← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

صديقة له، أو اتخاذ المرأة صديقًا١. ويكون ذلك بالطبع بتراضٍ واتفاق. و"ذات الخدن" هي من اتخذت لها صديقًا واحدًا، وقد نُهي عن اتخاذ الأخدان في جملة ما نُهي عنه في الإسلام٢. وكان الرجل في الجاهلية يتخذ خدنًا لجواريه، ليحدث الجارية ويصاحبها ويؤانسها لكي لا تستوحش، وقد يتصل بها، وقد نُهي عن هذا النوع من المخادنة أيضًا في الإسلام٣. و"نكاح الخدن" لا يمكن عدّه نكاحًا وإن أطلق أهل الأخبار عليه صفة النكاح؛ لأنه لم يكن بعقد وخطبة، وإنما كان صداقة، وآية ذلك ورود "ولا متخذات أخدان" بعد جملة "غير مسافحات" في القرآن الكريم، والنهي عن الاقتران بصاحبات الأخدان والمسافحات؛ لأنهن غير محصنات. فحكم صاحبة الخدن هو حكم المسافحة في الجاهلية على السواء. وقد ذكر علماء التفسير أن "أهل الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا ويستحلون ما خفي. يقولون: أما ما ظهر منه فهو لؤم، وأما ما خفي فلا بأس بذلك"٤. فالزنا عند أهل الجاهلية، الزنا العلني، فهو عيب عندهم، أما اتخاذ الخدن، فلا يعدّ عيبًا؛ لأن المرأة تصادق الرجل، والرجل يصادق المرأة، وقد وقع عن قبول ورضًى، فهو عمل حلال، ولا بأس به٥.

стр. 3362

نكاح الظعينة: وإذا سبى رجل امرأة، فله أن يتزوجها إن شاء، وليس لها أن تأبى عليه ذلك؛ لأنها في سبائه، وهي في ملك سابيها. ويكون هذا الزواج بغير خطبة ولا مهر؛ لأنها مملوكة وليس لها خيار.

стр. 3363

أمر الجاهلية في نكاح النساء: وقد لخص "السكري" أمر النكاح في الجاهلية بقوله: "وكان أمر الجاهلية في نكاح النساء على أربع: امرأة تخطب فتزوج. وامرأة يكون لها خليل يختلف إليها، فإن ولدت قالت: هو لفلان، فيتزوجها بعد هذا. وامرأة ذات راية يختلف إليها، فإن جاء اثنان فوافياها في طهر واحد ألزمت الولد واحدًا منهما، فهذه تدعي المقسمة. والرجل يقع على أمة قوم، فيبتاع ولدها فيرغب فيدعيه ويشتريها فيتخذها امرأة"١.

стр. 3364

تعدد الزوجات: وقد أباح الجاهليون للرجل تعدد الزوجات، والجمع بين أي عدد شاء من الأزواج دون تحديد. أما الاكتفاء بامرأة واحدة أو باثنتين أو أكثر. فذلك أمر خاص يعود إليه. كما أباح التشريع الجاهلي للرجل امتلاك أي عدد يشاء من الإماء. وتكون الأمة ملكًا للرجل؛ لأنه اشتراها بذات يمينه, وهي ملكه ما دامت أمة في ملك سيّدها، فليس لها حقوق الزوجة، ولا تعدّ الأمة زوجة، إلا إذا أعتقها مالك رقبتها وتزوجها، فعندئذ تكون له زوجة له بمحض قرار الرجل وإرادته. وقد روى علماء التفسير: "أن قريشًا كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل"١. ورووا أن "الرجل في الجاهلية يتزوج العشرة فما دون ذلك"٢، وأنهم "كانوا في الجاهلية ينكحون عشرًا من النساء الأيامى"٣، وأنهم "كانوا في جاهليتهم لا يرزءون من مال اليتيم شيئًا. وهم ينكحون عشرًا من النساء، وينكحون نساء آبائهم"٤، ولم يكونوا يعدلون بين نسائهم، بل يفضلون بعضًا على بعض، فجاء النهي عن ذلك في القرآن٥.

стр. 3365

وكان مما حدده الإسلام من مبدأ تعدد الزوجات، أن قيد العدد بأربع، وهو تبديل لسنة الجاهليين. فلما نزل الأمر بالتحديد، اضطر من كان قد تزوج بأكثر منه على تطليق الزائد والاكتفاء بالحد القانوني الذي أقره الإسلام وهو أربعة. روي أن "غيلان بن سلمة الثقفي"، كان قد تزوج في الجاهلية بعشر نساء، فلما أسلم، أمره رسول الله بتطليق الزائد وبالتقيد بما جاء في حكم القرآن١. وقد أمر الرسول "الحارث بن قيس" أن يختار من نسائه أربعًا، ويطلق بقيتهن، وكانت عنده ثماني نسوة٢. وكان "مسعود بن معتب" و"معتب بن عمرو بن عمير", و"عروة بن مسعود"، و"سفيان بن عبد الله", و"أبو عقيل مسعود بن عامر بن معتب". وكلهم من ثقيف، وقد تزوجوا عشر نسوة، فنزل غيلان وسفيان وأبو عقيل للإسلام عن ستٍّ ستٍّ، وأمسكوا أربعًا أربعًا. ومات عروة مسلمًا، ولم يكن أمر بالنزول عن نسائه٣.

стр. 3366

الطلاق: وكما كان الزواج. كذلك كان الطلاق عند الجاهليين، ولا بد أن تكون له قواعد وعرف وأسباب. وقد ذكر أن عادة أهل الجاهلية أن يقول الرجل لزوجته إذا طلقها "حبلك على غاربك", أي: خليت سبيلك، فاذهبي حيث شئت١، ويقول: "أنتِ مُخلَّى كهذا البعير"٢، و"الحقي بأهلك", و"اذهبي فلا أنده سربك"، و"اخترت الظباء على البقر"٣، و"فارقتك"، أو "سرحتك"، أو الخلية، أو البرية، وما شاكل ذلك من عبارات٤. ومصطلحات الطلاق هذه مصطلحات نابعة من صميم محيط جزيرة العرب، آثار

стр. 3367

البداوة عليها واضحة جلية، والروح الأعرابية ظاهرة فيها بارزة، وما الأمثلة المتقدمة إلا نماذج من تلك المصطلحات. وورد أن الجاهليين كانوا يقولون للمرأة: أنت خلية، كناية عن الطلاق، فكانت تطلق منه، وكانوا يقولون: أنتِ برية أنت خلية، فتطلق بها المرأة١. والطلاق من المصطلحات الجاهلية القديمة، وهو يعني عندهم تنازل الرجل من كل حقوقه التي كانت على زوجه ومفارقته لها٢. والطلاق الشائع بين أهل مكة عند ظهور الإسلام، هو طلاق المرأة ثلاثًا على التفرقة: وينسب أهل الأخبار سَنَّةُ إلى إسماعيل بن إبراهيم، فكان أحدهم يطلق زوجته واحدة، وهو أحق الناس بها، ثم يعود إليها إن شاء، ثم يطلقها ثانية، وله أن يعود إليها إن رغب، حتى إذا استوفى الثلاث انقطع السبيل عنها، فتصبح طالقة طلاقًا بائنًا٣, ومعنى هذا عدم إمكان الرجوع إلى الزوجة بعد وقوع الطلاق الثالث مهما أوجد المطلق له من أعذار٤. ويذكر أهل الأخبار قصة وقعت للأعشى حينما أتاه قوم زوجه وطلبوا منه تطليقها، ولم يقبلوا منه طلاقها إلا بعد ثلاث تطليقات، أعادها ثلاث مرات. فعد طلاقه لها طلاقًا بائنًا٥. ويظهر أن الجاهليين كانوا قد أوجدوا حلًّا لهذا الطلاق الشاذ، فأباحوا للزوج

стр. 3368

أن يرجع زوجه إليه بعد الطلاق الثالث، ولكن بشرط أن تتزوج بعد وقوع الطلاق الثالث من رجل غريب، على أن يطلقها بعد اقترانها به، وعندئذ يجوز للزوج الأول أن يعود إليها بزوج جديد. ولذلك عرف الطلاق البائن: أنه الذي لا يملك الزوج فيه استرجاع المرأة إلا بعقد جديد. وقد ذكر في كتب الحديث ويقال في الإسلام للرجل الذي يتزوج المطلقة بهذا الطلاق ليحلها لزوجها القديم: "المحلل" ويقال لفاعله: "التيس المستعار" و"المجحش". وهو حل مذموم عند الجاهليين ومحرم في الإسلام١. لم يعمل به إلا بعض الجهلاء من الناس، ممن ليست لهم سيطرة على أنفسهم، بل يعملون أعمالًا ثم يندمون على ما فعلوه. وهناك نوع آخر من الطلاق يسميه أهل الأخبار بـ"الظهار". ذكروا أنه إنما دعي ظهارًا من تشبيه الرجل زوجته أو ما يعبر به عنها أو جزء شائع بمحرم عليه تأييدًا، كأن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي أو كبطنها، أو كفخذها أو كفرجها، أو كظهر أختي أو عمتي، وما شابه ذلك٢، فيقع بذلك الظهار. وقد أشير إليه في القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ ٣. وهو طلاق يظهر أنه كان شائعًا فاشيًا بين الجاهليين، سبب انتشاره التسرع، والتهور، وعدم ضبط النفس، والانفعالات العاطفية.

стр. 3369

وكان الظهار من أشد طلاق أهل الجاهلية، وكان في غاية التحريم عندهم١. فكان الرجل إذا ظاهر امرأته، بأن قال لها: أنت عليّ كظهر أمي، حرمت عليه، وصارت طالقًا، فلما كان الإسلام، ظاهر "أوس بن الصامت" أخو عبادة بن الصامت امرأته "خولة بنت ثعلبة بن مالك"، فنزل الأمر بجعل كفّارة فيه، ولم يجعله طلاقًا، كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم٢. فإن تخاصموا مع نسائهم أو مع أقربائها، أقسموا يمين الظهار٣. وقد كان هذا اليمين من أيمان أهل الجاهلية خاصة٤. ولهذا الطلاق باب في كتب الحديث والفقه في أحكام الطلاق، وقد نهى عنه الإسلام وأوجب الكفّارة على من ظاهر من امرأته٥. وأشار أهل الأخبار إلى نوع آخر من أنواع الطلاق ذكروا أنه كان من طلاق أهل الجاهلية سمّوه "الإيلاء"، وهو القسم على ترك المرأة مدة، مثل شهور أو سنة أو سنتين، أو أكثر، لا يقترب في خلالها منها، وقد أشير إليه في رواية تنسب إلى ابن عباس٦. وفي كتب الحديث وكتب الفقه باب خاص في هذا الطلاق٧. وقد منع

стр. 3370

الإسلام التربُّص مدة تزيد على أربعة أشهر١. وقد جعله طلاقًا مؤجلًا٢. والطلاق حق من حقوق الرجل، يستعمله متى شاء. أما الزوجة، فليس لها حق الطلاق، ولكنها تستطيع خلع نفسها من زوجها بالاتفاق معه على ترضية تقدمها إليه، كأن يتفاوض أهلها أو ولي أمرها أو من توسطه للتفاوض مع الزوج في تطليقها منه في مقابل مال أو جُعْل يقدم إليه. فإذا وافق عليه وطلقها، يقال عندئذ لهذا النوع من الطلاق: "الخلع". وقد ذكر أهل الأخبار أن أول خلع كان هو خلع عامر بن الظرب، وذلك أنه زوّج ابنته من ابن أخيه عامر بن الحارث بن الظرب، فلما دخلت عليه، نفرت منه٣. فالخلع إذن، هو طلاق يقع بدفع مالٍ، تدفعه المرأة أو أقرباؤها للرجل في مقابل تخلية سبيلها وافتداء نفسها به٤. ويدخل في هذا الباب ما تدفعه زوج الأب المتوفى إلى ابنه الذي يتزوجها بعد وفاة أبيه من مال مقابل فراقه لها، وتطليقه إياها٥. وكان من الجاهليين من يطلق زوجته، ويفارقها، غير أنه لم يكن يسمح لها بالتزوج من غيره حمية وغيرة، ويهددها ويهدد أهلها إن حاولت الزواج، أو يرضي أهلها وأولياءها بالمال. فلا يجيزوا لها الزواج وقد نهى عن ذلك الإسلام٦. وقد يهمل الرجل زوجته، فلا يراجعها ولا يطلقها. ويظل مفارقًا لها، إلى أن ترضيه بدفع شيء له، فيسمح لها عندئذ بالطلاق وبالزواج من غيره, ويقال لذلك "العَضْل". و"كان العضل في قريش بمكة، ينكح الرجل المرأة الشريفة فلعلّها لا توافقه فيفارقها، على أن لا تتزوج إلا بإذنه فيأتي بالشهود، فيكتب ذلك عليها، ويشهد، فإذا خَطَبها خاطب فإن أعطته وأرضته أذن لها، وإلا

стр. 3371

عضلها"١. وقد حرم العضل في جملة ما حرم من أحكام الجاهليين في الإسلام٢. ومن العضل الذي هو منع المرأة من الزواج، أنهم كانوا في الجاهلية إذا مات زوج إحداهن، كان ابنه أو قريبه أولى بها من غيره. ومنها بنفسه. إن شاء نكحها وإن شاء عضلها. فمنعها من غيره ولم يزوجها حتى تموت٣. و"الحميم" الذي كان يرث الرجل إذا كان في الجاهلية، هو الصديق والقريب٤، والقريب المشفق الذي يهتم لأمر حميمه٥. ولم يذكر العلماء كيف كان يرث الحميم حميمه، هل كان ذلك عن وصية، أو عن عدم وجود قريب نسب، أو أنه حق من حقوق أهل الجاهلية فرضوها بالنسبة إلى الحميم؟ وكان الرجل من أهل الجاهلية يطلق الثلاث والعشر وأكثر من ذلك، ثم يراجع ما كانت في العدة. لا حدّ في ذلك، فتكون امرأته. ذكر أن رجلًا من الأنصار غضب "على امرأته، فقال لها: لا أقربك ولا تحلّين مني، قالت: كيف؟ قال: أطلقك حتى إذا دنا أجلك راجعتك، ثم أطلقك، فإذا دنا راجعتك". "وطلق رجل امرأته حتى إذا كادت أن تحلّ ارتجعها، ثم استأنف بها طلاقًا بعد ذلك ليضارها بتركها, حتى إذا كان قبل انقضاء عدتها راجعها، وصنع ذلك مرارًا. فلما علم الله ذلك منه، جعل الطلاق ثلاثًا. مرتين، ثم بعد المرتين إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان" وذكر "كان الطلاق قبل أن يجعل الله الطلاق ثلاثًا، ليس له أمد. يطلق الرجل امرأته مائة، ثم إن أراد أن يراجعها قبل أن تحل كان ذلك له"٦. وقد حرم الإسلام هذا الضرر، في الآية: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ٧. والطلاق هو بأيدي الرجال، كما سبق أن ذكرت، بيدهم حلّه وعقده،

стр. 3372

أما النساء فلهن العدة، ولذلك كان بعض النسوة يشترطن على أزواجهن أن يكون أمرهن بأيديهن، إن شئن أقمن، وإن شئن تركن معاشرتهم وأوقعن الطلاق، وذلك لشرفهن وقدرهن. ومن هؤلاء النسوة: سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش الخزرجية، وفاطمة بنت الخرشب الأنمارية، وأم خارجة صاحبة المثل: أسرع من نكاح أم خارجة، ومارية بنت الجعيد، وعاتكة بنت مرّة، والسوا بنت الأعبس. وقد عرفن بكثرة ما أنجبن من ذرية في العرب، وقد تزوجن جملة رجال١. وطريقة طلاق المرأة للرجل في الجاهلية، طريقة طريفة لا كلام فيها ولا خطاب. "كان طلاقهن أنهن إن كن في بيت من شعر حوَّلن الخباء، إن كان بابه قبل المشرق حولنه قبل المغرب. وإن كان قبل اليمن حولنه قبل الشأم، فإذا رأى ذلك الرجل علم أنها قد طلقته، فلم يأتها"٢. وهذه الطريقة هي طريقة أهل الوبر في الطلاق. ومتى طلقت المرأة زوجها. تركت داره والحي الذي يسكنه، لتعود إلى بيتها والحي الذي تنتمي إليه. ولما كان الطلاق بيد الرجل في الغالب، لذلك كان أهل الزوجة يكرهون زوجها أحيانًا على تطليقها، إذا أرادوا تطليقها منه، بتخويفه أو بضربه أو بما شاكل ذلك من طرق حتى يرضخ لأمرهم، ويعدّ ذلك طلاقًا مشروعًا عندهم، وإن كان قد وقع كرهًا ومن غير رضى الزوج، وعدّ طلاق الغاضب والسكران والهازل طلاقًا عند بعض الجاهليين لصدور صيغة الطلاق من الرجل وتفوهه به. هذا وللظروف الاجتماعية والاقتصادية التي كانت سائدة في ذلك الوقت دخل كبير في الطلاق. فالطلاق كان سهلًا على ما يظهر، وكان عقوبة أحيانًا يوقعها الرجل بامرأته لمسائل بسيطة تافهة، انتقامًا منها أو من ذوي قرابتها لأسباب لا علاقة لها بالزوجية وبالحياة العائلية في أكثر الأحيان، كما أن الفقر والجهل كان عاملين مهمين في وقوع الطلاق. وإلا فما ذنب امرأة تطلق مثلًا؛ لأنها منجبة للبنات، لا تلد إلا البنات؛ أو لأنها تلد البنات أكثر من الأولاد، وطالما يكون الطلاق من عصبية وهياج ومن سلطان غضب، وحين يهدأ روع المرء يندم على ما فرط منه، ولذلك شدد الإسلام فيه مع إباحته له لضرورته بأن جعله أبغض الحلال إلى الله.

стр. 3373

الرجعة: وإذا طلق فلان فلانة طلاقًا يملك فيه الرجعة، يقال: ارتجع المرأة وراجعها مراجعة ورِجاعًا: رجعها إلى نفسه بعد الطلاق. والاسم: الرجعة١.

стр. 3374

الحيض: وقد كان "أهل الجاهلية لا تساكنهم حائض في بيت ولا تؤاكلهم في إناء"، "وكانوا في أيام حيضهن يجتنبون إتيانهن في مخرج الدم، ويأتونهن في أدبارهن" وكانوا يتجنبون أن تصبغ المرأة رأس زوجها، أو أن تؤاكله طعامه، أو أن تضاجعه في فراشه، ولا يسمح للحائض بدخول الكعبة أو بالطواف بها أو بمس الأصنام؛ لأنها غير طاهره١. بل كان منهم من يعتزل زوجه في بيته، فلا يقترب أو يدنو منها٢. فهم في ذلك على أمر شديد، وذكر بعض علماء التفسير "أن العرب في المدينة وما والاها كانوا قد استنوا بسنة بني إسرائيل في تجنب الحائض ومساكنتها"٣. فلما سألوا الرسول عن الحيض أنزل الله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ٤. "فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه"٥. ونلاحظ وجود بعض التناقض في روايات أهل الأخبار في موضوع الحيض،

стр. 3375

واقتراب الرجل من المحيضة. فبينما هم يذكرون أن الرجل كان لا يؤاكل زوجته ولا يقترب منها، ولا يسمح لها أن تصبغ رأسه أو أن تضاجعه، نراهم يذكرون أنهم كانوا يجتنبون إتيانهن في مخرج الدم، ويأتونهن في أدبارهن. وهذا ما يتفق مع ذلك التشدد المنسوب إليهم، إلا أن يكونوا قد قصدوا به قومًا آخرين غير أهل يثرب, كأهل مكة، فنقول عندئذ: إنهم لم يكونوا على تشدد أهل المدينة في موضوع الحيض، وإنما امتنعوا فيه من إتيان أزواجهم من حيث أمر الله إلى إتيانهن في أدبارهن لعلة الدم. أما بالنسبة إلى بقية العرب, ولا سيما الأعراب، فنحن لا نستطيع أن نتحدث عن ذلك بشيء لعدم وجود موارد لدينا فيها أي شيء عنده.

стр. 3376

العدة: وعلى المرأة في الإسلام اتخاذ "العدة" عند طلاقها وعند موت زوجها، والغاية من ذلك المحافظة على النسب، وعلى الدماء كراهة أن تختلط بالزواج العاجل بعد الطلاق أو الموت، فوضعوا لذلك مدة لا يسمح فيها للمرأة خلالها بالزواج تسمى "العدة"١. "وعدة المرأة أيام قروئها، وعدتها أيضًا أيام إحدادها على بعلها, وإمساكها عن الزينة شهورًا كان أو اقراء أو وضع حمل حملته من زوجها"٢. وقد ذكر في الحديث أن المطلقة لم تكن لها عدة، فأنزل الله تعالى العدة، للطلاق والمتوفى زوجها، أي: إن عدة المطلقة لم تكن معروفة في الجاهلية، وإنما فرضت في الإسلام٣. فكانت المرأة المطلقة تتزوج في الجاهلية دون مراعاة للعدة. وإذا كانت حاملًا، عد حملها مولودًا من زوجها الجديد. ويكون الزوج عندئذ والدًا شرعيًّا لذلك المولود، وإن كانت الأم تعرف أن حملها هو من بعلها الأول٤. "وقد ولد منهن عدة على فرش أزواجهن من أزواجهن الأولين. فمن أولئك، أن سعد بن زيد مناة بن تميم، تزوج الناقمية وهي حامل من معاوية بن بكر

стр. 3377

ابن هوازن، فولدت على فراش سعد، صعصعة. فلما مات سعد، منعه بنوه ميراثه، فلحق بأصله". "ومنهم ربيعة بن عاصم بن جزء بن عبد الله بن عامر بن عوف بن عقيل. كانت أمه من جُعْفى، فكانت تحت "الفُغار" الجفعي، وهو هُبيرة بن النعمان، فطلقها وهي حامل بربيعة. فتزوجها عاصم. فولدت بعد ثلاثة أشهر على فراشه. فخاصمه فيه الفغار إلى عمر بن الخطاب، ﵀، فقضي بربيعة للفغار، بقول أمه: إنه من جُعْفى، وقضى فيه على أنه للعقيلي؛ لأنه ولد على فراشه"، "ومنهم محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة، وكان عمير سبى أم محمد هذا في أول الإسلام، وهي حامل من مالك بن عوف النصري، فولدت محمدًا على فراش عمير، فلحق به". وقد تعرّض "السكري" لهذا الموضوع، فقال: "وهذا في قريش والعرب كثير. ولو أردنا استقصاءه لكثر"١. وأما "عدة" المتوفى عنها زوجها عند الجاهليين، فهي مدة حدادها حولًا كاملًا. وقد أبطلها الإسلام. إذ جعل العدة للطلاق والوفاة، كما نص عليها في كتب الفقه. وقد ذكر أن المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشًا ولبست شرّ ثيابها ولم تمس طيبًا حتى تمرّ بها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو طائر فتفتض به، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره. وذكر أن المعتدة كانت لا تمس ماء ولا تقلم ظفرًا ولا تزيل شعرًا، ولا تستعمل طيبًا، ولا كحلًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر٢. وكانت إذا رمدت، أو اشتكت عينها، فلا يجوز لها أن تكتحل أو أن تعالجها٣. وفي ذلك يقول لَبِيد: وهُمُ ربيع للمجاور فيهمُ ... والمرملات إذا تطاول عامها٤ وإذا طلقت المرأة وهي عالقة من زوجها، وتزوجها زوج آخر، فولدت له مولودًا في وقت لا يمكن أن يعدّ المولود فيه من زوجها الثاني، عدّ المولود ولدًا للزوج الجديد. أما الإسلام، فقد اعتبره ولدًا للزوج المطلق٥.

стр. 3378

النفقة: ويظهر من كتب الحديث أن الجاهليين لم يكونوا يؤدون نفقة للمطلقة، ولم يكونوا يجعلون شيئًا لها للسكن ولا للنفقة في الطلاق البائن١.

стр. 3379

النسب: وينسب الولد في العرف الجاهلي إلى الأب. وعرفهم في ذلك "الولد للفراش" وهو يرث والده. ولهذا ألحق أولاد الزنا بآبائهم، فنسبوا إليهم. أما إذا كثر أزواج المرأة، فيلحق المولود بالوالد حسب قول المرأة أو حسب الشبه إن وقع خلاف في ذلك١. والاستلحاق معروف في الجاهلية، وهو أن يعترف رجل بأبوته الحقيقية لولد، ويدعيه ابنًا له، فيلحق هذا الابن به. ورد في الحديث: "أن النبي- ﷺ قضى أن كل مستلحق استلحق بعد أبيه الذي يدعى له، فقد لحق بمن استلحقه"، "وذلك أنه كان لأهل الجاهلية إما بغايا، وكان سادتهن يلمون بهن، فإذا جاءت إحداهن بولد ربما ادعاه السيد والزاني، فألحقه النبي ﷺ بالسيد؛ لأن الأمة فراش كالحرة، فإن مات السيد ولم يستلحقه ثم استلحقه ورثته بعده، لحق بأبيه، وفي ميراثه خلاف"٢.

стр. 3380

وإذا استلحق الرجل ولد أمته به، صار ولده؛ لأن سادات الإماء كانوا يتصلون بإمائهم في الجاهلية من غير عقد زواج، باعتبار أن الأمة ملك مالكها وسيدها، فله حق إلحاق أنبائها به إن شاء.

стр. 3381

التبني: وقد اعترفت شريعة الجاهليين بـ"التبني"، فيجوز لأي شخص كان أن يتبنى، ويكون للمُتبنى الحقوق الطبيعية الموروثة المعترف بها للأبناء. ويكون بهذا التبني فردًا في العائلة التي تبنته، له حق الانتماء والانتساب إليها. وهو يتم بالاتفاق والتراضي مع والد الطفل أو ولي أمره أو صاحبه، ومالكه، وذلك بالنزول عن كل حق له فيه، ومتى تمّ ذلك وحصل التراضي، يعلن المتبني عن تبنيه للطفل وإلحاقه به، فيكون عندئذ في منزلة ولده الصحيح في كل الحقوق. والعادة إشهاد جماعة من الناس على التبني حتى لا يحدث نزاع على المتبنى فيما بعد. ولم يرد في روايات أهل الأخبار ذكر عدد الشهود الواجب إشهادهم على صحة التبني. فقد كانوا يعلنون عنه في الأماكن العامة وفي المناسبات وفي بيوتهم الخاصة كما ذكرت. والتبني معروف عند جميع الأمم. وقد وضعت شرائعهم له قواعد وقوانين كي تحفظ حقوق أصحاب المولود وحقوق المتبني وحقوق المتُبنى، فلا يضيع حق من حقوق هؤلاء. وقع التبني مع وجود أولاد للمتبني، وليست له حدود من جهة العمر.

стр. 3382

الزنا: والخيانة الزوجية تستوجب عقوبة صارمة؛ لأنها زنا، وعقوبتها الموت عند العرب، كما أشار إلى ذلك "سترابون" في أثناء كلامه على العرب. والزاني هو من يتصل بامرأة محصنة غريبة عنه. وقد كان العبرانيون يعاقبون الزاني والزانية بالرجم بالحجارة حتى الموت١. وهما يعاقبان هذه العقوبة في الإسلام، ولا أستبعد.

стр. 3383

أن تكون هذه العقوبة عقوبة جاهلية، أقرها الإسلام في جملة ما أقر من أحكام كان يسير عليها الجاهليون. وقد كان الزنا معروفًا في الجاهلية يفعله الرجال علنًا، إذ لم يكن هذا النوع من الزنا محرمًا عندهم. وإذا ولد مولود من الزنا وألحقه الزاني بنفسه، عدّ ابنًا شرعيًّا له، له الحقوق التي تكون للأبناء من الزواج المعقود بعقد، ولا يعد الزنا نقصًا بالنسبة للرجل ولا يعاب عليه؛ لأن الرجل رجل، ومن حق الرجال الاتصال بالنساء، وقد كانوا يفتخرون به. وذكر أن أول من حكم أن الولد للفراش في الجاهلية أكثم بن صيفي حكيم العرب، ثم جاء الإسلام بتقريره. فقد ورد في الحديث: "الولد للفراش وللعاهر الحجر"١. ويذكر أهل الأخبار أن الرجم لم يكن معروفًا بين الجاهليين، وأن أول من رجم "ربيع بن حدان" ثم جاء الإسلام بتقريره في المحصن٢. ولا يوجد لدينا رأي واضح عن قذف الرجل زوجته واتهامه إياها بالزنا. أما في الإسلام فقد شرع "الملاعنة" والإمام يلاعن بينهما، ويبدأ بالرجل، ثم يثني بالمرأة. فإذا تمّ التلاعن بانت منه ولم تحل له أبدًا، وإن كانت حاملًا فجاءت بولد، فهو ولدها ولا يلحق بالزوج٣. والزنا الذي يعاقب عليه الجاهليون، هو زنا المرأة المحصنة من رجل غريب بغير علم زوجها، وهو خيانة وغدر. أما زنا الإماء. فلا يعدّ عيبًا إذا كان بعلم مالكهن وبأمره. وقد مر الكلام عليه في مواضع من هذا الفصل، كما مرّ الكلام على بنوة المولود من الزنا. لذلك عيّرت المرأة الحرة المحصنة، إن زنت ومست به. وورد في كتب الحديث والسير، أن "طفيل بن عمرو بن طريف" الدوسي: لما جاء إلى رسول الله ﷺ وأسلم، قال: "إن دوسًا غلب عليها الزنا والربا،

стр. 3384

فادع الله عليهم. فقال: اللهم اهد دوسًا" ١. أما الرجل، فلا يلحقه أذًى إن زنى بامرأة، بل كان كما قلت يفتخر باتصاله بالنساء، ويعد ذلك من الرجولة. وليس لامرأته ملاحقته شرعًا على زناه. وقد يلحقه أذًى من ذوي امرأة محصنة إن زنى بها، انتقامًا منه، لهدره شرفهم وإلحاقه الضرر بهم.

стр. 3385

كسب الزانية: يعود كسب الزانية إلى مولاها ومن يملك رقبتها؛ لأنها مملوكة، والمملوك وما يملك ملك سيده. وكانوا يكرهون إمائهم -كما ذكرت- على البغاء، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ١ والعرض هو كسب البغي، فحرم ذلك في الإسلام٢. وكان المالك يفرض على الأمة ضريبة تؤديها بالزنا. وقيل: لا تكون المساعاة إلا في الإماء. وقد أبطل الإسلام ذلك، ولم يلحق النسب بها، وعفا عمّا كان منها في الجاهلية ممن ألحق بها. ومن ساعى في الجاهلية، فقد لحق بعصبته. وأتى في نساء أو إماء ساعين في الجاهلية فأمر بأولادهن أن يقوموا على آبائهم ولا يسترقوا، أي: أن تكون قيمتهم على الزانين لموالي الإماء، ويكونوا أحرارًا لاحقي الأنساب بآبائهم الزناة٣.

стр. 3386

الوصية: والوصية: ما أوصيت به، وسميت وصية لاتصالها بأمر الميت، وذلك بأن يكتب الرجل ما يراه بشأن ما يتركه بعد وفاته. ويكون من يعهد إليه أمر تنفيذ

стр. 3387

ما جاء في الوصية وصيًّا. ولم يكن صاحب الوصية مقيدًا بقيود بالنسبة لكيفية توزيع ثروته؛ لأن المال ملك صاحبه وله أن يتصرف به كيف يشاء. ويجوز للموصي إن شاء حرمان من يشاء من الورثة الشرعيين من إرثهم، وإشراك من يشاء في الإرث. وله أن يوصي بإعطاء كل إرثه إلى شخص واحد، وأن يحرم من الإرث كل المستحقين الشرعيين. ويكون الابن الأكبر هو المقدم على سائر أولاد المتوفى، والمشرف على تقسيم الميراث وإدارة التركة وحمل اسم الميت وتمثيله؛ ولذلك تنتقل الإمارة أو الرئاسة أو الزعامة إلى الابن الأكبر في العادة إن كان المتوفى أميرًا أو رئيسًا. وتقديم الابن الأكبر على سائر الأبناء، عادة سامية قديمة حتى إنها تمنحه زيادة في الميراث عن بقية أخوته١.

стр. 3388

الإرث: وأسباب الميراث: النسب والتبني والموالاة. ويراعى في الوراثة من النسب، درجة القرابة. أي: صلة الرحم حسب درجاتها ومقدار التحامها بالشخص المتوفى، فتأتي البنوة أولًا، فالأبوة، فالأخوة، ثم العمومة. وقد قدمت البنوة أولًا؛ لأنها ألصق القرابات بالمتوفى، لذلك تقدم على كل قرابة أخرى. والقاعدة العامة في الميراث عند الجاهليين هو أن يكون الإرث خاصًّا بالذكور الكبار دون الإناث، على أن يكونوا ممن يركب الفرس ويحمل السيف، أي: المحارب. "كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ولا الصغار من الغلمان. لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال"؛ "لأن أهل الجاهلية، كانوا لا يقسمون من ميراث الميت لأحد من ورثته بعده، ممن كان لا يلاقي العدو ولا يقاتل في الحروب من صغار ولده ولا النساء منهم، وكانوا يخصون بذلك المقاتلة دون الذرية"١.

стр. 3389

وقد جاء في الأخبار ما يجعل المرأة في ضمن تركة المتوفى، وذلك إذا لم تكن أم ولد. ويكون من حق الابن البكر التزوج بها، وإذا لم تكن له نفس بها، انتقل حقه فيها إلى الولد الثاني، وإذا لم يرغب فيها انتقل حقه إلى بقية الورثة بحسب قربهم من الميت وحقهم في الميراث. ومن حق الولد البكر أيضًا مع المرأة من التزوج إلا بعد إرضائه، وكذلك من حق بقية الورثة المطالبة بهذا الحق إذا صارت زوج المتوفى المذكور من حقهم؛ لأنها من تركة ميتهم، والتركة هي تركتهم وملكهم، ولا يجوز لأحد مجادلتهم في هذا الحق. والأخبار متضاربة في موضوع إرث المرأة والزوجة في الجاهلية، وأكثرها أنها لا ترث أصلًا. غير أن هناك روايات يفهم منها أن من الجاهليات من ورثن أزواجهن وذوي قرباهن، وأن عادة حرمان النساء الإرث لم تكن سنة عامة عند جميع القبائل١. ولكن كانت عند قبائل دون قبائل. وما ورد في الأخبار يخص على الأكثر أهل الحجاز.

стр. 3390

العصبة: ويرث العصبة. وهم أقرباء الميت من الرجال، وهم مقدمون على الأخوات في الإرث. فإذا توفي الرجل، ولم يكن له من الذكور من يرثه ولا أب، يصرف إرثه إلى إخوته أو عصبته، إن لم يكن له إخوة، ولا يدفع إلى الأخوات. فلما جاء الإسلام، جعل للبنات والنساء حقًّا في الميراث، ويسمى هذا الإرث "إرث الكلالة"١. وقيل: العصبة: هم الذين يرثون الرجل عن كلالة من غير والد ولا ولد. وهم الأقارب من جهة الأب، وعصبة الرجل: أولياؤه الذكور من ورثته. فالأب طرف والابن طرف، والعم جانب والأخ جانب. والجمع العصبات٢. وقد قال "ابن الأثير" في تعريف "الكلالة": الأب والابن طرفان للرجل

стр. 3391

فإذا مات ولم يخلفهما، فقد مات عن ذهاب طرفيه، فسمي ذهاب الطرفين: كلالة. وقيل: ما لم يكن من النسب لحًّا فهو "كلالة". والعرب تقول: لم يرثه كلالة، أي لم يرثه عن عرض بل عن قرب واستحقاق. وهم يفتخرون بوراثة قرب؛ لأنها إنما جاءت عن نسب قريب وعن أب، وفي ذلك يقول عامر بن الطفيل: وما سودتني عامر من كلالةٍ ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب وكانوا إذا قالوا: "هو ابن عم كلالة"، قصدوا بعيد النسب، وإن أرادوا القرب قالوا: هو ابن عم دنية١. فالكلالة معروفة في الجاهلية فهذّبها الإسلام ونزل النص عليها وفي تعيينها في القرآن٢. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن "الكلالة" من لا ولد له ولا والد. وقيل ما لم يكن من النسب لحًّا فهو كلالة. وقالوا: هو ابن عم الكلالة وابن عم كلالة. وقال بعضهم: إذا لم يكن ابن العم لحًّا، وكان رجلًا من العشيرة قالوا: هو ابن عمي الكلالة، وابن عم كلالة. وهذا يدل على أن العصبة وإن بعدوا كلالة. أو الكلالة من تكلل نسبه بنسبك كابن العم وشبهه. ويقال: هو مصدر من تكلله النسب، أي: تطرفه كأنه أخذ أحد طرفيه من جهة الولد والوالد، وليس له منهما أحد، فسمي بالمصدر، أو هي الأخوة للأم. تقول: لم يرثه كلالة, أي: لم يرثه عن عرض بل عن قرب. وقد ذكرت الكلالة في موضعين من القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ ٣. و ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ٤. فجعل الكلالة هنا الأخت للأب والأم والأخوة للأب والأم. فجعل للأخت الواحدة نصف ما ترك الميت وللأختين الثلثين وللإخوة والأخوات جميع المال بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. وجعل للأخ والأخت من الأم في الآية الأولى

стр. 3392

الثلث لكل واحد منهما السدس. فبين بسياق الآيتين أن الكلالة تشتمل على الإخوة للأم مرة، ومرة على الإخوة والأخوات للأم والأب. ودلّ قول الشاعر: أن الأب ليس بكلالة، وأن سائر الأولياء من العصبة بعد الولد كلالة: وهو قوله: فإن أبا المرء أحمى له ... ومولى الكلالة لا يغضب أراد أن أبا المرء أغضب له إذا ظلم. وموالي الكلالة وهم الأخوة والأعمام وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غضب الأب، أو الكلالة بنو العم الأباعد، أو الكلالة من القرابة ما خلا الوالد والولد. أو هي من العصبة من ورث منه الإخوة للأم. وقد لخص بعضهم آراء العلماء في الكلالة في أقوال سبعة١.

стр. 3393

إرث النساء: وهناك رواية تذكر أن أول من جعل للبنات نصيبًا في الإرث من الجاهليين هو "ذو المجاسد" عامر بن جشم بن غنم بن حبيب بن كعب بن يشكر، ورّث ماله لولده في الجاهلية، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، فوافق حكمه حكم الإسلام١. ويذكر علماء الأخبار أن رجلًا من الأنصار مات قبل نزول آية المواريث، وترك أربع بنات، فأخذ بنو عمه ماله كله. فجاءت امرأته إلى النبي تشتكي مما فعله بنو عم المتوفى ومن سوء حالها وعدم تمكنها من إعالة بناتها، فنزل الوحي ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ١.

стр. 3394

ثم نزلت آية الميراث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ١. وبذلك انتفت سنة الجاهليين في عدم توريث البنات. وقد نزلت الآيتان من أجل أن أهل الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الإناث. فكان "النساء لا يرثن في الجاهلية من الآباء، وكان الكبير يرث ولا يرث الصغير، وإن كان ذكرًا". وقد ذكر بعض العلماء أن آية: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ، "نزلت في أم كحة وابنة كحة وثعلبة وأوس بن سويد، وهم من الأنصار. كان أحدهم زوجها والآخر عم ولدها. فقالت: يا رسول الله توفي زوجي وتركني وابنته، فلم نورث! فقال عم ولدها: يا رسول الله لا تركب فرسًا، ولا تحمل كلًّا ولا تنكأ عدوًّا يكسب عليها، ولا تكتسب. فنزلت للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون. وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، مما قل منه أو كثر، نصيبًا مفروضًا"٢. وذكروا أن نزول الآية: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ، إنما كان "لأن أهل الجاهلية كانوا لا يقسمون من ميراث الميت لأحد من ورثته بعده ممن كان لا يلاقي العدو ولا يقاتل في الحروب من صغار ولده ولا للنساء منهم. وكانوا يخصون بذلك المقاتلة دون الذرية، فأخبر الله جل ثناؤه أن ما خلّفه الميت بين من سُمي وفرض له ميراثًا في هذه الآية. وفي آخر هذه السورة فقال: في صغار ولد الميت وكبارهم وإناثهم لهم ميراث أبيهم، إذا لم يكن له وارث غيرهم للذكر مثل حظ الانثيين"٣. وذكر أنه "لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها مما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا: تعطى المرأة الربع والثمن، وتعطى الابنة النصف، ويعطى الغلام الصغير وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم ولا يحوز الغنيمة، اسكتوا عن هذا الحديث، لعلّ رسول الله ﷺ ينساه أو نقول له فيغيره, فقال بعضهم: يا رسول الله أنعطي الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس ولا

стр. 3395

ميراث السائبة: والسائبة العبد الذي يقول له سيده: لا ولاء لأحد عليك، أو أنت سائبة.

стр. 3396

يريد بذلك عتقه, وأن لا ولاء لأحد عليه. وقد يقول له: أعتقتك سائبة، أو أنت حر سائبة، فإذا مات فترك مالًا، ولم يدع وارثًا، فإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون، وأن أهل الإسلام لا يسيبون١. وحرم الهجين من حق الإرث في الغالب٢. كذلك "السائبة"، وهم الرقيق الذي اعتق بغير ولاء٣.

стр. 3397

الفصل الثامن والخمسون: الملك والاعتداء عليه الملكية: والملكية حق محترم عند الجاهليين، ولصاحب الملكية حق المحافظة على ما يملك والدفاع عنه. وتدخل في ملكية الإنسان كل ما ملكه أو استولى عليه ولم ينتزعه منه أحد، مثل: الغنائم والسلب والأسر وما شابه ذلك. وعلى المالك الدفاع عن حقه في ملكه وإثباته. ومن أنواع الملكية: تملك العقار, وبقية الأشياء الثابتة, والأموال المنقولة. ويعبر عن تملك الإنسان لشيء ما، وعن اقتنائه لملك بلفظة "اقنى" "أقنى"، أي أملاك وممتلكات. وعن لفظة "اقنيس"، بمعنى ممتلكاته وأملاكه, وذلك في اللهجة المعينية، ويعبر عنها بلفظة "اقنيم" في اللهجة السبئية. وأما لفظة "ذقنى"١ فتعني ما امتلكه وما يمتلكه. فذي بمعنى الذي، وما هي ما الموصولة في عربيتنا. و"قني" بمعنى مقتنيات٢. والملكية نوعان: ملكية ثابتة وملكية متنقلة. ومن النوع الأول العقار، مثل: الدور والأرض. ومن النوع الثاني المال، وهو الإبل عند الجاهليين بصورة خاصة والمواشي بالنسبة للمزارعين. والرعاة وأهل المدن، وأثاث البيت، سواء كان البيت مستقرًّا مثل بيوت أهل المدر أو متنقلًا مثل بيوت أهل الوبر. وأغلب ملك الأعراب هو ملك متنقل؛ وذلك لأن الحياة التي يحيونها هي حياة تنقل، أما الملك الثابت، أي: الأرض، فإنه ملك لهم ما داموا فيه، فإذا ارتحلوا عنه،

стр. 3398

انتقلت ملكيتهم إلى الأرض الجديدة التي ينزلون بها فيمتلكونها طوعًا، أي: من غير مقاومة، أو بحق السيف. ويدخل في باب الملك كل شيء وضع ليستفاد منه أو ليدل على حماية ملك، أو يفهم من وضعه أنه ذو فائدة وأن له صاحبًا، كجدران الأملاك وحيطان البستان أو سور القرى أو الرجمات، وهي أحجار القبور. وقد عثر المنقبون على رجام في مواضع مختلفة من جزيرة العرب، كتب عليها: إن لعنة الآلهة على من يرفع هذا الحجر عن موضعه وعلى من يغيره أو يأخذه أو يتصرف به. كما سألوا الآلهة بأن تنزل الأمراض ومنها العمى والبرص وأنواع الأذى، والشر بكل من يتطاول على هذه الرجام، أو على معالم القبور أو القبور وذلك لأنها ملك. ولا يجوز لأحد التصرف بملك غيره بأي وجه من الوجوه.

стр. 3399

الشفعة: وقد أخذ الجاهليون بحق الشفعة في شراء الملك، كالدور والأرض. وقد أقرها الإسلام أيضًا١.

стр. 3400

الرق: الأصل في الإنسان١ أن يولد حرًّا، إلا أن يكون من رقيق، فيولد عندئذ رقيقًا، ويكون ملكًا لمالك والديه، والإنسان الحر، هو حر في تصرفاته وفي أمواله، وفي كل شيء. أما الرقيق، أي: العبد، فإنه يكون ملكًا لمالكه، ليس له حق التصرف بنفسه إلا بإذن مالكه؛ لأنه ملك سيده، فإذا تصرف بنفسه، أضر بحق سيده في تملكه له. وفي ذلك تجاوز على حقوق الملكية، وإن كان الرقيق إنسانًا مثل سيده له حس وشعور، إلا أنه فقد حريته بسقوطه في الرق، وصار ملكًا لمالكه، وحكمه حكم الأشياء المملكة، وليس له أن يتصرف بأي شيء يعود إليه ولا أن يتصرف بنفسه، أي: بجسمه إلا بموافقة سيده وإقراره, لأنه سيده ومالك رقبته.
следующие страницы →