أصول التشريع وسن القوانين:
لا نملك اليوم نصوصًا في أصول التشريع وقواعده عند الجاهليين. إذ لم يعثر على نص خاص بهذا الموضوع. غير أن في بعض النصوص إشارات عابرة، يمكن أن نستنبط منها شيئًا عن قواعد التشريع عند العرب قبل الإسلام. وفي جملة هذه النصوص بعض النصوص القتبانية، ومنها النص الموسوم بـGlaser ١٦٠٦.
والعرب من الشعوب التي تميل إلى الأخذ بالرأي، واستشارة ذوي الرأي والخبرة والسن. فنجد سيد القبيلة يستشير سادات القبيلة ووجوهها في الأمور الخطيرة التي تقع لقبيلته. كما نجد المدن والقرى تستنير برأي أولي الأمر في المشكلات التي تقع لها، لحلها وفقًا لما يستقر عليه رأي ساداتها. وفي العربية الجنوبية نجد للقبائل مجالسها كذلك، حيث يجتمع أصحاب الرأي في القبيلة، للنظر فيما يقع لقبيلتهم من أمر نابه وقضايا خطيرة يجب أخذ الرأي فيها. وكان للملوك مستشارون يستشارون في القضايا التي يعرضها الملك عليهم، بالإضافة إلى "المزاود" والمجالس الأخرى.
وقد استشار الملوك أصحاب الأرض من طبقة "طبنن" "الطبن". والمستشارين الذين عرفوا بـ"فقضت" و"بتل"١، كانوا يجمعونهم لأخذ رأيهم في أمور الأرض وفي مسائل أخرى. كما استشاروا كبار رجال المعابد من درجة "رشو" و"شوع"٢. وكان لرأي هؤلاء أهمية كبيرة بالنسبة للملوك، لما كان لهم من نفوذ وكلمة في المجتمع.
ولم يكتف الملوك بأخذ رأي الطبقات المذكورة عند إقرار قانون، بل كانوا يرسلون آرائها ووجهة نظرها إلى مجالس القبائل وإلى سادات ووجوه المدن والقرى والمستوطنات للوقوف عليها ولبيان رأيهم فيها، وذلك في القضايا العامة التي تشمل
стр. 3047
كل الدولة، مثل تنظيم أمور استثمار الأرض وفرض الضرائب والقوانين التجارية، لتدرس وتعالج على ضوء مصالح كل المتنفذين من ذوي الرأي والجاه في المملكة، على قدر الإمكان، وليكون في الإمكان تطبيقها وتنفيذها دون كبير اعتراض.
ومتى جاء رأيهم ووقف الملك على كل الآراء وأحاط علمًا بها، عمل برأيه فيها واتخذ قرارًا باتًّا بموجبها. ويعبر عن اتخاذ قراره هذا بلفظة "جزمن" أي: "الجزم".
جزم الملك برأيه وإمضائه لإصدار ذلك القانون. ويأمر عندئذ بتدوينه، ويعبر عن ذلك بجملة "سطرن ذت يدن"، أي: "وقد كتب القرار بيده"، كناية عن أنه أمر بنفسه بتدوينه ونشرهن فكأن يده ذاتها قد سطرته. وقد تدون جمل أخرى في هذا المعنى، مثل "تعلمه ذت يدن" و"تعلمه يدن" أي ووقعه بيده. بمعنى أمضاه وختمه بختمه، وذلك على ما يفعل رؤساء الدول من التوقيع تحت نص القوانين والأوامر، لإكسابها صبغة رسمية. وتذكر بعد اسم الملك أسماء بعض رجال الحاشية وكبار السادات وأعضاء المزاود، ممن يكونون قد ساهموا في إصدار القانون. ولهم قوة تنفيذية في المملكة. على نحو ما نفعل من ذكر اسم رئيس الوزراء والوزراء المختصين ممن لهم علاقة بتنفيذ القانون بعد اسم رئيس الدولة، دلالة على موافقتهم عليها، وإقرارهم لها.
وبعد الانتهاء من موافقة الملك عليه بتثبيت اسمه عليه يدون وتحفظ نسخًا منه في خزائن الحكومة للرجوع إليها، ويقرأ القانون على الناس للاطلاع عليه. ثم يكتب على أحجار تثبت في جدر الساحات الكبيرة التي يتجمع فيها، لا سيما ساحات أبواب المدن والقرى التي تكون عند المداخل، وهي ساحات الإعلان١ ويكون القانون بذلك ملزمًا واجب التنفيذ، وعلى موظفي الحكومة والرعية العمل بما جاء فيه.
وفي حالات سن القوانين التي تخص قبيلة واحدة أو مكانًا معينًا، يجتمع المجلس الاستشاري "المزود" لتلك القبيلة أو المكان، ثم يتداول في الأمر.
وقد يحضره الملك بنفسه. وقد يحضره ممثل أو ممثلون عنه. وإذا اتخذ المجلس قرارًا في أمر ما، فله الحق بإصداره باسم الملك، كما أن له الحق بإصداره باسمه، أي: باسم المجلس الاستشاري الذي اتخذ القرار. وإذا صدر باسم الملك
стр. 3048
دلّ ذلك على أنه قانون رسمي وافقت الدولة عليه، أما في حالة إغفال الإشارة إلى اسم الملك في القرار، فإن ذلك يدلّ على أنه قانون خاص خصص بالموضع الذي أصدر المجلس قراره فيه. وتطبق أحكامه عليه وحده.
ومن حق المجالس إقرار القوانين القديمة وتثبيتها، كما أن لها حق إلغائها أو تعديلها، ويصدر قرارها بقانون. ومن حقها أيضًا العفو عن المحكوم عليهم، عفوًا كليًّا أو جزئيًّا. وتنظيم حقوق الأرض بقوانين يصدرها عند الحاجة وحسب مقتضيات الأحوال١.
ومن الصعب علينا في الوقت الحاضر تثبيت أسماء الهيئات المشرعة في العربية الجنوبية، أي: الهيئات التي كان من حقها سن القوانين ووضع الأنظمة. لأننا نجد في نصوص المسند أسماء مؤسسات سنّت قوانين ووضعت أنظمة في جباية الضرائب وفي تنظيم معاملات البيع والشراء والأرض. مثل "ذو عهرو" "عهرو" في قبيلة "فيشن" "فيشان" من قبائل سبأ و"مسخنن" "مسخنان" في سبأ كذلك. ومؤسسات أخرى لا نعرف الآن من أمرها شيئًا يذكر. يظهر أنها كانت مجالس ومؤسسات ذات طابع محلي تشمل صلاحيتها الموضع الذي تكون فيه وكان من حقها تشريع ما ترى ضروريًّا بالنسبة إلى تنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لذلك المكان٢.
ويستنبط من تعدد المجالس والجمعيات ومن الأعمال التي قامت بها، أن الحكم في العربية الجنوبية قبل الميلاد كان حكمًا قريبًا من الحكم "الديمقراطي" الشعبي. وأن سلطات الملوك كانت مقيدة ببعض القيود، فلم يكن الملك يصدر أمرًا إلا بعد أخذ رأي المجالس المختصة واستشارتها وأخذ موافقتها. والمجالس المذكورة وإن كانت في الواقع مجالس كبار أصحاب الأرض وأصحاب الجاه والنفوذ، ولا رأي لسواد الناس فيها، وكان للملوك نفوذ عليها ودخل في قراراتها، ولا سيما الملوك الكبار أصحاب الشخصية، إلا أن وجودها على تلك الصورة وعلى هذا النحو من الحكم، هوخير بكثير من عدم وجودها ومن حكم لا يستند على أي مجلس ولا على أية استشارة أو رأي، كما كان الوضع عند
стр. 3049
بعض الشعوب التي حكمها حكام مستبدون، حكموا شعوبهم حكمًا فرديًّا تعسفيًّا، لم يستند على رأي، لا رأي النخبة من الأمة، ولا رأي الشعب.
ودام الحال على هذا المنوال إلى القرن الثاني للميلاد تقريبًا، ثم تبدل وتغير.
فلما جاء القرن الثالث تقلص ظل حكم الأخذ بالشورى والرأي، حتى زال هذا الحكم، واختفى ذكر "المزاود"، ولم نسمع بعد ذلك لها خبرًا. ويظهر أن العربية الجنوبية قد سارت على الطريق التي سلكها ملوك اليونان وقياصرة "رومة" من التنكر للحكم "الديمقراطي" والابتعاد عنه، للأخذ بمبدأ حكم "الفرد"، وهيمنة الحاكم الأعلى على كل شيء. فلما بسط ملوك سبأ وذو ريدان وحضرموت سلطانهم على أرضين واسعة، وكونوا لهم جيشًا كثير العدد غزوا به أمارات والمخاليف، ازداد بذلك ملكهم، واتسع مالهم، وقضوا على من كان له رأي ونفوذ في المجالس حتى زالت المعارضة وصار الأمر بأيديهم، وبأيدي من يرضون عنهم ممن يأتمر بأمرهم. وبزوال قوة أصحاب المجالس، زال حكم الرأي والشورى الذي كان يحد بعض التحديد من سلطان الملوك، ويمنعهم من وضع القوانين من دون أخذ رأيهم، وصار الحكم إلى رأي الملوك وإلى رأي الأقوياء من كبار أصحاب "المخاليف".
ومما ساعد على زوال حكم الأخذ بالمشورة والرأي واستبداد الملوك وكبار رجال الإقطاع بالحكم، هو تدفق الأعراب من الحجاز ونجد وسواحل الخليج إلى العربية الجنوبية وازدياد عددهم فيها، ولا سيما بعد انهيار حكم مملكة كندة وارتحالهم من منازلهم إلى العربية الجنوبية، فازداد بذلك نفوذ الأعراب واستغلهم الملوك للقضاء على نفوذ الأقيال والأذواء وذوي الإقطاع والنفوذ والجاه، حتى صار لهم نفوذ واسع في المملكة، وغدو قوة اعترف الملوك بها، فأشاروا إليها في لقبهم الرسمي الذي صار على هذا النحو: ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت وأعرابها في الأطواد والتهائم.
وقد استغل سادة الأعراب حاجة أهل الحكم والمتنافسون عليه إليهم، ببراعة ودهاء فصاروا يؤيدون من يغدق عليهم بالمال، ومن يفسح لهم المجال للغزو والسلب والنهب، ومن يزيد على غيره في إعطاء المال لهم. وأخذوا يتنقلون من جهة إلى أخرى. يعيشون بالأمن في وقت كان الأمن فيه مضطربًا قلقًا. يهاجمون المدن والقرى والحكومات. وهذا ما أقلق "بال" الحكومات والرعية، وجعل الناس
стр. 3050
يخشون على حياتهم ومالهم، ويعشون بقلق، في ظل حكومات صغيرة عديدة، لا هَمَّ لها سوى مخاصمة بعضها بعضًا والتناحر، على عادة الحكومات المتنافسة الصغيرة في التكالب فيما بينها تكالب الكلاب.
وقد امتاز هذا العهد بكثرة حروبه وبكثرة ظهور الثورات فيه. وباضطرار الملوك إلى قضاء معظم أوقات حكمهم في مكافحة تلك الثورات وفي محاربة الإقطاعيين الذين أراد الملوك تقليص نفوذهم. وهذا مما جسر الحبش على العربية الجنوبية، فدخلوا قوة فاتحة فيها. ووضع مثل هذا لا يساعد على قيام حكم "ديمقراطي" ولو بشكل هزيل. وقد أثرت هذه الحروب والاضطرابات على وضع العربية الجنوبية، فأخرتها كثيرًا، وقضت على ما كان فيها من حضارة، وجعلت البلاد بلاد حكومات: حكومات قبائل قرى ومخاليف وعشائر. ولو أن الحكم هو للملوك أو للأحباش أو للفرس. وبقي الحال على هذا المنوال حتى ظهر الإسلام، فقضى على الحكم الأجنبي في العربية الجنوبية.
ولم يتمكن الحبش من حكم العربية الجنوبية كلها. ولم يكن من السهل عليهم حكمها لطبيعة أرضها ولتركز الإقطاع فيها، وهو نظام لازم تاريخها من قبل ظهور الحكم المركزي المنظم فيها، حتى صار من تراث تلك البلاد المميز لها في التاريخ. لقد اقتصر حكم الحبش في اليمن على مدن رئيسية معينة، كونت منطقة متصلة، أما خارجها فكان الحكم فيها بيد "الأقيال" الذين ركزوا حكمهم وقووه بتآزرهم وتعاونهم. وبقي الحال على هذا المنوال أيام الفرس أيضًا. بل أستطيع أن أقول: إن حكم الفرس كان حكمًا شكليًّا، مقتصرًا على بعض المواضع، أما الحكم الواقعي فكان للأقيال. ولا عبرة لما نقرأه في الموارد الإسلامية من استيلاء الفرس على اليمن، لأن هذه الموارد تناقض نفسها حين تذكر أسماء الأقيال الذين كانوا يحكمون مقاطعات واسعة في أيام حكم الفرس لليمن، وكان منهم من لقب نفسه بلقب ملك، وكان له القول والفعل في أرضه، ولا سلطان للعامل الفارسي عليه.
стр. 3051
حكومات مدن:
استعملت لفظة "حكومة" بالمعنى المجازي، فلم يكن للمدن حكومات بالمعنى
стр. 3052
المفهوم من الحكومة في الزمن الحاضر، أي: رئيس مفروض على المدينة بحكم الوراثة أو بحكم القوة، أو رئيس منتخب ينتخبه أبناء المدينة أو ساداتها وأشرافها لأجل معلوم أو لأجل غير معلوم.
ولم يكن لهذه المدن موظفون نيطت بهم أعمال معينة وواجبات محددة عليهم القيام بها، في مقابل أجور تدفع لهم. ولم يكن فيها مؤسسات ثابتة مثل المحاكم والشرطة لضبط الأمن والضرب على أيدي من يخلون بالأمن ويخرجون على أوامر المجتمع وقوانينه، ولم يكن فيها ما يشبه أعمال الحكومة المعروفة عندنا، لأن مجتمع ذلك العهد يختلف عن مجتمعنا الحديث.
فمكة مثلًا، وقد كانت من أبرز مدن الحجاز في القرن السادس للميلاد، لم تكن ذات حكومة. لم يكن يحكمها ملك، ولم يحكمها رئيس، وكذلك كان أمر "يثرب" و"الطائف" وسائر قرى العربية الغربية. لم يكن فيها أي شيء من هذه المؤسسات الثانية التي تكون الحكومة، والتي تتعاون لتدبير أمور الناس.
وكل ما كان في مكة، أسر، يعبر عنها بـ"آل" و"بني"، فيقال: "آل عبد المطلب" و"آل عبد شمس" و"آل هاشم"، و"بنو عبد المطلب" و"بنو عبد شمس" و"بنو هاشم"، وهكذا، تستوطن شعابًا خصصت بها.
وكل "شِعب" مجتمع قائم بنفسه، له سادته وأشرافه، وهم وجوه الشعب، وأصحاب الحل والعقد في هذا المجتمع.
ويقوم وجوه الشعب بفض ما يحدث بين أبناء الشعب من خلاف، وبالنظر في أمر المخالفين لأعرَاف الشِعْب وعاداته، وأحكامهم غير إلزامية ولا تسندها قوة تنفيذية، بل تنفذ بحكم الأعراف والأصول المرعية، وبحكم وجاهة هؤلاء الرؤساء ومكانتهم عند الشعب.
أما إذا حدث حادث تجاوز مداه حدود "الشِعب"، فشمل شعبًا آخر أو عدة "شِعاب"، فيكون أمر النظر فيه لسادات "الشعاب" التي يعنيها الأمر، فيجتمعون عندئذ للنظر في الأمر وللبت فيه بحكمة وبأناة قدر الإمكان، مراعاة للجوار، وإقرارًا للسلم. وإذا أخفق المجتمعون في اتخاذ قرار توسط بينهم وسطاء محايدون لفض ذلك النزاع بالتي هي أحسن.
وقد ينشب خلاف بين الأحياء على أمور تمس المصالح الكبيرة الخاصة بالأسر،
стр. 3053
فتفعل هذه الأحياء عندئذ ما تفعله القبائل، تلجأ إلى حلفائها، أو تجدد أحلافها، أو تعقد حلفًا جديدًا لتدافع به عن مصالحها، كالذي كان من أمر "حلف المطيبين" وما كان من أمر "الأحلاف"، أو من "حلف الفضول".
أما ما يعلق بأمر المدينة كلها، كأمر مكة مثلًا، من أمور تتعلق بأحوال السلم أو الحرب، فيترك النظر في ذلك إلى "الملإ" "ملأ مكة" مثلًا. وهم وجوه مكة وسادتها من كل الأسر، فيجتمعون في "دار الندوة" أو في دور الرؤساء للنظر في القضايا والبت فيها. فيبين الرؤساء آراءهم ويتناقشون فيها، فإذا اتفقوا على شيء ألزموا أنفسهم تنفيذه، وإن لم يتفقوا على شيء، وكان النزاع بين المجتمعين حادًّا، حاول كل فريق تأليف جبهة قوية لمقابلة الجبهة المعارضة، ولمنعها من الاعتداء عليها، وقد يعمد المتخاصمون إلى مقاطعة بعضهم بعضا، مقاطعة اقتصادية واجتماعية، كالذي حدث من مقاطعة أغلب قريش لآل هاشم وآل المطلب، بسبب تمسك أبي طالب بأن أخيه الرسول ودفاعه عنه. فما كان من بقية قريش إلا أن قررت مقاطعة "أبي طالب" ومن آزروه وانضم إليه.
ونجد في مكة نوعًا من التخصص في الأمور. والظاهر أن ذلك إنما كان عن استئثار بعض الرجال البارزين بعمل من الأعمال، ثم انتقل ذلك منه إلى ورثتهم بالإرث أو بالاتفاق أو بالنص، ثم صار سنة اتفق عليها، كالذي ورد من أمر "الرفادة" وهي ما كانت تخرجه قريش من أموالها وترفد به منقطع الحاج١.
وقد عرف "الرفادة" أنها شيء كانت قريش تترافد به في الجاهلية، فيخرج كل إنسان مالًَا بقدر طاقته، يجمعون من ذلك مالًا عظيمًا أيام الموسم، فيشترون به للحاج الجزر والطعام والزبيب للنبيذ، فلا يزالونه يطعمون الناس حتى تنقضي أيام موسم الحج. وكانت الرفادة لبني هاشم. وذكر أن أول من قام بالرفادة "هاشم بن عبد مناف" وسمي هاشمًا لهشمه الثريد٢.
وكالذي ورد من أمر "السقاية"، سقاية الحاج. وقد عرفت أنها مأثرة من مآثر قريش في الجاهلية. وهي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها "العباس بن عبد المطلب" في الجاهلية والإسلام٣.
стр. 3054
وكالذي جاء من أمر "السدانة" مع "الحجابة". والسادن: خادم الكعبة بيت الأصنام. وكانت السدانة في الجاهلية لبني عبد الدار، فأقرها النبيّ لهم في الإسلام، والسدنة هم الذين يتولون فتح باب الكعبة وإغلاقها وخدمتها١.
وأما "الحُجّاب" فهم سدنة البيت أيضًا. وذكر أن الفرق بين السادن والحاجب أن الحاجب يحجب وإذنه لغيره، والسادن يحجب وإذنه لنفسه٢ والحجبة هم حجبة البيت. ورد في الحديث: "قالت بنو قصيّ: فينا الحجابة، يعنون حجابة الكعبة، وهي سدانتها، وتولي حفظها، وهم الذين بأيديهم مفاتيحها"٣.
وكالذي ذكر من أم "الندوة"، والندوة التجمع والجماعة. و"دار الندوة": دار الجماعة، سميت من النادي. وكان إذا حزبهم أمر، ندوا إليها، فاجتمعوا للتشاور٤.
وكالذي روي من أمر "المشورة". وذلك أن رؤساء قريش كانوا إذا أرادوا أمرًا استشاروا ذوي الرأي، والعقل والحنكة، ومن هؤلاء "يزيد بن زمعة بن الأسود"، وهو من "بني أسد". فكانوا إذا أرادوا أمرًا ذهبوا إليه، وعرضوه عليه. فإن وافقه والاهم عليه وإلا تخيرز وكانوا له أعوانا. وقد أسلم، واستشهد بالطائف٥.
ومن الأعمال التي كانت في مكة "الأشناق". وهي الديات والمغرب. وكانت لأبي بكر، وهو من "بني تيم" فكان إذا احتمل شيئا فسأل فيه قريشًا صدقوه وأمضوا حمالة من نهض معه. وإن احتملها غير خذلوه٦. ويدل هذا على أن تقدير الأشناق لم يكن ثابتًا، بل كان يعود إلى تقدير صاحب الأشناق. كما يدل أن غيره قد قام به.
ومن أعمال مكة "السفارة، وذلك أن أهل مكة كانوا إذا وقعت بينهم وبين غيرهم حرب بعثوا سفيرًا، وإن نافرهم حي لمفاخرة جعلوا لهم منافرًا لينافرهم.
стр. 3055
وكانت السفارة والمنافرة في "بني عدي" عند ظهور الإسلام. وكان الذي يتولاها إذ ذاك "عمر بن الخطاب"١.
وذكر أهل الأخبار أن "بني سهم" "الحارث بن قيس"، وكانت إليه الحكومة والأموال المحجرة التي سموها لآلهتهم٢، والتي كانوا يخصصونها من مغانمهم في السلم وفي الحرب.
ومن أعمالهم "الأيسار"، وهي "الأزلام"، وقد ذكر أهل الأخبار أنها كانت في "بني جمح"، ويتولاها منهم "صفوان بن أمية". فكان لا يُسبق بأمر عام حتى يكون هو الذي تسييره على يديه٣.
ومن الأعمال الأخرى التي ذكرها أهل الأخبار "العمارة". وكان الذي يتولاها عند ظهور الإسلام "العباس". وكان ينهى الناس من أن يتكلم أحدهم في المسجد الحرام بهجر ولا رفث ولا أن يرفع صوته٤.
وأشار أهل الأخبار إلى ما يسمى بـ"حُلْوان النفر" وقالوا: إن العرب لم تكن تملك عليها في الجاهلية أحدًا، فإن كانت حرب أقرعوا بين أهل الرياسة، فمن خرجت عليه القرعة أحضروه صغيرًا كان أو كبيرًا. فلما كان يوم الفجار، أقرعوا بين بني هاشم، فخرج منهم العباس، وهو صغير، فأجلسوه على المجن٥.
وقد كانت سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام وحلوان النفر في بني هاشم٦.
واهتم أهل مكة بأمر الحروب والدفاع عن مدينتهم. ويقتضي ذلك وجود أناس لهم خبرة وتجربة في الحرب، ولهم رأي في أحوالها وأصولها وحيلها وخدعها. فالحرب خدعة، ولا بد للقائد من اللجوء إلى الخدع والحيل الحربية للتغلب على خصمه. ونظرًا لضرورة التهيؤ للحرب في أيام السلم، أوجد أهل مكة بعض الأعمال وعهدوا إلى أصحابها القيام بها. منها القبة والأعنة وخزن الأسلحة وحمل اللواء والقيادة.
стр. 3056
أما "القبة" فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهزون به قريشًا.
وأما "الأعنة"، فيكون صاحبها على خيل قريش في الحرب١. وكانتا إلى "خالد بن الوليد" وهو من "بني مخزوم" عند ظهور الإسلام.
وذكر أن قريشًا كانوا يحفظون الأسلحة عند "عبد الله بن جدعان"، فإذا احتاجوا إلى السلاح وزعه فيهم٢. فبيته مخزن قريش للأسلحة. ويذكر أن القبائل كانت إذا حضر المواسم أودعت سلاحها "عبد الله بن جدعان"، فإذا انتهى الموسم وقررت العودة استعادته منه، وذلك لأمانته ولشرفه ولوثوق الناس به.
ومن الأعمال التي لها علاقة بالحرب: "اللواء". وذكر أن "عثمان بن طلحة" وهو من "بني عبد الدار" كان إليه اللواء والسدانة مع الحجابة، ويقال: والندوة أيضًا. وكانت هذه في "بني عبد الدار". وورد في خبر آخر إن راية "العقاب" وهي راية قريش، كانت عند "أبي سفيان" وهو من "بني أمية"٣.
و"العقاب" راية للنبي، كما ورد في الحديث. وذكر أن العقاب علم ضخم، يعقد للولاة شبه بالعقاب الطائر٤.
والقيادة: قيادة جيش مكة. وقد كانت إلى بني أمية في الغالب٥. ولكن العادة أن يتولى سادات مكة قيادة أحيائهم في القتال. فيقود سيد كل شعب أبناء شعبه ويوجههم حيث يرى في المعركة. أما التنسيق بين خطط المقاتلين لإنجاح المعركة فيكون أمره إلى من تسلمه قريش قيادتها العامة في الحرب من الرجال المحاربين أصحاب الرأي في الحروب. وكان "حرب بن أمية" قائد قريش في الفجار وفي ذات نكيف.
ويجب أن نضيف إلى ما تقدم قيادة قوافل قريش، وقد كان أمر "عير قريش" إلى "أبي سفيان" عند ظهور الإسلام٦. و"عير قريش" قافلتها. وقد كانت رئاسة القوافل من الأعمال الهامة في أيام الجاهلية. وعندما تعود القافلة سالمة غانمة يستقبل قائدها استقبال الأبطال. وقد أشير في الكتابات اللحيانية والتدمرية إلى "رئيس القافلة"، على أنه من الشخصيات المهمة البارزة في تدمر وعند اللحيانيين.
стр. 3057
وكذلك كان أمر قائد قافلة قريش ولا شك. وورد في الكتابات النبطية لقب آخر غير لقب: "زعيم القافلة" هو "زعيم السوق"، سأتحدث عنه فيما بعد١.
وذكر أن من أعمال قريش في الجاهلية، عمل يقال له: "العمارة". وكان إلى "العباس بن عبد المطلب"، بالإضافة إلى السقاية٢. وقد خرجت عليه القرعة يوم الفجار، فنصب رئيسًا على "بني هاشم". وكان من عادة قريش والعرب –كما يزعم أهل الأخبار- أنهم لم يكونوا يملّكون أحدًا عليهم. فإن كان حرب أقرعوا بين أهل الرئاسة، فمن خرجت عليه القرعة أحضروه، صغيرًا كان أو كبيرًا. فلما خرجت القرعة على العباس، وهو صغير، جاءوا به، فأجلسوه على المجن.
و"العمارة" عمارة البيت. وقد عدت من مفاخر قريش وقد أشير إليها في القرآن: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ٣. وقد ورد أن ممن تولاها "العباس بن عبد المطلب"٤ و"شيبة بن عثمان"٥. وذكر أن "المشركين قالوا: عمارة البيت وقيام على السقاية خيرٌ ممن آمن وجاهد. وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل إنهم أهله وعماره. فذكر الله استكبارهم وإعراضهم"٦.
أما بخصوص نظام الحكم في يثرب، فإنه لا يختلف عن طريقة نظام الحكم في مكة، فلم يكن لأهل يثرب عند ظهور الإسلام رئيس وقد حاول بعض سادتها من الأوس والخزرج تنصيب أنفسهم ملوكًا على المدينة، غير أنهم لم يفلحوا في مسعاهم فلم ينصبوا ملوكًا عليها. والظاهر أن للمنافسة الشديدة العنيفة التي كانت بين الأوس والخزرج على الزعامة والرئاسة يدًا في عدم تمكين أي أحد من سادة يثرب من الانفراد بزعامة المدينة وبالسيادة عليها. وقد يكون لوجود اليهود بيثرب يد في تعميق الخلاف بين "أولاد قيلة"، إذ لم يكن من مصلحتهم اتفاقهم وإجماعهم على اختيار رئيس واحد قوي. فالرئيس القوي سيبسط نفوذه من غير شك على يهود يثرب أيضًا، ويستذلهم ويجعلهم أتباعًا له. أما في حالة تشتت
стр. 3058
كلمتهم وتشاحنهم فستكون لليهود إمكانية إثارة فريق على فريق، والاستفادة من سياسة فرق تسدّ. وبذلك يكون أمرهم ونهبهم في أيديهم بدلًا من أن يكون في أيدي "صاحب يثرب".
وقد حاول أهل يثرب من الأوس والخزرج حل مشكلة الحكم في مدينتهم حلًّا وسطًا، على قاعدة: أن من الأوس أمير ومن الخزرج أمير. يحكمان حكمًا مشتركًا، أو على التوالي، كأن يحكم سيد الأوس سنة، ثم يترك الحكم لسيد الخزرج ليحكم السنة التالية، ثم يعود فينسحب ليتولى الحكم سيد الأوس وهكذا، غير أن الحل لم ينجح أيضًا، وبقيت المشكلة: "مشكلة الحكم" مستعصية غير محلولة حتى دخل الرسول يثرب، لحلها حلًّا أزعج بعض من كان طامعًا في الحكم وكان يرغب أن يكون سيد يثرب.
هذا ولم نعثر في الأخبار الواردة إلينا عن يثرب، على خبر يفيد وجود "ناد" في هذه المدينة على شاكلة "دار الندوة" أو نواد الملأ. والظاهر أنه قد كان للنفرة الشديدة التي كانت بين الحيين: الأوس والخزرج يد في عدم ظهور مجلس حكم موحد في هذه المدينة. فبغض كل حي للحي جعل الاتفاق فيما بينهما على تكوين مجلس واحد من "ملأ" المدينة أمرًا صعبًا، على حين كان ذلك ممكنًا بالنسبة لأهل مكة، لأنهم كانوا كتلة واحدة، ومصلحتهم في حكم مشترك هي مصلحة عامة. ولم تكن المنافسات عندهم بين الأسر شديدة حادة، لذلك كان من الممكن اجتماع سادات الأسر في مجلس واحد، لا سيما وهم تجار، ومن مصلحة التاجر تمشية الأمور وتصريفها بالطرق السلمية، وحلها بغير تعنت ولا تشدد وغطرسة.
وكان أمر "الطائف" في أيدي "ملأ المدينة". يديرون شئونها في أيام السلم والحرب، ولم يرد في الأخبار أن أهل الطائف توجوا رجلًا عليهم، فجعلوه ملكًا، ولم يرد فيها أيضًا أنهم رأسوا رئيسًا عليهم، بل كانت الرئاسة في عدد من الرؤساء، هم سادات البطون والأحياء. ولكل رئيس كلمته في حيّه الذي يقيم فيه.
стр. 3059
الفصل الثالث والخمسون: حقوق الملوك وحقوق سادات القبائل
مدخل
...
الفصل الثالث والخمسون: حقوق الملوك وحقوق سادات القبائل
وبعد أن تكلمت على أصول الحكم عند الجاهليين وعلى الأشخاص الذين كانوا يتولون إدارة الحكم وتصريفها، وجب أن أتكلم على حقوق الملوك وحقوق سادات القبائل على أتباعهم، أي: الواجبات التي يجب أن يؤديها الأتباع إلى سادتهم وحكامهم من طاعة ومن مال، فأقول:
стр. 3060
حقوق الملوك:
والملك هو السلطة العليا في المملكة وهو الموجه والمدير لأمورها. وله على أتباعه حقوق، منها: حق التسليم والخضوع والطاعة. فطاعة الملك طاعة واجبة. وله حق جباية الشعب، أي: أخذ الضرائب منه؛ ضرائب على الزراعة، وضرائب على التجارة، وحق إعلان النفير والحرب، والامتناع عن دفع حقوق الملوك المتفق عليها، والخروج على أمره هو خروج على الحق والقانون.
هذا وإننا نأسف إذ نقول إننا لا نملك كتابات جاهلية تتحدث عن حقوق الملوك وعن الواجبات التي على الشعب القيام بها تجاههم، فما نتحدث به عن هذا الموضوع مستمد من بعض الأوامر والإرادات التي أصدرها ملوك من العربية الجنوبية، في تنظيم الأعمال وفي كيفية التجارة والاتجار أو في الضرائب التي على
стр. 3061
التاجر أو المزارع أداؤها للملوك، وبعض آخر أخذ من كتب أهل الأخبار والتواريخ وكتب الشعر والنثر، وفيها نتف وردت عرضًا عن بعض حقوق الملوك وسادات القبائل في الجاهلية الملاصقة للإسلام.
والملك هو قائد شعبه أيام السلم وأيام الحرب، يرأس جيشه في القتال ويختار من يشاء لقيادة الجيش. وهو القاضي الأعلى والحاكم فيما يقع بينهم من خلاف.
وهو الرئيس الروحي لأمته وكاهنها في الأصل. غير أن الملوك تركوا هذه القيادة الروحية، أي: الزعامة الدينية لغيرهم، وهم رؤساء الدين، واحتفظوا بالسلطة الزمنية التي تشمل سلطة القيادة والحكم.
стр. 3062
بيت المال:
والملك هو صاحب أرض الدولة والقيّم عليها. وله حق منح الأرض لمن يشاء وانتزاعها عمن يشاء، أو تأجيرها لمن يرى. والأرض عند العرب الجنوبيين هي ملك الآلهة، وليس على وجه الأرض ملك لإنسان. غير أن هذا لا يعني أن الأرض ومن عليها ملك لرجال الدين باعتبار أنهم ألسنة الآلهة الناطقة على هذه الأرض والممثلون لهم في هذا العالم، فهم وحدهم إذن لهم حق إدارة الأرض واستغلالها، وذلك لأن الملوك سلبوهم هذا الحق واستبدوا به ومارسوه ونصبوا أنفسهم خلفاء على الأرض، وصاروا أوصياء الآلهة على أموالها. وهكذا فسرت قاعدة "المال مال الآلهة" تفسيرًا يجعل حق الأشراف على "مال الآلهة" في هذه الأرض للملوك ولأصحاب السلطان الفعلي الحاكمين حكمًا بقانون القوة، أما رجال الدين الذين يجب أن يكونوا هم خلفاء الآلهة على الأرض والمنفذين لأوامرها، فقد خضعوا لحكم الواقع، ورضوا بما حصلوا عليه من حقوق وامتيازات، وصاروا إلى جانب الملوك في الغالب، لتشابه المصلحتين، وحصل التراضي على إعطائهم حقوقًا وامتيازات واسعة، واستقلالًا في إدارة أموال المعابد، بحيث لا يكون للحكومة أي سلطان عليها، وهي مستثناة من دفع الضرائب التي يجب على سائر الناس دفعها إلى الحكومة، فصار المعبد من ثم سلطة ذات ثراء وسلطان تلي سلطة الحكومة ولها ضرائب يدفعها المؤمنون المتقون١
стр. 3063
والملوك هم من كبار أصحاب الملك في الدولة، فإلى جانب حقهم المتقدم في اعتبارهم خلفاء الآلهة على الأرض في إدارة ملكها، نجدهم يمتلكون أرضين واسعة وأملاكًا شاسعة ويتاجرون باسمهم، فيرسلون القوافل للتجارة. والأرض التي يمتلكها الملوك، هي أرضون خاضعة لهم مباشرة، لأنها ملكهم الخاص. ومعنى ذلك أن منفعتها تكون خاصة بهم. فلا يصرف منها على المصلحة العامة، إلا إذا أراد الملك أن يتبرع بذلك رضاء، وله بالطبع أن يهدي منها ما يشاء إلى من يشاء، كما يفعل أي مالك، وهو يؤجر أرضه لمن يريد، ويقال لما يدفع له في مقابل ذلك "نحلث"١.
والأرضون المفتوحة عنوة هي من حق الدولة، تضاف إلى أملاكها وتسجل باسمها، وتعد من "بيت المال"، ويكون حق النظر في أمرها والإشراف عليها واستغلالها للملك؛ لأنه رئيس الدولة وحاكمها، وله الخيار في كيفية التصرف بها. له أن يعطيها للأقيال في مقابل ضريبة حربية يقدمونها له تسمى "ساولت" أو في مقابل إيجار يتفق عليه يقال له: "ثوبت"، وله أيضًا أن يبيعها متى شاء، ويعبر عن ذلك بـ"شامت" أي: بيع٢.
ويراد بضريبة "ساولت" أي: الضريبة الحربية، تعهد أصحاب الأرض بتقديم المحاربين إلى الدولة، ويتفق على العدد وعلى وقت التقديم، ويسجل ذلك في عقد الاتفاق. ويقوم أصحاب العقد بالإنفاق عليهم وبتقديم كل ما يحتاج المحارب إليه من عدة وسلاح. والغالب أن يقوم بذلك المحارب نفسه، لأنه رجل مسخر مأمور، فهو من أتباع صاحب الأرض، ينتزعه سيده من أرضه، ويرسله إلى الخدمة وقت الحاجة إليه.
ولما فتح "كرب إيل وتر" ملك سبأ أرض أوسان ودهس، وفتح عنوة كل أرض "عبدان" ومدنها وقراها وأوديتها وحصونها ومراعيها، صارت كل هذه الأرضين وما عليها من محاربين ومن مدنيين أحرار وعبيد ملكًا لدولة سبأ وسجلت في جملة مقتنياتها. ويلاحظ أن سلطنة العوالق العليا عدت "وادي عبدان" الذي هو في جنوب "نصاب" من "أرض الدولة" أي: من أملاك السلطان، ومن
стр. 3064
أرض "ربيت المال" ورقبتها بيد "سلطان العوالق"١.
وبالإضافة إلى الأرضين المفتوحة عنوة، ضم ملوك سبأ إلى أملاك الدولة أرضين اشتروها شراءً، واشتروا كل ما كان عليها من ناس وحيوان وزرع. فقد كان المشتغلون بالأرض يعدون تابعين لها فيباعون معها وهم ملك لها. وهم طبقة خاصة من طبقات عبيد الأرض.
ولم تتحدث الكتابات عن حقوق الملك وعن مدى صلاحياته في الحكم، ولكننا نستطيع أن نقول قولًا عامًّا إن سلطات الملك كانت كسلطات الملوك الآخرين في الأقطار الأخرى، تتوقف على شخصية الملك وسلطانه وقدرته، فهو ملك ذو سلطان واسع مطلق، أوامره قوانين، وإرادته مطاعة، يحد سلطانه المتنفذين ويخضعهم لحكمه إن كان الملك صاحب شخصية قوية وعزم، وهو مغلوب على أمره يحكم اسمًا إن كان ضعيفًا خائر العزم، وتحكم المملكة العناصر القوية صاحبة السلطان من أبناء الأسرة المالكة، أو من سادات القبائل أو رجال الدين، فعلى هذه الأحوال إذن كانت تتوقف سلطات الملك وأعماله في المملكة.
وللملوك حق يسمى "حق الإحماء". فإذا أعجب الملك بأرض أو بعشب، أعلن حمايته لتلك الأرض، أو لذلك العشب، فلا يسمح عندئذ لأحد بدخول "الحمى" أي: المكان المحمي دون إذن الملك أو الشخص المخول من الملك بهذا الحق. ويدخل في هذا الحق حق حماية الحيوان أو النبات. وكان ملوك الحيرة يحمون الأرضين والحيوانات، كالإبل والخيل والكباش، فتكون لهم، لا يسمحون لغيرهم بالانتفاع منها. ولما وثب "علباء بن أرقم اليشكري" على كبش للنعمان ابن المنذر، كان من أحماه، أي جعله حمى، فذبحه، حمل إلى النعما، فاعتذر إليه وعفا عنه٢.
وكان "النعمان بن المنذر" يحمي مواضع عديدة قرب الحيرة وعلى مبعدة منها. ترعى فيها إبله وبهائمه، منها أرض "سحيل". أرض بين الكوفة والشأم٣.
стр. 3065
أموال الدولة:
ذكرت أن الأرض هي ملك الآلهة في نظر العرب الجنوبيين، وأن "المكربين" والملوك هم خلفاء الآلهة على الأرض، وهم المسؤولون عن الأرض وعن الملك وعن تطبيق أوامر الآلهة ونواهيها بين الناس. وهم حماة الملكية. وكل أرض الدولة هي ملك الحاكم من حيث المبدأ، والحاكم هو الذي يقر الملكية ويثبتها لأتباعه ويحافظ عليها١.
والملكية بصورة عامة، إما أن تكون ملكية الدولة، وإما أن تكون ملكية الملك أو الحكام، أي: أملاكهم الخاصة بهم المسجلة باسمهم، وإما أن تكون من أملاك المعابد، من أوقاف وغيرها وإما أن تكون من ملكية أشخاص وهي:
أملاك ثابتة، أي: غير منقولة، مثل أرض وبئر وحدائق وبساتين، وأموال منقولة مثل: بهائم وأثاث وغير ذلك مما يمكن نقله من مكان إلى مكان.
وأعني بأرض الدولة، أرض الفتوح. وهي كل أرض تفتتح عنوة، فتعد مالًا من أموال الدولة، وتسجل باسم الدولة، كأن تسجل باسم شعب مَعين أو شعب سبأ، وتقيد عند تسجيلها باسم آلهة ذلك الشعب، باعتبار أنها هي المالك الحقيقي الشرعي. وتقوم الحكومة بإدارتها وبالإشراف عليها وباستغلالها واستثمارها إما مباشرة، أي: بتعيين موظفين لإدارتها، وإما بإعطائها إقطاعًا أو كراء إلى غير ذلك من طرق الاستثمار. ويسجل وارد هذه الأملاك باسم الدولة ويدخل في خزانتها، وينفق منه على المشاريع العامة، وفي ضمنها رواتب الموظفين وأجور المشتغلين في إدارة هذه الأملاك.
ويمكن تسمية أرض الدولة بأرض السلطان أو أرض "ميري" أو "أرض سَنِيّة" في المصطلح الحديث.
ومن أملاك الدولة: الصوافي. وهي الأرضين التي استولي عليها، وكانت تابعة لحكومة سابقة. فتكون حقًّا من حقوق الدولة المنتصرة وغنيمة لها. وتدخل فيها الأملاك والأرض التي جلا عنها أهلها أو ماتوا ولا وارث لها. فقد كان الملوك يستصفون الأرضين التي يستولون عليها بالقوة ويجعلونها ملكًا لهم. وهي غير
стр. 3066
"الصفايا"، أي: ما يختاره الرئيس من المغنم ويصطفيه لنفسه قبل القسمة من فرس أو سيف أو غيره١.
والصوافي في الإسلام: الأملاك والأرض التي جلا عنها أهلها أو ماتوا ولا وارث لها. والضياع التي يستخلصها السلطان لخاصته. وكانت "صفية" بنت "حيي" من الصفايا، اصطفاها الرسول لنفسه من غنيمة "خيبر"٢.
стр. 3067
أموال الملوك:
وإلى جانب أموال الدولة، توجد أموال الملوك. وهي أموالهم الخاصة بهم والمسجلة بأسمائهم لأنها ملك لهم. يتصرفون بها تصرفًا مباشرًا، أو يؤجرونها لأتباعهم في مقابل أجر يقال له "نحلت". والعادة أن الذي يستأجرها هم كبار الناس وسادات المجتمع يأخذونها منهم بشروط سهلة، ثم يؤجرونها لمن هم دونهم بشروط صعبة، للاستفادة من الفرق بين سعري الإيجارين. وقد يؤجرونها الملوك إلى قبيلة، وتكون القبيلة مسئولة كلها أمامه عن الأرض. فيذكر في العقد اسم القبيلة المستأجرة باعتبار أنها هي التي أجرت ذلك الملك. إلا أن الغالب هو أن سادات القبائل، هم الذين يتصرفون بالأرض المستأجرة، فيؤجرونها إلى أتباعهم بشروط ثقيلة. ليربحوا من الفرق. ويكونون هم المسؤولين عن تقديم الـ"نحلت" أي: بدل الإيجار إلى الملوك١.
ويحدث في كثير من الأوقات أن كبار الإقطاعيين وكبار سادات القبائل، يستأثرون بأملاك الدولة وبأملاك الملوك، ويتصرفون بها تصرفًا اعتباطيًّا، ولا تتمكن الحكومة من عمل شيء تجاههم لأنهم أقوياء، لذلك تضطر الدولة إلى مداراتهم ومسايستهم، بأن تأخذ منهم "نحلت" نحلة"، أي: أجرًا رمزيًّا، يكون بمثابة اعتراف منهم بأن الأرض التي استأثروا بها هي ملك للدولة وللملوك. ويقومون هم باستغلالها وبالتصرف بها كيف يشاءون. ولا يزال هذا الوضع معروفًا حتى
стр. 3068
اليوم، فقد كان سادات القبائل قد وضعوا أيديهم على أرضين "حكومية" أي: "ميري"، وتصرفوا بها وكأنها أرض تملك "طابو" في مقابل أجر رمزي زهيد، ومنهم من استولى عليها وسجلها باسمه، فصارت ملكًا صرفًا له. بعد بذله مبلغًا زهيدًا اعتبر ثمنًا لتلك الأرض.
стр. 3069
الأوقاف:
وقد كانت المعابد أوقاف حبست عليها، ولها موظفون لجباية غلتها، هي أوقاف قديمة سجلت اسم المعابد منذ كان الكهان "المكربون" يتولون أمور الحكم وأوقاف كان يحبسها الأغنياء الأتقياء في حياتهم أو بعد وفاتهم على المعابد، قربة إلى الآلهة. وهي معفوة من الضرائب، فلا تدفع للحكومة أي ضريبة؛ لأنها أملاك المعبد. ويدفع المستغلون للأوقاف حق التصرف بالأوقاف إلى المعبد، لأنه هو المالك الشرعي للوقف. كما سأتحدث عن ذلك بالقسم الخاص بالمعبد.
وكان أهل الجاهلية يحبسون السوائب والبحائر والحوامي وما أشبهها، فلا يعتدي عليها ولا يستغلها أحد. فلما جاء الإسلام، نزل القرآن بإحلال ما كانوا يحرمون منها وإطلاق ما حبسوا. وعرف ذلك بـ"الحبس"١. وكانوا في الجاهلية يحبسون مال الميت ونسائه. كانوا إذا كرهوا النساء لقبح أو قلة مال حبسوهن عن الأزواج لأن أولياء الميت كانوا أولى بهن عندهم. وفي حديث ابن عباس: لما نزلت آية الفرائض قال النبي، ﷺ : "لا حبس بعد سورة النساء" أي: لا يوق مال ولا يزوى عن وارثه، إشارة إلى ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من حبس مال الميت ونسائه٢.
وكانوا يحبسون الأرض والنخل والكروم وغير ذلك على أصنامهم، ويجعل بعضهم غلتها على أبناء السبيل. وذكر أن "الحبس" يقع على كل شيء وقفه صاحبه وقفًا محرمًا لا يورث ولا يباع من أرض ونخل وكرم ومُستغل.
стр. 3070
سمات الملك:
وكانوا يَسِمون إبل الملوك وماشيتهم بسمة خاصة، لتكون علامة على أنها من ملك الملوك والدولة. كما كان الأشخاص يَسِمون إبلهم وماشيتهم بسمات خاصة بهم، لتكون دلالة على تبعيتها لصاحب "الميسم". والوسم أثر الكي.
والميسم: هو الحديدة التي يكوى بها، واسم للآلهة التي يوسم بها. والأصل في الوسم أن يكون بكي، ثم أطلقوه على كل علامة، مثل قطع في أُذن أو قرمة تكون علامة، أو ضروب الصور. وكان الرسول يسم إبل الصدقة بميسم، أي: يعلم عليها بالكي١.
ووضعوا الريش علامة وسمة لجمالهم، ليعرف من يراها أنها من إبل الملوك، فلا يقترب منها٢. وكانوا إذا أرادوا تشريف أحد، حملوه على هذه الإبل أو أهدوه منها. "ومن المجاز: أعطاه، أي: النعمان النابغة مائة من عصافيره بريشها، أي: بلباسها وأحلاسها. وذلك لأن الرحال لها كالريش، أو لأن الملوك كانت إذا حبت حباء جعلوا من أسنمة الإبل ريشًا، وقيل: ريش النعامة؛ ليعرف أنه من حباء الملك"٣.
وذكر أن الملوك كانوا يضعون الريش في أسنمة الإبل وتغرز فيها، وكانت تجعل الريش علامة لحباء الملك؛ تحميها بذلك وتشرف صاحبها٤.
وقد عرفت إبل الملك "النعمان بن المنذر" بأصالتها وبجودة جنسها وبنجابتها.
وذكر أن أكرم فحل كان للعرب من الإبل كان يسمى عصفورًا، وتسمى أولاده عصافير النعمان. وكان إذا وهب منها لأحد عد ذلك تقديرًا وتعظيمًا له. حتى كانوا يقولون: "حباه بكذا وكذا من عصافيره"، و"وهب له مائة من عصافيره". وذكر أن من فحول إبل "النعمان" الأخرى "داعر" و"شاغر" و"ذو الكبلين"٥.
ولأهمية السمات في ذلك الوقت، وضعوا لها أسماء، ذكرت في كتب اللغة
اتجار الملوك وسادات القبائل:
ولم تكن الموارد المذكورة لتسدّ حاجة الملوك، وسادات القبائل، لذلك عمدوا إلى موارد أخرى لاستنباط المال منها، فعمدوا إلى التجارة وتربية الأنعام وإلى إقامة بعض المصانع وتنمية أرض التاج وزراعتها لبيع حاصلها وساهموا في البيع والشراء في الأسواق، فكان لهم وكلاء ينقلون أموال الملوك إلى الأسواق لبيعها فيها، ولشراء ما يحتاج إليه الملك من تجارة أخرى يستطيع تصريفها في أسواق أخرى، تكون هذه البضائع عزيزة ثمينة فيها، ولم يكن الاتجار بالأسواق أمرًا خاصًّا بالملوك العرب، وإنما كان ذلك عرفًا متبعًا عند غيرهم من الملوك، مثل الأكاسرة والقياصرة وملوك العبرانيين.
فمن ذلك ما روي من أنه كان للنعمان بن المنذر وغيره لطائم، عير تحمل الطيب والمسك وبز التجارة، تذهب إلى الأسواق لبيعها فيها، ولتأتي بتجارة جديدة. وقد ذكر أن "اللطيمة" وعاء الطيب أو سوقه، وقيل: كل سوق يجلب إليها غير ما يؤكل من حر الطيب والمتاع غير الميرة: لطيمة. والميرة لما يؤكل.
واللطائم هي الأوراق التي تباع فيها العطريات. وفي جملة ما يباع فيها "بالات" المسك، أي: أوعية المسك١.
ويظهر من نصوص المسند أن الملوك كانوا قد أسسوا دورًا للنسيج، يباع ما تنتجه في الأسواق. وقد اشتهرت اليمن بأنسجتها المختلفة المتعددة. فكانت دور النسيج من جملة الموارد التي تأتي بالمال إلى أولئك الملوك.
стр. 3073
غنائم الحروب:
وللملوك مورد آخر من موارد دخلهم، هو غنائم الحروب. فإن ما يغنمه جيشهم من مال وأشياء ثمينة وأسرى يكون ملكًا للملوك، وإذا فاض عدد الأسرى عن حاجة الملوك باعوهم في أسواق النخاسة، للاستفادة من ثمن بيعهم. أما إذا قرر الملك الاحتفاظ بالأسرى، فإنهم يستخدمون في أعمال كثيرة، مثل الخدمة في الجيش، أو الاشتغال بشق الطرق وإنشاء الأبنية والعمل في الأرض، إلى غير ذلك من أعمال يشغلون بها باعتبار أنهم رقيق. وقد يهدي منهم الملوك إلى المقربين إليهم، ولا سيما بعد انتهاء الحرب أو الغزو وإحصاء الأسرى، فقد يختار الملك لنفسه أجمل الأسيرات. وقد يعطيهن هدايا إلى من يشاء من قواد جيشه ومن كبار موظفيه والمقربين إليه.
وتشمل غنائم الحرب كل ما يقع في أيدي المنتصر من غنيمة، لا فرق عنده إن كانت من أموال الحكومة الخاسرة أو من أموال سيد القبيلة المغلوب، أو من أموال الأتباع والرعية. فقانونهم في الحرب أن كل ما يقع في أيدي الغالب هو ملك له، إن كانت الغنيمة من أموال الحكومة أو من أموال الرعية فالرعية ملك للملك، وملكها ملك للغالب بحق القوة، وهي نفسها ملك له يتصرف بها كيف يشاء. لذلك تكون غنائم الحروب موردًا حسنًا بالنسبة للغالب، لا سيما إذا كان المغلوب من أصحاب الثراء والمال ومن الحضر.
وكان الأمير في الجاهلية يأخذ الربع من الغنيمة، وجاء الإسلام فجعله الخمس وجعل له مصارف. ومنه قول: عدي بن حاتم الطائي: ربعت في الجاهلية وخمست في الإسلام. أي: قدمت الجيش في الحالين١.
стр. 3074
الإقطاع والإقطاعيون:
والإقطاع معروف بين الجاهليين، وخاصة بين أهل العربية الجنوبية. وقد كان إقطاعًا للأرض لتستغل زراعة، وإقطاعات لاستغلال ما فيها من ماء أو معدن.
стр. 3075
مثل الملح. وكان الملوك يقطعون أملاك الدولة لمن شاءوا، كما فعل المعبد ذلك، إذ كان يقطع الأرض المحبوسة باسمه لمن يشاء من الناس.
وقد كانت العادة في اليمن جارية بإقطاع المعادن والمياه لأصحاب السلطان، كأن يقطع "الملح" لشخص ليستغله، فيشغل من يريد في استخراجه وبيعه.
وقد وردت في الكتابات الجاهلية إشارات إلى استغلال معادن الملح، وإلى إقطاعها الأشخاص يستخرجون الملح منها في مقابل أجر يدفع عن ذلك الإقطاع. وقد بقيت هذه العادة إلى الإسلام، فقد ورد في كتب الحديث: أن "الأبيض بن حمال" استقطع رسول الله ملح مأرب، فأقطعه١. ولما ذكر "الأقرع بن حابس" للرسول أنه قد ورد ذلك الملح ورآه، وأنه مثل الماء العد بالأرض، من ورده أخذه، وإن إقطاعه له يمنع الناس من وروده، فاعتدَّهُ الرسول صدقة، وجعله مثل الماء العِدّ٢.
والإقطاع يكون تمليكًا وغير تمليك. فإذا كان تمليكًا، صار له ليس لأحد حق مزاحمته عليه ولا استثماره، ويكون عندئذ ملكه. وله حق تأجيره لغيره أو إعطائه في مقابل حق يعينه في الحاصل والناتج. وقد كان الملوك في العربية الجنوبية يقطعون أصحاب الجاه والسلطان وسادات القبائل الإقطاعات، فتولد من هذا الإقطاع كبار أصحاب الأرض، وصار لهم سلطان واسع بحكم ما حصلوا عليه من مال وقوة وجاه. حتى صاروا يتدخلون في شئون الدولة الداخلية.
وأما الإقطاع الثاني، وهو إقطاع من غير تمليك فإنه إقطاع لأمد قد يحدد بزمن، وقد لا يحدد بزمن، وذلك بشروط تثبت وتحدد في عقد الاتفاق، كأن يتفق على أن يقدم من يقطع له الإقطاع ثلث الحاصل أو الغلة أو الربع أو ما شابه ذلك، أو أن يقدم مبلغًا مقطوعًا أو عينًا يذكر ويثبت مقداره، أو خدمة معينة للدولة أو للمعبد الإقطاعي صاحب الملك، مثل تقديم عدد معين من المحاربين وقت الطلب ومقدار معين من مال أو عين.
وقد لا يستغل الإقطاعي إقطاعياته، وإنما يقوم بإقطاعها للإقطاعيين الصغار، أو يؤجرها لمن هم دونهم في المكانة ليقوموا هم باستغلال ما استأجروه، وقد
стр. 3076
يعطيها للفلاحين للاشتغال بها بشروط يتفق عليها معهم. ويكون الإقطاعي قد استفاد من إقطاعه من غير تعب أو جهد.
وفي الكتابات الجاهلية أن سادات القبائل كانوا يملكون إقطاعيات واسعة يديرونها باسم قبائلهم، وقد تزيد إقطاعياتهم عن حاجات القبيلة، لذلك يؤجرونها لقبائل أخرى تكون في حاجة إلى الأرض في مقابل خدمات تؤديها للقبيلة المؤجرة صاحبة الأرض وفي مقابل حقوق عينية تثبت وتعين وتدفع عند حلول الآجال المعينة في العقد. وتعتبر القبيلة التي تستغل الأرض نفسها تابعة للقبيلة التي تملك الأرض.
وللفقهاء آراء في الإقطاع في الإسلام، بأنواعه: إقطاع التمليك، وإقطاع الإرفاق، وإقطاع المَوَات١.
وقد عاش الإقطاعيون على استغلالهم لخيرات الأرضين الواسعة التي امتلكوها، والتي درَّت عليهم أموالًا طائلة، خلقت لهم قوة مهابة في البلاد، صيّرت بعضهم حكومة في داخل حكومة. عاشوا في قلاع وقصور حصينة حمتها حصون متينة، لهم أتباعهم وحرسهم، وصارت لهم سطوة لا تقل عن سطوة كبار رجال الدين، بل زادت على سطوتهم فيما بعد الميلاد، حيث صاروا ينافسون الملوك ويَتَحدوَّن إرادتهم في كثير من الأحايين، مما أقلق الوضع السياسي، وهزَّ صرح الحكومات. وأوجد مجالًا لتدخل الأحباش في شئون اليمن.
стр. 3077
حقوق سادات القبائل وامتيازاتها:
ولسادات القبائل بحكم منازلهم ومكانتهم في قومهم امتيازات وحقوق، ولهم في مقابلها واجبات عليهم أدبيًّا تبعة القيام بها لرعيتهم، وهم أفراد القبيلة.
وفي جملة حقوق سيد القبيلة حق "المرباع" وهو حقه في أخذ ربع الغنائم إذا وقع الغزو١. وأخذ "المرباع" هو من أمارات الفخر والجاه والرئاسة عند العرب ولذلك كان يتباهى به من له هذا الحق، ويفتخر أهله بهذا الحق، لأنه من سيماء
стр. 3078
الرئاسة والشرف. وقد افتخر "الزبرقان بن بدر التميمي" أمام الرسول بأنه من حي كرام، فلا حي يعادلهم منهم الملوك وفيهم يقسم الربع، أي: أنهم كانوا يأخذون ربع الغنيمة خالصًا، وهوالمرباع١. وكان "عديّ بن حاتم" ممن يأكل "المرباع"٢. ويرى أن الرسول قال له: "إنك لتأكل المرباع وهو لا يحل لك في دينك"٣.
وقد عرف سادات القبائل الذين يأخذون المرباع بـ"ذوي الآكال"٤، ولهم مقام عندهم بالطبع، ولهذا منحوا امتيازات في الغنائم، فوقتهم على سائر الناس. وقد ذكرهم "ابن حبيب السُّكري"، فقال عنهم: "ذوو الآكال من وائل. وهم أشراف كانت الملوك تقطعهم القطائع. فأما مضر، فكانوا لقاحًا لا يدينون للملوك إلا بعض تميم ممن كان باليمامة وما صاقبها. فذوو الآكال: قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبد الله ذي الجدين بن عمرو بن الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان. وكان كسرى أطعمة الأبلة وثمانين قرية من قراها، ويزيد بن مسهر بن أصرم بن ثعلبة بن أسعد بن همام بن مُرّة بن ذهل بن شيبان، والحارث بن وعلة بن المجالد بن يثربي بن الزبّان بن الحارث بن مالك بن ذهل بن ثعلبة بن عكاية"٥.
وذوو الآكال، سادة الأحياء الآخذين للمرباع وغيره. قال الأعشى:
حولي ذوو الآكال من وائل ... كالليل من باد ومن حاضر٦
والمرباع حق قديم نجده عند أكثر القبائل، وظلَّ إلى مجيء الإسلام، لا ينازعها عليه منازع من القبيلة، فكان آل الحارث بن عبد الله بن بكر يشكر المعروفون بالغطاريف يأخذون ربع ما يغنم الأزد جميعًا، لأن الرئاسة في
стр. 3079
الأزد كانت لهم١.
ومن أكل "المرباع" "عامر الضحيان"، وكان سيّد "النمر بن قاسط" في الجاهلية وصاحب مرباعهم٢.
ومن "المرباع" جاءت "الرباعة"، بمعنى الرئاسة. يقال: هو على رباعة قومه، أي: سيدهم. ويقال: ما في بني فلان من يضبط ربا عته غير فلان، أي: أمره وشأنه الذي عليه. ويقال: لا يقيم رباعة القوم غير فلان. و"الرباعة"٣، الحال والطريقة والاستقامة. وفي كتاب الرسول للمهاجرين والأنصار: أنهم أمة واحدة على رباعتهم. أي: على استقامتهم. وأمرهم الذي كانوا عليه٤.
ولسيد القبيلة حق آخر مفروض على قبيلته، هو حق "الصفايا"، وهو ما يصطفيه الرئيس لنفسه من الغنيمة من فرس وسلاح أو جارية وغير ذلك من الأموال قبل القسمة. وكانت "صفية بنت حيي" في جملة الصفايا التي اصطفاها الرسول لنفسه يوم خيبر، ومنه قيل للضياع التي يستخلصها السلطان لخاصته "الصوافي"٥.
وقيل: الصفايا ما يصطفيه الرئيس لنفسه دون أصحابه مثل الفرس، وما لا يستقيم أن يقسم على الجيش لقلته وكثرة الجيش. وقيل: أيضًا الصفي أن يصطفي الرئيس لنفسه بعد الربع شيئًا كالناقة والفرس والجارية والصفى في الإسلام على تلك الحالة٦.
ثم له حق "النشيطة"، وهو ما أصاب من الغنيمة قبل أن يصير إلى مجتمع الحي. وقيل: النشيطة من الغنيمة، ما أصاب الرئيس في الطريق قبل أن يصير إلى بيضة القوم. وقيل: ما يغنمه الغزاة في الطريق قبل بلوغهم المواضع التي قصدوها، أو ما أنشط من الغنائم ولم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب٧.
وأما الفضول، وهو حق آخر من حقوق الرئيس، فهو ما عجز أن يقسم
стр. 3080
لقلته وما فضل عن القسم فيخصص به، كالبعير والفرس ونحوهما١.
وقد أشير إلى حقوق سيد القبيلة المذكورة في هذا البيت من الشعر المنسوب إلى عبد الله بن عنمة الضبيّ، أو إلى الأفوه الأودي:
لك المرباع منّا والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول٢
стр. 3081
الحمى:
ولسيد القبيلة حق "الحمى"، وهو من أمارات عزه وشرفه وسيادته. فكان إذا مرَّ سيد قبيلة برمضة أعجبته، أو بغدير أعجبه، أعلن حمايته عليها أو عليه إلى حد يعينه ويثبته، فلا يقترب أحد من ذلك الحد، وهو في ذلك مثل الملوك في هذا الحق. ولهذا لم يتمتع بهذا الحق إلا سادات القبائل الكبار أصحاب العز والجاه وكثرة العدد، مثل "كليب وائل" سيد ربيعة، وكانت رئاسة مضر وربيعة له في أيامه، وكان من عزه أنه إذا مر بمكان أعجبه كنع كليبًا له ثم رمى به هناك، فلا يسمع عواء ذلك الكليب أحد، فيقرب ذلك الموضع. فكان يقال: "أعز من كليب وائل"١.
وقد تفرد العزيز من سادات القبائل بالحمى، وعدّوه من أمارات العز والمنعة، فلا يناله إلا كبار سادات القبائل، وذكر أن "كليب وائل" كان متغطرسًا، حتى كانت غطرسته هذه سبب قتله. وإلى ظلمه وتعسفه، وأخذه الحمى، أشار "العباس بن مرداس" بقوله:
كما كان يبغيها كليب بظلمه ... من العز حتى طاح وهو قتيلها
على وائلٍ إذ يترك الكلب نابحًا ... وإذ يمنع الأقناء منها حلولها٢
стр. 3082
والحمى الأرض التي تحمى من الناس فلا يرعى فيها إلا بموافقة من حماها.
وقد جعله بعضهم: "موضع فيه كلأ يحمى من الناس أن يُرعى". وذكروا أنه "كان الشريف من العرب في الجاهلية إذا نزل بلدًا في عشيرته استعوى كلبًا فحمى لخاصته مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره، فلم يرعه معه أحد. وكان شريك القوم في سائر المراتع حوله"١.
ويظهر من غربلة ما ورد في الأخبار عن "الحمى"، أنه كان على نوعين: حمى دائم أو طويل الأجل، وهو الأرض المخصبة الجيدة المنبتة التي تتوفر فيها المياه، أو تكون المياه فيها قريبة من سطح الأرض، فينتقيها كبار سادات القبائل ويجعلونها حمى دائمًا لهم ولأسرتهم، وقد يحولونه إلى ملك لهم، يتوارث توارث الإرث، ويكون لمن هو من الأسرة التي حمته، أو لمن خصص الحمى باسمه.
ومن هذا القبيل "حمى ضرية"، مرعى لإبل الملوك٢، ومراعي الملوك الأخرى.
وحمى آخر، يكون قصير الأجل بالنسبة للحمى الأول. فقد يحمى لموسم وقد يحمى لمواسم، فأجله مرتبط بأجل الغيث الذي ينزل عليه. فإذا جاد ووصل الأرض وأنبتها نباتًا حسنًا وكساها بساطًا أخضر، بقي حامي الحمى به، وإن انحبس المطر عنه، وجفَّ كل شيء به، ورفع ذلك البساط عنه، وظهرت عبوسة الرمال والتربة المتهشمة من تحته، فقد يهرب حاميه منه ليفتش عن أرض أخرى يعيش عليها، فيصير الحمى عندئذ بلا حام، إلا إذا عاد الغيث إليه، وعاد صاحبه ليجدد عهده به، وليثبت حق حمايته عليه، وإلا، فقد يصيره في حماية شخص آخر قد ينزل به قبله، ويكون لديه من القوة والمنعة ما لا يستطيع أحد من زعزعته عنه.
ولا بد وأن تحدد حدود الحمى، وأن تثبت له أنصاب وعلامات، حتى يكون الناس على بينة من حدوده فلا يدخلونه. ونجد في الكتب التي دونها الرسول للوفود التي زارته، والتي حمى لها أحمية، حدودًا ومعالم دونت أسماؤها فيها، وقد تثبتت مساحتها في بعض الكتب، مما يدل على أن ما يرويه أهل الأخبار من
стр. 3083
قصة تعيين حدود الحمى بعواء كلب أو بركضة فرس أسطورة من أساطير أهل الأخبار.
ومن أشهر مواضع الحمى في جزيرة العرب: حمى ضرية. وقد عرف في أيام ملوك كندة بـ"الشرف" وهو "كبد نجد"، وكانت به منازل الملوك من بني آكل المرار. ثم عرف بـ"ضرية" في وقت لا نستطيع تحديده تمامًا، ويذكر علماء اللغة أن "ضرية" امرأة سمي الموضع بها، وهو بأرض نجد، وبه بئر. ويظهر أن اسم "ضرية" كان معروفًا في أيام ملوك كندة من بني آكل المرار، ولكنه كان اسم موضع من مواضع الشرف، ثم اشتهر، فسمي به هذا الحمى: حمى ضرية١. وذكر بعض أهل الأخبار أن "ضرية" أكبر الأحماء، وقد سمي بـ ضرية بنت ربيعة بن نزار"٢. قال "ابن السكيت": "الشرف كبد نجد وكان من منازل الملوك من بني آكل المرار من كندة. وفي الشرف حمى ضرية وضربة بئر. وفي الشرف الربذة وهي الحمى الأيمن. وفي الحديث أن عمر حمى الشرف والربذة"٣. ويظهر من هذا الوصف أن "الشرف" أرض واسعة بنجد. منها الربذة وهو الحمى الأيمن لمن يتجه إلى الجنوب فيوجه وجهه نحو البحر العربي ويجعل قفاه إلى العراق وبادية الشام وبلاد الشأم، ومنها حمى "ضرية" الشهير.
وذكر أن أول من حمى "ضرية" في الإسلام "عمر" حماها، لإبل الصدقة وظهر الغزاة، وكان ستة أميال من كل ناحية من نواحي ضرية وضرية في وسطها٤.
و"ضرية" من مياه "الضباب" في الجاهلية، وكانت لذي الجوشن الضبابي، والد شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين٥. وورد أنها كانت حمى "كليب بن وائل"، وأن في ناحية منه قبره، وكان الناس يقصدونه٦.
ومن الحمى، حمى فيد. قرب أجأ وسلمى جبل طيء، على طريق حاج العراق إلى مكة. وذكر أن فيدا فلاة في الأرض بين أسد وطيء في الجاهلية،
стр. 3084
فلما قدم "زيد الخيل" على رسول الله أقطعه "فيد". وبها قرية "فيد"، سميت بـ"فيد بن حام" أول من نزلها. وهي من القرى الجاهلية١.
وقد أشار "ياقوت" إلى أحماء أخرى. منها حمى الربذة وحمى النير وحمى ذو الشرى وحمى النقيع٢. وذكر أن بـ"النير" قبر كليب وائل٣. وأن الخليفة "عمر" حمى "النقيع" لخيل المجاهدين ولنعم الفيء، فلا يرعاها غيرها٤.
ولا يعقل أن يكون "كليب وائل" أول من حمى الحمى في الجاهلية. والظاهر أن شطط "كليب" وتعسفه" في الإكثار من الحمى، وشدة منعه الناس الغرباء من الرعي في أحمائه، جعل أهل الأخبار ينسبون مبدأ الإحماء إليه. وقد تكون لفظة "كليب" التي صارت وكأنها اسم كليب مع أنها لقب في الأصل، هي التي أوحت إلى ذهاب أهل الأخبار، بابتكار قصة استنباح "كليب" جروًا، ليكون مدى انقطاع سماع نباحه وعوائه نهاية الحمى، أي: حدوده. ونجد بعض أهل الأخبار يجعلون حدود الحمى المواضع التي تصل إليها الخيل وهي جارية، فتقف عندها من التعب. فيكون الحمى بهذه الطريقة أكبر وأوسع من الحمى المحدد بنباح كلب.
وفي أرض "بني أسد" "حزن"، كانت ترعى فيه إبل الملوك. وهو قف غليظ بعيد من المياه، فليس ترعاه الشياه ولا الحمر، وليس فيه دمن ولا روث. إليه أشير في قول الأعشى:
ما روضة من رياض الحز معشبة ... خضراء جاد عليه مسيل هطل٥
ويتبين من دراسة ما أورده أهل الأخبار عن الحمى، أن الأحماء لم تكن أرضين صغيرة حدودها ضيقة بحدود مدى سماع عواء الكلب، بل أنها كانت أكثر من ذلك بكثير. كانت مقاطعة كبيرة تضم آبارًا وعيونًا وقرى في بعض الأحيان.
وقد حصل عليها أصحابها من الحروب والغزو في الأصل. فعندما يغزو سيد قبيلة
стр. 3085
قبيلة أخرى، كان يختار لنفسه خيرة الأرضين فيجعلها في حماه. فنشأ الحمى في الأصل هو من الحروب والغزو، أي: من الغنائم التي تقع في أيدي المنتصر، ومن الهبات التي يعطيها ملك لأشراف شعبه ولقادته في السلم أو في الحروب. فتحمى لهم ولا يدخلها أحد غيرهم، إذ صار حكمها حكم الملك.
وذكر أن الملوك إذا جاءتها الخرائط بالظفر، غرزت فيها قوادم ريش أسود١.