى ما يتبلغ به إلى وطنه٤. وقد تتعرض السابلة إلى لصوص الطرق، يسلبونهم ما معهم، وقد يأخذون حتى ملابسهم، فيتعرض مثل هؤلاء للهلاك والأخطار، حتى يتهيأ لهم من له شفقة ورحمة فيغيثهم بما يتمكن منه، وقد يحملهم معه. وكان لفقر الكثير منهم، يصعب عليهم دفع ديونهم، ويماطلون في الأداء

стр. 2860

حتى أنهم كانوا إذا رأوا الهلال، قالوا: لا مرحبًا بمحل الدين ومقرب الآجال١. وذلك لأنهم كانوا يتواعدون في دفع الديون على مطالع القمر٢. ومما زاد في فقر بعضهم، شرب الخمر والمقامرة. فكان بعضهم يفني ماله في شرب الخمر، "وكان الجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله فيقعد حزينًا سليبًا، ينظر إلى ماله في يدي غيره، فكانت تورث بينهم عداوة وبغضًا"٣. فعلوا ذلك أملًا في التخلص من ألم الفقر والحرمان باللجوء إلى الخمور لطمس ألم الفقر والذل، وإلى القمار، أملًا في الكسب والربح، فزادوا بذلك فقرهم، وعرضوا أنفسهم إلى الخسارة.

стр. 2861

الوأد: والوأد من ذيول الفقر. وقد جاء ذكره في الآية: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ، بأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ١. والوأد على ما يذكر علماء التفسر وأهل الأخبار هو دفن البنات وهن أحياء، وذلك خوفًا من العار أو لوجود نقص فيها أو مرض أو قبح كأن تكون زرقاء أو شيماء أو برشاء أو كسحاء وأمثال ذلك، وهي من الصفات التي كان يتشاءم منها العرب٢، أو خوفًا من الفقر والجوع، أو مخافة العار والحاجة٣. ورجع "القرطبي" أسباب الوأد لخصلتين: "إحداهما، كانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات به. الثانية، إما مخافة الحاجة والإملاق وإما خوفًا من السبي والاسترقاق"٤. وذكر غيره أن سنين شديدة كانت تنزل بالناس تكون قاسية على أكثرهم، ولا سيما على الفقراء، فيأكلون "العِلْهِز".

стр. 2862

وهو الوبر بالدم، وذلك من شدة الجوع١. فهذا الفقر وهذه الفاقة وذلك الإملاق، كل ذلك حملهم على وأد البنات حذر الوقوع في الغواية، فتلحق السُّبَّة بأهل البنت وبعشيرتها وقبيلتها. وذكر أيضًا أن من جملة أسباب الوأد وجود نقص في الموؤودة أو مرض أو قبح، كأن تكون زرقاء أو شيماء أو برشاء أو كسحاء وأمثال ذلك، وهي من الصفات التي كان يتشاءم منها العرب٢. وذكر بعض أهل الأخبار، أن بعض العرب كانوا يتشاءمون من البنت الزرقاء أو الشيماء، أو الكسحاء، فكانوا يئدون من البنات من كانت على هذه الصفة، ويمسكون من لم يكن على هذه الصفة. وذكروا أن والد "سودة بنت زهرة" الكاهنة، وهي عمة "وهب"، والد "آمنة" أم الرسول، أرسل بها إلى "الحجون" لوأدها، للصفة المذكورة، ثم تركها في قصة يروونها، وصارت كاهنة شهيرة٣. فسبب الوأد عند هؤلاء، هو هذه العقيدة القائمة على التشاؤم من البنت الزرقاء والشيماء. ويذكرون أنهم كانوا يحفرون حفرة، فإذا ولدت الحامل بنتًا ولم يشأ أهلها الاحتفاظ بها رموا بها في الحفرة، أو أنهم كانوا يقولون للأم بأن تهيئ ابنتها للوأد وذلك بتطييبها وتزيينها. فإذا زينت وطيبت، أخذها أبوها إلى حفرة يكون قد احتفرها، فيدفعها فيها، ويهيل عليها التراب حتى تستوي الحفرة بالأرض. وذكر أيضًا، أن بعضهم كان يغرقها، أو يقوم بذبحها، ليتخلص بهذه الطرق منها٤. وذكر أن الرجل منهم كان إذا ولدت له بنت، فأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية فيقول لأمها: طيّبيها وزيّنيها حتى أذهب بها إحماتها، وقد حفر لها بئرًا في الصحراء فيبلغ بها البئر، فيقول لها انظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب، حتى تستوي البئر بالأرض. وروي عن

стр. 2863

ابن عباس أنه قال: كانت الحامل إذا قربت ولادتها حفرت فمخضت على رأس تلك الحفرة، فإذا ولدت بنتًا رمت بها في الحفرة وردت التراب عليها، وإذا ولدت ولدًا حبسته١. ومنه قول الراجز: سميتها إذ ولدت تموت ... والقبر صهرٌ ضامن زميّتُ الزميت: الوقور٢. وفاعل العمل هو "الوائد" والبنت المدفونة وهي حية "الموؤودة"، والعادة "الوأد". ويرجع بعض أهل الأخبار تاريخ الوأد إلى أيام "النعمان بن المنذر" ملك الحيرة، فيقولون: إن "بني تميم" منعوا الملك ضريبة الإتاوة التي كانت عليهم، فجرد الملك حملة عليهم كان أكثر رجالها من بني بكر بن وائل، أو قعت بهم وسبت ذراريهم. فلما ارضوا الملك وكلّموه في الذراري، "حكم النعمان بأن يجعل الخيار في ذلك إلى النساء، فأية امرأة اختارت زوجها، ردّت عليه، فاختلفن في الخيار. وكانت فيهن بنت لقيس بن عاصم المنقري، فاختارت سابيها على زوجها، فنذر قيس بن عاصم أن يدسَّ كل بنت تولد في التراب، فوأد بضع عشرة بنتًا. وبصنيع قيس بن عاصم وإيجاده هذه السنة نزل القرآن في ذم. وأد البنات٣. ورجع بعض الأخباريين الوأد إلى قبيلة ربيعة. زعموا أن بنتًا لرئيسها وسيدها وقعت أسيرة في أيدي قبيلة أغارت عليها: فلما عقد الصلح، لم تشأ البنت العودة إلى بيتها، فاختارت بيت آسرها، فغضب رئيس ربيعة لذلك، واستنّ هذه السنة، وقلدته بقية العرب حتى فشت بين القبائل٤. وهي رواية قريبة في مضمونها وفي فكرتها

стр. 2864

من الرواية الأولى. والفرق بين الروايتين هو في تسمية القبيلة والأشخاص. وورد أن "قيس بن عاصم" التميمي، جاء إلى النبي، فقال: إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية. قال: فأعتق عن كل واحدة منهن بدنة١. أو: فأعتق عن كل واحدة منهن رقبة٢. ويذكر الأخباريون أن "الوأد كان مستعملًا في قبائل العرب قاطبة، فكان يستعمله واحد ويتركه عشرة فجاء الإسلام، وقد قل ذلك فيها إلا من بني تميم، فإنهم تزايد فيهم ذلك قبيل الإسلام"٣. وقبيلة كندة وقيس وهذيل وأسد وبكر ابن وائل من القبائل التي عرف فيها الوأد، وخزاعة، وكنانة، ومضر، وأشدهم في هذا تميم زعموا خوف القهر عليهم، وطمع غير الأكفاء فيهن٤. وذكر بعض أهل الأخبار أن الوأد كان في تميم، منهم انتقل إلى غيرهم. وقيل: إنه كان في تميم، وقيس، وأسد، وهذيل، وبكر بن وائل، وهم من مضر٥. فهي عادة تفشت في قبائل مضر خاصة. وقيل: إنها كانت في غير مضر كذلك. وذكر أنها كانت في ربيعة ومضر٦، أي: في العرب الذين تغلب الأعرابية على حياتهم. وذكر "عكرمة" في تفسير الآية: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ، أنها نزلت فيمن يئد البنات من ربيعة ومضر. كان الرجل يشترط على امرأته، أن تستحيي جارية وتئد أخرى. فإذا كانت الجارية التي توأد غدا الرجل أو راح من عند امرأته، وقال لها: أنت علي كظهر أمي إن رجعت إليك ولم تئديها، فتخد لها في الأرض خدًّا وترسل إلى نسائها فيجتمعن عندها، ثم يتداولنها حتى إذا أبصرته راجعًا دستها في حفرتها ثم سوت عليها التراب"٧. أما أن أول من سن الوأد في العرب، هو "قيس بن عاصم المنقري"

стр. 2865

للسبب المذكور، فدعوى من الدعاوى المألوفة عن أهل الأخبار، وقصة من القصص الذي كانوا يضعونه أحيانًا حين يقفون عند أمر غريب عليهم، ليس لهم علم به، فكانوا يوجدون قصصًا في تفسيره وتعليله، وقفنا على كثير منه. والظاهر أن وأد "قيس" لبنات من بناته، ووجوده في تميم خاصة بعد أن خف عند بقية العرب، حمل أصحاب الأخبار على إرجاع أصله وأساسه إلى "قيس"، مع أنهم يذكرون حوادث عن الوأد، مثل ما ذكروه عن "سودة بنت زهرة" الكاهنة، تتقدم في الزمن على "قيس". والوأد عند العرب أقدم منه، وربما يعود إلى ما قبل الميلاد. وفي القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ .١ وفي هذه الآية وصف للحالة النفسية التي كانت تعتور الأب عند إخباره بميلاد بنت له، وشرح لبعض الأسباب التي كانت تحمل الآباء على وأد البنات. ويروى أن بعض الجاهليين يتوارى في حالة الطلق، فإن أُخبر بذكر ابتهج أو بأنثى حزن، وبقي متواريًا أيامًا يدبر ما يصنع أيتركه ويربيه على ذل، أم يدسه في التراب، بأن يئده ويدفنه حيًّا حتى يموت، أم يهلكه بأمر آخر، بأن يلقيه من شاهق. روي أن رجلًا قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق ما أجد حلاوة الإسلام منذ أسلمت. وقد كانت لي في الجاهلي بنت وأمرت امرأتي أن تزينها وأخرجتَها فلما انتهيت إلى وادٍ بعيد القعر ألقيتها، فقالت: يا أب قتلتني! فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء. فقال الرسول: "ما في الجاهلية فقد هدمه الإسلام، وما في الإسلام يهدمه الاستغفار ". وكان بعضهم يغرقها وبعضهم يذبحها٢. وقد ذكر العلماء في تفسيرهم: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ، قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ٣. أن الله "أخبر بخسرانهم لوأدهم البنات وتحريمهم البحيرة وغيرها بعقولهم، فقتلوا أولادهم سفهًا

стр. 2866

خوف الإملاق، وحجروا على أنفسهم في أموالهم ولم يخشوا الإملاق، فأبان ذلك عن تناقض رأيهم"١. قال "القرطبي": "إنه كان من العرب من يقتل ولده خشية الإملاق، كما ذكر الله في غير هذا الموضع. وكان منهم من يقتله سفهًا بغير حجة منهم في قتلهم، وهم ربيعة ومضر، كانوا يقتلون بناتهم لأجل الحمية. ومنهم من يقول: الملائكة بنات الله، فألحقوا البنات بالبنات. وروي أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ وكان لا يزال مغتمًّا بين يدي رسول الله ﷺ فقال له رسول الله، ﷺ : "مالك تكون محزونًا؟ " فقال: يا رسول الله، إني أذنبت ذنبًا في الجاهلية فأخاف ألا يغفره الله لي وإن أسلمت. فقال له: "أخبرني عن ذنبك": فقال: يا رسول الله، إني كنت من الذين يقتلون بناتهم، فولدت لي بنت فتشفعت إليّ امرأتي أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت، وصارت من أجمل النساء فخطبوها، فدخلتني الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زواج، فقلت للمرأة: إني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي، فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلي، وأخذت علي المواثيق بألا أخونها، فذهبت إلى رأس بئر فنظرت في البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر فالتزمتني، وجعلت تبكي، وتقول: يا أبت، أيش تريد أن تفعل بي؟ فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت علي الحمية، ثم التزمتني وجعلت تقول: يا أبت، لا تضيع أمانة أمي! فجعلت مرة انظر في البئر ومرة أنظر إليها فأرحمها حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة، وهي تنادي في البئر: يا أبت، قتلتني. فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت. فبكى رسول الله ﷺ وأصحابه، وقال: "لو أمرت أن أعاقب أحدًا بما فعل في الجاهلية لعاقبتك" ٢. فالفاقة والحمية واعتقاد بعض منهم أن الملائكة بنات الله، فيجب إلحاق البنات بالبنات، هي عوامل دفعت بالعرب إلى الوأد. فهي بين عامل اقتصادي نص عليه في القرآن الكريم، وعامل اجتماعي، هو الحمية، وخشية لحوق العار بالإنسان

стр. 2867

من السبي والغارات وعامل ديني، يرجع إلى رأي في دين. لقد تعرض "قتادة" إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ، فقال: "هذا صنيع أهل الجاهلية كان أحدهم يقتل ابنته مخافة السباء والفاقة ويغذو كلبه. وقوله: ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية وهم أهل الجاهلية جعلوا بحيرة وسائبة ووصيلة وحاميًا تحكمًا من الشياطين في أموالهم"١. ولكن أغلب الوأد هو عن العامل الأول، وهو الخشية من العيلة والفقر والإملاق، وهو ما نص عليه في الآيات المتعلقة بالوأد وبقتل الأولاد٢. وورد أن الجاهلية كانوا يدفنون البنات وهن أحياء. خصوصًا كندة، خوف العار، أو خوف الفقر والإملاق"٣. ومن النساء من تكون خصبة في ولادة البنات، فيجلب لها هذا الخصب هجر زوجها لها وفراره منها ومن رؤية بناته. يحدثنا الأصمعي أن امرأة ولدت لرجل بنتًا سمتها الذلفاء، فكانت هذه البنت سببًا في هرب الرجل من البيت، فقالت: ما لأبي الذلفاء لا يأتينا ... يظل في البيت الذي يلينا؟ يحرد أن لا نَلِدَ البنينا ... وإنما نأخذ ما يعطينا٤ ومثل تلك المرأة المسكينة كثير من النساء هجرهن أزواجهن لكثرة ما كن يلدن لهم من البنات، ولسان حالهن يكرر كلمات أم الذلفاء. وبمكة جبل يقال له "أبو دلامة" كانت قريش تئد فيه البنات٥. وذكر أن هذا الجبل يطل على "الحجون". وقيل: كان الحجون هو الذي يقال له:

стр. 2868

أبو دلامة١. وورد في القرآن الكريم ما يشير إلى قتل بعض الجاهليين أولادهم خشية الإملاق وخوف الفقر. وهم الفقراء من بعض قبائل العرب وفيهم نزلت الآيات: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ ٢. و ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ٣. و ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ٤. و ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ ٥. وظاهر لفظ الآيات النهي عن جميع أنواع قتل الأولاد ذكورًا كانوا أو إناثًا مخافة الفقر والفاقة٦. وذكر أن المراد من كلمة "أولادكم" البنات، وأن المقصود بذلك الوأد٧. أي: وأد البنات، لا قتل الأبناء. وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بها الأولاد ذكورًا كانوا أو إناثًا. "فقد كان الرجل في الجاهلية يحلف بالله لئن ولد له كذا وكذا غلامًا لينحرن أحدهم، كما فعله عبد المطلب حين نذر ذبح ولده عبد الله"٨. فنحن أمام هذه الآيات تجاه موضوعين: وأد البنات وقتل الأولاد الذكور عند الجاهليين. وأد البنات للأسباب المذكورة الواردة في كتب التفسير والحديث، وقتل الأولاد للأسباب المذكورة في تلك الكتب أيضًا، وفي كلتا الحالتين نتيجة واحدة، هي القضاء على حياة إنسان. قتل الأولاد الذكور عند الجاهليين هو أقل استعمالًا من وأد البنات بكثير. ويظهر أنه كان عن عامل ديني في الأغلب، كما يتبين ذلك من قصة إقدام

стр. 2869

عبد المطلب على قتل ابنه عبد الله بسبب النذر الذي أخذه على نفسه على ما جاء في روايات أهل الأخبار١. وهذا العامل هو الذي يفسر ما جاء في التوراة عن إقدام إبراهيم على ذبح ابنه، ويشير إلى وجود هذه العادة عند الإسرائيليين. وسبب قلة قتل الأولاد بالقياس إلى وأد البنات أن الولد عنصر مهم في الحياة الاقتصادية وفي الحياة الاجتماعية حيث يكون عُدة لوالده ولأهله وعشيرته في الحروب، ثم أن أسره في الحروب لا يعد شائنًا مثل أسر البنات. والمرأة بالأسر تكون فريسة للآسرين. والمرأة ليست قادرة كالرجل على إعاشة نفسها وغيرها ولا على الغزو، ولذلك صارت البنت هدفًا للوأد أكثر من الذكر٢. وقد تأثر بعض ذوي القلوب الرقيقة من عادة "وأد البنات"، وسعوا لإبطالها. وكان بعض الموسرين منهم يفتدي البنات من القتل بدفع تعويض إلى أهلهن، وأخذهن لتربيتهن. فكان "صعصعة بن ناجية" جدّ الفرزدق الشاعر المعروف، ومن أشراف تميم، يشتري البنات ويفديهن من القتل كل بنت بناقتين عشراوين وجمل٣. فجاء الإسلام وعنده ثلاثون موؤودة٤. وذكر أنه فدى أربعمائة جارية، وقيل: ثلاثمائة جارية من الجاهلية حتى مجيء الإسلام. وذكر على لسان الفرزدق أنه قال: "أحيا جدي اثنتين وتسعين موؤودة"٥. وأنه منع الوئيد في الجاهلية فلم يدع تميمًا تئد وهو يقدر على ذلك٦. وذكر أنه قال للرسول إنه اشترى "٢٨٠" موؤودة، دفع عن كل واحدة منهن ناقتين عشراوين وجملًا٧. وأنه كان لا يسمع بموؤودة يراد وأدها، وهو يتمكن من إحيائها، إلا جاء والدها

стр. 2870

ففداها، وأنه سأل قومه في ترك الوأد، فخفف بذلك منه. وعد ذلك مكرمة ما سبقه إليها أحد من العرب١. وإلى "صعصعة بن ناجية"، أشار الشاعر "الفرزدق"، مفتخرًا به في شعره، إذ قال: وجديّ الذي منع الوائدات ... وأحيا الوئيد فلم يوأد٢ وله أشعار أخرى في هذا المعنى. وكان "عمرو بن نفيل" يحيي الموؤودة لأجل الإملاق. يقول للرجل إذا أراد أن يفعل ذلك: لا تفعل! أنا أكفيك مؤونتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤونتها٣. وذكر "القرطبي" في تفسير الآية: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ، وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ٤. أنها "نزلت في خزاعة وكنانة، فإنهم زعموا أن الملائكة بنات الله، فكانوا يقولون: ألحقوا البنات بالبنات"٥. فنسب فعلهم الوأد إلى هذه العقيدة. ولست أستبعد ما ذكره أهل الأخبار من وجود دافع ديني حمل الجاهليين على قتل الأولاد وعلى الوأد، بأن يكون ذلك من بقايا الشعائر الدينية التي كانت في القديم، وتقديم الضحايا البشرية إلى الآلهة لخير المجتمع وسلامته، وإرضاء الآلهة هي شعيرة من الشعائر الدينية المعروفة. فليس بمستبعد أن الوأد والقتل من بقايا تلك الشعائر، والغريب في الوأد أنه يكون بالدفن، بينما العادة في الضحايا التي تقدم إلى الآلهة أن تكون بالذبح أو بالطعن وبأمثال ذلك، كي يسيل الدم من

стр. 2871

الضحية، والدم هو الغاية من كل ضحية، لأنه الجزء المهم من الضحايا المخصص بالآلهة. وعلى الجملة إن الوأد هو نوع أيضًا من القتل، وذبح الأولاد وتقديمهم قرابين إلى الآلهة Infantcide، عبادة معروفة عند أمم أخرى كانت تمارسها لترضي بذلك الآلهة وتجيب مطالبها١. وعد من الوأد "العزل"، وهو أن يعتزل الرجل امرأته لئلا تنجب له أولادا. وقد عرف في الإسلام بـ"الوأد الخفي" وبـ "الوأد الأصغر". سئل رسول الله ﷺ عن العزل فقال: "ذلك الوأد الخفي"، وفي حديث آخر: "تلك الموؤودة الصغرى" ٢. وقد بحث عنه في كتب الفقه والتفسير. وروي أن رسول الله ﷺ قال في ناس: "لقد هممت أن أنهي عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم، ولا يضر أولادهم ذلك شيئًا". ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله، ﷺ : "ذلك الوأد الخفي، وهو ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ﴾ " ٣. والغيلة إذا أتيت المرأة وهي ترضع ولدها، وكذلك إذا حملت أمه وهي ترضعه٤. وقد جعل الحديث "العزل" عن المرأة بمنزلة الوأد إلا أنه خفي؛ لأن من يعزل عن امرأته إنما يعزل هربًا من الولد. ولذلك سماه الموؤودة الصغرى؛ لأن وأد البنات الأحياء الموؤودة الكبرى٥. ولم ينفرد العرب بقتل الأولاد وبوأد البنات، بل نجد ذلك عند غيرهم من الشعوب كذلك، مثل المصريين واليونان والرومان وشعوب أسترالية. أما العوامل التي حملت تلك الشعوب عليها فهي عديدة، منها عوامل دينية مثل الاعتقاد بحلول الأرواح، ومنها اقتصادية كالخشية من الفقر، ومنها ما يتعلق بالصحة كأن يكون المولود ضعيفًا فيقضي عليها الوالدان٦. ومن ذيول الفقر وسوء الأوضاع الاقتصادية، انتشار اللصوصية والاعتداء على أموال الناس، وابتزازها وقطع الطرق وسلب الناس. وما الذي يفعله الفقير

стр. 2872

والمحتاج ومن له منعة في الجسم وضعف شديد في الجيب لإعاشة نفسه وأهله غير اللجوء إلى هذه الطرق في الحصول على لقمة العيش، إن لم يجد له وسيلة كسب أخرى؟ واللص، هو السارق. وذكر أن اللفظة من لغة طيء وبعض الأنصار١. وتقابل Listis في اليونانية، بمعنى السارق. لذلك ذهب البعض على أنها من هذا الأصل٢. ونظرًا لتستر اللص في حرفته، وممارسته لها بتكتم وحذر خوفًا من الفضيحة والقبض عليه. مارس عمله بالليل في الغالب، حيث يرقد الناس. مارسه بخفة ومهارة، فكنى عنه بكنى. منها: "ابن الليل" و"ابن الطريق"، لأنه يمارس اللصوصية بالليل وعلى الطرق٣. ويقال لمن يسرق الدراهم بين أصابعه "القفاف". يقال: "قف الصيرفي قفوفًا"، بمعنى سرق الدراهم بين أصابعه٤. وأظن أن هذا الاستعمال استعمال مولد، ولد في الإسلام. ويعبر عن السطو والاستيلاء عنوة وعن سرقة أموال الناس، بتعابير أخرى في اللغات العربية الجنوبية، منها "خرط"٥، بمعنى سرق، و"حلص"٦، بمعنى سرق ونهب وسلب، وكل ما يؤخذ حيلة وسرقة. وتعدّ السرقة عيبًا عند العرب، لأنها تكون دون علم صاحب المسروق وبمغافلته. والمغافلة والاستيلاء على شيء من دون علم صاحبه عيب عندهم، وفيه جبن ونذالة. أما الاستيلاء على شيء عنوة وباستخدام القوة، فلا يعد نقصًا عندهم ولا شيئًا ولا يعد سرقة، لأن السالب قد استعمل حق القوة، فأخذه بيده من صاحب المال المسلوب. فليس في عمله جبن ولا غدر ولا خيانة. ولذلك فرقوا بين لفظة "سرق" وبين الألفاظ الأخرى التي تعني أخذ مال الغير، ولكن من

стр. 2873

غير تستر ولا تحايل. فقالوا: "السارق عند العرب من جاء مستترًا إلى حرز، فأخذ مالًا لغيره. فإن أخذه من ظاهر، فهو مختلس ومستلب ومنتهب ومحترس، فإن منع ما في يده، فهو غاصب"١. ولم تعد "الغارة" سرقة ولا عملًا مشينًا يلحق الشين والسبة بمن يقوم به. بل افتخر بالغارات وعدّ المكثر منها "مغوارًا". لما فيها من جرأة وشجاعة وإقدام وتكون الغارة بالخيل في الغالب، ولذلك قال علماء اللغة: "أغار على القوم غارة وإغارة دفع عليهم الخيل"٢. وقد عاش قوم على الغارات، كانوا يغيرون على أحياء العرب، ويأخذون ما تقع أيديهم عليه، ومن هؤلاء "عروة بن الورد"، إذ كان يغير بمن معه على أحياء العرب، فيأخذ ما يجده أمامه، ليرزق به نفسه وأصحابه. بعد أن انقطعت بهم سبل المعيشة، وضاقت بهم الدنيا. فاختاروا الغارات والتعرض للقوافل سببًا من أسباب المعيشة والرزق. وذكر أهل الأخبار أسماء رجال عاشوا على الغارات وعلى التربص للمسافرين لسلب ما يحملونه معهم من مال ومتاع.

стр. 2874

الأفراح: الأفراح، عامة أو خاصة، فمن الأفراح العامة، الأعياد والمناسبات المماثلة، مثل انتصار في حرب وغزو أو تولي ملك عرشًا أو سيد رئاسةَ قبيلة، ومن الخاصة، الزواج والبرء من مرض، والعود من سفر، وأمثال ذلك. ولما كان العرب في جاهليتهم قبائل وشيعًا وكان الاتصال بينهم صعبًا، صارت أعيادهم كثيرة غير متفقة في زمان أو مكان، ذات صفة محلية، لا يشترك فيها كل عرب جزيرة العرب. وهي مرتبطة بالأصنام في الغالب وبالمواسم التجارية التي تتجلى في انعقاد الأسواق. ولذلك، فأنا حين أتحدث عن أعياد الجاهلية فلن أستطيع أن آتي باسم عيد واحد، أقول إن جميع العرب كانوا يعيدون ويفرحون جميعهم به، لما ذكرته من انقسام الجاهليين إلى قبائل وشيع وعدم وجود دين واحد لهم، يجمع

стр. 2875

شملهم. والدين من أهم العوامل المساعدة لظهور الأعياد وجمع شمل المؤمنين به للاحتفال بها. ولذلك فأعياد الجاهليين هي أعياد موضعية تعيّد قبيلة أو مدينة أو مملكة بعيد، ولا يعرف عنه بقية العرب أي شيء. أما أعياد اليهود والنصارى والعرب فأمرها أمر آخر؛ لأن اليهودية والنصرانية قد حددتا تأريخًا ثابتًا للأعياد فيها، فصارت معروفة عند أتباع الديانتين يحتفلون بها في الأجل الموقوت. وكان الحج إلى مكة من أهم مواسم العرب في الحجاز، وهو عيد، يجتمع فيه الناس من مختلف القبائل ومختلف الأماكن للتقرب إلى الأصنام وللتلاقي في ظروف أمن وسلام لا يحل فيها قتال ولا اعتداء ولا لغو ولا فحش. ويقوم أهل مكة بخدمة الوافدين الضيوف، ضيوف "البيت"، وتمر أيام خالية من غدر واعتداء وقتل وأخذ بثأر يلبس فيها الناس خير ما عندهم من لباس ويتجلون بأحسن صورة. فإذا انتهت الأيام عادوا إلى ديارهم. وذكر أنه كان لأهل "يثرب" يومان يعيّدون فيهما، يلعبون فيهما ويستأنسون، هما: النيروز، والمهرجان. فلما قدم الرسول المدينة أبدلهما بيوم الفطرة والأضحى١. والظاهر أن اليثربيين أخذوا عيديهما المذكورين من الفرس٢، "النيروز" عيد شهير من أعياد الفرس من أصل "نو" بمعنى جديد و"روز" بمعنى يوم، أي: أول يوم من السنة الإيرانية الشمسية. وأما "المهرجان"، فإنه عيد من أعياد الفرس كذلك، يعيّد به في الشهر السابع من شهورهم الشمسية، وهو شهر "مهر" "مهرماه"، ويدعى العيد "مهركان". وقد بقي الفرس يحتفلون به في الإسلام، حتى زماننا هذا، وورد ذكره في الأشعار٣. ولم يذكر أهل الأخبار كيف عيد أهل "يثرب" بهذين العيدين اللذين هما من أعياد الفرس. ولا ما هي صلتهم بهما. وذكر أهل الأخبار عيدًا سموه "يوم السبع"، قالوا: إنه عيد كان لهم في
следующие страницы →