الحمى:
ولسيد القبيلة حق "الحمى"، وهو من أمارات عزه وشرفه وسيادته. فكان إذا مرَّ سيد قبيلة برمضة أعجبته، أو بغدير أعجبه، أعلن حمايته عليها أو عليه إلى حد يعينه ويثبته، فلا يقترب أحد من ذلك الحد، وهو في ذلك مثل الملوك في هذا الحق. ولهذا لم يتمتع بهذا الحق إلا سادات القبائل الكبار أصحاب العز والجاه وكثرة العدد، مثل "كليب وائل" سيد ربيعة، وكانت رئاسة مضر وربيعة له في أيامه، وكان من عزه أنه إذا مر بمكان أعجبه كنع كليبًا له ثم رمى به هناك، فلا يسمع عواء ذلك الكليب أحد، فيقرب ذلك الموضع. فكان يقال: "أعز من كليب وائل"١.
وقد تفرد العزيز من سادات القبائل بالحمى، وعدّوه من أمارات العز والمنعة، فلا يناله إلا كبار سادات القبائل، وذكر أن "كليب وائل" كان متغطرسًا، حتى كانت غطرسته هذه سبب قتله. وإلى ظلمه وتعسفه، وأخذه الحمى، أشار "العباس بن مرداس" بقوله:
كما كان يبغيها كليب بظلمه ... من العز حتى طاح وهو قتيلها
على وائلٍ إذ يترك الكلب نابحًا ... وإذ يمنع الأقناء منها حلولها٢
стр. 3082
والحمى الأرض التي تحمى من الناس فلا يرعى فيها إلا بموافقة من حماها.
وقد جعله بعضهم: "موضع فيه كلأ يحمى من الناس أن يُرعى". وذكروا أنه "كان الشريف من العرب في الجاهلية إذا نزل بلدًا في عشيرته استعوى كلبًا فحمى لخاصته مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره، فلم يرعه معه أحد. وكان شريك القوم في سائر المراتع حوله"١.
ويظهر من غربلة ما ورد في الأخبار عن "الحمى"، أنه كان على نوعين: حمى دائم أو طويل الأجل، وهو الأرض المخصبة الجيدة المنبتة التي تتوفر فيها المياه، أو تكون المياه فيها قريبة من سطح الأرض، فينتقيها كبار سادات القبائل ويجعلونها حمى دائمًا لهم ولأسرتهم، وقد يحولونه إلى ملك لهم، يتوارث توارث الإرث، ويكون لمن هو من الأسرة التي حمته، أو لمن خصص الحمى باسمه.
ومن هذا القبيل "حمى ضرية"، مرعى لإبل الملوك٢، ومراعي الملوك الأخرى.
وحمى آخر، يكون قصير الأجل بالنسبة للحمى الأول. فقد يحمى لموسم وقد يحمى لمواسم، فأجله مرتبط بأجل الغيث الذي ينزل عليه. فإذا جاد ووصل الأرض وأنبتها نباتًا حسنًا وكساها بساطًا أخضر، بقي حامي الحمى به، وإن انحبس المطر عنه، وجفَّ كل شيء به، ورفع ذلك البساط عنه، وظهرت عبوسة الرمال والتربة المتهشمة من تحته، فقد يهرب حاميه منه ليفتش عن أرض أخرى يعيش عليها، فيصير الحمى عندئذ بلا حام، إلا إذا عاد الغيث إليه، وعاد صاحبه ليجدد عهده به، وليثبت حق حمايته عليه، وإلا، فقد يصيره في حماية شخص آخر قد ينزل به قبله، ويكون لديه من القوة والمنعة ما لا يستطيع أحد من زعزعته عنه.
ولا بد وأن تحدد حدود الحمى، وأن تثبت له أنصاب وعلامات، حتى يكون الناس على بينة من حدوده فلا يدخلونه. ونجد في الكتب التي دونها الرسول للوفود التي زارته، والتي حمى لها أحمية، حدودًا ومعالم دونت أسماؤها فيها، وقد تثبتت مساحتها في بعض الكتب، مما يدل على أن ما يرويه أهل الأخبار من
стр. 3083
قصة تعيين حدود الحمى بعواء كلب أو بركضة فرس أسطورة من أساطير أهل الأخبار.
ومن أشهر مواضع الحمى في جزيرة العرب: حمى ضرية. وقد عرف في أيام ملوك كندة بـ"الشرف" وهو "كبد نجد"، وكانت به منازل الملوك من بني آكل المرار. ثم عرف بـ"ضرية" في وقت لا نستطيع تحديده تمامًا، ويذكر علماء اللغة أن "ضرية" امرأة سمي الموضع بها، وهو بأرض نجد، وبه بئر. ويظهر أن اسم "ضرية" كان معروفًا في أيام ملوك كندة من بني آكل المرار، ولكنه كان اسم موضع من مواضع الشرف، ثم اشتهر، فسمي به هذا الحمى: حمى ضرية١. وذكر بعض أهل الأخبار أن "ضرية" أكبر الأحماء، وقد سمي بـ ضرية بنت ربيعة بن نزار"٢. قال "ابن السكيت": "الشرف كبد نجد وكان من منازل الملوك من بني آكل المرار من كندة. وفي الشرف حمى ضرية وضربة بئر. وفي الشرف الربذة وهي الحمى الأيمن. وفي الحديث أن عمر حمى الشرف والربذة"٣. ويظهر من هذا الوصف أن "الشرف" أرض واسعة بنجد. منها الربذة وهو الحمى الأيمن لمن يتجه إلى الجنوب فيوجه وجهه نحو البحر العربي ويجعل قفاه إلى العراق وبادية الشام وبلاد الشأم، ومنها حمى "ضرية" الشهير.
وذكر أن أول من حمى "ضرية" في الإسلام "عمر" حماها، لإبل الصدقة وظهر الغزاة، وكان ستة أميال من كل ناحية من نواحي ضرية وضرية في وسطها٤.
و"ضرية" من مياه "الضباب" في الجاهلية، وكانت لذي الجوشن الضبابي، والد شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين٥. وورد أنها كانت حمى "كليب بن وائل"، وأن في ناحية منه قبره، وكان الناس يقصدونه٦.
ومن الحمى، حمى فيد. قرب أجأ وسلمى جبل طيء، على طريق حاج العراق إلى مكة. وذكر أن فيدا فلاة في الأرض بين أسد وطيء في الجاهلية،
стр. 3084
فلما قدم "زيد الخيل" على رسول الله أقطعه "فيد". وبها قرية "فيد"، سميت بـ"فيد بن حام" أول من نزلها. وهي من القرى الجاهلية١.
وقد أشار "ياقوت" إلى أحماء أخرى. منها حمى الربذة وحمى النير وحمى ذو الشرى وحمى النقيع٢. وذكر أن بـ"النير" قبر كليب وائل٣. وأن الخليفة "عمر" حمى "النقيع" لخيل المجاهدين ولنعم الفيء، فلا يرعاها غيرها٤.
ولا يعقل أن يكون "كليب وائل" أول من حمى الحمى في الجاهلية. والظاهر أن شطط "كليب" وتعسفه" في الإكثار من الحمى، وشدة منعه الناس الغرباء من الرعي في أحمائه، جعل أهل الأخبار ينسبون مبدأ الإحماء إليه. وقد تكون لفظة "كليب" التي صارت وكأنها اسم كليب مع أنها لقب في الأصل، هي التي أوحت إلى ذهاب أهل الأخبار، بابتكار قصة استنباح "كليب" جروًا، ليكون مدى انقطاع سماع نباحه وعوائه نهاية الحمى، أي: حدوده. ونجد بعض أهل الأخبار يجعلون حدود الحمى المواضع التي تصل إليها الخيل وهي جارية، فتقف عندها من التعب. فيكون الحمى بهذه الطريقة أكبر وأوسع من الحمى المحدد بنباح كلب.
وفي أرض "بني أسد" "حزن"، كانت ترعى فيه إبل الملوك. وهو قف غليظ بعيد من المياه، فليس ترعاه الشياه ولا الحمر، وليس فيه دمن ولا روث. إليه أشير في قول الأعشى:
ما روضة من رياض الحز معشبة ... خضراء جاد عليه مسيل هطل٥
ويتبين من دراسة ما أورده أهل الأخبار عن الحمى، أن الأحماء لم تكن أرضين صغيرة حدودها ضيقة بحدود مدى سماع عواء الكلب، بل أنها كانت أكثر من ذلك بكثير. كانت مقاطعة كبيرة تضم آبارًا وعيونًا وقرى في بعض الأحيان.
وقد حصل عليها أصحابها من الحروب والغزو في الأصل. فعندما يغزو سيد قبيلة
стр. 3085
قبيلة أخرى، كان يختار لنفسه خيرة الأرضين فيجعلها في حماه. فنشأ الحمى في الأصل هو من الحروب والغزو، أي: من الغنائم التي تقع في أيدي المنتصر، ومن الهبات التي يعطيها ملك لأشراف شعبه ولقادته في السلم أو في الحروب. فتحمى لهم ولا يدخلها أحد غيرهم، إذ صار حكمها حكم الملك.
وذكر أن الملوك إذا جاءتها الخرائط بالظفر، غرزت فيها قوادم ريش أسود١.
стр. 3086
دواوين الدولة:
ولا بد وأن يكون لكل حكومة مهما كان حجمها وشأنها دواوين ودوائر لتنفيذ ما تقرره من أوامر وأحكام، والجباية ما تفرضه من حقوق على رعيتها، ولإحقاق الحق بين الرعية وللدفاع عن حدودها ولضبط الأمن في أرضها، ولا يمكن تصور وجود حكومة، بدون وجود ما ذكرته.
وقد سبق لي أن ذكرت أن قصور الملوك في العربية الجنوبية كانت موضع حكمهم ومقر عملهم، ولهذا السبب ذكرت أسماؤها في القوانين، لتكنى بذلك عن صدورها بأمر من الملك وبموافقته عليها. والمفروض أن أولئك الملوك كانوا قد خصصوا جناحًا أو أجنحة فيها لجلوسهم مع مستشاريهم وكبار موظفيهم للنظر في شئون الحكم، أولاستقبال الرسل والوفود الذين يقصدونهم من الخارج أو من داخل المملكة لمقابلتهم ولعرض ما جاءوا به من رسائل أو طلبات عليهم، وأن هنالك مواضع يجلس فيها الملوك للاستماع إلى شكاوى الناس وظلاماتهم، ومواضع لجلوس الكتاب وموظفي القصر، ومواضع لخزن السجلات والوثائق. فقصور الملوك، إذن هي بهذا المعنى، دار الحكم الأولى في تلك الحكومات، والمرجع الأول للرعية في علاقتها وصلتها بصاحب المملكة.
ذلك ما كان بالنسبة إلى عواصم الملوك، أما بالنسبة إلى بقية أجزاء المملكة، فإن الحكم فيها هو إلى ولاة وعمال ثم إلى من هم دونهم في المنزلة والدرجة.
وبيوتهم هي دور حكمهم يجلس العامل أو الوالي أو "الكبير" في جناح من
стр. 3087
بيته، ليأتيه من يريد مقابلته من موظفين وكتبة ليقصوا عليه ما عندهم من أخبار وطلبات، وليملي عليهم ما يراه من أحكام وأوامر. وفي هذا البيت أيضًا يستقبل الضيوف وأعيان البلد وأصحاب الشكاوى والمراجعات. وفيها يقيم مع عائلته. فبيوت الحكام إذن، هي دور إقامة ودور حكم وقضاء بين الناس في آن واحد.
وأما ما ورد في روايات أهل الأخبار من أن ملوك الحيرة كانوا قد اتخذوا قصورهم مكانًا للنظر في أمور رعيتهم، ولاستقبال الرسل والوفود، وللاستماع إلى ظلامات الناس وشكاويهم، وأنهم كانوا قد أوكلوا أمر إدخال الرعية عليهم إلى حجاب معينين، لا يسمحون لأحد بالدخول على الملك إلا بعد أخذ إذن منه بذلك، فإنه يدل على أن ملوك الحيرة كانوا مثل ملوك العربية الجنوبية ومثل ملوك ذلك الوقت قد اتخذوا بيوتهم دارًا للحكم ودارًا للإقامة. وأن قصر الملك هو أيضًا دار الحكم بين الناس، والمشروع للأحكام.
وإذا أخذنا بما ورد في كتب أهل الأخبار من أن "دار الندوة" كانت مرجع أهل مكة في كل أمر من أمورهم صغر أم كبر، حتى أن "الجارية إذا حاضت أدخلت دار الندوة، ثم شق عليها بعض ولد عبد مناف بن عبد الدار درعها ثم درّعها إياه وانقلب بها إلى أهلها فحجبها. وكان عامر بن هاشم بن عبد مناف عبد الدار يسمى محيضًا"١، جاز لنا القول إن تلك الدار كانت دار حكومة.
إليها يرجع أهل مكة في منازعاتهم وفي خصوماتهم وفي أمور سامهم وحربهم.
وأن أبناء قصي كانوا قد وزعوا أعمالها بينهم على نحو ما سطره أهل الأخبار.
ولفظة "ديوان" من الألفاظ المستعملة في الجاهلية عند عرب العراق، ويذكر علماء اللغة أنها من الألفاظ المعربة عن الفارسية٢. وقد كان للفرس دواوين في جملتها ديوان خاص للنظر في أمور العرب، واجبة النظر في صلات "كسرى" مع ملوك الحيرة وسادات القبائل. وليه "زيد" والد "عدي بن زيد العبادي"، فلما توفي "زيد" وليه ابنه من بعده، ثم وليه "زيد بن عدي بن زيد"، بعد مقتل والده على يد "النعمان بن المنذر". ولا استبعد وجود الدواوين في حكومة الحيرة. فقد كان لها كتّاب تولوا أمور ديوان المراسلة بين ملوك الحيرة
стр. 3088
والفرس، وأمور المراسلة فيما بين ملوك الحيرة وبين عمالهم على الأرضين التابعة لهم وبينهم وبين سادات القبائل. أما ما ورد في أخبار أهل الأخبار من أن الخليفة "عمر بن الخطاب"، هو أول من أمر بتدوين الدواوين، فإنهم قصدوا بذلك موضوع تأسيس ديوان العطاء وموضوع تدوين الدواوين في الإسلام. مما لا مجال للبحث عنه في هذا المكان. وورد اسم "الديوان" في الحديث. ذكر أن الرسول قال: "إن لله حراسًا، فحرّاسه في السماء الملائكة، وحراسه في الأرض الذين يأخذون الديوان"١.
стр. 3089
صاحب السر:
وذكر علماء اللغة أن الملوك كانوا يسرّون أمورهم إلى من يثقون من رجالهم المقربين إليهم. وقد عرف صاحب سر الملك بـ"الناموس"، وذكر بعضهم أن "الناموس" هو صاحب سر الخير، وأن "الجاسوس" هو صاحب سر الشر١.
стр. 3090
الموظفون:
ودون الملك أناس يختلفون في المنزلة والمكانة، عهدت إليهم أمور إدارة الحكومة والشعب. وهم نوعان: موظفون مدنيون، واجبهم النظر في الأمور المدنية.
وموظفون عسكريون، واجبهم إعداد الجيش والدفاع عن حدود الدولة والقضاء على الفتن والاضطرابات، وتوسيع رقعة أرض الدولة عند الطلب.
وإني آسف إذ أقول إن من غير الممكن في الزمن الحاضر تثبيت درجات الوظائف، وتعيين سلالمها من أدنى درجة إلى أعلى درجة، لعدم وصول كتابات جاهلية إلينا فيها حصر تلك الدرجات وعدها وترتيبها، لهذا سأحاول ترتيبها على حسب ما وصل إلينا من شأنها من مختلف الكتابات، وعلى وفق ما ورد من أسماء
стр. 3091
بعضها في المسند أو في روايات أهل الأخبار، وعلى حسب اجتهاد الباحثين الذي توصلوا إليه باستنادهم إلى المرجعين المذكورين.
وإذا سألتني عن المصدر الذي استقيت منه أسماء الوظائف والدرجات التي أذكرها هنا، فإني أقول: لقد حصلت عليها من ورودها في الكتابات التي عثر عليها المنقبون في مواضع من العربية الجنوبية وفي أعالي الحجاز وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب أخذتها من هذه الكتابات، وعينت درجتها ومكانتها بالاستناد على المعنى المستنبط من النصوص. وبالقياس أحيانًا إلى المفردات الواردة في معاجم اللغة أو في اللغات السامية الأخرى حيث يرد ما يماثلها في تلك اللغات علمًا لوظائف معروفة، بقيت أساء بعض منها معروفة أو متداولة إلى يومنا هذا.
ونستطيع أن نقول بالقياس إلى ما هو مألوف في قصور الملوك المعاصرين لملوك الجاهلية أن كبار متولي أمور قصور الملوك وكبار قادة الجيش، كانوا من أقرب الناس إلى الملوك، ومن أكثر الناس تأثيرًا فيهم، وذلك بحكم اتصالهم بهم والتصاقهم بالعرش. فكانت لهم كلمة مسموعة عندهم. فهم من الصنف الممتاز من أصناف الموظفين، ولهم أثر خطير في تاريخ تلك الحكومات.
وتختلف درجات المشرفين على أمور القصور الملكية، فمنهم الحرس الخاص الذي يتولى حراسة القصر، ومنهم الخدم والطباخون، ومنهم من اختص بخدمة الملك وحده، كأن يقوم بتقديم الطعام إليه، ومنهم من اختص بتقديم الشراب إليه، أو يتولى أمر الحجابة له، ومنهم من كان يكتب له، أو يخدم زوجاته وذريته، إلى غير ذلك من أعمال اقتضتها طبيعة تلك القصور ودرجة الملك ومنزلته وقد عرف كل هؤلاء بـ"عبيد الملك" عند بعض الشعوب١.
والطبقة المذكورة، وإن كانت من الطبقات الدنيا بالنسبة لطبقات المجتمع، وظيفتها الطبخ وتقديم الأشربة والأطعمة والسهر على راحة الملك وضيوفه، إلا أن رهطًا منها تمكن مع ذلك من لعب دور خطير في أمور المملكة، وفي مقدرات الناس، بفضل استخدام ذكائهم وقربهم من الملك ووجودهم بحضرته بصورة دائمة، من التأثير على سيدهم وتوجيهه الوجهة التي يريدونها. كما تمكنّوا من الحصول على مكانة كبيرة عند قومهم، باتصالهم بحكم مراكزهم بأعيان الناس. وبنوال
стр. 3092
جوائزهم وهباتهم، ليفتحوا بذلك لهم الباب للوصول إلى الملك في كل وقت.
ثم بإيصالهم أخبار المجتمع ولا سيما سادته إلى الملك وبأخبارهم هذه صار في إمكانهم إبعاد شخص أو تقريبه من الملك، وإهلاك شخص أو إسعاده برضاء ملكه عنه.
стр. 3093
الكبراء:
وأعلى مناصب الدولة ودرجاتها الإدارية هي درجة "كبر" أي كبير. ويجب أن أكون حذرًا جدًّا في التعبير. فكلمة "كبر" "كبير"، ليست منصبًا أو وظيفة أو درجة بالمعنى المفهوم من هذه الألفاظ الاصطلاحية في الزمن الحاضر، ولكنها لفظة عامة قد تعني ممثل ملك على مقاطعة، مثل "كبرددن" أي: "كبير" أرض "ديدان" في حكومة "معين" وتقع في أعالي الحجاز، وهي "العلا"١ وقد تعني: موظفًا كبيرًا من رجال الملك المقربين إليه، عيّنه الملك واختاره لتنفيذ أوامره وأحكامه، أو للإشراف على إدارة أملاكه وأمواله وتدبير شئون قصره٢، أو لإعداد ما يلزم من إعاشة جيش وتقديم ما يحتاج إليه٣. وقد تعني: درجة عليا من درجات رجال الدين، أو كبير من كبارهم تناط به شئون إدارة أملاك المعابد وأموالها. وقد تعني: سيد قبيلة، أو رجلًا كبيرًا عينه الملك مندوبًا عنه ليشرف على تصريف أمور الحكم على قبيلة. وقد تعني: "الكبير" المسئول عن تصريف أمور المدن. فقد كان الذي يسير أمور مدينة "تمنع" مثلًا مسئولًا درجته درجة "كبر" "كبير" واتضح من بعض الكتابات أن مدينة "ميفعة" "ميفعت" الحضرمية كانت تحت حكم "كبير"٤.
وقد أشير على وجود "كبر" "كبير" في سبأ، كان يتولى درجة دينية.
إذ كان من كبار رجال الدين. وورد اسم "كبير" آخر كان عمله إدارة بساتين الملك ومزارعه والإشراف عليها٥. وورد اسم "كبير" كان عمله الإشراف على أعمال الصرف والانفاق على الجيوش٦. وورد اسم "كبير" آخر كان يتولى رئاسة
стр. 3094
قبيلة١، فيستنتج من هذه الأمثلة أن لفظة "كبر" لا يقصد بها درجة معينة من كبار الموظفين، بل أريد بها علية قوم وأعيانهم وكبارهم، ولهذا أطلقت على من ذكرت أعيان سبأ وعلى المنازل الكبيرة التي كان على رأسها كبير من كبراء الناس؛ من رجال دين، ومن عسكريين، ومن موظفين، أو مدنيين غير موظفين.
والكبراء بالطبع هم من أصحاب الجاه العريض والوجاهة والمنزلة والثراء، وهم كبار الأحرار في الأرض، ولأهميتهم ومكانتهم أرخ الناس حوادثهم وما وقع لهم بأيامهم، وقد حملت الكتابات أسماء طائفة منهم، دلالة على ما كان لهم من اسم وسلطان في ذلك العهد٢.
ومن أشهر الكبراء "كبر خلل"، أي: كبير خليل. وخليل عشيرة قديمة.
وقد ذكر كبيرها في الكتابات السبئية القديمة، كما ذكر في الكتابات المتأخرة كذلك.
وقد أرخ بهؤلاء الكبراء عدد من الكتابات السبئية. ويظهر أن "كبر خلل" "كبير خليل" كان كاهنًا، أي: رجل دين في الأصل، يشرف على معبد "عثتر ذ ذبن" "عثتر ذو ذبن". ويقدم الذبائح إلى هذا المعبد، ويدعو الآلهة لإنزال الغيث٣، ودعوته آلهته لإنزال المطر، هي بمثابة صلاة الاستسقاء.
وقد كان يحكم حضرموت في النصف الأول من القرن السادس للميلاد "كبير"، "كبر حضرموت"، وقد ذكر في نص "أبرهة" في جملة من وفد على أبرهة بعد إتمامه سد "مأرب"٤.
стр. 3095
الأقيان:
جمع "قين"، وتتألف طبقتهم من الأمراء ومن ممثلي الملك في المدن، ومن
стр. 3096
الموظفين ومن رجال الدين من درجة "رشو"١. وقد ذهب "ويبر" Weber إلى أن "القين" والـ"رشو" هما شيء واحد٢. أما "هارتمن" Hartmann فيرى أن القين غير الرشو، فهو وظيفة دنيوية ومركز حكومي. أما "الرشو" فإنه منزلة دينية، فهو "كاهن" إلَه ما وتعني رئاسة دينية. وقد يستعمل "قين" لأداء المعنيين.
أما "رشو"، فإنه لا يستعمل إلا في الأمور الدينية وفي التعبير عن منزلة كهنوتية٣.
وذهب بعض الباحثين إلى أن "القين" "رشو" أيضًا، أي رجل دين، ولكنه تخصص بالأمور الإدارية والمالية للمعابد. وقد يتولى قيادة الناس في الحروب أيضًا٤.
وقد ورد في نص عثر عليه في "حرم بلقيس" اسم كاهن عرف بـ"تبعكرب" "تبع كرب"، كان رجل دين، أي: "رشو" و"قينا" في الوقت نفسه على "سحر". ويدل ذلك على أن رجل الدين هذا كان يجمع بين سلطتين: سلطة دينية هي درجة "رشو"، وسلطة زمنية هي درجة "قين"٥.
وفهم من بعض نصوص المسند أن "القين" كان يساعد الملك في إدارة بعض الأعمال، كما كان ينوب عنه في إدارة المدينة أو المعبد. وفهم من نصوص أخرى أنه كان يدير أملاك المعابد، وأنه كان يتولى قيادة الجيش أوتهيئة ما يحتاج إليه٦.
واستدل من تعداد هذه الأعمال المدونة في النصوص، أن عمل "القين" لم يكن عملًا معينًا محدودًا بحدود وقيود، وإنما كان يشمل كل عمل وشغل كان الملك يعهد به إلى أحد الأقيان. أي: أن القين لم يكن موظفًا يشغل وظيفة معينة محددة، بل كان من كبار رجال الدولة ومن السادات، له مواهب وكفاءات وله قرب وحظوة عند الملك، فإذا احتاج الملك إلى إنجاز عمل ما، كلف أحد أقيانه القيام به.
والقين دون الكبير في الدرجة، فقد جاء في بعض الكتابات أن الأقيان كانوا يخضعون للكبراء٧، كما يتبين ذلك من كتابات عثر عليها في "شبام أقيان".
стр. 3097
"شبم أقين"، ومن كتابات أخرى عثر عليها في "عمران" من "مرثد" من قبيلة "بكيل"١.
وقد كان الأقيان طبقة خاصة من طبقات أهل الحظوة والنفوذ "الأرستقراطية" في الدولة وفي المجتمع، لها رأي مسموع بين الناس وكلمة نافذة عند الملك.
وهم من جماعة أصحاب الأملاك والإقطاع، قد يعطون أرضهم لغيرهم لاستغلالها مقابل أجر "اثوبت"، أي: كراء. وقد يستغلون أرضهم بأنفسهم، بتشغيل فلاحيهم وخدمهم ورقيقهم بها، فيكون حاصلها لهم، لا ينازعهم فيه منازع.
стр. 3098
الأقيال:
والأقيال هم طبقة من كبار الإقطاعيين من أصحاب الأرضين الواسعة، ومن رؤساء القبائل كذلك والسادات الكبار. وكانوا يتمتعون بسلطان واسع، ويقال للواحد منهم: "قول" في المسند، و"قيل" في عربيتنا. والجمع "أقول"، أي: أقيال.
وقد جاء في كتابات المسند ذكر أقيال عديدين، مثل أقيال "سمعي"، وأقيال "بكيل" من "آل مرثد". وقد كان على مدينة "صرواح" حاكم درجته درجة قيل. وورد ذكر "أقيال حمير" في "حصن غراب"، وذكر الأقيال في نص "أبرهة"، كما ورد في نصوص عديدة أخرى.
و"القول" في الأصل المتحدث باسم قوم أو جماعة من فروع قبيلة. كأن يكون رئيس حيّ أو عشيرة أو ما شاكل ذلك من القبيلة، ثم توسع تفوذه وازداد شأنه حتى صار في منزلة "كبر" كبير، بل حل محله. وعند ظهور الإسلام، كان للأقيال النفوذ الأوسع في العربية الجنوبية، حتى حكموا المخاليف، كالذي يظهر لنا بجلاء من وصف أهل الأخبار لنظام الحكم في اليمن عند ظهور الإسلام١.
وقد لقب أكثرهم نفسه بلقب "ملك"، مع أنه دون الملك في الحكم وفي امتلاك
стр. 3099
الأرض بكثير. بل كان حكم بعضهم أقل من حكم سيد قبيلة.
وذكر علماء اللغة أن "المقول": المقيل بلغة أهل اليمن، وهو دون الملك الأعلى، والجمع "أقوال" و"أقيال". وذكر بعضهم: أن القيل هو الملك النافذ القول والأمر، وقيل: الأقيال، ملوك اليمن دون الملك الأعظم، واحدهم قيل، يكون ملكًا على قومه ومخلافه ومحجره. وقد سمي قيلًا لأنه إذا قال قولًا نفذ قوله. وعرف أنه الملك من ملوك حمير يقول ما شاء. وقد كتب الرسول إلى "وائل بن حجر" ولقومه: "من محمد رسول الله إلى الأقوال العبَاهلة -وفي رواية- إلى الأقيال العباهلة"١.
وذكر علماء اللغة أن العبَاهلة، هم الذين أقروا على ملكهم لا يزالون عنه، وعباهلة اليمن ملوكهم الذين أقروا على ملكهم٢.
ووردت في النصوص السبئية لفظة "قبت"، يظن أنها بمعنى "نائب الملك" "نائب ملك"٣.
وجاء في بعض النصوص المعينية ذكر منصب، عنوانه "حفيه نفس" "ح ف ي هـ ن ف س" "حفي نفس"٤ "حافي نفس"، يظهر أن صاحبه كان مكلفًا أن يعمل أعمالًا خاصة، مثل النظر في شئون الماء، أي: في توزيعه، وفي الخصومات التي قد تقوض أجله، ومثل القيام بالإشراف على الأبنية والأعمال العامة وافتتاحها باسم الملك٥.
ويظهر من بعض النصوص المعينية أيضًا أنه كان يعاون هذا الموظف القضائي موظفان، وضعا تحت إمرته، يقال لمنصبهما: "ربقهي معن"٦، ربما كان بمثابة كاتبين عنده.
ويظهر أن حكومة "مَعين" كانت قد كلفت جماعة أخرى النظر في شئون الري عرفت بـ"أهل طبنتم" وبـ"اطبنو"٧. وإذا علمنا ما للمياه من شأن
стр. 3100
في بلاد العرب، عرفنا السبب الذي جعل ملوك "معين" يعتنون عناية خاصة بشئون الري حتى جعلوا لها موظفين خاصين واجبهم رعاية هذه الشئون١.
ويرد في الكتابات ذكر منصب، يقال له: "مقتوي"، والجمع "مقتت"٢.
ويعبر عنه بـ"مقتوي ملكن"، أي: "مقتوي الملك". ويظن بعض الباحثين أن المقتوي، أو "مقتوي الملك"، هو ضابط كبير، أو هو تعبير عن قائد أو مشاور عسكري، اختصاصه تقديم الرأي إلى الملك في الأمور الحربية وقيادته للجيش٣، فهو معتمد الملك في هذه الأمور. وقد تؤدي اللفظة معنى "أمير" في العرف الإسلامي في صدر الإسلام. وهو من تسند إليه قيادة الجيش وإدارة الإدارة التي توكل إليه وتحدد له حدود "جنده".
وقد أظهرت نصوص المسند وجود "مقتوت" أيضًا، أي: نساء مقتويات.
وقد فسرها الباحثون بـ"كاهنة"٤.
وعرف من يقوم بإدارة وحدة من الوحدات الإدارية بـ"سمخض" ومعناها "مدير"، فيكون المعنى: مدير أرض، ويكون واجبه الإشراف على الأرض التي وُكِلَ أمر إدارتها إليه، فواجبه إذن هو واجب سياسي وإداري، وأما وظيفته، فيقال لها: "سمخضت أرض"، أو "سمخضت" "سمخضة"، ومعناها: إدارة أرض، أو "إدارة".
ويعني مصطلح "أمنهت" "أمنها" "أهل أمنهتن" المعيني، منصبًا دينيًّا مختصًّا بالإشراف على معامل المعابد، تتولاه امرأة، ويقابل "امنت ذ عثتر" "امنت ذي عثتر" في القتبانية. وقد ورد معه مصطلح "منوت" "منوات" في بعض الكتابات٥.
ومن الوظائف وظيفة "ملوطن ملك" "ملوطن"، وقد تعني وظيفة إدارية تنظر في شئون أملاك الملك. وقد ورد ذكرها في النصوص السبئية المتأخرة٦.
стр. 3101
وأما مصطلح "أذن قني" الذي ورد في أحد النصوص: "أذن قني ملك حضرمت"، "أذن قنى ملك حضرموت"١ فقد يعني: المأذون بإدارة مقتنيات ملك حضرموت، أي: وظيفة الإشراف على أملاك الملك وأمواله.
وأما "حشرو"، فقد تعني: جماعة واجبهم جمع الحشر للدولة٢. وقد يكون لهذه اللفظة علاقة مع ما ورد في الموارد الإسلامية عن "الحشر" و"الحشور".
فقد جاء في الحديث: "إن وفد ثقيف اشترطوا أن لا يعشرو ولا يحشروا"، "أي: لا يندبون إلى المغازي ولا تضرب عليهم البعوث، وقيل: لا يحشرون إلى عامل الزكاة ليأخذ صدقة أموالهم، بل يأخذها في أماكنهم، ومنه حديث صلح أهل نجران: على أن لا يحشروا، وحديث النساء: لا يعشرون ولا يحشرون يعني: للغزاة، فإن الغزو لا يجب عليهن"٣. فالحشر إذن قد يكون موظفًا خصص بجباية الضرائب، أو بجمع الحشور، أي: الناس الذين يحشرون ويجمعون للحروب أو للقيام بأعمال إجبارية، فهم مثل "السخرة" الذين يجمعون جمعًا لأداء أعمال من غير أجر. وهو "الحاشر" في لغتنا.
وأما الذي يتولى جباة الضرائب والإشراف على الموظفين الذين توكل أعمال الجباية إليهم، فيقال له: "نحل" ويقال لوظيفته "نحلت"٤. ويذكر علماء اللغة أن "النحلة" بمعنى العطية، وأن النحل إعطاؤك الإنسان شيئًا بلا استعاضة، وعمّ به بعضهم جميع أنواع العطاء٥. ويظهر من هذا التفسير أن له بعضَ الصلة بمعنى اللفظة في المسند، وأن المراد منها في اللغات العربية الجنوبية أخذ المال من الناس. فقد كان الملوك يعطون الأرض لأتباعهم والمقربين لديهم ممن يخدمونهم لاستغلالها، وذلك في مقابل دفع تعويض عام، فيقوم هؤلاء باستغلال ما أعطي لهم بأنفسهم، أو بتأجير الأرض قطعًا إلى من هم في خدمتهم، فيأخذون الربح لهم، ويقدمون ما اتفق عليه مع الملك إلى خزانته.
ويعرف الموظفون الذين يجمعون حصة الحكومة المخصصة باسم الجيش من الحبوب بـ"ساولت" "س اول ت". وهي ضريبة عسكرية يؤديها المزارعون
стр. 3102
من الحضر والأعراب إلى الحكومة، لتموين الجيش ببعض ما يحتاج إليه من طعام.
وتعرف هذه الضريبة العسكرية بتلك التسمية كذلك. فهي ضريبة من ضرائب غلات الأرض١.
ويظهر من بعض الكتابات أن بعض الإقطاعات كانت في إدارة مجلس يتألف من ثمانية أشخاص عرفوا بـ"ثمنيتن" أي "الثمانية"٢، فهم بمثابة مجلس مديري شركة يدير أمور تلك المقاطعة، أو بمثابة مشروع زراعي تعاوني، يتعاون فيه الأشخاص بإدارة ذلك المشروع، وقد تكون هنالك إقطاعات بإدارة أناس يزيد عددهم على هذا العدد أوينقص عنه.
وقد ذهب "رودوكناكس" Rhodokanakis إلى احتمال وجود طبقة خاصة من الموظفين عرفت بـ"إبعل سير"، كانت تحكم إلى جانب الطبقة المثمنة المؤلفة من الأشخاص الثمانية٣.
وظهر من النصوص القتبانية وجود جماعة من الموظفين نيطت بهم مهمة الإشراف على إدارة المعابد وتمشية شئون الأوقاف المحبوسة على المعبد. يقال لها: "أربى"، والواحد هو "ربي". ومهمته أيضًا جمع الأعشار والنذور التي تقدم إلى المعابد٤.
فهم كهيئات "الأوقاف" في البلاد العربية والإسلامية في الوقت الحاضر.
وذكر علماء اللغة "المحاجر"، وقالوا عنهم: إنهم أقيال اليمن، وهم الإحماء، كان لكل واحد منهم حمى لا يرعاه غيره. وأن المحجر ما حول القرية٥.
ويظهر أنهم قصدوا بهم أصحاب الإحماء، أي: الإقطاع، الذين استقطعوا الأرضين واستخلصوها لأنفسهم، ولم يسمحوا لأحد بالدخول إليها للرعي أو للاستفادة منها بغير إذن منهم. فهم أصحاب الإقطاع والإحماء. فحجروا بذلك على خيرة الأرضين المحيطة بالقرى، وجعلوها خاصة بهم لا يرعاها غيرهم، لما كان لهم من نفود وسلطان.
стр. 3103
هذا ما عرفناه من أصول الحكم عند العرب الجنوبيين. أما بالنسبة إلى العرب الشماليين، فإن معارفنا بنظام الحكم عندهم نزر يسير، لعدم ورود شيء ما عن نظام الحكم في "الحيرة" أو في مملكة الغساسنة في كتابة جاهلية. أما أخبار أهل الأخبار، فإنها قليلة في هذا الموضوع، وهي لا تنص على نظم الحكم عندها نصًّا، وإنما تشير إليها إشارة، وتومئ إيماء، ولذلك لا تقدم إلينا رأيًا واضحًا صحيحًا في أصول الحكم عند العرب الشماليين.
ويظهر من أخبار الأخباريين عن ملوك الحيرة أن أولئك الملوك لم يكونوا مثل ملوك اليمن من حيث استشارة المجالس وتوزيع أعمال الحكومة. وطبيعي أن يكون هنالك فرق بين أصول الحكم في العربية الجنوبية، وأصول الحكم في الحيرة، لا بين طبيعتي الحكومتين من اختلاف في نواح عديدة، تجعل وجود الاختلاف في نظم الحكم أمرًا لا بد منه. فإدارة الحكم في "الحيرة" متأثرة بالنظم السياسية الساسانية، وظروف البادية والبداوة وهي الغالب على سواد التابعين لملوك الحيرة، ولا يمكن تطبيق ما يطبق في المجتمع الحضري على المجتمع البدوي.
وإذا أخذنا "الردافة" على أنها منصب أو منزلة ودرجة خاصة في حكومة "الحيرة"، فإننا نستطيع أن نقول: إنها أسمى وظائف تلك الحكومة، أو أسى درجاتها، وأنها من المنازل العليا عند ملوكهم. فقد ذكر أهل الأخبار أن الردف هو الذي يجلس على يمين الملك. فإذا شرب الملك، شرب الردف قبل الناس، وإذا غزا الملك، قعد الردف في موضعه، وكان خليفته على الناس حتى ينصرف، وإذا عادت كتيبة الملك، أخذ الردف ربع الغنيمة١. وكان للردف أن يخلف الملك إذا قام عن مجلس الحكم، فينظر بين الناس بعده. وذكر: أن هناك ردافة أخرى، ولكنها دون الردافة المتقدمة، وهي أن يردف الملك الردف على دابته في صيدٍ أو غيره من مواضع الأنس، ولكن الأولى أنبل٢.
وقد عرف "عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب" بـ"رديف الملوك"، ومعنى هذا أنه عاش وخالط عددًا من ملوك أيامه، وذكر أنه كان رحالًا إليهم.
стр. 3104
ولذلك عرف بـ"عروة الرحال"١. وذكر أن "ردافة الملوك: كانت من العرب في بني عتاب بن هرمي بن رياح بن يربوع، فورثها بنوهم كابرًا عن كابر حتى قام الإسلام، وهي أن يثني بصاحبها في الشراب، وإن غاب الملك خلفه في المجلس، ويقال: إن أرداف الملوك في الجاهلية بمنزلة الوزراء في الإسلام، والردافة كالوزارة. قال لبيد من قصيدة:
وشهدت أنجية الأفاقة عاليًا ... كعبي وأرداف الملوك شهود"٢
وكان "سدوس بن شيبان" رديفًا، "فكانت له ردافة آكل المرار"٣.
وقد كانت الردافة معروفة عند "ملوك كندة" أيضًا. وقد رووا أن "أبا حنش عاصم بن النعمان التغلبي"، كان رديفًا للملك "شرحيل بن الحارث بن عمرو الملك المقصور بن آكل المرار الكندي"٤. وقد احتفظ "بنو سدوس" بهذا الحق: حق ردافة ملوك كندة٥.
ولا يوجد نظام خاص في "الردافة"، ولكن نظرًا لما للردافة من مكانة ومنزلة، جرت العادة ألا تعطى إلا للرجال الذين لهم مكانة عند الناس ولهم عقل وشخصية، وقد تنتقل من الأب إلى الابن، وقد تنحصر في قبيلة واحدة، فإذا أراد الملك نقلها إلى قبيلة أخرى، ولم يأخذ رأي تلك القبيلة في نقلها نها "زعلت" القبيلة وثارت إن كانت قوية ووقع الشر بينها وبين الملك، أو بينها وبين القبيلة الأخرى التي نازعتها على الردافة.
وللرديف، بحكم اتصاله بالملك وبقربه منه وبتقديمه الرأي له، أثر في توجيه الملك وفي اتخاذه القرارات، لا سيما إذا كان الملك ضعيفًا فاتر الهمة، ليس له رأي. والرديف بهذا المعنى المستشار والوزير. وقد ذكر أن الردافة بهذا المعنى عرفت في الإسلام أيضًا. روي أن "عثمان" كان يُدعى "رديفًا" في إمارة عمر٦.
وذكر علماء اللغة أن "الأرداف: الملوك في الجاهلية، والاسم منه الردافة".
стр. 3105
وكانت الردافة في الجاهلية لبني يربوع١. خصصها ملوك الحيرة بهم ولم يعطوها لأحد غيرهم، حتى إن كانوا مثل بني يربوع من تميم. ولا بد وأن يكون لهذا التخصيص سبب إذ لا يعقل أن يكون جاء "بني يربوع" عفوًا. فهو فضل وتفضيل، وقضية التفضيل والتقديم، قضية حسّاسة جدًّا ويحسب لها ألف حساب عند العرب. لما لها من مسّ بالمنازل وبكرامة القبائل والسادات، وقد ذهبت أرواح بسبب تقديم ملك سيد قبيلة على سيد آخر في موضع جلوسه منه أن جعله أقرب إليه منه وفي جهته اليمنى لأن في هذا التقديم على عرفهم إيثار لمن قدم وتفضيل له على بقية الحضور. فهل يعقل إذن أن يكون ملوك الحيرة قد أعطوا "الردافة" لبني يربوع عفوًا ومن غير أسباب حملتهم على تخصيصها فيهم. لقد حاول بعض ملوكهم تحويلها من أصحابها إلى قوم آخرين، ومنهم قوم مثل "بني يربوع" من تميم. لكنهم هاجوا وماجوا وهددوا، فاضطر أولئك على إبقاء الحال على ما كان عليه.
ويمكن اعتبار "الحجابة" وصاحبها "الحاجب" من الدرجات المهمة في "الحيرة". فقد كان "الحاجب" هو الذي يتولى إدخال الناس والأذن لهم بالدخول على الملوك. وكان في إمكانه التعجيل بإدخال من يريد على الملك، وتأخير من ينفر منه من الدخول عليه، وربما منعوه من الوصول إليه. لذلك كان الذين يقصدون الملوك يتقربون إليه ويتوددون له ليكون شفيعًا لهم عندهم عن وواسطة في التقرب إليهم. وطالما تعرض الحاجب لذم شاعر وهجائه إذا أخره عن الدخول على الملوك، أو حال بينه وبين الوصول إليه، أو كان سببًا في إثارة غضب الملك على الشاعر٢.
وقد ذكر علماء اللغة أنه لما كان الملك محجوبًا عن الناس، فلا يصلون إليه إلا بإذن من الحاجب، لذلك حصر -أي: حبس- عن رعيته، فقيل له: الحصير٣.
وقد كان للنعمان بن المنذر "ملك العرب" حاجب ورد اسمه في شعر للنابغة، هو "عصام بن شهر" من رجال "جرم"، ذكر أنه قد كانت له منزلة عند
стр. 3106
النعمان. حتى أنه إذا أراد أن يبعث بألف فارس بعث بعصام١، مما يدل على أنه كان يوكل إليه أمر قيادته جيشه أيضًا. وقد ضرب به المثل، ورد: "ما وراءك يا عصام"، يعنون به إياه. وورد: "كن عصاميًّا ولا تكن عظاميًّا يريدون به قوله:
نفس عصام سودت عصامًا ... وصيرته ملكًا همامًا
وعلمته الكرَّ والإقداما
وقوله: ولا تكن عظاميًّا، أي: ممن يفتخر بالعظام النخرة"٢.
وقد ورد في أخبار الرسل الذين أوفدهم رسول الله إلى الملوك، أن "شجاع ابن وهب" رسول رسول الله إلى "الحارث بن أبي شمر الغساني" ليدعوه إلى الإسلام، اتصل بحاجبه، وانتظر حتى جاء له الإذن بمقابله فدخل عليه٣.
وبقيت "الحجابة" من المنازل الرفيعة في مكة وفي الأماكن المقدسة الأخرى.
فبيد "الحاجب" تكون مفاتيح الكعبة ومفاتيح الخزانة الخاصة بالمعبد وهي درجة ترزق صاحبها رزقًا حسنًا وربحًا ماديًّا، فضلًا عن الربح المعنوي باعتبار أنه صاحب الصنم أو الأصنام وبيده أمر المعبد. لذلك قالت بنو قصي: فينا الحجابة٤. تفتخر على غيرها. ويظهر من الحديث: "ثلاثٌ من كن فيه من الولاة اضطلع بأمانته وأمره: إذا عدل في حكمه، ولم يحتجب دون غيره، وأقام كتاب الله في القريب والبعيد"٥، ومن اشتراط "عمر" على كل من كان يعينه عاملًا، ألا يتخذ حاجبًا، ومن تحذيره لمعاوية وغيره من اتخاذ الحجاب٦. أن الحجاب، أي: احتجاب الحكام في الجاهلية عن الناس وعدم دخول أحد عليهم بغير إذن منه، كان معروفًا فاشيًا، وأن أصحاب الحاجات والمراجعين من الناس كانوا يلاقون صعوبات جمة في الوصول إلى حكامهم، وقد يقفون أيامًا ثم يسمح لهم بالدخول عليهم، وقد لا يسمح لهم بذلك. ونظرًا لما في ذلك من تعسف بحق
стр. 3107
الرعية نهى الإسلام عنه، وأمر الحكام بوجوب فتح أبواب بيوتهم للناس ليستمعوا إلى ظلاماتهم وإلى ما هم عليه من حال.
وفي كتب أهل الأخبار تأييد لهذا الرأي، إذ نجدها تذكر أن الشعراء وغيرهم كانوا يقفون أيامًا بأبواب ملوك الحيرة أو الغساسنة يلتمسون الإذن بالدخول على الملوك، ولا يأذن الحاجب لهم بالدخول عليهم، حتى اضطر البعض منهم إلى التعهد للحاجب بإعطائه نصيبًا مما سيعطيه الملك له إن يسر له أمر الدخول عليه١.
ومنهم من كان يقدم للحاجب هدية ترضيه حتى يسمح له بالدخول دون إبطاء، مما اضطر بعض الشعراء على نظم الأشعار في هجاء الحاجب والملك الذي يراد الوصول إليه.
ونجد مثل هذه الشكاوى عن حجاب ملوك اليمن.
ويظهر أن ملوك الحيرة كانوا يستوزرون الوزراء ليستشيروهم في الأمور، فقد ورد أن "زرارة بن عدس" كان من عمرو بن هند كالوزير له٢. وقد وردت كلمة "وزير" في القرآن الكريم٣ بمعنى المؤازر الذي يشد أزر صاحبه فيحمل عنه ما حمله من الأثقال، والذي يلتجئ الأمير إلى رأيه وتدبيره، فهو ملجأ له ومفزع. وجاء في حديث "السَّقيفة": "نحن الأمراء وأنتم الوزراء"٤، مما يدل على أن الوزارة كانت معروفة عند الجاهليين.
وورد أن "التأمور" وزير الملك لنفوذ أمره٥. ولم يذكر علماء اللغة الموضع الذي استعملت فيه هذه اللفظة.
وقد كان لملوك الحيرة عمالًا يديرون بالنيابة عنهم أمور الأرضين التابعة لهم.
فـ "العامل" هو نائب الملك على تلك الأرض. وقد ذكر أنه كان لملوك الحيرة "عمال" على البحرين كالذي رووه في قصة مقتل الشاعر "عبيد بن الأبرص".
وقد عرف علماء اللغة العامل بأنه هو الذي يتولى أمور الرجل في ماله وملكه وعمله ومنه قيل للذي يستخرج الزكاة: "عامل"، وللساعي الذي يستخرج الصدقات من أربابها: "العامل" والعامل هو الخليفة عن الشخص٦.
стр. 3108
وقد استعمل المسلمون لفظة "العامل" وبقوا يستعملونها أمدًا. وعين الرسول عُمالًا على الصدقات١. واستعملت بمعنى أوسع أيضًا، شمل الضرائب والإدارة.
وأطلق "الطبري" لفظة "العامل" على ملوك الحيرة، فنجد في كتابه جملة:
"من عمال ... "، وورد أن "امرأ القيس" كان عاملًا للفرس، وكان يحكم الحجاز٢.
ويذكر علماء اللغة أن "العُمالة": رزق العامل الذي جعل له على ما قلد من العمل.
والولاية بمنزلة الإمارة، والولي هو الذي يتولى إدارة شئون الولاية٣. وقد استعملت في الإدارة الإسلامية. واستعملت لفظة "الأمير" في معنى من يتولى إمارة الجيش، فقيل: "أمراء الجيش" وهم كبار القادة الذين توكل إليهم مهمة تسيير الجيش وإدارته في السلم وفي الحرب.
وتؤدي لفظة "الوكيل" معنى العامل أيضًا. جاء في نص "العمارة" "ووكلهن فرسولروم"، أي: "ووكل لفارس وللروم"٤. ولكنني لا أستطيع أن أجزم بأن لفظة "الوكيل" كانت مستعملة اصطلاحًا مقررًا مثل لفظة "عامل" في ذلك العهد، أي: سنة "٣٢٨" للميلاد، وهي سنة تدوين النص.
ومن الدرجات المهمة من الوجهة العسكرية والإدارية "الخفارة"، بمعنى الحراسة والمراقبة. والخفير هو المجير والحارس والحامي والأمان٥. وكان ملوك الحيرة قد عينوا "الخفراء" على المواضع الحساسة لحمايتها والدفاع عنها. وقد كان الساسانيون قد عينوا خفراء منهم ومن العرب لحماية الحدود، ولما حاصر "خالد بن الوليد" "عين التمر" وتغلب عليها قتل "هلال بن عقبة"، وكان خفيرًا بها٦.
стр. 3109
وقد أشير إليها في كتب الرسول، إذ ذكر أنه أخفر "سعير بن العداء الفريعي" أحد المواضع١.
ويظهر من أخبار أهل الأخبار أن ملوك الحيرة، كانوا قد اتخذوا لهم أمناء، فقد لقب "هانئ بن قبيصة" بـ"أمين النعمان بن المنذر"٢. و"الأمين" المؤتمن الحافظ، فلعلهم قصدوا أنه كان المؤتمن على أسراره والمستشار له، يستشيره في مسائله والحافظ لها، أو أنه كان الأمين على أمواله وما يأتيه من جباية وخراج، أو الكاتم لأسراره والمدون لرسائله، فهو كاتب الدولة في ذلك العهد.
وعرف "قبيصة بن مسعود" بـ"وافد المنذر"٣. ويظهر أن المنذر كان يكلفه بالوفادات، أي: بالذهاب موفدًا عنه في مهمات وأعمال يحتاج قضاؤها إلى ذهاب موفد ليتكلم عن الملك وباسمه و"الوافد" هو السابق والإرسال، ويقال: هم على أوفاد أي: على سفر. وقد يقال: إن "قبيصة" إنما عرف بـ"وافد المنذر"، لأنه كان ممن يكثر الوفادة عليه، فيجد له ترحيبًا وأبوابًا مفتوحة، فعرف بذلك. فيكون بهذا المعنى من الرجال المقربين إلى الملك. ولا علاقة له بمهمة الإيفاد إلى الملوك وسادات القبائل بمهمات سياسية، أي: بمهمة رسول وسفير.
وقد استعمل عرب العراق الألفاظ الفارسية المستعملة في إدارة الحكومة الساسانية لأنها هي المصطلحات الرسمية والألقاب التي يحملها الموظفون وتشير إلى منازلهم ودرجاتهم، ومنها درجة "قهرمان" "القهرمان". والكلمة فارسية، وقد دخلت العربية وعربت. ذكر علماء اللغة أنها تعني المسيطر الحفيظ على من تحت يديه والقائم بأمور الرجل ومن أمناء الملك وخاصيته. وفي الحديث: كتب إلى قهرمانه٤.
وقد ورد أن "علي بن أبي طالب" قال لدهقان من أهل "عين التمر"، وكان قد أسلم: "أما جزية رأسك فسنرفعها، وأما أرضك فللمسلمين. فإن شئت فرضنا لك، وإن شئت جعلناك قهرمانًا لنا"٥.
و"دهقان" من الألفاظ التي عرفها عرب العراق كذلك. وذكر بعض علماء
стр. 3110
اللغة أن الدهقان التاجر١. ويراد بدهقان حاكم ضيعة أو بلدة. وهي من "ده" بمعنى "ضيعة" و"قان" "خان" بمعنى رئيس قبيلة في الفارسية القديمة٢.
فالدهقان هو رئيس موضع. وقد كان الساسانيون قد نصبوا الدهاقين على العراق وعلى قرى غالب أهلها من العرب، فكانوا يخاطبونهم باسم منصبهم: دهقان.
وأشير إلى وجود وظيفة "كاتب" عند الفرس، واجبه تولي أمور المراسلة بالعربية والفارسية فيما بين العرب والفرس. وقد ذكر "الطبري" أن "كسرى" جعل ابن "عدي بن زيد العبادي" في مكان أبيه، "فكان هو الذي يلي ما كتب به إلى أرض العرب، وخاصة الملك، وكانت له من العرب وظيفة موظفة في كل سنة: مهران أشقران والكمأة الرطبة في حينها واليابسة، والأقسط والأدم وسائر تجارات العرب، فكان زيد بن عدي بن زيد يلي ذلك، وكان هذا عمل عدي"٣. وقد أشير إلى وجود كتاب عند ملوك الحيرة تولوا لهم أمر تدوين المراسلات وما يأمر به الملوك. ولا يعقل ألا يكون لهم ديوان خاص بالمراسلة على نمط ما كان عند الساسانيين، وظيفته تولي ما يكتب به ملوك الحيرة إلى الملوك الساسانيين، وترجمة ما يرد من الساسانيين إليهم من كتب. وتولي أمور المراسلة بين ملوك الحيرة وبين سادات القبائل، كما يظهر ذلك من كتب أهل الأخبار.
وكان للملوك خاتم عرف بـ"خاتم الملك" يكون في أيديهم. يظهر أنهم استخدموه للتوقيع على الكتب.
وقد عرف بـ"الحلق" كذلك. وعرف "الحلق" بـ"خاتم الملك الذي يكون في يده"٤. وكان من شأنهم، أنهم إذا أمروا بكتابة كتاب، ختموا عليه بـ"الختام"، وهو الطين أو الشمع، حتى لا يفتح ولا يمكن لحد فتحه. وإلا كسر الخاتم، وعرف أن الكتاب قد فتح، وأن سره عرف٥.
والمعروف أن "الشرطة"، لم تكن معروفة عند الجاهليين، وأنها من المستحدثات.
стр. 3111
الإدارية التي ظهرت في الإسلام. ولكن أهل الأخبار يروون حديث نسبوه إلى الرسول هو: "الشُّرَطُ كلاب النار"١. وهو حديث لو صح أنه من قول الرسول، فإنه يدل على وقوف أهل الحجاز على "الشرطة"، ويذكر علماء اللغة أن الشرطة سموا بذلك لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها. وذكروا أن واحد الشرط هو الشرطي، واستدلوا على ذلك بقول الدهناء امرأة العجاج.
واللهِ لولا خشية الأمير ... وخشية الشرطي والترتور
أعوذ بالله وبالأمير ... من عامل الشرطة والأترور٢
وقد ذهبت "ابن قتيبة" إلى وجود "الشرطة" في أيام الجاهلية، إذ قال في أثناء حديثه عن المثل "علي يدي عدل": "هو: عدل بن فلان. من سعد العشيرة، وكان على شرطة تبع، فإذا غضب على رجل دفعه إليه. فقال الناس، لكل شيء يخاف هلاكه: هو على يدي عدل"٣ واختلف في اسم والده، فقيل: هو جزء "جر". وقيل: لكل ما يئس منه: وضع على عدل٤.
وقد عرف الحراس في اليمن. منهم من كان يتولى أمر حراسة الملوك، إذا ذهبوا إلى مكان، أو خرجوا لصيد، ومنهم من كان يتولى أمر حراسة قصورهم، ومنهم من تولى أمر حراسة أبواب المدن والأسوار حتى لا يدخل المدينة عدوٌ ولا يهرب منها سارق أو مجرم، وكان لملوك الحيرة والغساسنة وسادات القبائل حراس يسيرون معهم لمنع من يريد إلحاق الأذى بهم. وإذا تجولوا استتبعهم الحراس والخَدم. وذكر أن "خشرم بن الحباب" كان من حراس الرسول٥.
ويقال لمن يطوف بالليل لحراسة الناس "العس" و"العسس". فهم نوع من أنواع الحرس، تخصص بالحراسة ليلًا.
وأما "الدرابنة"، فهم البوّابون، أي: الذين يقفون على الباب، لمنع الغرباء ومن فيه ريبة من الدخول إلى البيوت. واللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية،
стр. 3112
وقد ذكرت في شعر نسب إلى المثقب العبدي:
فأبقى باطلي والجدّ منها ... كدكان الدرابنة المطين١
ويقال لمن يطوف بالليل لحراسة الناس "العس" و"العسس"، فهم نوع من أنواع الشرطة، أو من المحافظين على الأمن، تخصصوا بالحراسة ليلًا.
وذكر علماء اللغة أن من مرادفات "الشرطي" "الجلواز". و"الجلواز": الثؤرور "التؤرور"، وقيل: هو الشرطي. وجلوزته: خفته بين يدي العامل في ذهابه وإيابه٢. وذكروا أن "التؤرور: العَوْن يكون مع السلطان بلا رزق، وقيل: هو الجلواز"٣. وذكر "عكرمة" في تفسير ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ . "الجلاوزة يحفظون الأمراء"٤.
وقد اتخذ حكام العربية الجنوبية السجون لتأديب خصومهم بسجنهم بها. واستعملت لسجن الخصوم السياسيين والأعداء في الغالب. لذلك كانوا يتشددون في حراستها وفي عزلها عن الناس حتى لا يتمكن أحد من الهروب منها. وقد يجعلونها في قلاعهم وحصونهم، زيادة في الحذر وفي مراقبة المساجين. وقد يتوفى السجين في سجنه من سوء حالة السجن ومن الجوع والعطش. ويقال لحارس السجن: "حصق" في اللغة العربية الجنوبية٥.
وذكر بعض علماء اللغة أن النبط تسمي "المحبوس"، "المهزرق"، و"الحبس" "الهزروقي"٦. ولا يستبعد أن يكون عرب العراق قد عرفوا هذا المصطلح.
إذ ذكروا أن "المهرزق: المحبوس، نبطية تكلمت بها العرب، وكذلك المحرزق".
وإن "الهرزق" "الحبس". وقال بعض العلماء: "المهزرق والمهرزق يقالان معًا.
كما وردا في بيت الأعشى:
هنالك ما أنجاه عزة ملكه ... بساباط حتى مات وهو مهرزق"٧.
стр. 3113
وترد لفظة "عوق" بمعنى المحبوس في النصوص الصفوية١. وقد كان الروم يقبضون على من يغير على أرضهم من الصفويين وغيرهم ويودعونهم السجون.
ومنهم من كان يفر منها، ويكتب ذكرى هروبه من سجن الروم على الحجارة.
وقد كان لملوك الحيرة "سجون"، منها سجن "الصنّين" وقد أشير إليه في الشعر الجاهلي٢. ولا بد أن يكون لهم موظفون أودعوا إليهم مهمة المحافظة على السجون ومراقبة المساجين حتى لا يهربوا، ووكلوا إليهم أمر تعذيبهم وقتلهم أو سمهم عند صدور أمر الملك بذلك. كما فعلوا بعدي بن زيد العبادي. ويقال للسجن: الحصير، لنه يحصر الناس ويمنعهم من الخروج٣، و"الحبس"٤.
ويقال للذي يتولى أمر القبيلة أو الجماعة من الناس يلي أمورهم، وينقل إلى الملك أحوال الناس "العريف". وكان للملوك "عرفاء"، هم بمثابة عيونهم على القبائل. ويظهر من بعض الأخبار أن العرافة كانت نوعًا من الرئاسة والزعامة والدرجة. فقد ورد في كتب الحديث: أن شيخًا كان صاحب ماء جعل لقومه مائة من الإبل على أن يسلموا، فأسلموا، وقسم الإبل بينهم. وبدا له أن يرتجعها منهم، فأرسل ابنه إلى النبي، وأوصاه بأن يقول له: "أبي شيخ كبير، وهو عريف الماء، وإنه يسألك أن تجعل لي العرافة بعده". فلما قص الخبر على الرسول، قال الرسول له: "إن بدا له أن يسلمها إليهم، فليسلمها، وإن بدا له أن يرتجعها منهم، فهو أحق بها منهم. فإن أسلموا، فلهم إسلامهم، وإن لم يسلمو، قوتلوا على الإسلام". فقال: "إن أبي شيخ كبير، وهو عريف الماء، وإنه يسألك أن تجعل لي العرافة بعده". فقال الرسول: "إن العرافة حق، ولا بد للناس من عرفاء. ولكن العرفاء في النار"٥.
وورد أن العريف: النقيب، وهو دون الرئيس، وأن عريف القوم سيّدهم، والعريف: القيم والسيد لمعرفته بسياسة القوم، ولتدبيره أمر تابعيه. وعرفوا "النقيب" بهذا التعريف أيضًا٦، فقالوا: إنه العريف، وهو شاهد القوم وضمينهم
стр. 3114
والمقدم عليهم الذي يتعرف أخبارهم وينقب عن أحوالهم١.
و"العريف" من المصطلحات العسكرية أيضًا، المستعملة في تنظيمات الجيش.
وقد أقر الرسول ما كان متبعًا من أمر تقسيم الجيش إلى وحدات. فعرف على كل عشرة رجلًا وأمر على الأعشار رجالًا من الناس لهم وسائل في الإسلام.
هم العرفاء٢.
و"النقيب"، شاهد القوم، وهو ضمينهم وعريفهم ورأسهم، لأنه يفتش أحوالهم ويعرفها. وفي التنزيل: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ ٣. ولما بايع الأنصار رسول الله، جعل عليهم اثني عشر نقيبًا، ليتولوا أمر المسلمين بيثرب وليكونوا شهوده عليهم، وليقوموا بالدعوة فيها إلى الإسلام. ويظهر أن لهذه اللفظة صلة بلفظة Nacebus التي وردت في بعض المؤلفات اليونانية في حديثها عن العرب. ونجد في العهد المنسوب إلى "خالد بن الوليد" المعطى إلى أهل الحيرة والمدون في تاريخ الطبري، جملة: "وهم نقباء أهل الحيرة"، وقصد الشارح بها رؤساء الحيرة الذين صالحوا "خالد" على أداء الجزية، وهم: عديّ وعمرو أبناء عديّ بن زيد العبادي، وعمرو بن عبد المسيح، وإياس بن قبيصة وحيريّ "جيريّ" بن آكال٤.
وفي ورود اللفظة في القرآن الكريم، واختيار الرسول لنقباء أمرهم على مسلمي يثرب قبل هجرته إليها، وفي ورودها في عهد "خالد" مع أهل الحيرة، دلالة على أنها كانت شائعة معروفة في الحجاز، بمعنى رئيس وسيد قوم والمسئول عن جماعة.
أما "الرائد"، فهو الذي يتقدم الناس لطلب الماء والكلأ للنزول عليه٥. وقد نصب "عمر" "سلمان الفارسي" رائدًا وداعية على الجيش الذي أرسله إلى العراق٦.
стр. 3115
ولا بد وأن يكون للملوك خزان يتولون خزن أموال الملك والأشراف على مدخولاته ومصروفاته. وكلمة "خزانة" من الألفاظ المعروفة في العربية١. وقد كان الناس يخزنون أموالهم في خزائن. ومنها أوعية يجمعون فيها المال المخزون.
وقد كان لهؤلاء الملوك جباة يجبون لهم حقوق الملك على الرعية، من أعشار التجارة، ومن غلات الأرض.
وهناك طبقة من السادة كانت لهم منزلة ومكانة في أهلهم ودرجة محترمة عند الملوك، فقربوهم إليهم وأدنوهم منهم. وقد عرفوا بـ"قرابين الملك" واحدهم قربان. يجلسون مع الملك على سريره لنفاستهم وجلالتهم٢. وذكر أن "القربان": جليس الملك الخاص، أي: المختص به. و"قرابين الملك" وزراؤه وجلساؤه وخاصته٣.
وقد عرفنا من كتابات "تدمر" أسماء بعض الوظائف التي كان يتولاها الموظفون في القيام بإدارة الأعمال العامة للمدينة. وقد أشرت إليها في حديثي عن تلك المدينة، وكانت "تدمر" قد سارت على خطة المدن اليونانية في إدارة شئونها، وهي خطة عمل بها الرومان أيضًا مع بعض التغيير الذي يناسب جو "الامبراطورية" الرومانية. ويلاحظ أن أهل "تدمر" استعملوا المصطلحات اليونانية أيضًا في تسمية الوظائف.
ويمكن أن نقول إن عرب بلاد الشأم كانوا قد ساروا على وفق النظم اليونانية الرومانية في إدارة الحكم، لوجود جاليات يونانية كبيرة العدد من مدن الشأم وقراها، ولاتصال عرب هذه الديار باليونان والرومان، مما جعلهم يختارون نظم اليونان والرومان في إدارة الحكم وفي إدارة الجيش، ونجد أثر هذا التأثر حتى في لغة الحجاز، فنجد فيها ألفاظًا عديدة دخلت العربية قبل الإسلام بزمن طويل، فعربت. وذلك في الأمور التي اختص بها اليونان والرومان ولم تكن معروفة عند العرب.
стр. 3116
بطانة الملك:
والبطانة السريرة يسرها الرجل، والصاحب للسر الذي يشاور في الأحوال.
стр. 3117
وقد أشير إليها في الحديث. ويقال لها الوليجة، وهو الذي يختص بالولوج والاطلاع على باطن الأمر. وذكرت "البطانة" في القرآن. بمعنى مختصين بقوم، ويستبطن بهم الأمور١. فهم النخبة الخاصة التي يركن إليها في السراء والضراء وفي أخذ الرأي.
ولـ"سقاة" الملوك حظوة عند الملوك بحكم قربهم منهم واتصالهم بهم، ولا سيما وقت شرابهم، ويسمعون من أفواههم وبخاصة في أوقات الشراب أمورًا لا يبيحون بها في وقت صحوهم وشعورهم. وقد كانت "السقاية" منزلة رسمية كبيرة عند الفرس والأشوريين والعبرانيين٢. وقد استعمل اللخميون والغساسنة السقاة، لإسقائهم الشراب ولإسقاء ضيوفهم أيضًا.
ولا يستبعد وجود "الخصيان" في قصور الملوك والأشراف. فقد كان من عادة الناس في ذلك الوقت استخدامهم في البيوت. فكانوا يدخلون على مخدرات الملوك والسادات، ويتصلون بهن، لخدمة البيت. ولهذا لجأ الملوك إلى شراء الخصيان، أو إخصاء مماليكهم حتى يكونوا بمأمن من اتصالهم بالقصر ودخولهم على نسائهم.
стр. 3118
إدارة المملكة:
لا نستطيع أن نتكلم بوجه صحيح مضبوط عن كيفية إدارة المملكة عند الجاهليين وعن طرق توزيع العمال وتقسيم المملكة إلى وحدات إدارية يديرها الموظفون، وعن أسماء تلك الوحدات. إذ لم يصل أي شيء عن ذلك إلينا في كتابات المسند أو الكتابات الجاهلية الأخرى. كما لم يصل إلينا أي شيء عن النظم الإدارية الجاهلية في كتب أهل الأخبار والتواريخ.
وفي كتب اللغة والأدب مصطلحات ذات معان إدارية مثل "الطسوج" و"الكور" وردت فيها عرضًا، غير أن ما أورده علماء اللغة عنها لا يبين لنا بوضوح استعمالها ولا الأزمنة التي استعملت فيها، ولا المراد منها. فهم يقولون.
стр. 3119
عن "الطسوج"، الطسوج: الناحية وربع الدانق. وقيل: مقدار من الوزن، وقيل: معرب واحد من طساسيج السواد. فنحن إذن أمام معان ثلاثة: هي جزء من دانق أو درهم، ومقدار من الوزن وجزء من أرض١. والمعنى الثالث هو المعنى الملائم لبحثنا، لأنه يدل على وحدة إدارية، كانت مستعملة في العراق بتأثير الحكم الفارسي.
وأما "الكور" فجمع "كورة". قال علماء اللغة: إنها المدينة والصقع، والمخلاف. وهي القرية من قرى اليمن٢ والكلمة من أصل يوناني، هو "خورة" Khora. بمعنى ناحية من بلد، أي مصر. ولم يشر علماء اللغة إلى أنها كانت مستعملة في جزيرة العرب. ولعل العربية أخذتها من التقسيمات الإدارية لبلاد الشأم.
وجاء في أثناء حديث "الطبري" عن فتح "أمغيشيا" وعن سير خالد بن الوليد إليها، أنها كانت مصرًا كالحيرة٣. وورد في كتب اللغة والأخبار أن "عمر" كان قد مصر الأمصار منها البصرة والكوفة. وذكر علماء اللغة أن المصر الحد٤.
ويظهر من ذلك أن "أمغيشيا" كانت مصرًا، أي: من إمارات الحدود، التي أقيمت على الحدود المغربية للدولة الساسانية لحمايتها من الروم ومن غارات الأعراب وغزوهم. وكان أهلها على النصرانية. وأن لفظة "مصر" كانت تؤدي هذا المعنى عند ظهور الإسلام.
ولا تظهر التقسيمات الإدارية إلّا في حكومة كبيرة تحكم مساحة واسعة نوعًا ما.
لذا نستطيع أن نتحدث باطمئنان عن وجود تقسيمات إدارية في العربية الجنوبية، لأن حكوماتها كانت قد حكمت أرضين متسعة نوعًا ما، وجعلت البلاد في حكم موظفين تولوا إدارتها. وقسموها إلى وحدات إدارية. أما في الحجاز، فلما كان الغالب عليها عند ظهور الإسلام نظام حكم القرى والمدن، لذلك، فلا يمكن أن نجد فيه شيئًا من هذا التقسيم. وأما ملوك الحيرة، فقد عينوا عمالًا على الأقاليم التي حكموها. ولكن أهل الأخبار لم يذكروا شيئًا عن أنواع العمالات وعن درجات حكامها. لذلك لا نستطيع التحدث عنها بشيء.
стр. 3120
ولقد سبق لي أن ذكرت أسماء بعض الوظائف والمناصب في الممالك العربية الجنوبية.
فقلت: مثلًا إن درجة "كبر" أي: "كبير" هي من المناصب العالية عند العرب الجنوبيين، و"الكبر" هو في مقام "محافظ" و"متصرف" و"عامل" في مصطلحات الدول العربية في يومنا هذا. ولا أسبتعد أن تكون تلك الدول قد أطلقت لفظة "كبر" على الوحدة الإدارية التي كانت تحت حكم الكبير.
و"المخلاف"، هي الكلمة التي ترد في كتب علماء اللغة والأخبار عن التقسيمات الإدارية الجغرافية لليمن، إذ يذكرون أن "المخلاف" مثل "الكورة" بالنسبة لأهل اليمن، وأن اليمن كانت مقسمة على مخاليف١.
ويعبر عن القرى بالأعراض، والواحد عرض جاء في بعض كتب عبد الملك بن مروان لعماله: "وليتك المدينة وأعراضها"، أي: قراها ونواحيها٢.
وللقرى والمدن حدود ومعالم. خارجها ضاحيتها. وأما داخلها فجوفها، وهو من شعاب، ومن "ربعات". والربع و"الربعة" المحلة والشِعب وجماعة الناس٣.
وقد أشير إلى "الرباع" في الكتاب الذي أمر الرسول بتدوينه بين "قريش" وأهل يثرب.
ويظهر أن الجاهليين قد عرفوا لفظة "الدسكرة"، بدليل ورودها في الحديث.
وقد ذكر بعض علماء اللغة أنها بناء كالقصر حوله بيوت ومنازل للخدم والحشم.
وخصصه بعضهم بالملوك. وقال قوم: القرية٤. ويظهر أنهم أخذوها من الفارسية، فهي فيها مدينة وضيعة كبيرة.
و"الضواحي" النواحي، وضواحي الروم ما ظهر من بلادهم. وضواحي مدينة أو قرية، ما كان خارج السور أو خارج حدود المدينة أو القرية. وضواحي قريش، النازلون بظواهر مكة، ولذلك قيل لقريش: النازلة بظواهر مكة، قريش الظواهر. وأهل الضاحية، أو أهل الضواحي، هم أهل البادية، والساكنون على سيف الحضارة وحدودها٥. وكانت الحكومات تحسب لهم حسابات، وتراقب أحوالهم، خشية مهاجمتهم الحضر.