← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

اليمن ذلك بالقبائل الثائرة. وقد أجلى "عمر" أهل الذمة عن جزيرة العرب، فسموا "جالية"، وعرفوا بـ"الجالية"، ولزمهم هذا الاسم أينما حلوا، ثم لزم كل من لزمته الجزية من أهل الكتاب بكل بلد وإن لم يجلوا عن أوطانهم١.

стр. 3432

الدية: وأخذ الفقه الجاهلي بأصل تعويض الضرر وإزالته عمّن وقع الضرر عليه، وذلك بدفع تعويض عادل يرضى عنه، أو ترضى عنه ورثته في حالة وفاة من وقع الاعتداء عليه، ويقال لذلك: "الدية". أما في اللحيانية، فيقال لها: "ودي", وعن أداء الدية لأهل القتيل "ودي"، و"وديو" بصيغة الفعل الماضي١. وتعني لفظة "ودي"، دفع الدية وأعطاها في عربيتنا٢. والأصل في الدية أخذها من القاتل إن كان قادرًا، فإن لم يكن قادرًا على حملها، وقع حملها على ذوي "العصبة"، أي: على أقربائه وذوي رحمه حسب رابطة الدم. لذلك تكون "العصبة" في الديات، كما تكون في الإرث٣. وتختلف الدية باختلاف درجات القبائل ومنازل الناس، فقد تكون عشرة من الإبل، وقد تبلغ ألفًا. فإذا كان القتيل من سواد الناس ومن القبائل الصغيرة الضعيفة. كانت ديته قليلة. أما إذا كان من أشراف القبيلة زادت ديته عن ذلك تبعًا لمنزلة القتيل ولمكانته. وإذا كان القتيل ملكًا، كانت ديته ألفًا من الإبل، وتسمى هذه الدية "دية الملوك"٤. وتكون دية "الصريح" دية كاملة، وهي عشرة من الإبل كما ذكرت إذا كان القتيل من سواد الناس. أما إذا كان القتيل "حليفًا"، فتكون ديته عندئذ نصف دية الصريح, أي: خمسًا من الإبل٥. وأما إذا كان القتيل "هجينًا"، فتكون

стр. 3433

ديته نصف دية الصريح. وتكون دية المرأة نصف دية الرجل. وكانت بعض القبائل قد حددت هي دية قتلاها، وفرضتها فرضًا، فكانت تأخذ عن دية قتيلها ديتين أو أكثر أحيانًا، وتدفع دية واحدة لغيرها، وذلك بسبب قوتها وبطشها. روي أن "الغطاريف"، وهم قوم "الحارث بن عبد الله بن بكر بن يشكر" كانوا يأخذون للمقتول منهم ديتين، ويعطون غيرهم دية واحدة إذا وجبت عليهم١. وكان لبني "عامر بن بكر بن يشكر" وهم من "الغطاريف" أيضًا، وقد عرف "عامر" المذكور بـ"الغطريف" ديتان، ولسائر قومه دية٢. وورد أن "بني الأسود بن رزن" كانوا يؤدون في الجاهلية ديتين ديتين، ويؤدي غيرهم من "بني الدليل" دية دية، وذلك لفضلهم٣. فـ"بنو الأسود" هم الذين حددوا ذلك المقدار وثبتوه، ولم يكن هذا التحديد عن ضعف، وإنما هو رغبة منهم في الأفضال على ذوي القتيل الذين يكونون من غيرهم تلطفًا لهم، وترفعًا منهم عن المساومة في دماء القتلى. وذكر أن بعض حكام العرب كانوا يحكمون في الديات بمائة من الإبل. وقد نسب بعضهم هذا الحكم إلى "أبي سيّارة العدواني", الذي كان يفيض بالناس من المزدلفة، قيل: إنه أول من جعل الدية مائة من الإبل٤. ونسب بعض آخر هذا الحكم إلى "عبد المطلب". فقالوا إنه أول من سن الدية مائة من الإبل، فأخذت به قريش والعرب، وأقره رسول الله ﷺ في الإسلام٥. وكانت "قريظة" و"النضير" في الجاهلية إذا قتل الرجل من بني النضير قتلته بنو قريظة، قتلوا به منهم، فإذا قتل الرجل من بني قريظة قتلته النضير أعطوا ديته ستين وسقًا من تمر٦. وذلك بسبب الفرق في المنزلة والمكانة.

стр. 3434

وقد ورد في بعض الكتابات اللحيانية أن القتلة دفعوا دية القتلى لأهلهم الشرعيين الذين لهم حق المطالبة بالدم، وقدموا قرابين و"خرجا" خراجًا, أي: مبلغًا إجباريًّا من مواد عينية إلى الآلهة عن ذلك الدم، وقدموا قرابين وضعوها على قبر القتيل. وبهذه الطريقة حسموا دم القتيل١. ويلاحظ أن اللحيانيين استعملوا مصطلح "خرج", أي: "الخراج" للتعبير عن الجزاء الذي يجب أن يفرض على القاتل ليقدمه جزاء قتله إنسانًا٢. وقد عرفت "الدية" عند العرب الجنوبيين كذلك، ولم تحدد في القوانين، وإنما ترك أمر مقدارها إلى "الملك" أو إلى الحكام المفوضين، ويضمنهم سادات القبائل والأقيال والأذواء، يأخذونها بحسب العرف المقرر عند القبائل التي يعنيها الأمر وتعطى لأصحاب القتيل الشرعيين. وورد في نص سبئي قديم يعود عهده إلى أيام "المكربين"، حكم بدفع دية مقدارها "٢٠٠" إلى المعبد، تعويضًا عن دم شخص فقير، لم يعرف قاتله، يدفعها آل القتيل في عشر سنوات. ولم يحدد النص نوع الدية، مع أنه عيّن مقدارها٣. ويعبر عن الدية بلفظة أخرى هي "الملة"٤ وبـ"العقل"، يقال: "عقل القتيلَ يعقله عقلًا: وداه، وعقل عنه: أدى جنايته، وذلك إذا لزمته دية فأعطاها عنه"٥. سميت الدية عقلًا "لأن الدية كانت عند العرب في الجاهلية إبلًا؛ لأنها كانت أموالهم، فسميت الدية عقلًا؛ لأن القاتل كان يكلف أن يسوق الدية إلى فناء ورثة المقتول فيعقلها بالعقل ويسلمها إلى أوليائه"٦، ويقال للذين يتعاقلون على دفع الدية: "العاقلة". وكان مما جاء في كتب الرسول إلى القبائل: هم على معاقلهم الأولى، أي: الديات التي كانت في الجاهلية يؤدونها كما كانوا

стр. 3435

يؤدونها في الجاهلية على مراتب آبائهم. وفي الحديث: كتب بين قريش والأنصار كتابًا فيه المهاجرون من قريش على رباعيتهم يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى. أي: يكونون على ما كانوا عليه من أخذ الديات وإعطائها١.

стр. 3436

العاقلة: والعاقلة: هم العصبة، وهم القرابة من قبل الأب الذين يتحملون الديات. وقيل: القبيلة، إلا أنهم يحملون بقدر ما يطيقون. ولا يعقل حاضر على باد. وورد أن "عمر" قال: "إنا لا نتعاقل المضغ بيننا، معناه: أن أهل القرى لا يعقلون عن أهل البادية، ولا أهل البادية عن أهل القرى"١. ويظهر أن هذا كان حكم الجاهليين أيضًا، أو حكم بعض منهم في أصول دفع الديات. وليس في إسقاط الجنين دية عند بعض الجاهليين. ورد أن امرأتين من هذيل اقتتلتا فرمت إحداهما الأخرى بحجر فأصاب بطنها، وهي حامل، فقتلت ولدها الذي في بطنها، فاختصموا إلى الرسول، فقضى أن دية ما في بطنها غرة عبد أو أمة. فقال ولي المرأة التي غرمت: "كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك يطل"٢. وورد في الحديث: "من لا أكل ولا شرب ولا استهل، ومثل ذلك يطل٣ والطل: هدر الدم، وقيل: هو أن لا يثأر به أو تقبل ديته، وفي الحديث أيضًا أن رجلًا عض يد رجل فانتزع يده من فيه فسقطت ثناياه فطلّها رسول الله"، أي: أهدرها وأبطلها٤. وإذا تنوزل عن الجراحة والدم بدفع الدية، قيل لذلك: أرش الجراحة، أي:

стр. 3437

ديتها١. ومتى تم الاتفاق وحصل التراضي بدفع الدية، انتهى الدم، ويعبر عن ذلك بـ"الفصل" وما زال هذا التعبير مستعملًا بين عشائر العراق٢. فالأرش إذن دية ما دون النفس، أي: القتل، كدية الجروح. فهو تعويض عن الضرر الذي يلحق بالعضو المصاب، ويختلف الأرش عند الجاهليين باختلاف التلف الذي أصاب عضو الإنسان، وباختلاف منازل الناس والقبائل. وهو على العموم دون الدية؛ لأن الدية تعويض عن قتل، أي: هلاك أصاب جسم الإنسان كله، بينما الأرش تعويض عن جزء من جسم. وفي الحديث: في أرش الجراحات الحكومة. ومعنى الحكومة في أرش الجراحات التي ليس فيها دية معلومة: أن يجرح الإنسان في موضع في بدنه مما يبقي شَيْنه ولا يبطل العضو، فيقتاس الحاكم أرشه بأن يقول: "هذا المجروح لو كان عبدًا غير مشين هذا الشين بهذه الجراحة كانت قيمته ألف درهم، وهو مع هذا الشين قيمته تسعمائة درهم، فقد نقصه الشين عُشر قيمته، فيجب على الجارح عشر ديته في الحر؛ لأن المجروح حر، وهذا وما أشبهه بمعنى الحكومة"، التي تستعمل في أرش الجراحات٣. وتؤدي لفظة "أرش" في اللحيانية معنى "عوض"، ودَفَع بدلًا. وهي من المصطلحات القانونية الواردة في الكتابات. فإذا بدل إنسان شيئًا بشيء عبر عن ذلك بلفظة "أرش"٤. ولا أستبعد أن يكون اللحيانيون قد استعملوها في التعبير عن التنازل عن الجراحة والدم بعد دفع الدية. ويعوض عن الضرر الذي يلحقه إنسان بإنسان آخر مثل قطع عضو من أعضاء جسمه أو إلحاق عجز به أو جراحة مؤذية بدفع "دية" من الضرر. أما الجراحة التي لا تكون مؤذية، ولا تلحق ضررًا، فلا يدفع عنها دية، ويعبر عن ذلك

стр. 3438

بـ"الخماشة"١. و"الخمُاشة" ما ليس له أرش معلوم من الجراحات، أو هو دون الدية، كقطع يد أو أذن أو نحوه. أي: جرح أو ضرب أو نهب، أو نحو ذلك من أنواع الأذى. والخماشات: الجراحات والجنايات. وهي كل ما كان دون القتل والدية٢. ويقال لما يدفع عن الجراحات "نذرًا". وذكر أن النذر لا يكون إلا في الجراح صغارها وكبارها وهي معاقل تلك الجراح٣. وقد نص في القوانين العربية الجنوبية على تعويض الجروح والأضرار التي تلحق بالجسم كذلك، فورد فيها: "ثوب بقبتن"، أي: "ثياب بمقتينات، ويراد بذلك أن يعوض بمال٤. ويقدر ما يدفع من المال إلى ما نزل به الضرر بحسب شأن الجرح ومقدار الضرر؛ يقدره الحكام وعرّاف القبيلة. وقد سادت شريعة الجاهليين في معاقبة المجرمين في الجرائم الأخرى التي ليست قتلًا على أساس التعويض وإصلاح الضرر والسجن والخلع والنفي ومعاقبة الفاعل عقابًا يناسب عمله وما صدر منه. وإذا عجزت عصبة القاتل عن دفع دية القتيل، وقد حملها على أقرباء العصبة, فإن نأوا بها وجب على القبيلة تحملها. ويدخل فيها سيد القبيلة. فالقبيلة وحدة اجتماعية قائمة بذاتها وعليها لذلك تحمل مسئوليات أفرادها. ولهذا توزع الديات على أفرادها إن ثبت عدم تمكن أقرباء القاتل من دفعها. وتدفع الدية إلى "ولي القتيل" أو إلى أوليائه الشرعيين، أي: الذين لهم حق المطالبة بدم القتيل. وهم وحدهم لهم حق الفصل في موضوع الدم. ولا تقع جناية العبد على مولاه، وإنما تقع جنايته في رقبته، فلا يعقل سيده عنه، ولا تتحمل عصبة سيده عنه أي شيء في حالة عدم تمكن سيده من أداء "العقل"، أي: الدية، إنْ قتل العبد شخصًا. وللفقهاء في الإسلام في استيفائها منه خلاف٥.

стр. 3439

وعند اعتصام القاتل وامتناع أهله أو عشيرته عن تسليمه إلى أهل القتيل للاقتصاص منه بقتله, وعدم رضاء أهل القتيل بأخذ "الدية" منه أو من أهله غسلًا للدم، يلجأ أهل القتيل إلى "الأخذ بالثأر"، وهو مبدأ معروف عند الشعوب السامية، وذلك بأن يتربص أهل القتيل بالقاتل، حتى يجدوه فيقتلوه، أو يتربصوا بأقرب الناس إليه إن لم يجدوا القاتل فيقتلونه ويؤدي هذا الثأر إلى وقوع عدد من القتلى في الغالب من الجانبين، وقد يؤدي إلى وقوع قتال بين العشائر والقبائل. ويدفع أهل القتيل على إصرارهم على الأخذ بالثأر عقيدة قديمة متوارثة، هي أن الروح منفصلة عن الجسم، فإذا قتل القتيل، خرجت روحه وصارت هامة، تحوم حول قبره، تقول؛ اسْقُوني، ولن تستقر حتى يؤخذ بثأره، وإلا بقيت تحوم حوله، ويلحق الأذى عندئذ بأهل القتيل. فخوف أهل القتيل من هذه العاقبة السيئة، يدفعهم على الإصرار على الأخذ بالثأر. وقد روى أهل الأخبار قصصًا عن الأخذ بالثأر. وكيف كان الجاهليون لا يرتاحون ولا يهجعون إلا بعد أخذهم بحق "الثأر المنيم" وقد ذكروا أن العرب ضربت المثل برجل اسمه "بيهس" في الأخذ بالثأر١.

стр. 3440

الذحل: والذحل الثأر أو طلب مكافأة بجناية جُنيت عليك أو عداوة أُتيت إليك، أو العداوة والحقد١.

стр. 3441

الشدخ: وقد يبطل الحاكم الدماء ويقال لذلك: "الشدخ". وأصل الشدخ الكسر والفضح. وقد عرف "يغمر بن عوف" بـ"الشداخ"، سمي بذلك لما شدخ من دماء خزاعة حين حكّموه١.

стр. 3442

ومن الأحكام الطريفة المتعلقة بجرائم القتل، حكم المسئولية التي تقع على الجماعة, أي: جماعة أرض يقع فيها قتل، يختفي فيها أثر القاتل، وينكل أهلها عن تسليمه في خلال مدة حددها القانون بأربعة أيام. فإذا مضت المدة ولم يعثر فيها على القاتل أو لم يسلم إلى الحكومة، صودرت غلات الجماعة وأخذ حصادهم، حتى بيت الملك، أو الجهات المسئولة، أي: الحكام في الأمر، وفي تعيين نوع العقوبة والدية التي ستفرض على الجماعة. وتودع الأموال المصادرة في مخازن الدولة أو مخازن المعبد، أو تباع إن لم يكن في الإمكان حفظها، ويحفظ ثمنها، إلى أن يبت الملك أو الحكام في الأمر. ويظهر أن الغاية التي توخاها المشرع من إصداره هذا القانون، هو قطع دابر احتماء القتلة، بعشائرهم أو من يلجئون إليهم، وفرارهم من تنفيذ عقوبة القانون عليهم. ثم لإكراه الجماعات على مساعدة السلطة في البحث عن المجرمين١.

стр. 3443

التعقبة ... التعقية: الأصل في القتل القصاص، وذلك كما ذكرت. أما الدية، فلا يقبلها إلا الضعفاء، وكانوا يعيرون من يأخذها بأنهم باعوا دم قتيلهم بمال. ولهذا كان يأبى أولياء المقتول من قبول الدية إذا كانوا أقوياء. أما الضعفاء. فقد وجدوا لهم حيلة شرعية ومخرجًا من المخارج في دفع ذم الناس لهم بقبولهم الديات، وذلك بلجوئهم إلى ما يقال له: التعقية في تبرير أخذهم دية قتيلهم. "والتعقية هي أن يقول آل القتيل لآل القاتل: بيننا وبينكم علامة، فيقول الآخرون: ما علامتكم؟ فيقولون: أن نأخذ سهمًا فنرمي به نحو السماء، فإن رجع إلينا مضرجًا بالدم، فقد نهينا عن أخذ الدية، وإن رجع كما صعد، فقد أمرنا بأخذها، وحينئذ يقبلون الدية، وهم يعلمون أن السهم سيرجع كما صعد من غير دم. ولكنهم يريدون عذرًا في قبول الدية: يعتذرون به أمام الناس من تعييرهم لهم، وكانت علامة قبولهم بأخذ الدية، مسح اللحية، فإن مسح اللحية علامة الصلح. قال ابن الأعرابي: ما رجع ذلك السهم قط إلا نقيًّا، ولكنهم يعتذرون به عند

стр. 3444

الجهال"١ قال المتنخل الهذلي: عقوا بسهمٍ فلم يشعر به أحد ... ثم استفاءوا وقالوا: حبذا الوضحُ يقول: "رموا بسهم نحو الهواء إشعارًا أنهم قد قبلوا الدية ورضوا بها عوضًا عن الدم، والوضح اللبن، أي قالوا: حبذا الإبل التي نأخذها بدلًا من دم قتيلنا فنشرب ألبانها"٢.

стр. 3445

الأشناق: وقد يحمل أحد الأجواد دفع الدية عن أهل القاتل، وقد يطلب المساعدة من قبيلته كي يكملوا عدة الدية أو الغرم. ويقال لهذا الفعل: الأشناق. ويعد دفع الأشناق من مكرمات الرجال، وكانوا يفتخرون بذلك على سائر الناس١. وقد كانت قريش قد اختارت قومًا عهدت إليهم "الأشناق". يجمعون من أهل مكة المال، ليدفع في مساعدة من لا يتمكن من دفع الدية.

стр. 3446

الحمالة: ويقال لمن يحمل الدية أو الغرامة عن قوم ليصلح بينهم "الحمالة". "ومنه الحديث: لا تحل المسألة إلا لثلاثة. ورجل تحمل حمالة بين قوم. وهو أن تقع حرب بين قوم وتسفك دماء فيتحمل رجل الديات ليصلح بينهم"١. والحميل الكفيل الضامن دفع الديات. وعليه دفعها؛ لأن الحمالة التزام، ولا يمكن التخلص من عقد بغير وفاء.

стр. 3447

السعاة: وكانت العرب تسمي أصحاب الحمالات لحقن الدماء وإطفاء النائرة سعاة، لسعيهم في صلاح ذات البين، ومنه قول زهير: سعى ساعيًا غيظ بن مرة، بعدما ... تَبَزَّلَ ما بين العشيرة بالدم والعرب تسمي مآثر أهل الشرف والفضل مساعي١.

стр. 3448

القسامة: لا حكم بغير بينة تثبت بالدليل القاطع أن القاتل قتل القتيل. ولا يطالب بالقود إن لم يثبت أن القاتل قد قتل القتيل وأنه مسئول عن دمه. أما إذا قُتل رجل في موضع أو بين قوم ولم يعرف قاتله، ويرى أولياء المقتول أن دم صاحبهم في أصحاب هذا الموضع أو القوم وأن القاتل بينهم، ولا تشهد على قتل القاتل إيّاه بينة عادلة كاملة، فيجيء أولياء المقتول فيدعون قِبل رجل أنه قتله ويدلون بلوث من البينة غير كاملة، وذلك أن يوجد المدعى عليه متلطخًا بدم القتيل في الحال التي وجد فيها ولم يشهد رجل عدل أو امرأة ثقة أن فلانًا قتله، أو يوجد القتيل في دار القاتل وقد كان بينهما عداوة ظاهرة قبل ذلك، فإذا قامت دلالة من هذه الدلالات سبق إلى قلب من سمعه أن دعوى الأولياء صحيحة، فيستحلف أولياء القتيل خمسين يمينًا، أن فلانًا الذي ادعوا قتله انفرد بقتل صاحبهم ما شركه في دمه أحد، فإذا حلفوا خمسين يمينًا استحقوا دية قتيلهم، فإن أبوا أن يحلفوا مع اللوث الذي أدلوا به حلف المدعى عليه وبريء. وإن نكل المدعى عليه عن اليمين خير ورثة القتيل بين قتله أو أخذ الدية من مال المدعى عليه. وورد أن القسامة: "أن يقسم من أولياء الدم خمسون نفرًا على استحقاقهم دم صاحبهم إذا وجدوه قتيلًا بين قوم ولم يعرف قاتله، فإن لم يكونوا خمسين

стр. 3449

أقسم الموجودون خمسين يمينًا، ولا يكون فيهم صبي ولا امرأة ولا مجنون ولا عبد، أو يقسم بها المتهمون على نفي القتل عنهم، فإن حلف المدعون استحقوا الدية، وإن حلف المتهمون لم تلزمهم الدية"١. وورد: في "حديث عمر، ﵁: القسامة توجب العقل، أي: توجب الدية لا القود، وفي حديث الحسن: القسامة جاهلية، أي: كان أهل الجاهلية يدينون بها، وقد قررها الإسلام. وفي رواية: القتل بالقسامة جاهلية، أي: إن أهل الجاهلية كانوا يقتلون بها أو أن القتل بها أعمال الجاهلية"٢. وورد أن رسول الله "أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية"٣. وقد يحلف بعض الناس يمينًا، أي: يمين القسامة، ويدفع البعض الآخر ما يصيبه من الدية، بدلًا من القسم، بأن يؤدي الدية عوضًا عن اليمين لاعتقادهم أن من يحلف كاذبًا أصابه مكروه وشر٤. ومن أمثلة ما ذكره أهل الأخبار عن القسامة والعقوبة المعجلة التي تلحق بصاحب اليمين الكاذبة، ما ذكروه عن استئجار رجل من قريش، اسمه خداش بن عبد الله بن أبي قيس العامري في رواية، رجلًا من بني هاشم، فانطلق الأجير معه في إبله إلى الشام. فمر رجل به من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه، فقال للأجير: أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي، فأعطاه عقالًا، فشد به جوالقه. فلما نزلوا، عقلت الإبل، إلا بعيرًا واحدًا. فقال الذي استأجره: ما شأن هذا البعير لم يعقل من بين الإبل؟ قال الأجير: ليس له عقال. قال المستأجر له: فأين عقاله؟ فحذفه بعصا، كان فيها أجله. فمرّ به رجل من أهل اليمن فقال: أتشهد الموسم؟ قال: ما أشهد، وربما شهدته. قال. هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر؟ قال: نعم. قال: فكنت إذا شهدت الموسم فناد: يا آل قريش؟ فإذا أجابوك، فنادِ: يا آل بني هاشم؟ فإن أجابوك، فاسأل

стр. 3450

عن أبي طالب، فأخبره أن فلانًا قتلني في عقال. ومات المستأجر. فلما قدم الذي استأجره، أتاه أبو طالب، فقال له: ما فعل صاحبنا؟ قال: مرض، فأحسنت القيام عليه، وتوفي، فوليت دفنه، قال أبو طالب: قد كان أهل ذاك منك، فمكث حينًا. ثم إن الرجل اليماني الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه، وافى الموسم، فقال: يا آل قريش؟ قالوا له: هذه قريش. قال: يا آل بني هاشم؟ قالوا: هذه بنو هاشم. قال: أين أبو طالب؟ قالوا: هذا أبو طالب. قال له: أمرني فلان أن أبلغك رسالة: أن فلانًا قتله في عقال. فأخبره بالقصة، وخداش يطوف بالبيت، لا يعلم بما كان. فقام رجال من بني هاشم إلى خداش، فضربوه، وقالوا: قتلت صاحبنا، فجمد, وأتاه أبو طالب، فقال له: اختر منا إحدى ثلاث: إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل؛ فإنك قتلت صاحبنا، وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به. فأتى قومه، فقالوا: نحلف، فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم، قد ولدت له، فقالت: يا أبا طالب، أحب أن تجيز ابني هذا من اليمين وتعفو عنه برجل من الخمسين، ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان. ففعل. فأتاه رجل منهم، فقال: يا أبا طالب، أردت خمسين رجلًا أن يحلفوا مكان مئة من الإبل يصيب كل رجل بعيران. هذان بعيران، فاقبلهما عني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان، فقبلهما. وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا. ويذكر رواة هذا الخبر أنهم كذبوا في يمينهم، فما حال الحول ومن الثمانية والأربعين عين تطرف١. وقد ذكر "السكري" القصة المذكورة، لكنه نسب القسامة فيها إلى "الوليد بن المغيرة". فذكر أنه لما أقبل أولئك الحي الذين كان "عامر" عهد إليهم بما عهد، وأخبروا "بني عبد مناف" خبر عامر. عمدوا إلى "خداش" فضربوه، وصاح الناس: الله الله يا بني عبد مناف. ثم تناهوا وتناصفوا، وصاروا في أمره إلى "الوليد بن المغيرة"، وهو يومئذ أسن قريش، فحكم بالقسامة. وذكر في ذلك أبيات شعر نسبها إلى "أبي طالب". وذكر أن

стр. 3451

بعض أهل الأخبار قال إنهم رضوا بحكم "أبي سفيان"، وروى في ذلك بيت أبي طالب: هلم إلى حكم ابن حرب فإنه ... سيحكم فيما بيننا ثم يفعل١

стр. 3452

الحيوان المؤذي: لا يقتل صاحب حيوان إذا قتل حيوانه إنسانًا آخر، إذ لا دخل لصاحبه في فعله، فتسقط عنه مسئولية العقوبة المثلية، وعليه دفع تعويض عن فعل حيوانه، وترضية أصحاب القتيل إذا كان صاحبه معه، كأن يكون راكبًا له أو مصطحبًا له، إذ كان من الواجب عليه الانتباه إلى حيوانه ووجوب سيطرته عليه حتى لا يحدث أذى بالناس. وقد أقر الإسلام هذا المبدأ. فجاء في الحديث: "العجماء جرحها جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس"١. أي: جرح البهيمة وإتلافها شيئًا هدر، لا ضمان على صاحبها إذا لم يوجد منه تفريط، أما إذا وجد كما في صورة كونه راكبًا عليها أو قائدًا لها أو سائقًا ففيه ضمان.

стр. 3453

السرقة: عرف علماء اللغة السرقة Larceny بأنها أخذ إنسان ما ليس له أخذه في خفاء١. وعرفت "مدونة جوستنيان" السارق بأنه "من انتزع بالقوة مالًا مملوكًا للغير"٤٢. وقد عاقبت شرائع الشرق الأدنى السارق بعقوبات صارمة في الغالب. وقد فرضت الشريعة الموسوية على السارق أن يرد خمس أضعاف من البقر وأربعة من الغنم عوضًا عن كل رأس مسروق. وإذا لم يكن لدى السارق ما يكفيه لإعطاء هذا الجزاء،

стр. 3454

يباع فترد القيمة من ثمنه. وكان على السارق أن يدفع أحيانًا سبعة أضعاف ما سرق. وقد أمرت برد الأشياء المأخوذة عن طريق الخيانة والغش أو اللقطة أو المغتصبة مع زيادة الخمس على قيمتها١. ويدخل في باب السرقة في الشريعة الموسوية السطو ليلًا على البيوت، وإزالة علامات الحدود لاغتصاب ملك مجاور لزيادة ملك المغتصب، والتلاعب في الكيل وفي الميزان والأبعاد أي: القياسات والدخول عنوة في ملك شخص لا يملك حق دخول ملكه وإحراق ملك الغير، وقد قررت الشريعة المذكورة معاقبة المعتدي في هذه الحالات بإصلاح الضرر وبدفع تعويض مناسب٢. والسارق عند العرب من جاء مستترًا إلى حرز فأخذ منه ما ليس له، فإن أخذ من ظاهر فهو مختلس ومستلب ومنتهب ومحترس، فإن مَنَع مما في يديه فهو غاصب٣. والسرقة عيب عند الجاهليين، أما الاستيلاء على مال الغير عنوة، أي: باستعمال القوة، فلا يعد سرقة، بل هو اغتصاب وانتهاب إذا كان في داخل القبيلة، أما إذا كان اغتصاب مال شخص من قبيلة أخرى ليس لها حلف ولا جوار ولا عقد مع قبيلة المغتصب، فيعد مغنمًا ومالًا حلالًا. ولا يرى المغتصب فيه أي دناءة، بل قد يعدّ ذلك شجاعة وفخرًا؛ لأنه أخذه عن قوة وجدارة, وعلى صاحب الحق أخذ حقه بنفسه، أو بمساعدة أهله أو أبناء عشيرته. أما بالنسبة إلى شريعة الجاهليين في معاقبة السارق، فليست لدينا فكرة واضحة عنها وبالنسبة إلى عقوبته عند جميع الجاهليين. أما أهل مكة، وهم من قريش, فقد كانوا يعاقبون السارق بقطع يده. ويظهر من روايات الأخباريين أن هذه العقوبة سنت في وقت لم يكن بعيد عهد عن الإسلام، إذ يذكرون أن أول من سنها هو "عبد المطلب"٤. ومنهم من يرجع سنها إلى "الوليد بن المغيرة"، فيقولون: إنه أول من قطع يد السارق، فصار عمله هذا سنة في معاقبة السرقة، وقطع رسول الله في الإسلام٥. وروي أن أول سارق قطعه رسول الله في الإسلام

стр. 3455

من الرجال: "الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف"، ومن النساء "مرة بنت سفيان بن عبد الأسد" من "بني مخزوم"١. وذكر "محمد بن حبيب"، أن العرب "كانوا يقطعون يد السارق اليمنى"، "وقطعت قريش رجالًا في الجاهلية في السرق" منهم "وابصة بن خالد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم"، و"عوف بن عبيد بن عمر بن مخزوم"، و"مرار"، ثم سرق فرجم حتى مات، و"الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف"، وعبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب، قطع في سرقة إبل، ومدرك بن عوف بن عبيد بن عمر بن مخزوم، ومليح بن شريح بن الحارث بن أسد، ومقيس بن قيس بن عدي السهمي، وكانا سرقا حلي الكعبة في الجاهلية، فقطعا٢. ويلاحظ أن ثلاثة من السراق المذكورين كانوا من عائلة واحدة هي عائلة "عمر بن مخزوم". وأن سارقين من هؤلاء السراق الثلاثة كانا أبا وابنًا. فالأب هو "عوف بن عبيد بن عمر بن مخزوم"، والابن هو "مدرك بن عوف بن عبيد بن عمر بن مخزوم". وذكر أهل الأخبار أن أشهر سارق عرف عند الجاهليين، هو سارق اسمه "شظاظ". فقالوا: شظاظ أسرق رجل عند العرب٣. ونحن لا نستطيع أن نتحدث عن موقف بقية العرب من عقوبة قطع يد السارق؛ لأننا لا نملك موارد تتحدث عن ذلك. ويعاقب العبرانيون السارق بدفع خمسة أمثال المسروق إذا كان ثورًا، ويدفع أربعة أمثاله إذا كان المسروق خروفًا أو نعجة، وذلك إذا كان السارق قد باع الحيوان أو قتله. أما إذا كان ذلك الحيوان لا يزال في أيدي السارق، فيعاقب عندئذ بدفع مثلي المسروق٤. وفكرة معاقبة السارق بدفع مثلي المسروق أو جملة أمثاله فكرة موجودة عند

стр. 3456

الجاهليين أيضًا، ولا تزال معروفة في العرف القبلي. فيدفع السارق أربعة أمثال المسروق عند أكثر العشائر العراقية في الزمن الحاضر، ويسمون ذلك "المربعة". وهي في الواقع من بقايا العرف الجاهلي في السرقة. وقد جعل القانون الروماني عقوبة السرقة المكشوفة، أي: السرقة التي يمسك فيها صاحبها وهو في حال السرقة أربعة أمثال المسروق، رقيقًا كان السارق أو حرًّا، أما السرقة المستورة، وهي السرقة التي يعثر عليها عند السارق، فجزاؤها المثلان١. وإذا أنكر السارق السرقة وأصر على إنكاره، ولم يتمكن المسروق من إثبات وقوع السرقة منه، ولكنه يرى مع ذلك أنه هو السارق، فعلى المسروق أن يطالب السارق بأداء يمين يقسم فيه أنه لم يسرقه وأنه لا يعرف بها، فإذا أنكر ولم يرض بالقسم، فعليه دفع المسروق أو قيمته على وفق العرف. والعرب يخشون من اليمين كثيرًا، حتى إنهم إذا جوبهوا به، فإنهم يفضلون الاعتراف بالسرقة والإقرار بها على أداء اليمين. ويعبر عن السارق بلفظة أخرى، هي "اللص" والمصدر اللصوصية. وزعم بعض علماء اللغة أن كلمة "لص" هي بلغة طيء وبعض الأنصار٢. ويرى بعض المستشرقين أنها من الألفاظ المعربة عن اليونانية، من أصل Liatis، أي: "لص" في لغة الإغريق. وقد أخذها الجاهليون عن طريق اتصالهم بالروم في بلاد الشأم، حيث كانوا يقبضون على من كان يغير على الحدود وعلى القوافل بقصد السرقة والسلب، فيسمونهم Liatis ويعاقبونهم عقوبة صارمة، فأخذ الجاهليون هذا المصطلح منهم٣. ويعبر عن أخذ المال المسروق والحصول عليه وديعة أو شراء مع علم المستلم له أنه مسروق بـ"دشش" في لغة المسند٤. وأما النهب، فأخذ مال الغير، وذلك بالغارات، أو باعتراض الناس في السبل والطرق٥. وأما السلب، فهو ما يستلبه الإنسان من إنسان آخر، في مثل

стр. 3457

الحرب أو القتل١. ولهما أحكام تختلف باختلاف الظروف التي يقع فيها السلب والنهب. ففي أثناء الحروب، يكون النهب والسلب من الأعمال المألوفة التي تبيحها القوانين، وقد يبيح القادة ذلك لجنودهم، وقد يعينون مدة يبيحون فيها سلب العدو ونهب ما في مكانه. ومن حق القاتل في الحرب سلب ما على القتيل من سلاح ولباس، وما يحمله من كل شيء.

стр. 3458

قاطع الطريق: ذكر "محمد بن حبيب" أن العرب يصلبون قاطع الطريق، وقد صلب "النعمان بن المنذر" رجلًا من "بني عبد مناف بن دارم"، من تميم كان يقطع الطريق١.

стр. 3459

الصلح: ويحاول الحكام جهدهم تسوية الخلافات بالتي هي أحسن، وذلك بفطنتهم وبذكائهم بالتوفيق بين المتخاصمين وبعقد الصلح بينهم، لدفن ما وقع بين الطرفين من خلاف. وقد ورد: "الصلح سيد الأحكام". وبهذه الطريقة المسالمة يُنهى الخلاف وتُدفن الأحقاد. ومن طرقهم في ذلك: الدفن. "وطريقتهم فيه أن تجتمع أكابر قبيلة الذي يَدفن بحضور رجال يثق بهم المدفون له، ويقوم منهم رجل، فيقول للمجني عليه: نريد منك الدفن لفلان, وهو مقر بما أهاجك عليه, ويعدد ذنوبه التي أخذ بها ولا يبقى منها بقية، ويقر الذي يدفن ذلك القاتل على أن هذا جملة ما نقمه على المدفون له، ثم يحفر بيده حفيرة في الأرض، ويقول: قد ألقيت في هذه الحفرة ذنوب فلان التي نقمتها عليه، ودفنتها له دفني لهذه الحفيرة، ثم يردّ تراب الحفيرة إليها حتى يدفنها بيده. وهو كثيرًا متداول بين العرب، ولا يطمئن خاطر المذنب منهم إلا به، إلا أنه لم تجرِ للعرب فيه عادة بكتابة

стр. 3460

بل يكتفي بذلك الفعل بمحضر كبار الفريقين، ثم لو كانت دماء أو قتلى عفيت وعفت بها آثار الطلائب"١.

стр. 3461

المال: مال أهل البادية: النعم. والمال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة ثم أطلق على كل ما يُقتنى ويُملك من الأعيان، وأكثر ما يُطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم١. وبها قدرت الديات والفديات والمهر، وبعددها قدرت ثروة الأغنياء. أما النقود: من ذهب وفضة, فقد كانت معروفة عند الجاهليين، ولا سيما فيما بعد الميلاد، إلا أنها لم تكن كثيرة في الأسواق, ولهاذ كانت طريقة المقايضة هي الطريقة الغالبة في معاملات البيع والشراء.

стр. 3462

التمليك: التمليك بعوض، والتمليك بغير عوض. وكلا النوعين معروفان عند أهل الجاهلية. فالتمليك بعوض، كأن يعوض عن حق الملك بثمن نقدًا، أو عوضًا, أي: بمال آخر مقايضة عن الملك وهو في الغالب, فيتنازل صاحب الملك عن ملكه إلى من عوضه. وأما التمليك بغير عوض، فيكون بتنازل الملك عن ملكه لغيره, أي: لمن يشاء طوعًا واختيارًا بغير ثمن لا عوض، ويسلم إلى من تُنوزل له عن حق التملك فيكون ملكًا صحيحًا له.

стр. 3463

العمري: العمري ما يجعل لك طول عمرك أو عمره، كأن يدفع الرجل إلى أخيه دارًا فيقول له هذه لك عمرك أو عمري أينا مات دفعت الدار إلى أهله. وكان ذلك فعلهم في الجاهلية. فأبطل ذلك النبي، وأعلمهم أن من أعمر شيئًا أو رقبة في حياته، فهو لورثته من بعده، وللفقهاء كلام في هذا الموضوع١.

стр. 3464

حرمة الأماكن المقدسة: وللأماكن المقدسة كبيوت العبادة والقبور حرمة عند أهل الجاهلية، ويعتبر المستهتر بها مخالفًا للعرف والسنة، فيؤدب. ومن سننهم أن الرجل في الجاهلية إذا أحدث حدثًا فلجأ إلى الحرم لم يحج. وكان إذا لقيه ولي الدم في الحرم قيل: هو صرورة فلا تهجه. وإذا اعتدى عليه، يكون المعتدي قد ارتكب جرمًا١.

стр. 3465

الحبوس: والحبس كل شيء وقفه صاحبه وقفًا محرمًا لا يباع ولا يورث من نخل أو كرم أو أرض أو مستغل أو حيوان، يحبس أصله وتصرف غلته وما يأتيه من نماء ومال على ما حبس عليه. وقد كان أهل الجاهلية يحبسون السوائم والبحائر والحوامي وغيرها على الأصنام وعلى بيوت عبادتهم. فلما جاء الإسلام، قيد الحبس بما يكون في سبيل الله وانتفاع المسلمين، وحرم عبوس الجاهلية١. وقد حبس الجاهليون أرضين لمعابدهم وأصنامهم جعلوها "حمى" لآلهتهم، ولا يجوز لأحد ارتيادها للرعي فيها ولاستثمارها؛ لأنها حبس على الصنم أو على المعبد. ترعى فيها السائمة التي حبست على الصنم أو المعبد. فلما جاء الإسلام حرم هذا الحبس؛ لأنه لغير الله. وأحل محله "الوقف" الذي هو لله. وحبسوا النخل للمحتاج ولأبناء السبيل، يلتقط تمره بغير إذن، ولا يجوز منع أحد منه. كذلك حبسوا الماء لمن يحتاج إليه، يأخذ منه دون بدل، لشدة حاجة الناس إليه، فالحبوس بمنزلة الأوقاف في الإسلام.

стр. 3466

اللقطة: اللقطة الذي تجده ملقى فتأخذه. وتكون اللقطة لواجدها ما لم يأت شخص ببينة واضحة على أنها له. فعلى لاقطها إعادتها إلى صاحبها أي: مالكها. وقد يقع

стр. 3467

نزاع على لقطة كأن يدعي شخص بأن اللقطة هي حلاله وملكه، وقد التقطها شخص وادعى أنها له، أو أنه وجدها لقطة فهي له. أو أن يتنازع متنازعون على اللقطة بأن يدعي كل واحد أنها له؛ لأنه هو الذي وجدها. فتكون البينة حجة في هذه الخصومات، حتى يفض محكم ذلك النزاع.

стр. 3468

الركاز: وللجاهليين رأي في الركاز، وهو دفين أهل الجاهلية، فمن وجده صار من حقه. ولهم رأي في المعادن. وسأتحدث عنهما في أثناء حديثي عن الحياة الاقتصادية قبل الإسلام.

стр. 3469

الفصل التاسع والخمسون: العقود والالتزامات مدخل ... الفصل التاسع والخمسون: العقود والالتزامات يجب على الإنسان الوفاء بالعقود وبالالتزامات، مهما كانت، ما دامت قد تمت برضاء الطرفين وباختيارها. ومن هذه العقود عقود الزواج والديون والشركات والمزارعة. وغير ذلك. وقد تعقد العقود بغير كتاب، أي: باتفاق لساني، وقد تتم بكتاب يدون عليه ما اتفق عليه، وقد يشهد على العقد شهود. ويكتب العقد، أي: الاتفاق إذا أريد أن يكون كتابة، على كتاب قد يكون صحيفة. يدوّن فيه كل ما اتفق عليه. ويعبر عن صحيفة العقود بلفظة "ص ل ت" "صلت" و"ص ل وت" في بعض اللهجات العربية الجنوبية. ومن معانيها "سمع"، وتؤدي معنى أن موقعي العقد قد سمعوا شروط العقد وعرفوها، فهم على علم بها وشهادة١. وإذا تم التكاتب ودوّنت كل الشروط التي اتفق عليها، ختم عليها المتعاقدون. وقد فعلوا ذلك في المعاهدات وفي الاتفاقيات وفي عقود التجارة والمعاملات الأخرى. وقد يكتب العقد كاتب قد يذكر اسمه دلالة على أنه شاهد عدل على صحة العقد. ويقوم الخاتم مقام الإمضاء المستعمل في هذا اليوم. وقد يكتب اسم الرجل، ثم توضع صورة الخاتم تحته.

стр. 3470

وربما لا يكون الخاتم مكتوبًا، بل يكون محفورًا، حفرت عليه صور. فقد ورد أن في خاتم أنس بن مالك نقش ذئب أو "ثعلب"، وكان خاتم عمران بن الحصين نقشه تمثال رجال متقلد سيفًا. ويختم به على الطين، وقد ورد: أن عمر بن الخطاب نهى أن يكتب في الخواتيم شيء من العربية١. وفي العربيات الجنوبية لفظة "جزم"، وترد في كتب العقود والالتزامات، وتعني القطع، وقطع إنسان عهدًا على نفسه وإمضاءً له، كما نقول: "جزم اليمين: أمضاه"٢ وأما لفظة "تجزم" فمعناها عقد عقدًا، أو أمضى يمينًا واتفاقًا٣. وتختم نصوص الاتفاقيات والعهود في بعض كتابات العربية الجنوبية بلفظة "صدق" أحيانًا٤، دلالة على اكتسابها الصفة الشرعية وموافقة المتعاقدين التامة، وهي في معنى "صودق" التي تدون في نهاية المعاهدات والاتفاقيات في بعض الأحيان. وتحتفظ صكوك العقود عند الطرفين، وقد تودع في الأماكن المقدسة ودور العبادة، وذلك في الأمور المهمة، مثل: الأحلاف وما يتعلق بالمجموع. وقد أودعت قريش الوثيقة التي كتبتها بمقاطعة "بني هاشم" في جوف الكعبة كما ورد ذلك في كتب السير. وقد عيّر "الحارث بن حِلِّزة اليشكري"، قومًا غدروا ونقضوا العهد بقوله: حذر الجور والتعدي وهل ينقـ ... ـض ما في المهارق الأهواء أي: إن كانت أهواؤكم زينت لكم الغدر بعد ما تحالفنا وتوافقنا، فكيف تصنعون بما في الصحف مكتوبًا عليكم٥. وأشار شاعر آخر، وهو "قيس بن الخطيم" إلى كتب دوّن فيها حلف٦.
следующие страницы →