← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

الحكم وأخذ الرأي: ولم يكن الملوك في العربية الجنوبية أو في العربية الغربية ملوكًا مطلقين لهم سلطان مطلق وحق إلهي في إدارة الدولة على نحو ما يريدون، ولكن كانوا ملوكًا يستشيرون الأقيال والأذواء وسادات القبائل والناس وكبار رجال الدين فيما يريدون عمله، واتخاذ قرار بشأنه. وهو نظام تقدمي فيه شيء من الرأي والمشورة وحكم الشعب "الديمقراطية" بالقياس إلى حكم الملوك المطلقين الذي حكموا آشور وبابل ومصر وإيران١.

стр. 3012

أما الطبقات الضعيفة وبقية السواد من السوقة والفلاحين وما شاكلهم، فليس لهم رأي في تسيير الأمور، ولا يستثارون في البت في أي شيء حتى في المسائل الصميمة المتعلقة بمصيرهم، ولم يكن عالم ذلك اليوم يحفل بسواد الناس، أي: بالغالبية؛ لأن الرأي لأصحاب الوجاهة والسيادة والسلطان إذ ذاك، وفي كل مكان من أمكنة العالم. وترينا الكتابات المعينية أن ملوك معين كانوا مقيدين في حالات معينة بأخذ رأي "المزود" عند اتخاذ قرار خطير، ولذلك يذكر "المزود" عند صدور التشريعات والقرارات الخطيرة في نص القوانين والقرارات، للتعبير عن موافقته عليها وعلى أنها صدرت بعد وقوفه عليها وأخذ الملك رأيه فيها١. ويؤخذ رأي المعبد أيضًا، فقد ذكر في قرار بشأن الضرائب، وذلك يدل على أن المعبد كان يستشار في المسائل الخطيرة أيضًا٢. وقد تبين من بعض الكتابات أن ملوك العربية الجنوبية، قد أخذوا برأي الجمعيات وأصحاب الحرف والعمل، حتى لا يبرموا أمرًا يظهر بعد تنفيذه أنه غير واقعي ولا عملي، وأنه سيلقى معارضة من بعض الفئات والطبقات. كما أخذوا برأي المستشارين وأصحاب الرأي من جماعة الـ"فقضت" والـ"بتل" و"طبنن" "الطبن"، وهم الملّاكون، عند وضع القوانين٣. وقد تبين من النص: Rep. Epigr. ٢٧٧١ أن ملك معين استشار "المزود" في فرض ضريبة. وتبين من النص: Rep. Epigr. ٢٧٧٤ أنه استشاره في فرض ضرائب خصصت بالمعبد. ولكننا نجد في نصوص أخرى، مثل النص: Rep. Epigr. ٣٦٩٩ أن الملك لم يستشر "المزود" حين أصدر أمره في موضوع زواج المعينين بأهل "ددن" "ددان" "ديدان". ولعله فعل ذلك لأن موضوع الزواج موضوع إداري ولا علاقة له بالسياسة العامة أو بفرض الضرائب أو بالمسائل الداخلية الخطيرة، وهي الأمور التي يأخذ فيها الملك رأي المجلس. كما نجد الملك يصدر قانونًا باسم "معن" "معين" أي: شعب "معين" دون أن يذكر اسم "المزود"٤.

стр. 3013

وقد تبين من بعض الكتابات أن ملوك معين أصدروا تشريعات في أمور لم يأخذوا فيها رأي المزود، لعدم ورود إشارة فيها إليه. فلدينا قرار في تنظيم أمور الزواج بين المعينين وأهل "ددن" "ديدان"، لم يرد فيه ذكر للمزود١. ولدينا قرار آخر لم يذكر فيه اسم المزود أيضًا، غير أنه يشير إلى أنه صدر باسم شعب معين٢، مما قد يبعث على الظن بأن الملوك لم يكونوا ملزمين دائمًا بالرجوع إلى رأي المزود ووجوب أخذ موافقته في كل قضية، بل في القضايا العامة الخطيرة التي تخص مصير الشعب. ويتبين من الكتابات السبئية أن ملوك سبأ ولا سيما قدماؤهم كانوا يتبعون سُنَّة "معين" في الرجوع إلى رأي المزود في القضايا الخطيرة للدولة وإصدار القوانين. فكان الملك إذا أراد إصدار تشريع، أحاله على المزود ليبدي رأيه فيه، وفي طليعة هذه المسائل القوانين الخاصة بالأرضين وبالزرع وبحصص الحكومة من الضرائب لما لها من صلة بمصالح رجال المزود. ومتى وافق المزود على القانون أحيل على الملك لتصديقه ولإعلانه. وهنالك شبه كبير في موضوع التشريع بين القوانين القتبانية والقوانين السبئية العامة، الصادرة في سبأ، ولا سيما في أيام حكم قدماء الملوك، حتى ذهب بعض الباحثين إلى وجود ما يشبه حد الاتفاق بين قوانين المملكتين، إلا في القوانين الخاصة التي تتعلق بالتشريعات المحلية للمخاليف والمدن. فإنها شرعت على وفق الأحوال الملائمة لتلك الأمكنة٣. وقد يشار في التشريعات إلى قصور الملوك، مثل "قصر سلحن" "قصر سلحين"، كما أشير إليها في كتابات مختلفة، تتعلق بأخبار الحروب والجباية، وذلك كناية عن مقر الحكم، على نحو ما يستعمل في الزمن الحاضر من قولهم: "صدر من قصرنا العامر" أو "صدر من قصر ... " وذلك رمز إلى مقر الحكم وكناية عن الملك الذي يقيم في ذلك القصر. ومن تلك القصور: "قصر غمدن" أي: "قصر غمدان" و"قصر وعلن" "قصر وعلان" و"قصر ريدن". أي "قصر ريدان" ومن هذه القصور تصدر الأوامر بالموافقة على القوانين والمراسيم، وفيها يوقع على ما يراد نشره ليكتسب صبغة رسمية مقررة.

стр. 3014

في أخلاق الحكام: ليس لدينا وثائق جاهلية في أخلاق الحكام والصفات التي يجب أن يتصف بها الحاكم، ليتمكن بها من حكم الناس ومن الحكم بينهم. وكل ما لدينا، نتف ومقتبسات في أصول الحكم تنسب إلى الجاهليين، مدونة في المؤلفات الإسلامية، يظهر أن بعضها أخذ من حكم الفرس ومن آداب اليونان في السياسة، فنسب إلى الجاهليين، وبعضه إسلامي خالص وضع ليكون وعظًا وإرشادًا وإشارة هادية إلى الخلفاء والحكام في كيفية حكم الرعية وفي تنبيههم إلى واجباتهم وإبعادهم عن الظلم والاتعاظ بمصير الحكام الطغاة الماضين حتى لا يكون مصيرهم مصير أولئك الملوك. وفي كتاب "تاريخ ملوك العرب الأولية من بني هود وغيرهم"، لأبي سعيد عبد الملك بن قريب الأصمعي، وصايا وعظات في أصول الملك والحكم، نسبها إلى ملوك العرب الماضين قبل الإسلام، دوّنها للخليفة "المأمون" لتكون له هاديًا ومرشدًا في كيفية الحكم. وقد استهله بوصية نسبها إلى "قحطان بن هود" أوصى بها بنيه أن يتعظوا بما نزل بقوم عاد حين عتوا على ربهم، وعصوا أمر نبيهم، فحثهم على التآلف والتعاضد والتناصر وعلى الطاعة للحكام، ثم حث ابنه "يعرب" كبير أولاده على العمل بسيرته ومنهجه، وأن يصل ذوي القربى، وأن يحفظ لسانه ويصونه، وأن يكون كاظمًا للغيظ، يقظًا من الأعداء، حليمًا، لأن الذين سادوا لم يسودوا إلا بالعلم، وأن يكون كريمًا، لأن البخل يبعد الأتباع من الحاكم١. وذكر "الأصمعي" أن يعرب أوصى أبناءه بخصال وبما وصاه به أبوه. أوصى بأن يتعلم العلم ويعمل به، وأن يترك الحسد، وأن يتجنب الشر وأهله، وأن ينصف الناس، وأن يبتعد عن الكبرياء، لأن الكبرياء تبعد قلوب الرجال عن

стр. 3015

المتكبر، وأوصى بالتواضع، فإنه يقرب المتواضع من الناس ويحببه إليهم، وأن يصفح عن المسيء، وأن يحسن إلى الجار، ولأن يسوء حال أحدهم، خير له من أن يسوء حال جاره، وأن يوصي بالمولى، لأن المولى منكم وإليكم، وأن يخلص بالاستشارة والنصيحة، وأن يتمسك الإنسان باصطناع الرجال١. ونجد في الوصايا التي ذكرها "الأصمعي" وصايا بوجوب التعاضد والتآزر، والابتعاد عن الفرقة، والطاعة من غير خوف٢، والعدل في الرعية، والتجاوز عن المسيء، والكف عن أذى العشيرة٣، والأخذ بالرأي لأنه لا بد للملك ممن يعينه في الرأي والأمر والنهي، ولا بد له من مشير يحمل عنه بعض ما يثقله من ذلك٤. والملك صانع، فإن قام الصانع حق قيامه على صنعته، استجاد الناس له، فكسب المال والجاه؛ وإن استهان بها، ذهبت الصنعة من يده، وكسب الندم والحرمان٥. واستمر "الأصمعي" يذكر الوصايا التي ذكر أن ملوك العرب الماضين وضعوها في كيفية الحكم حذر الزلل، ولتجنب الوقوع في الخطأ، وهي نثر وشعر، قد تكون من وضعه وصنعته، صنعها للخليفة ليتعظ بها في الحكم على نسق ما كان يفعله أدباء الفرس والهند في وضع الوصايا والمواعظ والقصص على ألسنة الملوك الماضين والحكماء ليتعظ بها الحكام في أثناء حكمهم للناس. ونجد أمثلة كثيرة من هذا النوع دبجت في كتب السياسة والأدب، على ألسنة أرسطو أو الإسكندر أو أكاسرة الفرس٦. ونجد في شعر ينسب إلى "لقيط الإيادي"، أن الحاكم الذي يقلد الأمر يجب أن يكون رحب الذراع، مضطلعًا بأمر الحرب، لا مترفًا ولا إذا عض به مكروه خشع وخضع، يحلب دَرَّ الدَّهْر، يكون مُتَّبِعا طورًا ومُتَّبعًا، متسحصد الرأي لا قحمًا ولا ضرعًا٧.

стр. 3016

وكان الملوك على استبدادهم أحيانًا بآرائهم يستشيرون من يرون فيه الأصالة في الرأي، ولا سيما المتقدمون في السن، فقد "كانت العرب تحمد آراء الشيوخ لتقديمها في السن، ولأنها لا تُتبع حسناتها بالأذى والمنّ، ولما مرّ عليها من التجارب التي عرفت بها عواقب الأمور، حتى كأنها تنظرها عيانًا، وطرأ عليها من الحوادث التي أوضحت لها طريق الصواب وبينته تبيانًا، ولما منحته من أصالة رأيها، واستفادته بجميل سعيها"١. ويظهر أن الملوك الغساسنة والمناذرة كانوا قد تطبعوا بطباع الروم والفرس، وأخذوا عنهم أبهة الحكم، فحجبوا أنفسهم عن رعيتهم، مخالفين بذلك العرف العربي، وحصروا أنفسهم في قصورهم وفي قبابهم، حتى أن من كان يريد الوصول إليهم من ذوي الحاجات كان عليه أن يقف أيامًا أمام باب الملك، حتى يأتيه الإذن بالدخول عليه، وهذا ما أزعج الوافدين عليهم كثيرًا، وسبب إلى تجاسر الشعراء وذوي الألسنة الحادة عليهم. وكان على أكثر الوافدين التقرب إلى "الحاجب" والتذلل إليه ورشوته ليعجّل لهم بالدخول على الملوك، ومنهم من كان يتعهد له بأن يجعل له نصيبًا فيما قد يناله من جوائز الملك وهداياه، فيسرع الحاجب عندئذ إلى الملك، لطلب أخذ الإذن منه بدخول ذلك الوافد عليه. وتوصف أخلاق الملوك بالتلون والتغير، لأن الملوك لهم بَدَوات. حتى ضرب بتلون أخلاقهم المثل. فقيل: ويومٍ كأخلاق الملوك ملوّنٍ ... فشمسٌ ودجنٌ ثم طلٌّ ووابلُ٢ ولهذا حذر أصحاب المكانة والجاه من الوصول إليهم في أيام غضبهم وبؤسهم. خشية صدور شيء منهم قد يزعجهم فيغضبوا عليه، أو يتفوهوا بعبارات قد تخدش من كرامتهم، وتسبب لهم الألم والأذى. وقد ورد في الحكم: اتقوا غضب الملوك ومدّ البحر٣. وقد ضرب المثل بيومي البؤس والنعيم. وقد وردت في الكتابات الجاهلية مصطلحات تعبر عن تقدير الناس لملوكهم،

стр. 3017

مثل مصطلح "أمرهم"، أي: "آمرهم" و"أميرهم" أو سيدهم، ونجد الكتابات العربية الجنوبية تطلق لفظة "مراهمو" و"مراسهمو" بمعنى "آمرهم" أو "أميرهم" و"سيّدهم" على من هو فوقهم، كالملوك أو الأقيال أو السادات، احترامًا واعترافًا بسيادتهم عليهم. أما في كتابات "تدمر"، فقد وردت لفظة "مرن"، أي: "سيدنا". وقد أطلقت على الملوك، كما استعملت للأشخاص الكبار من أصحاب السلطان. وتقابل هذه اللفظة كلمة Exarkos في اليونانية١. وفي الشعر ذمّ للحكام وشعر في هجاء السادة، لظلمهم وتنمرهم في حق رعيتهم، حتى ذهب الظن بهم أن كل مطاع يظلم، وأن المسوّد ظالم غشوم٢.

стр. 3018

الراعي والرعية: الراعي هو الوالي، أي: الذي يلي أمور قوم ويرعى شئونهم، فهو بمنزلة الراعي للماشية المرعية. أما القوم فهم الرعية، أي: العامة١. والملك هو راعي مملكته، وراعي رعيته، وهم من هم دونه، يتبعونه ويخضعون لرأيه وحكمه. ويعبر عن الرعية بالسوقة كذلك. سموا سوقة لأن الملوك يسوقونهم فينساقون لهم، والسوقة من الناس من لم يكن ذا سلطان. والسوقة خلاف الملك. قال نهشل بن حري: ولم تَرَ عيني سوقةً مثل مالك ... ولا ملكًا تجبى إليه مرازبه وفي البيت المنسوب إلى "بنت النعمان بن المنذر"، وهو: فبينا نسوس الناسَ والأمر أمرُنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف٢ تعبير عن فكرة التعالي والترفع التي كانت عند أهل الحكم والملك بالنسبة إلى

стр. 3019

المحكومين. وفي حديث المرأة الجَوْنية التي أراد النبي، ﷺ ، أن يدخل بها، فقال لها: "هبي لي نفسك"، فقالت: "هل تَهَبُ الملكة نفسها للسوقة؟ "١ ما ينم عن هذه الروح. ويعبر عن السواد الأعظم بـ"سواد الناس" وبـ"سواد القوم" أي: عوامهم وكل عدد كثير. وهو مصطلح يقرب معناه من معنى "السوقة". والسواد الأعظم من الناس، هم الجمهور الأعظم والعدد الكثير٢ وهم "الغوغاء" الذين لا يفقهون شيئًا من أمور دنياهم وإنما هم تبع وغنم يتبعون أي راع. وقد برزت أهميتهم في صدر الإسلام، إذ عرفت الفائدة منهم فيما لو وجهوا توجيهًا حسنًا. قال الخليفة "عمر": "استوصوا بالغوغاء خيرًا، فإنهم يطفئون الحريق، ويسدّون البثوق"٣. وقد عرف الجاهليون قيمة وأهمية السواد؛ لأنه الكثرة والرماح التي يعتمد عليها ذوو السؤدد، والجماعة التي تدافع عن سيدها وتحمي حماه. وقد استطاع "أبو سلمى" أن يعبر عن أهمية العوام وأصحاب الحناجر القوية من غوغاء الناس في جبل السؤدد إلى الأشخاص في هذا الرجز: لابد للسؤدد من رماحِ ... ومن عديد يتقي بالراح ومن كلاب جمة النباح٤ وعلى الرعية حق الطاعة، طاعة من بيده الحكم والسلطان، وليس عليها الخروج على أوامره وأحكامه؛ لأن من حق الراعي تأديب رعيته إذا خرجت عن طاعته. فإذا خرجت الرعية على حكم الملك، حق عليه تأديب رعيته بالصورة التي يراها. ولا يتمكن من الخروج على طاعة السلطان إلا الأشراف وسادات القبائل، ففي استطاعة هؤلاء بما لهم من أتباع ورعية، تهديد الملوك، أو من ينوب عنهم في الحكم. ولهذا كانت لهذه الطبقة مكانة وكلمة عند الملوك.

стр. 3020

ولم يكن من السهل على أبناء القبائل تقديم واجب الطاعة للملوك إذا كانوا من غير قبيلتهم، فالملوك الغرباء وإن كانوا عربًا مثلهم، لكنهم في نظرهم غرباء عنهم، ومن قبيلة بعيدة عنهم. والعربي بحكم طبيعة ظروفه ومحيطه القبليّ، لا يرى الخضوع إلا لمن تربطه به رابطة العصبية. ومعنى هذا أنه لا يخضع إلا لسيد قبيلته، أو لمن يخضع سيد قبيلته لحكمه أو للملك إذا كان من قبيلته. وسيد القبيلة لا يخضع هو نفسه لأحد إلا إذا أكره على ذلك إكراهًا، أو وجد في خضوعه لحكم حاكم آخر منفعة ما تأتيه من هذا الحكم. فإن زالت القوة التي أكرهته على الخضوع لغيره، أو ذهبت المنفعة التي كان يحصل عليها، أعلن انفصاله واستقلاله بشئون قبيلته أو انضمامه إلى حاكم قوي آخر ليصير حليفًا له. لذا صار تاريخ القبائل صراعًا ونزاعًا بين قبائل طامعة في حكم قبائل أصغر منها، وقبائل أخرى تريد أن تعيش وحدها مستقلة بإدارة أمورها، أو منافسة غيرها في حكم قبائل أخرى، لتكوين حكومة كبيرة منها ومن القبائل التي استسلمت لها. فالممالك التي تكونت والتي تحدثت عنها، لم تكن إذن ممالك مكونة من مواطنين آمنوا بمبدأ المواطنة واعتقدوا بعقيدة طاعة سلطان الدولة. بل كانت مملكة قبائل اتحدت طوعًا أو كرهًا، وكونت حلفًا كبيرًا ترأسه ملك. يظل قائمًا ما دامت هنالك قوة قائمة ومصلحة وفائدة، فإن انتفت المصلحة، عادت طبيعة الأنانية القبلية إلى لعب دورها في الانفصال. وهي عقلية تعرقل وتقاوم تكوّن الدول الكبرى. ولهذا قاومها الإسلام؛ لأنه جاء بمبدأ "الجماعة"، وعقيدة "الأمة" و"الملة"، فورد في الحديث: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات، مات ميتة جاهلية" ١. وللشعراء وأهل البيان كلام في أصول سياسة الحكم وإدارة أمور الرعية. قال "الجاحظ": "ومتى أحب السيد الجامعُ، والرئيس الكامل قومه أشد الحب وحاطهم على حسب حبه لهم، كان بغض أعدائهم له على حسب حبه قومه له. هذا إذا لم يتوثب إليه ولم يعترض عليه من بني عمه وإخوته من قد أطمعته الحال باللحاق به. وحسد الأقارب أشد، وعداوتهم على حسب حسدهم. وقد قال الأولون: رضا الناس شيء لا ينال.

стр. 3021

وقد قيل لبعض العرب: من السيد فيكم؟ قال: الذي إذا أقبل هبناه، وإذا أدبر اغتبناه. وقد قال الأُول: بغضاء السوق موصولة بالملوك والسادة وتجري في الحاشية مجرى الملوك. وليس في الأرض عمل أكدّ لأهله من سياسة العوام١. وقد دفعت الروح الفردية والنزعة القبلية سادات القبائل وقادة الجيش على الثورة بملوكهم وبحكامهم، فامتلأ تاريخ الجاهلية بها وبالمكايد والانتفاضات. وقد أثرت أثرًا خطيرًا في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وصارت في جملة عوامل تدهور الحضارة في اليمن. ونقرأ في كتابات المسند بعض الألفاظ المعبرة عن الفوضى وعدم الاستقرار بسبب حركات العصيان. منها لفظة "كيد"، وتؤدي معنى ثورة وعصيان٢. و"ثبر" و"مثبر" بمعنى "ثبور"، ويراد بها ثورة أيضًا٣. و"نزع" وتؤدي معنى ثورة كذلك٤. و"نقم" وتؤدي معنى "نقمة" وعدم رضى عن الأوضاع. و"قسدت" و"قسد" بمعنى ثورة وثار. فالثورة هي "قسدت" في العربية الجنوبية. و"قرن" وهي في المعنى نفسه٥. و"تحسبن" بمعنى عنف واستخدام العنف٦. ولفظة "هرج" بمعنى الفوضى والقتل والهرج٧. و"مخر" بمعنى مخالفة وقتال٨. ونجد في كتابات المسند ألفاظًا أخرى، لها صلة وعلاقة بالأوضاع المذكورة. مثل لفظة "هبعل" في معنى الاعتراف بسيادة قوم على قوم. وبالتسليم بسيادة الرؤساء بعد أن ثاروا عليهم وحاولوا التخلص منهم. ولفظة "هوبل" في معنى النجاح في المطاردة والتوفيق في القضاء على العصيان، وعودة الأمر إلى ما كان عليه. ولفظة "همسر" بمعنى أحبط وكسر. و"هسحت"، بمعنى تحطيم والقضاء على شيء، كحركة عصيان. و"هضرع" بمعنى أخضع و"حلفي"

стр. 3022

بمعنى ضغط واستعمل العنف. و"حف" بمعنى أحاط. و"خرط" بمعنى الاستيلاء على شيء. و"نحت" بمعنى ضرب. و"نكى" في معنى قاسى وكابد من الألم والعذاب. و"نقيذ" بمعنى استولى على مكان وفتحه. و"سبط" بمعنى أحبط وقضى على ثورة. و"سحت" في معنى هزيمة. و"قمع" في المعنى المعروف منها في لهجتنا. و"رتضح" بمعنى ذبح. و"توشع" في معنى هزيمة. و"تشكر" في معنى هزيمة أيضًا. فلكل هذه الكلمات ولغيرها مما في معناه صلة بالأوضاع السياسية والعسكرية التي كانت سائدة في ذلك العهد. وهي دليل على سوء الحال.

стр. 3023

تحية الملك: وكانت لملوك الحيرة وملوك الغساسنة وغيرهم من ملوك الجاهلية تحيات تختلف عن تحيات سائر الناس. لأن الملك يحيا بتحية الملك المعروفة للملوك التي يباينون فيها غيرهم. ومن تحياتهم: أبيت اللعن، وأسلم وأنعم، وأنعم صباحًا، وعش ألف سنة. "وكانت تحية ملوك العجم نحوًا من تحية ملوك العرب، كان يقال لملكهم: زه هزار سال؛ المعنى: عش سالمًا ألف عام"١. وذكر بعض علماء اللغة أن "أبيتَ اللعن: كلمة كانت العرب تحيي بها ملوكها في الجاهلية، تقول للملك: أبيت اللعن، معناه أبيت أيها الملك أن تأتي ما تلعن عليه. واللعن: الإبعاد والطرد من الخير"٢. وذكروا أن أول من حييي بتحية الملوك: "أبيتَ اللعن" و"أنعم صباحًا" يعرب بن قحطان٣. وقد وردت تحية "أبيت اللعن" في شعر للنابغة الذبياني، يعتذر فيه للنعمان بن المنذر: أَتاني أَبَيتَ اللَعنَ أَنَّكَ لُمتَني ... وَتِلكَ الَّتي تَستَكُّ مِنها المَسامِعُ٤ وذكر أيضًا أن أول من قيل له ذلك قحطان. وقيل: أول من حيي بها يعرب بن قحطان٥.

стр. 3024

وذكر أن تحية الناس فيما بينهم: "أنعم صباحًا" أو "أنعم مساء" أو "أنعم ظلامًا"، و"عموا صباحًا" و"عموا مساء"، وذلك حسب المناسبات. أما إذا حيوا الملك، قالوا له: "أنعم صباحًا أيها الملك"، لهيبة الملك ولتعظيمه١. وقد أبطل الإسلام تلك التحية: بأن أحل السلام محلها. فلما دنا "عمير بن وهب" من رسول الله قال: "أنعموا صباحًا"، فقال رسول الله: "قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير؛ بالسلام تحية أهل الجنة" ٢. وقد صار السلام من العلامات الفارقة بين الشرك والإسلام. وذكر أن التحيّة الملك. وفي هذا المعنى قولهم: حيّاك الله وبيّاك، أي: اعتمدك بالملك. وفي هذا المعنى قول زهير بن جناب الكلبي: ولكل ما نال الفتى ... قد نلته إلى التحيّة أي: إلا الملك، وذكر أن المراد بها هنا البقاء، لأنه كان ملكًا في قومه٣. والتحية في قول "عمرو بن معد يكرب": أسير به إلى النعمان حتى ... أنيخ على تحيته بجندي تعني: ملكه، فالتحية الملك٤ ويظهر أن بعض الجاهلين كانوا يحيون بتحية "حيّاك وبيّاك"، أو "حياك الله"، أو "حيّاك الله وبيّاك"٥. ولا أستبعد استعمالهم اسم صنم من الأصنام في موضع "الله" عند عبّاد ذلك الصنم، كأن يقولون: "حيّاك هبل"، وقد بقيت هذه التحية إلى الإسلام، ثم صارت: "حيّاك الله". وقد يخاطبون بها الملوك فيقولون: "حيا الله الملك" وذكر أن تحيات أهل الشام لملوكهم:

стр. 3025

"يا خير الفتيان"١. والمعروف عن العرب أنهم لم يكونوا يسجدون للملوك ولساداتهم كما كان يفعل العجم. غير أن رواية وردت في "كتاب فتوح الشام" للواقدي تذكر أن "الياس"، وهو عم ملك الحيرة وصاحب حرسه، لما أدخل "سعد بن أبي عبيد القاري"، على الملك "النعمان بن المنذر"، "صاح به الحجاب والغلمان قَبّل الأرض للملك، فلم يلتفت إليهم"٢. وفي هذا الخبر دلالة على أن أهل الحيرة كانوا إذا دخلوا على الملوك سجدوا لهم: كما كان يفعل ذلك غيرهم من الغرباء ممن يدخل على الملوك ولا سيما الفرس. وتتحدث هذه الرواية المنسوبة إلى الواقدي، بأن الملك النعمان، كان له كلام وجدل في موضوع الدين ورسالة الإسلام مع "سعد بن أبي عبيد القاري" رسول "سعد بن أبي وقّاص" إليه. وأنه لما طرد الرسول، قال "سعد بن أبي وقاص": سأحمل فيهم حملة عربية ... ولا أنثي والله عنهم بعسكري فإما أرى النعمان في القيد موثقًا ... وإما طريحًا في الدماء المعفر ثم أمر سعد بن أبي وقاص جمعه بالمسير نحو النعمان، فالتقى القعقاع بن عمرو التميمي أو بشر بن ربيعة التميمي بالنعمان في كبكبة من الخيل، فحمل القعقاع أو بشر على الكبكبة أو الكتيبة فمزقها، ورمى النعمان بطعنة في صدره، فلما رأت جيوش الحيرة الملك مجندلًا، ولت الأدبار تريد القادسية نحو جيش الفرس٣. والذي أجمع عليه المؤرخون وأهل الأخبار، أن المنذر كان قد ذهب إلى العالم الثاني قبل الفتح، بزمن على نحو ما تحدثت عنه في الجزء الثالث من هذا الكتاب. وقد ذكرت ما قيل في موته من شعر نظمه شعراء معاصرون له، وما وقع من اصطدام بين العرب والفرس بسبب مطالبة "كسرى" بتركته على ما يذكره أهل الأخبار. لذلك لا يمكن التصديق بهذه الرواية مع وجود ذلك الإجماع، ثم إن فيها معالم الصنعة والتزويق، ولا سيما في موضوع الحوار بين النعمان وبين رسول "سعد" إليه في موضوع الإسلام، مما يحملنا على القول بأن هذا الخبر قد أدخل فيما بعد

стр. 3026

في هذا الكتاب المنسوب إلى الواقدي، وهو لمؤلف متأخر عنه، جمع مؤلفه من روايات أخذها من "فتوح الواقدي" ومن كتب أخرى ومن روايات متأخرة، فألف منها هذا الكتاب. ومن قواعد ملوك الحيرة في مخاطبة من هم دونهم من أصحاب المنازل قولهم لهم: "يا عام"، وقولهم "إنك هابل"١. وللملوك عادات في مكالمة الناس ومحادثتهم. وهم يراعون بصورة عامة منزلة ودرجة من يتحدثون معه. فإذا كان المخاطب من ذوي المكانة كأن يكون سيد قبيلة ووجيه قوم، كلّموه بما يليق به، وإن كان من سواد الناس القادمين للحصول على صدقة وحسنة، أو على إنصافه ومساعدته كلموه بأسلوب آخر. ثم إنهم كانوا يستعملون الكلام الغليظ الشديد مع مخاطبهم، إذا أزعجهم أو إذا كانوا غاضبين عليه. وهكذا يكون لكل موقف كلام. ويظهر من شعر للأعشى هو: فَلَمّا أَتانا بُعَيدَ الكَرى ... سَجَدنا لَهُ وَرَفَعنا العَمارا أن العرب، أو بعضًا منهم، كانوا يسجدون لملوكهم. و"العمار" ريحانة كان الرجل يحيي بها الملك مع قوله: عمرك الله. وقيل: هي رفع الصوت بالتعمير، أي: بالدعاء. وقولهم: عمرك الله. وروي: ووضعنا العمارا، والعمار العمامة، أي: وضعناها من رءوسنا إعظامًا له. ومن العمار قولهم: عش ألف سنة لعمرك٢. والذين فعلوا ذلك هم عرب الحاضرة، تأثروا بما فعله الأعاجم بالنسبة لملوكهم، فعملوا بهذه المراسيم.

стр. 3027

دور الندوة: وللدول العربية الجنوبية مجالس استشارية تسمى "مزودًا"١، من واجبها النظر

стр. 3028

في المشكلات التي تتعرض لها الدولة، والبت في القضايا المهمة وفي موضوع فرض الضرائب. وقد عرف هذا المجلس في دولة معين بـ"مزودن معن" "مزود معين"١. وكان للسبئيين مجالسهم الخاصة بهم، تنظر في المسائل التي يحتاج ملوك سبأ إلى أخذ الرأي فيها والوقوف على رأي عقلاء الأمة للاستنارة برأيهم عند اتخاذ رأي وإقرار قرار. ولا يعني وجود هذه المجالس أن النظام هناك كان نظامًا نيابيًّا انتخابيًّا، يجتمع الأحرار والوجهاء فينتخبون من يريدون أن يمثلهم أو يتكلم باسمهم انتخابًا على النحو المفهوم من الانتخاب في الزمن الحاضر. وإنما كانت عضوية المجالس بالوجاهة والمنزلة والمكانة، وتلك قضايا اعتبارية للعرف فيها الرأي والقرار، وأعضاء المجلس هم أعضاء فيه، لأنهم من رجال الدين أو سادات قبائل أو من كبار الموظفين، أو من أصحاب الأرض والمال، فهم في عرف ذلك اليوم الصفوة والخيرة، وعندهم العقل والرأي والسداد. وعلى هذا النحو من التمثيل تكون المزاود، أي: مجالس الأمة. وقد عرف أعضاء المزود بـ"أسود"، أي: "أسواد" "أسياد"، بمعنى سادة، وهم بالطبع من علية القوم وسادتهم. وفي ضمن هؤلاء الـ"منوت" "منوات"٢. وكما تطلق الشعوب في الزمن الحاضر نعوت التفخيم والاحترام على مجالسهم التمثيلية، كذلك أطلقت الشعوب الماضية مثل هذه النعوت على مجالسهم. فأطلق العرب الجنوبيون لفظة "منعن" مثلًا على المزود، فورد: "مزود منعن" في بعض الكتابات، بمعنى "المزود المنيع"٣. وربما أُطلقت اللفظة على العضو في هذا المجلس كذلك٤. ولكننا لا نعرف ذلك في هذا اليوم معرفة أكيدة، وربما كانوا يطلقون نعوت تفخيم وتعظيم أخرى على أعضاء هذا المجلس. وحصلنا من الكتابات على اسم مجلس يسمى "طبنن"، وذلك في الكتابات

стр. 3029

القتبانية. وقد رأى بعض الباحثين أنه مجلس كبار الملاكين١. ورأى آخرون أنه بمنزلة "المزود" بالنسبة إلى القبيلة، وأنه مجلس أصحاب الأملاك، ورؤساء أفخاذ القبيلة المالكين، وأنه يأتي بعد "المزود" في الأهمية عند القتبانيين٢، وأنه كان ينظر في المسائل الخاصة بالملك والأرض وفي الضرائب التي تجبى عن الزراعة وفي تأجير الأرض، وما شاكل ذلك من موضوعات تخص الأرض والزرع. ويقول علماء اللغة: إن "الطبن"، هو الرجل الفطن الحاذق العالم بكل شيء٣، ولعلهم أخذوا هذا التفسير من العرب الجنوبيين. فـ"طبنن"، هو مجلس عقلاء القوم وحذاقهم والمتكلمين باسم القوم. ولم يكن لسواد الناس ولا للطبقات الوسطى منهم، رأي ولا تمثيل في "الطبنن" ذلك لأن هذا المجلس هو مجلس كبار الملاكين للأرض فقط. وكانوا يشتركون في الـ"المزود". ونجد ذكر هذا المجلس في كتابات يرى بعض الباحثين أنها من أواسط القرن الخامس قبل الميلاد٤. ويقابل مجلس الملّاكين "طبنن" القتباني مجلس عرف بـ"مسخنن" "المسخن" في اللهجة السبئية. وقد أشير إليه في الكتابات السبئية القديمة وفي كتابات عهد "ملوك سبأ وذي ريدان"٥. وأعضاؤه من الوجهاء وكبار الملاكين الذين ورثوا ملكهم من عقار وأرض٦. وترد في الكتابات السبئية لفظة لها علاقة بمجلس يمثل طبقة خاصة في سبأ. عرف بـ"عهرو" "عهر". ونجد هذا الاسم في الكتابات التي هي من القرن الثاني قبل الميلاد فما بعده. ويظهر أنه كان مجلس الأشراف من أهل الحسب والنسب من أمثال الأشراف والنبلاء الذين عاشوا في أوروبا في القرون الوسطى. ولا يشترط في الطبقة المسماة بهذه التسمية أن تكون من كبار المالكين وأصحاب العقار. وإلى

стр. 3030

هؤلاء يضاف من يقال لهم: "ذا عذر" "ذو أعذر". وهم طبقة من أشراف لا يربط بينهم دم، ولا تجمع بينهم وبين القبيلة التي ينزلون بينها أو بين الناس الذين يعشون بينهم، صلة رحم. ولا يملكون أرضًا، وإنما هم حلفاء وجيران، نزلوا بين قوم فصاروا مثلهم، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، يؤدّون ما يؤدّيه حليفهم من القبيلة من واجب وعمل، وعلى حليفهم مراعاتهم، لأنهم في جواره وفي حلفه١. هؤلاء هم أصحاب الرأي والاستشارة في الحكومات العربية الجنوبية، والمجالس المذكورة تنظر في مصالح المنتمين إليها وكلهم كما رأينا من أصحاب الجاه والسيادة والسلطان. وإذا أقر "المزود" موضوعًا ووافق عليه، رفع القرار إلى الملك لإصدار أمره بتنفيذ ما توصل إليه، وتصدر القرارات بصورة مراسيم تشريعية ملكية تعلن للناس وتبلغ للقبائل لإقرارها وتنفيذها، وقد حفظت الكتابات جملة قرارات من هذا النوع٢. وتوقع المحاضر في الغالب بلفظة "مثبت" من أصل "ثبت"، وذلك دلالة على الموافقة والتأييد بصحة صدور القرار٣. وأن القرار قد ثبت وصار أمرًا إلزاميًّا واجب التنفيذ. واصطفى الملوك لهم حاشية من ذوي الرأي والعقل والتجربة، جعلوها هيئة استشارية، تقدم الرأي لهم، وقد عرفت بـ"فقضت"، وبـ"بتل"٤. فنحن في اليمن إذن بإزاء نظام يمكن أن نسميه نظامًا تمثيليًّا، وإن لم يكن يمثل رأي الشعب تمثيلًا تامًّا، فلم تكن للأغلبية المكونة للأمة إرادة في اختيار ممثليهم للمجالس، كما هو المفروض والمطلوب من المجالس، فمن هنا لم يكن نظام الحكم في هذه البلاد نظامًا تمثيليًّا صحيحًا، ولكنه كان تمثيليًّا من ناحية ضمه أصحاب الرأي والجاه والسلطان في الدولة، لمجالس "المزود" وإبدائها رأيها لحاكم البلاد، ولا سيما في المسائل الكبرى التي يتوقف عليها المصير، مثل إعلان حرب، أو عقد صلح، إو إقرار ضرائب. نظام نستطيع أن نسميه نظام الأخذ بمبدأ استشارة ذوي الرأي.

стр. 3031

والوجاهة والسلطان في المسائل الخطيرة التي تخص الدولة أو المجتمع وحدهم، فهو نظام شورويّ بالنسبة لأهل الرأي والمشورة، وهؤلاء وحدهم هم الذين يشاورون في الأمور. أما السواد، فلا رأي له. ومع ذلك، فهو أفضل من الحكم المطلق الذي يكون الملك فيه هو "الكل في الكل" يفعل ما يشاء من غير حساب. وهو بالقياس إلى نظم الحكم عند الأشوريين أو البابليين أو الفراعنة، نظام فيه "ديمقراطية" لا نجدها في قواعد حكم الشعوب المذكورة. ولكن الدنيا لا تدوم على حال واحد، فأخذ حكم المزاود يتقلص، وصار عدد من يأخذ بالرأي والمشورة من الملوك يقل حتى إذا جاءت الأيام المتأخرة من حكومة سبأ، صار الأمر للأقيال والأذواء وسادات القبائل، واضطر الملوك إلى النزول عن حقهم في الأرضين إلى أصحاب السلطان في مقابل اتفاقيات تحدد الواجبات والحقوق التي يترتب على هؤلاء الأقوياء الذين اغتصبوا الأرض اغتصابًا أداؤها للدولة، ويقوم صاحب السلطان الملاك بإيجار الأرض لأتباعه من آله أو من أهل قبيلته، مقابل أجر يدفعونه له، وهؤلاء يؤجرونها أيضًا لمن هم دونهم في المنزلة والدرجة. فتحولت الملكية بذلك إلى دولة إقطاع، أرباحها وحاصلها وناتجها وقف على طبقة ذوي الجاه والسلطان. وفقد "المزود" مكانته، إذ انتزع الأقيال "أقول" منه السلطان، حتى قدموا أسماءهم في النصوص على اسم المزاود. فنجد أقيال "سمعي" "أقول سمعي" يقدمون اسمهم على اسم المزود، دلالة على خطر شأنهم وقوتهم، وعلى أن حكم "المزود" صار في الدرجة الثانية من خطر الشأن في هذه الأيام١. وقد تضاء حكم "المزود"، بل زال من الوجود منذ القرن الثالث للميلاد فما بعده، فلا نكاد نجد له حكمًا أو ذكرًا في الكتابات، إذ انفرد الملوك والإقطاعيون الكبار بالحكم، وصار رأيهم هو الرأي الحق المقبول، وبيئة ينفرد فيها الأفراد بالحكم، وينتزع فيها من الأشخاص حق التعبير عن الرأي، هي بيئة لا يمكن أن يعمر فيها "المزود" أو أي مجلس كان من قبيلة يقوم بالتعبير عن رأي الناس، وإن كان بصورة رمزية شكلية. لذلك نستطيع أن نقول: إن العربية الجنوبية فقدت أهم نعمة كانت عندها، نعمة التعبير عن الرأي، والنظم اللامركزية

стр. 3032

بعد الميلاد. وزاد في تقليص حكم تلك المجالس تدخل الحبش بصورة مستمرة في شئون العربية الجنوبية، وانتزاعهم الحكم بالقوة من أصحابه الشرعيين وانفراد حكامهم وحدهم بالحكم، ثم اضطرار الملوك والأقيال والأذواء إلى مقاومة الحبش الغزاة وحشد كل الطاقات البشرية لطرد الحبش من بلادهم، وأحوال مثل هذه لا تسمح بإبداء رأي، فكان فيها موت تلك المجالس التي لم تكن كما قلت تمثل الشعب، لأنها لا تمثل السواد الأكبر، وإنما كانت تمثل أصحاب الوجاهة والسلطان ولكن وجود شيء فيه وقوف إزاء الملوك وتحد لسلطانهم إن أرادوا توسيعه، هو مهما كان نوعه خير من لا شيء ومن انفراد الملوك بالأمر دون خوف ولا رهبة من اعتراض أحد ومن نقد ناقد. هذا، ولم نعثر على نص بالمسند، ورد فيه ذكر لعدد أعضاء المزاود أو المجالس التمثيلية الأخرى. أما ما ذكره "الهمداني" من أنه كان لحمير مجلس ينظر في أمور الملك واختيار الملك إذا مات الملك ولم يترك من يرثه، وأن عدد أعضاء ذلك المجلس ثمانون قيلًا، لا ينقص ولا يزيد، وأنهم إذا انتخبوا قيلًا منهم ليكون ملكًا عند عدم وجود من يخلف الملك، أو عدم رضائهم عن الملك لسبب من الأسباب، فإنهم كانوا ينتخبون قيلًا جديدًا ليكمل العدد المقرر١، فإننا لا ندري أكان ذلك حكاية عن وضع الحكم في اليمن في قبيل الإسلام، أم كان مجرد رواية من هذه الروايات الواردة عن الجاهلية، مما يرويه أهل الأخبار. وقد نحمل روايته محمل الصدق بالنسبة إلى مجمل الخبر. أما بالنسبة إلى ثبات العدد فأمر لا نستطيع أن نأخذ به ونقطع بصحة ما ورد فيه. وظهرت في القرن الثاني قبل الميلاد فما بعده ظاهرة جديدة أخرى، قد تدل على ضعف شخصية الملوك، وتقلص سلطانهم، هي ظاهرة ذكر اسم ولي العهد مع اسم الملك، وتلقيبه بلقب ملك تمامًا كما يلقب الملوك. فجاء اسم نهفان مع ابنه "شعرم اوتر" "شعر أوتر"، دلالةً على أنهما حكما حكمًا مشتركًا، وجاء اسم ملك، وجاء مع اسمه اسم أخيه يحكم معه ويحمل لقب الملك، وجاء اسم ملك ومعه اسم ابنين أو ثلاثة أبناء، يشاركونه في اللقب

стр. 3033

وفي الحكم، بل ورد اسم ملك ومعه حفدته يحملون لقب الملك١. وظاهرة أخرى نراها تظهر، فيها دلالة أيضًا على تناحر الأسر وتقاتلها على الجاه والحكم والسلطان، تتجلى في حكم أسرتين مختلفتين، إحداهما من "حاشد" وأخرى من "بكيل"، وكلتاهما من هَمْدان، وقد حمل كل واحد من رجلي الأسرتين اللقب الرسمي لملوك سبأ. فقد حكم "علهان نهفان" وابنه "شعر أوتر" وهما من "حاشد"، وحكم في الوقت نفسه "فرع ينهب"، وابنه، وهما من "بكيل"، وكان كل واحد منهما يلقب نفسه بألقاب ملوك سبأ. ثم نجد من ذيول هذه الظاهرة منافسة "ظفار" لمأرب، ومبارزة قصر ملوك "ظفار" وهو "ذو ريدان" لقصر ملوك سبأ القديم وهو "سلحن" "سلحين". وفي هذه المنافسة دلالة على تنافس أسرتين على الحكم، كل أسرة تدعي أنها حاكمة سبأ ومالكة مملكة سبأ٢. وكان من نتائج هذا التطور ظهور حكم لا أود تسميته بـ"حكم لا مركزي"، ولكن أرى تسميته: حكمًا إقطاعيًّا، أو حكم "أمراء الطوائف"، أو حكم رءوس الطوائف. فقد صار الأمر والنهي للأقيال وللأذواء، وللسادات وقادة الجيش، حتى تكاثر عددهم، وحتى صارت لهم كلمة في اختيار الملوك وفي إسقاطهم. ونجد في الكتابات المتأخرة أسماء عدد كبير من هؤلاء الإقطاعيين، دلالة على مكانتها، وخطر شأنها في السياسة العامة، ولم تختف هذه الظاهرة حتى بعد احتلال الحبش لليمن، وحتى بعد طرد الحبش عنها ودخولها في حكم الفرس إلى أيام الإسلام٣. وكان مما قوى سلطان الإقطاعيين الحروب التي أعلنها الملك "شمر يهرعش" على جيرانه. لقد تمكن من توسيع رقعة سبأ ومن إضافة أرضين جديدة واسعة لها، ومن إحاطتها بهالة من العظمة، ولكنه اضطر من ناحية أخرى إلى إرضاء الإقطاعيين الذين ساعدوه وخدموه في حروبه وأدوا له خدمات كبيرة، فوسع سلطانهم، وقوّى مركزهم، وصيرهم قوة ذات شأن لها سلطان في الدولة،

стр. 3034

فأضعف بعمله مركز الحكومة، ووضع من جاء بعده من الملوك في "مركز حرج" أمام كبار الإقطاعيين الذين أخذوا يتدخلون في أمور الدولة، وينافسونها في سلطانها. وهكذا زالت معالم الحكم "الاستشاري" للأقيال، وحل محله حكم الملوك المستند إلى تأييد عدد من كبار رجال الإقطاع وسادات القبائل، وهو حكم راعى بالطبع مصالح هؤلاء، ولم يهتم بمصالح سواد الناس، بل حتى مصالح الإقطاعيين الذي لم يكن لهم سلطان كبير، فأصيبوا بضرر بالغ من هذا التغيير الدستوري في أصول الحكم. وقد كان ملوك العربية الغربية، مثل ملوك العربية الجنوبية، يأخذون بالرأي ويعملون بمشورة المجالس. ويعرف مجلس الشورى في الكتابات اللحيانية بـ"هجبل" "الجبل" و"جبل"١. وقد نعت المجلس بجملة "العالي الشأن" في إحدى الكتابات٢، تعظيمًا له، وتقديرًا لشأنه. ومما يؤيد أخذ الملوك برأي المجلس "جبل" هو ورود لفظة "براي"، أي: "برأي" في الكتابات، دلالة على أخذ الملوك برأي المجلس٣. بل ذهب بعض الباحثين إلى احتمال وجود أحزاب سياسية في مملكة لحيان٤. غير أننا لم نتمكن من الحصول على كتابات لحيانية فيها شيء عن الحزبية والأحزاب في ذلك العهد. أما أصول الحكم عند "آل لخم"، فإننا لا نملك نصوصًا لها مدونة، كذلك لا نملك نصوصًا فيها شيء عن أصول الحكم عند الغساسنة. ولم يشر أهل الأخبار إلى وجود مجالس على نمط "المزود" أو دار الندوة" عند المناذرة أو الغساسنة، لذلك لا نستطيع أن نتحدث بأي حديث عن الشورى وأخذ الرأي عند اللخميين، أو عند آل غسان. بل يستنبط من بعض روايات أهل الأخبار، أن ملوك "آل نصر" و"آل غسان" و"آل آكل المرار"، كانوا ملوكًا غلب على حكمهم

стр. 3035

الاستبداد بالرأي، إذ لم يعملوا برأي أحد، ولم يأخذوا بمشورة مستشار إلا إذا كانت المشورة موافقة لهواهم ومن شخص قريب منهم، وله أثر فعلي عليهم. كما يستنبط منها أيضًا أن المقربين من الملوك، لم يكونوا مخلصين لهم في تقديم النصيحة، بل كانوا يبتغون من ورائها الحصول على منفعة وفائدة، أو ضررًا يلحق بأعدائهم، وبالقبائل المعادية لقبائلهم في كثير من الأحايين. وأن بعض الملوك، ولا سيما المتأخرون منهم، كانوا قد تأثرو بآرائهم فعملوا بها، فأوجدت لهم مشكلات خطيرة، كان الملوك في غنى عنها، لو أنهم كونوا مجالس استشارية، وأخذوا برأيها في تسيير النابه من أمور المملكة. أما القرى والمدن إن جازت هذه التسمية، فقد حكمها وجهاؤها وساداتها رؤساء الشعاب والبيوتات الكبيرة. فإذا حدث حادث في شِعْب حلّه رؤساء ذلك الشعب، وإن عرض للقرية أو للمدينة عارض اجتمع سادتها للنظر فيه وحله، وإليهم يكون تسيير أمور القرية أو المدينة. يجتمعون في "نادي" القرية أو المدينة، وهو مجتمعها للنظر في الأمر والبت فيما يرون اتخاذه من قرارات. وقد ورد في القرآن الكريم: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ ١. والنادي هنا المجلس، ومجتمع القوم، وموضع اتخاذ القرارات والبت في الأمور. وكان لأهل "تدمر" "مجلس" على غرار مجلس "الشيوخ" في "رومة" مؤلف من سادات المدينة من أصحاب الجاه والسلطان له سلطة من القوانين والتشريع، وله رئيس وكاتب.

стр. 3036

دار الندوة: وقد تحدث أهل الأخبار عن دار قالوا: إنها كانت بمكة سموها "دار الندوة" ونسبوها إلى جد قريش ومجمعها "قصي"، قالوا: إن قريشًا كانت إذا همت بأمر أو أرادت رأيًا، أو قررت اتخاذ قرار، اجتمعت فيها، ونظرت في أمرها واتخذت فيها قرارها. فهي إذن مجلس يشبه "المجالس" التي كانت في مدن اليونان، وقد كونوها لتكون حكومة المدينة المشرفة على شئونها المدبرة لأمورها الناظرة فيما يقع فيها من خصومات وخلاف.

стр. 3037

وذكر بعض أهل الأخبار، أنه لم يكن يدخلها من قريش من غير ولد قصي إلا ابن أربعين سنة للمشورة، وكان يدخلها ولد قصي كلهم أجمعون وحلفاؤهم١ والظاهر أن هذا كان خاصًّا بالمشورة وأخذ الرأي. لما كان قد قرّ في نفوس أكثر الناس من أهمية السن في تقديم الرأي، ومن أن النضوج العقلي يبدأ في الأربعين من العمر. وإذا صحت الرواية، نكون أمام شرط مهم فيمن يحق له حضور دار الندوة لإبداء المشورة والرأي. لكننا نسمع من رواة الأخبار أيضًا، أنهم يذكرون أن قريشًا كانت تتساهل في موضوع السن أحيانًا، فكانت تتساهل في قبول دخول من هو دون الأربعين من العمر إذا كان الشخص سديد الرأي. فقد "تحاكم العرب في الجاهلية في النفورة، وفي غير ذلك من المخايرة والمشاورة، إلى أبي جهل ابن هشام في أيام حداثته وفتائه، ولذلك أدخلوه دار الندوة، ودفع مع ذوي الأسنان والحنكة من بين جميع الشبان، ومن بين جميع الفتيان. ولذلك قال قطبة بن سيّار حكم فزارة حين تنافر إليه عامر بن الطفيل وعلقمة ابن علاثة: عليكم بالحديد الذهن، الحديث السن. يعني: أبا جهل"٢.

стр. 3038

الملأ: وفي القرآن الكريم لفظة: "ملأ" بمعنى جماعة يجتمعون على رأي١. وتعبر هذه اللفظة عن الغالبية، أي: عن الرأي العام الغالب لمكان ما، أو لجماعة من الجماعات. ومعنى ذلك اتخاذ "أهل الحل والعقد" من الملأ رأيًا يكون ملزمًا للآخرين وأهل الرأي والحل والعقد، هم السادة أصحاب الجاه والعقل والسن، ولذلك كانوا يفضلون في أخذ الرأي، أخذ رأي أصحاب العقل والخبرة، وهم المتقدمون في السن في الغالب، ففي صغر السن طيش وتسرع، والبت في الأمور يحتاج إلى نضج وصبر وأناة وحلم. لهذا كان أكثر رجال "دار الندوة" من البالغين المتقدمين في السن٢.

стр. 3039

وعرف علماء العربية "الملأ" أنه الرؤساء والجماعة وأشراف القوم ووجوههم ورؤساؤهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم، "يروى أن النبي، صلى الله عله وسلم، سمع رجلًا من الأنصار وقد رجعوا من غزوة بدر، يقول: ما قتلنا إلا عجائز صلعًا، فقال ﵇: أولئك الملأ من قريش، لو حضرت فعالهم، لاحتقرت فعلك" أي: أشراف قريش. فالملأ إنما هم القوم ذوو الشارة والتجمع للإدارة١. وورد أن "الملأ" التشاور والعلية. ويظهر من المواضع العديد التي وردت فيها هذه الكلمة في القرآن الكريم، أن المراد بها في أكثر تلك المواضع، علية القوم من ذوي الرأي والمكانة، والأشراف من القوم ووجوههم ورؤساؤهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم. وذكر أن "الملأ": التشاور تشاور الأشراف والجماعة في أمر ما٢. فرؤساء مكة إذن، هم حكومها وحكامها، وليس هناك ملك أو حاكم انفرد بالحكم والسلطان. فالحكم فيها إذن، حكم مدينة، لا حكم ملك أو فرد، وقد كان الحكم في الطائف وفي يثرب وفي نجران، وفي وادي القرى على مثل هذه الطريقة، غير أن الأخباريين لم يتحدثوا عن مجلس يشبه دار الندوة في هذه المدن. وفي القرآن الكريم: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ٣، ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ٤. وفي هاتين الآيتين دلالة على الأخذ بمبدأ المشورة، وأن الحكم شورى. وحكم قريش في مكة، هو حكم المشاورة وأخذ الرأي، لهذا كانوا يتشاورون فيما بينهم حينما كانوا يعتزمون اتخاذ قرار تجاه الرسول. وقد بينت أن أصحاب الرأي والمشورة هم "الملأ" وعِلية القوم ومن عرف بجودة الحكم والفطنة والذكاء. وكانت القرى الأخرى تستشير ذوي الحل العقد. وكذلك فعلت القبائل. فقد كان سيد القبيلة يطلب من وجوه قبيلته إبداء رأيهم في القضايا المهمة من أمور الحرب والسلم. وكان سادات القبيلة، يجتمعون للنظر في أمر اختيار رئيس،

стр. 3040

إذا مات رئيس وليس له وريث، أو وقع خلاف فيما بين أعضاء بيت الرئيس في الرئاسة. وقد حث العرب على الأخذ بالرأي والمشورة، حتى لا يقع المرء في الخطأ والتهلكة. والرأي: النظر والتدبير والتفكير١. وقد قدمه العرب على الشجاعة، فجعلوه قبلها، لأن الشجاعة لا تنجح ما لم يكن للشجاع رأي ونظر في كيفية التغلب على خصمه.

стр. 3041

المشاورة: وقد كرهت العرب والحكماء مشاورة من اعترته الشواغل، وألمت به النوازل، مع وفور عقله وحزمه، فقال "قس بن ساعدة الإيادي لابنه: لا تشاور مشغولًا وإن كان حازمًا، ولا جائعًا وإن كان فهمًا، ولا مذعورًا وإن كان ناصحًا، ولا مهمومًا وإن كان عاقلًا، فالهمّ يُعقِل العقلَ فلا يتولد منه رأي ولا تصدق به روية". و"قال الأحنف بن قيس: لا تشاور الجائع حتى يشبع، ولا العطشان حتى يروى، ولا الأسير حتى يطلق، ولا المقل حتى يجد، ولا الراغب حتى ينجح"١. وكانت العرب تحمد الأناة في الرأي، وإجالة الفكرة فيه وعدم التسرع. "وكان عامر بن الظرب حكيم العرب يقول: دعوا الرأي يغب حتى يختمر، وإياكم والرأي الفطير"٢. واجتمع رؤساء بني سعد إلى أكثم بن صيفي يستشيرونه فيما دهمهم يوم الكلاب، فقال: إن وهن الكبر قد فشا في بدني، وليس معي من حدة الذهن ما أبتدئ به الرأي، ولكن اجتمعوا وقولوا، فإني إذا مر بي الصواب عرفته"٣.

стр. 3042

حكم سادات القبائل: وحكم سيد القبيلة حكمًا يتوقف على شخصيته ومكانته، فإذا كان السيد قويًّا

стр. 3043

حازمًا مهيبًا رفع مكانة القبيلة، وصيّر لها منزلة بين القبائل، وقد يفرض إرادتها على القبائل الأخرى. أما إذا كان ضعيفًا فاتر الهمة باردًا بليدًا، طمع فيه الطامعون، وقد يكون سببًا في تشتت كلمة القبيلة وفي تجزئتها وهبوط مكانتها بين القبائل. فالرئيس هو الذي يخلق القبيلة ويعز مكانتها، وهذا هو سر ظهور قبائل كبيرة بصورة مفاجئة، ثم اختفاء أمرها وهبوط منزلتها بعد أمد. وسر ذلك أن الذي يرفع من شأن القبائل أو يخفض من منزلتها هو "سيد القبيلة"، فهو روحها، وهو الذي يمنحها إكسير الحياة. وليس حكم سيد القبيلة، حكمًا مطلقًا، لا مشورة فيه ولا أخذ رأي، بل الحكم في القبائل حكمًا مستمدًا من رأي وجهاء القبائل وعقلائها وفرسانها وألسنتها المتبينة، فهو حكم "ملأ القبيلة". وقد يكون بيت رئيس القبيلة، هو مجلسها وموضع حكمها. وإذا حدث حادث اجتمع عقلاء القوم في مجلس الرئيس وتباحثوا في الأمر. ويقال لمجلس القبيلة "عهرو" "ع هـ ر و" في اللهجة القتبانية١، يعقد للنظر فيما يقع للقبيلة من أمر جليل، مثل فرض ضرائب أو زيادتها، أو إعلان حرب، أو ما شاكل ذلك من أمور. ونجد مثل هذه المجالس عند جميع القبائل. فإذا حدث للقبيلة حادث، تجمع سادتها للتباحث في الأمر، ولاتخاذ ما يرون اتخاذه من رأي. ولما كانت القبيلة منتشرة لا تستقر في واحد، صارت مضارب سادات الأحياء أندية تلك الأحياء، يجتمع فيها وجوه المضرب للسمر وللبت فيما قد يقع بين الحي من خلاف. وبهذه الطريقة يفصل في الخصومات وفي كل ما يحدث للحي من أمر. ويروي أهل الأخبار شعرًا زعموا أن "لقيطًا الإيادي"، قاله في كيفية الحكم وسياسة الرعية، فيه هذه الأبيات: فَقَلِّدوا أَمرَكُمُ لِلَّهِ دَرُّكُمُ ... رَحبَ الذِراعِ بِأَمرِ الحَربِ مُضطَلِعا لا مُترِفاً إِن رَخاءُ العَيشِ ساعَدَهُ ... وَلا إِذا عَضَّ مَكروهٌ بِهِ خَشَعا ما زَالَ يَحلُبُ دَرَّ الدَهرِ أَشطُرَهُ ... يَكونُ مُتَّبِعًا طَورًا ومُتَّبَعا حَتّى اِستَمَرَّت عَلى شَزرٍ مَريرَتُهُ ... مُستَحكِمَ السِنِّ لا قَحمًا وَلا ضَرَعا٢

стр. 3044

حكم الملوك: وتتلخص نظرة الجاهلية بالنسبة إلى حكم الملوك فيما يأتي: الملك مالك والتابع مملوك، واجبه تقديم حقوق الملك للملوك وحق الملك الطاعة وفي ضمن الطاعة: الإخلاص له، والعمل بما يفرضه على التابع من حقوق وواجبات. وليس للرعية الامتناع عن دفع ما في عنقها من حقوق لملوكها أو ساداتها: سادات القبائل. وليس لأحد حق مطالبة ملكه بدفع مال له، لا بصورة ثابتة معينة مقررة، ولا بصور أخرى. إنما الملوك والسادات أحرار، لهم أن يعطوا ولهم أن يمسكوا، وما يدخل خزانتهم وما يأتيهم من ربح من تجارة أو مغنم من حروب أو من عشور ومكوس وضرائب أخرى، هو من حقهم وهو من ملكهم الخاص بهم. وكل ما يعود للحكومة، هو لهم. لأنهم هم الحكومة، والحكومة الرؤساء. وفي الحديث: "ومأكول حمير من آكلها" المأكول: الرعية، الآكلون الملوك جعلوا أموال الرعية لهم مأكلة، أراد أن عوام أهل اليمن خير من ملوكهم١. و"الآكال: مآكل الملوك. وآكال الملوك: مأكلهم وطعمهم: والأكل: ما يجعله الملوك مأكلة"٢. والمأكولون إذن هم الرعية، يأكلهم ملوكهم، بما يأخذونه منهم من حقوق وبما يفرضونه عليهم من واجبات، والآكلون هم الملوك، لأنهم يأكلون ولا يعطون. والحاكم ملك كان أو سيد قبيلة، هو حاصل المحيط الذي نشأ فيه، والبيئة التي عاش بين أهلها، لذلك نراه مستبدًّا إلى آخر حدّ من جهة، ونراه عطوفًا غافرًا للذنوب من جهة أخرى. وهو القانون والسلطة التنفيذية والتشريعية ولا راد لحكمه وقضائه، إلا التوسلات والوساطات وشفاعة الشفاع، فإن تأثر بالشفاعة غير رأيه وإن أصر على رأيه فلا راد لحكمه. وحكم هذا شأنه يكون خاضعًا لمزاج الحاكم ولدرجة هدوء أعصابه واتزانه، فإن كان الملك عاطفيًّا منفعلًا سريع التأثر، صار عهده عهد مشاكل ومؤامرات يكون قتل الأشخاص فيه من الأمور البسيطة. وما يومي البؤس والنعيم، إلا مثل على عقلية الحاكم في ذلك الوقت. وفي حكم كهذا تكثر فيه بالطبع الوشايات والمؤامرات، إذ يستغله الحساد وأصحاب الذكاء في

стр. 3045

الإيقاع بخصومهم، كالذي فعلوه من الإيقاع بين النعمان والشاعر النابغة صديقه والمقرب إليه، وكالذي فعلوه من الإيقاع بين "عمرو بن هند" وهو ملك متهور قلق، وبين سادات القبائل مما سبب إلى غزوهم وإلى استهتار بعض القبائل بحكمه وخروجه على طاعته. وقتل الأشخاص من أبسط الأمور بالنسبة إلى أولئك الحكام، فإذا أزعجهم شخص أو هجاهم شاعر أو انتقصهم أحد، فقد يكون القتل جزاء له في الغالب. وإذا أمر الملك بقتل إنسان، قتل، ما لم يشفع له شفيع قويّ مؤثر. وإذا كان أمر الملك بقتل الشخص في الحال، قتل دون تأخير. ولا راد لحكمه. فهو الحاكم وهو المنفذ للأحكام. ولا اعتبار لمنزلة الشخص الذي سيقتل، والشيء الذي يؤجل الموت أو يبعده عن شخص ما، هو هروبه إلى رجل منافس لهذا الحاكم كاره له، أو له دالة عليه، فينقذ لجوؤه إلى ذلك الشخص رقبته من سيف الجلاد. وللملك إحراق من يشاء إذا أراد، والتمثيل بجسم عدوه. وقد رأينا جملة ملوك من ملوك "آل لخم" و"آل غسان" وقد عرفوا "بمحرق"؛ لأنهم حرقوا أعداءهم بالنار. لم يحرقوا بيوتًا، بل بشرًا، وقد رأينا بعض الروايات، وهي تنسب إلى "المنذر بن ماء السماء" قتل راهبات وقعن في الأسر من غسان ليكنّ قرابين قربهن إلى العُزّى. ورأينا أمر "عمرو بن هند" بذبح تسعة وتسعين رجلًا من تميم على قمة "أوارة"، لأنه حلف يمينًا لينتقمن منهم بقتل مائة رجل منهم، وإحراقهم بالنار. فقيل له: المحرق. وضرب بفعله المثل في قصة يروونها عن هذا المثل: إن الشقي وافد البراجم١. وقد اشتهر "الجلندي" ملك "عمان" بظلمه، حتى ضرب به المثل. فقيل: "أظلم من الجلندي" و"ظلم الجلنديّ". وقيل: إنه هو الذي ذكره الله في كتابه، فقال: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ٢. ويذكر أهل الأخبار أن الملوك إذا أرادت قتل شخص، لبست جلود النمر وجلست تتفرج على من يراد قتله. ويعبر عن ذلك بالتنمر٣.

стр. 3046

أصول التشريع وسن القوانين: لا نملك اليوم نصوصًا في أصول التشريع وقواعده عند الجاهليين. إذ لم يعثر على نص خاص بهذا الموضوع. غير أن في بعض النصوص إشارات عابرة، يمكن أن نستنبط منها شيئًا عن قواعد التشريع عند العرب قبل الإسلام. وفي جملة هذه النصوص بعض النصوص القتبانية، ومنها النص الموسوم بـGlaser ١٦٠٦. والعرب من الشعوب التي تميل إلى الأخذ بالرأي، واستشارة ذوي الرأي والخبرة والسن. فنجد سيد القبيلة يستشير سادات القبيلة ووجوهها في الأمور الخطيرة التي تقع لقبيلته. كما نجد المدن والقرى تستنير برأي أولي الأمر في المشكلات التي تقع لها، لحلها وفقًا لما يستقر عليه رأي ساداتها. وفي العربية الجنوبية نجد للقبائل مجالسها كذلك، حيث يجتمع أصحاب الرأي في القبيلة، للنظر فيما يقع لقبيلتهم من أمر نابه وقضايا خطيرة يجب أخذ الرأي فيها. وكان للملوك مستشارون يستشارون في القضايا التي يعرضها الملك عليهم، بالإضافة إلى "المزاود" والمجالس الأخرى. وقد استشار الملوك أصحاب الأرض من طبقة "طبنن" "الطبن". والمستشارين الذين عرفوا بـ"فقضت" و"بتل"١، كانوا يجمعونهم لأخذ رأيهم في أمور الأرض وفي مسائل أخرى. كما استشاروا كبار رجال المعابد من درجة "رشو" و"شوع"٢. وكان لرأي هؤلاء أهمية كبيرة بالنسبة للملوك، لما كان لهم من نفوذ وكلمة في المجتمع. ولم يكتف الملوك بأخذ رأي الطبقات المذكورة عند إقرار قانون، بل كانوا يرسلون آرائها ووجهة نظرها إلى مجالس القبائل وإلى سادات ووجوه المدن والقرى والمستوطنات للوقوف عليها ولبيان رأيهم فيها، وذلك في القضايا العامة التي تشمل

стр. 3047

كل الدولة، مثل تنظيم أمور استثمار الأرض وفرض الضرائب والقوانين التجارية، لتدرس وتعالج على ضوء مصالح كل المتنفذين من ذوي الرأي والجاه في المملكة، على قدر الإمكان، وليكون في الإمكان تطبيقها وتنفيذها دون كبير اعتراض. ومتى جاء رأيهم ووقف الملك على كل الآراء وأحاط علمًا بها، عمل برأيه فيها واتخذ قرارًا باتًّا بموجبها. ويعبر عن اتخاذ قراره هذا بلفظة "جزمن" أي: "الجزم". جزم الملك برأيه وإمضائه لإصدار ذلك القانون. ويأمر عندئذ بتدوينه، ويعبر عن ذلك بجملة "سطرن ذت يدن"، أي: "وقد كتب القرار بيده"، كناية عن أنه أمر بنفسه بتدوينه ونشرهن فكأن يده ذاتها قد سطرته. وقد تدون جمل أخرى في هذا المعنى، مثل "تعلمه ذت يدن" و"تعلمه يدن" أي ووقعه بيده. بمعنى أمضاه وختمه بختمه، وذلك على ما يفعل رؤساء الدول من التوقيع تحت نص القوانين والأوامر، لإكسابها صبغة رسمية. وتذكر بعد اسم الملك أسماء بعض رجال الحاشية وكبار السادات وأعضاء المزاود، ممن يكونون قد ساهموا في إصدار القانون. ولهم قوة تنفيذية في المملكة. على نحو ما نفعل من ذكر اسم رئيس الوزراء والوزراء المختصين ممن لهم علاقة بتنفيذ القانون بعد اسم رئيس الدولة، دلالة على موافقتهم عليها، وإقرارهم لها. وبعد الانتهاء من موافقة الملك عليه بتثبيت اسمه عليه يدون وتحفظ نسخًا منه في خزائن الحكومة للرجوع إليها، ويقرأ القانون على الناس للاطلاع عليه. ثم يكتب على أحجار تثبت في جدر الساحات الكبيرة التي يتجمع فيها، لا سيما ساحات أبواب المدن والقرى التي تكون عند المداخل، وهي ساحات الإعلان١ ويكون القانون بذلك ملزمًا واجب التنفيذ، وعلى موظفي الحكومة والرعية العمل بما جاء فيه. وفي حالات سن القوانين التي تخص قبيلة واحدة أو مكانًا معينًا، يجتمع المجلس الاستشاري "المزود" لتلك القبيلة أو المكان، ثم يتداول في الأمر. وقد يحضره الملك بنفسه. وقد يحضره ممثل أو ممثلون عنه. وإذا اتخذ المجلس قرارًا في أمر ما، فله الحق بإصداره باسم الملك، كما أن له الحق بإصداره باسمه، أي: باسم المجلس الاستشاري الذي اتخذ القرار. وإذا صدر باسم الملك

стр. 3048

دلّ ذلك على أنه قانون رسمي وافقت الدولة عليه، أما في حالة إغفال الإشارة إلى اسم الملك في القرار، فإن ذلك يدلّ على أنه قانون خاص خصص بالموضع الذي أصدر المجلس قراره فيه. وتطبق أحكامه عليه وحده. ومن حق المجالس إقرار القوانين القديمة وتثبيتها، كما أن لها حق إلغائها أو تعديلها، ويصدر قرارها بقانون. ومن حقها أيضًا العفو عن المحكوم عليهم، عفوًا كليًّا أو جزئيًّا. وتنظيم حقوق الأرض بقوانين يصدرها عند الحاجة وحسب مقتضيات الأحوال١. ومن الصعب علينا في الوقت الحاضر تثبيت أسماء الهيئات المشرعة في العربية الجنوبية، أي: الهيئات التي كان من حقها سن القوانين ووضع الأنظمة. لأننا نجد في نصوص المسند أسماء مؤسسات سنّت قوانين ووضعت أنظمة في جباية الضرائب وفي تنظيم معاملات البيع والشراء والأرض. مثل "ذو عهرو" "عهرو" في قبيلة "فيشن" "فيشان" من قبائل سبأ و"مسخنن" "مسخنان" في سبأ كذلك. ومؤسسات أخرى لا نعرف الآن من أمرها شيئًا يذكر. يظهر أنها كانت مجالس ومؤسسات ذات طابع محلي تشمل صلاحيتها الموضع الذي تكون فيه وكان من حقها تشريع ما ترى ضروريًّا بالنسبة إلى تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لذلك المكان٢. ويستنبط من تعدد المجالس والجمعيات ومن الأعمال التي قامت بها، أن الحكم في العربية الجنوبية قبل الميلاد كان حكمًا قريبًا من الحكم "الديمقراطي" الشعبي. وأن سلطات الملوك كانت مقيدة ببعض القيود، فلم يكن الملك يصدر أمرًا إلا بعد أخذ رأي المجالس المختصة واستشارتها وأخذ موافقتها. والمجالس المذكورة وإن كانت في الواقع مجالس كبار أصحاب الأرض وأصحاب الجاه والنفوذ، ولا رأي لسواد الناس فيها، وكان للملوك نفوذ عليها ودخل في قراراتها، ولا سيما الملوك الكبار أصحاب الشخصية، إلا أن وجودها على تلك الصورة وعلى هذا النحو من الحكم، هوخير بكثير من عدم وجودها ومن حكم لا يستند على أي مجلس ولا على أية استشارة أو رأي، كما كان الوضع عند

стр. 3049

بعض الشعوب التي حكمها حكام مستبدون، حكموا شعوبهم حكمًا فرديًّا تعسفيًّا، لم يستند على رأي، لا رأي النخبة من الأمة، ولا رأي الشعب. ودام الحال على هذا المنوال إلى القرن الثاني للميلاد تقريبًا، ثم تبدل وتغير. فلما جاء القرن الثالث تقلص ظل حكم الأخذ بالشورى والرأي، حتى زال هذا الحكم، واختفى ذكر "المزاود"، ولم نسمع بعد ذلك لها خبرًا. ويظهر أن العربية الجنوبية قد سارت على الطريق التي سلكها ملوك اليونان وقياصرة "رومة" من التنكر للحكم "الديمقراطي" والابتعاد عنه، للأخذ بمبدأ حكم "الفرد"، وهيمنة الحاكم الأعلى على كل شيء. فلما بسط ملوك سبأ وذو ريدان وحضرموت سلطانهم على أرضين واسعة، وكونوا لهم جيشًا كثير العدد غزوا به أمارات والمخاليف، ازداد بذلك ملكهم، واتسع مالهم، وقضوا على من كان له رأي ونفوذ في المجالس حتى زالت المعارضة وصار الأمر بأيديهم، وبأيدي من يرضون عنهم ممن يأتمر بأمرهم. وبزوال قوة أصحاب المجالس، زال حكم الرأي والشورى الذي كان يحد بعض التحديد من سلطان الملوك، ويمنعهم من وضع القوانين من دون أخذ رأيهم، وصار الحكم إلى رأي الملوك وإلى رأي الأقوياء من كبار أصحاب "المخاليف". ومما ساعد على زوال حكم الأخذ بالمشورة والرأي واستبداد الملوك وكبار رجال الإقطاع بالحكم، هو تدفق الأعراب من الحجاز ونجد وسواحل الخليج إلى العربية الجنوبية وازدياد عددهم فيها، ولا سيما بعد انهيار حكم مملكة كندة وارتحالهم من منازلهم إلى العربية الجنوبية، فازداد بذلك نفوذ الأعراب واستغلهم الملوك للقضاء على نفوذ الأقيال والأذواء وذوي الإقطاع والنفوذ والجاه، حتى صار لهم نفوذ واسع في المملكة، وغدو قوة اعترف الملوك بها، فأشاروا إليها في لقبهم الرسمي الذي صار على هذا النحو: ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت وأعرابها في الأطواد والتهائم. وقد استغل سادة الأعراب حاجة أهل الحكم والمتنافسون عليه إليهم، ببراعة ودهاء فصاروا يؤيدون من يغدق عليهم بالمال، ومن يفسح لهم المجال للغزو والسلب والنهب، ومن يزيد على غيره في إعطاء المال لهم. وأخذوا يتنقلون من جهة إلى أخرى. يعيشون بالأمن في وقت كان الأمن فيه مضطربًا قلقًا. يهاجمون المدن والقرى والحكومات. وهذا ما أقلق "بال" الحكومات والرعية، وجعل الناس

стр. 3050

يخشون على حياتهم ومالهم، ويعشون بقلق، في ظل حكومات صغيرة عديدة، لا هَمَّ لها سوى مخاصمة بعضها بعضًا والتناحر، على عادة الحكومات المتنافسة الصغيرة في التكالب فيما بينها تكالب الكلاب. وقد امتاز هذا العهد بكثرة حروبه وبكثرة ظهور الثورات فيه. وباضطرار الملوك إلى قضاء معظم أوقات حكمهم في مكافحة تلك الثورات وفي محاربة الإقطاعيين الذين أراد الملوك تقليص نفوذهم. وهذا مما جسر الحبش على العربية الجنوبية، فدخلوا قوة فاتحة فيها. ووضع مثل هذا لا يساعد على قيام حكم "ديمقراطي" ولو بشكل هزيل. وقد أثرت هذه الحروب والاضطرابات على وضع العربية الجنوبية، فأخرتها كثيرًا، وقضت على ما كان فيها من حضارة، وجعلت البلاد بلاد حكومات: حكومات قبائل قرى ومخاليف وعشائر. ولو أن الحكم هو للملوك أو للأحباش أو للفرس. وبقي الحال على هذا المنوال حتى ظهر الإسلام، فقضى على الحكم الأجنبي في العربية الجنوبية. ولم يتمكن الحبش من حكم العربية الجنوبية كلها. ولم يكن من السهل عليهم حكمها لطبيعة أرضها ولتركز الإقطاع فيها، وهو نظام لازم تاريخها من قبل ظهور الحكم المركزي المنظم فيها، حتى صار من تراث تلك البلاد المميز لها في التاريخ. لقد اقتصر حكم الحبش في اليمن على مدن رئيسية معينة، كونت منطقة متصلة، أما خارجها فكان الحكم فيها بيد "الأقيال" الذين ركزوا حكمهم وقووه بتآزرهم وتعاونهم. وبقي الحال على هذا المنوال أيام الفرس أيضًا. بل أستطيع أن أقول: إن حكم الفرس كان حكمًا شكليًّا، مقتصرًا على بعض المواضع، أما الحكم الواقعي فكان للأقيال. ولا عبرة لما نقرأه في الموارد الإسلامية من استيلاء الفرس على اليمن، لأن هذه الموارد تناقض نفسها حين تذكر أسماء الأقيال الذين كانوا يحكمون مقاطعات واسعة في أيام حكم الفرس لليمن، وكان منهم من لقب نفسه بلقب ملك، وكان له القول والفعل في أرضه، ولا سلطان للعامل الفارسي عليه.
следующие страницы →