← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

الضحية، والدم هو الغاية من كل ضحية، لأنه الجزء المهم من الضحايا المخصص بالآلهة. وعلى الجملة إن الوأد هو نوع أيضًا من القتل، وذبح الأولاد وتقديمهم قرابين إلى الآلهة Infantcide، عبادة معروفة عند أمم أخرى كانت تمارسها لترضي بذلك الآلهة وتجيب مطالبها١. وعد من الوأد "العزل"، وهو أن يعتزل الرجل امرأته لئلا تنجب له أولادا. وقد عرف في الإسلام بـ"الوأد الخفي" وبـ "الوأد الأصغر". سئل رسول الله ﷺ عن العزل فقال: "ذلك الوأد الخفي"، وفي حديث آخر: "تلك الموؤودة الصغرى" ٢. وقد بحث عنه في كتب الفقه والتفسير. وروي أن رسول الله ﷺ قال في ناس: "لقد هممت أن أنهي عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم، ولا يضر أولادهم ذلك شيئًا". ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله، ﷺ : "ذلك الوأد الخفي، وهو ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ﴾ " ٣. والغيلة إذا أتيت المرأة وهي ترضع ولدها، وكذلك إذا حملت أمه وهي ترضعه٤. وقد جعل الحديث "العزل" عن المرأة بمنزلة الوأد إلا أنه خفي؛ لأن من يعزل عن امرأته إنما يعزل هربًا من الولد. ولذلك سماه الموؤودة الصغرى؛ لأن وأد البنات الأحياء الموؤودة الكبرى٥. ولم ينفرد العرب بقتل الأولاد وبوأد البنات، بل نجد ذلك عند غيرهم من الشعوب كذلك، مثل المصريين واليونان والرومان وشعوب أسترالية. أما العوامل التي حملت تلك الشعوب عليها فهي عديدة، منها عوامل دينية مثل الاعتقاد بحلول الأرواح، ومنها اقتصادية كالخشية من الفقر، ومنها ما يتعلق بالصحة كأن يكون المولود ضعيفًا فيقضي عليها الوالدان٦. ومن ذيول الفقر وسوء الأوضاع الاقتصادية، انتشار اللصوصية والاعتداء على أموال الناس، وابتزازها وقطع الطرق وسلب الناس. وما الذي يفعله الفقير

стр. 2872

والمحتاج ومن له منعة في الجسم وضعف شديد في الجيب لإعاشة نفسه وأهله غير اللجوء إلى هذه الطرق في الحصول على لقمة العيش، إن لم يجد له وسيلة كسب أخرى؟ واللص، هو السارق. وذكر أن اللفظة من لغة طيء وبعض الأنصار١. وتقابل Listis في اليونانية، بمعنى السارق. لذلك ذهب البعض على أنها من هذا الأصل٢. ونظرًا لتستر اللص في حرفته، وممارسته لها بتكتم وحذر خوفًا من الفضيحة والقبض عليه. مارس عمله بالليل في الغالب، حيث يرقد الناس. مارسه بخفة ومهارة، فكنى عنه بكنى. منها: "ابن الليل" و"ابن الطريق"، لأنه يمارس اللصوصية بالليل وعلى الطرق٣. ويقال لمن يسرق الدراهم بين أصابعه "القفاف". يقال: "قف الصيرفي قفوفًا"، بمعنى سرق الدراهم بين أصابعه٤. وأظن أن هذا الاستعمال استعمال مولد، ولد في الإسلام. ويعبر عن السطو والاستيلاء عنوة وعن سرقة أموال الناس، بتعابير أخرى في اللغات العربية الجنوبية، منها "خرط"٥، بمعنى سرق، و"حلص"٦، بمعنى سرق ونهب وسلب، وكل ما يؤخذ حيلة وسرقة. وتعدّ السرقة عيبًا عند العرب، لأنها تكون دون علم صاحب المسروق وبمغافلته. والمغافلة والاستيلاء على شيء من دون علم صاحبه عيب عندهم، وفيه جبن ونذالة. أما الاستيلاء على شيء عنوة وباستخدام القوة، فلا يعد نقصًا عندهم ولا شيئًا ولا يعد سرقة، لأن السالب قد استعمل حق القوة، فأخذه بيده من صاحب المال المسلوب. فليس في عمله جبن ولا غدر ولا خيانة. ولذلك فرقوا بين لفظة "سرق" وبين الألفاظ الأخرى التي تعني أخذ مال الغير، ولكن من

стр. 2873

غير تستر ولا تحايل. فقالوا: "السارق عند العرب من جاء مستترًا إلى حرز، فأخذ مالًا لغيره. فإن أخذه من ظاهر، فهو مختلس ومستلب ومنتهب ومحترس، فإن منع ما في يده، فهو غاصب"١. ولم تعد "الغارة" سرقة ولا عملًا مشينًا يلحق الشين والسبة بمن يقوم به. بل افتخر بالغارات وعدّ المكثر منها "مغوارًا". لما فيها من جرأة وشجاعة وإقدام وتكون الغارة بالخيل في الغالب، ولذلك قال علماء اللغة: "أغار على القوم غارة وإغارة دفع عليهم الخيل"٢. وقد عاش قوم على الغارات، كانوا يغيرون على أحياء العرب، ويأخذون ما تقع أيديهم عليه، ومن هؤلاء "عروة بن الورد"، إذ كان يغير بمن معه على أحياء العرب، فيأخذ ما يجده أمامه، ليرزق به نفسه وأصحابه. بعد أن انقطعت بهم سبل المعيشة، وضاقت بهم الدنيا. فاختاروا الغارات والتعرض للقوافل سببًا من أسباب المعيشة والرزق. وذكر أهل الأخبار أسماء رجال عاشوا على الغارات وعلى التربص للمسافرين لسلب ما يحملونه معهم من مال ومتاع.

стр. 2874

الأفراح: الأفراح، عامة أو خاصة، فمن الأفراح العامة، الأعياد والمناسبات المماثلة، مثل انتصار في حرب وغزو أو تولي ملك عرشًا أو سيد رئاسةَ قبيلة، ومن الخاصة، الزواج والبرء من مرض، والعود من سفر، وأمثال ذلك. ولما كان العرب في جاهليتهم قبائل وشيعًا وكان الاتصال بينهم صعبًا، صارت أعيادهم كثيرة غير متفقة في زمان أو مكان، ذات صفة محلية، لا يشترك فيها كل عرب جزيرة العرب. وهي مرتبطة بالأصنام في الغالب وبالمواسم التجارية التي تتجلى في انعقاد الأسواق. ولذلك، فأنا حين أتحدث عن أعياد الجاهلية فلن أستطيع أن آتي باسم عيد واحد، أقول إن جميع العرب كانوا يعيدون ويفرحون جميعهم به، لما ذكرته من انقسام الجاهليين إلى قبائل وشيع وعدم وجود دين واحد لهم، يجمع

стр. 2875

شملهم. والدين من أهم العوامل المساعدة لظهور الأعياد وجمع شمل المؤمنين به للاحتفال بها. ولذلك فأعياد الجاهليين هي أعياد موضعية تعيّد قبيلة أو مدينة أو مملكة بعيد، ولا يعرف عنه بقية العرب أي شيء. أما أعياد اليهود والنصارى والعرب فأمرها أمر آخر؛ لأن اليهودية والنصرانية قد حددتا تأريخًا ثابتًا للأعياد فيها، فصارت معروفة عند أتباع الديانتين يحتفلون بها في الأجل الموقوت. وكان الحج إلى مكة من أهم مواسم العرب في الحجاز، وهو عيد، يجتمع فيه الناس من مختلف القبائل ومختلف الأماكن للتقرب إلى الأصنام وللتلاقي في ظروف أمن وسلام لا يحل فيها قتال ولا اعتداء ولا لغو ولا فحش. ويقوم أهل مكة بخدمة الوافدين الضيوف، ضيوف "البيت"، وتمر أيام خالية من غدر واعتداء وقتل وأخذ بثأر يلبس فيها الناس خير ما عندهم من لباس ويتجلون بأحسن صورة. فإذا انتهت الأيام عادوا إلى ديارهم. وذكر أنه كان لأهل "يثرب" يومان يعيّدون فيهما، يلعبون فيهما ويستأنسون، هما: النيروز، والمهرجان. فلما قدم الرسول المدينة أبدلهما بيوم الفطرة والأضحى١. والظاهر أن اليثربيين أخذوا عيديهما المذكورين من الفرس٢، "النيروز" عيد شهير من أعياد الفرس من أصل "نو" بمعنى جديد و"روز" بمعنى يوم، أي: أول يوم من السنة الإيرانية الشمسية. وأما "المهرجان"، فإنه عيد من أعياد الفرس كذلك، يعيّد به في الشهر السابع من شهورهم الشمسية، وهو شهر "مهر" "مهرماه"، ويدعى العيد "مهركان". وقد بقي الفرس يحتفلون به في الإسلام، حتى زماننا هذا، وورد ذكره في الأشعار٣. ولم يذكر أهل الأخبار كيف عيد أهل "يثرب" بهذين العيدين اللذين هما من أعياد الفرس. ولا ما هي صلتهم بهما. وذكر أهل الأخبار عيدًا سموه "يوم السبع"، قالوا: إنه عيد كان لهم في

стр. 2876

الجاهلية، يشتغلون فيه بلهوهم وعيدهم من كل شيء١. ولم يتحدثوا بشيء مفصل عنه، ولم يذكروا أنه عيد من. وورد في بيت شعر للنابغة اسم عيد دعاه "السباسب"، وقد ذكر أهل الأخبار أنه كان عيدًا لقوم من العرب في الجاهلية وكانوا يحيون فيه بالريحان. رقاق النعال طيّبٌ حُجُزاتهم ... يحيّون بالريحان يوم السَّباسِبِ٢ وهو في الواقع عيد من أعياد النصارى، كما أشار إلى ذلك أهل الأخبار. إذ ذكروا أنه "عيد للنصارى ويسمونه يوم الشعانين"٣ وقد كان هذا العيد معروفًا في الحجاز أيضًا، ورد في الحديث: "إنّ الله تعالى أبدلكم بيوم السباسب يوم العيد"٤. وإذا صح ورود هذا الحديث عن الرسول، كان ذلك دليلًا على أن أهل مكة كانوا قد عرفوا هذا العيد وعيدوه وربما كانوا أخذوه عن النصرانية. ولم ترد في نصوص المسند إشارات إلى أعياد العرب الجنوبيين ولم ترد إشارات إلى الأعياد في النصوص الثمودية أو اللحيانية أو الصفوية. لذلك لا أستطيع أن أتحدث عن العيد عند العرب الجنوبيين أو اللحيانيين أو الصفويين أو قوم ثمود. وقد أشار بعض الكتبة "الكلاسيكيين" إلى تعييد النبط وعرب أعالي الحجاز واحتفائهم فيها بأصنامهم وحجّهم إلى معابدهم، إلا أنهم لم يسموا تلك الأعياد بأسمائها. وقد عيد يهود جزيرة العرب بأعيادهم أيضًا. وكانوا يحافظون عليها، لأنها في عقيدتهم عمل من الأعمال الدينية. ولم يكونوا يشتغلون فيها٥، إذ يرون في

стр. 2877

الخروج عليها خروجًا على الدين الذي منعهم من الاشتغال في أيام السبت والأعياد وحتم عليهم وجوب مراعاة حرمة تلك الأيام مراعاة تامة. ومن أعياد اليهود التي عرفها الجاهليون عيد رأس السنة، وعيد الصوم الكبير "الكبور"، و"عيد المظال" وأعياد أخرى. أما العرب النصارى، فقد عيّدوا بأعيادهم الدينية، واحتلفوا بها، وفي المواضع التي كانت فيها جماعة كبيرة منهم كانت احتفالاتهم بها أوضح وأفرح. وفي الحيرة، حيث تفشت النصرانية وانتشرت، كان الناس يتزينون ويتجملون ويلبسون أحسن ما عندهم من حلل في أيام أعيادهم، مثل "عيد السعانين" "عيد الشعانين"، ويحتفلون في البيع والكنائس والأديرة فرحًا بذكرى العيد، ويخرجون بصلبانهم١. وذكر أن "يوم السعانين" "يوم الشعانين"، هو "يوم السباسب"، العيد الذي مر ذكره، وقد كان من أعياد النصارى٢. وقد اشتقت كلمة "السعانين" "الشعانين" من العبرانية، أخذت من لفظة "هوشعنا"، التي كان يتهلل بها اليهود أمام المسيح. و"السباسب": الأغصان، يريدون منها سعف النخيل الذي قطعه اليهود يوم استقبلوا المسيح في دخوله أورشليم٣. وذكر أن "الهنزمر"، و"الهنزمن"، و"الهيزمن"، كلها: عيد من أعياد النصاى أو سائر العجم، وهي أعجمية. قال الأعشى: إذا كان هنزمن ورُحْتُ مخشما٤ واشتهر "عيد الفصح"، وهو عيد فِطر النصارى، إذا أفطروا وأكلوا اللحم. وقد أشار إليه الأعشى بقوله:

стр. 2878

بهم تقرّب يوم الفصح ضاحية ... يرجو الإله بما سدّى وما صنعا١ وذكر العلماء اسم عيد آخر من أعياد النصارى دعوه "السلاق"، ذكروا أنه مشتق من تسلق المسيح إلى السماء٢. والكلمة من أصل إرمي، هو Souloqo بمعنى صعود. وقصد به عيد صعود المسيح إلى السماء٣. وللنصارى عيد آخر اسمه "خميس الفصح"، وعرف أيضًا بـ"خميس العهد". وقد احتفل به نصارى الحيرة٤. وذكر علماء اللغة أن للنصارى عيدًا من أعيادهم اسمه "دنح"، وتكلمت به العرب٥. وهو من أصل إرمي هو "دنحو"، بمعنى إشراق وظهور. ويراد به "عيد الغطاس"٦. وتضاف إليها الأعياد المحلية، التي كان يحتفل فيها بأيام القديسين. فقد كان الغساسنة يحتلفون مثلًا في الرصافة بعيد "القديم سرجيوس". وكان لنصارى العراق أعيادهم الخاصة بهم حسب مذاهبهم. يكرسونها تخليدًا لذكرى قديسيهم. وقد اشتهر النصارى بين الجاهلين وفي الإسلام بمحافظتهم على أعيادهم حتى ضربوا المثل بأعياد النصارى. فقال العجاج: واعتاد أرباضًا لها آريّ ... كما يعود العيد نصرانيّ٧ والعادة –كما هو شأن كل الأمم- أن يتزين في أيام الأعياد بأحسن الثياب والملابس المفتخرة والحلل المثمنة والبرود المعجبة، وأن يظهر الشبان مقدرتهم وبراعتهم في التسابق على الخيل وفي الألعاب وفي الظهور أمام النساء، ويلعب الصبيان أنواعًا من الملاعب، وأن يتغنى ويزمر بالدفوف والمزاهر وأمثال ذلك،

стр. 2879

لتكسب الأيام بهجتها وروعتها. وكان من عادة أشراف الحيرة اللعب على الخيل بالصوالجة، وذلك على طريقة العجم١. وقد يخضب الرجال والنساء أيديهم بالخضاب، ولا سيما "الحناء". ولكن هذا النوع من إظهار الفرح والسرور، غالب في الأعراس وفي الختان، حيث تولم الولائم وتقام الأفراح، ويخضب بالحناء.

стр. 2880

اللعب في العيد: ومما كان يتلقى به المعيدون ويتسلون به، الغناء، واللعب بمختلف أنواعه. وفي جملته استخدام السودان للعب بلعبتهم الشهيرة لعبة الدرق والحراب١. وقد برع في الغناء نساء ورجال. وذكر أن أهل "يثرب" كانوا أهل طرب وكانوا يحبون الغناء٢، وأنهم استخدموا "الحبش" للضرب على الدف والغناء في أيام الأعياد. وقد كانوا يلعبون في المسجد بالدرق والحراب ولم ينههم الرسول عن ذلك، لأن اللعب كان في أيام العيد٣. وقد غنت جاريتان لـ"عائشة" بإنشاد العرب بغناء بعاث، كما أذن الرسول للسودان باللعب في مسجده في الحراب والدرق، ونشطهم بقوله: "يا بني أرفدة"٤.

стр. 2881

الغناء: وطرب الأعراب، طرب ساذج يتناسب مع طبيعة بيئاتهم، وكذلك كان غناؤهم غير معقد ولا متنوع. أما طرب أهل الحضر، فكان أكثر تعقيدًا وتفننًا ولا سيما طرب أهل الحضر الساكنين في ريف العراق وفي بلاد الشأم، وعند أهل

стр. 2882

اليمن، فاستعملوا آلات طرب متعددة، أخذوا بعضها من الأعاجم الذين اتصلوا بهم، كما أخذوا من أولئك الأقوام ألوانًا من ألوان الغناء وفنونه. هذا الاختلاف لا بد أن يقع، لاختلاف أهل الوبر وأهل المدر في البيئات، وفي الطباع والعادات. وللشعر علاقة كبيرة بالغناء. فالغناء هو التغني بالشعر. ولذلك قالوا: تغنى بالشعر، وفلان يتغنى بفلانة إذا صنع فيها شعرًا. وله علاقة بالحداء أيضًا. قالوا: حدا به، إذا عمل فيه شعرًا١، فالغناء نغم ووزن ويكون لذلك بكلام موزون. وهو الشعر الذي يناسب نغم الغناء. أما النثر، فلا يناسب طبعه طبع الغناء. ويكون بينهما جفاء. إذ لا يستقيم النثر العربي مع الوزن دائمًا. لذلك فلا يمكن للمغني أن يغني به. قال "الجاحظ": العرب تقطع الألحان الموزونة والعجم تمطط الألفاظ فتقبض وتبسط حتى تدخل في الوزن اللحن، فتضع موزونًا على غير موزون٢. وذكر أن الغناء من الصوت ما طرب به٣. وذكر أهل الأخبار أن الجاهليين كانوا يستمعون إلى القيان. وأن فارس كانت تعد الغناء أدبًا والروم فلسفة. وأن الملوك العرب كانوا يملكون القيان أيضًا. ومنهم أشراف مكة وعلى رأسهم "عبد الله بن جدعان"٤. وقد عرف غناء أهل البادية بـ"غناء الأعراب"، وذلك لاختلافه عن غناء الحضر٥. فكان لأهل الحيرة مزاج في الغناء يختلف عن مزاج أهل البادية، بل حتى عن مزاج غيرهم من الحضر. وذلك للظروف الخاصة التي تحيط بهم، مثل اختلاطهم بالفرس، ووجود النصرانية والمؤثرات اليونانية فيما بينهم. وقد كان في كنائس العباديين نصارى الحيرة، تراتيل وترانيم، وهي بالطبع نوع من الغذاء الروحي، وقد كان عندهم خمر تبعث على الانشراح والانبساط، وأديرة مزدانة بالخضرة والرياحين والأزهار، وفيها ماء طيب وغناء رهبان وراهبات،

стр. 2883

فلا عجب إن طرب سكانها وتفننوا في غنائهم، وتميزوا به عن بقية الغناء العربي، حتى قيل له: غناء أهل الحيرة، وقد ذكر: أنه بين الهزج والنصب، وهو إلى النصب أقرب، كما كانت لهم لغة امتازت عن لغات العرب الآخرين غنوا بها، فأكسب غناؤهم طابعًا حيريًّا خاصًّا١. ومن مرادفات الغناء "السمود" بلغة حمير. وقيل السمود اللهو وبصورة خاصة الغناء٢. وللفقهاء في الإسلام آراء في قراءة القرآن. منهم من جوز قراءته بالألحان، ومنهم من جوز قراءته بالترجيع، وغير ذلك٣. والترجيع ترديد الصوت في الحلق في قراءة أو غناء أو زمر أو غير ذلك مما يترنم به. وقيل: الترجيع هو تقارب ضروب الحركات في الصوت٤. وأما "العزف"، فالملاهي واللعب بالمعازف، وهي الدفوف وغيرها مما يضرب. والعازف اللاعب بها والمغني. وعزف الدف صوته. والمعزف، ضرب من الطنابير يتخذه أهل اليمن وغيرهم، ويجعل العود معزفًا٥. ويعبر عن الاستماع إلى الغناء والإنصات لصوت المغني بـ"السماع". ويحدث السماع طربًا في النفس. وقد صار للكلمة معنى خاص في الإسلام، إذ حولت إلى سماع الترانيم الدينية في الغالب، لذلك لم ينظر إليه نظرة الناس إلى الغناء٦. وتغني أهل الجاهلية في كل المناسبات المبهجة، وضربوا على آلات الطرب. ومن هذه المناسبات الزواج والعودة من الأسفار، كما كانوا ينذرون أنه إن تحقق مطلب لهم فإنهم يقيمون مجلس طرب يتغنى فيه: كمناسبة شفاء من مرض أو عودة من حرب٧. وكان شبان مكة يذهبون إلى السمر ويلهون بسماع الغناء وبالضرب على الدفوف والاستماع إلى تزمير المزمار٨. كما استعمل الغناء في الغزو، وذلك

стр. 2884

لتنشيط الغازين وتحريضهم على القتال. ومن هذا القبيل ما يرتجز به الشجعان عند اللقاء في الحرب. واستعمل في الختان وفي العقيقة والولائم١.

стр. 2885

آلات الطرب: وآلات الطرب عند العرب ثلاثة: آلات ذات أوتار كالعود وآلات نفخ، وآلات ضرب كالصنوج والطبل والدف. والطرب: الفرح والحزن وهو ضد، أو هو خفة تلحقك سواء تسرك أو تحزنك. فهي تعتري عند شدة الفرح أو الحزن أو الغم. والتطريب التغني. ويقال: طرب فلان في غنائه تطريبًا إذا رجع صوته وزينه١. والدفّ من آلات الطرب القديمة المشهورة ويستعمل. للتعبير عن العواطف في الفرح والسرور. وهو معروف عند الساميين ويسمى "توف" "تف" Toph عند العبرانيين. وقد ورد ذكره في التوراة. وتنقر به النساء أيضًا٢. وقد كان شائعًا عند العرب، ينقرون به في أفراحهم. ولما وصل الرسول إلى يثرب، استقبل بفرح عظيم وبالغناء وبنقر الدفوف. وأكثر ما استعمله العرب في المناسبات المفرحة، كالنكاح. ورافقوا الضرب به أصوات الغناء٣. وقد وردت في الشعر الجاهلي أسماء آلات طرب عرفت في ذلك العهد، فورد في شعر للأعشى: الناي، والبربط، والصنج، وهي آلات عرفت عند الفرس. وقد دعي "الناي" بـ"ناي نرم". والناي نرم وبربط ذي بُحة ... والصنج يبكي شجْوَهُ أن يوضعا٤ وقد ذكر الجواليقي أن الربط معرّب، وهو من ملاهي العجم، شبّه بصدر

стр. 2886

البط. والصدر بالفارسية "بر"، فقيل: بربط١. وقد ورد في العقد الفريد: "العود الكران. والمِزْهر أيضًا هو العود، وهو البربط"٢. والبربط من آلات الملاهي المشهورة عند الروم. وعرف الجواليقي "الصنج" فقال: "والصنج الذي تعرفه العرب هو الذي يتخذ من صفر، يضرب أحدهما بالآخر ... فأما الصنج ذو الأوتار، فتختص به العجم، وهما معربان. وسمّوا الأعشى "صناجة العرب" لجودة شعره٣. وذكر أن اللاعب بالصنج هو "الصنّاج" و"الصنّاجة"٤. وجاء الأعشى باسم آلة طرب أخرى من آلات الملاهي عند العجم، دعاها "الوَنّ". بالجُلسَّان وطيب أردانه ... بالوَن يضرب لي يكرُّ الإصبعا٥ ويظهر من هذا البيت أن ألون آلة طرب ذات أوتار، يضرب عليها بالأصابع. وقد ذكر بعض العلماء أن الونّ: "الصنج الذي يضرب بالأصابع وهو الونج، كلاهما دخيل مشتق من كلام العجم٦. وعرف بعضهم "الونج" بأنه "المعزف أو العود، فارسي معرب. وأصله بالفارسية وَنَهْ. وقد تكلمت به العرب"٧. ومنهم من جعل "الونّ" و"الونج" شيئًا واحدًا. ويذكر علماء اللغة أن "العَرْطَبة" هي اسم للعود، وقيل: الطبل، وقيل: الطنبور: وقد ورد ذكرها في الحديث مع اسم آلة أخرى من آلات الملاهي، هي "كوبة"٨. ويرى العلماء أن "الكوبة"، الطبل الصغير، وهي "النرد"، بلغة اليمن٩. وذكر أن "المرطبة" طبل الحبشة خاصة١٠، وأن "الكوبة".

стр. 2887

البربط والشطرنج والطبل الصغير١. وذكر أهل الأخبار أن "النضر بن الحارث بن كلدة" كان يغني بالعود٢. والعود من جملة آلات الطرب القديمة. وهو "عوديت" عند العبرانيين. وقد أشير إليه في جملة آلات الموسيقى المستعملة في أيام داود، وذلك في المزامير٣. وذكر أن من أساء العود "الكران"، وأن "الكرينة" المغنية الضاربة بالعود أو الصنج٤. ويعرف الوتر بـ"اليم"، ويقال هو الوتر الغليظ من أوتار المزهر٥. و"الناي" من آلات الطرب، ينفخ فيه، يصنع من الخشب ومن القصب٦. وذكر أن الناي من أسماء "المزمار"، وهو من آلات النفخ كذلك. و"القصاب"، وهو الذي ينفخ في القصب الزمار٧. وأما "الهيرعة"، فالقصبة، التي يزمر فيها الراعي٨. وذكر أن "القنين" طنبور الحبشة "وفي الحديث: إنّ الله حرم الخمر والكوبة والقنين". والتقنين الضرب بالقنين. وذكر أن الكوبة: الطبل٩. وأما "الكبر"، فهو الطبل، وقيل: طبل له وجه واحد. وقيل: هو الطبل ذو الرأسين١٠. ويقال للطنبور: "طبن" كذلك١١. و"المزمار" و"الزمارة": ما يزمر فيه. ويقال للقصبة التي يزمر

стр. 2888

بها زمّارة١. وأما "الرباب"، فمن آلات اللهو كذلك٢. وقد اشتهر الغناء بالمزمار عند العرب، وأجادوا فيه. وقد كان الجاهليون مثل غيرهم من الساميين يستخدمون الغناء في عباداتهم، وربما استخدموا معه بعض آلات الطرب. وذلك تعبيرًا عن بهجتهم وسرورهم بتعبدهم للآلهة وتقربًا إليها بهذا الغناء الذي يدخل السرور إلى نفوسها. وقد ذكر المفسرون أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بالبيت يصفرون ويصفقون٣. وإذا صح قولهم هذا، فإنه يعني استعمال نوع من الطرب في حجهم وطوافهم بالبيت. وقد تعرض "الجاحظ" لموضوع الغناء العربي وما يختلف به ويمتاز عن غناء الأعاجم، فقال: "العرب تقطع الألحان الموزونة على الأعشار الموزونة، والعجم تمطط الألفاظ فتقبض وتبسط حتى تدخل في وزن اللحن فتضع موزونًا على غير موزون"٤. واللحن: الغناء. وفي الحديث: "اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل العشق"٥. ويراد به التطريب وترجيع الصوت وتحسين القراءة والشعر والغناء. وقد كان اليهود والنصارى يقرءون كتبهم نحوًا من ذلك٦.

стр. 2889

أصول الغناء الجاهلي: ويرجع أهل الأخبار غناء الجاهليين إلى ثلاثة أوجه: النصب، والسناد، والهزج. فأما النصب، فغناء الركبان وغناء الفتيان والقينات، ويغنى به في المراثي كذلك. وقد دعاه إسحاق بن إبراهيم الموصلي، الغناء الجنابي نسبة إلى رجل من كلب يقال له: جناب بن عبد الله بن هبل. وهو الذي يقال له "المراثي"، ومنه كان أصل الحداء، وكله يخرج من الطويل في العروض. وأما السناد، فالثقيل ذو الترجيع الكثير النغمات والنبرات. وأما الهزج، فالخفيف الذي يرقص عليه

стр. 2890

ويمشي بالدف والمزمار فيطرب ويستخف الحليم١. ويذكر أهل الأخبار أن الأنواع المذكورة كانت غناء العرب، حتى جاء الإسلام وفتحت العراق، وجلب الغناء والرقيق من فارس والروم، فغنوا الغناء المجزأ المؤلف بالفارسية والرومية، وغنوا جميعًا بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير٢. وذكر أيضًا أن الغناء قديم في الفرس والروم، ولم يكن للعرب قبل ذلك إلا الحداء والنشيد، وكانوا يسمونه "الركباني" "الركبانية"٣. والنشيد رفع الصوت، ومن المجاز الشعر المتناشد بين القوم ينشده بعضهم بعضًا٤. وذكر "المسعودي" أن غناء العرب النصب، ثلاثة أجناس: الركباني، والسناد الثقيل، والهزج الخفيف٥. ويرى بعض أهل الأخبار أن أصل الغناء ومعدنه إنما كان في أمهات القرى من بلاد العرب، حيث فشا بها، وانتشر. ومن هذه مكة والمدينة والطائف وخيبر ووادي القرى ودومة الجندل واليمامة، وهذه القرى مجامع أسواق العرب. ورووا أن أول من غنى في العرب قينتان لعاد، يقال لهما: الجرادتان٦. وهما قينتا "معاوية بن بكر الجرهمي" "معاوية بن بكر العملقي" غنّتا لوفد "عاد" بمكة، فشغلوا عن الطواف بالبيت وسؤال الله فيما قصدوا، فهلكت عاد وهم سامدون. فلما رأى الجرهمي، وهو معاوية بن بكر، أحد العماليق، ذلك قال: هلك أخوالي "عاد"، ولو قلت لضيوفي شيئًا، ظنوا بين البخل، فألقى إلى الجرادتين شعرًا يذكر بمحنة "عاد"، فأنشدتاه الضيوف. وكان الجرهمي سيد مكة حين وفدت عاد تستقي في قحطها. وكان "قيل ابن عتر" أحد الرءوس الثلاثة لوفد عاد، حين ذهبوا في القحط إلى مكة يستسقون لقومهم٧.

стр. 2891

وورد أيضًا أن الجرادتين كانتا مغنيتين للنعمان. كما ورد ذكر الجرادتين وغناءهما لأبي رغال. وورد أنه كان بمكة في الجاهلية قينتان يقال لهما: الجرادان مشهورتان بحسن الصوت١. وقيل: إن الجرادتين كانتا أمتين تتغنيان في الجاهلية وكانتا لعبد الله ابن جدعان٢. وقد ذكر "أبو العلاء المعري"، أن العرب تسمي كل قينة جرادة، حملًا على أن قينة في الدهر الأول كانت تدعى الجرادة. واستشهد بهذا البيت: تغنينا الجراد ونحن نشرب ... نعلّ الراح خالطها المشور٣ وذكر بعض العلماء أن "جذيمة الخزاعي بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة ابن عمرو بن عامر"، المعروف بـ"المصطلق"، كان من أحسن الناس صوتًا، وقد غنى بعد "الجرادتين"، غنى غناء النصب٤. وذكر أنه أول من غنى في خزاعة٥. ثم غنى بعده "ربيعة"، وهو "ضبيس بن حزام بن حيشة بن سلول بن كعب بن عمرو بن عامر" الخزاعي، ثم غنى بعده "زمام بن خطام الكلبي"، وقد ذكره "الصمة القشيري"، بقوله: دعوت زمامًا للهوى فأجابني ... وأي فتى للهو بعد زمام٦ وذكر "المسعودي"، أن غناء أهل اليمن بالمعازف وإيقاعها جنس واحد، وغناؤهم جنسان: حنفي، وحميري. والحنفي أحسنها٧، فهذا هو غناء أهل اليمن. ورجع بعض أهل الأخبار غناء أهل اليمن إلى "علس بن زيد ذي جدن"، زعموا أنه أول من تغنى باليمن٨. وزعموا أنه كان من ملوك اليمن، لقب بذي جدن، لجمال صوته. فالجدن الصوت عند أهل اليمن٩.

стр. 2892

وذكر أن قريشًا لم تكن تعرف من الغناء، إلا النصب، حتى قدم "النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي" العراق، فعلم ضرب العود وغناء العباديين، فقدم مكة، فعلم أهلها، فاتخذوا القيان١. ويظهر من غربلة ما ورد في الأخبار عن الغناء، أن المراد به، تلحين ما يراد التغني به وتطريبه، حتى يثير الطرب في نفوس السامعين، لا سيما إذا اقترن بآلة من آلات الطرب. ونادرًا ما يكون غناء دون "موسيقى". فالموسيقى تصاحب الغناء. والغناء: تلحين ما يراد التغني به بتقطيعه قطعًا موزونة تكون نغمة، يوقع على كل صوت منها بإيقاع يناسبه، فيزيده لذة في السماع٢. وذهب "المسعودي" إلى أن أول من اتخذ القيان من العرب، أهل يثرب. أخذوا ذلك من بقايا عاد٣. بينما يذكر الأخباريون، أن أول من غنى من العرب العاربة الجرادتان، وكانتا فينتين على عهد عاد، لمعاوية بن بكر العمليقي٤. وفي جملة من قال ذلك "ابن خرداذبه"، الذي اعتمد "المسعودي" عليه في موضوع الغناء، ونقل من كتابه "اللهو والملاهي" بالنص٥. والقينة عند علماء اللغة: الأمة المغنية، وذكروا أنها كلمة هذلية. وقال بعض آخر: مغنية كانت أو غير مغنية. وإنما قيل للمغنية قينة، إذا كان الغناء صناعة لها، وذلك من عمل الإماء دون الحرائر٦. والظاهر أنها من الألفاظ المعربة، فالغناء في لغة "بني إرم" هو "قنتو" Qinto والمغنية "قينة" من الغناء "قنتو"٧. وذكر أن من أسماء "القينة" "الزمّارة" و"الزامرة"، وقيل للمغني: "الزمار"، وذلك من التزمير بالمزمار٨.

стр. 2893

ويقال للمغنية: "الكرينة" أيضًا١. وقد وردت اللفظة في شعر لبيد: بصبوح صافية وجَذْب كرينة ... بموترٍ تَأتاله إيهامها٢ وذكر أن "الكرينة" المغنية الضارية بالعود أو الصنج، والضاربة بـ"الكران". و"الكران" هو العود٣. وذهب أهل الأخبار إلى أن الغناء محدث في العرب، أخذ من "الحداء". وكان الحداء في العرب قبل الغناء. وكان أول السماع والترجيع في العرب، ثم اشتق الغناء من الحداء. اشتقه "حباب بن عبد الله الكلبي"، فغنى النصب٤. وقد أشير إلى غناء النصب في كلام ينسب إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب، فذكر أنه قال: مَرَّ بنا ابن الخطّاب، وأنا وعاصم بن عمر نغني غناء النصب، فقال: أعيدا علي٥. وورد أن أنس بن مالك سمع أخاه البراء بن مالك يغني، فقال: ما هذا؟ قال: أبيات عربية أنصبها نصبًا٦. مما يدلّ على أن غناء النصب إنما ورد من هذا المعنى كذلك أشير إلى الحداء في خبر ينسب إلى ابن جريج، قال: سألت عطاء عن قراءة القرآن على ألحان الغناء والحداء٧. وقد أخرج هذا الخبر الحداء من الغناء. وعرف بعض العلماء النصب: أنه غناء الرُّكبان. وعرف أنه "العقيرة"، يقال: رفع عقيرته إذا غنى النصب. وعرف أنه ضرب من أغاني العرب "وفي حديث نائل مولى عثمان: فقلنا لرباح بن المغترف: لو نصبت لنا نصب العرب، أي: لو تغنيت، وفي الصحاح: لو غنيت لنا غناء العرب. "وكان رباح بن المغترف يحسن غناء النصب وهو ضرب من أغاني العرب، شبيه الحداء، وقيل:

стр. 2894

هو الذي أحكم من النشيد، وأقيم لحنه ووزنه"١. وعرف النصب: أنه ضرب من مغاني العرب أرق من الحداء٢. وقد أشار أهل الأخبار إلى أن العرب كانت "تتغنى بالركباني، إذا ركبت الإبل، وإذا جلست في الأفنية وعلى أكثر أحوالها، فلما نزل القرآن أحب النبي، ﷺ ، أن يكون هجيراهم بالقرآن مكان التغني بالركباني، وأول من قرأ بالألحان عبيد الله بن أبي بكرة، فورثه عند عبيد الله بن عمر، ولذلك يقال: قرأت العمري، وأخذ ذلك عنه سعيد العلاف الإباضي"٣. وذكر أن "عمر" سمع "عبد الرحن بن عوف" وهو يتغنى وينشد بالركبانية، وهو غناء يحدى به الركاب٤. والحداء، هو من أقدم أنواع الغناء عند العرب، يغنى به في الأسفار خاصة، ولا زال على مكانته ومقامه في البادية حتى اليوم. ويتغنى به في المناسبات المحزنة أيضًا لملاءمة نغمته مع الحزن. وقد كان للرسول حادي هو "البراء بن مالك بن النضر الأنصاري" وكان حداءً للرجال٥. وكان له حداء آخر، يقال له "أنجشة الحادي" وكان جميل الصوت أسود، وكان يحدو للنساء٦، نساء النبي، وكان غلامًا للرسول٧. وذكر أن النبي قال لقوم من بني غفار -سمع حاديهم بطريق مكة ليلًا- قال لهم: "إن أباكم مضر خرج إلى بعض رعاته فوجدها قد تفرقت، فأخذ عصًا فضرب بها كفَّ غلامه، فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح: وا يداه، وا يداه، فسمعت الإبل ذلك فعطفت، فقال مضر: لو اشتق مثل هذا لانتفعت به الإبل واجتمعت، فاشتق الحداء"٨. وذكر بعض أهل الأخبار "أن أول من أخذ في ترجيعه الحداء "مضر بن نزار"٩

стр. 2895

فإنه سقط عن جمل فانكسرت يده، فحملوه وهو يقول: وا يداه وا يداه، وكان أحسن الله جرمًا وصوتًا، فأصغت الإبل إليه وجدت في السير، فجعلت العرب مثالًَا لقوله هايدا هايدا يحدون به الإبل"١. وللأخباريين كلام آخر من هذا النوع عن الحداء٢. يتفق كله في أن هذا النوع من الغناء كان من خصائص غناء مضر٣. وكان "عامر بن سنان الأكوع بن عبد الله بن قشير الأسلمي" المعروف بـ"ابن الأكوع" رجلًا شاعرًا وراجزًا، وكان يحسن الحداء، فطلب منه أصحاب الرسول أثناء سيرهم إلى خيبر أن يحدو بهم. فسمع الرسول حداءه٤. وهناك أخبار أخرى يفهم منها أن العرب لم تدخل الحداء في الغناء، وإنما ذكرته معه، على أنه باب خاص٥. والعادة أن يجعل المسافرون معهم حاديا أو جملة حداة يحدون بهم في السفر. وكان أبو هريرة أحد الصحابة المحدثين عن رسول الله، يحدو لركب بسرة بنت غزوان٦. والحداء إذن ضرب مخصوص من الغناء، ويكون بالرجز غالبًا لأن طبيعة الرجز تلائم هذا النوع من الغناء٧. ويذكر "المسعودي" أن الحداء كان في العرب قبل الغناء. وكان أول السماع والترجيع في العرب، ثم اشتق الغناء من الحداء٨. فالحداء متقدم على الغناء إذن، وهو الباب الذي ولج العرب منه إلى الغناء. والحداء، هو في الواقع غناء أهل البادية، وفي إرجاع أهل الأخبار أصله إلى "مضر" أو غيره من الرجال صحة، إذا اعتبرنا أن "مضر" أو غيره كناية عن الأعراب. لأن هذا النوع من الغناء مما يتناسب مع لحن البوادي ونغمها الحزينة البسيطة التي تطرب بها طبيعة البداوة نفس الأعراب. ولا زال غناء أهل البادية متأثرًا بهذه الضربات من العزف، التي تعزفها البادية للتخفيف عن كآبة.

стр. 2896

الطبيعة وللتعبير عن الروح الحزينة التي تحملها هذه الطبيعة من نشوئها ونموها في هذه الفيافي الساحقة الشاسعة التي لا ترى حدودها العين، والتي ترشق الأوجه برشقات من الرمال، تسد العين، حتى لا تتجاسر فتمد بصرها لتسترق سر هذه المحيطات ذات الأمواج المتفاوتة في الارتفاع من تموجات الرمال. وقد تخصص أناس من رجال ونساء بالغناء، واتخذوه حرفة لهم يتكسبون بها. والمغنون المحترفون هم من سواد الناس، ومن الرقيق. لأن من طبع الشريف والحر الابتعاد عنه. وقد احترف هؤلاء الغناء وتعيشوا عليه. فكانوا يدعون إلى إحياء الحفلات في مقابل أجر يدفع لهم. وقد كان من بينهم من يغني بلغته كالرومية والحبشية، ولهذا فلم يكن من المستبعد سماع غناء أجنبي في موضع مثل مكة أو يثرب لوجود رقيق فيه. وقد تغنى بشعر بعض الشعراء الجاهليين، ومن هؤلاء شعر الشاعر "مرة بن الرواغ". ويذكر أهل الأخبار أن "امرئ القيس بن حجر"، كان يأمر قيانه أن يغنين بشعره. وأن قيان الملوك كن يغنين به أيضًا١، وقد كان النخاسون في الجاهلية يعلمون المغنيات الشعر، للتغني به. وقد كان أغنياء مكة والقرى الأخرى يملكون القيان، ومنهم من كان يملك عددًا منهن. مثل "عبد الله بن جُدْعان". وكان "لمقيس بن عبد قيس بن قيس بن عدي"، قينتان تغنيان، وكان بيته مألفًا لشباب قريش ينفقون عنده ويشربون ويتهاتكون يبقون على ذلك ليالي وأيامًا٢. ومن القيان: "هريرة" التي شبب بها "الأعشى". وهي أمة سوداء، لحسان بن عمرو بن مرثد. ولها أخت اسمها "خليدة": كانت قينة كذلك. وقد ورد في رواية أخرى، أنهما كانتا قينتين لـ"بشر بن عمرو بن مرثد"، وكانتا تغنّيانه النصب. وقدم بهما اليمامة، لما هرب من "النعمان"٣. وذكر أنه كان لـ"عائشة" جاريتان تغنيان بغناء بعاث، أي تنشدان الأشعار التي قيلت يوم بعاث٤.

стр. 2897

ومن أهل الحداء حاد يقال له: "أنجشة" أشرت إليه قبل قليل، وكان حسن الصوت. وهو من الصحابة. "وفي الحديث: أن النبي، ﷺ ، قال لأنجشة وهو يحدو بالنساء: "رفقًا بالقوارير ... " وكان أنجشه يحدو بهن ركابهن ويرتجز بنسيب الشعر والرجز وراءهن"١. وهو من أصل حبشي، يكنى "أبا مارية"٢. وكان يحدو بالنساء، وكان البراء بن مالك يحدو بالرجال٣. وربما كان على النصرانية قبل دخوله في الإسلام. وكان "البراء بن مالك بن النضر الأنصاري"، حسن الصوت كذلك. وكان يرجز لرسول الله في بعض أسفاره، كما أشرت إلى ذلك قبل قليل. وذكر أنه كان حادي الرجال. وكان يتغنى بالشعر. وقد شهد المشاهد مع رسول الله إلا بدرًا، وله يوم اليمامة أخبار. واستشهد في أيام عمر٤. وكان من الشجعان٥. ومما يلفت النظر أن الأخباريين حين يتحدثون عن مجلس طرب وشرب وغناء، يذكرون أن صاحب المجلس أمر قينتين له بأن تغنيا له أولهم، وذلك في الغالب، ولم يذكروا قينة أو أكثر إلا في الأقل، حتى ليشعر القارئ أن العرف في ذلك الوقت أن تكون للسادة وللأشراف قينتين تغنيان تكونا في البيت بصورة دائمة. فلما اغتاظ "أبو براء عامر بن مالك بن جعفر" ما قيل عنه، وأراد الترفيه عن نفسه قبل أن يقتل نفسه "دعا قينيتن له فشرب وغنتاه"٦. وكان "عبد الله بن جدعان" إذا أراد سماع الغناء أمر قينتين له تسميان "الجرادتين" بالغناء٧. ولا يستبعد استخدام الجاهليين آلات الطرب والغناء في معابدهم وفي أعيادهم. فقد كان الساميون كالعبرانيين يستعملون أنواع آلات الموسيقى في معابدهم وفي أعيادهم تقربًا إلى آلهتهم٨. وقد وصلت إلينا أسماء بعض آلات الطرب التي استعملها الجاهليون ولكن معارفنا لا تزال مع ذلك قليلة ضعيفة. وستزيد ولا شك

стр. 2898

متى قام الآثاريون بالتنقيب تنقيبًا علميًّا عميقًا في مواضع الآثار في مختلف الأنحاء. أما العرب في العراق وفي بلاد الشام، فقد تأثروا بالغناء الأعجمي، واستعملو آلات الطرب المعروفة عند الفرس واليونان، وسمعوا الغناء بالفارسية والرومية واستحسنوه، بل استحسنه أناس من عرب الحجاز أيضًا. سمع حسان بن ثابت غناء "رائقة"، فلما عاد إلى بيته، تذكر ليلة قضاها في الجاهلية مع "جبلة بن الأيهم"، لم ينسها قط، قال: "لقد رأيت عشر قيان: خمس روميات يغنين بالرومية بالبرابط، وخمس يغنين غناء أهل الحيرة وأهداهن إليه إياس بن قبيصة. وكان يفد إليه من يغنيه من العرب من مكة وغيرها. وكان إذا جلس للشرب، فرش تحته الآس والياسمين وأصناف الرياحين، وضرب له العنبر والمسك في صحاف الفضة والذهب، وأتي بالمسك الصحيح في صحاف الفضة، وأوقد له العود المندى إن كان شاتيًا، وإن كان صائفًا بطّن بالثلج، وأتي هو وأصحابه بكساء صيفية ينفصل هو وأصحابه بها في الصيف، وفي الشتاء بفراء الفَنَك وما أشبهه، ولا والله ما جلست معه يومًا قط إلا وخلع عليّ ثيابه التي عليه في ذلك اليوم وعلى غيري من جلسائه، هذا مع حلم عمن جهل، وضحك وبذل من غير مسألة"١. وإذا كان الغناء للطرب بوجه عام، فإن هنالك نوعًا آخر من الغناء هو "الترنيم"، وهو تطريب الصوت، ويستخدم في الغالب في التلاوة، أي: تلاوة الأدعية والتراتيل الدينية. فقد كان الجاهليون يرتلون أغانيهم الدينية أمام أصنامهم، كما فعل ذلك اليهود والنصارى ويترنمون بها. وتصحب هذه الترانيم آلات موسيقية لتعزف الألحان المناسبة الموافقة لها. وذكر علماء العربية أن "الرنم" المغنيات المجيدات، والرنم الصوت. والرنيم والترنيم ترجيع الصوت وتطريبه٢. وعرف "الترجيع" بـ"ترديد الصوت في الحلق في قراءة أو غناء أو زمر أو غير ذلك مما يترنم به". وقيل: "الترجيع هو تقارب ضروب الحركات في الصوت"٣. وقد كان الجاهليون يرجعون الشعر، بأن يقرأونه على الألحان والتطريب والإيقاع ليؤثر في السامعين.

стр. 2899

أما المناسبات المحزنة كالموت والكآبة، فقد كانوا يستعملون فيها نغمات حزينة وهادئة للتخفيف من شدة الحزن والكآبة والألم. وقد كانت لهم في ذلك ألحان وأوزان ونغم. وأما "الهزج"، فالخفيف الذي يرقص عليه، ويمشي بالدف والمزمار، فيطرب ويستخف الحليم١. وذكر أن الهزج من الأغاني ما فيه ترنم، وصوت مطرب، وقيل: هو صوت فيه بحح، وصوت دقيق مع ارتفاع. وكل كلام متدارك متقارب في خفة هزج٢. فهو الخفيف المطرب من الغناء. وكانت المناسبات المفرحة مثل الزواج تقترن بالعزف والغناء. روي أن رسول الله لما كان غلامًا يرعى غنمًا ومعه غلام من قريش يرعى معه كذلك قال له: "لو أنك أبصرت غنمي حتى أدخل مكة، فأسمر بها كما يسمر الشباب، قال: أفعل. فخرجت أريد ذلك حتى جئت أول دار من ديار مكة، سمعت عزفًا بالدفوف والمزامير. فقلت ما هذا؟ فقالوا: فلان تزوج فلانة بنت فلان. فجلست أنظر إليهم"٣. وذكر أن من عادة أهل مكة أن يفعلوا ذلك عند الزواج. وفعل أهل يثرب ذلك أيضًا في مثل هذه المناسبات وفي مناسبات الفرح الأخرى٤.

стр. 2900

الرقص: والرقص وجه آخر من وجوه التسلية والتفريج عن النفس. يرقصون في المناسبات، مثل الأعراس والأفراح الأخرى. وهو في الغالب ارتفاع وانخفاض، وقد يكون ذلك هو الذي حمل علماء اللغة على تفسير الرقص أنه ارتفاع وانخفاض١. والراقصون هم من الشباب في الغالب، أما الشيوخ، فكانوا لا يرقصون، لعدم ملاءمة الرقص مع جلال السن.

стр. 2901

وذكر علماء اللغة أن من الرقص نوع يقال له: "الدرقلة". وذكر بعض آخر أن "الدرقلة" الرقص. "قال محمد بن إسحاق: قدم فتية من الحبشة على رسول الله، ﷺ ، يدرقلون، أي يرقصون". وقيل: الدرقلة: لعبة للعجم معربة١. وهي من الحبشة على بعض آراء علماء اللغة. ونطقت بـ"الدركلة" كذلك. وذكروا أن الرسول "مرّ على أصحاب الدركلة فقال: "جدّوا يا بني أرفدة حتى يعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة" ٢. قيل: إن الدركلة ضرب من الرقص ولعبة للعجم معربة. وقد عرف الحبش بحبهم للرقص. وكان أهل مكة وغيرهم من أهل الحجاز إذا أرادوا الاحتفال بعرس أو ختان أو أية مناسبة مفرحة أخرى أحضروا الحبش للرقص والغناء على طريقتهم الخاصة. وورد في الحديث أنه قال للحبشة: "دونكم يا بني أرفدة". وقيل: هم جنس من الحبشة يرقصون. وقيل: "أرفدة" لقب لهم، هو اسم أبيهم الأقدم يعرفون به٣. وقد كان الرقص عند الشعوب السامية نوعًا من أنواع التعبير عن الفرح والشكر تجاه آلهتهم٤. ويدخل في جملة الشعائر الدينية. ولا يستبعد أن يكون الجاهليون مثل غيرهم قد رقصوا لآلهتهم في المناسبات الدينية، تعبيرًا عن شكرهم للآلهة. ولكن معارفنا عن ذلك قليلة جدًّا، فلا نجد في الكتابات الجاهلية أية إشارة إليه، أما أخبار أهل الأخبار عن الرقص عند الجاهليين، فهي قليلة. ولا أستبعد أن يكون السعي بين الصفا والمروة كان رقصًا في الأصل فكان الساعون يرقصون ويغنون أغاني دينية، في تمجيد رب البيت والتقرب إليه. كما كانوا يرقصون في المعابد الأخرى. ويعدّ يوم وصول الملوك والأمراء والسادات إلى مكان ما، يومًا مشهودًا يجلب الفرح والسرور إلى قلوب الناس، ويعطي ذلك اليوم بهجة وسرورًا. وكانوا يستقبلون كبار الوافدين عند قدومهم بأصناف اللهو. ويخرج "المقلسون" بالسيوف والريحان وبالدفوف والغناء. ولذلك قيل: "القلس"، و"التقليس": الضرب

стр. 2902

بالدف والغناء. و"المقلس": الذي يلعب بين يدي الأمير. ولما قدم "عمر" الشام لقيه المقلسون بالسيوف والريحان. والقلس: الرقص في غناء، وقيل: هو الغناء الجيد١.

стр. 2903

ألعاب مسلية: وقطع الجاهليون وقتهم ببعض الألعاب المسلية، مثل "النرد" وقد أشير إليه في الحديث بـ"النردشير" وبـ"النرد". وذكر بعض العلماء أن "النرد" هو "الكوبة"، بلغة أهل اليمن١. وأشير إليه في حديث أهل الأخبار عن "امرئ القيس الكندي" وعن الناعي الذي أوصل الخبر إليه، فقالوا: "فوجده مع نديم له يشرب الخمر، ويلاعبه بالنرد، فقال له: قتل حجر، فلم يلتفت إلى قوله، وأمسك نديمه، فقال له امرؤ القيس: اضرب، فضرب، حتى إذا فرغ، قال: ما كنت لأفسد عليك دستك"٢ والدست مصطلح فارسي، أي ما كنت لأفسد عليك لعبك. وكان في الجاهلية إذا خاب قدح أحدهم ولم ينل مرامه قيل: تم عليه الدست. وقيل: الدست: هو دست القمار، كان في اصطلاح الجاهلية. وفلان حسن الدست: شطرنجي حاذق٣. واللعب اللهو والتسلية، وهو أنواع. كما أن لكل عمر نوع من اللعب يليق به. و"التلعابة" و"التلعاب" الكثير اللعب، والكثير المزح والمداعبة. و"الشطرنج" لعبة، والنرد لعبة كذلك، وكل ملعوب به فهو لعبة. و"اللعبة" الأحمق الذي يسخر به ويلعب ويطرد عليه٤. ويعبر عن اللهو واللعب بلفظة "الديدان"، و"الددن"، و"الدد"،

стр. 2904

و"الددا"، و"ديد"، و"ديدان"، و"الديدبون". وفي الحديث: "ما أنا من دد ولا الددُ مني". أي: ما أنا في شيء من اللهو واللعب. وورد لعديّ بن زيد العباديّ: أيها القلب تعلل بددن ... إن همّي في سماع وأذن وذكر أن الدد: هو الضرب بالأصابع في اللعب، وأن الديدبون: اللهو١. وللأطفال ألعاب تتناسب مع سنهم، منها: "الجماح"، وهي سهيم يلعب به، يجعلون مكان زجه طينًا٢، و"البقيري"٣، ولعبة "الغراب"، وقد ذكر أن صبيانًا كانوا يلعبونها ليلًا٤. و"الكعاب" و"الفيال"، وهي لعبة كانوا يلعبون بها، يجمعون ترابًا ويخبئون فيها خِبْئًا، ويقولون لصاحبه: في أي الجانبين هو٥؟. ومن ألعاب الصبيان لعبة يقال لها "الدخرجاء" و"الدحيريجاء"، وفيها قال الشاعر: عليك الدحيريجا فاتبع صحابها ... سيكفيك زين الحرب أروع ماجد٦ ومن ألعاب الصبيان، لعبة "عظم وضاح" "عظيم وضاح"، أن يأخذ بالليل عظمًا أبيض، فيرمونه في ظلمة الليل، ثم يتفرقون في طلبه، فمن وجده فله القمر. وذكر أن من وجده يركب الفريق الآخر من الموضع الذي وجدوه فيه إلى الموضع الذي رموا به منه. وورد في الحديث أن النبي لعب وهو صغير بعظم وضاح٧. و"البُقيَّري": أن يجمع يديه على التراب في الأرض إلى أسفله، ثم

стр. 2905

يقول لصاحبه: اشته في نفسك، فيصيب ويخطئ. وذكر أنهم يأتون إلى موضع قد خبئ لهم فيه شيء، فيضربون بأيديهم بلا حفر يطلبونه١. والخطرة، أن يعملوا مخراقًا، ثم يرمي به واحد منهم من خلفه إلى الفريق الآخر، فإن عجزوا عن أخذه رموا به إليهم، فإن أخذوه ركبوهم٢. وأما "الدارة"، ويقال لها: "الخراج"، أن يمسك أحدهم شيئًا بيده ويقول لسائرهم: أخرجوا ما في يدي. و"الشحمة"، أنه يمضي واحد من أحد الفريقين بغلام فيتنحون ناحية ثم يقبلون، ويستقبلهم الآخرون، فإن منعوا الغلام حتى يصيروا إلى الموضع الآخر فقد غلبوهم عليه، ويدفع الغلام إليهم، وإن لم يمنعوه ركبوهم، وهذا كله يكون في ليالي الصيف، عن غب ربيع مخصب٣. وسابق الأطفال والشبان بعضهم بعضًا. سابقوا على الخيل وسابقوا على الأقدام فكان السابق يفخر على المسبوقين، وربما خاطروا في السباق، فيأخذ السابق "الخطر"، وهو ما جعلوه رهنًا للسابق. وصارعوا. واعتبروا المصارعة رياضة وفخرًا. فالقوي يصرع الضعيف. ولهذا كان المصارع الذي لا يصرع يتباهى ويفخر بنفسه على غيره وقد سابق رسول الله بنفسه على الأقدام٤. ويقال للمصارعة: "المراوغة"، لما فيها من مرواغة الواحد منهما للآخر، للتغلب عليه٥. وقد صارع النبي "ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب"، فصرعه مرتين. "وكان شديدًا. يحكى أنه كان يقف على جلد بعير لين جديد حين سلخه، فيجذبه من تحته عشرة فيتمزق الجلد ولا يتزحزح هو عن مكانه"٦. ومن ألعاب الصبيان "الطبن"، وهو خط مستدير يلعب به الصبيان٧. و"الشعارير" وهي من لعب الصبيان٨. وأما البنات فالتماثيل الصغار التي يلعب

стр. 2906

بها. وفي حديث عائشة: كنت ألعب مع الجواري بالبنات١. و"الدحندح" لعبة للصبية يجتمعون لها فيقولونها، فمن أخطأها قام على رجل وحجل سبع مرات٢. ومن ألعاب الغلمان "الحكة"، وهي لعبة لهم يأخذون عظمًا فيحكونه حتى يبيض ثم يرمونه بعيدًا فمن أخذه فهو الغالب٣. واللعبة التمثال يلعب به الصبيان. و"الملعبة" ثوب بلا كم يلعب فيه الصبي٤. وعرفت ألعاب الشدة والقوة عند الجاهليين. ومن هذه لعبة "الربع"، وهي رفع الحجر باليد وشيله امتحانًا للقوة. وفي الحديث: أنه مر بقوم يربعون حجرًا، فقال: ما هذا؟ فقالوا: هذا الأشداء٥.

стр. 2907

القمار: و"القمار" من الألعاب المتفشية كثيرًا بين الجاهليين، ولم يكن الباعث عليه التسلية واللهو في الغالب، وإنما كان طمعًا في الربح. ويسمى "الميسر" في العربية التي نزل بها القرآن الكريم. وقد أشير إليه في الشعر الجاهلي. وقد حرمه الإسلام، ونزل الأمر بالنهي عنه في القرآن الكريم. ويذكر أهل الأخبار أن أول من حرم القمار في الجاهلية "الأقرع بن حابس التميمي"، ثم جاء الإسلام بتقريره١. وذكر أن كل شيء فيه قمار فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز. وعرف الميسر: أنه القمار بالقداح في كل شيء٢. وقامر الرجل راهنه٣. وذكر أن الياسرين: الذين يلون قسمة الجزور، والميسر الجزور نفسه، سمي ميسرًا لأنه يجزأ أجزاء فكأنه موضع التجزئة، وهذا الأصل في الياسر، ثم يقال للضاربين بالقداح

стр. 2908

والمتقامرين على الجزور: الأيسار١. وذكر أن اشتقاق "الميسر" إما من اليسر لأنه أخذ مال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب، أو من اليسار لأنه سلب يساره٢. وقد ألف بعض العلماء كتبًا في الميسر، منها كتاب ألفه "ابن قتيبة الدينوري" وكتاب ألفه "الزبيدي" دعاه "نشوة الارتياح في بيان حقيقة الميسر والقداح"٣. وآراء العلماء متباينة في الميسر وفي المراد منه، وفي طريقته. ويظهر أن قسمًا ممن كان يلعب الميسر لم يكن يلعبه ابتغاء الكسب، وإنما كان يلعبه للتسلية وللترفيه عن الآخرين، وذلك بإعطائه ما يكسبه للمحتاجين وللفقراء، ولذلك افتخروا بعملهم هذا وعدوه مفخرة من مفاخر العرب، لأنهم كانوا يفعلونه في أيام الشدة وعدم اللبن وأيام الشتاء٤. فيعطون اللحم للمحتاج إليه، إذ عيب من كان يأخذه لنفسه، وعدوه عارًا٥. وقد افتخروا به في شعرهم٦، ومدحوا من يأخذ القداح وعابت من لا ييسر ودعته "البرم"٧، وذلك لبخله وظنه بماله من أن يذهب إلى غيره، مع أن الناس في حاجة شديدة إليه. وإلى لعب الموسرين الأيسار في الشاء لمساعدة ذوي الحاجة، أشار طرفة في شعره إذ قال: وهم أيسار لقمان إذا ... أغلت الشتوة أبداء الجزور٨ وأما القسم الآخر ممن كان ييسر، فكان يبغي الكسب والمال، لذلك كان يقامر بكل ما يملك في سبيل الحصول على المال للمياسرة. روي عن "ابن عباس" أنه "كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله" في سبيل

стр. 2909

المياسرة١. وكان يلجأ إلى الغش والخداع والسرقة وإضاعة العيال، ولأضراره هذه حرمه الإسلام٢. وقد ييسرون على الأسرى، فقد وقع "سحيم بن وثيل اليربوعي" في سباء، فضرب عليه بالسهام، فقال في ذلك: أقول لهم بالشعب إذ ييسروني ... ألم تعلموا أني ابن فارس زهدم٣ وصفة الميسر: أن القوم كانوا يجتمعون فيشترون الجزور بينهم، فيفصلونها على عشرة أجزاء يُؤتى بالحرضَة وهو رجل يتأله عندهم لم يأكل لحمًا عندهم قط بثمن، ويؤتى بالقداح وهو أحد عشر قِدْحًا، سبعة منها لها حظ إن فازت، وعلى أهلها غرم إن خابت، بقدر من الحظ إن فازت، وأربعة ينفل بها القداح، لا حظ لها إن فازت ولا غرم عليها إن خابت. فأما التي لها الحظ: فأولها الفذ في صدره حز واحد، فإن خرج أخذ نصيبًا، وإن خاب غرم صاحبه ثمن نصيب، ثم التوأم، له نصيبان إن فاز، وعليه ثمن نصيبين إن خاب، ثم الضريب، وله ثلاثة أنصباء، ثم الحلس وله أربعة، ثم النافس وله خمسة، ثم المسبل، وله ستة، ثم المُعَلّى وله سبعة. والمسبل يسمى: المصفح، والضريب يقال له: الرقيب. وأما الأربعة التي ينفصل بها القداح، فهي: السفيح، والمنيح، والمضعف، والوغد. وقيل: إن للمنيح موضعين: أحدهما لا حظ له، والثاني له حظ؛ فكأنه الذي يمنح الحظ، واستدلوا على ذلك بقول عمرو بن قبيصة: بأيديهم مقرومة ومغالق ... يعود بأرزاق العيال منيحها٤ فيؤتى بالقداح كلها وقد عرف كل ما اختار من السبعة ولا يكون الأيسار إلا

стр. 2910

سبعة، لا يكونون أكثر من ذلك، فإن نقصوا رجلًا أو رجلين، فأحب الباقون أن يأخذوا ما فضل من القداح، فيأخذ الرجل القدح والقدحين فيأخذ فوزهما إن فازا، ويغرم عنهما إن خابا ويدعى ذلك، التميم. قال النابغة: إني أتمم أيساري وأمنحهم ... من الأيادي وأكسوا الجفنة الأدما فيعمدون إلى القداح، فتشدّ مجموعة في قطعة جلد، ثم يعمد إلى الحرضة فيلف على يده اليمنى ثوبًا لئلا يجد مس قدحٍ له في صاحبه هوى، فيحابيه في إخراجه، ثم يؤتى بثوب أبيض يدعى المجول، فيبسط بين يدي الحرضة، ثم يقوم على رأسه رجل يدعى الرقيب، ويدفع ربابة١ القداح إلى الحرضة وهو محول الوجه عنها، فيأخذها ويدخل شماله من تحت الثوب، فينكسر القداح بشماله، فإذا نهد منها قدح تناوله فدفعه إلى الرقيب فإن كان مما لا حظ له ردَّ إلى الربابة، فإن خرج بعده المسبل، أخذ الثلاثة الباقية، وغرم الذين خابوا ثلاثة أنصباء من جزور أخرى، وعلى هذه الحال يفعل بمن فاز ومن خاب، فربما نحروا عدة جُزُر ولا يغرم الذين فازوا من ثمنها شيئا، وإنما الغرم على الذين خابوا ولا يحل للخائبين أن يأكلوا من ذلك اللحم شيئًا، فإن فاز قدح للرجل فأرادوا أن يعيدوا قدحه ثانية على خطار فعلوا ذلك به٢. و"الحرضة"، الذي يضرب للأيسار بالقداح لا يكون إلا ساقطًا، يدعونه بذلك لرذالته، وعرف أنه من المقامرين، ومن شأنه المعروف له أنه الرجل الذي لا يشتري اللحم ولا يأكله بثمن إلا أن يجده عند غيره أو يهدي له الأيسار٣. ويظهر من هذا الوصف ومن أوصاف أهل الأخبار له، ومن قول للطرماح في وصف حمار، فتعرض بهذه المناسبة لذكر الحرضة: ويظلُ المليء يوفى على القّر ... عذوبًا كالحرضة المستفاض٤
следующие страницы →