← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

يريد بذلك عتقه, وأن لا ولاء لأحد عليه. وقد يقول له: أعتقتك سائبة، أو أنت حر سائبة، فإذا مات فترك مالًا، ولم يدع وارثًا، فإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون، وأن أهل الإسلام لا يسيبون١. وحرم الهجين من حق الإرث في الغالب٢. كذلك "السائبة"، وهم الرقيق الذي اعتق بغير ولاء٣.

стр. 3397

الفصل الثامن والخمسون: الملك والاعتداء عليه الملكية: والملكية حق محترم عند الجاهليين، ولصاحب الملكية حق المحافظة على ما يملك والدفاع عنه. وتدخل في ملكية الإنسان كل ما ملكه أو استولى عليه ولم ينتزعه منه أحد، مثل: الغنائم والسلب والأسر وما شابه ذلك. وعلى المالك الدفاع عن حقه في ملكه وإثباته. ومن أنواع الملكية: تملك العقار, وبقية الأشياء الثابتة, والأموال المنقولة. ويعبر عن تملك الإنسان لشيء ما، وعن اقتنائه لملك بلفظة "اقنى" "أقنى"، أي أملاك وممتلكات. وعن لفظة "اقنيس"، بمعنى ممتلكاته وأملاكه, وذلك في اللهجة المعينية، ويعبر عنها بلفظة "اقنيم" في اللهجة السبئية. وأما لفظة "ذقنى"١ فتعني ما امتلكه وما يمتلكه. فذي بمعنى الذي، وما هي ما الموصولة في عربيتنا. و"قني" بمعنى مقتنيات٢. والملكية نوعان: ملكية ثابتة وملكية متنقلة. ومن النوع الأول العقار، مثل: الدور والأرض. ومن النوع الثاني المال، وهو الإبل عند الجاهليين بصورة خاصة والمواشي بالنسبة للمزارعين. والرعاة وأهل المدن، وأثاث البيت، سواء كان البيت مستقرًّا مثل بيوت أهل المدر أو متنقلًا مثل بيوت أهل الوبر. وأغلب ملك الأعراب هو ملك متنقل؛ وذلك لأن الحياة التي يحيونها هي حياة تنقل، أما الملك الثابت، أي: الأرض، فإنه ملك لهم ما داموا فيه، فإذا ارتحلوا عنه،

стр. 3398

انتقلت ملكيتهم إلى الأرض الجديدة التي ينزلون بها فيمتلكونها طوعًا، أي: من غير مقاومة، أو بحق السيف. ويدخل في باب الملك كل شيء وضع ليستفاد منه أو ليدل على حماية ملك، أو يفهم من وضعه أنه ذو فائدة وأن له صاحبًا، كجدران الأملاك وحيطان البستان أو سور القرى أو الرجمات، وهي أحجار القبور. وقد عثر المنقبون على رجام في مواضع مختلفة من جزيرة العرب، كتب عليها: إن لعنة الآلهة على من يرفع هذا الحجر عن موضعه وعلى من يغيره أو يأخذه أو يتصرف به. كما سألوا الآلهة بأن تنزل الأمراض ومنها العمى والبرص وأنواع الأذى، والشر بكل من يتطاول على هذه الرجام، أو على معالم القبور أو القبور وذلك لأنها ملك. ولا يجوز لأحد التصرف بملك غيره بأي وجه من الوجوه.

стр. 3399

الشفعة: وقد أخذ الجاهليون بحق الشفعة في شراء الملك، كالدور والأرض. وقد أقرها الإسلام أيضًا١.

стр. 3400

الرق: الأصل في الإنسان١ أن يولد حرًّا، إلا أن يكون من رقيق، فيولد عندئذ رقيقًا، ويكون ملكًا لمالك والديه، والإنسان الحر، هو حر في تصرفاته وفي أمواله، وفي كل شيء. أما الرقيق، أي: العبد، فإنه يكون ملكًا لمالكه، ليس له حق التصرف بنفسه إلا بإذن مالكه؛ لأنه ملك سيده، فإذا تصرف بنفسه، أضر بحق سيده في تملكه له. وفي ذلك تجاوز على حقوق الملكية، وإن كان الرقيق إنسانًا مثل سيده له حس وشعور، إلا أنه فقد حريته بسقوطه في الرق، وصار ملكًا لمالكه، وحكمه حكم الأشياء المملكة، وليس له أن يتصرف بأي شيء يعود إليه ولا أن يتصرف بنفسه، أي: بجسمه إلا بموافقة سيده وإقراره, لأنه سيده ومالك رقبته.

стр. 3401

ولما كان الرقيق ملكًا ومن حق المالك أن يتصرف بملكه كيف يشاء، صار من حق المالك بيع رقيقه أو إهدائه، أي: إعطاءه هبة إلى من يشاء دون حاجة إلى أخذ ذلك الرقيق، كما كان من حقه عتق رقبته. كما كان له حق الاستمتاع بالإماء وإكراههن على البغاء للإتيان بالمال أو لإنجاب الأولاد. ولم يكن للرقيق أن يملك شيئًا؛ لأن الرقيق وما يملكه ملك للمالك. ولم يكن للرقيق حق التوريث إذ لا مال له؛ لأنه وما يملكه ملك مالكه. فإرثه لسيده وحده. وقد حرم الإسلام على مالك الرقيق دفع إمائه على البغاء. وقد نزلت الحرمة في القرآن: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ١. وكان سبب نزول هذه الآية أنهم "كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا، يأخذون أجورهن. فقال الله لا تكرهوهن على الزنا من أجل المنالة في الدنيا". "وذكر أن هذه الآية أنزلت في عبد الله بن أبي بن سلول حين أكره أمته مسيكة على الزنا" وكانت تكره ذلك وحلفت أن لا تفعله فأكرهها لتأتيه بمزيد من المال. فنزلت الآية في تحريم ذلك٢. ومن معاني "الرق"، "العبودية" Slavery، وتقابلها لفظة "عبوداه"Abodah في العبرانية، والمفرد "عبد" Abed، في العبرانية أيضًا. والذكر "مملوك" أما الأنثى، فإنها "أمة"٣. والرق ملك العبيد والرقيق المملوك منهم وجمعه أرقاء٤. والمملوك هو الرقيق، فيقال عبد مملوك، و"المِلْكة" تختص بملك العبيد٥. ويعبر عن العبد بلفظة "المَدِين" أيضًا. أما "الأمة" فيقال لها: "المدينة"٦. ويعبر عن المملوك بلفظة "ادم" في العربيات الجنوبية، إذا كان المملوك ذكرًا وبـ"أمت" إذا كان أنثى. وتقابل لفظة "ادم" لفظة "أو ادم" و"أوادمنا"، في لهجة أهل العراق، التي تعني "الخدم" و"خدمنا". وأما لفظة "أمت"،

стр. 3402

فإنها "أمة" في عربيتنا أيضًا، وهي المملوكة١. ويعبر عن الرقيق بلفظة "عبد" في اللحيانية، أي: بالتعبير المستعمل في عربيتنا٢, وترد اللفظة في لغة بني إرم وفي لغة النبط كذلك٣. واستعملت اللحيانية لفظة "هغلم" "ها-غلام" "ها-غلم"، أي: "الغلام" تعبيرًا عن "مملوك"، أي: إنسان غير حر. وقد قدم أحد اللحيانيين ثلاثة غلمان ليكونوا في خدمة الإله "ذو غابت"٤ "ذو غابة", وليس لصاحب هؤلاء الغلمان أية حاجة لأن يأخذ رأيهم في تقرير مصيرهم، وفي تحويل رقبتهم من ملكه إلى ملك معبد ذلك الإله؛ لأنه مالكهم، وللمالك أن يفعل بمكله ما يشاء. وللمالك الأسير، حق التصرف بأسيره، كما يشاء، يجوز له بيعه لقبض ثمنه في أي مكان وفي أي زمان يشاء ويختار، ليس لرقيقه حق الاعتراض على مالكه؛ لأنه "ملك يمين"، ويجوز له إبقاؤه عنده وفي ملكه ليعهد إليه القيام بأي عمل يكلفه إياه، مهما كان شأنه، سواء أكان عملًا محترمًا أم عملًا وضيعًا؛ لأنه مملوك، وليس لمملوك حق الاعتراض على مالكه. ويجوز أن يتفضل عليه بمنحه الحرية، فيكون إنسانًا حرًّا. ويجوز له أن يقاضي أهل الأسير ثمن أسيرهم، ومتى قبض ثمنه أعاده إلى أهله، وصار حرًّا. ويقال لأخذ عوض عن الأسير لفك أسره "الفداء"٥. ولا يشترط في الأسر أن يكون في حالة الحرب فقط، فقد يقع في سلم أيضًا. فإذا أدرك إنسان إنسانًا آخر من قبيلة معادية وتمكن منه صار أسيره، كما أن ما يقع في أيدي المغيرين في الغارات والغزوات من أشخاص يكونون في حكم المأسورين. أما "السبي"، فإنه ما يسبى بعد الحرب. وحكمه حكم الأسر. والغالب عند الجاهليين هو فداء أسراهم، أي: دفع فدية عن الأسرى أو مقايضتهم أسيرًا بأسير، أو بحسب الاتفاق إن كان هناك أسرى عند الطرفين. ولا يقع الرق في الغالب إلا في حالات الأشخاص الضعاف الذين لا أهل لهم،

стр. 3403

أو الذين هم من عشائر مستضعفة أو بعيدة، أو في حالات الذين وقعوا أسرى في غارات مفاجئة من أناس يقيمون في أماكن بعيدة أو نهبوا وهم صغار، فلم يكن بالمستطاع ملاحقتهم، فيكونون بذلك رقيقًا، وهو في القليل، كالذي حدث لـ"زيد بن حارثة الكلبي"، الذي تبناه الرسول. وقد كان مولى لخديجة زوج الرسول. وليست في الأفدية قواعد معينة في فداء النفس، وإنما سارت على التعامل وعلى التشدد والتساهل وفق منزلة الشخص الأسير. ويكون ما للأسير مما عنده ملكًا لآسره. وقد وقع "قيس بن عيزارة" أسيرًا في أيدي "فهم" فأخذ سلاحه "تأبط شرًّا"١. ووقع "ثابت بن المنذر" والد "حسان بن ثابت" شاعر الرسول في أسر "مُزَيْنة"، فعرض عليهم الفداء، "فقالوا: لا نفاديك إلا بتيس، ومزينة تسب بالتيوس، فأبى وأبوا. فلما طال مكثه، أرسل إلى قومه أن أعطوهم أخاهم، وخذوا أخاكم"٢. وقصده بذلك التعريض بمزينة. وقد بقي السباء معروفًا حتى أيام "عمر" فمنعه بقوله: "لا سباء على عربي". ويذكر أنا "أبا وجزة يزيد بن عبيد" من "سُلَيم" وقع أبوه في سباء في الجاهلية, في سوق ذي المجاز. فلما كبر، استعدى عمر، فأصدر أمره المذكور٣. والمنبع الأول للرقيق الحروب والغزوات. فبعد الحرب والغزوات يؤخذ من يقع في أيدي المحاربين من الرجال والنساء والأطفال "أسرى"، ويكونون غنائم لآسريهم. أما العدد الضخم منهم الذي يقع في أيدي الجيش ولا يكون في استطاعة المحارب أن يفرض ملكيته عليه. وذلك بوضعه تحت حيازته، فيكون ملكًا للحكومة أو للقبيلة، تتصرف به على وفق قوانينها وقواعد أحكامها ورأيها. والمنبع الثاني من منابع الرقيق، أسواق النخاسة، ومنها أسواق تقع في بلاد العرب نفسها، يؤتى بالرقيق إليها لبيعه فيها، وأسواق تقع في خارج بلاد العرب، يذهب إليها النخاسون لشراء ما فيها من هذه البضاعة البشرية. ولما كان الرقيق

стр. 3404

المشترى هو من أماكن بعيدة ومن غير العرب، كان مضطرًّا إلى استرضاء سيده وخدمته على النحو الذي يرضيه إبقاء على حياته. وحكم هذا الرقيق هو حكم أي شيء يشتريه إنسان بماله, أي: إنه ملك صاحبه، ولصاحبه حق التصرف به كيف يشاء، إن شاء باعه وإن شاء جعله في خدمته، وليس للرقيق أي حق في الاعتراض وإن كان بشرًا ذلك لأنه رقيق. وقوانين الرق في ذلك الزمن وفي سائر أنحاء العالم تعد الرقيق ملكًا لا يختلف في طبيعته عن أي نوع من أنواع الملكية. ونوع آخر من أنواع الرقيق، تكوّن من بيع الآباء لأبنائهم عن حاجة, كأن تكون الأسرة في عسر وضيق، فلا يكون أمامها غير بيع أبنائها لسد حاجتهم ولضمان معيشة الأبناء، ولا يكون ذلك بالطبع إلا عند الطبقات الضعيفة. ومنبع آخر من منابع تكوّن الرقيق في الجاهلية هو الديْن. فقد كان من حق الدائن بيع مدينه إن لم يتمكن من الإيفاء بدينه، فيكون رقيقًا. والولادة من المنابع التي مونت الجاهليين بالرقيق كذلك. فما ينسله الرقيق يصير رقيقًا أيضًا، وملكًا لمالك الرقيق. إذ لا يقتصر الرق على رقبة الرقيق الأصل، بل يشمل كل ما ينجبه وما ينجبه أحفاده وأحفاد أحفادهم وهكذا فالرق عبودية أبدية، ما لم يمنّ مالك الرقيق على رقيقه بالعتق، فتنقطع العبودية عندئذ عنه وعن نسله. وإذا استولد المالك أمته فولدت له مولودًا، أعجبه واعترف به ولدًا عدّ ابنًا شرعيًّا له، فيكون هذا الاعتراف عتقًا لرقبة ابنه، واستلحاقًا للولد بنسب المالك١.

стр. 3405

زوال الرق: تفك رقبة الرقيق عند فك أسره عنوة، كأن تغزو قبيلة المأسور قبيلة الآسر، فتأخذ أسراها عنوة، فيتخلص الأسير بذلك من الأسر، أي: من الرق ويصير حرًّا، وتسقط عنه كل ما كان لسيده من حقوق عليه. وكان أهل الأسير يتحايلون بمختلف الطرق لتخليص أسيرهم من أسره، فإن نجحوا في تخليصه، صار أسيرهم حرًّا، وإن فرَّ الأسير من آسره، ولم يتمكن آسره من القبض عليه، صار فراره حرية له. وتفك الرقبة بدفع فدية ترضي الآسر، إذا قبضها، صار الأسير حرًّا.

стр. 3406

الإباق: الإباق: هرب العبد من سيده١. ويراد بالعبد المملوك من غير أسر ولا سبي. ويعد إباقه هذا خروجًا على القانون والحق، ولصاحبه حق القبض عليه وإنزال ما يراه به من عقوبة. وفي جملتها حق قتله. وإذا اشتراه شخص آخر، أو وقع في أسره، فلمالكه الأول حق استرداده؛ لأنه عبد أبق، وهو في ملكه، وحيازته من غير إذن منه سرقة.

стр. 3407

الكتابة: والكتابة والمكاتبة أن يكاتب الرجل عبده أو أمته على مال ينجمه عليه، ويكتب عليه أنه إذا أدى نجومه، في كل نجم كذا وكذا، فهو حر، فإذا أدى جميع ما كاتبه عليه، فقد عتق. وولاؤه لمولاه الذي كاتبه١.

стр. 3408

العتق: العتق خلاف الرق، وهو الحرية. وهو أن يمنّ السيد المالك على مملوكه بفك رقبته. فإذا عتق ارتبط بسيده برابط الولاء، ويقال عندئذ "مولى عتاقة" و"مولى عتيق" و"مولاة عتيقة"، و"موال عتقاء" و"نساء عتائق"١. ويبقى العتيق منسوبًا إلى معتقه، الذي يعقل عنه ويرثه. أما إذا أعتقه من دون وضع حدٍّ للولاء عليه، فيسقط عنه شرط الولاء، فلا يعقل مولاه عنه، وتسقط كل حقوق الولاء عن العتيق وعن معتقه٢.

стр. 3409

الأموال الثابتة: وفي ضمنها البيوت، وهي تباع وتشترى وتؤجر أو ترهن بحسب رغبة صاحبها. ولأجل إثبات حق تملك الأفراد للبيوت، كانوا يثبتون أحجارًا مكتوبة على واجهة البيت في بعض الأحيان، يدون عليها اسم مالك البيت، والمعمار الذي بنى البيت والزمان الذي بني فيه. أو الزمان الذي أجريت به ترميمات عليه والحجر عندهم في مقام سند التملك في أيامنا هذه. وتوضع على حدود الملك، ولا سيما حدود الحقول والبساتين علامات، يقال لها: "أرف" في اللحيانية١، وذلك منعًا لكل تجاوز قد يقع على الملك أو فضول قد يقع من الغرباء. والأُرفة في لغتنا الحد بين الأرضين وفصل ما بين الدور والضياع. وكان أهل الحجاز لا يرون الشفعة للجار. و"الأرفي"، الماسح الذي يمسح الأرض ويعلمها بحدود٢. وتعد المقابر ملكًا خاصًّا بصاحب القبر، وبأهله، لذلك لا يجوز دفن غريب فيها، إلا بإذن من أهل الميت وذوي قرابته ومن أصحاب المقبرة. وكثيرًا ما تقرأ في الكتابات جملًا، مثل: "بني هكفر، له ول ورثه"٣، ومعناها "بني هذا القبر، أو هذه المقبرة له، ولورثته". ومثل: "اخذو هقبر ذه هم وأخوهم"٤، ومعناها "أخذوا هذا القبر لهم ولأخيهم". وكثيرًا ما نجد الكتابات تلعن من يتجاوز على ملكية القبر وعلى حق المقبور فيه، وتتوعده بالويلات والثبور، وترجو من الآلهة أن تنزل بمن "يعور" يزيل أحجار القبور عن أماكنها عذابها وغضبها عليهم. وتعدّ شواخص القبور شهادة لقبر المتوفى وسند تملك للقبر أو للمقبرة، فلا يجوز الاعتداء على القبر؛ لأنه ملك خاص. العقوبات: والأصل في العقوبات، هو "القصاص" Retaliation أي العقوبة بالمثل، وهو أصل نجده عند سائر الشعوب السامية، وتجده مدوَّنًا في "شريعة

стр. 3410

حمورابي"، بل نجده في قوانين الرومان كذلك١. وقد أشير إليه في القرآن الكريم: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢ ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ٣ وفي الآية: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ٤. فالجزاء يجب أن يكون من جنس العمل. ويعمل بالقصاص في الجروح كذلك، وقد أشير إلى ذلك في الآية المتقدمة كما ترى. وتكون العقوبات في يد الملك أو المعبد أو الكبراء ورؤساء العشائر، فهؤلاء هم الذين يفرضون العقوبات على المخالفين ويصدرون أوامرهم بعقاب المستحقين، فلم تكن هناك إذن سلطة مركزية واحدة تقوم بتنفيذ الأحكام والحكم بين الناس. ويمكن أن نقول: إن كل سلطة من السلطات كانت تقوم بتطبيق ما تراه بحق المخالفين لقوانينها وأنظمتها وأوامرها، فللمعبد ويمثله رجال الدين بالطبع حق الحكم بين الناس في المخالفات التي لها صلة بأمور الدين وبالمعبد وبالعقود التي تعقد مع المستأجرين والمتعاقدين، ويتوقف تنفيذ ذلك بالطبع على مركز رجال الدين ومدى نفوذهم في ذلك العهد، ويقوم رئيس القبيلة بالحكم بين أفراد قبيلته بموجب الأنظمة والقوانين العرفية والعشائرية، ويجمع الضرائب من قبيلته، ويتوقف سلطانه على شخصيته ومركزه وعلى مراكز الحكومة وما لها من هيبة في نفوس الناس والقبائل. ولضمان تنفيذ القوانين والأوامر والعقود، حتّمت السلطات الدينية والسلطات الحكومية على المؤمنين والمواطنين الالتزام والوفاء بالعهود وإطاعة قوانين الدولة وهددت السلطات الدينية بإنزال العقوبات الإلهية على المخالفين. وتكون هذه العقوبات عقوبات دنيوية تنزلها السلطات الدينية الممثلة والمتكلمة باسم الآلهة على سطح الأرض. وهي متنوعة متعددة قد تكون جسيمة، وقد تكون مادية، وقد تكون معنوية، وذلك بحرمان المخالف من زيارة المعابد، وبامتناع رجال الدين من إقامة الشعائر الدينية له ومقاطعته وإيصاء المجتمع المؤمن بمقاطعته كذلك، وبذلك تهبط منزلته

стр. 3411

الاجتماعية، ويصبح مزدري في نظر المجموع. وفي هذا الازدراء عقوبة كافية بالطبع. يضاف إلى ذلك العقوبات التي تنزلها الآلهة عليه، وقد تكون أهم في نظره وأخطر من تلك العقوبات المذكورة، مثل إنزال أمراض أو مهالك به وبأمواله وما يملكه، وهو ما يخشاه الإنسان ويبتعد عنه طبعًا، ولهذا نجده يحاول جهد إمكانه ترضية آلهته. والتقرب إليها بمختلف الوسائل لإرضائها ولكسب عطفها ورضائها عنه. وأما العقوبات الحكومية، فهي متنوعة كذلك تتنوع بحسب درجة المخالفة ومقدار الضرر الذي يتولد منها. وتقابل لفظة "عقوبة" لفظة "تنكرم" "تنكر" في بعض لهجات العرب الجنوبية، ويراد بها إنزال ما يستحق من عقوبة بشخص ارتكب عملًا مخالفًا. أما الغرامات، أي: العقوبات المالية التي تفرض على شخص من الأشخاص، فيقال لها: "ظلعم" "ظلع"، في بعض تلك اللهجات١. ووردت لفظة أخرى، هي "من"، ولفظة ثانية هي "ذمنت" "ذ م ن ت"، يرى علماء العربيات الجنوبية أنهما في معنى "عقوبة" و"جزاء"٢. ويعبر عن الجزاء الذي يحكم الحاكم بأدائه إلى من حكم له بلفظة "خطا" و"خطات" "خطئة" "خطيئة". ويراد بها ما يجب على المحكوم عليه دفعه من غرامات وتعويض. وقد وردت هذه اللفظة في نصوص المسند٣. والقصاص عند الجاهليين عقوبة قلما طبقت، للأعراف القبلية التي كانت تعتبر تسليم القاتل الحر إلى أهل القتيل لقتله مثلبة، وتسليم مرتكب عمل ما إلى من وقع الفعل عليه، نقيصة وضعفًا وسبّة، تلحق آل مرتكب الفعل. لذلك، كان الثأر، وهو الرادع لارتكاب الجرائم عند الجاهليين. وإذا قتل حر عبدًا، أو جرحه أو آذاه، فليس لأهل العبد طلب القصاص، وليس لمالكه أن يطلب قتل القاتل به؛ لأنه عبد والقاتل حر. وقد كان من الصعب عليهم، تصور مقاضاة عبد لحر على أساس القصاص، وإنما ينصف على

стр. 3412

أساس الدية والتعويض عن الخسارة بدفع مال، لقد استصعبوا ذلك حق في الإسلام. فلما لطمت ابنة النضر أخت الربيع جارية، فكسرت سنّها، فأمر الرسول بالقصاص. قالت أم الربيع: يا رسول الله أيقتص من فلانة! لا واللهِ لا يقتص منها. فقال النبي: "سبحان الله يا أم الربيع، كتاب الله القصاص ". فقالت: لا والله، لا يقتص منها أبدًا. فعفا القوم وقبلوا الدية١.

стр. 3413

الجرائم: وقد وضعت كل المجتمعات على اختلاف درجاتها، بدائية كانت أو متقدمة عقوبات لردع المجرمين وزجرهم وتأديبهم لكيلا يجرموا بحق أنفسهم وبحق مجتمعهم وهي تتلاءم بالطبع مع واقع المجتمع والظروف الملمة به. كما أن الجرائم تكون منبثقة من واقع المحيط الذي يعيش المجرم فيه. ويمكن حصر هذه الجرائم في الجرائم التي ترتكب ضد الدين، أي: دين القوم وعقيدتهم، وفي الجرائم التي ترتكب ضد المجتمع، أي: ضد العرف والعادات، في مثل: الزواج والطلاق والأحوال الشخصية وفي القضايا التي تخص الآداب وفي الجرائم التي تخص الاعتداء على الجسد كالقتل والجروح والضرب. وفي الجرائم المتعلقة بالاعتداء على حقوق الغير مثل: الخيانة والغدر وعدم الوفاء بالأمانات والسلب والنهب والسرقات، ونشل الناس، وفي الجرائم المتعلقة بالملك. وتعاقب شريعة الجاهليين كما تعاقب أية شريعة مدنية ودينية المخالف بعقوبات رادعة تكون متناسبة مع جرمه وعمله، وتكون العقوبات بالطبع متناسبة مع مستوى المجتمع وتفكير رجاله. والظاهر أن المعاقبين كانوا أحيانًا يقسون على المخالفين في فرض عقوباتهم، فيظلمونهم، ويعذبونهم عذابًا لا يتناسب مع ما قاموا به من جرم، بدليل ورود آيات في القرآن الكريم تحث من بيدهم الأمر على ألا يعاقبوا عقابًا يتجاوز حدود المخالفة: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ١، ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ ٢. وقد ذكر علماء التفسير أن الآية الأولى تأمر

стр. 3414

"إن من ظلم بظلامة، فلا يحل له أن ينال ممن ظلمه أكثر مما نال الظالم منه"١. وأن الله يقول للمؤمنين: "وإن عاقبتم أيها المؤمنون من ظلمكم واعتدى عليكم, فعاقبوه بمثل الذي نالكم به ظلمكم من العقوبة ". وقد نزلت بعد أُحد حيث قُتل حمزة ومُثِّل به، فلما "رأى المسلمون ما فعل المشركون بقتلاهم يوم أُحد من تبقير البطون وقطع المذاكير والمثلة السيئة, قالوا: لئن أظفرنا الله بهم لنفعلن ولنفعلن، فأنزل الله فيهم: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ ٢. ونزلت الآية الأخرى في "قوم من المشركين لقوا قومًا من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، وكان المسلمون يكرهون القتال يومئذ في الأشهر الحرم، فسأل المسلمون المشركين أن يكفوا عن قتالهم من أجل حرمة الشهر، فأبى المشركون ذلك وقاتلوهم، فبغوا عليهم وثبت المسلمون لهم، فنصروا عليهم، فأنزل الله هذه الآية"٣. ومن العقوبات التي جاءت بها الشريعة الجاهلية عقوبة: إقامة الحدود على الجناة، وذلك بالتعزير، وهو الجلد، جلد المخالف الذي لا تكون مخالفته جناية، بل مخالفة بسيطة في مثل مخالفة أوامر الوالدين أو الولي الشرعي وفي الاعتداء على الغير بالشتم والسباب والتحرش بالناس، وما شاكل ذلك من أمور. وعقوبة دفع الغرامات وتعويض الضرر. وعقوبة السجن على الجنايات المهمة، وعقوبة الطرد من البيت أو من المدينة أو من أرض القبيلة والخلع والتبري من الشخص، والحبس في البيت، وعقوبات القصاص. والقصاص هو القود. والقَوَد قتل النفس بالنفس٤. وقد عبر الفقهاء عن القصاص في القتل بـ"قصاص في النفس"، وعبّروا عن القصاص فيما هو دون القتل بـ"قصاص فيما دون النفس".

стр. 3415

القتل: القتل نوعان: القتل العمد، والقتل الخطأ. وقد فرق الجاهليون بين النوعين

стр. 3416

فالقتل الخطأ لا يمكن أن يكون في درجة القتل العمد. وقد قسم الفقهاء في الإسلام القتل إلى خمسة أقسام: قتل العمد، وقتل شبيه العمد، وقتل الخطأ، وقتل قائم مقام الخطأ، وقتل بسبب١. وقد نص على القصاص، أي: على وجوب قتل القاتل ومعاقبة الجاني بنوع جنايته، بمعاقبته بنفس الفعل الذي فعله بالمجني عليه في بعض الكتابات الجاهلية, ومن هذا القبيل وجوب قتل القاتل؛ لأنه أزهق نفسًا بشرية، وعقوبة من يزهق الناس ويقضي على حياة إنسان إزهاق روحه، أي: قتله قصاصًا لما جنته يده بحق إنسان مثله. والقتل العمد، يقاص بالقتل، وهو أن يطلب أهل القتيل من أهل القاتل تسليمه إليهم لقتله: ويقال لذلك "القَوَد" وبذلك يغسل دم القتيل. والقاعدة القانونية عند الجاهليين أن "الدم لا يغسل إلا بالدم". فهو تطبيق قاعدة القصاص. وإذا كان القاتل من بيت دون بيت القتيل، فإن أهل القتيل لا يكتفون في كثير من الأحايين بالقَوَد، أي: بقتل القاتل، ولكن يطلبون قتل شخص آخر مع القاتل، أي: قتل شخصين في مكان القتيل وقد لا يقبلون بهذا الحل أيضًا لاعتقادهم بأن الرجلين مع ذلك دون القتيل في المنزلة وفي الكفاءة، فيعمدون هم أنفسهم إلى الأخذ بثأر القتيل، وذلك باستعراضهم فيما بينهم رجال قبيلة القاتل، لاختيار رجل يقتلونه يرون أنه في منزلة القتيل، فإن اختاروه ووجدوه، والغالب أنهم يختارون جملة رجال، أرسلوا من يغتال ذلك الشخص المسكين الذي وقع اختيارهم عليه لقتله فيغتالونه ليكون كبش الفداء عن القتيل. ويقال للقتيل "هرج" "هرك" في اللهجة القتبانية، وقد وردت في القوانين القتبانية بصورة تعبر عن "القتل" عامة دون تعيين نوعه، كما في اللغة العبرانية, حيث تؤدي لفظة "هرك" "هرج" فيها هذا المعنى٢. والظاهر أن المشرع وضع تقدير "القتل" إذا كان قتلًا عمدًا أو قتلًا خطأ إلى اجتهاد "الملك" الذي هو "الحاكم" الأعلى وإلى من وُكِّل إليهم أمر القضاء بين الناس.

стр. 3417

ولكن هذا لا يعني أن القتبانيين أو غيرهم من العرب الجنوبيين، لم يكونوا يفرقون بين القتل العمد والقتل الخطأ، أي: القتل الذي يقع دون عمد ولا تحضير سابق ولا تفكير فيه. فقد كانوا يفرقون بين أنواع القتل ويحاسبون القاتل على هذا الأساس. وقد كانت كل القوانين في ذلك العهد تفرق أيضًا في أنواع القتل، فتجعل القتل الخطأ دون القتل العمد في الدرجة وفي الحكم المترتب عليه. ويعبر عن القتل في اللحيانية بلفظة "خلس" "خليس" أيضًا. وقد ورد في بعض الكتابات اللحيانية أن فلانًا قتل فلان، وقد حددت بضع الكتابات الوقت الذي تم فيه القتل١. ويعبر عن القتل بلفظة "قتل" كذلك، وعن المقتول بلفظة "همقتل"، أي: القتيل٢. وعثر على نص قتباني, هو قانون في تحديد عقوبة القتل والقاتل جاء فيه: أي شخص يقتل شخصًا وكان من شعب قتبان أو من قبائل تابعة أو محالفة لها يعاقب بعقوبة القتل، إلا إذا قرر الملك عقوبة أخرى مستمدة من شريعة "تمنع، وعلان، وصيرم"٣. ويقصد بشريعة "تمنع، وعلان، وصيرم" العرف المتبع عند أهل "تمنع", أي: العاصمة, وعند جماعة "وعلان" وعند أهل "صيرم". فللملك أن يعاقب بالعقوبات المقررة عند هؤلاء، إذا لم يقرر الأخذ بمبدأ القصاص. وقد استثنى القانون المذكور قتلة القتلة الفارين من تطبيق عقوبة القتل أو العقوبات التبعية الأخرى عليهم، إذا كان قتلهم في أثناء فرارهم وعصيانهم حكم الملك، أو حكم من خوله "الملك" تطبيق "العدالة" بين الناس. فإذا فرَّ قاتل، وأبى تطبيق ما صدر من حكم عليه، وقتل وهو في هذه الحالة، لم يحاسب القاتل على قتله له، ولا يعاقب بأية عقوبة من أجل ما قام به من قتله إنسانًا آخر. والظاهر أن المشرع القتباني قد أخذ بالظروف المحلية التي كانت سائدة إذ ذاك، من سهولة هرب القتلة وتهديدهم الأمن والنظام، فلم يعاقب قتلتهم بأية عقوبة، وذلك ليقضي على القتلة العصاة وليخيفهم وليخيف الطائشين من الإقدام

стр. 3418

على جرائم القتل. ولعله نظر إلى القاتل نظرته إلى إنسان مجرم لا قيمة له في الحياة؛ لأنه شرير مؤذ، لذلك لم يفكر في مؤاخذة قاتل شخص على هذا النحو على عقوبته هذه. وجاء في القانون المذكور أن من يرتكب جرمًا أو يعمل عملًا مخلًّا بالأمن، أو يعرقل تنفيذ أوامر الملك لتعطيلها وإيقافها، سواء كانت معلنة أو غير معلنة، ثم فرَّ وقتل فلا يؤاخذ قاتله على قتله، ولا تؤخذ دية دمه منه١. وقد افتتح النص ونشر باسم الملك الذي أصدره، وهو الملك "يدع أب ذبيان بن شهر" ملك قتبان. وباسم "مزود" قتبان، أي: ملأ قتبان، أصحاب الرأي والمشورة، وباسم "فقضت" و"بتل" قتبان وباسم "ردمان" و"املك" "أملوك" "الأملوك"، و"مضحيم" "مضحي" و"يحر" و"بكلم" "بكيل"، وباسم القبائل الأخرى الخاضعة لحكم الملك٢. واختتم بجملة: "وتعلماي وشهد وتعلماي أيدي". وهي جملة تعني: ووقع الملك على الوثيقة بيده وأمر بإعلانها، وشهد على ذلك ووقع عليها المذكورون من الملأ أعضاء المزود، ومن السادات أصحاب المشورة والرأي وقد ذكرت أسماؤهم بعد اسم الملك؛ لأنهم وافقوا عليها وصادقوا على تشريعها، وبتصديق الملك وأشراف مملكته وأعضاء "المزود" على القوانين تكتسب صفة قانونية, ويجب تطبيقها عندئذ٣. وتدخل جريمة الانتفاضة على السلطان، أي: الثورة في جملة الجرائم التي يعاقب القائم بها بعقوبة القتل. إلا إذا عفا السلطان عن فاعلها. وقد جاء في نص سبئي أن أحد سادات القبائل ثار على الملك، ثم عفا الملك عنه. فذهب إلى المعبد وتوسل إلى إله "سبأ" أن يغفر له ذنبه. فأمر عندئذ بتقديم جارية إلى معبد "المقه" إله سبأ، تكفيرًا عما قام به من ذنب تجاه سيده، وأن يتوب عما فعل من إثم٤. وهناك أمثلة أخرى من هذا القبيل٥

стр. 3419

وقد أخذت أعراف وعادات الأعراب بمبدأ حق "ولي الدم" في أخذ حق "الدم", وذلك بالقود أو بأخذ الثأر أو بأخذ الدية. وبهذا المبدأ عمل أهل المدر أيضًا. ولكن نظرًا لوجود اختلاف في طبيعة الحياة الاجتماعية عند العرب المستقرين، فقد تساهل هؤلاء بعض التساهل في موضوع حق "الأخذ بالثأر"، بينما تشدد الأعراب فيه، واعتبروا القعود عنه ضعة وخسة، وقبول الدية سبّة تنتقل من جيل إلى الجيل الذي يليه، وهي لا تمحى إلا بغسلها بالأخذ بالثأر، فإن الدم لا يغسل إلا بالدم. وبذلك نجد مبدأ حق معاقبة القاتل في أيدي أصحاب القتيل في قانون الأعراب، أي: أهل الوبر. أما بالنسبة إلى العرب الجنوبيين، فإننا لا نستطيع أن نتحدث عن آرائهم القانونية عن "حق ولي الدم"، وعن الأخذ بـ"حق الدم" بصورة عامة شاملة، وذلك لعدم ورود نصوص فقهية عديدة في هذا الموضوع. ولكننا إذا أخذنا بنظرية القياس، وقسنا حكم المعينيين والسبئيين والحضارمة على حكم القتبانيين بالنسبة إلى "حق ولي الدم"، فإننا لا نستطيع أن نقول إن وجهة نظر العرب الجنوبيين بالنسبة إلى هذا الحق تختلف عن وجهة نظر العرب الشماليين بالنسبة إليه. فقد أخذ القانون القتباني بمبدأ حصر هذا الحق بالملك إذ جعله هو وحده الذي يقرر نوع العقوبة التي يمكن إنزالها في القاتل. فهو الذي يأمر بالقصاص، أي: بقتل القاتل، أو بفرض الدية. ويقابل "الملك" ما يقال له: "السلطان" في الفقه الإسلامي, أي: الرئيس الأعلى للدولة أو من يقوم مقامه من المخولين بالنظر في تنفيذ القوانين والأحكام. فالدولة إذن هي المسئولة وحدها عن أخذ حق القتيل من القاتل، لا "ولي الدم". وليس لولي أمر القتيل أن يتصرف من عنده لأخذ حق الدم من سافكه. وتتفق وجهة نظر الحكومة القتبانية هذه مع وجهة نظر "القوانين الرومانية" التي دونت في أوائل القرن السادس للميلاد، ومع التشريع المدني الحديث الذي يجعل أمر تنفيذ القوانين وتطبيقها وتشريعها حق من حقوق الدولة ومن الأمور التي تخص سيادتها وكيانها١.

стр. 3420

قتل القاتل: ويكون قتل القاتل عند الجاهليين بحدّ السيف. أما طرق القتل الأخرى في مثل الشنق أو الصلب على خشبة، فإنها من العقوبات التي لم تكن مألوفة بين العرب. والصلب على الخشبة، أي: الصليب من طرق القتل المألوفة عند الرومان. وأما "الرجم"، أي: إماتة الشخص برجمه بالحجارة، فإنه من العقوبات المعروفة عند العبرانيين، وقد نص على العقوبات التي يعاقب الإنسان عليها في الرجم في التوراة١. وقد ورد أن من الجاهليين من عاقب بالصلب. فقد قتل المشركون "خبيب بن عدي" الأنصاري بصلبه على خشبة، وبطعنه بالرماح حتى مات٢. وصلب "هلال بن عقة"٣، وصلب غيرهما، ويكون الصلب بتعليق الشخص وربطه على خشبة، وطعنه بالحربة حتى يموت مصلوبًا٤. وورد أن رسول الله قتل "عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس"، بعرق الظبية منصرفة من بدر. فأمر بصلبه. فهو أول مصلوب في الإسلام٥. وقد عرف الصلب في الإسلام. وهو كناية عن تعليق الإنسان بعد قتله على خشبة، أو شجرة أو محل مرتفع ليراه الناس. وقد صلب خالد بن الوليد "عقة بن جشم بن هلال النمري" بعين التمر٦. وورد أن الصلب كان في الجاهلية عقوبة قاطع الطريق٧. وقد ورد في القرآن الكريم ما يفيد وجود "الصلب" وتقطيع الأيدي والأرجل عند الجاهليين. فقد ورد في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ ٨.

стр. 3421

وقد ذكر علماء التفسير أن هذه الآية نزلت في "العُرنيين" أو قوم من "عكل" قدموا على رسول الله، فاجتووا المدينة، فأمر لهم رسول الله بلقاح وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فانطلوا، فلما صحوا، قتلوا راعي رسول الله واستاقوا النعم، وكفروا بعد إسلامهم فبلغ النبي خبرهم، فأرسل في آثارهم، فأتى بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون. وكانوا قطعوا يدي الراعي ورجليه، وغرزوا الشوك في عينيه حتى مات، وأدخل المدينة ميتًا. وكان هذا الفعل سنة ست من الهجرة١. كذلك كان القتل بإزهاق الروح بالرجم من العقوبات المعروفة عند الجاهليين، فقد قتل المشركون "عبد الله بن طارق"، رجمًا بالحجارة، أوثقوا أطرافه، فلما نزع يده من رباطه، قتلوه رجمًا بالحجارة٢. ولكن هذه العقوبة من العقوبات القليلة التي لجأ إليها أهل الجاهلية، فلا نستطيع اعتبارها من نوع القتل المألوف عند العرب. والخنق معروف عند الجاهليين، لكنه قليل الاستعمال في العقوبات. وقد ذكر أن "النعمان بن المنذر"، أمر بخنق عدي بن زيد العبادي حتى مات٣. ويكون بخنق الشخص بحبل يضيق على رقبته ويشد حتى يموت أو بقماش أو بجلد أو باليد وبأمور أخرى عديدة. وقد خنقت بعض النساء رجالًا، انتقامًا منهم. ويستعمل عند وجود فرصة سانحة كأن يكون الشخص نائمًا أو عند عثور شخص لا سلاح عنده على عدو له. فوجد أن الفرصة الوحيدة المواتية له للقضاء عليه هي بإخناقه، وقد يستعمل في حالة الدفاع عن النفس. وقد عرفت "المثلة" عند الجاهليين. يقال مثل بفلان، نكل به تنكيلًا، بقطع أطرافه والتشويه به. ومثّل بالقتيل جدع أنفه وأذنه أو مذاكيره أو شيئًا من أطرافه. وقد مثِّل بـ"حمزة" عم النبي، لما قتله "وحشي". وقد نهى الإسلام عن المثلة بالإنسان وبالحيوان٤.

стр. 3422

القتل الخطأ: ومن أنواع القتل الخطأ: القتل الذي يقع نتيجة وقوع اضطراب وثورات أو هجوم بحيث يصعب تشخيص القاتل، وكذلك القتل بسبب هجوم حيوان على شخص، فيكون صاحبه مسؤولًا عن القتل؛ لأنه مالكه. أو بسبب ضرب شخص شخصًا بحجر أو بشيء آخر، ولم يكن متعمدًا قتله أو رميه به أو بذلك الشيء، وإنما أصابه خطأ فقتله. وقد عينت القوانين حدود هذه الأنواع من القتل، وتركت تقدير مقدار العقوبة والتعويض إلى "الملك" وذلك في العربية الجنوبية، ويقوم الحكام مقام الملك في النظر في هذه الأمور. أما أمره عند العرب الشماليين فإلى العرف والعادة والحكام.

стр. 3423

السجن: ولما كان من الصعب بل من غير الممكن للقبائل الحكم بالسجن على المجرمين؛ لعدم توفر السجون عندها لجأت إلى عقوبة الطرد، أي: طرد المجرم إلى مكان ما يقرر لمدة معينة بحيث لا يسمح للمجرم بالمجيء إلى منازل القبيلة خلال مدة الطرد. وهي عقوبة معروفة عند العبرانيين وعند غيرهم من الساميين وغير الساميين مثل الرومان، ولا تزال عقوبة الإبعاد والإجلاء معروفة ومستعملة عند القبائل. وتسمى اليوم بـ"الجلوة" الجلو" "الجلي" عند بعض عشائر العراق. وأما في المدن، فإن الأخبار تتحدث عن وجود السجون فيها. فإذا حكم على أحد بالسجن أودع فيه. وقد عرف السجانون بالحدادين كذلك؛ وذلك لأنهم كانوا يمنعون الناس من حرياتهم، وكانوا يضعون القيود في أيديهم وأرجلهم، والقيود هي من صنع الحدادين١

стр. 3424

وقد أشير إلى السجن، أي: "المحبس" و"الحبس" في القرآن الكريم١، مما يدل على وجود السجن في مكة وعلى وجود السجون في الحجاز. وتوضع السلاسل في أيدي اللصوص والأشرار والمساجين وفي أرجلهم لمنعهم من الهرب. وقد تربط السلسلة برجل السجين من جهة وبجدار السجن أو الباب من جهة أخرى كي لا يتمكن من الهروب. وتتصل نهاية السلسلة بطوق، تطوق به يدا السجين أو رجلاه. واستعملت أطواق النحاس كذلك٢. ويعبر عن وضع السلسلة في يدي السجين أو رجله بكلمة "كبل". وهو تعبير مستعمل في الإرمية وفي العبرانية كذلك٣. وقد عاقب سادات الأسر المخالفين والخارجين على الطاعة بحبسهم في بيوتهم، وذلك بربط المحبوس بالسلاسل فلا يخرج ولا يغادر مكانه. وقد كان أهل مكة يحبسون من يستحق الحبس في بيوتهم، بربطه بسلسلة، حتى لا يتمكن من مغادرة محبسه. وقد حبسوا بعض من أسلم من الشبان، عقوبة لهم. ونظرًا إلى صعوبة تطبيق الحبس في البادية لا أستطيع أن أتحدث عن عقوبة الحبس عند الأعراب. وفي السبئية لفظة "خصق"، وتعني السجان ومحافظ السجن٤. ومعنى هذا وجود السجون عند العرب الجنوبيين. وقد كانت لملوك الحيرة سجون يسجنون بها من يغضبون عليهم من الناس. وقد تحدثت عن ذلك في أثناء كلامي عن "الدولة" وفي مناسبة الكلام على سجن "عدي بن زيد العبادي" بـ"الصنين"٥، ولا أستبعد أن يكون للغساسنة سجون أيضًا، يرمون بها المخالفين لهم. وقد كانت سجون العربية الجنوبية في قلاع الملوك والأقيال والأذواء، وفي المباني العامة المحصنة، حيث يودع السجين في أماكن منيعة حتى لا يتمكن من الهروب

стр. 3425

منها، يحرسها سجانون، وبين من يسجن عدد من المعارضين للحكام والثوار والمشاغبين على السلطة القائمة، أي: مجرمين سياسيين، يبقون في سجونهم ما دام الحكام غير راضين عنه. وقد يموت بعض منهم وهم في سجونهم. وورد في الأخبار أن السجن لم يكن في زمن الرسول بيثرب، ولا في أزمان أبي بكر وعمر وعثمان، وكان يحبس في المسجد أو في الدهليز، حيث أمكن. فلما كان زمن "علي بن أبي طالب"، أحدث السجن بالكوفة. وكان أول من أحدثه في الإسلام، وسماه "نافعًا" ولم يكن حصينًا، فنقبه اللصوص وانفلتوا، فبنى آخر وسمّاه "مخيسًا" من التخييس وهو التذليل. وقد ورد في أخبار أخرى، أن "نافع بن عبد الحارث الخزاعي" من عمال "عمر" اشترى دارًا من "صفوان بن أميّة" للسجن بمكة١. ومعنى هذا أن السجن كان معروفًا قبل أيام "عثمان" و"علي". وقد ورد في بعض الأخبار أن "عمر" أول من حبس في السجون. "وقال أحبسه حتى أعلم منه التوبة، ولا أنفيه من بلد إلى بلد فيؤذيهم"٢؛ وذلك لأن العرب كانت تستعمل "التغريب", أي: النفي في موضع السجن، لسهولة النفي، وصعوبة الحبس.

стр. 3426

الجلد: وعرفت عقوبة الجلد عند الجاهليين، ولا سيما عند الحضر، فقد عاقبوا بالجلد. وقد أشير إليها في الكتابات العربية الجنوبية، إذ ورد في اتفاقية من الاتفاقيات المتعلقة بـ"الوقف" أن الطرف الثاني، وهو الشخص المتعاقد مع الحكومة أو المعد، إذا تماهل أو امتنع عن دفع ما عليه من حقوق نص عليها، عوقب بغرامة مقدارها "خمسة رضى"، أو بجلده خمسين جلدة بالعصا١.

стр. 3427

"وذ يخدلن فلن غل ينكرون خمس رضيم فاو خمس سبطم لا حد انسم"١، ومعناها "والذي يتخاذل أو يقصر في العمل يعاقب بخمس رضى، أو بخمسين جلدة عصا لكل إنسان". وقد كان من حق الولد جلد ولده عقابًا لهم لما يفعلونه من مخالفات. ويستعمل السوط في الجلد في الغالب، كما عاقب سادات القبائل أتباعهم بجلدهم. والسوط هو المقرعة أيضًا٢.

стр. 3428

الخلع والطرد: وإذا أسرف الإنسان في ارتكاب الجرائم وبقي مستهترًا بارتكاب الموبقات لا يبالي ولا يحاسب نفسه على أفعاله وأعماله، ولا يتبع نصائح أهله وعشيرته وأوامرهم، فقد يؤدي ذلك به إلى خلعه وطرده من أهله، معاقبة له وتخلصًا من جرائره ومن المسئولية التي قد تتولد لأهله من أعماله هذه. ويكون ذلك بإعلانه للناس في المحلات العامة وفي المواسم وبإشهاد شهود على ذلك حتى يعرف الناس, فتسقط المسئولية عن أهل الطريد. ويعبر أهل العربية الجنوبية عن ذلك بلفظة "طردن," أي: الطريد، كما يعبرون عنه أحيانًا بلفظة "ثبرن"، أي: "المثبر"، وهو الذي يثبر الناس ويقوم بأعمال مثبرة فيزعجهم ويتعدى عليهم بذلك١. وهم يطردون مثل هؤلاء الأشخاص ويثبرون منهم. ويعلنون عن الطرد، ليقف الناس على اسم الطريد، فيتجنبونه أو ينزلون به ما يستحق من عقاب، إذا ارتكب عملًا مؤذيًا لهم. وقد نفى أهل الحجاز خلعاءهم إلى "حضوضي"، وهو جبل عرف بنفي الخلعاء إليه٢. وربما كانت هنالك أمكنة أخرى في جزيرة العرب اتخذت منفى ينفى إليه الخلعاء عقابًا لهم. والطرد أو الخلع أو اللعن، معناه رفع كل أنواع المسئولية القانونية المترتبة

стр. 3429

على آل الخليع والطريد والملعون وكذلك عن قبيلته إن خلعته أيضًا. فإذا ارتكب جناية صار وحده المسئول عنها، فلا يحميه أو يدافع عنه أحد. إذ أسقط أهله عنهم كل ما كان عليهم من حقوق "العصبية" تجاهه. فإذا قتل أو اعتدي عليه فلا أحد يسأل عن أهله، أو يأخذ عندئذ بحقه، لسقوط العصبية عنه. ويكون عندئذ معرضًا للقتل في أية لحظة، مطاردًا من الناس لفرط جرائره، فهو كالمجرم الفار من العدالة، الذي أسقطت عنه الجنسية، لا يجد أحدًا يؤويه، ولا مكانًا يقبله، خشية إلحاق الأذى به. ويكون الخلع والطرد علنًا وبإشهاد شهود. والأغلب أن يعلن عنه في المواسم بأن يقف الأب الذي يريد خلع ابنه وسط الناس، ثم يقول: "خلعت ابني.. فإن جر لم أضمن، وإن جر عليه لم أطلبه"١. ويعرف الخلعاء بأسماء أخرى تدل على الصعلكة والازدراء. مثل الصعاليك. وذكر أن "صعاليك العرب" ذؤبانها ويقال الذؤبان والضليلين٢.

стр. 3430

التغريب: والتغريب: النفي عن البلد أو الأرض١. وكانوا يستعملون هذه العقوبة في حق من يستهتر بعرف القبيلة ويقوم بأعمال منكرة ولا يصلح نفسه، فكانوا يحكمون عليه بالجلاء عن أرض القبيلة والابتعاد عنها مدة تحدد وتعين، وقد لا تحدد فهو نفي وإجلاء. وقد بقيت هذه العقوبة في الإسلام فأمر الرسول بالتغريب وأمر الخلفاء به كذلك٢. وقد عرف التغريب الجماعي عند الجاهليين وفي الإسلام. وهو إجلاء جماعة من موضع سكنهم. فقد كان الفرس يجلون القبائل المعادية لهم عن مواضعها ويرسلونهم إلى أماكن أخرى. وفعل الروم ذلك بالعرب أيضًا. كما فعلت حكومات

стр. 3431

اليمن ذلك بالقبائل الثائرة. وقد أجلى "عمر" أهل الذمة عن جزيرة العرب، فسموا "جالية"، وعرفوا بـ"الجالية"، ولزمهم هذا الاسم أينما حلوا، ثم لزم كل من لزمته الجزية من أهل الكتاب بكل بلد وإن لم يجلوا عن أوطانهم١.

стр. 3432

الدية: وأخذ الفقه الجاهلي بأصل تعويض الضرر وإزالته عمّن وقع الضرر عليه، وذلك بدفع تعويض عادل يرضى عنه، أو ترضى عنه ورثته في حالة وفاة من وقع الاعتداء عليه، ويقال لذلك: "الدية". أما في اللحيانية، فيقال لها: "ودي", وعن أداء الدية لأهل القتيل "ودي"، و"وديو" بصيغة الفعل الماضي١. وتعني لفظة "ودي"، دفع الدية وأعطاها في عربيتنا٢. والأصل في الدية أخذها من القاتل إن كان قادرًا، فإن لم يكن قادرًا على حملها، وقع حملها على ذوي "العصبة"، أي: على أقربائه وذوي رحمه حسب رابطة الدم. لذلك تكون "العصبة" في الديات، كما تكون في الإرث٣. وتختلف الدية باختلاف درجات القبائل ومنازل الناس، فقد تكون عشرة من الإبل، وقد تبلغ ألفًا. فإذا كان القتيل من سواد الناس ومن القبائل الصغيرة الضعيفة. كانت ديته قليلة. أما إذا كان من أشراف القبيلة زادت ديته عن ذلك تبعًا لمنزلة القتيل ولمكانته. وإذا كان القتيل ملكًا، كانت ديته ألفًا من الإبل، وتسمى هذه الدية "دية الملوك"٤. وتكون دية "الصريح" دية كاملة، وهي عشرة من الإبل كما ذكرت إذا كان القتيل من سواد الناس. أما إذا كان القتيل "حليفًا"، فتكون ديته عندئذ نصف دية الصريح, أي: خمسًا من الإبل٥. وأما إذا كان القتيل "هجينًا"، فتكون

стр. 3433

ديته نصف دية الصريح. وتكون دية المرأة نصف دية الرجل. وكانت بعض القبائل قد حددت هي دية قتلاها، وفرضتها فرضًا، فكانت تأخذ عن دية قتيلها ديتين أو أكثر أحيانًا، وتدفع دية واحدة لغيرها، وذلك بسبب قوتها وبطشها. روي أن "الغطاريف"، وهم قوم "الحارث بن عبد الله بن بكر بن يشكر" كانوا يأخذون للمقتول منهم ديتين، ويعطون غيرهم دية واحدة إذا وجبت عليهم١. وكان لبني "عامر بن بكر بن يشكر" وهم من "الغطاريف" أيضًا، وقد عرف "عامر" المذكور بـ"الغطريف" ديتان، ولسائر قومه دية٢. وورد أن "بني الأسود بن رزن" كانوا يؤدون في الجاهلية ديتين ديتين، ويؤدي غيرهم من "بني الدليل" دية دية، وذلك لفضلهم٣. فـ"بنو الأسود" هم الذين حددوا ذلك المقدار وثبتوه، ولم يكن هذا التحديد عن ضعف، وإنما هو رغبة منهم في الأفضال على ذوي القتيل الذين يكونون من غيرهم تلطفًا لهم، وترفعًا منهم عن المساومة في دماء القتلى. وذكر أن بعض حكام العرب كانوا يحكمون في الديات بمائة من الإبل. وقد نسب بعضهم هذا الحكم إلى "أبي سيّارة العدواني", الذي كان يفيض بالناس من المزدلفة، قيل: إنه أول من جعل الدية مائة من الإبل٤. ونسب بعض آخر هذا الحكم إلى "عبد المطلب". فقالوا إنه أول من سن الدية مائة من الإبل، فأخذت به قريش والعرب، وأقره رسول الله ﷺ في الإسلام٥. وكانت "قريظة" و"النضير" في الجاهلية إذا قتل الرجل من بني النضير قتلته بنو قريظة، قتلوا به منهم، فإذا قتل الرجل من بني قريظة قتلته النضير أعطوا ديته ستين وسقًا من تمر٦. وذلك بسبب الفرق في المنزلة والمكانة.

стр. 3434

وقد ورد في بعض الكتابات اللحيانية أن القتلة دفعوا دية القتلى لأهلهم الشرعيين الذين لهم حق المطالبة بالدم، وقدموا قرابين و"خرجا" خراجًا, أي: مبلغًا إجباريًّا من مواد عينية إلى الآلهة عن ذلك الدم، وقدموا قرابين وضعوها على قبر القتيل. وبهذه الطريقة حسموا دم القتيل١. ويلاحظ أن اللحيانيين استعملوا مصطلح "خرج", أي: "الخراج" للتعبير عن الجزاء الذي يجب أن يفرض على القاتل ليقدمه جزاء قتله إنسانًا٢. وقد عرفت "الدية" عند العرب الجنوبيين كذلك، ولم تحدد في القوانين، وإنما ترك أمر مقدارها إلى "الملك" أو إلى الحكام المفوضين، ويضمنهم سادات القبائل والأقيال والأذواء، يأخذونها بحسب العرف المقرر عند القبائل التي يعنيها الأمر وتعطى لأصحاب القتيل الشرعيين. وورد في نص سبئي قديم يعود عهده إلى أيام "المكربين"، حكم بدفع دية مقدارها "٢٠٠" إلى المعبد، تعويضًا عن دم شخص فقير، لم يعرف قاتله، يدفعها آل القتيل في عشر سنوات. ولم يحدد النص نوع الدية، مع أنه عيّن مقدارها٣. ويعبر عن الدية بلفظة أخرى هي "الملة"٤ وبـ"العقل"، يقال: "عقل القتيلَ يعقله عقلًا: وداه، وعقل عنه: أدى جنايته، وذلك إذا لزمته دية فأعطاها عنه"٥. سميت الدية عقلًا "لأن الدية كانت عند العرب في الجاهلية إبلًا؛ لأنها كانت أموالهم، فسميت الدية عقلًا؛ لأن القاتل كان يكلف أن يسوق الدية إلى فناء ورثة المقتول فيعقلها بالعقل ويسلمها إلى أوليائه"٦، ويقال للذين يتعاقلون على دفع الدية: "العاقلة". وكان مما جاء في كتب الرسول إلى القبائل: هم على معاقلهم الأولى، أي: الديات التي كانت في الجاهلية يؤدونها كما كانوا

стр. 3435

يؤدونها في الجاهلية على مراتب آبائهم. وفي الحديث: كتب بين قريش والأنصار كتابًا فيه المهاجرون من قريش على رباعيتهم يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى. أي: يكونون على ما كانوا عليه من أخذ الديات وإعطائها١.
следующие страницы →