← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

عثمان١. ويقال للأطم: الأجم أيضًا٢. فكانت الآطام هي وسائل الدفاع عند أهل يثرب، إذ لم يكن حولها سور يحميها من غزو الأعداء. فكانوا إذا حوصروا أو وقع غزو عليهم، لجئوا إلى آطامهم يتحصنون بها ويقذفون من أعاليها بما عندهم من وسائل دفاع لمنع العدو من الدنو منهم ولإلحاق الأذى به. وهي جملة آطام تملكها البيوتات العريقة وسادات الشعاب المكونة ليثرب والقائمة على أساس التقسيم العشائري٣. والآطام بيوت السادات ورؤساء القوم، يلجأ إليها الناس للدفاع عن أنفسهم وعنها وقت الخطر. ويظهر من شعر أوس بن مغراء السعدي: بَثَّ الجنود لهم في الأرض يقتلهم ... ما بين بصرى إلى آطام نجران٤ أي: نجران كانت ذات آطام كذلك. وذكر أن باليمن حصن يعرف بأطم الأضبط، وهو الأضبط بن قريع بن عوف بن سعد بن زيد مناة. كان أغار على أهل صنعاء وبنى بها أطمًا. ونسبوا له شعرًا، من هذا الشعر الذي يحمل طابع العصبية القبلية، والحقد على اليمن. يذكر فيه أنه شفى نفسه من "ذوي يمن"، بالطعن في اللبات والضرب، وأباح بلدتهم، وأقام حولًا كاملًا يسبي، وبنى أطمًا في بلادهم ليثبت تغلبه عليهم، وليكون أمارة على قهره لهم٥. وقد اشتهر أطم "الضاحي" بالمدينة. وهو أطم بناه "أحيحة بن الجلاح" من سادات يثرب بـ"العصبة" في أرضه التي يقال لها: "القنانة"٦. وكان دفاع أهل الحيرة عن مدينتهم وفق هذه الخطة أيضًا. فقد كانت المدينة "قصورًا" كل قصر لعائلة كبيرة، هو مسكن لها، وهو مخزن ومستودع

стр. 3292

وحصن تتحصن به عند وقوع خطر على المدينة. وبه مواضع في أعلى القصر لرمي الأعداء، ويلجأ أتباع أصحاب القصور إلى هذه القصور أيضًا للمساهمة في الدفاع عنها وفي حماية أنفسهم من الأذى. ولما حاصرالمسلمون الحيرة. كان حصارهم لها هو حصار قصورها، فكانوا يحاربون القصورحتى غلب المسلمون أهلها فاستسلمت عندئذ لهم. ولحماية السور ولمنع العدو من الوصول إليه والدنو منه، يحفر خندق حوله، ليمنع الغزاة والمحاربين من الوصول إليه. يحفرعميقًا وعريضًا جهد الإمكان، فعلى عرضه ومقاومته تتوقف مقاومته للعدو. ولما حاصر المشركون المدينة، أمر الرسول بحفر خندق حولها، ليمنع المشركين من الوصول إليها. وقد ذكر أن سلمان الفارسي، هو الذي أشار على الرسول بحفر الخندق، بعد أن تباحث مع أصحابه في الوسائل التي يجب اتخاذها لحماية المدينة، وزعم أهل الأخبار أن أهل الحجاز لم يكن لهم علم بالخنادق، وأن المسلمين كانوا في قلق شديد وخوف من تغلب قريش عليهم، فذكر سلمان لهم طريقة أهل بلاده في الدفاع عن مدنهم، فأخذوا برأيه. فلما رأت قريش الخندق، عجزت عن اقتحامه، ونجت يثرب منهم به. وزعموا أيضًا أن لفظة الخندق، وهو لفظة معربة من الفارسية، وإذا أخذنا برأي هؤلاء أصحاب الأخبار، وجب اعتبار تأريخ دخولها إلى العربية منذ هذا الحادث إذن. ويطلق العبرانيون لفظة "حيل"، أي: حائل على الخندق١. وأنا أشك كثيرًا في موضوع جهل أهل مكة والمدينة بأمور الخنادق، وفي قصة أن "سلمان الفارسي" كان أول من علم المسلمين حفرالخنادق؛ وذلك لأن أهل اليمن كانوا قد أحاطوا مدنهم بالخنادق لتعوق المهاجمين عن بلوغ الأسوار، كما أن أهل فلسطين كانوا يحيطون مدنهم بالخنادق أيضًا، وقد كان لأهل الحجاز اتصال وعلاقات بالمكانين وبالعراق أيضًا، وقد زاروا مدنًا أحيطت بالخنادق، فلا يعقل أن يكونوا على غفلة من أمرها، والظاهر أن الرسول كان قد جمع أصحابه حين داهمه المشركون ليستشيرهم بصورة عاجلة في كيفية الدفاع عن "يثرب" بعد أن هددها الكفار، فبيّن كل صحابي رأيه، وكان من رأي "سلمان"

стр. 3293

حفر خندق ليحول بينهم وبين دخول المدينة، فأخذ الرسول برأيه، وحفر الخندق، وبه سميت المعركة "معركة الخندق". فصوّر "سلمان الفارسي"، وكأنه أول من علم أهل الحجاز حفر الخنادق. ويظن أن لفظة "خبزت" التي ترد في النصوص المعينية وغيرها إنما تعني "خنادق" ومنخفضات صنعت لحماية الأسوار والمتاريس والقلاع حتى تمنع العدو والمهاجمين من الدنوّ منها١. وتؤدي لفظة "صحفت" معنى خندق أيضًا٢. وربما تؤدي معنى حاجز مائي يملأ بالماء حتى يمنع المهاجمين من الدنو إلى الموضع المحصن. وقد كان الأغنياء وأهل القرى والمدن يستخدمون رقيقهم في الدفاع عنهم. وقد كان أهل مكة مثلًا قد جعلوا من أحابيشهم قوة عسكرية تحارب معهم وتقاتل عنهم بأسلحتهم وبطريقة قتالهم التي ألفوها في بلادهم، مثل القتال بالحراب، أو الرمي بالنشاب، وقد عرف هؤلاء بالأحابيش. ولعلهم استخدموا الرقيق الأبيض المجلوب من بلاد الروم ومن أماكن أخرى في تنظيم أمور الدفاع وإدارة القتال لخبرتهم ودرايتهم في أساليب القتال المدنية، كالذي فعله الرسول من استشارته سلمان الفارسي في أمر الدفاع عن المدينة يوم حاصرتها قريش، فكان أن أشار عليه بحفر خندق حولها يعوق تقدم قريش من المدينة، ففعل كما يشير إلى ذلك أهل السير والأخبار. والمصانع: الأبنية, وقد وردت "مصانع" في الآية الكريمة: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ ٣. بمعنى الحصون المنيعة، و"مصنعت" "مصنعة", في الحميرية بمعنى حصن. وذلك كما في هذه الجملة المقتبسة من نص "أبرهة" المدوّن على سد مأرب: "مصنعت كدر"، أي: "حصن كدر"٤. ولا تزال لفظة "مصنعة" مستعملة حتى اليوم في العربية الجنوبية في معنى قلعة وحصن٥. وقد اشتهرت حمير بمصانعها.

стр. 3294

والمصانع: القرى١. ويظهر أنها إنما دعيت بذلك لوجود المصانع بها. واحدتها: مصنعة. أي: حصن. يدافع به عن المتجمعين حوله. و"القلعة" على ما يظهر من أقوال علماء اللغة، الحصن على الجبل، والحصن الممتنع في جبل، والحصن المشرف٢. تُبنى في المواضع المرتفعة لتشرف على ما تحتها، ولتراقب العدوّ، وتكون بها حامية، وقد يتحصن بها أهل الموضع عند دنو خطر عليهم، فيصعب على العدو الوصول إليهم، لوعورة الأرض وامتناع القلعة، وتسلط من فيها على من يريد بلوغهم، بما يمطرونه به من أسلحة الدفاع. و"الحصن" ما يتحصن به، يتخذ في مواضع حصينة، مثل: المرتفعات وعلى الأنهار وعند الآجام، لزيادة حصانته، وقد يتخذ في مواضع خطرة مكشوفة ليدافع عنها، فيحصن بتحصينات قوية من سور متين وجدر سميكة ومتاريس وأبراج، لتصد من يريد مهاجمته. وتكون الحصون برية وبحرية٣. ولا تزال آثار حصون جاهلية قائمة في مواضع من جزيرة العرب، صنع بعض منها من "اللبن" والطين، وذلك في البوادي وفي المواضع التي لا تتوفر بها الحجارة، والمواضع الفقيرة التي صعب على أهلها بناء حصونهم من الآجر. و"البرج": الحصن، وقيل: بروج سور المدينة والحصن: بيوت تُبنى على السور؛ وقد تسمى بيوت تُبنى على نواحي أركان القصر بروجًا٤. وتكون البروج مرتفعة. وقد تُبنى منفردة، ولكن الأغلب بناؤها على الأسوار. والكلمة من الألفاظ المعربة عن اليونانية٥.

стр. 3295

وكان يهود الحجاز قد ابتنوا الحصون والآطام، للدفاع عن أنفسهم وأموالهم في السلم والحرب. فكانوا يخزنون فيها أموالهم وحصادهم وثمرهم وكل غال ثمين عندهم، وكانوا يدخلون إليها عند الظلام، فينامون فيها، خشية غزو أحد لهم، واعتداء غريب عليهم. فإذا طلع الصبح، خرجوا إلى مزارعهم ومواضع عملهم للاشتغال فيها إلى وقت المغيب، وكانوا يدخلون إليها حيواناتهم كذلك خشية سلبها ونهبها. أما في الغزو وفي القتال، فكانوا يعتصمون بها ويقذفون مهاجمهم بالصخور والحجارة وبوسائل الدفاع الأخرى من أعالي الحصون ومن الأبراج المشيدة فوقها. وقد وردت في كتب السير والتأريخ أسماء عدد من حصون اليهود في خيبر وفي أماكن أخرى وذلك في غزوات الرسول ليهود١. ويعبر عن الحراس الذي يحرسون شيئًا ويدافعون عنه، مثل: حراس الحصون والقلاع وأبواب المدن أو حرس الضباط والكبار بلفظة "مسجت" "مسكت" "مسكة" في السبئية. أي: في معنى "الماسكة"، وأما المفرد فـ"مسج" "مسك"، أي: الماسك٢. وقد استعمل الجاهليون آلات القذف والرمي, وآلات الهدم الثقيلة في حروبهم كما يفعل الناس لهذا العهد. وهي آلات تبدو بسيطة مضحكة بالنسبة إلى آلات الخراب والتدمير المستعملة في الزمن الحاضر. قد يخجل الإنسان من التحدث عنها لأبناء هذا الزمان، ولكننا حين نتحدث عن الماضي وعن الأناس الماضين، فإننا لا نتحدث عنهم كما نتحدث عن أناس زماننا ولا نقيس إنتاجهم على إنتاجنا، وذلك لوجود فارق دقيق هو فارق الزمن. وهذا الفارق هو التطور الكبير الذي يقع للإنسان كلما تقدم به الزمان ومرت عليه التجارب والاختبارات التي يطور الإنسان بها نفسه دومًا ويزيد في علمه علمًا جديدًا لم يكن معروفًا عند القدماء. وسيأتي زمان تكون فيه اختراعات القرن العشرين، الاختراعات التي نفخر بها اليوم، ألاعيب أطفال بالنسبة إلى اختراعات ذلك الوقت، واختراعات ذلك الزمان ألاعيب أطفال بالنسبة إلى من يأتي بعدهم، وهكذا إلى آخر الزمان. ولهذا لا نستطيع قياس الماضي على الحاضر بما أوجده من اكتشافات واختراعات على هذا

стр. 3296

النحو. وإنما نتحدث عن الماضي على أنه مرحلة من مراحل التطور البشري، ودور مستمر لهذا التأريخ الذي لا نعرف مبدأه ولا منتهاه. وفي جملة هذه الآلات، الدبابة، وهي عبارة عن خشبة ثقيلة تعلق من وسطها ببرج من خشب مقام على عجلات ليمكن تحريكه نحو الهدف المراد هدمه أو سحبه منه أو نقله إلى أي مكان آخر. وقد غطى رأس الخشبة المتجه نحو الخارج، أي: الرأس المتخذ للهدم، بغطاء من الحديد، ليكون سريعًا فعالًا في هدم المكان الذي يوجه إليه. ويقوم أشخاص يكمنون في الدبابة بتحريك الخشبة نحو الهدف، وذلك بتحريكها نحو الأمام والخلف بقوة، لتحدث ثغرة فيه ويختفي هؤلاء تحت ستار مثل سقف من خشب أو من جلود، ليحميهم من الحجارة أو السهام أو النيران أو المواد الساخنة التي يرميها المدافعون عليهم، لمنعهم من الاقتراب من السور، ومن هدمه. وقد أشير إلى هذه الدبابات في فتح المسلمين لخيبر وفي حصار الطائف، فذكر أن اليهود كانوا قد اختزنوا في حصن الصعب من حصون النطاة في بيت فيه تحت الأرض منجنيق ودبابات١. وذكر أن المسلمين لما كان يوم الشدخة عند جدار الطائف، دخل نفر منهم تحت دبابة، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتلوا منهم رجالًا٢. وقد يكتفي المحاربون بسحب خشبة ضخمة نحو السور تحمل بعد ذلك على الأكتاف، فيضرب بها السور، ثم يتراجع حاملوها قليلًا ثم يتقدمون ليضربوا بها السور، وهكذا إلى أن يتمكنوا من إحداث ثغرة فيه. و"القفع"، ضبر تتخذ من خشب يمشي بها الرجال إلى الحصون في الحرب. وقيل: هي الدبابات التي يقاتل تحتها٣. واستخدم "الكبش" في القتال، استخدم في اليمن بصورة خاصة، استخدم سلاحًا من الأسلحة الثقيلة في قتال المدن والجيوش النظامية، وهو من خشب مكسو

стр. 3297

بجلود البقر مدبوغة بالقرظ، أو من جلود الإبل، يحتمي به المحاربون المشاة في هجومهم على الأعداء المتحصنين. وقد وردت لفظة "كبش" في قول الشاعر "الحارث بن حلزة اليشكري": حول قيس مستلئمين بكبش ... قرظي كأنه عبلاء وفسرت لفظة "الكبش" المذكورة بـ"السيد"١, وهو تفسير أرى أن فيه تكلفًا واضحًا وبعدًا من المعنى، وأن الصواب هو أنها: الآلة الحربية المذكورة، وأن الشاعر أراد ببيته المذكور وصف جماعة "قيس بن معديكرب" الذين كانوا ملتفين حوله، مستلئمين بكبش من جلود سميكة غليظة مدبوغة بالقرظ، مرتفع عال حتى علباء، أيك هضبة من ارتفاعه. والكبش بالنسبة للأعراب من الأسلحة التي يقل استعمالها عندهم، وهي من الأسلحة المانعة المؤثرة، ولذلك ذكرها الشاعر في شعره. وقد جاء بها "قيس" من اليمن ولا شك٢. ومن آلات القذف والرمي إلى مسافات، المنجنيق، ويوضع فوق الأسوار لاستخدامه في رمي العدو المتقدم نحو الحصن، أو في السفن لرمي سفن الأعداء، أو في الأبراج أو في الخطوط الأمامية لرمي الأعداء المهاجمين. فهو في مقام المدفعية لعهدنا. وقد ورد في أخبار حصار المسلمين للطائف أن الرسول رمى أهل الطائف بالمنجنيق، وكان أول من رمى في الإسلام بالمنجنيق على إحدى روايات أهل الأخبار٣. وورد أن اليهود كانوا يستعملون المنجنيق في الدفاع عن حصونهم٤. ويرجع بعض أهل الأخبار تأريخ استعمال المنجنيق في الجاهلية إلى "جذيمة الأبرش"، فهم يذكرون أنه أول من رمى بالمنجنيق٥. والعرّادة من آلات الحرب كذلك، وهي صغيرة شبه المنجنيق٦.

стр. 3298

وقد عرف السور بالحائط كذلك. والحائط هو ما يحيط بالشيء. وقد دعي سور الطائف بحائط الطائف في بعض كتب السير؛ وذلك لأنه يحيط بالمدينة. وقد كانت به أبواب تغلق في الليل. ولما اقترب منه المسلمون رماهم المدافعون عنه بالسهام، وكانوا يكمنون فوقه فقتل أناس من المسلمين١. ويكون أعلى الجدار الخارجي عاليًا وبه فجوات صغيرة ليكمن وراءه المدافعون ولينظروا من خلال هذه الفجوات الأعداء، وليرموهم منها، ويبنى السور سميكًا في أسفله، ثم يقل سمكه في أعلاه وذلك ليكون من الصعب على المهاجمين إحداث فتحة فيه أو هدمه. ويكون عرضه في أعلاه كافيًا لاختباء المدافعين ولمرورهم بسهولة. وتُبنى أبراج في العادة فوقه للمراقبة ولرمي الأعداء، يختلف عددها باختلاف المدن، وباختلاف استطاعة البلدة وما تتخذه من وسائل لحماية نفسها من الأعداء. ولحمل أهل المدن والقرى المحصنة على الاستسلام يتخذ المهاجمون أساليب الحيل ووسائل مختلفة للتضييق عليهم، وفي جملة ذلك قطع المياه عن المكان المحاصر إن كان الماء في خارجه. وذلك بسد المجرى وتخريب الآبار والإحاطة بالماء لمنع الناس من الدنوّ منه. وبحرق المزارع والبساتين الواقعة في خارج المكان المحاصر، أو بقطع أشجارها، وبأخذ الغلات، وبقطع كل اتصال للمكان بالخارج، وبالتشدد في ذلك حتى يضطر المحاصرون إلى الاستسلام أو عقد صلح مع المهاجمين. وقد كانت خطة حرق المزارع والبساتين من أهم العوامل المؤثرة على المحاصرين. وذلك نظرًا للخسائر المادية التي تلحقهم والتي لا يمكن تعويضها إلا بجهود وبأتعاب السنين٢. ولجأ المحاربون الجاهليون إلى سياسة حبس الميرة عن القبائل أو القرى والمدن لإخضاعهم وإجبارهم على ترك المقاومة والاستسلام٣. يفعلون ذلك كما تفعل الدول الحديثة في مقاطعة بعض الحكومات في الحرب وفي السلم لإجبارها على ترك سياستها أو على الاستسلام. وقد قاطعت قريش بني هاشم حينما دخلوا في الشعب لإجبارهم على ترك الرسول وخذلانه على نحو ما هو معروف.

стр. 3299

كما وجهوا خططهم السوقية نحو النقاط الضعيفة من مواضع الدفاع للمكان الذي يراد الاستيلاء عليه، مثل: الأبواب والثلم التي قد تكون في الأسوار أو الحصون للاستفادة منها في مهاجمته. والأبواب، هي من أهم الأهداف بالنسبة للمهاجم، لذلك، تتخذ مختلف الوسائل للتغلب عليها، برميها بالنار، أو بالحجارة، أو بضربها بالدبابات والأقفاع. أو باستخدام السلالم أو الحبال لارتقاء المواضع المنخفضة من السور، كما يركن إلى حفر الأنفاق تحت السور، للدخول منها إلى الموضع المحاصر، وقد يعمد إلى صنع تل من تراب، أو إلى تكويم أحجار بعضها فوق بعض، أو بناء مرتفع يصل إلى علوّ السور أو أعلى منه، ليرمي منه الأحجار والقذائف على المحاصرين، فيكون في إمكان المهاجمين، مهاجمة السور من الأرض بارتقائه من الموضع المقابل للمرتفع، أو بعمل ثقب فيه، يدخل المهاجمون منه إلى الداخل، وبذلك ينقل المهاجم الحرب إلى داخل الموضع المحاصر ويتمكن من التغلب عليه. أما النظم العسكرية عند أهل اليمن، فكانت على هذا النحو: الملك، هو القائد الأعلى للجيش، والرئيس الأعلى له، يعلن الحرب، ويأمر بعقد الصلح، ويعين القادة الذين يتولون إدارة القتال، لضمان النصر، وهو الذي يأمر القبائل بتقديم الجنود، على مقدار ما اتفق عليه. وقد يقوم الملك نفسه بقيادة الجيوش وإجراء العمليات الحربية، وقد يترك ذلك إلى قواده، يقومون بها ويديرونها بحسب علمهم وخبرتهم بالحروب. والقائد هو "قسد", أي: "قاسد" في لغتهم. وقد يعبر عنه بـ"اسد" في بعض الأحيان. إلا أن هذه اللفظة تعني "الجندي" و"الجنود" في الغالب. وكان على المحارب أن يهيئ له سلاحه، فإذا لم يكن لديه هذا السلاح منح مالًا لشرائه به، يتعهد بإعادته فيما بعد١. وكان على القبيلة أن تهيئ المقاتلين اللازمين للقتال، وترسلهم إلى جبهات القتال للقتال مع الجنود الآخرين. ولسنا نعلم كيف كان يقاتل العرب الجنوبيون، وكيف كانوا يضعون خططهم الحربية في التغلب على العدو، لعدم تعرض كتابات المسند لذلك، فلم يرد إلينا نص ما في هذا الموضوع.

стр. 3300

ويعبر عن الصلح بلفظة "سلم" وهي في معنى "سلم" في عربيتنا. فالسلم هو الصلح الذي يلي الحرب بعد الانتهاء منها، كما أنه السلم في الأوقات الأخرى, أي: الأوقات الاعتيادية١. ويعبر عن الحذر من العدو بلفظة "حذر"، وهي تؤدي معنى الدفاع كذلك، فـ"حذر" تعني دافع ضد عدو٢. وإذا سار شخص ما خلف زعيم أو قائد، يقال لذلك "تبع" و"تبعو"٣ بمعنى سار مع القائد وساروا في حرب مثلًا، وتقدم أو تقدموا نحو العدو. ويعبر عن التراجع والانسحاب بلفظة "ضويم" "ضوى"، وتعني الهزيمة كذلك٤. وهي نقيض معنى "متسك" التي تعني التمسك بالشيء والاستيلاء عليه. و"امتسك بـ"٥. ويعبر عن الهزيمة بلفظة "سحت" كذلك٦. كما يعبر عنها بلفظة "تشوع"٧. وقد يتبع المحاربون طريقة حرب العصابات، وذلك بأن ينقسم الجيش إلى أحزاب وفلول مستقلة تنتشر في أماكن متباعدة، وتقاتل بمفردها أو تتعاون فيما بينها عند الحاجة، وهي تحمي نفسها بالالتجاء إلى المواضع الطبيعية الحصينة, مثل: المستنقعات والأدغال والجبال وأطراف الممرات الوعرة، وذلك لكي تخفي نفسها عن العدو فلا يراها إلا وهي مباغتة له. ويقال للعصابة هذه: "حزب" في السبئية، وأما الجمع فـ"احزب"٨. وتتبع الطريقة المذكورة عندما يواجه عدو عدوًّا يرى أنه لا يستطيع الوقوف أمامه ومحاربته، أو في حالة التريث والانتظار إلى ساعة مجيء مدد وعون، أو في

стр. 3301

حالات الهزيمة. فتشتت القوات المغلوبة قواتها إلى "أحزاب" وتشغل جيش العدو المتفوق عليها بجبهات عديدة لغاية إرباكه وإضعاف قوته، وتبقى تحارب حرب عصابات حتى ترى رأيها الأخير، فتقرر الصلح أو الاستسلام وقد تجمع فلولها ثانية وتظهر مرة أخرى في ميدان قتال جديد، ففي كتابات المسند أمثلة كثيرة من هذا القبيل. وقد وردت في النصوص المعينية لفظة "غزتس" بمعنى غزوة، كما في هذه الجملة: "غزتس عم مسبا"١، بمعنى "في غزوته مع المسبين". ويظهر أن هذا النص قد دوّن في غزاة قام بها صاحب النص، وقد أخذوا معهم جماعة من السبي. وهذا النص هو من النصوص المعينية التي عثر عليها في مدائن صالح. ويقال للحواجز التي يضعها المحاربون في شوارع المدينة أو في الطرق أو التي يقيمونها في ساحات المعارك لإعاقة حركات العدو: "حجزت"، أي: "حاجزة"٢. ولا تقتصر عمل هذه الحواجز على الأغراض العسكرية وحدها بالطبع، بل تقام لأغراض عديدة أخرى، مثل: الحواجز التي تقام لحجز المواشي والحيوانات وما شابه ذلك. ولا يشترط بالطبع في الحواجز أن تكون عالية مرتفعة أو قائمة عريضة، فقد تكون منخفضة وعندئذ تكون على هيأة موانع لإعاقة الإنسان أو الحيوان من المرور. وقد تكون خندقًا يحفر حول المدينة أو حول مكان يراد حمايته ومحافظته من التطاول عليه. فيقف هذا الخندق حاجزًا مانعًا يمنع الجنود والجيوش من التقدم نحو الهدف أو المدينة أو الموضع الذي يراد الاستيلاء عليه، ويقال له عندئذ: "خبزت" وبهذا المعنى عرف في كتب اللغة، فقد ورد في القاموس المحيط "خ ب ز ": "خبز" الرهل والمكان المنخفض المطمئن من الأرض٣. وقد بنى اليمانيون حصونهم في الهضاب والمرتفعات والجبال، ليكون من السهل الدفاع عنها. وحول هذه الحصون وبحمايتها بنى الناس بيوتهم، فتحولت هذه الأماكن المحماة بالقلاع والحصون إلى مواضع حصينة تدافع عن نفسها وترمي من

стр. 3302

يحاول الوصول إليها بالسهام وبوسائل الدفاع الأخرى، فيتكبد المهاجم خسائر، ويلاقي صعوبات كبيرة في الوصول إليها. ويقال لمثل هذه الحصون والقلاع: "محفدن" و"محفدم" والأُولى معرفة والثانية منكرة١. وتزود الحصون بكل وسائل الدفاع وما يحتاج إليه أصحابها والمدافعون عنها من ماء وزاد ووسائل دفاع. ولهذا نجد في الحصون آبارًا ومخازن للمياه، ليستفيد منها المدافعون٢، ولا يتمكن المهاجمون من منع الماء عنهم. أما الزاد، فيخزن في العادة في مخازن خاصة لهذه الغاية أيضًا. وأما وسائل الدفاع فتكون بإنشاء أبراج فوق أسوار الحصن، يكمن فيها المدافعون لرمي العدو منها، وببناء فتحات صغيرة رفيعة لمراقبة العدو منها، ولرميه بالسهام. ومن وسائل الدفاع التي لجأ إليها أهل العربية الجنوبية لإعاقة المحاربين من التقدم نحو هدفهم، إنشاء حواجز على هيئة جدر تُبنى في المضايق والممرات، بحيث إذا وصل إليها العدو لم يتمكن من الاستمرار في سيره نحو عدوه، فينهال عليه حماة تلك الحواجز بالحجارة والسهام وما شاكل ذلك من أسلحة. وترى بقايا مثل هذه الجدار في مواضع عديدة من اليمن وحضرموت حتى اليوم. ومن جملة ما عثر عليه بقايا جدار أقيم في وادي "لبنا" شمال ميناء حضرموت القديم "قنا" قانه" "قني". أقامه حكّام حضرموت المكربون قبل القرن الرابع قبل الميلاد، وذلك لحماية حضرموت من غزوات الحميريين وغيرهم. وعثر على بقايا جدار في القسم الجنوبي من "وادي بيحان"، وعلى بقايا جدار آخر يقع في "وادي أنصاص" جنوب "شبوة"، وذلك لحمايتها من الغارات٣. والنصر ضد الهزيمة. وترادفها لفظة "شرح" في اللهجات العربية الجنوبية، كما في هذه الجملة "يوم شرح سبا"، أي: "يوم نصر سبأ"٤. وبعد انتهاء الحرب توزع الغنائم بين المحاربين المنتصرين، ويعطى الرئيس إذا

стр. 3303

غنم الجيش معه "المرباع" أي: ربع الغنيمة١. وقد رده الإسلام خمسًا، بنزول الأمر بالخمس في القرآن الكريم٢. وإذا وقع أحد في أيدي عدو وأسر فيقال له عندئذ: "أسير". ويعبر عنه بـ"اخذ" في السبئية في حالة المفرد، وبـ"اخذتم" "أخذت" "اخذيت" في حالة الجمع٢. وتطلق هذه اللفظة على الأسرى الذين يقعون في الأسر من دون قتال، وذلك عند اكتساح جيش أو غزاة جيش العدو أو مكان ما، فيؤخذ من فيه من ناس من غير قتال ولا مقاومة. فهم مثل الغنائم التي تقع في أيدي الغزاة والمحاربين يؤخذون دون قتال. أما الذين يؤخذون بعد مقاومة وبقتال، فيقال لهم: "سبيم", أي: "سبي"، بمعنى "مسبي". وأما الجمع فـ"اسبى", أي: سبايا. وأما الإسباء فيعبر عنه بـ"يسبيو"، وتعني "يسبي" و"يسبون"٣. وكانوا يكبّلون أيدي الأسرى والسبي بـ"الكبل". القيد من أي شيء كان، وذلك لاحتباسهم حتى لا يهربوا. وقد ذكر بعض علماء العربية "أن الكبل غير عربي. وقد صرح به أقوام"٤. ولفظة "كبل" هي "كبلو" Keblo و"كيبل" Kebel في لغة بني إرم وفي العبرانية، أي: "القيد"٥. وقد كانوا يكتّفونهم بالحبال وبكل شيء يكون عندهم يشد به وثاق الأسير، فلا يفلت من آسره. و"الكتاف" الحبل٦. و"الوثاق" ما يشد به كالحبل وغيره٧. كما كانوا يكتّفون الأسرى بالقدّ. والقد السير الذي يقدّ من جلد، فتشد به أطراف الأسير شدًّا شديدًا حتى لا يتمكن من الهروب. ولما بعث رسول الله خيلًا قبل نجد، فجاءت بـ"ثمامة من أثال الحنفي" سيد أهل اليمامة مأسورًا، أمر به رسول الله، فربطوه بسارية من سواري المسجد ثم منّ عليه فأطلقوه وأسلم؛ لأنه لم يكن في زمن الرسول سجن. فكانوا يحبسون

стр. 3304

الأسير في المسجد أو في الدهليز حيث أمكن. فلما كان زمن "علي بن أبي طالب" أحدث السجن بالكوفة، وكان أول من أحدثه في الإسلام١. وذكر أن "ثمامة" كان عرض لرسول الله، فأراد قتله، فلما قبض عليه أسلم، فلما أسلم قدم مكة معتمرًا، فقال: "والذي نفسي بيده لا تأتيكم حبة من اليمامة، وكانت ريف أهل مكة، حتى يأذن رسول الله". ورجع إلى اليمامة ومنع الميرة عن قريش. وقد ثبت على إسلامه، لما ارتد أهل اليمامة، وارتحل هو ومن أطاعه من قومه، فلحقوا بالعلاء بن الحضرمي، فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين، فلما ظفروا اشترى ثمامة حلة كانت لكبيرهم فرآها عليه ناس من "بني قيس بن ثعلبة"، فظنوا أنه هو الذي قتله وسلبه فقتلوه٢. وكان له عم اسمه "عامر بن سلمة بن عبيد بن ثعلبة الحنفي". وقد دخل في الإسلام٣. ويسبق المبشرون الجيش المنتصر بزف خبر النصر للحكام وللناس. يسرعون بأقصى ما يمكنهم من السرعة لنقل النبأ، ولنيل جوائز البشرى. وهي "البشارة" ما يعطاه المبشر٤. ويعبر عن البشرى بـ"تبشرت" في العربية الجنوبية، أي: "التبشرة"، ويقوم الـ"هبشر"، أي: المبشر بإبلاغ البشرى لمن يراد إيصالها إليه. ويعبر عما يقع في أيدي المغيرين أو المحاربين أو الغزاة أو المنتصرين من أموال بـ"مهرج"، أي: غنيمة حرب، وذلك للمفرد وبـ"مهرجت" "مهرجة" في حالة الجمع، أي: غنائم٥. وتطلق هذه اللفظة على الغنائم التي تؤخذ بقتال وبعد مقاومة، أما الغنائم التي يحصل عليها المحاربون بعد القتال وبعد الهزيمة التي تنزل بالمغلوب، فيقال لها: "غنم" و"غنم" وذلك في المفرد، أي: للغنيمة الواحدة، وأما في حالة التعبير عن الجمع فيقال: "غنمت"، أي: غنائم٦. ونظرًا إلى ما للمنزلة الاجتماعية من أهمية كبيرة في المجتمع العربي، لذلك كان

стр. 3305

الشريف يسأل من يريد أسره عن اسمه ونسبه، حتى إذا وجد أنه من العبيد والموالي أبى الاستسلام له؛ لأن في استسلام الرجل لمن هو دونه في المنزلة والمكانة مذلة كبرى وإهانة، ولهذا كان الرجل الذي يشعر أنه في وضع حرج وأنه مأسور لا محالة يبقى يراوغ خصمه ويحاول الإفلات منه ومن أسره جهد إمكانه حتى آخر نفس له، وقد يسأل شخصًا آخر يرى عليه إمارة الوجاهة والشرف بأن يأسره خشية الفضيحة والعار ومن وقوعه أسيرًا في يد عبد جلف، أو صعلوك لا مكانة له في المجتمع. ومن ذلك ما وقع لحاجب بن زرارة، إذا أدركه الزهدمان، فقالا له: استأسر وقد قدروا عليه، فقال: ومن أنتما؟ قالا: الزهدمان. فقال: لا أتستأسر اليوم لموليين. وبينما هم كذلك، إذ أدركهم مالك ذو الرقيبة بن سلمة من قشير، فقال لحاجب: استأسر، فقال: ومن أنت؟ قال أنا مالك ذو الرقيبة فقال: أفعل فلعمري ما أدركتني حتى كدت أكون عبدًا. فألقى إليه رمحه واعتنقه زهدم عن فرسه فصاح حاجب: وا غوثاه، ثم تخاصم مالك والزهدمان في شأن أسر حاجب، واجتمع القوم وحكموا حاجبًا في أمر من أسره, فاختار مالك، وحكم له؛ وذلك لأنه كان حرًّا شريفًا. ثم فك أسره، بأن أعطى فدية عن نفسه لمالك وفديتين أصغر منها إلى الزهدمين١. ولم تكن "المثلة" بقتيل الحرب أو بالأسير محرمة من قوانين ذلك اليوم. فقد كانوا يمثلون بقتلى الحرب وبالأسرى بتقطيع أجزاء جسمهم، وتشويه الجسم. يفعلون ذلك بالأسير حتى يموت، وهو يشاهد أعضاءه تقطع قطعًا من جسمه. وفي "يوم الرقم" انهزم الحكم بن الطفيل في نفر من أصحابه، فيهم "خوّات بن كعب" حتى انتهوا إلى ماء يقال له: المرورات، فقطع العطش أعناقهم فماتوا، وخنق الحكم بن الطفيل نفسه مخافة المثلة، فقال في ذلك عُروة بن الورد: عجبت لهم إذا يخنقون نفوسهم ... ومقتلهم تحت الوغي كان أعذرا٢ والقاعدة في الغزو والحروب والغارات، أن القاتل يأخذ سلب المقتول. يأخذ ما يجده عنده، وقد أقر ذلك في الإسلام، فجعل السلب للقاتل لا ينازعه في

стр. 3306

ذلك منازع، إن ثبت أنه هو القاتل١. والحروب من أهم الموارد الممونة للرقيق عند الشعوب القديمة، وفي جملتهم الجاهليين. فقد كان المنتصر يتخذ من يقع في يده رقيقًا له، وإذا لم يمنّ عليه بالعفو، أو لم يتمكن المأسور من دفع فدية عن نفسه، صار عبدًا مملوكًا لمن وقع في يده، إن شاء باعه، وإن شاء احتفظ به رقيقًا، يخدمه ما دام عبدًا. وقد عمد المحاربون إلى إحراق المغلوبين في بعض الأحيان. فقد جمع المنذر بن امرئ القيس أسرى في الحظائر ليحرقهم، فسمي أبا حوط الحظائر٢. وقد عرف بعض ملوك الحيرة بحرق من وقع في أيديهم من المغلوبين، أو بحرق مواضعهم وهم فيها؛ لذلك عرفوا بـ"محرق". وعقوبة الحرق من العقوبات المعروفة عند الأمم القديمة مثل: الرومان والعبرانيين، ينزلونها في المحاربين جزاءً لهم، وإخافة لغيرهم ودعاية لهم، حتى لا يتجاسر أحد فيعلن الثورة على المحرقين، فيحل عندئذ بهم عذاب التحريق٣. وكان بعض الأشخاص يقومون بالغارات بمفردهم أو بجمع من الناس، فيفاجئون الناس الآمنين أو رجال القوافل، ومن هؤلاء. شراحيل بن الأصهب، وكان كما يقول أهل الأخبار: أبعد العرب غارةً، كان يغزو من حضرموت إلى البلقاء في مائة فارس من بني أبيه، فقتله بنو جعدة. وكان قد أزعج قبائل معد وغيرها كما يظهر ذلك من شعر نابغة بني جعدة: أرحنا معدًّا من شراحيل بعدما ... أراها مع السبح الكواكب مظهرا وعلقمة الحراب أدرك ركضنا ... بذي الرمث إذا صام النهار وهجرا٤ وقد يعمد المنتصر إلى أخذ رهائن من المغلوب لتكون رهنًا لديه بالطاعة والخضوع. فإذا خاس بعهده، تعرضت الرهينة للتهلكة. وتؤخذ الرهائن في أيام السلم أيضًا. يأخذها الملوك ممن يخشونهم ومن السادات لتكون ضمانًا لديهم بالطاعة وبعدم مسهم بمصالحهم. وقد عرف "الحارث بن علقمة بن كلدة بن

стр. 3307

عبد مناف بن عبد الدار بن قصي" بـ"الرهين"، "وإنما لقب به؛ لأنه كان رهينة قريش عند أبي يكسوم الحبشي، وولده النضر بن الحارث بن مسلمة الفتح. وأخوه النضر بن الحارث قتله عليّ، رضي الله تعالى عنه، بالصفراء بعد رجوعهم من بدر بأمر من النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وبنته قتيلة رثت أباها بالأبيات القافية، وليس فيها ما يدل على إسلامها"١. وللطيرة أثر كبير في نظر الجاهليين في كسب الحرب وخسرانها، فقد رسخ في عقولهم أن لها تأثيرًا مباشرًا في الغزو والحروب، وأن كلمة طيبة تسمع ساعة الاستعداد للغزو، أو عطسة يعطسها إنسان، أو نعيب غراب ينعب ساعة الهجوم أو ما شاكل ذلك من علامات يتفاءل أو يتشاءم منها، تؤثر في مصير الغزو وتتحدث للغازين عن مصير ما سيقومون به. لذلك فقد كانوا ربما نبذوا الغزو إذا ظهر أمامهم ما يتطير منه، وكانوا ربما أسرعوا بالهجوم إن ظهر أمامهم ما يفسرونه بأنه يمن وتفاؤل وحث على الإقدام في العمل. ولم يكن هذا الاعتقاد من عقائد العرب وحدهم، فقد كانت الشعوب الأخرى تتطير كذلك. وتحسب للطيرة حسابًا عند شروعها بحرب. ونجد في الكتب القديمة قصصًا عن الطيرة وأثرها في الحروب عند اليونان والرومان والفراعنة والفرس. ورسخ في عقول أهل الجاهلية أن في وسع الكهنة التنبؤ عن نتائج الغزو أو الحروب، لما للكهنة من اتصال بالأرباب وبالأرواح المخبرة عن المغيبات وعما سيقع في المستقبل. فكانوا لذلك يسألونهم في كثير من الأحايين عن رأيهم في غزو يريدون القيام به قبل الشروع به، حتى إذا باركه الكاهن قاموا به، وإلا تركوه٢. ونجد في كتب الأدب وأهل الأخبار أخبارًا ترجع سبب هزيمة قوم أو سبب انتصارهم إلى مخالفة أولئك القوم لرأي كاهنهم، فكانت الهزيمة، وإلى العمل برأيه، فوقع من ثَمَّ لهم النصر؛ لأن للكهنة علم بالمغيبات.

стр. 3308

الفصل السادس والخمسون: في الفقه الجاهلي مدخل ... الفصل السادس والخمسون: في الفقه الجاهلي عرفت "مدوّنة جوستنيان" Institutes De Justinien "الفقه" بأنه "معرفة الأمور الإلهية والأمور البشرية، والعلم بما هو حق شرعًا وبما هو غير حق"١. و"الفقه" في اصطلاح المسلمين هو: استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، أو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد، أو العلم بأحكام الشريعة٢، وهو اصطلاح ظهر بالطبع في الإسلام. أما بالنسبة إلى الجاهليين فإننا لا نستطيع أن نأتي بتحديد علمي ثابت له، لعدم وصول شيء منهم في هذا المعنى إلينا. وقد وردت اللفظة لغة بمعنى العلم والتبحر في الشيء والإحاطة به. ووردت في سورة التوبة كلمة ليتفقهوا ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ ٣. ومن هذا المعنى جاءت لفظة "الفقه" في الإسلام. وأنا أقصد بمصطلح "الفقه" هنا الأحكام التي نظمت العلاقات بين الجاهليين، وبيّنت الحلال في عرفهم من الحرام. وأقصد بالحلال كل مباح أباحه أهل الجاهلية لأنفسهم، وبالحرام كل ما حرموه عليها. فللجاهليين شرائعهم الخاصة بهم. وأنا هنا أريد أن أبحث عن شرائعهم التي ثبتت الأحكام بحسب اجتهادهم

стр. 3309

وعرفهم وسنتهم، وأريد بالأحكام "قوانينهم" التي وضعوها وساروا عليها في تثبيت المحظور أو المباح، أي: الحرام والحلال. وكلامنا في الفقه الجاهلي هو كلام لم نستنبطه من "قوانين" أو من مدونات قانونية Codex Juris أو من كتب في فقه الجاهليين، أو من تعليمات جاهلية مدونة، وإنما أخذناه في الغالب من الألفاظ الفقهية التي تعبر عن آراء قانونية وردت في كتب الفقه والحديث والتفسير، وما شاكل ذلك من موارد إسلامية، ومن أقوال وأحكام نسبها أهل الإسلام إلى رجال من أهل الجاهلية، فيها قواعد فقهية. ومن بعض أوامر وأحكام أصدرها ملوك العرب الجنوبيون قبل الإسلام في تنظيم التجارة وفي كيفية جباية الأموال. وسبب عدم أخذنا من موارد فقهية جاهلية هو عدم وصول مدوّنات قانونية إلينا حتى الآن، فليست لدينا ويا للأسف مدونات مثل: "قوانين حمورابي" أو "مدونة جوستنيان"، أو مثل ما كتبه "ديودورس" في الشريعة المصرية١. فما نكتبه في التشريع الجاهلي، مستمد مما ذكرته ومن أوامر وإرادات ملكية وأحكام وردت في المسند في نواحٍ خاصة من نواحي التشريع, مثل: كيفية جباية الضرائب عن الأرض أو التجارة، أو نواح معينة من البيوع والقتل وغير ذلك. فهي خاصة بحالة معينة من حالات التشريع، لا قوانين عامة على نحو ما نفهمه من القوانين. ولما كانت القوانين وليدة الظروف والحاجات اختلف التشريع في أيام الجاهلية باختلاف القبائل والأماكن، وطبيعة البيئة. فأهل اليمن بنظام حكمهم المستقر، وبحكوماتهم التي كانت تهيمن على مناطق واسعة كانوا يختلفون في أصول تشريعهم عن أهل مكة أو أهل يثرب. وكل من هؤلاء هم قُطّان مدن، وحكمهم هو حكم مدن قائم على أساس آراء رؤساء الأحياء والشعاب، ثم إن حكم هؤلاء، يختلف أيضًا عن حكم القبيلة والعشيرة، أعني حكم الأعراب. ولعدم وجود حكومات منظمة قوية في معظم أنحاء جزيرة العرب، لا يمكن تصور وجود هيئات قضائية ومؤسسات حكومية ذوات قوانين مدوّنة، للفصل في الخصومات، ولإنزال العقوبات الجزائية الرادعة في المخالفين، على نحو ما نراه في حكومات هذا اليوم، كما أننا في شك من وجود نصوص قانونية مدونة في

стр. 3310

مثل هذه الأماكن على مثال قوانين "جوستنيان" مثلًا، أو القوانين التي سنَّها الأكاسرة. فمثل هذه القوانين والأنظمة الدقيقة المنظمة المبوبة لا يمكن أن تظهر إلا في المجتمعات السياسية المنظمة المعقدة التي تهيمن عليها حكومة ذات مجتمع منظم يشعر بحاجته إلى حكم منظم يعين حقوق الحكام وحقوق المواطنين. وغير أنَّ هذا لا يعني عدم وجود أحكام لردع المخالفين والزائغين، وعدم وجود أحكام لتنظيم العلاقات في المجتمع، وتعيين حقوق الحكام والمحكومين، وعدم وجود أناس لهم علم بعرف البلاد، فلكل مجتمع مهما كانت حالته من السذاجة قوانين وأناس لهم علم بتطبيق تلك القوانين على المخالفين. والقوانين في المجتمعات الصغيرة البسيطة، هي العرف والعادة المتوارثة عن الآباء والأجداد. وإذا كانت مثل هذه المجتمعات لا تملك محاكم دائمة ذات موظفين وسجلات وقوانين ثابتة مكتوبة على نمط المحاكم لهذا العهد، فإنها تملك في الواقع محاكم، وتملك حكامًا. ففي المدن مثل: مكة ويثرب، وهي مدن تحكم نفسها بنفسها، ونستطيع أن نسمي حكوماتها بحكومات مدن، يحكم الرؤساء والأشراف المدينة، ويفضون المنازعات وفق العرف والعادة. يجتمعون في مكان معين، مثل: "دار الندوة"، أو في المعبد، أو في بيوت الوجهاء، للنظر في الخصومات وفي المشكلات التي تقع في البلد. ويتولى رؤساء الشعب، أي: الحارة والمحلة فَضَّ المنازعات التي تنشأ بين أفراد الشعب في الغالب. أما إذا وقعت الخصومات بين أبناء شعاب مختلفة، فقد يتفق رؤساء المحلات عن فَضِّ الخصومة بينهم باللجوء إلى محكمين يختارونهم من غيرهم ممن يرضى عنهم المتخاصمون ويكونون في نظرهم محايدين لا علاقة لهم بهذا النزاع. وقد يحال النزاع على رؤساء البلد أو الحي للنظر فيه. ويشترط بالطبع على المتخاصمين كلهم الإذعان لقضاء الحكام، والتسليم بما يحكمونه من حكم. ولسذاجة الحياة وعدم تعقدها في معظم أنحاء جزيرة العرب، كانت طبيعة التشريع عند الجاهليين ساذجة غير معقدة, والقوانين قليلة تتناسب مع طبيعة حياة ذلك العهد، تقتصر على المشكلات التي تحدث في مثل تلك البيئة وفي ظروف تشبه تلك الظروف، فلا نرى لذلك قوانين معقدة عديدة في معالجة مشكلات الأرض ومشكلات الصناعة والاقتصاد وتنظيمات المدن الكبيرة، وما يتكون ويتولد فيها من إجرام ومخالفات. ولما كانت الطبيعة الأعرابية، هي الطبيعة التي تغلبت على حياة أكثر سكان

стр. 3311

جزيرة العرب، نبع مفهوم الحق عند الأعراب, ومفهوم كيفية استحصاله وأخذه من المحيط الذي عاش الأعرابي فيه. فصار الحق في نظره القدرة أو القوة. فالقوي القادر على حمل السلاح هو صاحب الحق؛ لأن في استطاعته انتزاع حقه والدفاع عن نفسه متى تعرّض للظلم. وهو بقوته لا يخشى ظلم ظالم. وعلى هذا المبدأ بنيت أكثر أحكام الجاهلية في تقويم الحق وتقديره في مثل: دفع الديات، وفي حقوق الإرث وفي مفهوم السرقة، كما سأتحدث عن ذلك فيما بعد, فالقدرة هي سبب من أهم أسباب تحقيق الحق، وأخذ الحق وانتزاعه من المغتصبين، ثم عامل آخر، هو العصبية بأنواعها، من أبسط درجة فيها إلى أعلاها، فإنها عامل آخر من عوامل الدفاع عن الحق وعن استحصاله، لعدم وجود حكومة نظامية تقوم بتحقيق الحق، فقامت العصبية مقامها في استحصال الحق وفي تأديب الخارج على العرف، الذي هو القانون. وأما النواحي القانونية والتشريع في العربية الجنوبية وسائر الأنحاء الأخرى من جزيرة العرب، فلم ترد إلينا كتابات وبحوث فيها، فلتكوين رأي فيها إذن، لا بد لنا من اللجوء إلى الكتابات التي لها علاقة بهذه النواحي، مثل: الكتابات التي تحمل طابع الأوامر والنواهي وعقود التملك من بيع وشراء، والقبوريات, أي: الكتابات التي تخص تملك القبور، فتمنع الغرباء من الدفن فيها والتجاوز عليها والتطاول عليها بإحداث تغيير وتبديل في شكل القبر وفي هيئته، ومن كتابات مماثلة أخرى. فقد وردت في هذه مصطلحات وتعابير قانونية، يمكن أن نستنتج شيئًا منها، وأن نكوّن رأيًا قانونيًّا بدراستها ومقارنتها بالتشريعات الواردة عند الشعوب الأخرى أو عند القبائل الساكنة في مختلف أنحاء بلاد العرب، وبالتشريع الإسلامي. ومن هذه المصطلحات الحقوقية لفظة "احلى" و"احل" بمعنى "أحلّ" في عربيتنا، وهي تشير إلى لفظة "الحلال" التي هي ضد الحرام المعروفة في القوانين وفي الفقه. وقد وردت في النص الموسوم بـMe ٣٦ هذه العبارة: "هن بخطات نكرح وود احلى ذ ينقل قبرن عمر خرقن وارخن"١، ومعناها: هذا بخطيئة نكرح وود لمن يحل وينقل أي يغير القبر. عمر السنين والأزمان، وتعني لفظة "عمر" الدوام والتأييد. وأما "خطأت" "الخطيئة" فإنها بالمعنى

стр. 3312

المفهوم منها عند النصارى تقريبًا، فهي بمعنى التعدي على الشريعة. وعدم الامتثال لها، والإثم١، وبمعنى "اللعنة" في الإسلام. فيكون المعنى للجملة المتقدمة على هذه الصورة: "هذا بلعنة الإلهين نكرح وودّ لمن يحلّ، أي: يجوّز تغيير القبر، أبد السنين والأيام". وتعني لفظة "نقل" التغيير والتبديل. وهناك لفظتان تردان في الكتابات القبورية والإعلانية في بعض الأحيان، هما "مسرس"٢ و"سنكرس"٣. وتعني اللفظة الأولى: يبعد وينقل. أما الثانية فتعني: يغيّر ويزيل معالم الشيء، وقد ترد بعد الكلمة هذه العبارة "يومي أرضم"٤, أي: أيام الأرض، بمعنى ما دامت الأرض. ووردت لفظة "خطات" في نص قتباني، وهو أمر ملكي أصدره الملك: "شهر هلل بن ذرأ كرب". وقد جاء في هذا الأمر أن الملك سينزل عقوبات بالمخالفين لهذا الأمر. واستخدمت هذه اللفظة في أداء هذا المعنى٥. وفي السبئية لفظة "حجك" "حكك"، وتعني القانون٦. وربما تؤدي معنى "حكّ", أي: "حق". أي: ما كان ضد الباطل. وقد فسَّر "رودوكناكس" لفظة "حلكم"، "حلك" الواردة في نص قتباني عرف بكتابة "كحلان" بـ"قانون" وبـ"نظام". وفسَّر لفظة أخرى وردت معها هي "سحر" بمعنى أمر به. وأما لفظة "حرج"، فقد فسَّرها بمعنى أصدره وأخرجه٧. وقد وردت الألفاظ الثلاثة في ابتداء قانون أصدره "شهر هلال" ملك قتبان لتنظيم أمور الزراعة والملك في بلاده٨.

стр. 3313

ووردت لفظة "نتذر" بعد لفظة "تنخيو" في بعض الكتابات١. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن لفظة "تنخيو" التي تعني الإعلان والإشهار، ليكون ذلك معلومًا لدى الناس، إنما يراد بها التنبيه على شيء قد تتولد منه نتائج غير طيبة، فهي بمثابة إنذار وتخويف وتحذير. وبهذا المعنى أيضًا لفظة "تنذر" بمعنى إنذار ونذر٢. وقد اختتمت بعض الأوامر والإرادات الملكية القتبانية بهذه الجملة: "قدمن وتعلماي يد......"٣، ومعناها: "أمام. وعلمته يد"، أي: ووقعته يد. ويراد بها أن الإرادة الملكية قد كتبت أمامه، وأن يد الملك قد وقعته، فهو أمر صدر بإرادته وأمره. فنحن هنا أمام نص قانوني، صدر باسم ملك من الملوك, أمر هو بإصداره، ودوّن أمامه، وشهد هو بنفسه عليه، ووقعته يده، دلالة على شهادته بصحته وبأنه نص شرعي ملكي معترف به. فعلى أتباعه السير وفقًا لأحكامه ولما جاء فيه. وفي كتابة مثل هذه العبارات القانونية دلالة على وجود فهم للقانون وإدراك له عند العرب الجنوبيين. وتطلق لفظة "بل" على المباح بلغة حمير٤. وأما "البسل"، فهي من الألفاظ التي تدخل في باب الأضداد، فهي تعني الحرام كما تعني الحلال٥. وفي شريعة أهل الجاهلية حلال وحرام، مباح ومحظور، ويراد بالحلال كل ما أباحه العرف، مما لم يتعارض مع تقاليدهم ومألوفهم. أما ما تعارض منه معه، فهو حرام محظور، ويعاقب المخالف المرتكب للمحرمات ولما حرمته شريعتهم. ومعنى الحلال والحرام الاصطلاحي هو المعنى الوارد في القرآن الكريم نفسه. غير أن الإسلام حدد الحرام والحلال وفق قواعد الشرع، أي: إن الإسلام ندب المصطلحين وحددهما وفق قواعده. أما الجاهلية، فحددتهما وفق عرفها.

стр. 3314

ومن المصطلحات التي لها علاقة بالحياة الاجتماعية لفظة "ثوب", أي: "ثواب"، و"أجر". ترد بهذا المعنى في الكتابات ذات الصبغة الدينية. ولفظة "تعمن" وتعني "النعم" و"نعمة"١. وعثر في الكتابات الثمودية وفي اللحيانية على نصوص تتعلق بحق الملكية، فعثر على نص ثمودي يشير إلى ملكية بئر٢. وعثر في اللحيانية على وثائق تتعلق بملكية أرض وعقار كما عثر على وثيقة، وجد أنها وصل, أي: اعتراف بتسلم مال. كما عثر على وثائق تتعلق بالقانون الجنائي. منها وثائق تتعلق بقتل، ووثائق تتعلق بعقوبات القتل وبالدية، ووثائق تتحدث عن ازدياد الجرائم والخروج على القوانين في "ديدان"٣. وتدل هذه الوثائق على وجود أصول القانون والمحافظة على الحقوق عند عرب أعالي الحجاز. وإن كُنَّا لا نستطيع في الوقت الحاضر تقديم أي رأي عن أصول التشريع عندهم أو التحدث عن وجود قوانين مثبتة مدوّنة في معالجة الحق العام والحق الخاص أو الجرائم أو أصول المرافعات على نحو ما نجده عند الأمم المعاصرة لهم، أو الشعوب التي عاشت قبلهم، فوضعت شرائع وصلت نصوص بعضها إلينا, مثل: شريعة حمورابي المعروفة. وقد عثر الباحثون على نصوص تشريعية، أصدرها ملوك العربية الجنوبية, وأمروا بإعلانها على الملأ، للعمل بموجبها وهي حتى الآن قليلة العدد. ومع ذلك، فقد أعطتنا فكرة مجملة عن أصول التشريع عند العرب الجنوبيين. وقد صدرت هذه التشريعات باسم الملوك. فهم الذين أمروا بسنها وبتشريعها وبتنفيذ ما جاء فيها. ويعبر عن القانون، أو سن القوانين بلفظة "سن" وتقابل كلمة Law أي: قانون في الإنكليزية٤. و"السنة" في عربيتنا: الطريقة. وهي من القواعد الأساسية الأربع في الفقه الإسلامي٥. فللفظة صلة إذن بلفظة "سن" في العربية الجنوبية.

стр. 3315

ويظهر من الأوامر والأحكام الملكية المدونة بالمسند، أن الحكومات العربية الجنوبية كانت حكومات مشرِّعة، نظمت أعمالها وأعمال مواطنيها بتشريعات عيّنت بموجبها حقوق الحكومة على الناس وحقوق الناس مع بعضهم وواجباتهم تجاه حكومتهم، وذلك بحسب إمكانية المجتمع لذلك العهد١، وقد أدركت شأن نشر القوانين والأحكام ووجوب إبلاغها للناس، فأمرت بتدوينها على الحجر، أي: بحفرها فيها، ووضع الأحجار المدونة في مواضع بارزة ليقف عليها الناس ويفقهوا ما ورد فيها من أحكام وأوامر، فلا يقبل عندئذ عذر لمعتذر إذا خالفها، كذلك نجد الناس يعبرون عن حقهم في الشيء بتدوين ذلك الحق وإعلانه، فعند شراء رجل بيتًا أو أرضًا، أو عند بنائه بيتًا، كان يكتب ذلك على الحجر ويضع الحجر في محل بارز من جدار البيت الخارجي ليطلع الناس على تملك صاحب الملك له. ويدل هذا الإعلان على وجود فكرة التقنين والتشريع وإدراك الحق عند العرب الجنوبيين. وإذا أبرمت الحكومات العربية الجنوبية قانونًا، وإذا أصدرت أمرًا أو نظامًا، أمرت بتدوين نسخ من القانون أو الأمر أو النظام، لحفظها في ديوان الوثائق، لتكون مرجعًا يرجع إليه. وتُعلَن نسخٌ منها على الناس. ليقف الجمهور على ما جاء فيها٢. وتعد الساحات المنشأة أمام أبواب المدن المكان المختار لنشر الأوامر والقوانين على الناس، نظرًا إلى كونها محلات عامة يتجمع فيها أهل المدينة في الغالب، وقد تعقد فيها المحاكمات والاجتماعات العامة. فإذا صدر أمر حكومي أو قانوني كتب على الحجر، ثم يبنى على جدار المدينة عند الباب ليقف عليه الناس. وقد عثر المنقبون على قانونين قتبانيين في تحديد عقوبة القتل، وقد بنيا في الجهة اليسرى من باب مدينة "تمنع" العاصمة ليقف عليها من يحضر هذا المكان من سكان العاصمة أو القادمين إليها٣، كما عثر المنقبون على أسماء جماعة من رجال مدينة "مريمت" "مريمة" وقد دوّنت على حجر بني على جدار باب المدينة ليقف عليها الناس٤؛

стр. 3316

لأنهم قاموا بغزو رجعوا منه بغنائم كثيرة، أعطوا منها نصيبًا كبيرًا، فلكي يقف أهل المدينة على كيفية توزيع الغنائم، وكمياتها دوّنت تلك الكتابة. وتلعب أبواب المدن دورًا خطيرًا في أصول التشريع عند الساميين. فقد كانت موضع إعلان القوانين، ومحل إبلاغها للناس، فهي بمثابة "الجرائد الرسمية" المخصصة بنشر القوانين في عرف هذا اليوم. وهي مواضع المحاكمة أيضًا، حيث يجلس الحكام للنظر في خصومات المتخاصمين. وهي مواضع عقد العقود أيضًا، من بيع وشراء. ويصف الإصحاح الرابع من سفر "راعوت" لنا، كيف أن "بوعز" جلس عند باب المدينة وأمر عشرة من شيوخ المدينة ليكونوا شهودًا لإجراء عملية بيع وشراء١. ومما يلاحظ على القانوني القتباني أنه أخذ بمبدأ أن تنفيذ القوانين هو حق من حقوق "الملك"، أو من يخوله حق التنفيذ. ويراد بـ"الملك" الدولة، أو ما يسمى بـ"السلطان" في الفقه الإسلامي، فلا يجوز لأي أحد غير مخوّل تخويلًا قانونيًّا من الملك, أي: الدولة تنفيذ قانون أو أخذ أي حق مدعٍ بدون إذن رسمي من مرجع قضائي وسلطة مخولة، فالدولة وحدها هي التي تنظر في أمر الخصومات وفيما يقع بين الناس من خلاف. وهي وجهة نظر كل حكومة متحضرة، تريد إشاعة العدل والأمن في حدودها والقضاء على الفوضى والفتن التي قد تقع فيما لو قام كل إنسان بأخذ ما يدعيه من حق لنفسه بنفسه، وبدون مراجعة حكومة وسلطان. وأنا إذ أستعمل لفظة الفقه الجاهلي، فلا أعني أن الجاهليين عامة، كانوا كلهم يسيرون وفق فقه واحد وأحكام واحدة تطبق على جميعهم، تطبيق الأحكام العامة في الدولة الواحدة. فكلام مثل هذا لا يمكن أن يقال بالنسبة إلى الجاهلية. فقد كان الجاهليون قبائل في الغالب، وهم أهل الوبر. وللقبائل أعراف وأحكام تتباين بتباين الأمكنة، من انعزال في البادية أو قرب من الحضر أو اتصال بالأعاجم. وأما أهل المدر. فمنهم من كان يعيش في قرية والحكم فيها لا يتجاوز حدود القرية، ومنهم من عاش في ممالك أو إمارات، والحكم فيها لم يبلغ كل جزيرة العرب بأي حال من الأحوال. وقد انحصرت أحكامها لذلك في الحدود

стр. 3317

التي بلغتها قوتهم ووصل إليها سلطانهم الفعلي لا غير. وإذا أردنا أن نتحدث بلغة هذا العصر عن أصول التشريع الجاهلي، أي: عن المنابع التي أمدت فقه الجاهلية بالأحكام، فإننا نرى أنها استمدت من العرف، ومن الدين، ومن أوامر أولي الأمر ومن أحكام ذوي الرأي. أما "العرف"، فهو ما استقر في النفوس وتلقاه المحيط بالرضى والقبول، وسلم به وسار عليه في بعض الأحيان١. وذلك لأخذه طابع القانون من حيث لزوم التنفيذ والإطاعة. وهو معروف عند أكثر الشعوب، وقد اكتسبت بعض الأعراف درجة القوانين عند كثير من الأمم لمرور زمن طويل على استعمالها، ولتعارف الناس عليها، ولكونها معقولة منطقية لا تتعارض مع روح الزمن وعدالة التشريع. وقد أشير إلى العرف في القرآن الكريم: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٢. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد من "العرف" هنا: الإحسان٣. وقد ألغى الإسلام بعض العرف الجاهلي، وأقرّ بعضًا منه، لعدم تعارضه مع قواعد الدين. ولا تزال القبائل تطبق "العرف العشائري" حتى اليوم في فَضِّ ما يقع بين أفرادها وبينها من خلاف وخصومات. وهي تتجنب جهد إمكانها مراجعة الحكومات؛ لأنها تنفر من تطبيق القوانين عليها، بالرغم من إلغاء "العرف العشائري" أو "القضاء العشائري" كما يعرف في بعض البلاد العربية، وعدم اعتراف تلك الحكومات به. وذلك لرسوخ هذا العرف في نفوسها، وظهوره من تربتها، ولكونه موروثًا من الآباء والأجداد، فهو أقرب إليهم وإلى نفوسهم من القوانين الحديثة، وإن كانت أقرب إلى الحق والعقل من العرف. ولا تزال بعض مصطلحات العرف الجاهلي باقية حيَّة تستعملها القبائل حتى اليوم في الأغراض والمعاني التي كانت عند الجاهليين. وحبذا لو عني علماء القانون عندنا بضبط العرف المستعمل في بلاد العرب في الزمن الحاضر ودراسته دراسة

стр. 3318

علمية تحليلية، فإن لهذه الدراسة شأنًا كبيرًا في دراسة التشريع العربي في الجاهلية. وللسنة أهمية كبيرة في الفقه الجاهلي. والمراد بها: الطريقة، وترد في القرآن ﴿سُنَّةُ الْأَوَّلِين﴾ ١ و ﴿سُنَّةَ اللَّه﴾ ٢. وترد لفظة "السنن" في الموارد الإسلامية. وكذلك "السنة" التي هي المورد الثاني في الفقه الإسلامي تستنبط منه الأحكام بعد القرآن. ولا بد أن تكون لها نفس المكانة عند الجاهليين٣. وقد ورد في القرآن الكريم: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ ٤، دلالة على مكانة سنة الآباء في عقلية الجاهليين. فما ورد في سنتهم هو قانون يعمل به. وورودها بهذا المعنى يدل على أنها كانت تؤدي معنًا خاصًّا عند الجاهليين. ولعلها كانت مصطلحًا من مصطلحات الفقه عندهم. وسنة الجاهليين هي طريقتهم في الحياة وما ورثوه عن آبائهم من عرف وأحكام، وما قرروا السير عليه من قوانين القبيلة في تنظيم حقوق القبيلة والأفراد، وما يقرره عقلاؤهم من قرارات لا تغير ولا تبدل إلا للضرورة وبقرار يصدره أصحاب العقل والبصيرة والرأي والسَّنِّ فيها. ولا يزال العمل بها حتى اليوم. ويقال لها: "السانية" في اصطلاح قبائل العراق. وأقصد بـ"الدين" ما كان يدين به أكثر الجاهليين من شريعة التعبد للأوثان والتقرب للأصنام، فقد وضع سدنة المعابد والكهان أحكامًا لأتباعهم على أنها أحكام ملزمة يكون مخالفها في حكم المخالف للعرف. وهي بالطبع أقوى وأظهر عند أهل الحضر، لمساعدة محيطهم على ظهور الشعور الديني الجماعي فيه، عكس محيط البداوة الذي تباعد فيه أهله، وتبعثرت بيوته، فلم يساعد على ظهور هذا الشعور الديني الجماعي فيه. وبين الجاهليين يهود ونصارى، مهما قيل في يهوديتهم أو نصرانيتهم من العمق أو الضحالة، فإنه لا بد أن يكون لدياناتهم دخل في تنظيم حياتهم وفي أحكام مجتمعاتهم ولا سيما فيما يخص قوانين الأحوال الشخصية المقررة في الديانتين.

стр. 3319

وأقصد بأوامر أولي الأمر، أوامر أصحاب الحلّ والعقد من ملوك وسادات قبائل ورؤساء "الملأ" و"الندوة". فقد كانت أوامرهم أحكامًا تتبع في زمني السلم والحرب. وهم مشرعون ومنفذون، وقد صارت قوانين متبعة، وأشير إلى بعض منها في الموارد الإسلامية. وقد وصلت إلينا أوامر ملكية قتبانية في تنظيم الجباية والتجارة، كما وصلت كتابات فيها تشريعات تخص النواحي القانونية سأتحدث عنها في المواضع المناسبة. وأما أحكام ذوي الرأي فأريد بها أحكام فقهاء الجاهلية الذين عرفوا بالأصالة في الرأي وبالمقدرة في استنباط الأحكام المناسبة في فضِّ المنازعات والخصومات. ولا أريد بتعبير "فقهاء الجاهلية"، طبقة خاصة من علماء الفقه, أي: القانون، على نمط علماء الفقه عند الرومان أو اليونان أو فقهاء الإسلام، تخصصت بالفقه وبشرائع الجاهليين، وإنما أقصد بهم أولئك الذين طلب إليهم أن يكونوا حكمًا بين الناس، لوجود صفات خاصة بهم جعلتهم أهلًا للقضاء والحكم فيما يشجر بينهم من خلاف وهم سادات القبائل وأشرافها والكهّان. وفي فقه الجاهلية أحكام كثيرة، وضعها مشرعون محترمون عند قومهم، وجرت عندهم مجرى القوانين. وقد نص أهل الأخبار عليها، كما نصوا على أسماء قائليها. وقد ذكروا بين تلك الأحكام أحكامًا أقرها وثبتها الإسلام. من ذلك حكمهم في "الخنثى"، وهو حكم حكم به "عامر بن الظرب العدواني" و"ذرب بن حوط بن عبد الله بن أبي حارثة بن حي الطائي", وقد أقر الإسلام حكمهما١، ومثل حكم "ذي المجاسد" وهو "عامر بن جشم بن غنم بن حبيب" في توريث البنات. فقد كانت العرب مصفقة على توريث البنين دون البنات، فورث ذو المجاسد، وهو الذي قرر أن للذكر مثل حظ الأنثيين. وقد وافق حكمه حكم الإسلام٢. إننا لم نسمع حتى الآن بوجود مفتين، أي: فقهاء كلفوا إبداء آراء في معضلات تفع فتعرض عليهم لإيجاد حلول ومخارج قانونية لها. ولم نسمع أيضًا بوجود حكام كلفوا رسميًّا من الدولة القضاء بين الناس، ولا أستبعد العثور في المستقبل على

стр. 3320

كتابات في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية قد تكشف النقاب عن وجود مثل هذه الوظائف هناك؛ وذلك لأن الحكومات التي ظهرت فيها كانت حكومات منظمة, لها شرائع، ولها صلات مع العالم الخارجي، فلا يستبعد تعيينها أناسًا عرفوا بالكياسة وبالرأي السديد وبالعلم في الفقه للحكم بين الناس ولوضع القوانين التي تحتاج إليها الحكومة. إن عدم تدوين الجاهليين لفقههم، أو عدم وصول شيء مدون منه إلينا، لا يكون دليلًا على عدم وجود فقه لديهم أو على عدم وجود منطق فقهي لديهم أو يكون دليلًا على سذاجة فقههم وبداءته، فإن انعدام التدوين لا يكون دليلًا على عدم وجود رأي فقهي عند قوم، فقد كان أهل "لقدمونيا" مثلًا وهم من اليونان "يميلون إلى الاعتماد على ذاكرتهم يستحفظونها من الأنظمة ما يعتدونه قوانين واجبة المراعاة"١، عكس أهل "أثينة" الذين كانوا ضدهم، فإنهم كانوا يدوّنون القوانين ويكتبونها للرجوع إليها٢. وقد أخذت أحكام "لقدمونيا" الشفوية في التشريع بنظر الاعتبار واعتبرت في المدونات القانونية. ولا بد أن يكون بين الجاهليين "تعامل" و"عرف" متبع في أمور عديدة من أمور الحياة التي عاشوا فيها في مثل حقوق مرور القوافل من مناطق نفوذ القبائل، وحقوق الجباية عن الأموال المستوردة أو المصدرة وفي موضع العقوبات وما شاكل ذلك. وقد ذكرت بأن العلماء قد عثروا على بعض كتابات هي أوامر ملكية في الجباية، فلا يستبعد عثورهم في المستقبل على ألواح ومدونات في الفقه. ومكان مثل مكة اشتهر أهله بالحذق في التجارة وبثراء بعضهم ثراء كبيرًا، وبتعاملهم مع الشرق والغرب، ومع الساسانيين ومع البيزنطيين ومع اليمن، وباكتنازهم الذهب والفضة، وبعقدهم العقود وبوجود الكتّاب بينهم، وبوجود الرقيق الأبيض عندهم، من ذلك النوع الذي يقرأ ويكتب والذي له وقوف على كتب الأولين، إن مكانًا مثل هذا لا يمكن أن يكون بلا فقه وبلا قوانين ومحاكم يتحاكمون بها. وكيف يكون ذلك وقد خاطب الله رسوله بقوله:

стр. 3321

﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ ١، و ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ ٢، و ﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ٣، وغير ذلك في مواضع فيها معنى الإفتاء. وقد ذكر العلماء أن "الكلالة" اسم لما عدا الولد والوالد من الورثة، وأن رسول الله سئل عن الكلالة فقال: من مات وليس له ولد ولا والد. وأن بعض العلماء فسَّر الكلالة بأنها مصدر يجمع الوارث والموروث جميعًا٤. وقوم يستفتون في المواريث ويستفتون في النساء هل يعقل ألا يكون لهم فقه وقوانين؟ وفي القرآن آيات مثل: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ٥، و ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ ٦، و ﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ ٧، و ﴿فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ٨، وآيات أخرى تشير إلى وجود فكرة القضاء بين الناس، وإلى الحكم بينهم بالقسط، فهل كان الله يخاطب قومًا بهذه الآيات لو كان المخاطبون قومًا يجهلون العدل، ولا يفقهون شيئًا عن القضاء؟ اللهم لا. وفي القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ

стр. 3322

تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ١. وهي في تنظيم الدين والتداين وفي الشهادة على الدَّين وفي شهادات الشهود. في الرهان وهي كلها من صميم عمل قريش. ولا بد وأن يكون لقريش أحكام في تنظيم الأعمال التجارية من بيوع وشراء وعقود مشاركات وأمثال ذلك ولو بمقياس يناسب تجارة مكة في ذلك العهد. ولا أستبعد أن تكون لأهل يثرب أحكام وقوانين في تنظيم الزراعة وفي كيفية التعامل فيما بينهم وفي الربا وبينهم قوم من يهود. وقد كانوا يتاجرون ويشتغلون بالحرف وبالربا؛ لأن مجتمعها مجتمع منظم لا بد أن تكون له قوانين وفقه ضابط للمعاملات. وقد ذهب المستشرق "كولدتزيهر" إلى أن الإسلام قد أقرّ بعض فقه الجاهليين وأحكامهم، مما لم يتعارض مع مبادئ الإسلام. فأخذ -على رأيه- من قوانين أهل مكة أحكامها وأخذ من فقه أهل المدينة، وهو في نظره أقل تطورًا من فقه أهل مكة، ولذلك فإن فقه أهل الحجاز كان من جملة المنابع التي عرف منها الفقه الإسلامي. وأنا لا أتوقع احتمال عثور العلماء على شريعة أو شرائع في القانون عمَّ تطبيقها بلاد العرب كلها، ولا أؤمل عثورهم على مدوّنة تشبه "مدونة جوستنيان" في القوانين، وضعت لتطبق على كل الجاهليين؛ وذلك لأن ظهور قوانين عامة منظمة ومركزة ومبوبة، يستدعي وجود حكومة منظمة ذات سلطان مطاع، يشمل سلطانها كل بلاد العرب، ووجود شعب واحد يشعر بتبعيته تجاه حكومته، أو وجود شعور بخوف تجاه تلك السلطة يضطر الناس إلى العمل وفق أحكامها وما تصدره من أوامر، وذلك على نحو ما نراه في الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية البيزنطية ونحوهما. وإذ كان ما تحدثنا عنه غير موجود ولا معروف في بلاد العرب، لم تظهر قوانين عامة تشمل أحكامها كل العرب، وكل ما ظهر إنما هو قوانين خاصة طبقت في حدود مناطق الدولة أو القبيلة أو القرية أو الحلف.

стр. 3323

ولما كانت القوانين والشرائع من نبات المحيط، ومحيط جزيرة العرب محيط قبائلي, مجتمعاته صغيرة متناثرة متباعدة ومشكلاته محصورة في ضمن إطار حياتهم، فإن المعضلات القانونية عندهم تكاد تكون محدودة نابعة من ظروف جزيرة العرب في الغالب، ومعالجاتها وأحكامها نابعة أيضًا من هذه الظروف نفسها، فهي وفق معيشة الجاهليين وأحوالهم الدينية والاجتماعية والاقتصادية والزراعية، ولا يمكن أن نجد فيها ما نراه من قوانين اليونان والرومان من تصنيف وتبويب وتعقيد لاختلاف الحياة وتباين المحيط ونوع الحكم.

стр. 3324

العدل: الغاية من وضع الأحكام وأمر المجتمع بتطبيق ما جاء فيها، هي ضبط ذلك المجتمع ومنع أفراده من تجاوز بعضهم على حقوق بعض آخر, وسلبهم ما يملكون، وذلك لإشاعة "العدل" ورفع الاعتداء الذي هو "الظلم" وهو نقيض العدل. فمن أجل تحقيق "العدالة" سنّت الشرائع والأحكام. والعدالة هي المساواة وعدم الانحياز. وقد نصت شرائع الجاهليين على وجوب تحقيق العدالة بإعطاء كل ذي حق حقه وإنصافه. غير أن فكرة "العدالة" تختلف بين البشر باختلاف الأوضاع والأزمنة. فقد يكون حكمٌ عدلًا عند قوم، ويكون باطلًا, أي: ظالمًا عند قوم آخرين. وقد يكون عدلًا في زمان ويكون باطلًا في زمان آخر؛ لأن الظروف التي استوجبت اعتبار الحق حقًّا والعدل عدلًا، تغيرت فتبدلت، فأبطلته أو صار ظلمًا في نظر الناس. ومن هنا أبطل الإسلام بعض أحكام الجاهلية، وهذّب بعضًا منها، وأقر بعضًا آخر، وذلك لتغير الظروف بمجيء الإسلام وتغير النظر إلى أصول العدالة. لقد صيرت المعيشة القبلية التي عاش فيها أكثر العرب في الجاهلية مفهوم "العدل" أو "الحق" عندهم بصورة تختلف عن مفهومنا نحن للحق والعدل، فالعدالة عندهم لم تكن تتحقق وتؤخذ إلا بالقوة، لذلك أثرت "القوة" تأثيرًا كبيرًا في تحديد مفهوم "العدل" و"الحق" فلكي ينال الإنسان حقه كان عليه أن يجاهد بنفسه وبذوي قرابته وعشيرته للحصول على ما يدعيه من حق

стр. 3325

ويثبته. وهو لا يحصل عليه في الغالب إلا بتهديد ووعيد وبوساطة أو باستعمال القوة. وضخامة البيت أو العشيرة أو القبيلة، هي من جملة مسببات الحصول على الحق بفرضه فرضًا، لذلك صارت القوة هي معيار الحق والعدل، وصار القوي المنيع هو صاحب الحق في الغالب. ولما كان الرجل أقوى من المرأة، وقد منح نفسه حقَّ سن الأحكام، صار الحق في الجاهلية في جانبه، فرفع نفسه عنها في أكثر الأحكام، وحرمها الميراث حتى لا يذهب الإرث إلى غريب، وقايضها بديونه أو بجناية تقع منه كما في "فصل الدم" وفي زواج البدل وفي منع المرأة من الزواج إلا من قريبها لوجود حق الدم عليها، وفي منع زواج زوجات الآباء إلا برضى أبناء الأب وذوي قرابته؛ لأنهم أحق بالزواج منها، وغير ذلك من أمور، جعل المرأة عرضًا وملكًا، حتى حرم الإسلام كثيرًا من هذه السنن الجاهلية التي لم يكن الجاهليون يرون أنها تنافي مبدأ العدالة؛ لأن ظروفهم الاجتماعية لم تكن توحي إليهم أن اعتبار المرأة دون الرجل في الحقوق شيئًا منافيًا للحق والعدل، فقد وجدوا أن الطبيعة خلقتها دونهم في القوة، فجعلوها من ثم دونهم في الحقوق، ولم يكن أمامها بالطبع غير الاستسلام. فالحق هو القوة، والعدل هو القوة، ولن ينال امرؤ حقه إلا إذا كان مالكًا لذلك الحق، وهو القوة على تحصيل الحق. وبهذا الحكم للحق، حرم المرأة من ميراثها كما ذكرت، كما حرم من هو دون سن البلوغ، ومن لا يستطيع القتال من هذا الحق أيضًا. فلم يحرم القانون الجاهلي المرأة وحدها ودون غيرها من الإرث، لمجرد أنها امرأة، بل حرم الأولاد منه أيضًا ما داموا دون سن القتال. فقد وجد المشرع الجاهلي أن من الحيف إعطاء الطفل إرثًا، وهو طفل لا يستطيع الطعن بالرمح ولا الضرب بالسيف، لذلك حرمه منه ما دام طفلًا، وحرم الكبار منه ما داموا لا يستطيعون الطعن ولا الضرب بالسيف والذب عن الحق. ولا سيما عن حق الأهل والقبيلة، الذي هو الحق العام. لذلك حرم المعتوه أيضًا من حق الإرث؛ لأنه معتوه لا يستطيع حمل السيف والدفاع عن الحق. ومن هذه النظرة أخذوا بمبدأ تفاوت الحقوق، بأن جعلوا تقدير الحق على أساس درجات الإنسان ومكانته، ومنزلة القبيلة ومكانتها، فدية الملك مثلًا أعلى من دية سيد القبيلة، ودية سيد القبيلة فوق ديات الآخرين، وهكذا على حسب

стр. 3326

الدرجات. ودية سيد قبيلة قوية هي أكثر من دية سيد قبيلة ضعيفة، ودية رجل من سواد قبيلة قوية هي ضعف دية رجل من درجته ومنزلته في قبيلة ضعيفة. وسبب هذا التباين في الحق هو أن مفهوم الحق عند الجاهليين كان يقوم على أساس الاعتبارين المذكورين: مكانة المرء ودرجة القبيلة. ولا يقتصر أصل تفاوت الحق هذا على "الديات", أي: على التعويض عن الضرر فقط، بل أقر التشريع الجاهلي رأي "التفاوت في الحق" في كل الحقوق الأخرى، مثل: حقوق الغنائم التي يحصل عليها المنتصرون من الغزو أو الحرب. فأعطت الملك حقوقًا خاصة في الغنائم، ووضعت لسادات القبائل أنصبة معينة فيما يقع في أيدي أفراد القبيلة من غنائم، بأن جعلت لهم: النشيطة, وهي ما أصيب من الغنيمة قبل أن يصير إلى مجتمع الحي، والصفايا, وهي ما يصطفيه الرئيس، والفضول, وهو ما عجز أن يقسم لقلته فيخصص بسيد القبيلة، والمرباع, وهو حق سيد القبيلة في أخذ ربع الغنائم. وقد جمعت هذه الحقوق في هذا البيت: لك المرباع منا والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول١ وأعطى التشريع الجاهلي الملوك وسادات القبائل والأشراف حق "الحمى"، لا يشاركهم فيه مشارك ولا يرعاه أحد غيرهم. بل يكون صاحب الحمى شريك القوم في سائر المراتع حوله٢. وأخذت شرائع الجاهليين بمبدأ أن الإنسان: إما حر وإما عبد, أي: رقيق مملوك، والرقيق هو ملك سيده، ولذلك، فإن ما يكون له أو ما يكون عليه يختلف في القوانين عما يكون للأحرار من حقوق وأحكام. وهو مبدأ لم يكن خاصًّا بالجاهليين وحدهم، ولكن كان عامًّا في ذلك الزمن أخذت به جميع الأمم. وقد نُصَّ عليه في القوانين الرومانية واليونانية وفي الشريعة اليهودية. والعبد، هو كما قلت ملك صاحبه، وهو "ملك يمين"، إلا أن يمنّ عليه بالحرية, فيكون حرًّا. أما إذا بقي عبدًا في ملك صاحبه, فإن نسله يكونون عبيدًا بالولادة أيضًا. والعبدة، أي: المملوكة تكون ملكًا لسيدها، يتصرف

стр. 3327

بها كما يشاء. ومن حقه الاتصال بها دون حاجة إلى عقد زواج؛ لأنها ملك، والمالك يتصرف بملكه على نحو ما يحب. ويعبر عن "الحر" بـ"حرم", أي: "حرٌّ" في اللهجات العربية الجنوبية، أما الرقيق، فقد عبر عنهم بـ"ادم"، أو "اوادم" بالمصطلح العراقي، وبـ"عبدم"، أي: "عبد". ويقال للعبدة "امت"، أي: "أمة". فالأمة هي الأنثى المملوكة في تلك اللهجات١. وقد أشير إلى هذا التقسيم الطبقي في النصوص التشريعية التي أصدرها حكام العربية الجنوبية، وذلك بأن نص فيها على أن تلك الأحكام تطبق على الأحرار وعلى العبيد، أو على الأحرار دون العبيد، أو على العبيد دون الأحرار، والنص على ذلك فيها أمر ضروري لتوضيح الحقوق والالتزامات بالنسبة إلى مجتمع ذلك الوقت، ولتعرف بذلك الواجبات المفروضة على كل فرد من أفراده. والعبودية حسب القوانين وراثية، فابن العبد عبد، وابنة العبدة عبدة، وهكذا تنتقل العبودية بالوراثة في الأجيال دون انقطاع، ولن يقطعها ويقضي عليها إلا تنازل مالك العبد عن عبده وعمن يتبعه من نسله تنازلًا شرعيًّا بإعلان يعلن عن ذلك, وبكتاب يكتب في بعض الأحيان. وسبب ذلك أن العبد ملك يمين، وملك اليمين مثل كل ملك. والملك حق مقدس للفرد لا يجوز الاعتداء عليه. والحر قد يصير عبدًا، ولو ولد حر الرقبة. فإذا أفلس رجل، ولم يتمكن من الوفاء بما عليه من دين عليه تأديته لدائنيه، وإذا وقع في سباء أو أسر، صار عبدًا. إلا إذا قبل الدائن إعفاءه من ديونه، أو منَّ آسره عليه، فردّه إلى أهله أو دفع فدية عن نفسه، كما سأتحدث عن ذلك فيما بعد. وأخذ التشريع الجاهلي بمبدأ أن ما يطبق على أفراد القبيلة من قوانين وأحكام يكون خاصًّا بالقبيلة. أما ما يطبق على الأشخاص الذين يكونون من قبيلتين مختلفتين أو من قبائل عديدة فإنه يكون خاضعًا للعرف المقرر بين القبائل، فهو قريب مما يسمى بالقوانين الدولية في الزمن الحاضر. أما القوانين التي تطبق في القبيلة، فإنها تشبه قوانين الدولة الواحدة. فالشخص إذا ما ارتكب عملًا مخالفًا داخل حدود قبيلته, أي: مع أفراد القبيلة، عومل وفق أحكام القبيلة. أما إذا ارتكبها مع شخص من قبيلة أخرى، عومل وفق العرف القبلي، لا وفق عرف القبيلة.

стр. 3328

المسئولية "التبعة": الأصل في المسئولية وفي الحق هو: كل امرئ وما عمله، أي: إن الفاعل الذي يقع منه فعل يكون هو المسئول عن فعله. هذا هو الأصل في المسئولية, إلا أن التشريع الجاهلي أخذ أيضًا بمبدأ انتقال المسئولية من الفاعل إلى ذوي قرابته الأدنين، ثم الأبعدين، فالعشيرة أو القبيلة في حالة عدم التمكن من القصاص، أي: من أخذ الحق من الفاعل. وذلك بقانون العصبية. فالجماعة التي هي "القبيلة" تكون مسئولة بعرف العصبية في النهاية عن كل عمل يقوم به أحد أفرادها لارتباطها بـ"العصبية" وعلى كل أفرادها تحمل مسئولية أي فرد من أفرادها وضمان أداء ما يقع عليه من حق في حالة امتناعه، أو عدم تمكنه هو أو ذوي قرابته من تنفيذ أداء الحق. فالقائل مثلًا إذا لم يسلم للاقتصاص منه بقتله، أو لم يتمكن أهل القتيل من قتله، انتقل حق أهل القتيل إلى قتل أقرب الناس إليه ثم الأبعد وهكذا، أخذًا بثأر القتيل. ويؤدي ذلك إلى التوسع في القتل في الغالب، مع عدم سقوط حق ذوي القتيل في البحث عن القاتل لقتله؛ لأن الأصل في كل جريمة هو الفاعل الأصل. وفي الديات، تؤخذ من أهل القاتل في الأصل، فإن لم يتمكنوا فمن ذوي قرابتهم الأدنين ثم الأقرباء الأبعدين على العصبات حتى تصل إلى حدود العشيرة أو القبيلة بقانون العصبية، فيوزع مقدار الدية على أفراد القبيلة كلٌ على حسب مركزه، وهي تعقل بذلك عن أبنائها، ويحمل أفرادها بقدر ما يطيقون. ويقال لذلك: "المعاقلة"١. وقد ذكر أن العقل: الدية، سميت عقلًا؛ لأن الدية كانت عند العرب في الجاهلية إبلًا؛ لأنها كانت أموالهم، فسميت الدية عقلًا، لأن القاتل كان يكلف أن يسوق الدية إلى فناء ورثة المقتول، فيعقلها بالعقل، ويسلمها إلى أوليائه. وقد جرت عادة الجاهليين أن أهل القرية لا يعقلون عن أهل البادية ولا أهل البادية عن أهل القرية، فكل طبقة ملزمة بالعقل عن طبقتها٢. وقد ورد في نص قانوني مدون بالمسند أن الجماعة تكون مسئولة عن أية جريمة تقع في حماها إذا لم يعرف الجاني، أو إذا لم يسلم إلى الحاكم، ومعنى هذا لزوم

стр. 3329

إسهام "الجماعة" في البحث عن المجرمين للاقتصاص منهم، وإلا اعتبرت مسئولة عن الضرر الذي وقع بفعل الجاني، فإذا وقع قتل في مكان ما ولم يعرف القاتل أو لم يسلم إلى الحاكم، أمهله أهله أربعة أيام للبحث عنه ولتسليمه، فإن لم يسلم يصادر حصاد الجماعة أو يصادر ما عندهم من مال، ويودع في خزانة الحكومة أو المعبد رهنًا، إلى صدور حكم الملك أو الحاكم بالقضية١. وغاية المشرع من وضع هذا القانون هو إشراك الجماعة مع الحكومة في تعقب المجرمين والقبض عليهم، ثم التعويض على أهل القتيل بدفع الدية، أي: ثمن الضرر الذي لحق بهم في حالة عدم التمكن من الوصول إلى القاتل لأخذ حق الدم منه. وتكون الطوائف مسئولة كذلك عما يلحق أفرادها من أضرار، فإذا مات شخص في أثناء قيامه بعمل كلف إياه أو أصيب بضرر في أثناء أدائه ذلك العمل، وكان ذلك الرجل معدمًا، فعلى طائفته دفع تعويض عما أصابه يوضع في خزانة المعبد٢.

стр. 3330

سقوط المسؤولية ... سقوط المسئولية: ولا تسقط مسئولية الأهل عن جرائم أبنائهم، ولا مسئولية القبيلة عن أفعال أفرادها إلا إذا أسقطت "العصبية" عنهم. على أن يعلن عن إسقاطها في الأماكن العامة وبصورة صحيحة شرعية. ليكون ذلك معروفًا بين الناس. وإلا بقيت المسئولية قائمة في رقبة من تقع عليهم. ومتى "خلع" الخليع وأشهد الشهود على خلعه صار أقرباؤه وأهل قبيلته في حل منه، ليس لهم تلبية ندائه واستغاثته وإلا تحملوا وزره من جديد. ومتى خلع الإنسان سقطت عندئذ مسئوليات عمله عن أهله وأقربائه، وحصرت به وحده، وعليه أن يحمي نفسه بنفسه، وأن يدافع عن جرائره بيده. ويقال لهذا الإنسان: "الخليع". فإذا قَتَلَ لا يسأل أي أحد من قومه عن عمله. وإذا
следующие страницы →