يستأجرون النادبات ليندبن الموتى١.كما كان الرومان يتبعون هذه السنة.
وكلمة "الرثاء" من الكلمات الجاهلية وهي تعني بكاء الميت وتعديد محاسنه، ونظم الشعر فيه، ويقال للمرأة النواحة، والتي ترثي بعلها أو غيره من الأقارب والأعزاء ممن يكرم عندها "الرثاءة" و"الرثاية"٢. وأما "المناحة"، فهي اجتماع النساء في مناحة لإظهار حزنهن على الميت. ويقال للاجتماع "نياحة" أيضًا. والكلمة من الكلمات الجاهلية كذلك٣. ويفهم كثير من الناس من كلمة "مأتم" المصيبة وإظهار الحزن والنوح والبكاء، وليس هو كذلك، وإنما "المأتم" في عرف أهل اللغة المجتمع يجتمع فيه النساء في حزن أو فرح في خير أو شرّ، ويطلق على اجتماعات الرجال والنساء٤.
وفي الشعر الجاهلي أبيات يحث فيها الشعراء أهلهم ويوصونهم بالبكاء وبالنوح عليهم إذا ماتوا. فقد ذكروا أن طرفة بن العبد خاطب ابنة أخيه معبد بهذا البيت:
فَإِن مُتُّ فَاِنعيني بِما أَنا أَهلُهُ ... وَشُقّي عَلَيَّ الجَيبَ يا اِبنَةَ مَعبَدِ٥
وذكروا أن الشاعر حازم بن أبي طرفة الحارث بن قيس الشدّاخ الكناني، وهو شاعر جاهلي أوصى ابنته لما شعر بدنو أجله بأن تبكي والدها وأن تندبه وتذكر محامده وفعاله، وذلك في هذين البيتين:
بنية إنّ الموت لا بد لاحق ... بشيخك ماضي الأنام المودع
فإن قمت تبكيني فقولي أبو الندى ... ومأوى رجال بائسين وجوّع٦
أما الشاعر لبيد، فقد أوصى ابنته بهذه الوصية لما حضرته الوفاة:
تَمَنّى اِبنَتايَ أَن يَعيشَ أَبوهُما ... وَهَل أَنا إِلّا مِن رَبيعَةَ أَو مُضَر؟
стр. 2942
فَقوما وَقولا بِالَّذي تَعْلمانه ... وَلا تَخمِشا وَجهًا وَلا تَحلِقا شَعَر
وَقولا هُوَ المَرءُ الَّذي لا خَليلَهُ ... أَضاعَ وَلا خانَ الصَديقَ وَلا غَدَر١
وهي وصية فيها تعقل واقتصاد بالنسبة إلى طلبات غيره ممن كان يرى البكاء والنياحة وخمش الوجوه وحلق الشعور وإظهار أكثر ما يمكن من مظاهر الحزن والتوجع والتألم وأمثال ذلك، هي سيماء من سيماء التقدير والتعظيم والاحترام للميت بل للأحياء من آله وأقربائه أيضًا؛ لأنها دلالة على شدة تألمهم لذهاب فقيدهم، وعلى أنهم لا يبالون في الإنفاق في شيء حتى في إيلام أنفسهم وتوجيع أجسامهم وهلاكهم في سبيله، وأنهم كرماء لا يبالون في البذل في سبيل من يفتقدونه.
وما كان لبيد، ليقنع بهذا المأتم لو كان على رأي أهل الجاهلية. فمأتمه هذا مأتم بارد لا يليق بمقام رجل جاهلي، ولكنه كان مسلمًا، دفعه إسلامه على القناعة في مأتمه وعلى الاكتفاء بهذا القليل. فقد ورد في الحديث: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله"، وأن الرسول قال: "ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية"، وأنه: "بريء من الصالقة والحالقة والشاقة"، وأنه قال: "اثنتان في الناس هما بهما كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت" إلى غير ذلك من أحاديث تنهى عن هذه المظاهر، التي هي في نظر الإسلام من سيماء أهل الجاهلية٢.
ويصحب البكاء شق الجيب وتعفير الرأس بالتراب واجتماع النسوة أيامًا لندب الميت وذكر مناقبه. تقوم بذلك نادبات ممتهنات أو غيرهن ممن رزقن موهبة القول في مثل هذه الأحوال من أفراد الأسرة أو القبيلة أو الحي أو القرية. وفي بيت لـ"طرفة بن العبد" نجده يوصي بنعيه بما يستحقه وبشق الجيب عليه٣. وقد يمتد نعي الميت ورثاؤه حولًا كاملًا، وهي مدة عزاء أهل الجاهلية٤. فإذا انتهى
стр. 2943
الحول وقد بكوه البكاء الذي استحقه الميت عذر أقرباؤه عن الاستمرار في بكائه إلا في المناسبات. قال لبيد لابنتيه لما حضرته الوفاة:
إِلى الحَولِ ثُمَّ اِسمُ السَلامِ عَلَيكُما ... وَمَن يَبكِ حَولًا كامِلًا فَقَدِ اِعتَذَر١
وتعرف التي ترفع صوتها بالنياحة بـ"الصالقة". وأما التي تحلق شعرها عند نزول المصيبة فيقال لها: "الحالقة". وأما التي تشق جيبها، فيقال لها: "الشاقة".
ويقال لتعديد النادبة بأعلى صوتها محاسن الميت النادبة ولعملها الندب٢. والظاهر أن الندب كان خاصًّا بالنساء، وإن وردت كلمة "نادب" عند اللغويين٣.
وقد نهى الإسلام عن "الصلق"، ورد في الحديث: "ليس منا من صلق أوحلق أو خرق". أي: ليس منا من رفع صوته عند المصيبة وعند الموت. ويدخل فيه النوح أيضًا٤. و"السالقة"، هي بمعنى "الصالقة"، وهي لهجة ولا شك من لهجات القبائل، وقد وردت في رواية أخرى للحديث المذكور أيضًا٥. ولطم الخدود وخمشها وشق الجيوب وذر التراب أو الرماد أو وضع الطين على الرأس والخدود عادة لا ينفرد بها العرب وحدهم، بل هي موجودة عند غيرهم من الأمم أيضًا. وفي التوراة آيات تشير إليها كلها وتعدها من دلائل الحزن والأسى الشديد والتوجع على الميت. وهي كلها مذكورة فيها من البكاء والنحيب على الميت إلى ذرّ الرماد والتراب أو وضع الطين على الرأس إلى شق الجيوب ولطم الصدر والخدود.
وليست عادة استئجار النادبات بعادة خاصة بالعرب الجاهليين، فقد كان العبرانيون يستأجرون النادبات كذلك ليندبن الميت، وقد أشير إلى ذلك في التوراة٦، ولعلها من العادات السامية القديمة المعروفة عند بقية الساميين.
стр. 2944
ويقال لمد الصوت بالنحيب "النقع"، وأما مدّ اللسان بالولولة ونحوها، فيقال له: "اللقلقة"١.
ويحترم الجاهليون الموت والميت فكانوا يقومون إذا مرت بهم جنازة، ويقولون إذا رأوها: "كنت في أهلك مائتًا مرتين". أما أهل الميت وأقرباؤه وأصدقاؤه فكانوا يسيرون أمام الجنازة وخلفها إلى المقبرة٢.
وتعفر النساء رءوسهن بالتراب وبالرماد وبالطين ويلطمن خدودهن بأيديهن، كما كن يلطخن رءوسهن بالطين ويسرن مع الجنازة إظهارًا للحزن والجزع على الفقيد. وترافقهن النادبات والمولولات، يندبن الميت يولولن عليه، يسرن حافيات مبالغة في إظهار الحزن.
وكانت العرب لا تندب قتلاها ولا تبكي عليها حتى يثأر بها، فإذا قتل قاتل القتيل، بكت عليه وناحت٣.
ويتبين من حديث "عمرو بن العاص" أن من عادات الجاهليين حمل النار مع الجنازة تصطحبها اصطحاب النائحة لها. وقد أباح "عمرو" لأهله نحر جزور عند قبره لتوزيع لحمها على المحتاجين، وأن يقيموا حول قبره حتى يستأنس بهم، وينظر ماذا يراجع به رسل ربه٤. ونجد مثل ذلك في خبر يذكر أن "أبا موسى الأشعري" لما حضره الموت دعا ابنه، فقال: "انظروا إذا أنا مت فلا تؤذنن بي أحدًا ولا يتبعني صوت ولا نار"٥. ويدل ذلك على أن عادة حمل النار مع الجنازة بقيت زمنًا في الإسلام.
ويؤخذ من شعر للأفوه الأودي إن الجاهليين كانوا يغسلون موتاهم قبل دفنهم٦.
وذكر "اليعقوبي"، أنه لما مات عبد المطلب "أعظمت قريش موته وغسل بالماء والسدر. وكانت قريش أول من غسل الموتى بالسدر، ولف في حلتين من حلل اليمن قيمتها ألف مثقال ذهب وطرح عليه المسك حتى ستره، وحمل على
стр. 2945
أيدي الرجال عدة أيام إعظامًا وإكرامًا لتغيبه في التراب"١.
وغسل الجاهليون موتاهم بالخطمي والأشنان٢، وما شابه ذلك من مواد لإزالة الأوساخ عن جسم الميت وتطهيره. كما وضعوا الطيب مع الكفن ليطيب الميت فيذهب مطيبًا إلى قبره.
ويحمل سرير الميت الذي وضع عليه على الأكتاف لإيصاله إلى قبره، ويقال له: "النعش" كذلك. وقد يحمل في محفة، وقد يحمل على الإبل لإيصاله إلى قبره إذا كان القبر بعيدًا. ويتبارى الأقرباء والأصدقاء في حمل نعش الميت احترامًا له وتقديرًا لشأنه. وورد أن "السرير -النعش- قبل أن يحمل عليه الميت، فإذا حمل عليه فهو جنازة"٣.
وذكر بعض أهل الأخبار أن النعش لم يكن معروفًا عند العرب، وأن أول من عمل له النعش "زينب بنت جحش" زوج النبي، أو فاطمة الزهراء، أي في الإسلام. وقد قلد في ذلك أهل الحبشة الذين كانوا يصنعون نعوشًا لموتاهم٤.
وذكر أن "النعش" في الأصل الذكر الحسن. "إذا مات الرجل، فهم ينعشونه، أي: يدركونه ويرفعون ذكره". و"النعش شبه محفة كان يحمل عليها الملك إذا مرض وليس ينعش الميت. وأنشد للنابغة الذبياني:
أَلَم تَرَ خَيرَ الناسِ أَصبَحَ نَعشُهُ ... عَلى فِتيَةٍ قَد جاوَزَ الحَيَّ سائِرا
وَنَحنُ لَدَيهِ نَسأَلُ اللَهَ خُلدَهُ ... يَرُدَّ لَنا مُلكًا وَلِلأَرضِ عامِرا
قال: فهذا يدل على أنه ليس بميت. وقيل: هذا هو الأصل ثم كثر في كلامهم حتى سمي سرير الميت نعشًا. وإنما سمي لارتفاعه، فإذا لم يكن عليه ميت محمول فهو سرير"٥.
وقد كنى "الأسود بن يعفر النهشلي" عن النعش، أي سرير الميت بـ"ذي
стр. 2946
الأعواد". وسبب ذلك على ما يقوله علماء اللغة أن البوادي لا جنائز لهم، فهم يضمون عودًا إلى عود ويحملون الميت عليها إلى القبر وذكر أنه أراد بقوله:
ولقد علمتُ سِوى الذي نبأتِني ... أنَّ السبيلَ سبيلُ ذي الأعوادِ
لو أغفل الموت أحدًا لأغفل ذا الأعواد، وأنا ميت مثله. وذو الأعواد الذي قرعت له العصا، "غويّ بن سلامة الأسيدي"، أو هو "ربيعة بن مخاشن الأسيدي"، أو هو "سلامة بن غوي" على اختلاف في ذلك. قيل: كان له خرج على مضر يؤدونه إليه كل عام، فشاخ حتى كان يحمل على سرير يطاف به في مياه العرب فيجبيها. وفي اللسان: قيل: هو رجل أسن، فكان يحمل على محفة من عود، أو هو جد لأكثم بن صيفي المختلف في صحبته. وهو من بني أسيد بن عمرو بن تميم. وكان أعز أهل زمانه، فاتخذت له قبة على سرير، ولم يكن يأتي سريره خائف إلّا أمن، ولا ذليل إلا عزّ ولا جائع إلا شبع وهو قول أبي عبيدة. وبه فسر قول الأسود بن يعفر النهشلي١.
ويحمل الموتى على "الحرج" أيضًا. والحرج خشب يشدّ بعضه إلى بعض ثم يحمل فيه الموتى٢.
وللعلماء آراء في الجنازة. ذكر بعض منهم أن الجنازة من الجنز بمعنى الستر، وذكر بعض آخر أن اللفظة من ألفاظ النبط، وتعني جنز في لغتهم الإخفاء، ويقصدون بالنبطية لغة بني إرم٣. معنى جملة "جنز الميت" عندهم، وضع الميت على السرير وصلاة الكاهن عليه٤. وذكر بعض العلماء أن الجنازة بالكسر، الميت وبالفتح السرير، وذكر بعض آخر العكس. وذهب فريق آخر إلى أن الجنازة الميت نفسه، لذلك لا تكون جنازة حتى يكون ميت، وإلا، فهو سرير أو نعش. فالجنازة على هذا الرأي، الميت محمولًا على سريره أو نفش، أو تابوت في الاصطلاح الحديث٥. وبهذا المعنى يعبر عن الجنازة في الوقت الحاضر.
стр. 2947
وصلاة الجنائز، هي الصلاة التي تقام على جنازة الميت -أي: الميت وهو في تابوته- ليرسل إلى القبر، وهي صلاة أقرها الإسلام، وقد أفرد لها باب في كتب الحديث والفقه يعرف بـ"كتاب الجنائز"١.
والعادة عند أكثر الساميين السير بسرعة في الجنازة. فيسرع المشيعون الذين يسيرون مع الجنازة إلى موضع القبر في مشيهم للوصول بالجنازة بسرعة إليه. وقد أشير إلى هذه العادة في كتب الحديث٢. والظاهر أن لطبيعة الجو دخل في ظهور هذه العادة.
ويقال لتهيئة الميت ودفنه في القبر "تجهيز الميت". ويقوم الأبناء والأقرباء بوضعه في لحده. وإذا كان الميت عزيزًا كريمًا في قومه سيدًا رئيسًا اشترك الرؤساء في إدخاله القبر، وقد يتنافسون في نيل هذا الشرف، وقد يؤدي هذا التنافس إلى وقوع الشر بين المتنافسين، لأن تجهيز الميت ووضعه في لحده من علامات تقدير الميت وتعظيمه، ومن دلائل قرب من دخل القبر من الميت واتصالهم الوثيق به٣.
ويقال للميت عند وضعه في قبره: "لا تبعد"٤، أي: أنه وإن ذهب عنهم سيكون دائمًا معهم وفي قلوبهم. ولعل هذا التفكير هو الذي حملهم على إخراج حصته مما كانوا يأكلونه ويشربونه يسمّونها باسم الميت، وعلى زيارة قبور الموتى والجلوس عندهم وضرب الخيام حولها، وعلى مناجاة صاحب القبر بذكر اسمه وتحيته، لأن روح الميت في رأيهم حية لا تموت. ولهذا السبب أيضًا كانوا يسقونها بصب شيء من الماء على القبر، كما كانوا ينضحونه بالدم. وبهذا المعنى يفسر ما ورد في الشعر وفي النثر من سقي الغمام للقبر، ونزوله عليه، وما ورد من شرب الخمر على القبر وسكب بعضه عليه. وقد كان العبرانيون يخرجون.
стр. 2948
حصة مما يأكلونه لتكون من نصيب الموتى١. ويذكر أهل الأخبار أن الناس كانوا يسكبون الخمر على قبر "الأعشى" بـ"منفوحة" اليمامة، وذلك لولعه بها وتقديرًا لذكراه.
ويدفن بعض العرب الميت بملابسه، ويغطى رأسه. ويكفن بعضهم موتاهم ويدفنونهم مكفنين. ويذكر علماء اللغة أن من أسماء الكفن الجنن، واستشهدوا على ذلك ببيت للأعشى٢. وفي الحديث: "أن ثمود لما استيقنوا بالعذاب تكفنوا بالأنطاع وتحنطوا بالصبر، لئلا يجيفوا وينتنوا. يضعون الحنوط في أكفان الميت"٣. كما وردت كلمة "أكفاني" في بيت لامرئ القيس٤، مما يدل على معرفة الجاهليين للكفن. وقد كان قدماء العبرانيين يدفنون موتاهم بملابسهم التي كانوا يستعملونها -أي: ما كان يفعل قدماء الجاهليين- ثم كفَّن المتأخرون منهم موتاهم بكفن مكوّن من قماش أبيض مصنوع على الأكثر من الكتان على هيأة البرد اليماني يلفّ على جسم الميت، وربطوا الرأس بمنديل، كما ربطوا يدي الميت وقدميه برباط خاص، على النسق الذي أقر في الإسلام٥.
ويظهر من الأخبار الواردة عن تكفين رسول الله، أن أهل مكة أو الحجاز عامة كانوا يفضلون الأكفان السحولية، وهي أثواب بيض سحولية من كرسف، أي: من قطن. وقد نسجت في "سحول"، وهي قرية باليمن منها هذه الثياب.
وقد كره الإسلام تكفين الموتى بالمصيّغات ونحوها من ثياب الزينة، كما كره التكفين بالحرير، بل حرم بعض العلماء التكفين فيه٦. وقد كان أغنياء الجاهلية يكفنون موتاهم بالألبسة الغالية، مبالغة منهم في تقديرهم لمنزلة ميتهم عندهم.
стр. 2949
وقد ذكر "اليعقوبي"، أن "عبد المطلب" لفّ في حلتين يمانيتين ثمينتين١ وكانت البرود اليمانية مفضلة على غيرها في التكفين. وذكر أنه كان من المستحسن عندهم الإحسان في الكفن. ورويت أحاديث في تحسين الكفن. منها: "إذا كفن أحدكم أخاه، فليحسن كفنه" ٢.
وذكر أن "التحسيب"، بمعنى التكفين وأن لفظة "محسب" بمعنى مكفن.
وذكر أيضًا أن التحسيب دفن الميت بالحجارة٣.
عند وضع الميت في قبره يقوم من يذكر محاسنه وأعماله، ثم يظهر حزنه وحزن الناس لفراقه، ويقال لذلك "الصلاة". وقد أطلق الإسلام على هذه وعلى الندب والأعمال الأخرى "دعوى الجاهلية"، ونهى عنها٤.
ويوارى الميت في حفرته ثم يهال التراب عليه. وإذا كان الميت من أصحاب الاسم والجاه فقد يجصص قبره ويبنى عليه، ويكتب على قبره اسم صاحبه وما يناسب المقام٥. وكثيرًا ما نسمع بنحر الإبل أو عقرها على القبور لتبتل بدماء الإبل٦. ولا سيما إذا كان الهالك من سادات القبائل والأجواد. وإذا حلقت النساء شعورهن حزنًا على الميت، وضعن شعورهن على القبر٧.
وقد اختلف العلماء في سبب عقرهم للإبل على القبور، فقال قوم: إنما كانوا يفعلون ذلك مكافأة للميت على ما كان يعقره من الإبل في حياته وينحره للأضياف٨.
وقال قوم: إنما كانوا يفعلون ذلك إعظامًا للميت كما كانوا يذبحون للأصنام. وزعم بعض آخر أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك، لأن الإبل كانت تأكل عظام الموتى إذا بليت فكأنهم يثأرون لهم فيها. وقيل: إن الإبل أنفس أموالهم، فكانوا يريدون بذلك أنها قد هانت عليه لعظم المصيبة، وقد نهى الإسلام ذلك بحديث: "لا عقر في الإسلام" ٩.
стр. 2950
وإذا وضع الميت في لحده، أهالوا التراب عليه. وقد ينظم الشعراء شعرًا لهذه المناسبة ينشدونه على القبر إظهارًا لحزنهم ولحزن الناس على فراقه.
وطريقة دفن الميت هي العادة الشائعة المعروفة بين الجاهليين، غير أن هناك من كان يوصي بحرق جثته وذرّ رماده في الهواء، أو بدفن الرماد في الأرض١.
وطريقة حرق الموتى ليست من العادات السامية -أي: من العادات المنتشرة بين الساميين- إذ يرون أنها تنافي حرمة الميت وأحكام الآلهة. وكانوا إذا سبوا شخصًا أو أرادوا به سوءًا دعوا له بالحرق، أو قالوا له: يابن المحروق.
وقد وجد من فحص القبور التي عثر عيها خارج سور "مأرب" أن من الموتى من دفن على هيأة إنسان نائم، أي: وضع متمددا في لحده، كما نفعل في موتانا، وأن بعضهم لم يدفن على وفق هذه الطريقة، ولكن دفن قائمًا. وقد عثر في بعض هذه القبور على كتابات قصيرة، كما عثر فيها عل رءوس منحوتة دفنت مع الميت، لعلها ترمز إلى رمز ديني، أو عقيدة من عقائدهم في الموت، أو تمثل الميت نفسه لتكون شاهدًا عليه٢.
ولم نعثر على جثث في جزيرة العرب محنّطة على طريقة المصريين، والذي نعرفه الآن أن الجاهليين كانوا يضعون الحنوط في أكفان الميت وملابسه ليطيب به جسمه وليحفظه مدة طويلة٣. ويظهر من التفسير الذي يرويه علماء اللغة لجملة "عطر منشم" الواردة في شعر "زهير بن أبي سلمي"، أن "خزاعة" وربما غيرها كانت تشتري "الكافور" لموتاها٤. وقد كانت قريش تضع الكافور مع الميت، وهي عادة استمرت في الإسلام أيضًا.
ويقال: إن منشمًا امرأة كانت تبيع الحنوط في الجاهلية، فقيل للقوم إذا تحاربوا: دقوا بينهم عطر منشم، يراد طيب الموتى٥، مما يدل على أن تطبيب الميت عادة جاهلية قديمة، ويقال لطيب الموتى: الحنوط. وقد طرح المسك على
стр. 2951
عبد المطلب لتطييه١، "وكل ما يطيب به الميت من ذريرة أو مسك أو عنبر أو كافور من قصب هندي أو صندل مدقوق، فهو كله حنوط"٢.
وقيل: إن منشمًا، هي ابنة "الوجيه" العطارة بمكة من حمير، وقيل: من همدان، وقيل: من خزاعة، وقيل: من جرهم. وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا القتال وتطيبوا بطيبها كثرت القتلى فيما بينهم. وذكر أنهم كانوا إذا قصدوا الحرب غمسوا أيديهم في طيبها وتحالفوا عليه بأن يستميتوا في الحرب ولا يولوا أو يقتلوا. وقال "الكلبي": "جرهمية. وكانت جرهم إذا خرجت لقتال خزاعة خرجت معهم فطيبتهم فلا يتطيب بطيبها أحد إلا قاتل حتى يقتل أو يجرح.
وقيل: امرأة كانت صنعت طيبًا تطيب به زوجها، ثم أنها صادقت رجلًا وطيبتها بطيبها، فلقيه زوجها فشم ريح طيبها عليه فقتله. فاقتتل الحيّان من أجله.
قال الكلبي: "ومن قال منشم بفتح الشين فهي امرأة كانت تنتجع العرب تبيعهم عطرها فأغار عليها قوم من العرب فأخذوا عطرها، فبلغ ذلك قومها فاستأصلوا كل من شموا عليه ريح عطرها. وقد ضرب بها المثل في الشر، فقالوا: أشأم من عطر منشم"٣.
وورد أن "المنشم" عطر شاق الدق أو شيء يكون في قرون السنبل، يسميه العطارون "روقا". وهو سم سوعة. وقيل: ثمرة سوداء منتنة الريح، أو حب البلسان٤.
ويجعل الحنوط في مرافق الميت وفي بطنه وفي مربع رجليه ومآبضه ورفغيه وعينيه وأنفه وأذنيه. يجعل يابسًا.
ونظرًا لوجود لفظة "حنط" في العربية في المعنى الذي نفهمه من التحنيط، أي: حفظ الجسد، ولاستعمال الجاهليين "الحنوط" في تجهيز موتاهم، وهي مواد عطره٥ ذات رائحة طيبة ولورود اللفظة في العبرانية وفي السريانية "حونطو"، نرى أن نوعًا من التحنيط كان معروفًا عند الساميين٥. وإن لم يكن بالشكل الذي
стр. 2952
كان عند المضريين. ولا يستبعد أن يكون أهل الجاهلية قد مارسوا التحنيط أيضًا، وذلك بالنسبة إلى أغنيائهم وأصحاب الثراء منهم. ويؤيد هذا الاحتمال ما رواه أهل الأخبار من عثور الجاهليين وبعض الإسلاميين على جثث عادية كانت محافظة على هيأتها حتى أنها تبدوا وكأنها دفنت بالأمس، وما رووه من عثورهم على نفائس وأواني وكتابات، إلى جانب تلك الجثث. مما يبعث على الظن بأن تلك الجثث كانت محنطة بطريقة ما.
ولم تستعمل التوابيت المصنوعة من الحجارة في نجد والحجاز. أما في بطرا وتدمر فقد اتخذت التوابيت المصنوعة من الحجر والنواويس١.
والتابوت، هو الصندوق الذي يوضع فيه الميت. ويصنع من الخشب والحجر. أو من مواد أخرى. وهو "تبا" في العبرانية. وقد ذكر بعض علماء اللغة، أن "التابوه" لغة في التابوت٢. والتابوت في الأصل "صندوق من الخشب وقد أشير إليه في القرآن الكريم"٣.
وقد عرف العرب لفظة أخرى استعملوها في معنى "التابوت" هي لفظة "إران"، ويراد بها صندوق من خشب يوضع الميت فيه٤. وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الإران تابوت يضع النصارى فيه أمواتهم ويدفنونه مع الميت. واللفظة عبرانية، وقد وردت جملة "حمل على الإران"، أي: حمل في التابوت٥. وذكر علماء اللغة أن "الإران" الجنازة، وخشب يشد بعضه إلى بعض تحمل فيه الموتى، وسرير الموتى، وتابوت الموتى٦.
والعادة أن تذكر مناقب الميت عند قبره في أثناء الاحتفال بدفنه إذا كان عظيمًا سيدًا، وأن يعجل بدفنه في مقبرة القبيلة أو القرية أو في بيته. وقد كان من
стр. 2953
عادتهم دفن الميت في البيوت أو على مقربة منها. أما الأعراب، فقد كانوا يدفنون موتاهم في المنازل التي يكونون فيها، وإذا كانوا في أثناء رحيلهم دفنوهم على قارعة الطرق ولا سيما على المرتفعات المشرفة عليها.
ويعجل العرب بدفن موتاهم. والتعجيل بدفن الميت من الضرورات التي اقتضتها طبيعة الجو. فجو جزيرة العرب لا يساعد على بقاء جسد الميت مدة طويلة، وإلا تعرض للفساد، ولحق الأذى به ولهذا صار من الاستحباب التعجيل بدفن الميت ليس في العرف حسب، بل من الناحية الدينية كذلك.
ويحلق بعض الجاهليين شعر الرأس كله أو بعضه ويرمونه على القبر. وحلق شعر الرأس أو جز الناصية أو حلقها أو حلق الضفيرتين من التقاليد القديمة.
وكانوا يقومون بذلك؛ إكرامًا وتعظيمًا لشأن الأرباب، وعند الحج إلى بيوت الآلهة، فيرمون بالشعر أمام الأصنام تعظيمًا لها وبيانًا عن مقدار احترامهم لها حتى ضحوا بأعز رمز لديهم في سبيلها، ولهذا كان لرمي ضفائر شعر الرأس عند القبر أهمية خاصة في نظر الجاهليين١.
وكان في روع الأمم القديمة أن الشعر للفرد قوة وحياة، فحلقه أوجز جزء منه، معناه تضحية كبيرة وصلة تربط الميت بالحي٢.
стр. 2954
القبر:
ويدفن الموتى عادة في حفر تحفر يقال لها: قبر، وجدث، ومقبر، ووجر، ورمس، وجنن١. أما في "بطرا"، وفي بعض المناطق الجبلية والصخرية، فقد نقرت المقابر في الصخور، فصنعت على هيأة حجر وضعت جثث الأموات فيها، كما استعملت المقابر المرتفعة في مدينة "تدمر"، وذلك بتشييد مبان وضعت فيها جثث الموتى في حجر صغيرة تعمل في تلك الأبنية.
واستعملت الكهوف مقابر كذلك. ففي المناطق الصخرية توجد كهوف طبيعية
стр. 2955
سكنها الإنسان، واتخذها مقبرة له. وذلك بدفن الأموات فيها وسد بابها. وقد عثر الباحثون والسياح على عدد منها.
والقبر هو التسمية المعروفة الشائعة في أغلب أنحاء جزيرة العرب، وقد وردت في نص النمارة، وجمعها القبور. ذكر علماء اللغة أن "القبر" مدفن الإنسان وأن "المقبر" موضع القبر. وأما "المقبرة". فهي موضع القبور١. وقد وردت لفظة "مقبر" و"مقبرت" أي: مقبرة، و"مقبرتم" أي: "مقبرة" في حالة التنكير في نصوص المسند٢.
وأما "الجدث" فالقبر، والمجمع أجداث وأجدث، وهو قلة. وورد "الجدف" في بعض الروايات٣.
وأما الوجر، فهو كالكهف عند علماء اللغة٤. فهو يؤدي معنى قبر على سبيل المجاز. وقد ورد في نص مدون بالمسند يعود إلى القرن السادس للميلاد، عثر عليه في العربية الشرقية. وهو شاهد قبر رجل اسمه "إيليا".
ويذكر علماء اللغة، أن الجنن: القبر، سُميّ بذلك لستره الميت، وأيضًا الميت لكونه مستورًا فيه، وأيضًا "الكفن" لأنه يجن الميت، أي يستره، فالأصل في الكلمة الستر٥، ويجمع على أجنان٦.
وقد وردت لفظة "ضرح"، أي "ضريح" بمعنى قبر في اللغة الصفوية٧.
ولكن من الجائز أن تكون قد وردت فيها بالمعنى المفهوم من الكلمة في عربيتنا.
كما وردت فيها ألفاظ أخرى بمعنى قبر، مثل: "نفست" أي، "نفس"، و"مقل"، بمعنى "مقيل"، أي موطن الراحة ومحلها، و"نيت".
ويظهر أن لفظة "نفست" قد أخذت من أصل إرمي هو "نفسا" "نفشا"،
стр. 2956
وقد وردت لفظة "نفش" و"نفس" في النصوص النبطية واللحيانية والسبئية وفي نصوص دُوّنت بلهجات عربية أخرى١. ولعل للفظة "نيت"، علاقة بـ"منوت" و"منايا" و"منون"، وهي تعني في الصفوية: المسافر والسفر، أي: في معنى أدبي لطيف، له صلة بالموت، باعتبار أن الميت مسافر من هذا العالم إلى عالم آخر، وأن القبر هو مستقر ذلك السفر.
ويلحد أهل الحجاز لحدًا في القبر لوضع الميت فيه. ويقال للذي يلحد القبر ويضع الميت فيه: "اللاحد". ويقال للذي يعمل الضريح: "الضارح"٢.
وكان من عادة الجاهليين رجم القبور -أي: وضع أحجار فوقها- وذلك على سبيل التقدير والتعظيم للميت. فإذا زار قريب أو صديق قبر قريب أو صديق له رجمه -أي: وضع أحجارًا فوقه- والرجام الحجارة. والرجمة أحجار القبر ثم يعبر بها عن القبر وجمعها رجام ورجم. وقد ورد في كتب الحديث أن الرسول قال: "لا تُرَجِّمُوا قَبْرِي"٣، وأن "عبد الله بن مغفل المزني" قال: "لا تُرَجِّمُوا قَبْرِي، أي: لا تجعلوا عليه الرجم. وأراد بذلك تسوية القبر بالأرض"٤، وعدم نصب أحجار فوقه ليظهر واضحًا شاخصًا.
وتؤدي لفظة "رجم" و"رجمت" و"هرجم" أي "الرجم"، معنى قبر أيضًا. وترد بكثرة في الكتابات الصفوية. ويراد بها الأحجار التي تكوم فوق قبر٥.
والعادة عندهم أن الشخص الذي يمر على قبر ما، أو يزور قبر قريب له، يضع حجرًا أو أحجارًا فوق القبر، تكريمًا لصاحبه وتخليدًا لذكره، حتى وإن لم يعرفه، لأن ذلك من باب احترام الموت والميت. فالرجام إذن، هي قبور غطيت بأحجار.
وقد عثر على عدد من الرجام المكتوب الذي اتخذ شواخص للقبور فيه اسم الميت ودعاء على من يحاول نقل الرجمة من محلها أو على من يحاول تغيير معالم
стр. 2957
القبر وإزالته أو على من يريد اتخاذه قبرًا له أو لأحد أفراد أسرته أو يدفن أي أحد فيه. وقد أفادتنا هذه الشواهد في معرفة لهجة القوم وفي بعض الأمور التي لها صلة بالأصنام وبالدين.
وقد استعملت اللحيانية لفظة "قبر" ومنها "هنقبر"، أي "القبر"، للتعبير عن القبر، كما استعملت لفظة أخرى هي "مثبر" "م ث ب ر" ومنها "همثبر"، أي "المثبر" في معنى قبر١. وللثبر بالطبع صلة بالموت.
وتعبر لفظة "كهف" في هذه اللهجة عن هذا المعنى أيضًا٢.
ويقال للقبر المسوى مع الأرض "رمس" فإذا كان مرفوعًا عن الأرض فهو قبر مسنم٣. ويظهر أن الجاهليين كانوا يسنمون قبورهم. وقد ورد في حديث "ابن غفل": "ارمسوا قبري رمسًا"٤. أي سووه بالأرض ولا تجعلوه مسنمًا. والرمس تراب القبر والمَرْمَس موضع القبر٥.
ووردت لفظة "مقبر" في الكتابات الصفوية، بمعنى "القبر"، أي: الموضع الذي يقبر به. وهم يرصفون القبر، ويعبرون عن ذلك بكلمة "ارصف".
كما يرجمونها بالرجم ويعتبرون ذلك من أمارات التقدير والاحترام٦.
وعرفت مقابر النصارى بـ"الناووس". وقد شك بعض علماء اللغة في أصلها، فذهب إلى احتمال كونها من أصل أعجمي٧، وهي من أصل يوناني، ومعناها فيها: حجر منقور لدفن ميت، كما أطلقت على مقبرة النصارى وعلى المعبد والكنيسة، لأن كثيرًا ما كان النصارى القدامى يقبرون موتاهم في الكنائس٨.
وقد حارب الإسلام عادة أهل الجاهلية في تسنيم القبور ورفعها عن سطح الأرض، وشدد على ذلك في الحديث، وجعلت القبور المسنمة في حكم
стр. 2958
الأوثان١. ولا بد أن يكون لهذا التشديد سبب، إذ لا يعقل ورود تلك الأحاديث في موضوع طمسها بغير داع ولا أساس. وسبب ذلك هو تقديس أهل الجاهلية لتلك القبور تقديسهم الأوثان وتقربهم إليها، وهو ما لا يتفق ومبادئ التوحيد في الإسلام.
ونهى الإسلام عن تكليل القبور. "أي رفعها تبنى مثل الكلل. وهي الصوامع والقباب التي تبنى على القبور. وقيل: هو ضرب الكلة عليها. وهي ستر مربع يضرب على القبور"٢. وقد كانوا يبنون البيوت والأبنية فوق القبور. وقد نادى الشاعر "لبيد" باني قبر عزيز له بأن يضعف من سمك القبر وأن يرفع الحائط أو السقف؛ حتى يكون هناك متسع من فضاء فوق القبر٣. وذكر أنه كانت على قبر "أبي أحيحة" قبة مشرفة٤.
وقد ورد في شعر "بشر بن أبي خازم الأسدي" ما يفيد بناء أضرحة فوق القبور، ورفع القبر عن الأرض حتى يكون كسنام الجمل بارزًا ظاهرًا. وقد عبر عن بناء القبر ورفعه عن الأرض وبناء ضريح عليه بـ"ارتفد الضريح"٥ والضريح في تعريف علماء اللغة، الشق في وسط القبر، وقيل: القبر كله أو قبر بلا لحد. وذلك لأنهم يجعلون اللحد في جانب القبر٦.
ويظهر أن يهود الحجاز ونصاراه كانوا قد بالغوا في ضرب القباب والأضرحة على قبور موتاهم وفي تعظيم قبور أحبارهم وقسسهم، حتى تحولت قبورهم إلى أضرحة ومزارات. تزار في المناسبات وقد دفنوهم في المعابد. لذلك نهي عن التشبه بفعلهم في الإسلام. وأشير إلى عملهم هذا في القرآن الكريم وفي كتب
стр. 2959
الحديث. وقد وضع اليهود والنصارى شعار اليهود والنصارى على قبورهم لتمييزها عن مقابر الوثنيين١.
ويقال للحائر الذي يحيط بالقبر "الودع" وقيل: الودع القبر، أو الحظيرة حوله، أو المدفن يحير به حائر٢.
وتعرف علامات القبر ومعالم حدوده بـ"الآيات"، والآية هي العلامة٣.
وقيل للرجمات التي وضعت على القبر: الأحجار والأطباق والصفيح والصفائح والصفاح٤.
ويراد بالصفائح الحجارة العريضة التي توضع على القبر لتغطيته٥.
وكان منهم من يضع الجريد على القبر، ومنهم من يضعه داخل القبر٦.
وقد تغرز الجريدة في القبر فيكون رأسها بارزًا فتكون علامة تشير إلى القبر. وذكر أن رسول الله أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة٧.
ولا زال الناس يتبعون هذه العادة. وقد استعملوا الأذخر والحشيش في قبورهم كذلك. كانوا يضعون الأذخر في الفرج التي تكون بين اللبنات، ويضعون الحشيش تحت الميت وفوقه٨.
وعثر في مواضع من جزيرة العرب على مقابر دعاها الباحثون: "تمولي" Tamuli لأنها على شكل تلال أو هضاب. وقد اتخذت مدافن. منها "تمولي" البحرين.
وسأتحدث عنها في أثناء حديثي عن الفن والعمارة عند الجاهليين.
وقد عثر المنقبون على مقابر جاهلية عامة، على نحو ما نجده من المقابر العامة في هذا الوقت. وقد نبش عدد منها في الإسلام، لاتخاذها أملاكًا أو مساجد، كما حول بعضًا منها إلى مقابر إسلامية، دفن فيها المسلمون بعد أن أزيلت ونبشت قبور الجاهليين. وأشير إليها في كتب الحديث. ويظهر أن بعضًا منها كان ذا أضرحة وقبور مرتفعة عن الأرض٩.
стр. 2960
ولا يدفن في المقابر إلا أفراد العائلة التي تمتلكها، أو من يؤذن بدفنه فيها.
ويعد الإذن بدفن غريب في مقبرة خاصة من علامات التقدير والاحترام بالنسبة للمتوفى الغريب. وقد تحجز مناطق من مقبرة عامة لتكون مقبرة خاصة، فلا يسمح لأحد بالدفن فيها إلا لمالكها. وقد تسور ويعمل لها باب، وقد يقام ضريح أو بناء ضخم، مع أن المقبرة هي جزء من مقبرة عامة. ولا تزال هذه العادة متبعة وقد تشترى الأرض ممن يتولى أمر المقبرة العامة. ويحافظ أهل المقابر الخاصة على مقابر أسرهم فيتعهدونها بالرعاية والعناية وبإدامتها على خير وجه. وهي تزار في المناسبات تقربًا إلى أصحاب القبور، لئلا تنقطع صلتهم بموتاهم. وورد أن بعضًا من الجاهليين كان يضرب قبة على قبر عزيز له مدة سنة "للاستمتاع بقربه وتعليلًا للنفس وتخييلًا باستصحاب المألوف من الأنس ومكابر للحسن. كما يتعلل بالوقوف على الأطلال البالية ويخاطب المنازل الخالية"١.
وتراعى القرابة والمنزلة في دفن الموتى في المقابر فتدفن الزوجة على مقربة من زوجها في الغالب والابن على مقربة من أبيه، وهكذا فكأنهم يريدون بذلك جمع شمل العائلة، وإعادتها إلى ما كانت عليه يوم كانوا أحياء. وإذا كان المتوفى عظيمًا وذا مكانة ومنزلة حرص أقرب الناس إليه من أصحابه على نيل شرف الدفن على مقربة منه عند دنو أجلهم. وقد تتحول أمثال هذه المقابر إلى مزارات، خاصة إذا كانت مقابر كهنة وسدنة ورجال دين.
أما قبور الأعراب والفقراء والسواد، فهي بسيطة، حفرة تحفر في الأرض يوارى فيها الميت، ثم يهال عليه التراب أو الرمال أو الحجارة حسب طبيعة الأرض فتكون قبر ذلك الميت. وقد يسوى القبر بالأرض فلا تظهر آثاره ولا تبرز معالمه عن معالم القشرة، وقد يرفع التراب بعض الشيء ليكون علامة عليه. وقد توضع عصي أو أحجار فوقه لتكون إشارة تشير إلى مكانه. وليس في إمكان الأعراب النازلين في البوادي البعيدة عن الحضر، فعل غير ذلك، ولا سيما إذا كان الموت قد وقع في حين نزول القبيلة في أرض جاءت إليها في الموسم لترعى العشب أو في اثناء تنقل فإنها لا تستطيع أن تصنع قبرًا لميتها غير هذا القبر.
ومدة العزاء عند الجاهليين حول -أي: سنة- لا يترك أهل الميت فيها ذكرى
стр. 2961
فقيدهم، فيندبونه في أوقات معينة ويبكون عليه عند قدوم قادم إليهم، وينحرون لذكراه ويكرمون من يأتي إليهم لتعزيتهم١. وقد كانت مدة العزاء حولًا عند العبرانيين أيضًا وعند غيرهم من الساميين والشعوب الأخرى، يقوم فيها أبناء الميت أو بناته بتلاوة صلوات خاصة في خلالها على الميت ليرحمه الله وليغفر له وليسعد روحه٢. وتكاد هذه المدة تكون أمدًا للعزاء ولذكرى الميت عند كل الشعوب إلى هذا اليوم.
وأما مدة المناحة فهي في العادة سبعة أيام. فلما مات "زيد الخيل"، الشاعر الفارس، وهو في طريقه إلى دياره، أقام "قبيصة بن الأسود" المناحة سبعة أيام٣. ولا تزال هذه المدة مرعية في العراق، حيث تنوح وتبكي النسوة فيها موتاها، ويكون اليوم السابع هو ختام العزاء. أما الرجال، فيقيمون العزاء ثلاثة أيام، ويسمونه "الفاتحة" في الإسلام بالعراق في هذه الأيام. ويجلس أقرباء الميت وأهله عند العبرانيين سبعة أيام في البيت حزنًا عليه وتقبلًا لتعازي الناس.
وقد ورد أن مدة النياحة قد تستمر عند الجاهليين فتكون حولًا٤.
стр. 2962
ملابس الحزن:
ويلبس أهل الميت وأقرباؤه ملابس الحزن مدة العزاء أو حولًا كاملًا. واللونان الأبيض والأسود هما اللونان اللذان تتخذ منهما الملابس في الحزن، فقد لبسوا الملابس البيض، ولبسوا الملابس السود، وما زال اللونان شعاري الحزن حتى الآن. فاللون الأبيض هو شعار الحزن في الحجاز والشام، أما الأسود، فهو شعار الحزن في العراق.
وحداد المرأة على زوجها حداد صعب عسير، عليها في هذه المدة الامتناع عن الزينة والطيب امتناعًا تامًّا، ويقال لها في هذه الأثناء: "الحادة" لأنها حدت على زوجها، وفي خلال الحداد يمتنع الخطاب من خطبتها والطمع فيها حتى تنتهي منه١.
стр. 2963
ويفهم من بعض روايات الأخباريين أن من عادة الجاهليين حجز المرأة عند وفاة زوجها في بيت صغير، قد يكون خيمة أو بناء يسمونه "الحفش"، لتقضي فيه مدة العدة. فإذا كانت في هذا البيت، لبست شرّ ثيابها، وامتنعت عن الطيب وعن تزيين نفسها مدة عام١. فإذا انتهت المدة افتضت عدتها "بمس الطيب أو بغيره كقلم الظفر أو نتف الشعر من الوجه أو دلكت جسدها بدابّة أو طير، ليكون ذلك خروجًا عن العدة. أو كان من عادتهم أن تمسح قُبُلها بطائر، وتنبذه فلا يكاد يعيش"٢.
وتصف رواية أخرى دخول المرأة الحفش وخروجها منه على هذه الصورة: "كانت إذا توفي زوجها دخلت حفشًا ولبست شر ثيابها حتى تمر بها سنة ثم تؤتى بدابة، شاة أو طير فتفتض بها، فقلما تفتض بشيء إلا مات. ثم تخرج فتعطي بعرة ترمى بها". وجاء: و"كانت لا تغتسل ولا تمس ماء ولا تقلم ظفرًا ولا تنتف من وجهها شعرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتض بطائر تمسح به قبلها وتنبذه فلا يكاد يعيش"٣.
ومن عادات بعض الجاهليين ضرب القباب على قبور موتاهم أيامًا أو أشهرًا قد تبلغ عامًا، يقيم فيها نساء الميت أو ذوو قرابته، ليجاوروا الميت، وليستقبلوا فيه من يفد لزيارة القبر٤. واعتقادهم بإحساس روح الميت بوجودهم هناك وبمجيئهم إلى القبر لمؤانستهم له هو الذي حملهم، ولا شك، على ضرب هذه القباب وعلى مجاورتهم لتلك الأجداث. ومن هذه القباب المؤقتة ظهرت الأضرحة الثابتة ذات القباب السامقة الشامخة، كما أن من المعابد المتنقلة، أي: الخيام المقدسة، نشأت المعابد الثابتة عند العبرانيين وعند الجاهليين وعند غيرهم من الشعوب.
ومن عادة الجاهليين إسالة دم الذبائح على القبر أو تضريجه بتلك الدماء. فيعقر على قبور الموتى، وعند إهالة التراب على الميت، وقد يعقر على القبر كل عام وفي أثناء المناسبات إذا كان الميت من السادة المشهورين المعروفين بالخصال الحميدة كالشجاعة والكرم. وفي الشعر الجاهلي والأخبار أسماء أناس كانوا من المشاهير في
стр. 2964
أيامهم، جرت العادة بأن تذبح الذبائح عند قبورهم إكرامًا لهم. وقد بقيت هذه العادة الجاهلية خالدة حتى اليوم مع إبطال الإسلام لها بحديث: "لا عقر في الإسلام " ١. وليس من الضروري أن يكون أصحاب العقائر من ذوي قرابة صاحب القبر أو من قبيلته. ومن هذه القبور قبر "ربيعة بن مكدم" من "بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة"٢. وكان الناس يعقرون على قبره. ويظهر من شعر لحسان بن ثابت قاله لما مر بقبره، أن قبره كان قبرًا مبنيًّا بني من حجارة حرة٣.
والعادة في العقر، عقر قوائم الدابة، وقد تعقر الدابة ثم تذبح، والغالب أن تكون الدابة جملًا أو ناقة، ولكن بعضهم كان يعقر شاة كذلك، وذلك إذا كان أهل الميت من طبقة ضعيفة، يصعب عليها عقر جمل أو ناقة. وقد ورد النهي عن ذلك في حديث آخر هو: "لا تعقرن شاة أو بعيرًا إلا لمأكلة"٤.
وقوم كانوا يحبسون ناقة الرجل، وذلك بأن يشدوا الناقة إلى قبر الرجل، ويعكسو رأسها إلى ذنبها، ويغطو رأسها بولية، وهي البردعة، وتربط برباط وثيق حتى لا تهرب، فإن أفلتت لم ترد عن ماء ولا مرعى، وإذا بقيت على القبر، فإنها تبقى في حفرة لا تعلف ولا تسقى حتى تموت عطشًا وجوعًا، ويقال لهذه الناقة السيئة الحظ: البلية. ويزعمون أنهم إنما يفعلون ذلك، ليركبها صاحبها في المعاد، ليحشر عليها فلا يحتاج أن يمشي. قال أبو زبيد:
كَالبَلايا رُءوسُها في الوَلايا ... مانِحاتِ السَموم حَرَّ الخُدودِ٥
ووجدت في قبور الجاهليين أشياء مما يستعمله الإنسان في حياته مما يدل على أنهم كانوا كغيرهم يدفنون مع الموتى ما يشعرون أن الميت قد يحتاج في حياته الأخرى إليه٦. أما الأعراب فلا نتصور أنهم كانوا يدفنون مع الموتى أشياء ثمينة
стр. 2965
لفقرهم وبساطة معيشتهم. وقد عثر في مقابر أهل العربية الجنوبية مثل اليمن وحضرموت على حليّ وأحجار نفيسة وأمثال ذلك مما دفنه أهل تلك البلاد مع موتاهم، ليتزينوا بها في العالم الثاني.
وتؤيد روايات أهل الأخبار عن فتح القبور في الإسلام بحثًا عن الغنى والمال، ما ذكرته من احتمال وجود رأي عند عرب ما قبل الإسلام، بأن الميت سيحتاج إلى هذه الأشياء التي دفنت معه، وأنه سيستفيد منها في عالمه الثاني الذي رحل إليه. ولكني لا أستبعد احتمالًا آخر، قد يكون أهل الجاهلية قصدوه من دفن الذهب والفضة من حلي أو سبائك أو صفائح مكتوبة مع الميت، هو رغبة أهل الميت في إظهار شعور الود والمحبة نحو ذلك الميت، بدفن تلك النفائس العزيزة معه، لإظهار أنهم لا يبالون بها بعد فقدهم عزيزهم الميت، وأنهم يريدون دفن كنوزه معه، تعففًا عنها وازدراء بها وقد ورد في بعض الأخبار أن امرأة ماتت، فدفنوها مع متاعها١.
ولصيانة القبر وبقائه على حاله أهمية كبيرة عند الجاهليين، تتجلى في الجمل التي دونوها على شواخص قبورهم، هذه الشواخص التي عثر عليها السياح والباحثون في مواضع متعددة من جزيرة العرب، وهي تطلب إلى الآلهة بأن تنزل الآلام والأمراض والعاهات بمن يتجاسر فينقل شاخص القبر من مكانه، أو يكسره ويأخذه ليستعمله، أو ما شاكل ذلك٢. وجملة "عور لذ عور سفر" أي: "عور للذي يعور الشاخص"، أو جملة "وعور دشر وخبل"، أي: عمى وجنون "خبل" من الإله "ذو الشرى"، على من يحوّر هذا الشاخص ويغيره أو يأخذه ويغيره لغرض ما٣، وأمثالها، هي من العبارات المألوفة التي نقرأها بكثرة على شواخص القبور.
ومن الطبيعي أن نجد هذه العبارات وعبارات أخرى أشد منها مدونة على تلك الشواخص، راجية من الآلهة أن تنزل عقابها على من يحاول التطاول على حرمة
стр. 2966
القبر بدفن غريب فيه. ويظهر من هذه العبارات أن من الجاهليين من كان يتطاول على القبور، ولا سيما القبور المنحوتة والقبور الجيدة المبنية على شكل غرف، وأضرحة، فيدفنون موتاهم فيها، وبذلك تدخل جثث غريبة في تلك القبور، أو يحولوا تلك المقبرة القديمة إلى مقبرة جديدة. وقد يزيلون معالمها تمامًا، أو يدفنون أمواتًا فوق أموات على نحو ما نفعل اليوم في المقابر القديمة المشهورة المقامة حول الأولياء، حيث تتحول المقابر القريبة من الولي إلى مقبرة قد ترتفع من كثرة ما يدفن عليها، حتى تكون مرتفعًا عن ظاهر الأرض.
وتزار قبور السادات والأشراف، وخاصة قبور كبار سادات القبائل، ويذبح عندها، ويحلف بها، ويلجأ إليها طلبًا للأمان والسلامة، فلا يستطيع أحد التحرش بمن التجأ إلى صاحب القبر ولا ذويه. وقد هجا "بشر بن أبي خازم الأسدي" "أوس بن حارثة" من "آل لأم"، فكان في جملة ما قاله في هجائه:
جَعَلتُم قَبرَ حارِثَةَ بنِ لَأمٍ ... إِلَهًا تَحلِفونَ بِهِ فُجورا
وحارثة بن لأم صاحب القبر، هو أبو أوس المهجو١.
وقد أشار أهل الأخبار إلى قبور سادات جاهليين كان الناس يفدون إليها، ويعظمونها، ويلوذون بها، ويطوفون حولها، منها قبر "تميم" بموضع "مر الظهران"، وقبر "عامر بن الطفيل"، وقد وضعوا الأنصاب حول القبر لتكون علامة له، فلا يدخل الساحة التي يكون فيها القبر إلى موضع الأنصاب حيوان أو راكب ولا يهتك حرمتها إنسان. كذلك كان الناس يحلقون شعورهم عند مثل هذه القبور، كالذي كانوا يفعلونه عن الأصنام٢.
وقد حجت قبائل قضاعة إلى قبر كان على مرتفع من الشحر، زعم أنه قبر جدّ قبائل قضاعة٣. وكانت أمثال هذه القبور ملاذًا يلوذ بها أصحاب الحاجات، كما قصدها الشعراء لإنشاد قصائدهم في مدح صاحب القبر والتغني بمجده وبمجد
стр. 2967
قبيلته. ولها حمى حكمه حكم الحمى الذي يحيط ببيوت الأصنام. ويقسم بهذه القبور وبحق أصحابها، ما يقسم بالأجداد، ويعد هذا النوع من القسم يمينًا لا يجوز الكذب فيه، وهو كالأيمان المغلظة التي يحلف بها الناس ويذكرون فيها الآلهة وأسماء الأصنام.
وفي كتب الحديث أن النبي نهى عن الحلف بالآباء والأجداد وبتربهم، لأن ذلك من عمل أهل الجاهلية. وقد كانت قريش تحلف بآبائها وبأجدادها فتقول: وأبي أفعل هذا، أو وأبي لا أفعل وحق أبي أو تربة أبي أو وتربة جدك، ونحو ذلك. وهي أيمان من أيمان الجاهلية نهى النبي عنها١.
стр. 2968
الفصل الثاني والخمسون: الدولة
مدخل
...
الفصل الثاني والخمسون: الدولة
أقصد بالدولة الشعب والحزب أو الجماعة الحاكمة له في أرضه وتحت سلطانه وفي حيازته وملكه. لذلك لا أشترط في هذه الدولة أن تكون دولة كبيرة كالدولة الرومانية أو اليونانية أو الساسانية، فقد تكون الدولة حكومة قَرْيَة مثل يثرب أو مكة، وقد تكون حكومة قبيلة، وقد تكون أكبر من ذلك وأوسع مثل دولة الحيرة ودولة الغساسنة ودول اليمن. فلا علاقة إذن لكبر أو لصغر الحكومة بمفهوم الدولة في نظري، فكل حكومة جاهلية مستقلة، هي عندي مع شعبها -أي: التابعين لها- دولة صغرت أم كبرت.
والشعب في الجاهلية وعند الجاهليين، هو القبيلة. فالقبيلة هي أصل الدولة ونواتها، وتقوم على رابطة الدم، أي: على فكرة أن القبيلة هي من صلب رجل عاش حقًّا ومات، وأن أفرادها من هنا يرتبطون بينهم برابط الدم، أي: أن بينهم قرابة وصلة رحم. أما وطن القبيلة، فالأرض التي نشأت فيها، ثم الأرض التي هي عليها. فمن القبيلة ومن أرضها، تكونت دولتها، وعلى رأسها سيد القبيلة.
هذا بالنسبة إلى الأعراب، أما بالنسبة إلى الحضر، فإن فكرة الدولة عندهم تختلف باختلاف درجة أولئك الحضر. فالدولة في العربية الجنوبية، تجمع شمل قبائل عديدة كما تضم طوائف وفئات رُسمت لها حدود معينة وحددت بحدود وقيود، فلا تتجاوزها. وقد حدد المجتمع مكانتها ومنزلتها بحيث جعل من المجتمع العربي الجنوبي مجتمعًا طبقيًّا. يتمتع فيه الملوك ومن يأتي بعدهم من حكام
стр. 2969
وأصحاب معبد وأرض بأعلى المنازل، ثم تليهم بقية الطبقات حسب قوتها ومكانتها إلى أن تصل إلى سواد الناس، وأقلهم منزلة الرقيق وأصحاب الحرف المبتذلة.
وهو نظام بقيت روحه وجذوره قائمة في اليمن إلى الوقت الحاضر، ولكنه بدأ يجابه بمقاومة روح العصر وتقدم البشرية، فأخذ يتهدم بعض التهدم حسب مواطن الضعف في البناء. وأما في الأماكن الحضرية الأخرى، مثل العربية الشرقية وفي الحجاز، أو نجد، فإن درجة فهم الناس فيها للدولة، اختلف فيها، باختلاف تقدم ذلك المكان في الحضارة وباتصاله بالعالم الخارجي.
وبفضل عثور الباحثين على كتابات تعود إلى عهود مختلفة من تاريخ العربية الجنوبية، استطعنا الإلمام بعض الإلمام بشيء من نظم الدولة في تلك الأرضين.
وفي جملتها طرق الحكم فيها ونفوذ رجال الدين وأصحاب الأرض والحياة الاقتصادية التي جعلت العربية الجنوبية مجتمعًا مكونًا من طبقات، يسيره الحكام ورجال الدين وأصحاب المال والأرض. أما بالنسبة إلى المواضع الأخرى، فإن علمنا عن هذه الأمور هو دون علمنا عن العربية الجنوبية بكثير، بسبب عدم عثور الباحثين على كتابات جاهلية فيها، نستطيع أن نستلهم منها وحينا عن الماضي البعيد. ولذلك فعلمنا عنها ضحل، استمد أكثره من أخبار أهل الأخبار، وهي فجة أو مصنوعة، أو محرفة حرفها مرور الزمن، أو مدسوسة عمدًا من إخباري أراد إظهار علمه للناس، أو من متعصب لقبيلة أراد بدسه الأخبار التفريج عن عاطفة التعصب الكامنة في نفسه.
ويعبر عن سكان القرى والمدن بـ"أهل" وبـ"آل". فيقال: "أهل مكة" و"أهل يثرب"، ويراد بهم قطان مكة وسكّان يثرب، و"شعب" في التعبير الحديث، على اعتبار أن كل مدينة مستقلة بشئونها قائمة بإدارة أمورها وهي حكومة ذاتية يدير حكمها سادات المدينة. على نحو ما كان عليه الوضع في القرى الأخرى من الحجاز وفي نواح عديدة من جزيرة العرب. وإذا أصيب أحدهم بضيم، أو أراد شيئًا يتطلب العون والمساعدة نادى: "يا أهل مكة" أو "يا آل مكة"، فيلبي ساداتها نداءه ويمضون في معالجة أمره، والغريب عن "أهل مكة"، له حق النخوة والاستجارة، فإذا نادى بشعارهما حصل على من يدافع عنه ويأخذ حقه ممن ظلمه.
ويشعر سكان المدن والقرى أنهم كالقبيلة من أصل واحد، وأن لهم جدًّا
стр. 2970
أعلى، يرجع نسبهم إليه، أو جدة إن انتمى أهل المدينة إلى امرأة. وذلك، لاعتقادهم أنهم من قبيلة واحدة في الأصل، هاجرت إلى هذا المكان فسكنت فيه. فمرجع نسب مكة إلى "قريش"، ونهاية نسب أهل يثرب من الأوس والخزرج إلى "قيلة" جدتهم، ونسب أهل الطائف إلى ثقيف. فنحن إذن وإن كنا أمام مدن وقرى، أي: أمام عرب حضر، لكننا نجد أنفسنا أمام نظم تقوم على أسس قبلية وعقلية قبلية. فالقرية في الواقع قبيلة مستقرة تمركزت في مكان واحد. وقد تمسكت بنظم تفرع القبيلة وبالعصبية، وبما إلى ذلك من عرف مجتمع أهل البادية. وقد بقيت رابطة النسب وصلة الدم بها قوية. ذلك لأن تلك القرى، وإن جلبت إليها الجانب والغرباء، غير أنها بقيت مجتمعات منعزلة، لأن وسائل الاختلاط لم تكن متهيئة لها في ذلك الوقت، حتى تجبرها على الخروج عن العزلة، والاختلاط بالغير، اختلاطًا شديدًا على نحو ما يحدث للحضر في الأمكنة المتحضرة الممتزجة بالسكان.
وجد القبيلة، هو مصدر إلهامها، ورابطها الروحي الذي يربط بينها. باسمه تتنادى في الغزوات والحروب، لتبعث حرارة الاندفاع والحماسة في القتال، وبه يدعو للنخوة أبناؤها ومن يلتجئ إلى القبيلة من مولى أو جار، وبقبره يلاذ إن كان له قبر، وباسمه يحلف كما يحلف بأسماء الآلهة.
وللقبائل مصدر إلهام روحي آخر، هو أصنامها. فكان "المقه" صنم سبأ، وكان "ود" صنم "معين"، وكان للقبائل العربية الشمالية التي حاربت الأشوريين أصنام يحملونها معهم في سلم وفي حرب. ويستمدون منها المدد والعون في الغزوات والحروب. ويعد سقوط الصنم في أيدي الأعداء نكسة للقبيلة وعارًا على أبنائها، لذلك كانوا لا يهدأ لهم بال حتى تعاد إليهم أصنامهم. وكان من أهم ما يدعو القبائل العربية إلى التهادن مع الأشوريين رغبتهم في استعادة أصنامهم وضمان عودتها من المنفى والأسر إلى الحرية.
ولما ظهر الإسلام كانت القبائل لا تزال تحتمي بأصنامها وتدعوها لتنصرها في الحرب، حتى من تحضر منها واستقر، مثل أهل مكة الذين كانوا ينادون: "أُعْلُ هُبَلْ. أُعْلُ هُبَلْ" في حربهم مع المسلمين. أما الذين غيروا دينهم وتنكروا لعبادة الأصنام فقد احتموا بشفعاء جدد، أخذوهم من النصرانية التي دخلوا فيها، فكان لهم قديسون يلوذون بهم في أثناء القتال.
стр. 2971
ويعبّر عن القبيلة بلفظة "شعب" في العربيات الجنوبية١. فالقبيلة والشعب إذن لفظان مترادفان على معنى واحد. الشعب بمعنى قبيلة في عربية القرآن الكريم، والقبيلة بمعنى شعب في العربيات الجنوبية. ولكن علماء العربية يفرقون بين اللفظتين، فيجعلون الشعب أكبر من القبيلة. والظاهر أن هذا التفريق قد وقع في الجاهلية القريبة من الإسلام، ونجده في القرآن الكريم في آية الحجرات: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢. فذكر المفسرون أن الشعب أكبر من القبيلة. غير أن كثيرًا من علماء العربية يرون أن الشعب والقبيلة في معنى واحد٣.
وقد وردت كلمة "شعب" في الكتابات السبئية بمعنى قبيلة كما ذكرت، فورد: "شعب سبأ"، بمعنى قبيلة سبأ. وورد "سبأ واشعبهموا" بمعنى "سبأ وأشعبهم"، أي السبئيون وقبائلهم، ويراد بقبائلهم القبائل الأخرى الخاضعة لهم٤.
ويرى بعض الباحثين في العربيات الجنوبية، أن لفظة "شعب" لا تعني عند العرب الجنوبيين معنى "قبيلة" بالمعنى المفهوم من اللفظة عندنا، بل تعني جماعة ترتبط بالدولة وبالآلهة: آلهة الدولة ارتباطًا ثقافيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا. فإذا قلنا: شعب سبأ "شعبن سبا"، فإننا لا نقصد قبيلة سبأ، بل أمة سبأ، أو شعب سبأ بالاصطلاح الحديث. أي: رابطة مواطنة تجمع شمل جميع المواطنين بالدولة جمعًا روحيًّا وماديًّا، أي: أن أمة سبأ تجمع السبئيين وغيرهم من الغرباء من أتباع حكومة سبأ، الخاضعين لحكم هذه الحكومة، ويدينون بالولاء لها ولأنظمتها ولقوانينها الروحية المادية٥.
ونجد في النصوص العربية الجنوبية إشارات إلى وجود ثلث أو ربع أو نصف قبيلة. فورد: "ثلثن سمعي"، أي: "ثلث سمعي". ومعنى هذا أن جزءًا
стр. 2972
من قبيلة ما تعاون مع سكان منطقة ما لاستغلال أرض وللاستفادة من غلاتها.
فيذكر عندئذ رقم الجزء الذي نزل في هذا المكان. ولا يعني هذا بالضرورة ثلث أبناء القبيلة أو ربعها أو نصفها أو خمسها على الوجه المفهوم من القبيلة عندنا.
بل يعني ذلك توزيع الأعمال والشغل على المجتمعين الذين تجاوزوا ورضوا بالعمل معًا حسب الأجزاء المذكورة، التي تمثل نسب اشتراك المشتركين في العمل.
وفي العربيات الجنوبية مصطلح، له صلة بمعنى "المواطنة" والمواطنين بالمعنى الحديث. وهو مصطلح: "خمس" ويجمع على "اخمس" "أخمس"، ويراد به مواطنو مملكة أو إمارة. فهو بمعنى المواطنة أو الرعاية في الاصطلاح الحديث.
فكل من يعيش في حكومة ما في أي مكان كان، من قرية أو مدينة، فهو "خمس"، أي: مواطن ومن رعايا تلك الحكومة، كما نرى في هذه الفقرة في نص "معيني": "ركل الالت معنم ويثل وكل الالت ذا خمسم واشعبم"، ومعناها: "وكل آلهة معين ويثل وكل آلهة المواطنين والقبائل". ويراد بـ"اشعبم" هنا القبائل، أي: الأعراب. وأما "أخمس"، فيظهر أن المراد بها الرعايا الحضر المستقرون. وورد في نص سبئي: "خمسيهو وحميرم"، أي: "مواطنو سبأ وحمير".
وترد لفظة "جوم" "كوم" في النصوص السبئية القديمة بوجه خاص، مثل هذه الجملة "هوصت كل جوم"١. ويرى بعض الباحثين أن "هوصت" بمعنى "ملة". و"الملة"، في الإسلام، يراد بها نظام ديني واقتصادي واجتماعي، ارتبط أفراده بمجتمع واحد، برابط الأمور المذكورة٢. أما لفظة "جوم" "كوم"، فترادف لفظة "قوم" في عربيتنا. وقد يكون القوم عددًا صغيرًا، وقد يكون كبيرًا ويرتبط القوم برباط متين يربط أفراده، هو الإله الذي ينتمي القوم إليه. فورد "جوم عثتر" و"كوم ود"، أي: "قوم عثتر" "وقوم ودّ". فالقوم إذن جماعة وإخوان في دين، تؤمن بإله يجمع شمل المؤمنين به، ويربط بينهم برباط العقيدة والإيمان به، لا برباط النسب وصلة الرحم والدم.
هذا، ويذكر علماء اللغة أن "الملة"، الشريعة والدين، كملة الإسلام
стр. 2973
والنصرانية واليهودية. وهي في اللغة السنة والطريقة١. وقد وردت في خمسة عشر موضعًا من القرآن الكريم٢. استعملت في ثمانية مواضع منها للتعبير بها عن دين إبراهيم: "ملة إبراهيم". وللمستشرقين آراء متضاربة في أصل الكلمة٣.
والمواطنون هم أبناء "القبيلة"، التي هي نواة الحكومة وجرثومتها، والتي بقوتها تكونت تلك الحكومة، والقبائل المتحالفة معها، أو التي خضعت لحكمها فتبعتها. ولهذا تذكر القبيلة ويشار إليها، باعتبار أن الحكومة هي حكومتها في الأصل ثم يشار إلى القبائل الخاضعة لها للدلالة على أنها في حكم تلك الحكومة.
فقد ورد في الكتابات السبئية "سبأ واشعبهمو"، بمعنى سبأ والقبائل التابعة لها٤.
وورد: "ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت وأعرابها في المرتفعات وفي التهائم"، وهو لقب ملوك سبأ بعد توسع رقعة سبأ واستيلاء السبئيين على غيرهم وضمهم أرضهم إلى أرض دولتهم. فدوّن اسم سبأ أولًا، باعتبار أن السبئيين هم العنصر الحاكم المكون الأول للدولة، ثم أشار إلى من تبعهم وانضم إليهم سلمًا أو حربًا.
وبين "الشعب" وإلهه رابطة مقدسة وصلة متينة لا انفصام لها. وفي استطاعتنا أن نقول: إن مجتمعات العرب الجنوبيين كانت مجتمعات دينية؛ فالشعب عبيد الإله، والإله بالنسبة لأتباعه أب غفور رحيم. شفيق قدير. "الجوم" "الكوم" أي: القوم أبناؤه وأولاده. فالسبئيون هم ولد "المقه". أي: أولاد المقه، إله سبأ، والمعينيون هم "ولد ود"، وقد خاطبوا إلههم" ودًّا" بعبارة: "ودم ابم" أي: "ودّ أب" و"ودّ الأب". وقال القتبانيون عن أنفسهم: "ولد عم" و"أولد عم"، أي: ولد الإله "عم" وأولاد الإله "عم". وفي هذه الجمل أجمل تعبير عن وجهة نظر المجتمع إلى ربه. إن رب القبيلة، هو الرابط المقدس الذي يربط شملها ويجمع بين أبنائه، وبه يعتصم الناس، وإليه يلاذ في الخير وفي الشر. وقد عبر عن هذه الرابطة بلفظة جميلة هي "حبلم" في بعض
стр. 2974
الكتابات١. والحبل يربط ويجمع ويجعل من المتفرق وحدة. وهو مصطلح يذكرنا بالآية الكريمة: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ ٢، وبالآية: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ ٣. فلفظة "ولد" إذن بمعنى قوم وأبناء صنم أو موضع.
فهي في معنى أبناء في اصطلاحنا الحديث، تستعمل قبل اسم الصنم أو الموضع أوالقبيلة، لتدل على معنى المواطنة. ولا يشترط فيها أن تكون مواطنة نسب، أي: صلة رحم وقرابة دم، بل مواطنة دينية ورابطة سياسية واجتماعية واقتصادية.
والإله حامي شعبه والذاب عنه، والمؤيد له في السلم وفي الحرب. لذلك نعت بـ"شيمم" "ش ي م م" أي: "شيم"، وتعني اللفظة معنى حام وحافظ ومدافع. ونجد الناس وهم ينعتون آلهتهم بهذا النعت في كتاباتهم طالبين منهم العون لشفائهم من أمراضهم ولحمايتهم من الأسوأ.
وفي جملة "أهل عثتر" وأمثالها التي ترد في مختلف كتابات المسند، تعبير عن هذه الرابطة المتينة التي تربط القوم بإلههم. تعبير عن صلة ملة عثتر بربهما.
الجماعة المؤمنة بالإله عثتر. وتعبير عن جماعات انتمت إلى آلهة أخرى، وقالت عن نفسها: "أهل". ويشبه هذا التعبير تعبير "أهل الله" الوارد في الإسلام ويراد بهم المؤمنون بالله، المنقطعون له وحده، العابدون القانتون الزاهدون.
وهكذا نجد شعوب حكومات العربية الجنوبية، مؤلفة من وحدات سياسية دينية. لكل وحدة رابطة روحية تربط أفرادها، جعلت "المؤمنين إخوة"، في عقيدتهم وفي تمسكهم واعتقادهم بإله قبيلتهم الخاص، هو إله القبيلة.
ونحن إذ نقرأ لفظة "شعب" في الكتابات العربية الجنوبية، يجب أن لا نفهم منها ما نفهمه من لفظة "قبيلة" في نظر الأعراب، وعند العرب الشماليين، أي: رابطة دموية تجمع أبناء القبيلة، ترجع بهم إلى جد واحد أعلى. بل يجب علينا أن نفهمها على وجه آخر. يجب أن نفهمها بمفهوم "الملة" أو "الأمة" في المصطلح الإسلامي، وعلى النحو الذي فهمه المسلمون الأول من مصطلح "أمة" و"ملة"، أي: رابطة تجمع بين شمل جماعات شعرت بوجود روابط دينية
стр. 2975
وفكرية واقتصادية واجتماعية بينها، وبوجود إخوة في العقيدة والرأي. على نحو ما نفهمه من آية الحجرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ١. وذلك كما سبق أن تحدثت عن ذلك قبل قليل.
وترد لفظة "عم" بمعنى شعب في الكتابات النبطية، وترد بهذا المعنى في لهجات عربية أخرى٢. وقد نعت ملوك النبط أنفسهم بـ"رحم عمه" "راحم عمه"، أي "رحيم شعبه" أو "راحم شعبه"، بمعنى أنه محب لشعبه رحيم به٣. وأن ملوك النبط رحماء بشعبهم محبون له.
والذي يجمع شمل الدولة ويقويها ويأخذ بها إلى الحكم ثلاثة أركان: إله أو آلهة، يدافع أو تدافع عن الحاكم وعن رعيته، وحاكم قد يكون "كاهنًا" وقد يكون ملكًا، وقد يكون أميرًا، وقد يكون سيد قبيلة، واجبه حكم رعيته وإرشادهم وقيادتهم في السلم والحرب، ثم رعية طيعة طائعة تدين بالولاء للآلهة وللحكام، ليس لها الاعتراض على "حق الحكم"، لأنه حق إلهي مقرر، ولا اعتراض على قدر الآلهة ومقدراتها: ومن يخالف أوامر السلطان، كان كمن يخالف أمر ربه، عاصيًا خارجًا عن سواء السبيل، فيجب تأديبه، ولو بالقتل، لأن جزاء من يخرج على أمر الآلهة القتل.
ومن سيماء الإخلاص للدولة ذكر أسماء الآلهة التي يتعبد لها الحكام، أي: آلهة الشعب الحاكم، تيمنًا بها، وتقربًا إليها، وذكر أسماء الحكام في الكتابات في المناسبات تعبيرًا عن ولاء صاحب الكتابة وإخلاصه للحاكم. وذكر اسم القبيلة الحاكمة مع اسم القبيلة التي ينتمي إليها صاحب الكتابة، ليكون ذكرها تعبيرًا عن الاعتراف بسيادتها عليه وعلى قبيلته.
стр. 2976
أصول الحكم:
المجتمع العربي الجاهلي: بدوٌ وحضر، أهل وبر وأهل مدر. يتساوى في ذلك عرب العراق وعرب بلاد الشام وعرب جميع أنحاء جزيرة العرب.
стр. 2977
وفي كل مجتمع من هذين المجتمعين تكوّن نظام من أنظمة الحكم يتناسب مع المحيط، لأنه نبات ذلك المحيط، وحاصله، وما ينبت في مكان ينبت وقد اكتسب خصائص التربة وخصائص الجو، وما يحيط بالنبات من مؤثرات طبيعية أو بشرية.
ومن هنا صارت "الرئاسة" قاعدة الحكم عند أهل الوبر، و"الملكية" و"رئاسة القرى والمدن"، أداة الحكم عند أهل المدر.
ولا ينال الحكم في المجتمعات البدوية وفي المجتمعات الصغيرة التي لم تبلغ مرحلة متقدمة من الحضارة، والتي لم تنل حظًّا من الغنى والمهارة في العمل وفي كثرة الإنتاج وتنويعه، إلا من كان ذا قابلية عالية وذو شخصية قوية، وذو أسرة متجانسة متآلفة متماسكة كثيرة العدد، وذا عشيرة أو قبيلة تندفع في تأييده لمزاياه المذكورة أو لخوفها منه، أضف إلى ذلك: العصبية والرغبة في كسب المال عن طريق الاندفاع معه في غزو القبائل الأخرى. فمجتمع من هذا النوع تكون قيادته بيد "سادته"، وقد يفرض أحدهم نفسه على الآخرين، طوعًا أو كرهًا فيكوّن حكومة تنسب في الغالب إليه، قد يطول أجلها إذا جاء من بعده حكام أكفاء لهم قابلية وشخصية، وقد تموت بموته، لعدم كفاءة من يخلفه، ولأنه كون دولته بشخصيته، وليس عن دوافع أخرى مثل إيمان بعقيدة وإخلاص لها، أو وجود وعي مشترك وحس بوجوب التكاتف والتآزر، لتأليف مجتمع متكاتف يعيش فيه المواطنون عيشة مؤاخاة ومواطنية بالعدل والإنصاف، حتى يطول عمر تلك الحكومة، ولما كانت تلك الدولة قد تكونت إما عن مصلحة أو عن خوف وقهر أو عن طمع، وقد زالت هذه بموت صاحبها، لذلك يصيبها التفكك وانهيار البناء. ومما يؤيد ذلك ردة من ارتد بعد وفاة الرسول عن الإسلام، فقد كانت حجتهم في ردتهم أنهم إنما بايعو الرسول وآمنوا به، ولم يبايعوا غيره. وبوفاته انتهى حكم البيعة، فلن يخضعوا لغيره ولن يدفعوا صدقة ولا زكاة ولن يطيعوا أحدًا. ولو لم يؤدبهم "أبو بكر"، بأدب القوة، لما عادوا ثانية إلى الإسلام.
وللحكم الملكي صلة كبيرة بحياة الاستقرار والاستيطان، فهو لا ينمو ولا يظهر إلا في المجتمعات المستقرة وفي المواضع الغنية بالماء وفي القرى والمدن. فنرى أن حكام قرى فلسطين ومدنها كانوا قد لقبوا أنفسهم بلقب "ملك" في أيام "إبراهيم" مع أنهم لم يكونوا إلا رؤساء قرى أو مدن وقد كان أكثرهم كهنة في الأصل،
стр. 2978
أي حكامًا حكموا رعيتهم باسم الآلهة، فكان لهم الحكم في الدين وفي تدبر أمور الرعية من الناحية الدنيوية، ثم عافوا هذا المركز وتركوا المعبد، وخصصوا أنفسهم بالنظر في الأمور الدنيوية.
ولما تقدمت وسائل الحروب وتفنن الإنسان في صنع الأسلحة، وفي استذلال الحيوان وتسخيره لنقل محاربيه وأسلحتهم ومواد إعاشتهم، توسعت سلطة كبار الملوك، وتضخمت حدود ممالكهم، فظهرت الملكيات الكبيرة: ظهرت على أنقاض "ممالك القرى" و"ممالك المدن". حيث حكم التاريخ بتسلط الممالك القوية على الممالك الصغيرة، وبأكل القوي منها الضعيف، لأن الحق للأقوى والبقاء للقوي المكافح المناضل المكالب في هذه الحياة تكالب الكلاب فيما بينها، لمجرد شعور كلب قوي بتفوقه على كلب آخر غريب أو كلاب غريبة عنه.
ولعب "المال" دورًا خطيرًا في ظهور "الملوك الكبار" وفي تكوين "الحكومات الملكية الكبيرة"، ونضيف إليه شخصية صاحب المال والطبيعة التي عاش بها، من برودة وحرارة وتبدل في الضغط الجوي، ومن تربة ومعدن ونبات وماء.
فالمال وحده لا يكفي لخلق دول كبرى، وهو لا يدوم إذا لم يقرن بعقل فطن خلاق يعمل على الإيجاد والتكوين وتسخير الطبيعة في خدمته وخلق قوة تكون سندًا له وسدًّا منيعًا يقف حائلًا منيعًا أمام المعتدين. والاستفادة من المال بتشغيله بحكمة وبعلم، وبإيجاد موارد جديدة تحل محل الموارد القديمة إن نفقت.
وقد كان ظهور الحكومات الملكية الكبيرة في الأرضين الغنية بخيراتها ذات الماء الغزير والجو المساعد على العمل. فوسعت رقعتها وطمعت في غيرها فابتلعتها وقوَّت نفسها بخيراتها وعبأت كل قواها لخدمتها، وأخذت تكتسح غيرها وتتوسع وكونت الممالك الكبيرة المشهورة في التاريخ. وقد سمح بعض ملوك الحكومات الكبيرة لملوك الممالك الصغيرة بالاحتفاظ بحمل لقب "ملك"، على أن يكون ذلك مقرونًا باعتراف أولئك الملوك بحماية الملوك الكبار لهم، وبوجوب عدم الخروج على طاعتهم وبلزوم الاشتراك معهم في الحروب إن طلب منهم الاشتراك فيها، وبدفع جزية مرضية لهم. فلم تتمكن الحكومات الصغيرة التي عاش على التجارة والاتجار من العيش بأمن وسلام، إذ طمعت فيها الدول القوية، فأرسلت إليها من يخيرها بين الاستسلام والطاعة أو الهلاك وإحراق الدور وإنزال الدمار. وقد رأينا أمثلة عديدة على ذلك فيما سلف من هذا الكتاب. من ذلك تهديد حكومات العراق
стр. 2979
لحكومات مدن الخليج، وتهديد الرومان واليونان للنبط. وحملة "أوليوس غالوس" على اليمن، لضم أصدقاء أغنياء إلى إمبراطورية الرومان، يؤدون لها الخراج ويقدمون لها ما عندهم من ذهب إبريز، وإلا فالنار والخراب والدمار والقتل.
فلا مجال للحكومات الغنية الصغيرة من العيش بأمن وسلام. وليس عندها سوى الاختيار بين أمر من أمرين. فإما دفع جزية ثقيلة ترضي القوي، وإما الاستسلام وإنزال النار بها والدمار.
أما البوادي والأرضين القفرة الفقيرة القليلة الماء، فلا يمكن أن تنبت بها "ممالك" كبيرة، لعدم توفر مستلزمات المعيشة والتجمع الكبير فيها، لهذا صارت حكوماتها حكومات "رئاسات" رئاسة قبيلة أو أحلاف. وقد يحلو للرئيس أن يختار له "ملك"، لقب لا يعني في الواقع العملي أكثر من سيد قبيلة. وحكومات باطن جزيرة العرب هي من هذا النوع في الأكثر. أما الملكيات فقامت في مواضع الحضارة، حيث التربة الصالحة الخصبة المساعدة على حياة التجمع والاستقرار.
ووجود حضر، يقبلون بالطاعة والخضوع لحكم حاكم، ومال يجبى من الناس ليستعين به الحاكم على الإنفاق على نفسه وعلى جيشه، وعلى من ينصبهم لإدارة الأمور، قامت تلك الملكيات في العراق وفي بلاد الشام وفي أطراف جزيرة العرب، وفي مواضع الماء من نجد كاليمامة. وقد تكلمت عنها في الأجزاء السابقة من هذا الكتاب.
أما الرئاسة، فهي درجات تبدأ برئاسة بيت، وتنتهي برئاسة قبيلة. ولكل رئيس سلطان على أتباعه وحقوق وواجبات. وعليه أيضًا حقوق وواجبات يجب أن يوفي بها لأتباعه ومن هم في عنقه ويمينه. والرئيس هو "بعل" و"رب" و"سيد" جماعته والمسئول الشرعي عن أتباعه، وهو ممثلهم ولسانهم الناطق باسمهم وحاميهم في الملمات.
وقد عرف "هشام بن المغيرة" بـ"رب قريش" ونسبت قريش إليه في الجاهلية، فقال الشاعر:
أحاديث شاعت في معدٍّ وغيرها ... وخبّرها الركبان حيّ هشامِ
وذلك تعظيمًا له واحترامًا لشأنه١
стр. 2980
ويعرف رئيس القبيلة بـ"سيد القبيلة"، وسادات القبائل هم رؤساء القبائل. وقد ينعت رجل بـ"سيد العرب" وبـ"سيد مضر" وبـ"سيد أهل الوبر"، وذلك للتعبير عن سلطانه وعن مكانته وعن حكمه لقبائل كثيرة عديدة. فقد نعت "الأفكل"، وهو "عمرو بن جعيد" بـ"سيد ربيعة" لرئاسته على ربيعة١. وعرف "حذيفة بن بدر" بـ "سيد غطفان"، وكان يقال له: "رب معد"٢.
وعرف "قيس بن عاصم بن سنان المنقري" بـ"سيد أهل الوبر"، فلما وفد على رسول الله في وفد "تميم"، قال رسول الله: "هذا سيد أهل الوبر".
وكان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية؛ لأنه سكر فعبث بذي محرم له٣.
وعرف حاكم "تدمر" بـ"رش تذمور"، أي: "رأس تدمر" و"رئيس تدمر"، في الكتابات التدمرية القديمة. ثم عرف بـ"ملك"، في الكتابات المتأخرة المدونة وصار اللقب الرسمي لحكام "تدمر" في أيام "الزبّاء" فما بعد، إلى احتلال الرومان لتدمر وإلغائهم الحكم التدمري٤.
ولقب "أذينة" ملك "تدمر" نفسه بـ"ملك ملكا" أي: "ملك الملوك"٥ أيضًا، تشبهًا بملوك الفرس وبملوك حكموا قبلهم، مثل: الملوك الأشوريين، واتخذ لنفسه ألقابًا يونانية لاتينية تقليدًا للرومان. ولم نعثر في النصوص العربية الجنوبية على لقب "ملك الملوك". ويظهر أن الملوك العرب لم يتلقبوا بهذا اللقب الأعجمي.