الدرجات. ودية سيد قبيلة قوية هي أكثر من دية سيد قبيلة ضعيفة، ودية رجل من سواد قبيلة قوية هي ضعف دية رجل من درجته ومنزلته في قبيلة ضعيفة.
وسبب هذا التباين في الحق هو أن مفهوم الحق عند الجاهليين كان يقوم على أساس الاعتبارين المذكورين: مكانة المرء ودرجة القبيلة.
ولا يقتصر أصل تفاوت الحق هذا على "الديات", أي: على التعويض عن الضرر فقط، بل أقر التشريع الجاهلي رأي "التفاوت في الحق" في كل الحقوق الأخرى، مثل: حقوق الغنائم التي يحصل عليها المنتصرون من الغزو أو الحرب.
فأعطت الملك حقوقًا خاصة في الغنائم، ووضعت لسادات القبائل أنصبة معينة فيما يقع في أيدي أفراد القبيلة من غنائم، بأن جعلت لهم: النشيطة, وهي ما أصيب من الغنيمة قبل أن يصير إلى مجتمع الحي، والصفايا, وهي ما يصطفيه الرئيس، والفضول, وهو ما عجز أن يقسم لقلته فيخصص بسيد القبيلة، والمرباع, وهو حق سيد القبيلة في أخذ ربع الغنائم. وقد جمعت هذه الحقوق في هذا البيت:
لك المرباع منا والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول١
وأعطى التشريع الجاهلي الملوك وسادات القبائل والأشراف حق "الحمى"، لا يشاركهم فيه مشارك ولا يرعاه أحد غيرهم. بل يكون صاحب الحمى شريك القوم في سائر المراتع حوله٢.
وأخذت شرائع الجاهليين بمبدأ أن الإنسان: إما حر وإما عبد, أي: رقيق مملوك، والرقيق هو ملك سيده، ولذلك، فإن ما يكون له أو ما يكون عليه يختلف في القوانين عما يكون للأحرار من حقوق وأحكام.
وهو مبدأ لم يكن خاصًّا بالجاهليين وحدهم، ولكن كان عامًّا في ذلك الزمن أخذت به جميع الأمم. وقد نُصَّ عليه في القوانين الرومانية واليونانية وفي الشريعة اليهودية. والعبد، هو كما قلت ملك صاحبه، وهو "ملك يمين"، إلا أن يمنّ عليه بالحرية, فيكون حرًّا. أما إذا بقي عبدًا في ملك صاحبه, فإن نسله يكونون عبيدًا بالولادة أيضًا. والعبدة، أي: المملوكة تكون ملكًا لسيدها، يتصرف
стр. 3327
بها كما يشاء. ومن حقه الاتصال بها دون حاجة إلى عقد زواج؛ لأنها ملك، والمالك يتصرف بملكه على نحو ما يحب.
ويعبر عن "الحر" بـ"حرم", أي: "حرٌّ" في اللهجات العربية الجنوبية، أما الرقيق، فقد عبر عنهم بـ"ادم"، أو "اوادم" بالمصطلح العراقي، وبـ"عبدم"، أي: "عبد". ويقال للعبدة "امت"، أي: "أمة". فالأمة هي الأنثى المملوكة في تلك اللهجات١.
وقد أشير إلى هذا التقسيم الطبقي في النصوص التشريعية التي أصدرها حكام العربية الجنوبية، وذلك بأن نص فيها على أن تلك الأحكام تطبق على الأحرار وعلى العبيد، أو على الأحرار دون العبيد، أو على العبيد دون الأحرار، والنص على ذلك فيها أمر ضروري لتوضيح الحقوق والالتزامات بالنسبة إلى مجتمع ذلك الوقت، ولتعرف بذلك الواجبات المفروضة على كل فرد من أفراده.
والعبودية حسب القوانين وراثية، فابن العبد عبد، وابنة العبدة عبدة، وهكذا تنتقل العبودية بالوراثة في الأجيال دون انقطاع، ولن يقطعها ويقضي عليها إلا تنازل مالك العبد عن عبده وعمن يتبعه من نسله تنازلًا شرعيًّا بإعلان يعلن عن ذلك, وبكتاب يكتب في بعض الأحيان. وسبب ذلك أن العبد ملك يمين، وملك اليمين مثل كل ملك. والملك حق مقدس للفرد لا يجوز الاعتداء عليه.
والحر قد يصير عبدًا، ولو ولد حر الرقبة. فإذا أفلس رجل، ولم يتمكن من الوفاء بما عليه من دين عليه تأديته لدائنيه، وإذا وقع في سباء أو أسر، صار عبدًا. إلا إذا قبل الدائن إعفاءه من ديونه، أو منَّ آسره عليه، فردّه إلى أهله أو دفع فدية عن نفسه، كما سأتحدث عن ذلك فيما بعد.
وأخذ التشريع الجاهلي بمبدأ أن ما يطبق على أفراد القبيلة من قوانين وأحكام يكون خاصًّا بالقبيلة. أما ما يطبق على الأشخاص الذين يكونون من قبيلتين مختلفتين أو من قبائل عديدة فإنه يكون خاضعًا للعرف المقرر بين القبائل، فهو قريب مما يسمى بالقوانين الدولية في الزمن الحاضر. أما القوانين التي تطبق في القبيلة، فإنها تشبه قوانين الدولة الواحدة. فالشخص إذا ما ارتكب عملًا مخالفًا داخل حدود قبيلته, أي: مع أفراد القبيلة، عومل وفق أحكام القبيلة. أما إذا ارتكبها مع شخص من قبيلة أخرى، عومل وفق العرف القبلي، لا وفق عرف القبيلة.
стр. 3328
المسئولية "التبعة": الأصل في المسئولية وفي الحق هو: كل امرئ وما عمله، أي: إن الفاعل الذي يقع منه فعل يكون هو المسئول عن فعله. هذا هو الأصل في المسئولية, إلا أن التشريع الجاهلي أخذ أيضًا بمبدأ انتقال المسئولية من الفاعل إلى ذوي قرابته الأدنين، ثم الأبعدين، فالعشيرة أو القبيلة في حالة عدم التمكن من القصاص، أي: من أخذ الحق من الفاعل. وذلك بقانون العصبية. فالجماعة التي هي "القبيلة" تكون مسئولة بعرف العصبية في النهاية عن كل عمل يقوم به أحد أفرادها لارتباطها بـ"العصبية" وعلى كل أفرادها تحمل مسئولية أي فرد من أفرادها وضمان أداء ما يقع عليه من حق في حالة امتناعه، أو عدم تمكنه هو أو ذوي قرابته من تنفيذ أداء الحق.
فالقائل مثلًا إذا لم يسلم للاقتصاص منه بقتله، أو لم يتمكن أهل القتيل من قتله، انتقل حق أهل القتيل إلى قتل أقرب الناس إليه ثم الأبعد وهكذا، أخذًا بثأر القتيل. ويؤدي ذلك إلى التوسع في القتل في الغالب، مع عدم سقوط حق ذوي القتيل في البحث عن القاتل لقتله؛ لأن الأصل في كل جريمة هو الفاعل الأصل. وفي الديات، تؤخذ من أهل القاتل في الأصل، فإن لم يتمكنوا فمن ذوي قرابتهم الأدنين ثم الأقرباء الأبعدين على العصبات حتى تصل إلى حدود العشيرة أو القبيلة بقانون العصبية، فيوزع مقدار الدية على أفراد القبيلة كلٌ على حسب مركزه، وهي تعقل بذلك عن أبنائها، ويحمل أفرادها بقدر ما يطيقون. ويقال لذلك: "المعاقلة"١.
وقد ذكر أن العقل: الدية، سميت عقلًا؛ لأن الدية كانت عند العرب في الجاهلية إبلًا؛ لأنها كانت أموالهم، فسميت الدية عقلًا، لأن القاتل كان يكلف أن يسوق الدية إلى فناء ورثة المقتول، فيعقلها بالعقل، ويسلمها إلى أوليائه.
وقد جرت عادة الجاهليين أن أهل القرية لا يعقلون عن أهل البادية ولا أهل البادية عن أهل القرية، فكل طبقة ملزمة بالعقل عن طبقتها٢.
وقد ورد في نص قانوني مدون بالمسند أن الجماعة تكون مسئولة عن أية جريمة تقع في حماها إذا لم يعرف الجاني، أو إذا لم يسلم إلى الحاكم، ومعنى هذا لزوم
стр. 3329
إسهام "الجماعة" في البحث عن المجرمين للاقتصاص منهم، وإلا اعتبرت مسئولة عن الضرر الذي وقع بفعل الجاني، فإذا وقع قتل في مكان ما ولم يعرف القاتل أو لم يسلم إلى الحاكم، أمهله أهله أربعة أيام للبحث عنه ولتسليمه، فإن لم يسلم يصادر حصاد الجماعة أو يصادر ما عندهم من مال، ويودع في خزانة الحكومة أو المعبد رهنًا، إلى صدور حكم الملك أو الحاكم بالقضية١.
وغاية المشرع من وضع هذا القانون هو إشراك الجماعة مع الحكومة في تعقب المجرمين والقبض عليهم، ثم التعويض على أهل القتيل بدفع الدية، أي: ثمن الضرر الذي لحق بهم في حالة عدم التمكن من الوصول إلى القاتل لأخذ حق الدم منه.
وتكون الطوائف مسئولة كذلك عما يلحق أفرادها من أضرار، فإذا مات شخص في أثناء قيامه بعمل كلف إياه أو أصيب بضرر في أثناء أدائه ذلك العمل، وكان ذلك الرجل معدمًا، فعلى طائفته دفع تعويض عما أصابه يوضع في خزانة المعبد٢.
стр. 3330
سقوط المسؤولية
...
سقوط المسئولية:
ولا تسقط مسئولية الأهل عن جرائم أبنائهم، ولا مسئولية القبيلة عن أفعال أفرادها إلا إذا أسقطت "العصبية" عنهم. على أن يعلن عن إسقاطها في الأماكن العامة وبصورة صحيحة شرعية. ليكون ذلك معروفًا بين الناس. وإلا بقيت المسئولية قائمة في رقبة من تقع عليهم. ومتى "خلع" الخليع وأشهد الشهود على خلعه صار أقرباؤه وأهل قبيلته في حل منه، ليس لهم تلبية ندائه واستغاثته وإلا تحملوا وزره من جديد.
ومتى خلع الإنسان سقطت عندئذ مسئوليات عمله عن أهله وأقربائه، وحصرت به وحده، وعليه أن يحمي نفسه بنفسه، وأن يدافع عن جرائره بيده. ويقال لهذا الإنسان: "الخليع". فإذا قَتَلَ لا يسأل أي أحد من قومه عن عمله. وإذا
стр. 3331
قُتِلَ ذهب دمه هدرًا. ولهذا قاسى الخليع حياة قاسية شديدة تنتهي بهلاكه في الغالب نتيجة خروجه على أنظمة قومه وقوانينهم. اللهم إلَّا إذا تاب ورجع عن غيّه ووجد من يؤويه ويحميه. من أهله أو غيرهم، يحتمل ما قد يقع في المستقبل منه، ويدفع فداء ما وقع منه وإصلاح ما أحدثه من أضرار.
وإذا وجد "الخليع" من يكفله وينعم عليه بحق الجوار انتقلت مسئولية عمله إلى مَنْ مَنَّ عليه بجواره، وعلى المجير عندئذ تحمل كل تبعة تصدر من ذلك الخليع، ما دام يتحمل حق الدفاع عنه وحمايته.
стр. 3332
إزالة الضرر:
إزالة الضرر، حقل عام من حقول الحقوق في القانون يشمل إزالة كل ضرر يلحق بشخص من تعدّ يقع على ملكه أو ظلم يلحق به، أو من اعتداء حيوان يصير عليه أو على ملكه. إلى غير ذلك من أضرار متعمدة أو غير متعمدة تلحق بمضرور، وقد قررت سنة الجاهليين إزالة الضرر وتعويض المتضرر. كما قررت ذلك كل القوانين والأديان للشعوب الأخرى؛ لأن الضرر ظلم، والظلم يجب أن يزال.
والضرر المتعمد، هو الضرر الذي يقع من شخص مسئول عن تصرفاته، أي: من إنسان عاقل مالك لزمام نفسه، تعمّد إلحاق ضرر بشخص آخر، أما الضرر الغير المتعمد، فهو الضرر الذي يقع من مثل هذا الشخص من دون تعمد ولا قصد أو غاية. فضرره أخف من الضرر الأول؛ لأن عنصر الجريمة غير موجودة فيه. ويدخل في الضرر العمد، كل ضرر يأمر به إنسان حر أتباعه من أمثال النساء والأطفال والرقيق والحيوان إلحاقه عمدًا بشخص آخر، فعنصر الجريمة متوفر في أفعال هؤلاء. ولما كان هؤلاء تبع، فتقع مسئولية فعلهم على سيدهم بالدرجة الأولى؛ لأنه هو المسئول شرعًا عنهم، بحكم ولايته لهم، وتبعيتهم له. كما يكون مسئولًا أيضًا عن كل ضرر يقع عنهم من غير عمد للسبب المذكور.
ولا تسقط العقوبة عن التبع أيضًا، فقد فرضت شرائع الجاهليين عقوبات على التبع لما يقع منه من ضرر متعمد أو عن خطًا.
стр. 3333
ومن قبيل الضرر الخطأ، إهمال السيطرة على الماء كإغفال أمر السدود، فإذا سال الماء إلى أرض أخرى فألحق ضررًا بها وجب على صاحبه دفع تعويض عن الضرر الذي ألحقه الماء بالمالك صاحب الأرض المتضررة. ومن هذا القبيل أيضًا سقوط بناء أو حائط على شخص، وسقوط عامل يشتغل أجيرًا لصاحب بناء، فيجب في مثل هذه الأحوال إزالة الأضرار التي تقع بدفع تعويض لمن وقع الضرر عليه أو لمن يعيله أو يرثه في حالة الوفاة.
ويزال الضرر الذي قد يقع في البيوع وفي الشراء بسبب غش وخداع أو مخالفة لوصف. فإذا باع بائع شيئًا ثم تبين أن في المباع عيبًا لم ينبه البائع المشتري عليه ولم يخبره به مع علمه به، فمن حق المشتري إرجاع المباع إن أراد، لوجود ذلك العيب فيه، وللمشتري حق المطالبة بإزالة الضرر عنه بتعويضه عن ضرره إن شاء ذلك. ومن هذا القبيل إزالة الضرر عن الجار إذا وقع تعدّ عليه بالتجاوز على أرضه أو بإيذائه أو بالانتفاع بملكه بصورة تؤذي ملك جاره أو تقلق راحته. فيجب في مثل هذه الأحوال إزالة الضرر وتعويضه عن الخسائر التي نجمت عنه.
стр. 3334
الولاية:
والولي هو من يتولى أمر غيره، ويكون وليًّا شرعيًّا عليه. فالأب هو ولي أمر أبنائه؛ لأنه هو المسئول الطبيعي عنهم. والجدّ هو ولي أمر أحفاده في حالة وفاة ابنه أو غيابه، والأعمام أولياء أمور أولاد الأخوة في حالة غيابهم أو وفاتهم، والأخذ الأكبر البالغ هو ولي أمر أخوته القصر. وهكذا حسب العصبات.
وتعطي الولاية للولي حق الإشراف على شئون المُولَّى عليهم. وللأب حق مطلق في الولاية على أبنائه. له أن يتصرف بهم كيف يشاء. حتى في حق الحياة، فيقدم ابنه قربانًا للآلهة إن نذر ذلك. والوأد مثل على ذلك. وكان من حق الأب رهن أولاده في مقابل دين له أو تنفيذ عهد عليه. ومن حقه تأديب أولاده على النحو الذي يريده. ويدخل في ضمن ذلك الضرب والطرد والخلع والحرمان من الإرث، وحق اختيار الزوج للبنت وأخذ مهر ابنته. وتلك حقوق أقرتها شرائع أكثر الأمم في ذلك العهد.
الملك: والملك حق مقدس معترف به في الجاهلية. فمن يملك شيئًا، امتنع
стр. 3335
الفصل السابع والخمسون: الاحوال الشخصية
مدخل
...
الفصل السابع والخمسون: الأحوال الشخصية
وأقصد بها الحقوق التي تتعلق بالشخص وبعلاقته بأسرته. مثل: الزواج والطلاق والوفاة والميراث وحقوق الزوجة أو الزوج وحقوق الوالد على ولده وحقوق الولد، وأمثال ذلك مما يدخل في الفقه الإسلام في "باب المناكحات"، وهو باب من أبواب قسم "المعاملات".
وبفضل إقرار الإسلام بعض أحكام الجاهليين في الزواج وفي الطلاق وفي الوفاة وفي الميراث وتحريم أحكام أخرى مع الإشارة إليها، جمع أهل التفسير والحديث والأخبار طائفة من أحكام الجاهليين القريبين للإسلام والمعاصرين له، خاصة أحكام أهل المدينتين: مكة ويثرب، ومن سكن في جوارهما من أهل المدر والوبر.
وعلى كل ما ذكرنا اعتمادنا. غير أن تلك المادة لا تزال خامًا بكرًا، وبها حاجة شديدة إلى الغربلة والنقد والتنسيق.
وما سنذكره في هذه الصفحات، لا يعني شمول هذا الوصف عموم الجاهليين في كل الأوقات وفي كل أنحاء الجزيرة، إنما هو قول خاص بالجاهليين القريبين من الإسلام والمعاصرين له والساكنين في الحجاز، ولا سيما في المدينتين المذكورتين. أما قدماء الجاهليين ممن عاشوا قبل الميلاد والجاهليين الذين عاشوا في جنوب جزيرة العرب أو في شرقيها، فلا نستطيع أن نقول: إن ما نذكره هنا منتزع من صميم حياتهم، فهو يمثل ما كان عندهم كل التمثيل؛ لأن المواد التي أشرت إليها لا تصل إلى حدودهم، وليس لها قدرة الوصول إليهم، فليس من حقنا إذن تعميم ما سنقوله على جميع الجاهليين.
стр. 3336
النكاح:
ويعبر عن الزواج بـ"النكاح" في الفقه الإسلامي. والنكاح هو: العقد في الأصل، ثم استعير للجماع١. وقد عبر في القرآن الكريم عن الزواج في المعنى الشائع عندنا من "الزوج" والزوجية. أما في حالة التزوج وعقد العقد لغرض الدخول على المرأة، فقد عبر عن ذلك بـ"النكاح" وبـ"نكح" وبأمثال ذلك، ومن هنا أطلق الفقهاء في الفقه على الزواج "النكاح" وعلى الباب المختص بذلك "المناكحات"، وعبر عنه بـ"العقد" وبـ"الوطء" كذلك٢.
أما إذا كان الاتصال بين الرجل والمرأة اتصالًا جنسيًّا بغير عقد ولا خطبة، فهو زنا، ويقال للمرأة عندئذ "زانية" و"بغي" و"فاجرة" و"عاهرة" و"معاهرة" و"مسافحة"٣.
ولا بد للزواج من أن يكون برضى الطرفين وبموافقتهما، وبموافقة الوالدين أو المتولي للأمر. وإذا كان أحد الطرفين أو كلاهما قاصرًا فلا بد من أخذ موافقة القيّم على أمره، وإلا تعرض الرجل والمرأة أو أحدهما للمسئولية. هذا هو الأصل في الزواج عند الجاهليين أيضًا، غير أن الرجل قد ينهب المرأة باتفاق مع البنت أو غصبًا فيأخذها. وهذا ما يسيء إلى أهل البنت ويلحق بهم الأذى، إلا أن الطرفين قد يتفقان فيما بعد على الزواج.
ولولي الأمر إجبار البنت على الزواج بمن يريده أو يوافق عليه؛ لأن يكون بعلًا لها، وليس لها مخالفته. وقد يسمح لها بإبداء رأيها في الزوج وفي الزواج، ويكون ذلك في الأسر المحترمة في الأكثر، وعند أولياء الأمور الذين ليس لهم من البنات غير واحدة أو اثنين، وعند وجود دالة للبنت على ولي أمرها.
стр. 3337
والرجال قوامون على النساء. أما المرأة، فهي للبيت، والرجل هو "رب البيت" وسيده والمسئول عنه، وله الكلمة على شئونه. وهو القيم الطبيعي المسئول عن تربية أولاده. وهو المسئول عن إعالة زوجه وأولاده. والزوج تبع لبعلها، وعليها إطاعة أوامره، ما دامت أوامره لا تنافي الخلق والمألوف. وبيتها هو "بيت الزوجية". ولسيادة الرجل على بيته وزوجه، قيل له في كثير من اللغات السامية، وفي جملتها اللغة العربية: "بعل". فالرجل هو بعل المرأة.
ومن تلده الزوج يكون للبعل، فهو في ولايته، وله رعايته، وعليه تربيته حتى يبلغ أشده. وهو مسئول أيضًا عن رعاية أحفاده بعد ابنه. أما أولاد ابنته فإنهم في رعاية أبيهم الذي يكون وحده المسئول عنهم؛ لأنه بعل زوجه، وهو رب بيته.
وللحق المتقدم لم تمانع شرائع الجاهليين في وأد البنات أو قتل الأولاد، ولم تَعُدَّ من يئد البنت أو يقتل ابنه قاتلًا، ولم تؤاخذه على فعله، حتى الأمهات لم يكن من حقهن منع الآباء من وأد بناتهن، أو قتل أولادهن؛ لأن الزوج هو وحده صاحب الحق والقول الفصل فيمن يولد له، وليس لامرأته حق الاعتراض عليه ومنعه.
ولهذا الحق لم يكن للولد الاعتراض على ما يفرضه أبوهم عليهم من حقوق، ولا مخالفة أوامره ونواهيه. فبوسع والدهم فرض ما يراه عليهم من عقوبات، فلا يمنعه منها إلا قوة الولد وتوسط الناس. فإذا اشتد عود الولد، وقوي ساعده صار الحق إلى جانبه، وصار في وسعه معارضة والده. ولن يكون في إمكان الوالد فعل شيء بعد بلوغ ابنه سوى خلعه والتنصل منه على رءوس الأشهاد.
стр. 3338
القاعدة العامة في الازدواج:
والقاعدة العامة في الازدواج مراعاة علاقة الأصل بالفرع، فلا يجوز نكاح الأب لابنته، ولا الجد لحفيدته، ولا يجوز للأم أن تتزوج ابنها، ولا للجدة أن تتزوج حفيدها، ولا للأخ أن يتزوج أخته، مراعاة لعلاقة الأصل بالفرع، أي: لعلاقة الدم. ومن يفعل ذلك يكون آثمًا مؤاخذًا على فعله.
стр. 3339
ويراعى هذا التحريم حتى في حالات التبني، لاكتساب التبني الصفة المقررة للابن الطبيعي، فلا يجوز للمتبني أن يتزوج ابنة المُتبنَّى؛ لأنه اتخذه ابنًا له.
ويحرم على الرجل أن يتزوج ابنة أخيه، أو ابنة أخته. أما ولد الأخوين أو ولد الأختين أو ولد الأخ والأخت، فالزواج بينهم مباح. ويحرم نكاح العمة كما يحرم نكاح الخالة؛ وذلك لأنهما في درجة الأصول. ويحرم بصورة عامة كل نكاح يقع بين المحارم.
ومن القبيح عندهم الجمع بين الأختين، وأن يخلف الرجل على امرأة أبيه، ويسمون هذا الفعل من فعول "الضيزن". وقد عرف هذا الزواج بنكاح المقت١. وقد حرم هذا النكاح في الإسلام٢. فقد ورد أن "كبيشة بنت معن بن عاصم" امرأة "أبي قيس بن الأسلت" انطلقت إلى الرسول فقالت: "إن أبا قيس قد هلك، وإن ابنه من خيار الحي قد خطبني". فسكت الرسول، ثم نزلت الآية: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فهي أول امرأة حرمت على ابن زوجها٣.
وذكر "السهيلي" أن ذلك الزواج كان مباحًا في الجاهلية بشرع متقدم، ولم يكن من الحرمات التي انتهكوها ولا من العظائم التي ابتدعوها؛ لأنه أمر كان في عمود نسب رسول الله، فكنانة تزوج امرأة أبيه خزيمة، وهي برة بنت مر. فولدت له النصر بن كنانة. وهاشم أيضًا قد تزوج امرأة أبيه واقدة. "وقد قال ﵇: أنا من نكاح لا من سفاح. ولذلك قال سبحانه: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ , أي: إلا ما سلف من تحليل ذلك قبل الإسلام. وفائدة هذا الاستثناء ألا يعاب نسب رسول الله ﷺ وليعلم أنه لم يكن في أجداده من كان لغية ولا من سفاح"٤.
وذكر علماء التفسير: أن أهل الجاهلية كانوا يحرمون ما يحرم إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين٥. وأسلم "فيروز الديلمي"، وتحته أختان، فقال له النبي:
стр. 3340
"اختر أيهما شئت" ١، وجمع "أبو أحيحة" سعيد بن العاص بن أمية، بين صفية وهند بنتي المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وجمع "قسي"، وهو ثقيف بن منبه، آمنة وزينب بنتي عامر بن الظرب في نكاح واحد. وجمع "هنام بن سلمة" العائشي، أخو بني تيم اللات بن ثعلبة بن عكابة بين أختين٢.
ويقدم "ابن العم" على غيره في زواج ابنة عمه، ولا يزال مقدمًا على غيره٣. وقد تجبر البنت على الزواج به في حالة عدم رغبتها من الزواج، وقد لا يتركها تتزوج من غيره إلا بإرضائه، وقد يكون هذا الإرضاء بدفع ترضية له.
стр. 3341
الصداق:
والزواج المألوف المتعارف عليه عند غالبية الجاهليين، هو نكاح الناس اليوم.
وهو أن يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها، أي: يعين صداقها ويسمي مقداره ثم يعقد عليها. وكانت قريش وكثير من قبائل العرب على هذا المذهب في النكاح١. وما يدفع يسمى "الصداق" أو "المهر".
ويعد الصداق, أي: المهر فريضة لازمة عند الجاهليين لصحة عقد الزواج، إذ هو علامة من علاماته، ودلالة على شرعيته. وكانوا لا يقرون زواجًا ولا يعترفون بشرعيته إلا إذا كان بمهر. فإذا لم يكن هناك مهر، عدّ بغيًا وسفاحًا وزنًا، فالمهر هو أيضًا علامة شرف، وكون المرأة حرة محصنة لها كامل الحقوق٢.
ولا يشترط دفع المهر إذا كانت المرأة قد وقعت في أسر آسر فتزوجها؛ لأنها أسيرته، فهي ملكه، وله حق الدخول بها بغير مهر، ولو كانت في عصمة رجل آخر؛ لأن الأسر يبطل عصمة الزواج.
стр. 3342
"وكانوا يخطبون المرأة إلى أبيها أو أخيها أو عمها، أو بعض بني عمها. وكان يخطب الكفي إلى الكفي. فإن كان أحدهما أشف من الآخر في الحسب، أرغب له في المهر. وإن كان هجينًا خطب إلى هجين. فزوجه هجينة مثله. فيقول الخاطب إذا أتاهم: أنعموا صباحًا. ثم يقول: نحن أكفاؤكم ونظراؤكم. فإن زوجتمونا فقد أصبنا رغبة وأصبتموها. وكنا لصهركم حامدين. وإن رددتمونا لعلة نعرفها، رجعنا عاذرين. وإن كان قريب القرابة منه أو من قومه، قال لها أبوها أو أخوها، إذا حملت إليه: أيسرت وأذكرت ولا آنثت! جعل الله منك عددًا وعزًّا وجلدًا. أحسني خلقك وأكرمي زوجك. وليكن طيبك الماء. وإذا تزوجت في غربة قال لها: لا أيسرت ولا أذكرت، فإنك تدنين البعداء، وتلدين الأعداء. أحسني خلقك وتحببي إلى أحمائك. فإن لهم عليك عينًا ناظرة، وآذانًا سامعة. وليكن طيبك الماء"١.
والأصل في المهر عند الجاهليين دفعه للمرأة، غير أن ولي أمرها هو الذي يأخذه لينفق منه على ما يشتري لتأخذه المرأة معها إلى بيت الزوجية. وقد يأخذ ولي أمرها "المهر" لنفسه. ولا يعطي المرأة منه شيئًا، لاعتقاده أن ذلك حق يعود إليه. ولذلك نُهي عنه في الإسلام٢. وللمرأة حق استرداد مهرها إذا فسح الزوج عقد الزواج، أو إذا طلقها، إلا إذا كان ذلك بسبب الزنا فيسقط.
وإذا كان المهر مؤجلًا كلًّّّّّّّا أو بعضًا، فيكون دينًا في عنق الزوج، وإذا توفي وجب دفعه لامرأته من تركته.
وليس للمهر حدّ معلوم، لا حدّ أعلى ولا حدّ أدنى، بل يتوقف ذلك على الاتفاق. وتُراعى في ذلك الحالة المالية للرجل في الغالب. ولما كانت النقود قليلة في ذلك العهد، كان المهر عينًا في الأكثر، وتدخل فيه الأرض. وقد بلغ المهر مائة من الإبل أو خمسين ومائة بعض الأحيان٣. وقد كان بوزن من ذهب أو فضة في بعض الأحيان.
ويجوز للرجل استرداد مهره من تركة زوجه. إن ماتت في حياته، وله حق مطالبة أهلها بردّ مهرها إليه في حالة عدم وجود تركة لها.
стр. 3343
وليس في زواج الشغار، مهر حقيقي؛ لأنه زواج مقايضة. وهو أن يزوّج الرجلُ وليّته في مقابل تزويجه وليّة من سيتزوج وليّته. فليس في هذا الزواج مهر بالمعنى المعروف.
وذكر أن أهل الجاهلية كانوا لا يعطون النساء من مهورهن شيئًا، وأن الرجل إذا زوّج ابنته استجعل لنفسه جعلًا يسمى "الحلوان"، وكانوا يسمون ذلك الشيء الذي يأخذه "النافجة" ويقولون للرجل: "بارك الله لك في النافجة"١.
وروي أن العرب كانت تقول في الجاهلية "للرجل إذا ولدت له بنت: هنيئًا لك النافجة، أي: المعظمة لمالك، وذلك أنه يزوجها فيأخذ مهرها من الإبل، فيضمها إلى إبله، فينفجها, أي: يرفعها ويكثرها"٢.
والحلوان أن يزوج الرجل ابنته أو أخته أو امرأة ما بمهر مسمى، على أن يُجعل له من المهر شيء مسمى، وكانت العرب تعير به. وقيل إن حلوان المرأة: مهرها ٣.
والصداق المهر، و"الصدقة" مهر المرأة، وقد ورد النهي في الحديث عن الغلو في صدق النساء٤، مما يدل على أن من الجاهليين من كان يبالغ في الصداق.
ويستخلص مما جاء في أخبار أهل الأخبار عن المهر أن أهل الجاهلية لم يكونوا على عرف واحد بالنسبة إلى حق الانتفاع من المهر، فمنهم من كان يعطيه كله للمرأة، ومنهم من كان يعطيه كله ويزيد عليه إكرامًا لابنته أو من ولي أمرها، ومنهم من كان يأكله كله أو بعضًا منه.
ويظهر من وثيقة معينية أن ملوك معين كانوا يصدرون أوامرهم بالموافقة على عقود الزواج على نحو ما تفعل الحكومات من إصدار وثائق عقود الزواج. ولكننا لا نملك وثيقة تثبت أن المرأة كانت تُكره على الزواج من شخص لا تريد التزوج منه. بل ليظهر أن المرأة كانت مثل الرجل عند المعينيين لها حق النظر في أمر اختيار الزوج٥.
стр. 3344
أنواع الزواج:
والزواج المألوف بين الجاهليين، هو زواج هذا اليوم, أي: الزواج القائم على الخطبة والمهر، وعلى الإيجاب والقبول. وهو ما يسمى بزواج البعولة، وهو زواج منظم، رتَّب الحياة العائلية وعيَّن واجبات الوالدين والبنوة. وهو الذي أقره الإسلام يكون الرجل بموجبه بعلًا للمرأة فهي في حمايته وفي رعايته، وللزوج في هذا الزواج أن يتزوج من النساء ما أحب من غير حصر، وله أن يكتفي بزوج واحدة، وأمر عدد الأزواج راجع إليه وإلى هواه بالنساء.
وزواج البعولة هو الزواج الذي كان شائعًا بين الجاهليين في كل أنحاء جزيرة العرب، خاصة عند ظهور الإسلام، وبين أهل الحضر وأهل الوبر، ويرجع "روبرتسن سمث" W.R. Smith أسباب شيوع هذا الزواج وظهوره إلى الحروب وإلى وقوع النساء في الأسر، ويكون الأولاد بحسب هذا النوع من الزواج تابعين للأب، يلتحقون به، ويأخذون نسبه. وهو على نوعين: نوع يكتفي فيه الرجل بالتزوج بامرأة واحدة وهو ما يسمى بـMonogamy، ونوع آخر يتزوج بموجبه الرجل عددًا غير محدود من النساء، أي: أكثر من زوجة واحدة في آن واحد وهو ما يسمى بـpolygamy، أي: زواج تعدد الزوجات١.
ويحصل الرجل في هذا الزواج على زوجة بالتراضي مع أهلها، حيث يتم ذلك بخطبة ومهر، أو بالحرب حيث يحصل المنتصرون على أسرى فيختار الرجل له واحدة من بينهن متى ولدت له أولادًا صارت زوجًا له. وصار هو بعلًا لها. ويلاحظ أن النصوص العربية الجنوبية دعت الزوج بعلًا. أما الزوجة فدعتها "بعلت" "بعلة"، ومعناها أن المرأة في حيازة الزوج وملكه.
ولذلك عوملت الزوجة بعد وفاة زوجها معاملة "التركة", أي: ما يتركه الإنسان بعد وفاته؛ لأنها كانت في ملك زوجها وفي يمينه. ومن هنا كان للأخ أن يأخذ زوجة أخيه إذا مات ولم يكن له ولد؛ لأن الأخ هو الوارث الشرعي لأخيه، فهو يرث لذلك زوجة أخيه التي هي في بعولته، ويرث ابن الأخ هذا الحق عن أبيه٢.
стр. 3345
نكاح الضيزن:
وهذه النظرة المتقدمة بالنسبة إلى الزوجة، دفعت إلى نكاح أطلق عليه المسلمون "نكاح المقت"، وعرف بـ"نكاح الضيزن" كذلك. وهو نكاح معروف من أنكحة الجاهليين. "وذلك أنهن في الجاهلية كانت إحداهن إذا مات زوجها كان ابنه أو قريبه أولى بها من غيره ومنها بنفسها، إن شاء نكحها، وإن شاء عضلها فمنعها من غيره ولم يزوجها حتى تموت"١. وظل هذا شأنهم إلى أن نزل الوحي بتحريم ذلك٢. وقد تناوب ثلاثة من "بني قيس بن ثعلبة" امرأة أبيهم، فعيّرهم بذلك "أوس بن حجر التميمي"، إذ قال:
والفارسية فيهم غير منكرة ... فكلهم لأبيه ضيزن سلف٣
وهذا الزواج على أنه كان معروفًا وقد مارسه أناس معروفون كان ممقوتًا من الأكثرية، ولذلك عرف بـ"زواج المقت"، وأطلقوا على الرجل الذي يخلف امرأة أبيه إذا طلّقها أو مات عنها وقيل من يزاحم أباه في امرأته "الضيزن". وقالوا للولد الذي يولد من هذا الزواج مقتي ومقيت٤.
وطريقة أهل "يثرب" في إعلان دخول زوجات المتوفى في ملك الابن أو الأخ أو بقية الأقرباء من ذي الرحم إذا لم يكن للمتوفى أبناء أو أخوة، وهو بإلقاء الوارث ثوبه على المرأة، فتكون عندئذ في ملكه، إن شاء تزوجها، وإن شاء عضلها، أي: منعها من الزواج من غيره حتى تموت، فيرث ميراثها، وإلا
стр. 3346
أن تفتدي نفسها منه بفدية ترضيه١.
وقال "الطبري" في تفسير: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ : "كانت الوراثة في أهل يثرب بالمدينة ههنا، فكان الرجل يموت فيرث ابنه امرأة أبيه كما يرث أمه لا يستطيع أن يمنع. فإن أحب أن يتخذها اتخذها كما كان أبوه يتخذها. وإن كره فارقها. وإن كان صغيرًا حبست عليه حتى يكبر فإن شاء أصابها وإن شاء فارقها، فذلك قول الله ﵎: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ٢ وذكر "أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها"، وورد عن "السدي" قوله: "إن الرجل في الجاهلية كان يموت أبوه أو أخوه أو ابنه، فإذا مات وترك امرأته، فإن سبق وارث الميت، فألقى عليها ثوبه، فهو أحق بها أن ينكحها بمهر صاحبه أو ينكحها فيأخذ مهرها، وإن سبقت فذهبت إلى أهلها فهم أحق بنفسها"٣.
وقال "الضحاك": "كانوا بالمدينة إذا مات حميم الرجل وترك امرأة ألقى الرجل عليها ثوبه فورث نكاحها وكان أحق بها، وكان ذلك عندهم نكاحًا، فإن شاء أمسكها حتى تفتدي منه. وكان هذا في الشرك"٤. وروي عن "ابن عباس" أنه قال: "كان الرجل إذا مات وترك جارية، ألقى عليها حميمه ثوبه فمنعها من الناس، فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت قبيحة حبسها حتى تموت فيرثها"٥. فلهذا الظلم الفادح الذي كان ينزل بالمرأة بسبب ضعفها وبسبب عرف الجاهلية في الحق، منع ذلك في الإسلام.
قال "محمد بن حبيب": "وكان الرجل إذا مات، قام أكبر ولده فألقى ثوبه على امرأة أبيه. فورث نكاحها. فإن لم يكن له حاجة فيها، تزوجها بعض إخوته بمهر جديد"٦. ولكن أهل الأخبار لا يذكرون أن الإخوة يدفعون لها مهرًا جديدًا، فقد يكون هذا المهر الجديد الذي أشار "محمد بن حبيب" إليه، هو ترضية للابن الأكبر بسبب تنازله عن حقه الشرعي في امرأة أبيه إلى من له
стр. 3347
رغبة فيها من إخوته الباقين، على ألا يكون من أبنائها بالطبع، وإنما هم من زوجات أخرى، وقد فرّق الإسلام بين رجال ونساء آبائهم، وهم كثير"١.
وذكر أن آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ ، نزلت في "كبيشة بنت معن بن عاصم" من الأوس، توفي عنها "أبو قيس بن الأسلت"، فجنح عليها ابنه، فجاءت النبي، فقالت: يا نبي الله لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح فنزلت هذه الآية في منع ذلك٢. وحرم هذا الزواج في الإسلام، ومن تزوج امرأة أبيه وهو مسلم قتل وأدخل ماله في بيت المال٣.
وقد كان العبرانيون يتزوجون زوجات آبائهم كذلك، استمروا على ذلك حتى بعد السبي. كذلك عرفت هذه العادة بين الرومان والسريان٤.
стр. 3348
نكاح المتعة:
وأشار أهل الأخبار إلى وجود أنواع أخرى من الزواج، الغالب عليها سقوط الصداق والخطبة منها، وهي: نكاح المتعة، وهو نكاح إلى أجل، فإذا انقضى وقعت الفرقة. وقد كان هذا النوع من الزواج معروفًا عند ظهور الإسلام. وقد أشير إليه في القرآن الكريم: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ١.
стр. 3349
وللفقهاء آراء في المتعة، ولا تزال معروفة في بعض المذاهب١.
ومن دوافع حدوث هذا الزواج التنقل والأسفار والحروب، حيث يضطر المرء إلى الاقتران بامرأة لأجل معين على صداق. فإذا انتهى الأجل، انفسخ العقد. وعلى المرأة أن تعتدّ كما في أنواع الزواج الأخرى قبل أن يسمح لها بالاقتران بزوج آخر. فهو كزواج البعولة. فيما سوى الاتفاق على أجل معين يحدد مدة الزواج.
وينسب أولاد المتعة إلى أمهاتهم في الغالب، وذلك بسبب اتصالهم المباشر بالأم ولارتحال الأب عن الأم في الغالب إلى أماكن أخرى قد تكون نائية، فتنقطع الصلات بين الأب والأم ولهذا يأخذ الأولاد نسب الأم ونسب عشيرتها.
стр. 3350
نكاح البدل:
ونكاح البدل: وهو أن يقول الرجل للرجل: "انزل لي عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي"٢. فهو زواج بطريق المبادلة بغير مهر.
стр. 3351
نكاح الشغار:
ونكاح الشغار: وهو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ليس بينهما صداق. وذلك كأن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك، وأزوجك ابنتي، أو زوجني أختك وأزوجك أختي. وعرفه بعض العلماء على هذا النحو:
стр. 3352
"الشغار، بكسر الشين: نكاح كان في الجاهلية، وهو أن تزوج الرجل امرأة ما كانت على أن يزوجك أخرى بغير مهر١. وخص بعضهم به القرائب، فقال: لا يكون الشغار إلا أن تنكحه وليتك على أن ينكحك وليته"٢. فكان الرجل يقول للرجل: شاغرني، أي: زوجني أختك أو بنتك أو من تلي أمرها حتى أزوجك أختي أو بنتي أو من إلىَّ أمرها ولا يكون بينهما مهر٣. وقد نهى عنه الإسلام٤. وورد "أن أناسًا كان فيهم: يعطي هذا الرجل أخته، ويأخذ أخت الرجل، ولا يأخذون كثير مهر"٥. "وكان ذلك من أولياء النساء، بأن يعطي الرجل أخته الرجل على أن يعطيه الآخر أخته، على أن لا كثير مهر بينهما، فنهوا عن ذلك"٦.
والغالب أنه مثل "البدل" بدون مهر. وهو معروف حتى اليوم مع ورود النهي عنه، ولا سيما بين الطبقات الفقيرة والأعراب، وللوضع الاقتصادي والاجتماعي دخل كبير في هذا الزواج، لعدم وجود المهر فيه، إذ حل التقايض فيه محل المهر. ولهذا لم ينظر إليه نظرة استهجان لوجود هذا التقايض فيه الذي يقوم مقام المهر.
стр. 3353
نكاح الاستبضاع:
وأشار أهل الأخبار إلى نوع غريب من الزواج، سموه "نكاح الاستبضاع". وهو -على ما يزعمون- أن يقول رجل لامرأته إذا طهرت من طمثها: ارسلي
стр. 3354
إلى فلان فاستبضعي منه، لتحملي منه، ويعتزلها زوجها، ولا يمسها أبدًا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه، فإذا حملها أصابها زوجها إذا أحب، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد؛ لأنهم كانوا يطلبون ذلك من أكابرهم ورؤسائهم في الشجاعة أو الكرم أو غير ذلك فكان هذا النكاح الاستبضاع١.
كذلك كان بعض أصحاب الجواري على ما يرويه أصحاب الأخبار أيضًا، يكلفون جواريهم الاتصال برجل معين من أهل الشدة والقوة والنجابة، ليلدن ولدًا منه يكون في يمينه وملكه٢. والغاية من هذا النوع من التكليف الحصول على أولاد أقوياء يقومون بخدمة الرجل المالك، إن شاء استخدمهم في بيته وفي ملكه، وإن شاء باعهم وربح منهم، فهي تجارة كان يمارسها المتاجرون بالرقيق للربح والكسب.
وأما ما أشار إليه أهل الأخبار من وجود زواج دعوه زواج الرهط، وزواج آخر قالوا له: "زواج صَوَاحِبات الرايات"٣. فلا يمكن عدّهما زواجًا بالمعنى المفهوم من الزواج؛ لأنهما في الواقع نوع من أنواع البغاء، وخاصة "زواج صواحبات الرايات". وقد عرفوا الزواج الأول بأنه زواج يجتمع فيه الرهط ما دون العشرة، فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها، وذلك برضاء منها وتواطؤ بينهم وبينها، فإذا حملت ووضعت، أرسلت إليهم فلم يستطيع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها، فتقول لهم: قد عرفتم الذي من أمركم، وقد ولدت، ثم تسمي أحدهم وتقول له: فهو ابنك يا فلان، فيلحق بها ولدها، ولا يستطيع أن يمتنع به الرجل. وقد قيل إن هذا يكون إن كان المولود ذكرًا، وإلا فلا تفعل لما عرف من كراهتهم للبنت وخوفًا من قتلهم للمولودة٤.
ويقال لهذا النوع من الزواج زواج "تعدد الأزواج" Polyandry، في
стр. 3355
الإنكليزية، وذلك لوجود امرأة واحدة فيه وعدد من الرجال تختارهم المرأة، التي تكون زوجة مشتركة بينهم، وهو عكس زواج الـPolygamy، أي: زواج تعدد النساء للرجل الواحد، حيث يتزوج الرجل الواحد بموجبه عددًا من النساء، بعلًا لهن١.
وعَرَّفوا "زواج صَواحِبات الرايات" بأن نكاح يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها، وهي البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علمًا، فمن أرادهن دخل عليهن. فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها، جمعوا لها، ودعوا لهم "القافة"، ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون، فاستلحقه به، ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك٢. وذكر أن تلك الرايات كانت رايات حمرًا. فالنكاحين المتقدمين ليسا في الواقع زواجًا بالعرف الشائع عند غالبية الجاهليين وإنما هو سفاح، وقد عُدّ في القرآن الكريم "زنا"، ولو كان فيه استحقاق الولد بوالد. فليس في هذا الزواج صداق ولا خطبة على عادة العرب، ومن يفعله من الرجال، لم يكن يقصد به زواجًا بمعنى الأزواج وبالدرجة الأولى، وإنما التسلية وتحقيق شهوة بثمن، ولهذا فهما من أبواب الزنا والسفاح.
وقد تعرض "السكري" لموضوع "صواحبات الرايات"، فقال: "ومن سنتهم أنهم كانوا يكسبون بفروج إمائهم. وكان لبعضهم راية منصوبة في أسواق العرب، فيأتيها الناس فيفجرون بها. فأذهب الإسلام ذلك وأسقطه فيما أسقط، ولهن أولاد ونسل كثير معروف"٤.
وممن أشار إلى وجود إباحة تعدد الأزواج للزوج الواحدة في شرائع الجاهليين، "سترابو" ذكر أن الأخوة كانوا يشتركون في كل شيء، في المال وفي الزوج، فللإخوة جميعهم زوج واحدة تكون مشتركة بينهم. ولكن الرئاسة تكون للأخ الأكبر. وإذا أراد أحد الأخوة الاتصال بالزوجة، وضع عصاه على باب الخيمة، لتكون علامة تفهم الآخرين أن أحدهم في داخلها، فلا يدخلها، وهم
стр. 3356
جميعًا يحملون العصي معهم. أما في الليل فتكون الزوجة من نصيب الولد الأكبر. وهم يعاشرون أمهاتهم معاشرة جنسية. وذكر أنهم يعاقبون الزاني عقابًا شديدًا: يعاقبونه بالموت. والزاني في عرفهم هو الشخص الغريب، يعاشر امرأة من أصل غريب عنه١.
وذهب بعض العلماء إلى أن اشتراك الأخوة في زوج واحدة، وهو ما يعبر عنه بـFraternal Polyandry عند علماء الاجتماع، على نحو ما أشار "سترابون" إليه، هو زواج يعدّ مرحلة وسطى بين تعدد الأزواج Polyandry، البدائي الذي لم يكن مقيدًا بقيود وبين الزواج المقيد المعروف، زواج البعولة، وهو اختصاص المرأة بزوج واحد، أي: الزواج الذي أباحته الأديان السماوية. وكان شائعًا بين غالبية الجاهليين القريبين من الإسلام وعند ظهور الإسلام. وليس بمستبعد أن يكون "سترابون" قد قصد بـ"زواج الأخوة" الزواج المعروف بـLe Virate Marriage عند علماء الاجتماع. وهو زواج الأخ زوجة أخيه بعد وفاته، وهو زواج نشأ على رأي علماء الاجتماع من زواج الـPolyandry. وهو معروف عند العرب وعند العبرانيين والحبش وغيرهم٢.
وحينما يتوفى الزوج عند العبرانيين، تاركًا له زوجًا دون ولد، يأخذ الأخ أرملة أخيه، فإذا ولدت له ولدًا عدّ المولود للأخ المتوفى. وللباحثين آراء عن أصل هذا الزواج وفي الأسباب التي أدت إلى وقوعه٤. وهو في رأي "جيمس فريزر" صفحة من صفحات اشتراك الأخوة في زوج واحدة، واشتراك الأخوة في تزوج الأخوات، وهو متمم لما سماه بـSororate٥.
والجمع بين الأختين زوجين لرجل واحد، زواج معروف عند الجاهليين٦. وهذا الزواج هو صورة معكوسة لزواج الأخوة مشتركًا في زوج واحدة، فلم
стр. 3357
يكن هناك رادع قانوني يمنع الرجل من التزوج من الأخوات في زمن واحد ومن الجمع بينهن في صعيد الزوجية، وفي بعولة رجل واحد، وهو في جملة أنواع الزواج الذي نهى عنه الإسلام١.
وتعدد الأزواج للزوجة الواحدة يسبب مشكلة خطيرة في قضية تعيين أبوة الأولاد, إذ يكون من الصعب في أكثر الحالات إثبات ذلك، ولهذا نسبوا إلى الأمهات في الغالب. وهذا ما يعرف بالأمومة. وزواج مثل هذا يكون داخليًّا، أي: في أفراد العشيرة الواحدة، ويعاقب مرتكبه عقابًا صارمًا إذا كان من عشيرة غريبة، إذ يعد ذلك نوعًا من الزنا، ويكون هذا الزواج مؤقتًا في الغالب، ينتهي أجله بارتحال أهل المرأة وانتقالهم من مكان إلى آخر.
وقد أشار "أميانوس مارسيلينوس" Ammianus Marcelinus إلى زواج قال: إنه موجود عند العرب، تزف العروس إلى زوجها ومعها حربة وخيمة، وقال: إنها تستطيع أن تعود إلى بيتها بعد مدة إذا رغبت في ذلك. وقد ذهب "جورج برتن" George Barton إلى أن هذا الزواج الذي يذكره هذا المؤرخ القديم هو نوع من الزواج المتقدم٢.
إن هذا الزواج يجعل المرأة تعيش مع أهلها وبين أبويها وإخوتها ومعها أولادها، ولهذا يكون نسب الأطفال هو نسب الأم، ولهذا صار الخال أقرب إليهم من العم. ومن هنا نرى أن للخال شأنًا كبيرًا بالقياس إلى الأطفال عند الساميين٣.
ويظن بعض علماء الاجتماع المحدثين أنه من الأسباب التي دعت إلى شيوع تعدد الأزواج للزوج الواحدة، هو قلة عدد النساء بالقياس إلى الرجال. وذلك بسبب الوأد٤. ولكن كيف نتمكن من إثبات انتشار عادة الوأد بين جميع العرب وفي كل العهود؟ ثم من الذي يثبت لنا أنه كان من سعة الانتشار بحيث أحدث مشكلة خطيرة في عدد النساء بالقياس إلى الرجال؟ ثم إن هذا النوع من الزواج كان معروفًا عند غير العرب من الأمم، ولا زال معروفًا عند بعض القبائل الإفريقية، وهو في نظرهم نوع من أنواع الزواج، وهم لا يمارسون مع ذلك الوأد!
стр. 3358
وقد نص في الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ١ ونص في الآية: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ٢، وذلك بسبب النسب والصهر والرضاع٢. ونزول الوحي بتحريم الزواج بالمذكورات، يبعث على الظن أن من الجاهليين من كان يتصل اتصالًا جنسيًّا بهن. غير أن من العلماء من يقول إن الجملة "إنشائية، وليس المقصود منها الإخبار عن التحريم في الزمان الماضي"٤، بمعنى أنها ليست حكاية عن تجويز الجاهليين الاقتران بالنساء المذكورات، وتحريم الإسلام له، وإنما الآية تقرير وتوضيح للتحريم والمحرمات على سبيل العدّ والحصر، لا الحكاية والإبطال لأحكام سابقة لظهور الإسلام٥.
وللآيتين شأن خاص بالقياس إلى بحثنا في زواج الجاهليين، ولهذا كان لشرح أسباب نزولهما والعوامل التي دعت إلى نزول الوحي بهما، والغاية من نزول الحكم بالتحريم، شأن كبير عند الباحث في هذا الموضوع، غير أن غالبية المفسرين لم تتعرض للبحث في هذه المسألة، ويا للأسف، وإنما تبسطت في أمور لغوية وفقهية لا تزيل الغموض عن الأسباب التي دعت إلى النص على التحريم، وعن آراء الجاهليين في الزواج بالمذكورات في الآية، إذ إن التحريم يعني وقوع الإباحة عند من حرم ذلك عليهم إلى حين نزول الوحي: ولا سيما أن المفسرين قد ذكروا أمثلة تشير إلى أن بعضهم قد تزوج ممن ورد ذكره في تلك الآية. ثم إن بعضه من النوع المعروف المألوف عند بعض الأمم، وما زال معروفًا حتى
стр. 3359
الآن، وأن بعض ما حرم في الإسلام جائز في ديانات أخرى، ومنها اليهودية والنصرانية، فليس بغريب ولا بمعيب إذا كان موجودًا بعضه عند الجاهليين.
والاتصال الجنسي بين الأولاد والأمهات شيء قليل الوقوع عند البشر١.
ولم تبحه ديانة من الديانات، وهو غير معروف في العرب، ولم يشر إليه أهل الأخبار. أما ما ذكره "سترابون" فلعلّ المراد منه الزواج بزوجات الآباء بعد موتهم، أي: إنه ذكر الأمهات على سبيل التجوز، وهو زواج المقت الذي كان معروفًا في الجاهلية وعند غير الجاهليين، إلى أن نهى عنه الإسلام٢.
وأما زواج الأخوة بالأخوات، فهو معروف وثابت وما زال معروفًا حتى الآن في "سِيام" وفي بورما وسيلان وأوغندا وأماكن أخرى. وقد كان عند الفرس والمصريين٣، وخاصة بين أفراد الأسر المالكة والأشراف. والظاهر أن ذلك لاعتقادهم ضرورة المحافظة على نقاوة الدم وخصائص الأسرة. خاصة وقد كانت عقيدة القدماء أن تلك الطبقات مقدسة مؤلهة، فلا يجوز إهراق دمها في دم أوطأ منه.
وقد ذهب "موركن" "Morgan" وآخرون إلى أن زواج الأخ بأخته، هو الزواج المألوف العام الذي كان شائعًا بين البشر، وأنه المرحلة السابقة للزواج المألوف٤. أما زواج الآباء ببناتهم، فهو معروف ومذكور ولكنه قليل، وقد أشير إلى وجوده عند بعض الشعوب ومنهم المجوس والمصريون، ذكر ذلك اليونان والرومان، وأشار الأخباريون إلى تزوج "حاجب بن زُرارة" ابنته "دختنوس" لمجوسيته، وذكروا أنه أولدها، وأوردوا في ذلك شعرًا وقصصًا. ثم ذكروا أنه ندم بعد ذلك على عمله، وأنه فعل ذلك بتأثير المجوسية التي دان بها، وحاجب بن زرارة هو من تميم، فالمجوسية على زعم أهل الأخبار هي التي أباحت لحاجب الاقتران بابنته٥.
стр. 3360
ودعوى الأخباريين هذه فيها نظر، والشعر المذكور والقصص الذي يورده أهل الأخبار يحتاج إلى إثبات. وقد رأينا كثيرًا منه تعمله معامل الوضع، وقد ثبت وضعه، وليس بمستبعد أن يكون ما ذكره هؤلاء هو من هذا القبيل. وضعه خصوم تميم للطعن فيها، وإلحاق مثلبة بها، ثم رَوَّجه وأشاعه الطالبون لمثالب القبائل من العرب، وقد كانوا يبحثون عن أمثال هذه السقطات، وهم جماعة لهم رأي في الدين وفي السياسة معروف مشهور.
وفي بعض الأخبار أن "دختنوس" كانت ابنة "لقيط بن زرارة التميمي"، وأنها كانت تحت "عمرو بن عدس" سماها أبوها "دختنوس" باسم ابنة كسرى, وأن البيتين اللذين ينسبهما أهل الأخبار إلى "حاجب" ويزعمون أنه قالهما حين نكح ابنته وهما:
يا ليت شعري عنك دختنوس ... إذا أتاها الخبر المرموس
أتسحب الذيلين, أم تميس؟ ... لا بل تميس، إنها عروس
لم يكونا لحاجب، بل كانا من رجز "لقيط" وقد قالهما يوم شعب جبلة عند موته، وجعلت بنو عامر يضربونه، وهو ميت، وقد رووهما على هذه الصورة:
يا ليت شعري اليوم دختنوس ... إذا أتاها الخبر المرموس
أتحلق القرون، أم تميس؟ ... لا بل تميس إنها عروس.
وذكروا أن "دختنوس" أخذت ترثي أباها بأبيات ذكروها. وليس في كل هذه القصة أية إشارة إلى تزوج لقيط بابنته، بل هي تنص على أن زوجها كان "عمرو بن عدس". وأن قصة زواج "حاجب" بابنته قصة مصنوعة.
وقد أشار أهل الأخبار إلى نوع آخر من الزواج قالوا له: "نكاح الخِدْن" وقد أشير إليه في القرآن الكريم ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ ، ومعناها اتخاذ أخلاء في السر، وذلك باتخاذ الرجل
стр. 3361
صديقة له، أو اتخاذ المرأة صديقًا١. ويكون ذلك بالطبع بتراضٍ واتفاق. و"ذات الخدن" هي من اتخذت لها صديقًا واحدًا، وقد نُهي عن اتخاذ الأخدان في جملة ما نُهي عنه في الإسلام٢. وكان الرجل في الجاهلية يتخذ خدنًا لجواريه، ليحدث الجارية ويصاحبها ويؤانسها لكي لا تستوحش، وقد يتصل بها، وقد نُهي عن هذا النوع من المخادنة أيضًا في الإسلام٣.
و"نكاح الخدن" لا يمكن عدّه نكاحًا وإن أطلق أهل الأخبار عليه صفة النكاح؛ لأنه لم يكن بعقد وخطبة، وإنما كان صداقة، وآية ذلك ورود "ولا متخذات أخدان" بعد جملة "غير مسافحات" في القرآن الكريم، والنهي عن الاقتران بصاحبات الأخدان والمسافحات؛ لأنهن غير محصنات. فحكم صاحبة الخدن هو حكم المسافحة في الجاهلية على السواء.
وقد ذكر علماء التفسير أن "أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا ويستحلون ما خفي. يقولون: أما ما ظهر منه فهو لؤم، وأما ما خفي فلا بأس بذلك"٤.
فالزنا عند أهل الجاهلية، الزنا العلني، فهو عيب عندهم، أما اتخاذ الخدن، فلا يعدّ عيبًا؛ لأن المرأة تصادق الرجل، والرجل يصادق المرأة، وقد وقع عن قبول ورضًى، فهو عمل حلال، ولا بأس به٥.
стр. 3362
نكاح الظعينة:
وإذا سبى رجل امرأة، فله أن يتزوجها إن شاء، وليس لها أن تأبى عليه ذلك؛ لأنها في سبائه، وهي في ملك سابيها. ويكون هذا الزواج بغير خطبة ولا مهر؛ لأنها مملوكة وليس لها خيار.
стр. 3363
أمر الجاهلية في نكاح النساء:
وقد لخص "السكري" أمر النكاح في الجاهلية بقوله: "وكان أمر الجاهلية في نكاح النساء على أربع: امرأة تخطب فتزوج. وامرأة يكون لها خليل يختلف إليها، فإن ولدت قالت: هو لفلان، فيتزوجها بعد هذا. وامرأة ذات راية يختلف إليها، فإن جاء اثنان فوافياها في طهر واحد ألزمت الولد واحدًا منهما، فهذه تدعي المقسمة. والرجل يقع على أمة قوم، فيبتاع ولدها فيرغب فيدعيه ويشتريها فيتخذها امرأة"١.
стр. 3364
تعدد الزوجات:
وقد أباح الجاهليون للرجل تعدد الزوجات، والجمع بين أي عدد شاء من الأزواج دون تحديد. أما الاكتفاء بامرأة واحدة أو باثنتين أو أكثر. فذلك أمر خاص يعود إليه. كما أباح التشريع الجاهلي للرجل امتلاك أي عدد يشاء من الإماء. وتكون الأمة ملكًا للرجل؛ لأنه اشتراها بذات يمينه, وهي ملكه ما دامت أمة في ملك سيّدها، فليس لها حقوق الزوجة، ولا تعدّ الأمة زوجة، إلا إذا أعتقها مالك رقبتها وتزوجها، فعندئذ تكون له زوجة له بمحض قرار الرجل وإرادته.
وقد روى علماء التفسير: "أن قريشًا كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل"١. ورووا أن "الرجل في الجاهلية يتزوج العشرة فما دون ذلك"٢، وأنهم "كانوا في الجاهلية ينكحون عشرًا من النساء الأيامى"٣، وأنهم "كانوا في جاهليتهم لا يرزءون من مال اليتيم شيئًا. وهم ينكحون عشرًا من النساء، وينكحون نساء آبائهم"٤، ولم يكونوا يعدلون بين نسائهم، بل يفضلون بعضًا على بعض، فجاء النهي عن ذلك في القرآن٥.
стр. 3365
وكان مما حدده الإسلام من مبدأ تعدد الزوجات، أن قيد العدد بأربع، وهو تبديل لسنة الجاهليين. فلما نزل الأمر بالتحديد، اضطر من كان قد تزوج بأكثر منه على تطليق الزائد والاكتفاء بالحد القانوني الذي أقره الإسلام وهو أربعة. روي أن "غيلان بن سلمة الثقفي"، كان قد تزوج في الجاهلية بعشر نساء، فلما أسلم، أمره رسول الله بتطليق الزائد وبالتقيد بما جاء في حكم القرآن١. وقد أمر الرسول "الحارث بن قيس" أن يختار من نسائه أربعًا، ويطلق بقيتهن، وكانت عنده ثماني نسوة٢. وكان "مسعود بن معتب" و"معتب بن عمرو بن عمير", و"عروة بن مسعود"، و"سفيان بن عبد الله", و"أبو عقيل مسعود بن عامر بن معتب". وكلهم من ثقيف، وقد تزوجوا عشر نسوة، فنزل غيلان وسفيان وأبو عقيل للإسلام عن ستٍّ ستٍّ، وأمسكوا أربعًا أربعًا. ومات عروة مسلمًا، ولم يكن أمر بالنزول عن نسائه٣.