← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

أصول الحكم: المجتمع العربي الجاهلي: بدوٌ وحضر، أهل وبر وأهل مدر. يتساوى في ذلك عرب العراق وعرب بلاد الشام وعرب جميع أنحاء جزيرة العرب.

стр. 2977

وفي كل مجتمع من هذين المجتمعين تكوّن نظام من أنظمة الحكم يتناسب مع المحيط، لأنه نبات ذلك المحيط، وحاصله، وما ينبت في مكان ينبت وقد اكتسب خصائص التربة وخصائص الجو، وما يحيط بالنبات من مؤثرات طبيعية أو بشرية. ومن هنا صارت "الرئاسة" قاعدة الحكم عند أهل الوبر، و"الملكية" و"رئاسة القرى والمدن"، أداة الحكم عند أهل المدر. ولا ينال الحكم في المجتمعات البدوية وفي المجتمعات الصغيرة التي لم تبلغ مرحلة متقدمة من الحضارة، والتي لم تنل حظًّا من الغنى والمهارة في العمل وفي كثرة الإنتاج وتنويعه، إلا من كان ذا قابلية عالية وذو شخصية قوية، وذو أسرة متجانسة متآلفة متماسكة كثيرة العدد، وذا عشيرة أو قبيلة تندفع في تأييده لمزاياه المذكورة أو لخوفها منه، أضف إلى ذلك: العصبية والرغبة في كسب المال عن طريق الاندفاع معه في غزو القبائل الأخرى. فمجتمع من هذا النوع تكون قيادته بيد "سادته"، وقد يفرض أحدهم نفسه على الآخرين، طوعًا أو كرهًا فيكوّن حكومة تنسب في الغالب إليه، قد يطول أجلها إذا جاء من بعده حكام أكفاء لهم قابلية وشخصية، وقد تموت بموته، لعدم كفاءة من يخلفه، ولأنه كون دولته بشخصيته، وليس عن دوافع أخرى مثل إيمان بعقيدة وإخلاص لها، أو وجود وعي مشترك وحس بوجوب التكاتف والتآزر، لتأليف مجتمع متكاتف يعيش فيه المواطنون عيشة مؤاخاة ومواطنية بالعدل والإنصاف، حتى يطول عمر تلك الحكومة، ولما كانت تلك الدولة قد تكونت إما عن مصلحة أو عن خوف وقهر أو عن طمع، وقد زالت هذه بموت صاحبها، لذلك يصيبها التفكك وانهيار البناء. ومما يؤيد ذلك ردة من ارتد بعد وفاة الرسول عن الإسلام، فقد كانت حجتهم في ردتهم أنهم إنما بايعو الرسول وآمنوا به، ولم يبايعوا غيره. وبوفاته انتهى حكم البيعة، فلن يخضعوا لغيره ولن يدفعوا صدقة ولا زكاة ولن يطيعوا أحدًا. ولو لم يؤدبهم "أبو بكر"، بأدب القوة، لما عادوا ثانية إلى الإسلام. وللحكم الملكي صلة كبيرة بحياة الاستقرار والاستيطان، فهو لا ينمو ولا يظهر إلا في المجتمعات المستقرة وفي المواضع الغنية بالماء وفي القرى والمدن. فنرى أن حكام قرى فلسطين ومدنها كانوا قد لقبوا أنفسهم بلقب "ملك" في أيام "إبراهيم" مع أنهم لم يكونوا إلا رؤساء قرى أو مدن وقد كان أكثرهم كهنة في الأصل،

стр. 2978

أي حكامًا حكموا رعيتهم باسم الآلهة، فكان لهم الحكم في الدين وفي تدبر أمور الرعية من الناحية الدنيوية، ثم عافوا هذا المركز وتركوا المعبد، وخصصوا أنفسهم بالنظر في الأمور الدنيوية. ولما تقدمت وسائل الحروب وتفنن الإنسان في صنع الأسلحة، وفي استذلال الحيوان وتسخيره لنقل محاربيه وأسلحتهم ومواد إعاشتهم، توسعت سلطة كبار الملوك، وتضخمت حدود ممالكهم، فظهرت الملكيات الكبيرة: ظهرت على أنقاض "ممالك القرى" و"ممالك المدن". حيث حكم التاريخ بتسلط الممالك القوية على الممالك الصغيرة، وبأكل القوي منها الضعيف، لأن الحق للأقوى والبقاء للقوي المكافح المناضل المكالب في هذه الحياة تكالب الكلاب فيما بينها، لمجرد شعور كلب قوي بتفوقه على كلب آخر غريب أو كلاب غريبة عنه. ولعب "المال" دورًا خطيرًا في ظهور "الملوك الكبار" وفي تكوين "الحكومات الملكية الكبيرة"، ونضيف إليه شخصية صاحب المال والطبيعة التي عاش بها، من برودة وحرارة وتبدل في الضغط الجوي، ومن تربة ومعدن ونبات وماء. فالمال وحده لا يكفي لخلق دول كبرى، وهو لا يدوم إذا لم يقرن بعقل فطن خلاق يعمل على الإيجاد والتكوين وتسخير الطبيعة في خدمته وخلق قوة تكون سندًا له وسدًّا منيعًا يقف حائلًا منيعًا أمام المعتدين. والاستفادة من المال بتشغيله بحكمة وبعلم، وبإيجاد موارد جديدة تحل محل الموارد القديمة إن نفقت. وقد كان ظهور الحكومات الملكية الكبيرة في الأرضين الغنية بخيراتها ذات الماء الغزير والجو المساعد على العمل. فوسعت رقعتها وطمعت في غيرها فابتلعتها وقوَّت نفسها بخيراتها وعبأت كل قواها لخدمتها، وأخذت تكتسح غيرها وتتوسع وكونت الممالك الكبيرة المشهورة في التاريخ. وقد سمح بعض ملوك الحكومات الكبيرة لملوك الممالك الصغيرة بالاحتفاظ بحمل لقب "ملك"، على أن يكون ذلك مقرونًا باعتراف أولئك الملوك بحماية الملوك الكبار لهم، وبوجوب عدم الخروج على طاعتهم وبلزوم الاشتراك معهم في الحروب إن طلب منهم الاشتراك فيها، وبدفع جزية مرضية لهم. فلم تتمكن الحكومات الصغيرة التي عاش على التجارة والاتجار من العيش بأمن وسلام، إذ طمعت فيها الدول القوية، فأرسلت إليها من يخيرها بين الاستسلام والطاعة أو الهلاك وإحراق الدور وإنزال الدمار. وقد رأينا أمثلة عديدة على ذلك فيما سلف من هذا الكتاب. من ذلك تهديد حكومات العراق

стр. 2979

لحكومات مدن الخليج، وتهديد الرومان واليونان للنبط. وحملة "أوليوس غالوس" على اليمن، لضم أصدقاء أغنياء إلى إمبراطورية الرومان، يؤدون لها الخراج ويقدمون لها ما عندهم من ذهب إبريز، وإلا فالنار والخراب والدمار والقتل. فلا مجال للحكومات الغنية الصغيرة من العيش بأمن وسلام. وليس عندها سوى الاختيار بين أمر من أمرين. فإما دفع جزية ثقيلة ترضي القوي، وإما الاستسلام وإنزال النار بها والدمار. أما البوادي والأرضين القفرة الفقيرة القليلة الماء، فلا يمكن أن تنبت بها "ممالك" كبيرة، لعدم توفر مستلزمات المعيشة والتجمع الكبير فيها، لهذا صارت حكوماتها حكومات "رئاسات" رئاسة قبيلة أو أحلاف. وقد يحلو للرئيس أن يختار له "ملك"، لقب لا يعني في الواقع العملي أكثر من سيد قبيلة. وحكومات باطن جزيرة العرب هي من هذا النوع في الأكثر. أما الملكيات فقامت في مواضع الحضارة، حيث التربة الصالحة الخصبة المساعدة على حياة التجمع والاستقرار. ووجود حضر، يقبلون بالطاعة والخضوع لحكم حاكم، ومال يجبى من الناس ليستعين به الحاكم على الإنفاق على نفسه وعلى جيشه، وعلى من ينصبهم لإدارة الأمور، قامت تلك الملكيات في العراق وفي بلاد الشام وفي أطراف جزيرة العرب، وفي مواضع الماء من نجد كاليمامة. وقد تكلمت عنها في الأجزاء السابقة من هذا الكتاب. أما الرئاسة، فهي درجات تبدأ برئاسة بيت، وتنتهي برئاسة قبيلة. ولكل رئيس سلطان على أتباعه وحقوق وواجبات. وعليه أيضًا حقوق وواجبات يجب أن يوفي بها لأتباعه ومن هم في عنقه ويمينه. والرئيس هو "بعل" و"رب" و"سيد" جماعته والمسئول الشرعي عن أتباعه، وهو ممثلهم ولسانهم الناطق باسمهم وحاميهم في الملمات. وقد عرف "هشام بن المغيرة" بـ"رب قريش" ونسبت قريش إليه في الجاهلية، فقال الشاعر: أحاديث شاعت في معدٍّ وغيرها ... وخبّرها الركبان حيّ هشامِ وذلك تعظيمًا له واحترامًا لشأنه١

стр. 2980

ويعرف رئيس القبيلة بـ"سيد القبيلة"، وسادات القبائل هم رؤساء القبائل. وقد ينعت رجل بـ"سيد العرب" وبـ"سيد مضر" وبـ"سيد أهل الوبر"، وذلك للتعبير عن سلطانه وعن مكانته وعن حكمه لقبائل كثيرة عديدة. فقد نعت "الأفكل"، وهو "عمرو بن جعيد" بـ"سيد ربيعة" لرئاسته على ربيعة١. وعرف "حذيفة بن بدر" بـ "سيد غطفان"، وكان يقال له: "رب معد"٢. وعرف "قيس بن عاصم بن سنان المنقري" بـ"سيد أهل الوبر"، فلما وفد على رسول الله في وفد "تميم"، قال رسول الله: "هذا سيد أهل الوبر". وكان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية؛ لأنه سكر فعبث بذي محرم له٣. وعرف حاكم "تدمر" بـ"رش تذمور"، أي: "رأس تدمر" و"رئيس تدمر"، في الكتابات التدمرية القديمة. ثم عرف بـ"ملك"، في الكتابات المتأخرة المدونة وصار اللقب الرسمي لحكام "تدمر" في أيام "الزبّاء" فما بعد، إلى احتلال الرومان لتدمر وإلغائهم الحكم التدمري٤. ولقب "أذينة" ملك "تدمر" نفسه بـ"ملك ملكا" أي: "ملك الملوك"٥ أيضًا، تشبهًا بملوك الفرس وبملوك حكموا قبلهم، مثل: الملوك الأشوريين، واتخذ لنفسه ألقابًا يونانية لاتينية تقليدًا للرومان. ولم نعثر في النصوص العربية الجنوبية على لقب "ملك الملوك". ويظهر أن الملوك العرب لم يتلقبوا بهذا اللقب الأعجمي.

стр. 2981

المكربون: وترينا أقدم الكتابات العربية أن العربية الجنوبية حكمها قبل الملوك أناس حكموا حكمًا مزدوجًا، أي: حكمًا دينيًّا ودنيويًّا، على نحو ما حدث في العراق وفي

стр. 2982

مصر وفي أماكن أخرى من الشرق، قبل أن ينتقل الحكم إلى الملوك، ويتحول إلى حكم زمني، ينصرف فيه الملك إلى الأمور الزمنية لرعيته، تاركًا الشئون الدينية لرجال الدين، حكموا الأرض باسم السماء، وحكموا حكم الساسة والحكام، ونطقوا باسم الآلهة، فحكمهم حكم إلهي مقدس، على أتباعهم ومن يؤمن بهم إطاعتهم، لأنهم ألسنة الآلهة الناطقة على هذه الأرض١. ويعرف هذا الكاهن الملك بـ"مكرب"، أي: "مقرب". وقد حصلنا من كتابات المسند على أسماء عدد من "المكربين"، غير أن تلك الكتابات خرساء، لم تبح لنا بشيء ما عن أصول حكمهم للمعابد ولإدارة الدولة ولا عن كيفية تلقيهم الأوامر الإلهية التي يطلبون من أتباعهم تنفيذها، هل كانت وحيًا من الآلهة، يحملها إليهم ملائكة مقربون، أو إلهامًا يتجلى في نفوسهم فينطق به المكربون ويبلغونه للناس، أو صوتا يخرج من رَئِيّ أو صنم أو ما شاكل ذلك يسمعه "المكرب" فيفسره للناس على طريقة الكهان؟ وليس في نصوص المسند تعليل ما للدوافع والأسباب التي حملت آخر "مكرب" في كل دولة من الدول العربية الجنوبية على تغيير لقبه القديم، الموروث عن آبائه، واتخاذ لقب له جديد، لقب "ملك"، وهو لقب يشير إلى الحكم الدنيوي فقط، وإلى ابتعاد الملك عن الحكم الديني وتركه لغيره غير أننا نستطيع أن نقول باحتمال تأثر هؤلاء "المكربين" بالمظاهر الخارجية التي كانت عند الدول المعاصرة التي لقبت حكامها بلقب ملك، وهي دول كبيرة ذات جاه واسم وسلطان فأراد أولئك الحكام، حكام حكومات اليمن، التشبه بهم، ومحاكاتهم في المظهر، فغيروا لقبهم، ليظهروا أنفسهم أنهم مثلهم، وأنهم ليسوا أقل شأنًا من أقرانهم الملوك. ولا يظن أن التغيير الذي حدث فأدى إلى إبدال حكم "المكربين" بحكم الملوك كان تغييرًا قسريًّا، أي: نتيجة انقلاب عسكري أو ثورة، ذلك لأننا نعلم أن آخر مكرب من مكربي سبأ كان هو المكرب "كرب ال وتر" "كرب إيل وتر". وقد كان هذا المكرب أول من افتتح العهد الملكي في سبأ، وأول من حمل لقب "ملك" وذلك يدل على أنه هو الذي اختار اللقب الجديد، واستبدله باللقب القديم.

стр. 2983

ولم يكن "المكرب" رجل دين بالمعنى المفهوم من الجملة، أي: عالمًا بأمور الدين فقيهًا بها كرس وقته لها، ومتوليًّا إمامة الناس في صلواتهم وفي أداء الشعائر الدينية للأرباب في معابدها، مقدمًا القرابين بنفسه إليها، بل يرى بعض الباحثين أنه مجرد منصب له صبغته الدينية، وأنه يشبه منصب "الخليفة" في الإسلام، حيث كان الخليفة يعد "أمير المؤمنين" ورئيس المسلمين. ولم يكن مع ذلك أعلم المسلمين بأمور الدين ولا أفقههم بالأحكام، وإنما هو "خليفة الله" في أرضه. وكذلك كان المكربون خلفاء الآلهة على الأرض١. وقد استتبع انتقال الحكم من "المكربين" إلى الملوك، حدوث تغيير في أصول الحكم. فانقطعت صلة الملك بالمعبد، ولم يعد الرئيس المباشر له ولرجال الدين، وإن بقي الملك حامي الدين والمعبد. لما للمعبد من ارتباط بالدولة ولما للاثنين من مصالح مشتركة مترابطة، إذا اختلت أصاب الأذى الجهتين. وانصرف رئيس المعبد إلى إدارة المعبد وأملاكه الكثيرة الواسعة، وإلى جباية الضرائب الدينية، أي: حقوق الآلهة على الناس. وهي حقوق واجبة مفروضة. وانصرف الملك إلى إدارة الدولة، وجباية حقوقه على شعبه. وإدارة أملاكه الخاصة وأملاك الدولة، التي هي أملاك الملك أيضًا. حيث لم يفرق الملوك بين جيبهم الخاص وبين جيب الدولة. لأن الدولة الملك، والملك الدولة. وبيت المال هو بيت مال واحد، للملك أن يتصرف به كيف شاء.

стр. 2984

الملك: وأما "الملك"، فهو الرئيس الأكبر والإنسان الأعلى في مجتمعه. ولفظة "ملك" من الألفاظ العربية القديمة التي ترد في جميع اللهجات العربية١، وهي أيضًا من الألفاظ التي ترد في أغلب اللغات السامية. وقد تلقب بها ملوك العربية الجنوبية، وتلقب بها ملوك الحيرة وملوك آل غسان وملوك كندة، بل طمع في هذا اللقب أمراء وسادات قبائل، أعجبهم فلقبوا أنفسهم به.

стр. 2985

ولا يعني هذا أن حكم الملك كان دائمًا حكمًا شاملًا واسعًا بالمعنى المفهوم من هذا اللقب، فقد كان سلطان الملك في بعض الأحيان لا يتجاوز سلطان سيد قبيلة، أو سلطان صاحب قرية أو أرض. وعلى ذلك نجد في العربية الجنوبية وفي أنحاء أخرى من جزيرة العرب عشرات من أمثال هؤلاء الملوك يحكمون قبائلهم أو أرضهم بهذه النعوت والصفات المغرية المحببة إلى النفوس والقلوب، ذلك لأنهم أحبوا هذا اللقب، فلقبوا أنفسهم به، وصاروا ملوكًا، وهم في الواقع سادة قبائل أو أرض صغيرة. ونجد في كتب السير والتواريخ أسماء جملة "ملوك" عاشوا قبيل الإسلام وعند ظهوره، لم يكونوا في الواقع سوى سادات "شيوخ" قبائل أو قرى، ولم يكن لهم على من حولهم نفوذ أو سلطان. ومعنى "ملك"، الرأي والمشورة والنصيحة. و"مَلَكَ"، بمعنى قدم رأيًا أو نصيحة أو مشورة، وذلك في بعض اللغات السامية. وتعني كلمة "شارو" "شرو"، "الملك" في الأشورية، وهي في معنى "الحكيم" في الأصل، أي: في المعنى المتقدم. وتعني كلمة "مليخ" "ملخ"، أي: "ملك" في العبرانية، الحكيم الذي يقدم رأيًا وحكمة ومشورة، فهي في معنى Adviser و Counseller في الإنكليزية١. إذ كان الملوك بمنزلة الحكماء القضاة في شعوبهم، ثم تخصصت بالحاكم الذي يحكم شعبه على النحو المفهوم من اللفظة عندنا. وقد وردت لفظة "ملك" في نصوص المسند. وردت على هذه الصورة: "ملكن"، أي: "الملك"، و"ملكم"، أي: "ملكٌ". ووردت على هذه الصورة: "ملك" في النصوص الثمودية واللحيانية والصفوية. و"ملكو" في النصوص النبطية. أما في النصوص العربية الشمالية، فإن أقدم نص وردت فيه هذه اللفظة، هو نص "أم الجمال"، الذي يعود عهده إلى سنة "٢٥٠" أو "٢٧٠" بعد الميلاد٢. وهو شاهد قبر رجل اسمه "فهر بن سلى مربّي جذيمة ملك تنوخ" ونص "النمارة" الذي هو شاهد قبر الملك "امرؤ القيس"، وقد دوّن سنة "٣٢٨" للميلاد٣.

стр. 2986

ولا نعرف في الزمن الحاضر مكانة درجة من يحمل لقب "أخ ملكا" أي: "أخي الملك" الوارد في النصوص النبطية. فلسنا ندري أكانت تعني "وصاية" أو "وزارة" أو مقربًا من الملك، أم تعني أن حامله من الأسرة المالكة١. ونطلق لفظة "تبع"، والجمع "التبابعة"، على ملوك حمير، تطلقها الموارد الإسلامية في بعض الأحيان على كل ملوك اليمن. فهي في معنى "ملك". ولا يطلقونها على غيرهم، أي: على الملوك الآخرين من ملوك العرب. فهي إذن اصطلاح خاص بأولئك الملوك. كما اصطلحوا على تسمية كل من ملك الحبشة "النجاشي"، وكل من ملك الروم "قيصر"، وكل من ملك الفرس "كسرى". وقد ذكر علماء اللغة في تفسيرها: "وتبع كانوا رؤساء، سمّو بذلك لاتباع بعضهم بعضًا في الرئاسة والسياسة. وقيل: تبع ملك يتبعه قومه والجمع التبابعة"٢. وورد في القرآن الكريم: "وقوم تبع" في جملة الأقوام التي كذبت فحق عليها وعيد٣. وذكر بعض أهل الأخبار "أن العرب لم تكن تسمي أحدًا تبعًا حتى يملك اليمن والشحر وحضرموت، وقيل: حتى يتبعه بنو جشم بن عبد شمس". فإن لم يكن كذلك سمي ملكًا. وأول من لقب منهم بذلك "الحارث بن ذي شمر" وهو الرائش. ولم يزل هذا اللقب ملازمًا لملوكهم إلى أن زالت مملكتهم بملك الحبش اليمن٤. وذكر أن العرب كانت تسمي الملك "الحصير" كذلك. لأنه محجوب عن الناس، أو لكونه حاصرًا، أي: مانعًا لمن أراد الوصول إليه. قال لبيد: وَقَمَاقِم غُلبِ الرِقابِ كَأَنَّهُم ... جِنٌّ على باب الحَصيرِ قِيام ُوالمراد به النعمان بن المنذر. وروي لدى طرف الحصير قيام. أي عند طرف بساط النعمان

стр. 2987

وذكر بعض أهل الأخبار أن "حمير" تسمي الحاكم "الفتاح" بلغتها١. والعادة أن الملكية وراثية، تنتقل من الآباء إلى الأبناء، ويتولاها الابن الأكبر في الغالب. فإذا حكم هذا وتوفي، انتقلت إلى ابنه الأكبر، وهكذا. وبذلك يحرم إخوته الآخرون، إلا إذا نص الأب الملك على خلاف ذلك، كأن يذكر اسم الذي سيخلفه، أو يعين جملة أبناء أو أشخاص يحكمون من بعده على التوالي، فإذا توفي الابن الأكبر مثلًا، انتقل الحكم إلى أخيه الذي يليه، وهكذا إلى نهاية الوصية. وقد يوصي المتوفي لأخيه من بعده، أو لإخوته، بدلًا من ابنه أو أولاده، فنظام الحكم إذن نظام وراثي في العادة، ينتقل طبيعة إلى الابن الأكبر للحاكم المتوفي، إلا إذا حدث خلاف ذلك، لوصية يوصيها المتوفي ولرأي يراه، أو لأحوال قاهرة كأن يكون الشخص المتوفي عقيمًا لا عقب له، ففي مثل هذه الحالة ينتقل الحكم إلى أقرب الناس إليه، بحسب وراثة الدم، أو بحسب رأي الأسرة التي ينتمي إليها المتوفي فيكون عندئذ لها وللمسنين والوجهاء الرأي والاختيار٢. والعادة أن الحكم يكون في الأسر الكبيرة الرفيعة، ينتقل إما من أب إلى ابن على حسب العمر، وإما إلى أخ أو غيره من أفراد الأسرة. وقد ينشب خصام بين أفراد هذه الأسرة في موضوع تولي العرش، ولا سيما في العهود القديمة، حيث لم يكن العرف قد استقر على ضرورة انتقال الحكم من الأب إلى ابنه الأكبر. فتنقسم الأسرة، وقد يطول انقسامها، عند تكافؤ المتخاصمين واستعانة كل فريق على الآخر بمؤيدين أقوياء، فيدعي حق الحكم له، ويلقب زعيمه بلقب "ملك". وتفتح هذه الخصومات الأبواب لزعماء الأسر الكبيرة الأخرى، لمنافسة الأسرة الحاكمة على الحكم، فتدعيه أيضًا لنفسها وقد تنجح مدة، وقد تنجح في انتزاعه من الأسر الحاكمة وابتزازه لنفسها. وقد يقارع تلك الأسر شخصٌ من سواد الناس من المغمورين، وينتزع الحكم من أصحابه، وذلك بفضل كفاية فيه، وقوة شخصية دفعته للتزعم وللطموح. وفي تاريخ الحكم في العربية الجنوبية أمثلة عديدة على ذلك. وقد يصير هذا الشخص مؤسس أسرة حاكمة جديدة، إذ ينتقل الحكم منه إلى أبنائه أو أعضاء أسرته

стр. 2988

بعد وفاته، وقد يقتصر الحكم عليه، فإذا توزع وقتل أو مات، قتل حكمه بقتله، ومات اغتصابه له بموته. وقد أرتنا بعض كتابات المسند أن العرب الجنوبيين، لم يجدوا غضاضة في تلقب أب وابنه أو أب وأبنائه أو أخ وإخوته بلقب "ملك" في وقت واحد، فقد انتهت إلينا كتابات عديدة، وفيها أب يحمل لقب ملك، ومعه أبناؤه يحملون هذا اللقب كذلك، كما انتهت إلينا كتابات يحمل فيها أخ وإخوته لقب "ملك". وقد يدل ذلك على اشتراك المذكورين في الكتابة إشتراكًا فعليًّا في الحكم، غير أن ذلك لا يعني الحتمية، فقد يجوز أن يكون "الملك" مجرد لقب يمنح لذلك الشخص أو لأولئك الأشخاص ليشير إلى صلة الشخص أو الأشخاص به، أو إلى منزلته ومنزلتهم بين الناس. وقد يكون ذلك للتخفيف عن أعمال الملك بسبب من كثرة عمله أو من عدم تمكنه من القيام بأعمال الملك كلها لضعف شخصيته وقابلياته، أو لمرض ألمَّ به، أو لأن الملك أراد بذكرهم معه تدريبهم على أعمال الحكم، حتى يكونوا قد خبروا أمور الملك إذا انتقل الحكم إليهم، مع بقاء الملك الأصل في عرشه ومكانه، يمارس أعماله على نحو ما يريد. ولم يصل إلينا نص ما من العربية الجنوبية يشير إلى وجود اسم ملكة على عرش إحدى الحكومات التي تكونت هناك. أما خارج العربية الجنوبية، وخارج جزيرة العرب، فقد وردت في الكتابات الأشورية وفي كتابات غيرها أسماء ملكات عربيات، وكل ذلك دليل على أن العرب الشماليين لم يجدوا ما يمنعهم من تعيين ملكات عليهم، وإن ملكات ولين حكومات. وقد كان ذلك قبل الإسلام بزمن طويل. أما في الأيام القريبة من الإسلام، فلم نعثر على اسم ملكة حكمت فيها، لا في الكتابات ولا في القصص الذي يرويه الأخباريون عن تلك الأيام. ولا نعرف في جزيرة العرب نظامًا انتخابيًّا عامًّا ينتخب الشعب فيه ملكه على النحو الذي نفهمه في الزمن الحاضر، أو على النحو الذي كان معروفًا عند الرومان أو اليونان في زمن من الأزمان، انتخابًا لأمد محدود معين بسنين أو لأمد طويل يحد بحياة الإنسان، فلم يرد نص ما فيه شيء من ذلك، ولم يرد في قصص الأخباريين ما يشير إلى وجود مثل هذا الانتخاب.

стр. 2989

ولا نعرف أيضًا أن المزاود وهي المجالس أو طبقة قادة الجيش أو سادة المدن والقبائل كان لها رأي في تعيين الملوك، أو إقرارهم على نحو ما كان يجري في الدولة البيزنطية. ولا نعرف كذلك أكان لأحد حق إقالة الملوك وتنحيتهم عن عرشهم إذا تبين أنه غير صالح لتولي الحكم لسبب من الأسباب، فإننا لم نعثر حتى الآن على نصوص تتحدث عن مثل هذه الأمور. وأما قيام شخص من الأسرة المالكة أو من غيرها بمنافسة الملك أو بالثورة عليه وانتزاع الملك منه، فإن ذلك شيء آخر، يعود إلى استعمال القوة والخروج عن الطاعة، وهما بالطبع من الأمور المخالفة في كل عهد وزمان. لقد تحدث "الهمداني" عن طريقه من طرق تعيين الملك عند "حمير"، فقال: "وبأسفل المعافر قصرُ ذي شمر، ويدخلون في قيالة حمير، وكانت أقوالها تكون في كل عصر ثمانين قيلًا من وجوه حمير وكهلان، فإذا حدث بالملك حدث، كانوا الذين يقيمون القائم من بعده ويعقدون له العهد. وكان قيام الملك من قدماء حمير عن إجماع رأي كهلان، وفي الحديث عن رأي أقوال حمير فقط، وكانوا إذا لم يرتضوا بخلف الملك، تراضوا لخيرهم، وأدخلوا مكانه رجلًا ممن يلحق بدرجة الأقوال، فيتم الثمانين قيلًا، ولم يكن هذا في حمير إلا مرات يسيرة لأن الملك لم يكن يعدو آل الرائش، إلا أن يُتوفى الملك وأولاده صغار، أو يكل١، فيفعل ذلك حتى يتدبر في سواه من آل الرائش"٢. وما ذكرته عن حكاية "الهَمْداني" عن كيفية تعيين الملوك في حمير، يؤيد كون الملكية في اليمن ملكية وراثية تنتقل في الأصل بالإرث من الأب إلى الابن، إلا في الحالات الطارئة، مثل موت ملك فجأة وأولاده صغار، أو موته وهو عقيم لا خلف له، ولم يوص لأحد بالحكم من بعده، فيكون الرأي لسادات المملكة الذين جعل "الهمداني" عدة مجلسهم ثمانين قيلًا، فيختارون للملك من يرون أنه أكفأ الناس للملك، وينصبونه ملكًا. وقد رأينا أنه نص في حديثه هذا على أن ما ذكره يتناول حالات خاصة، وقد وقع في مرات يسيرة، لأن الملك لم يكن يعدو الإرث المعهود عنهم الذي ينتقل في الأسرة المالكة.

стр. 2990

ولعلّ هذه الظروف الطارئة هي التي حملت الملك على تنصيب ابن له أو ابنين أو أخ له ملكًا معه يلقب بلقب الحكم في أثناء حياته، ويذكر ويذكرون بعده في الكتابات. وغايته من هذا النص هو أن الشخص المذكور اسمه بعد اسم الملك، هو الذي يرث الملك بعد وفاة الملك لسبب من الأسباب، فلا يقع حينئذ خلاف ما في تعيين الشخص الذي سيلي الملك. ولعل ذلك كان يحدث عند مرض الملك أو عند تقدمه في السن وشعوره بالعجز والكلال، أو لكونه محاربًا فهو يخشى أن يقتل في المعارك، وما أشبه هذا، فكان يحتاط لذلك بالنص على اسم من يليه وتعيينه معه ليعينه في تحمل أعباء الحكم، حتى إذا حدث له حادث يكون قد تدرب على إدارة الملك. وذكر بعض أهل الأخبار أنه لم يكن لملوك اليمن نظام، وإنما كان الرئيس منهم يكون ملكًا على مخلافه لا يتجاوزه. وإن تجاوز بعضهم عن مخلافه بمسافة يسيرة من غير أن يرث ذلك الملك عن آبائه فلا يرثه أبناؤه عنه، وإنما هو شأن شذاذ المتلصصة، يغيرون على النواحي باستغفال أهلها، فإذا قصدهم الطلب لم يكن لهم ثبات. وكذلك كان أمر ملوك اليمن، يخرج أحدهم من مخلافه بعض الحيان، ويبدو في الغزو والإغارة، فيصيب ما يمر به، ثم يرجع عنه، عند خوف الطلب، زاحفًا إلى مكانه من غير أن يدين له أحد من غير مخلافه بالطاعة أو يؤدي إليه خراجًا١. وقد أخذوا وصفهم هذا للملوك من الحالة السياسية التي كانت في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية، أيام تدهور الأوضاع بعد الميلاد، ولا سيما في أوائل القرن السادس للميلاد إلى دخوله العربية الجنوبية في الإسلام. فقد استبد الحكام وأصحاب الإقطاع بالمخاليف، ولقبوا أنفسهم بألقاب الملك، وأخذ بعضهم يغير على بعض، ويغزو أرض جاره على طريقة الأعراب. والسيادة على القبيلة، هي كالملكية تنتقل إلى مستحقها بالوراثة في الغالب. فإذا توفي سيد قبيلة، انتقلت سيادتها إلى ابنه الأكبر. هذا عامر بن الطفيل، وهو ابن سيد قبيلة، وقد صار سيدها بعد وفاة والده، يفتخر بنفسه، ويذكر

стр. 2991

أنه ورث السيادة من وراثة، إذ أتته من والده، هذا صحيح، وليس في ذلك من شك، لكن قومه لم يسودوه ولم يعينوه مكان أبيه، لهذا السبب، وإنما سودوه لأنه كان يحمي حمى قبيلته ويذب عنها، ولأن فيه شروط السيادة وحقوقها، فهو سيد قومه، قبل أن تأتي السيادة إليه من والده: وإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفارسها المشهور في كل موكب فما سودتني عامر من وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكب١ وهذا "بشامة بن الغدير"، خال "أبي سلمى" والد زهير، يقول في شعر له: وجدت أي فيهم وجَدّي كليهما ... يطاع ويؤتى أمره وهو مُحْتبي فلم أتعمّل للسيادة فيهم ... ولكن أتتني طائعًا غير متعب٢ فهو رئيس ابن رئيس قبيلة، أتته السيادة من أبيه طائعة، لفضل فيه واستحقاق لها، دون أن يعمل وأن يركض للحصول عليها. فالسيادة إذن عند العرب، تتبع نظام الإرث في الغالب، إلا إذا حدث حادث يجعل أهل بيت السيادة، يعرضون عن الابن الأكبر إلى غيره، كأن يكون الابن الأكبر معتوهًا أو سفيهًا أو ضعيفًا، وأخوته أو أقرباؤه أقوى منه.

стр. 2992

الأمراء: والأمير ذو الأمر، أي: الآمر. وأولو الأمر: الرؤساء وأهل العلم. وذكر أن الأمير الملك لنفاذ أمره، والجمع أمراء، وهو يأمر إمارة١. ولما كان

стр. 2993

الخليفة في الإسلام أميرًا على المسلمين، نعت بـ"أمير المؤمنين". ولم ترد اللفظة في النصوص الجاهلية بمعنى "ملك". ويظهر أنها كانت تعني عند أهل الحجاز الرئيس الآمر. وقد ورد في كتب التاريخ أن الأنصار لما اختلفوا مع المهاجرين بعد وفاة الرسول على "الإمارة" واجتمعوا في "سقيفة بني ساعدة" قالوا: "منا أمير ومنكم أمير"١. وفي استعمال الأنصار لهذه اللفظة، دلالة على وجودها عند الجاهليين واستعمال أهل الحجاز لها بهذا المعنى في أيام الجاهلية. ويظهر من الموارد "البيزنطية" ومن روايات أهل الأخبار، أن الملوك الغساسنة والملوك من "آل نصر"، أي ملوك الحيرة، لم يكونوا ملوكًا بالمعنى العلمي الصحيح المفهوم من الكلمة، وإنما كانوا "عمالًا"، إذا كاتبهم الروم أو الفرس، لقبوهم بـ"عامل". إذ عينوهم عمالًا على الأعراب ولم يعينوهم "ملوكًا". فلقب "ملك" من الألقاب الخاصة بملوك الروم لم يمنحوه لغيرهم٢. وكذلك كان الشأن عند الفرس. نعم لقد ذكر المؤرخ "بروكوبيوس" Procopius أن القيصر "يسطنيانوس" Justinianus منح "الحارث بن جبلة" لقب "ملك" ولقب بعض الكتبة اليونان سادات غسان باللقب المذكور، غير أن هذا التلقيب لا يمكن أن يكون دليلًا على أن الدولة البيزنطية كانت تطلق عليهم بصفة رسمية وأنه كان لقبهم الرسمي المعترف به عند الدول الأجنبية. ومن هنا شك المستشرق "نولدكه" في صحة رواية "بوكوبيوس" بشأن منح الحارث لقب "ملك"، ذلك لأن لقب "ملك" كان خاصًّا كما ذكرت بقياصرة البيزنطيين، فلا يمنح لغيرهم، ولأن الوثائق الرسمية لم تطلق هذا اللقب عليهم٣. ثم إن نص أبرهة الشهير الذي تحدثت عنه أثناء حديثي عن "أبرهة"، لم يلقب "المنذر" ولا "الحارث بن جبلة" بلقب "ملك"، بل لم يلقبهما بأي لقب، بما في ذلك لقب "عامل". وهذا مما يدل على أن "آل نصر" و"آل غسان" وإن لقبوا أنفسهم بلقب "ملك" أو لقبهم العرب به، إلا أن ذلك التلقيب لم يكن

стр. 2994

بصفة دولية رسمية، وإنما كان بصورة غير رسمية وعلى سبيل التجمل بهذا اللقب والتشبه بالملوك الأجانب، استعمله الناس من باب التزلف والتقرب إلى أولئك الحكام، أو أنهم نظروا إليهم من وجهة نظرهم الخاصة، فدعوهم ملوكًا، لأنهم كانوا رعيتهم وكانوا هم مالكي رقبتهم. ومن هنا اعترفوا بهم ملوكًا، أما الدول الأجنبية فقد اعتبرتهم مجرد عمال وسادات قبائل. والذي صح إطلاقه على أمراء الغساسنة، وثبت وجوده في الوثائق الرسمية، هو لقب "بطريق" Patricius، ولقب "عامل" أو رئيس قبيلة Phylarcos = Phylarkos = Phylarchus مقرونًا بنعت من النعوت التابعة له، أو مجردًا منه، كالذي جاء عن المنذر الذي حكم بعد الحارث بن جبلة "فلابيوس المنذر البطريق الفائق المديح، ورئيس القبيلة"، و"المنذر البطريق الفائق المديح، وما ورد عن الحارث "الحارث البطريق ورئيس القبيلة"١. ولقب "البطريق" من ألقاب الشرف الفخمة عند الروم، ولذلك فلم يكن يمنح إلا لعدد قليل من الخاصة، ولصاحبه امتيازات ومنزلة في الدولة حتى أن بعض الملوك كانوا يحبذون الحصول على هذا اللقب من القيصر، ويفضلونه على غيره من الألقاب٢. ويلاحظ أن بعض كتبة اليونان أطلقوا لقب "ملك" على الأمراء العرب، مثل "ماوية" فقد لقبوها بـ"ملكة". ولم يستعملوا كلمة "فيلارك" فيلارخ" "فيلاركس" "فيلاركوس" التي تعني "العامل" أو "سيد قبيلة" والظاهر أنهم نهجوا في ذلك نهج الكتبة "السريان"، فقد لقبوا سادات القبائل العربية بلقب "ملك" على نحو ما نجده في الشعر العربي٣. ويظهر أن عرب العراق كانوا قد لقبوا حكام "الحيرة" بلقب "ملك" و"ملوك"، وأن عرب بلاد الشام لقبوا حكامهم الغساسنة بلقب "ملك" كذلك، وذلك على سبيل التفخيم والتعظيم كما ذكرت، وباعتبار أنهم حكاهم ومالكو أمرهم. كما لقب من خضع لـ"آل آكل المرار" حكامهم من هذه العائلة بلقب "ملك". وكما

стр. 2995

لقب بعض سادات القبائل أنفسهم بلقب "ملك"، ولم يكونوا ملوكًا، بل كانوا سادات قبائل و"أمراء". ومما يؤيد أن حكام الحيرة وغسان، لم يكونوا "ملوكًا" في نظر الدول الأجنبية بل عمالًا، ما نجده من إطلاق أهل الأخبار عليهم لقب "عامل" ولقب "ملك" أيضًا. فكانوا إذا تحدثوا عن صلاتهم بالفرس، أو نقلوا من موارد فارسية قالوا لهم: "عمالًا"، وقالوا عنهم جملًا مثل: كان يلي ذلك من قبل ملوك الفرس من آل نصر ... وقدر ولاية كل من ولي منهم١. وأمثال ذلك من جمل تشعر أنهم كانوا عمالًا وولاة. أما إذا تحدثوا عنهم من ناحية حكمهم للحيرة وللعرب وعن صلاتهم بالشعراء وبمدد حكمهم لقبوهم بـ"ملك" وقالوا: "وقد ملك"، وسبب ذلك أنهم أخذوا أخبارهم من منبعين: منبع أجنبي يوناني وفارسي، وهو منبع وثائقه مدونة ومورده من الموارد الرسمية التي تنعتهم بـ"عمال". ومنبع عربي يلقبهم بـ"ملوك"، استند على العرف العربي، أي: على ما كان يخاطب به العرب أولئك الملوك، فوقع من ثم هذا الالتباس.

стр. 2996

السادات: وسادة القوم أشرافهم ورؤساؤهم، وذكر أن السيد الذي فاق غيره بالعقل والمال والدفع والنفع، المعطى ماله في حقوقه المعين بنفسه. وذكر أن السيد الحليم الذي لا يغلبه غضبه١. والسيادة منزلة ودرجة، ولا تأتي أحدًا إلا باعتراف قومه له بسيادته عليهم وبتنصيبهم له سيدًا عليهم. إذا سوّدوا شخصًا، عصبوه. والتعصيب التسويد. ولهذا كانوا يسمّون السيد المطاع معصبًا. وذكر أن العصابة العمامة. وكانت عمائم

стр. 2997

سادة العرب هي العمائم الحمر١. وتعد الأسر الحاكمة التي ينشأ فيها عدد كبير من الملوك والحكام أسرًا عريقة في الشرف. وينظر إليها نظرة تقديم واحترام، لأنهم ورثوا المجد عن آبائهم أبًا بعد أب وينطبق ذلك على سادات القبائل الذين يرثون سيادتهم على قبائلهم أبًا عن جد، فإنهم يفتخرون بذلك على غيرهم، لأنهم ليسوا من أولئك الذين انتزعوا السيادة فصاروا سادة، على حين كان آباؤهم أو أجدادهم من الخاملين. ويعبر عن السادة والأشراف بتعابير التعظيم والتفخيم، ومنها لفظة "ابعل" "أبعل"، أي سيد ورئيس. وهي لفظة استعملت للآلهة كذلك. استعملت بمعنى رب وإله. فورد "ود بعل"، و"عثتر بعل"، وهكذا. وقد استعملت في النصوص القديمة خاصة. ويقال للسادة: "أسود" "أسواد" في العربية الجنوبية، وهم السادة الأشراف٢. وتقابل اللفظة لفظة سادات في عربيتنا. وهم سادة القوم وأشرافهم وأصحاب المنزلة والمكانة في المجتمع. ويعد أعضاء الأسر المالكة في طليعة السادات، وهم في السيادة على حسب قربهم أو بعدهم من الملك، ويقدمون على هذا الأساس عند حضورهم إلى الملك وفي المواسم الرسمية. ولهم أرضون يستغلونها، ورقيق يخدمهم. وكانوا يقولون: "هذا سيدنا"، و "انظروا إلى سيدكم"، و "جاء سيدنا"، تعبيرًا عن السيادة والرئاسة. وقد كره الرسول أن يقال له: "أنت سيد قريش"، و"أنت سيدنا"، كما كانوا يدعون رؤساءهم٣.

стр. 2998

علائم الملك: وللملك علامات ومميزات تميزه عن غيره من الناس. منها "التاج" والعرش والرمح أو الحربة وعربة الملك والحرس الخاص، ووجود محل خاص يخصص له في المعبد ونقد يضرب عليه اسمه وشعاره وصورته. و"قصر" له يحكم منه، أو قبة كبيرة يتخذها قرارًا له ومجلسًا حين يتبدى أو يخرج للصيد إلى غير ذلك من علامات، تكون سيماء للملك، وعلامة فارقة تميزه عن رعيته وعن سواد مملكته. وقد وصلت إلينا بعض الآثار التي تشير إلى شعار الملوك وعلائمهم ومنها النقود. فلدى العلماء وفي المتاحف العامة والخاصة اليوم، نقود ضربت في العربية الجنوبية، منها نقود معينية وقتبانية وحميرية. وقد ضرب عليها أسماء الملوك أصحابها. ومن ذلك نقد ظهر الملك "اب يثع" "اب ي ث ع" "ابيشع" فيه وهو جالس على كرسي، لعله يرمز إلى كرسي العرش. أما رأسه، فهو مكشوف بغير غطاء. مما يدل على أنه لم يستعمل "التاج". ولا نجد التاج على رءوس بقية الملوك ممن ضربت صورهم على النقود. ولا على التماثيل التي عثر عليها لبعض ملوك أوسان. ولما كنا لا نملك في الوقت الحاضر، صور ملوك جاهليين، ولا تماثيل كافية أو كتابات تشير إلى شعار الملوك وعلاماتهم ونوع ملابسهم وأمثال ذلك مما يميز الملوك عن الرعية، لذلك صار الحديث في هذا الموضوع من اختصاص الأجيال القادمة، فلعلها تعثر على آثار هي الآن في باطن الأرض، فيها حديث شيق عنه، فتقدمه لهم لنشره للناس. ومن علامات الملك "العمارة": رقعة مزينة تخاط في المظلة علامة للرياسة. و"العمار": ما يضعه الرئيس على رأسه عمارة لرياسته وحفظًا لها، ريحانًا كان أو عمامة. وكانوا إذا استقبلوا ملكًا أو رئيسًا، استقبلوه بالريحان، يرفعونه له،

стр. 2999

وكانوا إذا جلسوا مجالس شربهم، زينوها بالريحان، فإذا دخل عليهم داخل، رفعوا شيئًا منه بأيديهم وحيوه به. كما كانوا يضعون أكاليل الريحان على رءوسهم كما تفعل العجم١. وإذا سار الملك بين الناس، استقبلوه برمي الريحان عليه، وبنثر الورود عليهم، تحية للملوك. وذكر أن من علائم الملك، أن يقال للملك أو السيد المطاع: "أبيت اللعن". وقد زعموا أن "حذيفة بن بدر" كان يحيى بتحية الملوك ويقال له: أبيت اللعن. وقد ترك ذلك في الإسلام٢.

стр. 3000

مظاهر التتويج: وكان من عادة الملوك الإعلان عن تتويجهم للناس، والاحتفال بيوم التتويج والإفصاح عنه، وعندئذ يتلقب الملك بلقب يختاره لنفسه، فيعرف به "هملقب". وكان من عادة ملوك حضرموت مثلًا الاحتفال بحمل اللقب في "محفد أنود" "محفد انودم". وقد انتهت إلينا جملة كتابات تشير إلى هذا المحفد. وقد اختتمت بكلمة "هملقب" أي: "ليتلقب"، واستعملت فيها بعض التعابير والكلمات التي لها صلة بهذه المناسبة، مثل "متلل"، ومعناها "بين" و"شهر" وأظهر، و"علن"، ومعناها أعلن، ليكون ذلك معروفًا بين الناس١. وقد يدعى إلى هذه الاحتفالات رجال من حكومات أخرى، لمشاركة الملك وحكومته في الأفراح والمسرات، فيأتي رجال من قتبان أو من حضرموت أو من حكومات أخرى إلى سبأ مثلًا، لتهنئة ملكها وحكومتها، يحملون إليه الهدايا والألطاف التي تقدم في أمثال هذه المناسبات. ولا يستبعد استدعاء مندوبين من خارج العربية الجنوبية لحضور هذه المناسبات، غير أننا لم نظفر، ويا للأسف، بنص يفيد ورود رسل أجانب أو زيارات ملوك إلى اليمن وبقية العربية الجنوبية لهذه المناسبات، إن لمناسبات أخرى مثل الدعوة إلى زيارة العربية الجنوبية ومشاهدتها في الأعياد أو في سائر الأيام، إلا ما رأيناه في عهد "أبرهة" الحبشي.

стр. 3001

وقد حافظ ملوك العربية الجنوبية، على اختلاف حكوماتهم، على عادة اتخاذ الألقاب الملكية حين تولي العرش. فالرجل الذي يُملك لا بد له من اتخاذ لقب له، يعرف به. وقد بقوا يحافظون على هذه العادة إلى ما بعد الميلاد. ثم أخذوا يتساهلون في حمل هذه الألقاب ولا سيما بعد تدخل الحبش في شئون العربية الجنوبية ودخول اليهودية والنصرانية إليها. وقد كان فراعنة مصر يتخذون لهم لقبًا ملكيًّا عند توليهم العرش. ونجد هذه العادة، عادة اتخاذ ألقاب ملكية خاصة، عند ملوك آشور وعند غيرهم من الملوك، ليتميزوا بذلك عن أسماء الناس١. ولهذه الألقاب صلة بالآلهة التي كانوا يعبدون. ومعارفنا في "مراسيم التتويج" مع ذلك ضئيلة جدًّا، ولا سيما ما يخص العرب الشماليين، فلا نعرف اليوم شيئًا يستحق الذكر عن كيفية التتويج وعن المراسيم والحفلات التي كانت تقام عندهم في هذه المناسبات. ولم نعثر حتى اليوم على نص جاهلي يصف أسلوب التتويج وكيفية إجراء المراسيم الخاصة بالتتويج عند الجاهليين عامة. فلا ندري أكانت تلك المراسيم تتم في المعابد وبرئاسة رجال الدين كما كانت الحال عند الأشوريين وعند غيرهم مثلًا، حيث يقوم رجل الدين الأكبر بإجراء الطقوس الدينية وبتلاوة الصلوات والأدعية، ثم يقوم بعد ذلك بوضع التاج على رأس الملك، وأمام تمثال الإله: "آشور". أم كانت تلك المراسيم تتم في القصور الملكية، أم كانت تجري بسذاجة وبغير تكلف، بأن يأتي سادات القوم لتهنئة الملك، ثم تقام المآدب. ويظهر من أخبار أهل الأخبار أن عادة اتخاذ الألقاب الملكية لم تكن معروفة عند ملوك الحيرة والغساسنة وملوك كندة وأمثالهم ممن وعت أسماءهم ذاكرتهم، بدليل ورود أسمائهم ساذجة لا تختلف عن تسميات الناس بشيء ليس فيها نعوت ولا صلة بالآلهة على نحو ما نجده في العربية الجنوبية عند المعينيين والسبئيين والقتبانيين، وغيرهم من حكومات ظهرت هناك. ولم تصل إلينا أخبار في وصف كيفية احتفال ملوك الحيرة أو الغساسنة عند تتويجهم، أو عند وفاة ملوكهم وكيفية دفنهم، ثم كيفية تنصيب خلفائهم من بعدهم. ولا بد بالطبع من أن تكون تلك الحكومات قد احتفلت في هذه المناسبات،

стр. 3002

وأن يكون ملوكها قد جلسوا لتقبل التهاني من المهنئين، وأن يكونوا قد أولموا الولائم لكبار الوافدين عليهم. ونجد في أخبار "مكة" أن سادتها مثل "عبد المطلب"، كانوا يقصدون ملوك اليمن عند انتقال العرش إليهم لتهنئتهم ولتقديم التبريكات لهم. ثم يمضون أيامًا هناك حتى تنتهي أيام التهنئة، فيغدق الملك عليهم بالألطاف والطرف، لمناسبة عودتهم إلى ديارهم. وتكون هذه الألطاف من دواعي الفخر عندهم. ولا نعرف شيئًا عن رسوم "البيعة" عند الجاهليين. وأعني بالبيعة كيفية مبايعة الملوك عند انتقال الملك إليهم. ولكن المألوف بين العرب أن كبار الناس يبايعون الملوك، بوضع أيديهم اليمنى على يد الملك اليمنى، ثم يبايعونه على الإخلاص له والسمع والطاعة وما شاكل ذلك من جمل وعبارات. وقد يقسمون له يمين الطاعة والولاء. وقد ورد في بيعة الناس لرسول الله يوم فتح مكة، ما قد يشرح لنا أصول البيعة في الحجاز. فقد ذكر أن الناس اجتمعوا، فجلس لهم رسول الله على الصفا وعمر بن الخطاب تحت رسول الله، أسفل من مجلسه يأخذ على الناس. فبايعوا رسول الله على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا، وكذلك كانت بيعتهم لمن بايع رسول الله من الناس على الإسلام. فلما فرغ رسول الله من بيعة الرجال بايع النساء، واجتمع إليه نساء من نساء قريش، وكانوا قد وضعوا إناء فيه ماء بين يدي رسول الله، فإذا أخذ عليهن العهد وأعطينه غمس يده في الإناء، ثم أخرجها، فغمس النساء أيديهن فيه. وكان بعد ذلك يأخذ عليهن، فإذا أعطينه ما شرط عليهن، قال: اذهبن فقد بايعتكن، لا يزيد على ذلك. وتكون هذه البيعة بغير ماء١. وتكون المبايعة بمبايعة السادات والأشراف للملك أو لسيد القبيلة. والمبايعة هي المعاقدة والمعاهدة على الطاعة. وبايعه عليه مبايعة عاهده. كأن كل واحد منهما باع ما عنده لصاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره٢. ويبدأ أقرب الناس من الملك بمبايعته ثم الأبعد فالأبعد حسب الوجاهة والمكانة. ولا بد وأن يكون للشعراء والخطباء المكان الأول في "البيعة"، فالبيعة هي من المناسبات التي

стр. 3003

يبحث عنها لسن الناس، لإظهار أنفسهم وللحصول على نوال وعطايا المُبايَعين، ولا تحدث هذه المناسبات إلا في الفترات، لهذا كانوا يتلهفون لسماع أخبارها، لعرض ما عندهم من فنون القول، ولنيل ما عند الملوك من الكرم والبذل. وكان ملوك الجاهلية يأخذون الوضائع والودائع من السادات والوجوه، لتكون رهائن عندهم بالوفاء بعهود البيعة، لخشيتهم من خيسهم بعهدهم وتنصلهم منه. وقد فعل "الأكاسرة" مثل ذلك بسادات القبائل، فأخذوا "الوضائع" منهم، وجعلوها رهنًا عندهم. وقد عرفت بـ"وضائع كسرى"١. ووضائع كسرى: هم الرهائن كان يرتهنهم وينزلهم بعض بلاده، حتى يصيروا بها وضيعة. وهم الشحن والمسالح٢. وقد بعث رسول الله، إلى وضائع كسرى بهجر، فلم يسلموا، فوضع عليهم الجزية دينارًا على كل رجل منهم٣. وكانت "وضائع كسرى" من أبناء أشراف العجم، ومن خضع لحكمه من عجم وعرب.

стр. 3004

التيجان: ويضع الملوك شيئًا فوق رءوسهم، يتوجون به أنفسهم ليميزهم بذلك عن الرعية، يسمى "التاج" في عربيتنا. ولا نعرف في الزمن الحاضر اسم "التاج" في العربيات الجنوبية. لعدم وروده في نصوص المسند. أما أهل الحيرة والغساسنة وعرب نجد والعربية الشرقية، فقد عرفوه واستعملوه، فورد في نص النمارة من سنة "٣٢٨م" حيث ورد "ذو أسر التاج" أي: "الذي حاز التاج"١. وهذا النص هو أقدم نص تاريخي مدون وردت فيه هذه الكلمة. وقد وردت الكلمة في الشعر، إذا جاء "تاج آل محرق"٢ وفي أخبار "النعمان" حيث عرف "بذي التاج"٣. وذكر علماء اللغة أن التيجان للملوك٤.

стр. 3005

وقد رصع ملوك الحيرة تيجانهم بالأحجار الكريمة على طريقة الفرس. وقد ورد في بيت شعر لمالك بن نويرة اليربوعي إن تاج النعمان بن المنذر كان من الزبرجد والياقوت والذهب١. ونحن إذا جهلنا اليوم التاج أو أي شعار آخر يشير إلى الملك والحكم، كان يصنعه ملوك العربية الجنوبية على رءوسهم ليكون سمة لهم تميزهم عن الرعية وعمن هم دونهم، فإن ذلك لا يعني أننا ننكر وجودًا لشعار الملك عندهم، بل إني أرى أنه لا بد أن يكون لأولئك الملوك من تاج ومن شعارات أخرى، كانوا يتخذونها لتميزهم عن غيرهم ولتشعرهم بأنهم أصحاب السلطان. وإذا كان لملوك الرومان والروم والحبشة والفرس تيجان، فَلِمَ لا يكون لملوك العربية الجنوبية تيجان، وقد كانوا يحاكون ملوك زمانهم في رسوم الملك وأسلوب الحكم؟ وفي عربيتنا لفظة أخرى استعملت لتمييز شخص عن بقية الناس في المنزلة والدرجات، هي لفظة "الإكليل". فلمن يضع الإكليل على رأسه منزلة رفيعة، إلا أنها لا تبلغ درجة "ملك" ولا تؤدي معنى "تاج" فالتاج لا يكون إلا للملوك. وأما "الإكليل" فلمن دونهم. وقد كان شيئًا يضعه الشخص فوق مفرق رأسه، قد يعلق به خرز وأحجار وقد لا يعلق. وقد ورد في بعض الأخبار أن "هوذة بن علي الحَنَفي"، صاحب اليمامة، كان يضع إكليلًا على رأسه، وإليه أشار الأعشى في شعره: لَهُ أَكاليلُ بِالياقوتِ زَيَّنَها ... صُوّاغُها لا تَرى عَيبًا وَلا طَبَعا وقد عرف "الإكليل" أنه شبه عصابة مزينة بالجواهر، ويسمى التاج إكليلًا. وقيل: إن الإكليل يجعل كالحلقة، ويوضع على أعلى الرأس٢. وقد ورد في روايات أخرى أن كسرى أعطى "هوذة" قلنسوة فيها جوهر، فكان يلبسها، فسمي ذا التاج٣. غير أن أكثر الروايات تعارض في حصول

стр. 3006

"هوذة" على التاج، وفي بلوغه منزلة ملك. وترى أن تلقيبه بـ"ذي التاج" هو على سبيل المجاز، وأن الذي كان يضعه على رأسه هو إكليل، لا تاج من التيجان. وذكر بعض الأخباريين أن التيجان كانت لليمن، وذكر أن غيرهم كانوا يتوجون أنفسهم بخرزات تنظم لهم. ويقال: إن الملك كان إذا ملك سنة زيد في تاجه وقلادته خرزة، ليعلم عدد السنين التي ملك فيها. وذلك كالذي ورد في بيت شعر من قصيدة قالها لبيد في رثاء النعمان بن المنذر، وهو قوله: رَعى خَرَزاتِ المُلكِ عِشرينَ حِجَّةً ... وَعِشرينَ حَتّى فادَ وَالشَيبُ شامِلُ١ وقد ورد في شعر أعشى بكر في هوذة بن علي الحنفي الذي كان يجيز لطيمة كسرى في كل عام: مَن يَرَ هَوذَةَ يَسجُد غَيرَ مُتَّئبٍ ... إِذا تَعَصَّبَ فَوقَ التاجِ أَو وَضَعا لَهُ أَكاليلُ بِالياقوتِ فَصَّلَها ... صُوّاغُها لا تَرى عَيبًا وَلا طَبَعا ويتبين من ذلك أن هوذة كان من أصحاب التيجان. غير أن بعض العلماء ينكرون وجود التيجان عند غير أهل اليمن، ويقولون كما ورد عن أبي عبيدة عن أبي عمرو: "لم يتتوج معدي قط، وإنما كانت التيجان لليمن. ولا سئل عن هوذة بن علي الحنفي، قال: إنما كانت خرزات تنظم له"٢. وذكر أن عادة نظم الخرز في عِقْد يوضع على الرأس، ليكون شعارًا للملك والحكم، عادة كانت معروفة في الحجاز. وقد ورد أن "عبد الله بن أُبي بن سلول" كان رجلًا شريفًا في يثرب لا يختلف عليه في شرفه من قومه اثنان، ولم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين غيره، وكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليهم. فما راعه إلا مجيء الإسلام إلى يثرب وقدوم الرسول إليها، فانصرف قومه عنه، فضغن على الإسلام،

стр. 3007

ورأى أن الرسول قد استلبه ملكه١ وورد في الحديث أن الرسول: "شكا إلى سعد بن عبادة، عبد الله بن أُبي، فقال: اعف عنه، يا رسول الله، فقد كان اصطلح أهل البُحيرة، على أن يعصبوه العصابة. فلما جاء الله بالإسلام، شَرِق لذلك". ويعصبونه: معناه يسودونه ويملكونه، وكانوا يسمّون السيد المطاع معصبًا، لأنه يعصب بالتاج. وفي ذلك قال عمرو بن كلثوم: وَسَيِّدِ مَعشَرٍ قَد عَصَّبُوهُ ... بِتاجِ المُلكِ يَحمي المُحجَرينا فجعل الملك معصبًا أيضًا، لأن التاج أحاط برأسه كالعصابة التي عصبت برأس لابسها. ويقال: اعتصب التاج على رأسه، إذا استكف به، ومنه قول قيس الرقيات: يعتصب التاجُ فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذهب٢ ولا تؤدي لفظة "سموط" معنى "تاج"، بل ولا تبلغ في المنزلة منزلة "إكليل". و"السمط": الخيط ما دام الخرز أو اللؤلؤ منتظمًا فيه. وقد استعملت كلمة سموط في مقام التاج، للتعبير عن تاج ملوك الحيرة٣، غير أنني أرى إن ذلك على سبيل التجوز، لا التخصيص. وقد ذكر علماء اللغة أن السمط يشد في العنق والجمع سموط٤. ومن مظاهر الملك "السرير"، ويقال له: "العرش" كذلك. ويعبر بالسرير عن الملك والنعمة٥. ويذكر أهل الأخبار أن أول من جلس على السرير من ملوك العرب "جذيمة الأبرش"، وهو أول من وقعت له السمعة من ملوك العرب، وأول من لبس الطوق٦. وقد أشير في القرآن إلى عرش ملكة سبأ،

стр. 3008

ويكنى به عن العزّ والسلطان والمملكة. ولذلك يقال: "عرش فلان" و"عرش المملكة" و"ثل عرشه"، و"أصحاب العروش" أي الملوك١. وذكر أهل الأخبار أن "السرير": الوِثاب. وقيل: السرير الذي لا يبرح الملك عليه، واسم الملك "مُوثبان". والموثبان بلغة حمير: الملك الذي يقعد، ويلزم السرير. والوثاب المقاعد. قال أمية بن أبي الصلت: بِإِذنِ اللَهِ فَاِشتَدَت قِواهُم ... عَلى مَلكَينِ وَهيَ لَهُم وِثابُ٢ وقد كان الملوك يلبسون قلائد عرفت بـ"قلائد الملك" تكون من الذهب والأحجار الكريمة. وربما كان "السمط" قلادة تنظم من اللؤلؤ والأحجار الكريمة، يتقلدها الملك للزينة ولتكون شعارًا للملك. وذكر علماء اللغة أن كل ما يضعه الملوك والرؤساء على رءوسهم من تاج أو عمامة أو قلنسوة أو غيره، فهو "عمارة" و"العمارة"، رقعة مزينة تخاط في المظلة علامة الرياسة، وهي "التحية" أيضًا٣. ومن عادة الملوك استخدامهم الحراس يمشون معهم إذا ركبوا، دلالة على الملك، ولحراستهم يمشون معهم، وقد تقلدوا سلاحهم ولبسوا ألبسة خاصة تشعر أنهم من حرس السلطان. ويذكر أهل الأخبار أن أول من مشت الرجال معه، وهو راكب، "الأشعث بن قيس الكندي". كانت "بنو عمرو بن معاوية" ملكوه عليهم وتوجوه٤. وكان من عادة الأشراف والسادات حتى في الإسلام، أن تسير مع ركابهم حاشية يتناسب عدد أفرادها مع منزلة الشريف ومكانته وغناه. فكان "كريب بن أبرهة" سيد حمير في زمانه، إذا سار بالشام خرج وتحت ركابه خمسمائة نفر من حمير يسعون٥.

стр. 3009

القصور: وقد عرفت البيوت التي كان يقطن فيها المكربون وملوك العربية الجنوبية بالقصور، مثل "قصر غندن" أي: "قصر غمدان" و"قصر سلحن"، أي: "قصر سلحين". ولفظة "قصر" من الألفاظ الواردة في العربيات الجنوبية. وقد أشار علماء اللغة والأخبار إلى "قصور اليمن"، وذلك يدل على اختصاص اليمن بها. وذكر علماء اللغة أن القصر: المنزل، وقيل: كل بيت من حجر١. وترد في لغة بني إرم على هذه الصورة: "قصرو"٢. ويقطن القصور حرم الملوك، أي: أزواجه. وقد يكون للملك زوج واحدة، وقد تكون له جملة أزواج، إذ كانت العادة أن يتزوج الملوك بجملة نساء، ليتمتع بهن، وقد يتزوج لعوامل سياسية، فيأخذ الملك ابنة سيد قبيلة كبير، أو ابنة رجل من أصحاب الجاه والسلطان ليقوي مركزه وليحصل على مؤازرة أصحاب البنت له. وربما لا يكتفي الملك أو سيد القبيلة بالزوجة أو الزوجات، فيضيف إليها أو إليهن عددًا من "الجواري" والسراري، ممن وقعن في الأسر وعرفن بالجمال وبحسن الذوق، ممن يشتريه من سوق النخاسة، وإذا ولد لهن مولود عد المولود من أبناء الملك أو سيد القبيلة إن قرر الملك أو سيد القبيلة ذلك، ويعامل معاملة أبناء الأسرة المالكة، غير أن الناس لم يكونوا ينكرون عليه نظرتهم إلى ابن ملك ولد من أم من بنات الأسر المالكة أو من أسرة شريفة معروفة. ولملوك الحيرة قصور ذكر أهل الأخبار أسماء بعض منها. مثل: الخورنق والسدير، كما كان لملوك الغساسنة قصور في مواضع مختلفة من مملكتهم وقصور في دمشق، يمضون فيها أيامًا عند زيارتهم لها، وعند وجود مراجعات لهم مع حكامها من الروم. وقد ذكر أهل الأخبار أسماء بعض القصور التي بناها الغساسنة في مواضع متفرقة من الأرضين التي خضعت لحكمهم، تحدثت عنها في أثناء كلامي على الغساسنة في الجزء الثالث من هذا الكتاب: كما تحدثت عن قصور ملوك الحيرة في الجزء نفسه.

стр. 3010

وكان للملك "النعمان" قصر بالحيرة عرف بـ"القصر الأبيض"، لبياضه، يظهر أن جدرانه كانت مجصصة، فظهرت بيضاء. ويذكر أهل الأخبار أن النعمان، كان عنده دواوين شعر فيها ما مدح به، أو ما مدح به آله. ثم أمر فدفنها في قصره هذا، فلما كان "المختار" قيل له: إن تحت القصر كنزًا فأمر به فحفر، فاستخرج الكنز ثم صار إلى آل مروان أو ما صار منه. وكان هذا القصر دار ملكه ومقره في الحيرة، إذ لم يذكروا له قصرًا آخر له فيها. وكان للأكاسرة القصر الأبيض بالمدائن، ذكر أنه كان من العجائب، ولم يزل قائمًا إلى أن نقضه "المكتفي بالله" العباسي في حدود سنة ٢٩٠هـ. وبني بشرفاته أساس التاج الذي بدار الخلافة وبأساسه شرفاته. وقد ذكره البحتري١. وذكر "الزبيدي"، اسم قصر دعاه "لحيان"٢، زعم أنه "قصر النعمان بن المنذر بن ساوى" بالحيرة٣. فهل قصد بذلك شخصًا آخر من أهل الحيرة؟ أم إنه وهم من أوهام عديدة نجدهم في "تاج العروس" في أمور تاريخية، قد يكون المسئول عنها نساخ الكتاب في بعض الأحيان. ونسب بعض أهل الأخبار إلى "النعمان بن المنذر"ن دارًا، قالوا لها: "الزوراء"، ذكروا أن "أبا جعفر المنصور" هدمها٤.

стр. 3011

الحكم وأخذ الرأي: ولم يكن الملوك في العربية الجنوبية أو في العربية الغربية ملوكًا مطلقين لهم سلطان مطلق وحق إلهي في إدارة الدولة على نحو ما يريدون، ولكن كانوا ملوكًا يستشيرون الأقيال والأذواء وسادات القبائل والناس وكبار رجال الدين فيما يريدون عمله، واتخاذ قرار بشأنه. وهو نظام تقدمي فيه شيء من الرأي والمشورة وحكم الشعب "الديمقراطية" بالقياس إلى حكم الملوك المطلقين الذي حكموا آشور وبابل ومصر وإيران١.

стр. 3012

أما الطبقات الضعيفة وبقية السواد من السوقة والفلاحين وما شاكلهم، فليس لهم رأي في تسيير الأمور، ولا يستثارون في البت في أي شيء حتى في المسائل الصميمة المتعلقة بمصيرهم، ولم يكن عالم ذلك اليوم يحفل بسواد الناس، أي: بالغالبية؛ لأن الرأي لأصحاب الوجاهة والسيادة والسلطان إذ ذاك، وفي كل مكان من أمكنة العالم. وترينا الكتابات المعينية أن ملوك معين كانوا مقيدين في حالات معينة بأخذ رأي "المزود" عند اتخاذ قرار خطير، ولذلك يذكر "المزود" عند صدور التشريعات والقرارات الخطيرة في نص القوانين والقرارات، للتعبير عن موافقته عليها وعلى أنها صدرت بعد وقوفه عليها وأخذ الملك رأيه فيها١. ويؤخذ رأي المعبد أيضًا، فقد ذكر في قرار بشأن الضرائب، وذلك يدل على أن المعبد كان يستشار في المسائل الخطيرة أيضًا٢. وقد تبين من بعض الكتابات أن ملوك العربية الجنوبية، قد أخذوا برأي الجمعيات وأصحاب الحرف والعمل، حتى لا يبرموا أمرًا يظهر بعد تنفيذه أنه غير واقعي ولا عملي، وأنه سيلقى معارضة من بعض الفئات والطبقات. كما أخذوا برأي المستشارين وأصحاب الرأي من جماعة الـ"فقضت" والـ"بتل" و"طبنن" "الطبن"، وهم الملّاكون، عند وضع القوانين٣. وقد تبين من النص: Rep. Epigr. ٢٧٧١ أن ملك معين استشار "المزود" في فرض ضريبة. وتبين من النص: Rep. Epigr. ٢٧٧٤ أنه استشاره في فرض ضرائب خصصت بالمعبد. ولكننا نجد في نصوص أخرى، مثل النص: Rep. Epigr. ٣٦٩٩ أن الملك لم يستشر "المزود" حين أصدر أمره في موضوع زواج المعينين بأهل "ددن" "ددان" "ديدان". ولعله فعل ذلك لأن موضوع الزواج موضوع إداري ولا علاقة له بالسياسة العامة أو بفرض الضرائب أو بالمسائل الداخلية الخطيرة، وهي الأمور التي يأخذ فيها الملك رأي المجلس. كما نجد الملك يصدر قانونًا باسم "معن" "معين" أي: شعب "معين" دون أن يذكر اسم "المزود"٤.

стр. 3013

وقد تبين من بعض الكتابات أن ملوك معين أصدروا تشريعات في أمور لم يأخذوا فيها رأي المزود، لعدم ورود إشارة فيها إليه. فلدينا قرار في تنظيم أمور الزواج بين المعينين وأهل "ددن" "ديدان"، لم يرد فيه ذكر للمزود١. ولدينا قرار آخر لم يذكر فيه اسم المزود أيضًا، غير أنه يشير إلى أنه صدر باسم شعب معين٢، مما قد يبعث على الظن بأن الملوك لم يكونوا ملزمين دائمًا بالرجوع إلى رأي المزود ووجوب أخذ موافقته في كل قضية، بل في القضايا العامة الخطيرة التي تخص مصير الشعب. ويتبين من الكتابات السبئية أن ملوك سبأ ولا سيما قدماؤهم كانوا يتبعون سُنَّة "معين" في الرجوع إلى رأي المزود في القضايا الخطيرة للدولة وإصدار القوانين. فكان الملك إذا أراد إصدار تشريع، أحاله على المزود ليبدي رأيه فيه، وفي طليعة هذه المسائل القوانين الخاصة بالأرضين وبالزرع وبحصص الحكومة من الضرائب لما لها من صلة بمصالح رجال المزود. ومتى وافق المزود على القانون أحيل على الملك لتصديقه ولإعلانه. وهنالك شبه كبير في موضوع التشريع بين القوانين القتبانية والقوانين السبئية العامة، الصادرة في سبأ، ولا سيما في أيام حكم قدماء الملوك، حتى ذهب بعض الباحثين إلى وجود ما يشبه حد الاتفاق بين قوانين المملكتين، إلا في القوانين الخاصة التي تتعلق بالتشريعات المحلية للمخاليف والمدن. فإنها شرعت على وفق الأحوال الملائمة لتلك الأمكنة٣. وقد يشار في التشريعات إلى قصور الملوك، مثل "قصر سلحن" "قصر سلحين"، كما أشير إليها في كتابات مختلفة، تتعلق بأخبار الحروب والجباية، وذلك كناية عن مقر الحكم، على نحو ما يستعمل في الزمن الحاضر من قولهم: "صدر من قصرنا العامر" أو "صدر من قصر ... " وذلك رمز إلى مقر الحكم وكناية عن الملك الذي يقيم في ذلك القصر. ومن تلك القصور: "قصر غمدن" أي: "قصر غمدان" و"قصر وعلن" "قصر وعلان" و"قصر ريدن". أي "قصر ريدان" ومن هذه القصور تصدر الأوامر بالموافقة على القوانين والمراسيم، وفيها يوقع على ما يراد نشره ليكتسب صبغة رسمية مقررة.

стр. 3014

في أخلاق الحكام: ليس لدينا وثائق جاهلية في أخلاق الحكام والصفات التي يجب أن يتصف بها الحاكم، ليتمكن بها من حكم الناس ومن الحكم بينهم. وكل ما لدينا، نتف ومقتبسات في أصول الحكم تنسب إلى الجاهليين، مدونة في المؤلفات الإسلامية، يظهر أن بعضها أخذ من حكم الفرس ومن آداب اليونان في السياسة، فنسب إلى الجاهليين، وبعضه إسلامي خالص وضع ليكون وعظًا وإرشادًا وإشارة هادية إلى الخلفاء والحكام في كيفية حكم الرعية وفي تنبيههم إلى واجباتهم وإبعادهم عن الظلم والاتعاظ بمصير الحكام الطغاة الماضين حتى لا يكون مصيرهم مصير أولئك الملوك. وفي كتاب "تاريخ ملوك العرب الأولية من بني هود وغيرهم"، لأبي سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي، وصايا وعظات في أصول الملك والحكم، نسبها إلى ملوك العرب الماضين قبل الإسلام، دوّنها للخليفة "المأمون" لتكون له هاديًا ومرشدًا في كيفية الحكم. وقد استهله بوصية نسبها إلى "قحطان بن هود" أوصى بها بنيه أن يتعظوا بما نزل بقوم عاد حين عتوا على ربهم، وعصوا أمر نبيهم، فحثهم على التآلف والتعاضد والتناصر وعلى الطاعة للحكام، ثم حث ابنه "يعرب" كبير أولاده على العمل بسيرته ومنهجه، وأن يصل ذوي القربى، وأن يحفظ لسانه ويصونه، وأن يكون كاظمًا للغيظ، يقظًا من الأعداء، حليمًا، لأن الذين سادوا لم يسودوا إلا بالعلم، وأن يكون كريمًا، لأن البخل يبعد الأتباع من الحاكم١. وذكر "الأصمعي" أن يعرب أوصى أبناءه بخصال وبما وصاه به أبوه. أوصى بأن يتعلم العلم ويعمل به، وأن يترك الحسد، وأن يتجنب الشر وأهله، وأن ينصف الناس، وأن يبتعد عن الكبرياء، لأن الكبرياء تبعد قلوب الرجال عن

стр. 3015

المتكبر، وأوصى بالتواضع، فإنه يقرب المتواضع من الناس ويحببه إليهم، وأن يصفح عن المسيء، وأن يحسن إلى الجار، ولأن يسوء حال أحدهم، خير له من أن يسوء حال جاره، وأن يوصي بالمولى، لأن المولى منكم وإليكم، وأن يخلص بالاستشارة والنصيحة، وأن يتمسك الإنسان باصطناع الرجال١. ونجد في الوصايا التي ذكرها "الأصمعي" وصايا بوجوب التعاضد والتآزر، والابتعاد عن الفرقة، والطاعة من غير خوف٢، والعدل في الرعية، والتجاوز عن المسيء، والكف عن أذى العشيرة٣، والأخذ بالرأي لأنه لا بد للملك ممن يعينه في الرأي والأمر والنهي، ولا بد له من مشير يحمل عنه بعض ما يثقله من ذلك٤. والملك صانع، فإن قام الصانع حق قيامه على صنعته، استجاد الناس له، فكسب المال والجاه؛ وإن استهان بها، ذهبت الصنعة من يده، وكسب الندم والحرمان٥. واستمر "الأصمعي" يذكر الوصايا التي ذكر أن ملوك العرب الماضين وضعوها في كيفية الحكم حذر الزلل، ولتجنب الوقوع في الخطأ، وهي نثر وشعر، قد تكون من وضعه وصنعته، صنعها للخليفة ليتعظ بها في الحكم على نسق ما كان يفعله أدباء الفرس والهند في وضع الوصايا والمواعظ والقصص على ألسنة الملوك الماضين والحكماء ليتعظ بها الحكام في أثناء حكمهم للناس. ونجد أمثلة كثيرة من هذا النوع دبجت في كتب السياسة والأدب، على ألسنة أرسطو أو الإسكندر أو أكاسرة الفرس٦. ونجد في شعر ينسب إلى "لقيط الإيادي"، أن الحاكم الذي يقلد الأمر يجب أن يكون رحب الذراع، مضطلعًا بأمر الحرب، لا مترفًا ولا إذا عض به مكروه خشع وخضع، يحلب دَرَّ الدَّهْر، يكون مُتَّبِعا طورًا ومُتَّبعًا، متسحصد الرأي لا قحمًا ولا ضرعًا٧.
следующие страницы →