اللقطة:
اللقطة الذي تجده ملقى فتأخذه. وتكون اللقطة لواجدها ما لم يأت شخص ببينة واضحة على أنها له. فعلى لاقطها إعادتها إلى صاحبها أي: مالكها. وقد يقع
стр. 3467
نزاع على لقطة كأن يدعي شخص بأن اللقطة هي حلاله وملكه، وقد التقطها شخص وادعى أنها له، أو أنه وجدها لقطة فهي له. أو أن يتنازع متنازعون على اللقطة بأن يدعي كل واحد أنها له؛ لأنه هو الذي وجدها. فتكون البينة حجة في هذه الخصومات، حتى يفض محكم ذلك النزاع.
стр. 3468
الركاز:
وللجاهليين رأي في الركاز، وهو دفين أهل الجاهلية، فمن وجده صار من حقه. ولهم رأي في المعادن. وسأتحدث عنهما في أثناء حديثي عن الحياة الاقتصادية قبل الإسلام.
стр. 3469
الفصل التاسع والخمسون: العقود والالتزامات
مدخل
...
الفصل التاسع والخمسون: العقود والالتزامات
يجب على الإنسان الوفاء بالعقود وبالالتزامات، مهما كانت، ما دامت قد تمت برضاء الطرفين وباختيارها. ومن هذه العقود عقود الزواج والديون والشركات والمزارعة. وغير ذلك. وقد تعقد العقود بغير كتاب، أي: باتفاق لساني، وقد تتم بكتاب يدون عليه ما اتفق عليه، وقد يشهد على العقد شهود.
ويكتب العقد، أي: الاتفاق إذا أريد أن يكون كتابة، على كتاب قد يكون صحيفة. يدوّن فيه كل ما اتفق عليه. ويعبر عن صحيفة العقود بلفظة "ص ل ت" "صلت" و"ص ل وت" في بعض اللهجات العربية الجنوبية. ومن معانيها "سمع"، وتؤدي معنى أن موقعي العقد قد سمعوا شروط العقد وعرفوها، فهم على علم بها وشهادة١.
وإذا تم التكاتب ودوّنت كل الشروط التي اتفق عليها، ختم عليها المتعاقدون. وقد فعلوا ذلك في المعاهدات وفي الاتفاقيات وفي عقود التجارة والمعاملات الأخرى. وقد يكتب العقد كاتب قد يذكر اسمه دلالة على أنه شاهد عدل على صحة العقد. ويقوم الخاتم مقام الإمضاء المستعمل في هذا اليوم. وقد يكتب اسم الرجل، ثم توضع صورة الخاتم تحته.
стр. 3470
وربما لا يكون الخاتم مكتوبًا، بل يكون محفورًا، حفرت عليه صور. فقد ورد أن في خاتم أنس بن مالك نقش ذئب أو "ثعلب"، وكان خاتم عمران بن الحصين نقشه تمثال رجال متقلد سيفًا. ويختم به على الطين، وقد ورد: أن عمر بن الخطاب نهى أن يكتب في الخواتيم شيء من العربية١.
وفي العربيات الجنوبية لفظة "جزم"، وترد في كتب العقود والالتزامات، وتعني القطع، وقطع إنسان عهدًا على نفسه وإمضاءً له، كما نقول: "جزم اليمين: أمضاه"٢ وأما لفظة "تجزم" فمعناها عقد عقدًا، أو أمضى يمينًا واتفاقًا٣.
وتختم نصوص الاتفاقيات والعهود في بعض كتابات العربية الجنوبية بلفظة "صدق" أحيانًا٤، دلالة على اكتسابها الصفة الشرعية وموافقة المتعاقدين التامة، وهي في معنى "صودق" التي تدون في نهاية المعاهدات والاتفاقيات في بعض الأحيان.
وتحتفظ صكوك العقود عند الطرفين، وقد تودع في الأماكن المقدسة ودور العبادة، وذلك في الأمور المهمة، مثل: الأحلاف وما يتعلق بالمجموع. وقد أودعت قريش الوثيقة التي كتبتها بمقاطعة "بني هاشم" في جوف الكعبة كما ورد ذلك في كتب السير. وقد عيّر "الحارث بن حِلِّزة اليشكري"، قومًا غدروا ونقضوا العهد بقوله:
حذر الجور والتعدي وهل ينقـ ... ـض ما في المهارق الأهواء
أي: إن كانت أهواؤكم زينت لكم الغدر بعد ما تحالفنا وتوافقنا، فكيف تصنعون بما في الصحف مكتوبًا عليكم٥.
وأشار شاعر آخر، وهو "قيس بن الخطيم" إلى كتب دوّن فيها حلف٦.
стр. 3471
البيوع:
ولدينا نص مهم من أيام الملك "شمر يهرعش" موجه إلى أهل سبأ وإلى أهل مأرب وما والاها في تنظيم البيوع. وهو قانون مهم جدًّا، حددت فيه واجبات البائع والمشتري وحكم البضاعة في أثناء التعامل، أي: قبل إتمام صفقة البيع. وقد حدد القانون المدة التي يعد فيها البيع تامًّا ناجزًا، بمدة شهر واحد، لا يجوز بعدها التراجع عن البيع أبدًا. وبيّن القانون حكم الحيوان الهالك في أثناء المدة التي يحق للمشتري فيها إرجاع ما اشتراه إلى البائع فحددها بمدة سبعة أيام، فإن مضت هذه الأيام وهلك الحيوان في حوزة المشتري فعليه دفع الثمن كاملًا إلى البائع، ولا يحق له الاعتراض عليه والاحتجاج بأن الحيوان قد هلك في أثناء مدة أجاز له القانون فسخ عقد الشراء فيها. ويطبق حكم هذا القانون على الإنسان أيضًا، فإذا اشترى شخص عبدًا أو عبدة، روعي في بيعها وفي شرائهما أحكام هذه المواد١.
وتعرّض القانون لحالة إرجاع المشتري ما اشتراه إلى بائعه، ورده عليه في خلال المدة التي سمح بها القانون وهي الشهر فما دون، مثل عشرين يومًا أو عشرة أيام، فجوّز ذلك، بشرط أن يقوم المشتري بدفع تعويض للبائع يعادل قيمة إجازة الحيوان أو الرقيق في خلال تلك المدة التي بقي فيها في حوزة المشتري.
فالقانون السبئي إذن قد أخذ بقاعدة "الخيار" في البيع، في بيع الأجسام الحية: الإنسان، والإبل، والغنم، والبقر. وحدد مدة "الخيار" هذه بشهر واحد، إذا تم الشهر، ولم يُرجِع المشتري ما اشتراه إلى البائع، عدّ البيع تامًّا ناجزًا، وفي مدة الخيار هذه يكون المبيع ملكًا للبائع، وعلى المشتري دفع تعويض مناسب للبائع في حالة إرجاع المبيع إلى صاحبه تعويضًا يقدر بقدر العرف المتبع في حالة إيجار ذلك الرقيق أو الحيوان، كما أن على المشتري أن يدفع بدل العبد أو الحيوان المتوفى إذا كانت الوفاة قد وقعت في أثناء وجود العبد أو الحيوان في حيازة المشتري.
وغاية المشرع من هذا الخيار هو التأكد من أن المبيع خال من العيب سالم من
стр. 3472
الفصل الستون: حكم العرب
مدخل
...
الفصل الستون: حكام العرب
الحاكم منفذ الحكم بين الناس، والذي يمنع الظالم من الظلم١. وهو في معنى "القاضي"، الذي هو القاطع للأمور المحكم لها٢. وحكام العرب، هم الذين حكموا بينهم فيما حدث من خلاف، وما وقع لهم من خصومات. وقد كان لكل قبيلة حكام، عرفوا برجاحة عقولهم وبسعة مداركهم وبوقوفهم على أعراف قومهم، وبعدلهم وإنصافهم، وبترفعهم عن الظلم والدنايا، فتحاكموا إليهم. ومنهم من طار اسمه إلى خارج مواطن قبيلته، فتحاكم إليه أبناء القبائل الأخرى، لما وجدوا فيه من صفات الحكم العادل والنزاهة والسلامة والصدق في إعطاء الحكم.
ولم يكن الحكم بين الناس والقضاء بينهم، عملًا رسميًّا من أعمال الحكومة, بمعنى أن الحاكم موظف من موظفي الدولة، كما هو في الوقت الحاضر، وكما وقع في الإسلام، وإنما كان القضاء أمرًا يعود إلى الناس، إن شاءوا رجعوا إلى عقلاء الحي لفض ما قد يقع بين أهل الحي من خلاف، وإن شاءوا اختاروا حكمًا يرتضونه لكي يقضي بينهم في الخصومة، فيقضي فيما بينهم برأيه وبرجاحة عقله، ثم ينتهي واجبه، وهم لا يختارون حكمًا، إلا لوجود خلال حميدة فيه تؤهله للحكم، مثل العدل والفهم والحنكة، والفطنة، وسرعة إدراك أسباب الحق.
стр. 3473
ولهذا صار الرجل الذي تتوفر فيه الصفات التي يجب أن تكون في الحاكم، مرجعًا لأصحاب الخصومات، يرجعون إليه لعمق تفكيره ولرجاحة عقله في استنباط الحكم الذي يرضي ويقنع الطرفين، ولم يكن هذا الحاكم من رؤساء القبيلة بالضرورة، وإنما قد يكون من الذين برزوا في مجتمعهم وأظهروا مقدرة في فهم طبائع قومهم وأعرافهم وأنسابهم وامتازوا عن غيرهم بسعة الفهم والإدراك.
وحكام العرب إما حكام منحوا مواهب ومزايا، جعلت الناس يركنون إليهم في حل المشكلات، وإما كهان، لجأ الناس إليهم يستفتونهم في الحكم فيما يقع بينهم من شجار، لاعتقادهم بصحة أحكامهم، وإما "عراف"، وإما فقهاء ومفتون، أي: رجال دين، كالقلامسة، يفتون في أمور الدين.
ويلاحظ أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون على الذي ينظر في الخصومات "الحكم" و"الحاكم". أما في الإسلام قد تغلبت لفظة "القاضي" عليه. وصار القاضي هو الذي يقضي بين الناس في جميع الأمور القضائية من مدنية وجزائية، ثم عاد الناس في هذه الأيام فخصصوا "الحاكم" بمن يحكم في القوانين الجزائية والمدنية، و"القاضي" بمن يقضي في الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية التي لها علاقة بأمور الدفن كالزواج والطلاق والإرث.
وذكر علماء اللغة أن "الفِتاحة"١، الحكومة والقضاء، قال الأشعر الجعفي:
ألا من مبلغٍ عمرًا رسولًا ... فإنّي عن فتاحتكم غني٢
وأن الفتح، الحكم بين الخصمين في لغة حمير. يقال: فتح الحاكم بينهم، إذا حكم٣.
وإذا تجاوز الحاكم العدل وتباعد عن الحق، يقال: شط عليه في حكمه. و"الشطط" مجاوزة القدر في بيع أو طلب أو احتكام٤.
و"الجور" الظلم والتعدي على الغير، وإذا شط الحاكم على شخص، يكون قد جار عليه وظلمه، وما أنصفه في حكمه.
стр. 3474
ويجب على الحاكم أن يحكم بين الناس بالقسط، حكم "الميزان"، فلا يجوز في العدالة، أن يرجح كفة على أخرى. ولهذا قيل: الميزان العدل، وجعل رمزًا للعدالة. قال تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ ١. والقسطاس الميزان، وقيل: هو أقوم الموازين وأعدلها٢.
وكانت العادة أن يلجأ اليتيم والضعيف إلى ذوي رحمه، أو إلى أبناء حيه، للحصول على ظلامته. فيتدخل أهل المروءة والإنصاف في الأمر، لإكراه الظالم على إنصاف المظلوم. ورد أنه "كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل مكانها الشاة المهزولة. ويقول: شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف، ويقول: درهم بدرهم"٣. ومنهم من كان يأكل مال اليتيم والضعيف، ويجبر اليتيمة على الزواج به، للحصول على مالها، وقد منع ذلك في الإسلام٤.
وحكام العرب في الجاهلية: أكثم بن صيفي بن رياح، وحاجب بن زرارة بن عدس، والأقرع بن حابس، وأبو عيينة، وربيعة بن مخاشن، وضمرة بن ضمرة "ضمرة بن أبي ضمرة" التميمي، هؤلاء كانوا حكام تميم٥.
و"الأفعى بن الحصين بن غنم بن رهم بن الحارث الجرهمي"، و"عيينة بن حصن بن حذيفة"، و"حرملة بن الأشعر المري"، وهرم بن قطبة بن سنان بن عمرو الفزاري، وبشر بن عبد الله بن حبان، وأبو سفيان بن حرب بن أمية، وأبو جهل بن هشام، وأنس بن مدرك، و"عامر بن الظرب" العدواني، وغيلان بن سلمة بن معتب الثقفي وهما حكمان لقيس، وهاشم بن عبد مناف، وعبد المطلب، وأبو طالب، والعاصي بن وائل القرشي، "العاصي"، والعلاء بن حارثة بن نضلة بن عبد العزى القرشي، هؤلاء كانوا حكّامًا لقريش. وربيعة بن حذار الأسدي، ويعمر بن الشداخ "يعمر الشداخ" الكناني، هؤلاء كانوا حكّامًا لكنانة٦. وكان من حكامهم أيضًا:
стр. 3475
صفوان بن أمية، وسلمة بن نوفل الكناني، ومالك بن جبر العامري، وعمرو بن حُممة الدوسي، والحارث بن عبّاد الربيعي، والقلمس الكناني، وذو الأصبع العدواني١.
وقد تعرض "اليعقوبي" لموضوع حكام العرب، فقال: "وكان للعرب حكام ترجع إليها في أمورها وتتحاكم في منافراتها ومواريثها ومياهها ودمائها؛ لأنه لم يكن دين يرجع إلى شرائعه، فكانوا يحكمون أهل الشرف والصدق والأمانة والرئاسة والسن والمجد والتجربة. وكان أول من استقضي فحكم: الأفعى بن الأفعى الجرهمي، وهو الذي حكم بين بني نزار في ميراثهم، ثم سليمان بن نوفل ثم معاوية بن عروة، ثم صخر بن يعمر بن نفاثة بن عدي بن الدئل، ثم الشداخ، وهو يعمر بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وسويد بن ربيعة بن حذار بن مرة بن الحارث بن سعد، ومخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم، وكان يجلس على سرير من خشب فسمّي ذا الأعواد، وأكثم بن صيفي بن رياح بن الحارث بن مخاشن، وعامر بن الظرب بن عمرو بن عياذ بن يشكر بن عدوان بن عمرو بن قيس، وهرم بن قطبة بن سيار الفزاري، وغيلان بن سلمة بن معتب الثقفي، وسنان بن أبي حارثة المري، والحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وعامر بن الضحيان بن الضحاك بن النمر بن قاسط، والجعد بن صبرة الشيباني، ووكيع بن سلمة بن زهير الإيادي، وهو صاحب الصرح بالحزورة، وقس بن ساعدة الإيادي، وحنظلة بن نهد القضاعي، وعمرو بن حممة الدوسي. وكان في قريش حكام، منهم: عبد المطلب، وحرب بن أمية، والزبير بن عبد المطلب، وعبد الله بن جدعان، والوليد بن المغيرة المخزومي"٢.
وكان في نساء العرب أيام الجاهلية حاكمات اشتهرن بإصابة الحكم وفصل الخصومات وحسن الرأي في الحكومة. منهن: صحر بن لقمان، وابنة الخس، وجمعة بنت حابس الإيادي، وخصيلة بنت عامر بن الظرب العدواني، وحذام بنت
стр. 3476
الريّان١.
ويذكر أهل الأخبار أن "ابنة الخس"، هي "هند بنت الخس الإيادية"، وهي جاهلية قديمة، وقد أدركت "القلمس" الكناني، ونسبوا لها أسجاعًا كثيرة, وقالوا: إنها كانت تحاجي الرجال. ورووا لها شعرًا قليلًا٢. و"الخس"، والد هذه الحكيمة، هو الخس بن حابس بن قريط الإيادي. وذكر بعضهم أنه من العماليق. وقد اختلف في اسمها فقيل: هند وقيل جمعة. وقد جاء عنها الأمثال. وكانت معروفة بالفصاحة٣.
وقد نسبوا لها حديثًا في وصف المرأة وفي وصف الرجل، كما ذكروا لها كلامًا مع والدها، حين سألها عن أسئلة٤.
وذكر بعض أهل الأخبار أن "جمعة بنت حابس الإيادي"، هي أخت "ابنة الخس"٥. والدها "حابس" رجل من إياد، أو هو "الخس بن حابس". وذكر بعض آخر، أن "جمعة" ليست أخت "هند" وإنما هناك حاكمة أخرى٦, وزعموا أن "صحر بنت لقمان"، كانت عاقلة اشتهرت بالعقل والكمال والفصاحة، وكانت العرب تتحاكم عندها فيما يقع بينهم من خلاف في الأنساب وغيرها. وكان والدها "لقمان". وبعضهم يقول غير ذلك. وأخوها "القيم". ويذكر بعضهم أن لقمان قتلها٧.
أما "الأفعى الجرهمي"، فقد جعله بعض أهل الأخبار من أول الحكام، وهو الذي حكم بين "بني نزار بن معد" في ميراثهم على حد زعم أهل الأخبار، وهو مضر وربيعة وإياد وأنمار. وكان منزله نجران من اليمن. ومن ولده السيد والعاقب أسقفا نجران في أيام الرسول٨. وجعله "اليعقوبي" من أقدم من حكم عند العرب في خلاف، إذ قال عنه: "وكان أول من استقضي إليه فحكم:
стр. 3477
الأفعى بن الأفعى الجرهمي. وهو الذي حكم بين بني نزار في ميراثهم"١. وجعله "المسعودي" ملكًا من ملوك نجران١.
وكان أكثم بن صيفي من حكام تميم، ذكر أنه أدرك الإسلام، ولما سمع بأمر النبي، وكان إذ ذاك شيخًا، بعث ابنه "حُبيشًا" إلى النبي ليأتي بخبره، فلما جاء به، جمع قومه وخطب فيهم، ودعاهم إلى الإسلام. ونسبوا له أمثلة، منها: مقتل الرجل بين فكيه، وجمعوا له تسعة وعشرين مثلًا أو أكثر من ذلك. ونسبوا له كلامًا مع "كسرى"٣. ونسب له "الجاحظ" بيتًا في الزهد، هو:
نُربّي ويهلك آباؤنا ... وبينا نربّي بنينا فنينا٤
وزعم أهل الأخبار أنه عاش تسعين ومائة سنة، ومنهم من استقل هذا العمر واستصغره، فجعله ثلاثمائة وثلاثين سنة٥.
ولأكثم صلات وعلاقات بالنعمان بن المنذر ملك الحيرة. وكان الملك قد اختاره في جملة من اختارهم لمحادثة "كسرى" في أمر العرب على ما يذكره أهل الأخبار.
ونسب أهل الأخبار إليه حكمًا زعموا أنه قالها للملك "النعمان" في أصول الحكم, وفي كيفية إدارة شئون الرعية في حقوق الراعي. وزعم أن "الحارث بن أبي شمر الغساني"، طلبه ليكون في الألسنة الموهوبة التي تكلم "هرقل" عظيم الروم عند زيارته له٦. وذكر أنه كان يحث على التآلف والوحدة وجمع الشمل، ونبذ التخالف والتنافر. ونسبوا له أقوالًا في ذلك. وفي أصول الحروب والقيادة وأمثال
стр. 3478
ذلك، مما يحتاج إليه المجتمع في ذلك العهد١.
وذكر أن سادة نجران كانوا يتصلون به، وكذلك ملك "هجر"٢. وأن سادات جهينة ومزينة وأسلم وخزاعة، كانوا يسألونه الرأي والاستشارة٣.
وحاجب بن زرارة بن عدس من حكام تميم، ومن البلغاء الفصحاء في زمانه, وممن وفد على "كسرى" من سادات تميم، وكان له كلام معه. وكان في جملة من توسط عنده ليسمح لقومه أن يدخلوا الريف. فسمح لهم بذلك. وقد هلك قبل الإسلام. فصار ابنه "عطارد" سيد تميم. وقد أدرك عطارد الإسلام, وذهب إلى الرسول، فأسلم٤. وكان حاجب بن زرارة يقال له: ذو القوس، وذلك أن تميمًا أقحطوا، فارتحل حاجب إلى كسرى، فسأله أن يأذن له، أن ينزل حول بلاده. فقال: إنكم أهل غدر! فقال: أنا ضامن. فقال: ومن لي بأن تفي؟ قال: أرهنك قوسي، فأذن لهم دخول الريف. فلما مات حاجب، رحل عطارد بن حاجب إلى كسرى، يطلب قوس أبيه، فردها عليه وكساه حلة. فلما وفد إلى النبي عطارد، وأسلم على يديه أهداها للنبي، فلم يقبلها، فباعها. وقال عمر: يا رسول الله لو اشتريتها فلبستها لوفود العرب وللعيد، فقال: إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة. وقد ارتد عطارد مع من ارتد من بني تميم بعد النبي وتبع سجاح، ثم عاد إلى الإسلام٥.
وكان "الأقرع بن حابس بن عقال بن محرر بن سفيان" التميمي المجاشعي الدارمي من حكام تميم، اسمه "فراس"، وإنما قيل له: الأقرع لقرع كان برأسه. وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام. وفد على النبي، وهو من المؤلفة قلوبهم وقد حسن إسلامه. وقد نادى النبي، من وراء الحجرات: يا محمد، فلم
стр. 3479
يحبه. فقال: والله يا محمد إن حمدي لزين، وإن ذمي لشين. فقال رسول الله: ذلكم الله. وفي هذا الحادث نزلت الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ ١. وذكر أنه كان مجوسيًّا قبل أن يسلم. وأن "عيينة" والأقرع استقطعا أبا بكر أرضًا. فقال لهما عمر: إنما كان النبي ﷺ يتألفكما على الإسلام. فأما الآن فاجهدا جهدكما، وقطع الكتاب. وقد عاش إلى زمن عثمان٢.
وإليه تحاكم "الفرافصة" الكلبي، وجرير بن عبد الله، وقد نفر "الأقرع" جرير على الفرافصة بن الأحوص الكلبي٣.
وكان ربيعة بن مخاشن من حكام تميم البارزين في أنساب قومه، كما كان من خطبائهم وفصحائهم. وهو من "بني أسيد بن عمرو بن تميم"٤، وكان يجلس على سرير من خشب في قبة من خشب، فسمي: ذا الأعواد. وإليه أشار الأسود بن يعفر بقوله:
ولقد علمتُ سوى الذين نبأتني ... أن السبيل سبيل ذا الأعواد٥
وذكر أنه كان مرجع قومه، وعالمهم بالأنساب، وزعم قومه أنه أول من قرعت له العصا٦. وكان أبوه "مخاشن": حكمًا أيضًا٧.
وكان ضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل بن دارم التميمي من حكام تميم المعروفين. وكان قومه يلجئون إليه فيمن كانوا يلجئون إليهم عند أخذ الرأي. ذكر أنه حكم فأخذ رشوة فغدر٨. وأنه كان من رجال بني تميم لسانًا
стр. 3480
وبيانًا. وكان اسمه: شق بن ضمرة، فسماه بعض ملوك الحيرة ضمرة١. والرشوة ما يعطيه الشخص الحاكم أو غيره ليحكم له، أو يحمله على ما يريد٢. وقد عرف بـ"شقة"٣.
ومن حكام "تميم" الأحنف بن قيس السعدي التميمي". واسمه "الضحاك بن قيس" وقيل: "صخر بن قيس"، ويكنى "أبا بحر" وهو ممن أدرك النبي. وكان من الحلماء الدهاة الحكماء العقلاء. وقد ضرب بحلمه المثل. "قال رجل للأحنف بن قيس: بم سدت قومك وأنت أحنف أعور؟ قال: بتركي ما لا يعنيني، كما عناك من أمري ما لا يعنيك"٤. وذكر أنه هو القائل: "لا تزال العرب بخير ما لبست العمائم. وتقلدت السيوف وركبت الخيل، ولم تأخذها حمية الأوغاد. وقيل: وما حمية الأوغاد؟ قال: أن يروا الحلم ذلًا، والتواهب ضيمًا"٥.
وكان عامر بن الظرب العدواني من حكام قيس. وذكر أنه كان أول من قرعت له العصا. ونسبوا له حكمًا وأمثالًا منها: رب أكلة تمنع أكلات. ورب زارع لنفسه حاصد سواه، ومن طلب شيئًا وجده. إلى أمثلة أخرى من أمثلة في الحكم والمواعظ وفي كيفية السير في هذه الحياة٦. وذكر أنه هو الذي جعل الدية مائة من الإبل، وجعله "محمد بن حبيب" في طليعة "أئمة العرب"٧.
وذكر أنه التقى بـ"حممة بن رافع الدوسي" عند ملك من ملوك حمير،
стр. 3481
"فقال: تساءلا حتى أسمع ما تقولان"، فجرى بينهما كلام في الحكم وفي أمور الحياة١.
وقد اختلف أهل الأخبار في أول من قرعت له العصا. فقال بعض منهم: هو "عامر بن الظرب العدواني"، وقال بعض أخر: هو "قيس بن خالد بن ذي الجدين". وهو قول ربيعة، أو "عمرو بن حممة" الدوسي، وهو قول تميم، أو "عمرو بن مالك". وذكر أن قيسًا كانوا لا يعدلون بفهم عامر بن الظرب فهمًا ولا بحكمه حكمًا. فلما طعن في السن، أو بلغ ثلاثمائة سنة، أنكر من عقله شيئًا، فقال لبنيه: أنه كبرت سني وعرض لي سهو، فإذا رأيتموني خرجت من كلامي وأخذت في غيره، فأقرعوا لي المجن بالعصا. وقيل: كانت له ابنة يقال لها: خصيلة، فقال لها: إذا أنا خولطت، فاقرعي لي العصا. فأتى عامر بخنثى ليحكم فيه، فلم يدر ما الحكم، فجعل ينحر لهم ويطعمهم ويدافعهم بالقضاء. فقالت خصيلة ما شأنك قد أتلفت مالك؟ فخبرها أنه لا يدري ما حكم الخنثى، فقالت اتبعه مباله٢. وذكر "محمد بن حبيب"، أنه حكم في الخنثى حكمًا جرى الإسلام به٣. وذكر بعض آخر أن "العرب لا يكون بينها نائرة ولا عضلة في قضاء، إلا أسندوا ذلك إليه، ثم رضوا بما قضى فيه. فاختصم إليه في بعض ما كانوا يختلفون فيه في رجل خنثى له ما للرجل، وله ما للمرأة. فقالوا: أنجعله رجلًا أو امرأة، ولم يأتوه بأمر كان أعضل منه. فقال: حتى أنظر في أمركم، فوالله ما نزل بي مثل هذه منكم يا معشر العرب، فاستأخروا عنه، فبات ليلته ساهرًا يقلب أمره وينظر في شأنه، لا يتوجه له منه وجه. وكانت له جارية يقال لها: سخيلة ترعى عليه غنمه"، فلما رأت سهره وقلقه وقلة قراره على فراشه، سألته عن حاله، فقال: ويحك اختصم إليّ في ميراث خنثى أأجعله رجلًا أو امرأة. فقالت: سبحان الله! لا أبالك اتبع القضاء المبال. أقعده، فإن بال من حيث يبول الرجل، فهو رجل، وإن بال من حيث تبول المرأة، فهو امرأة. فسرَّ بهذا الجواب٤
стр. 3482
ومن حكّام قيس: "هَرِم بن قطبة بن سيّار بن عمرو". وهو العشراء بن جابر بن عقيل. وإليه تنافر "عامر بن الطفيل"، وعلقمة بن علاثة. وسنان بن أبي حارثة بن مرة١.
ويذكر أهل الأخبار أيضًا أن "ذرب بن حوط بن عبد الله بن أبي حارثة الطائي"، كان حاكمًا شهيرًا في الجاهلية، وقد حكم "عامر بن الظرب" في الخنثى. وذكروا أن الشاعر "أدهم بن أبي الزهراء" الطائي، وهو من الشعراء في الإسلام، ذكره في شعر له، حيث قال:
منّا الذي حكم الحكوم فوافقت ... في الجاهلية سنة الإسلام٢
وقد أدخل "ذرب" واسمه "سويد بن مسعود بن جعفر بن عبد الله بن طريف بن حيي" الشاعر، في جملة من حكم في الجاهلية بحكم، فوافق حكمه السُّنة٣.
ومن حكّام العرب المعروفين وأحد المعمرين "عمرو بن حممة بن رافع الدوسي" من الأزد. ذكروا أنه عمَّر طويلًا، وأنه ذو الحلم الذي ضرب به العرب المثل، وأنه هو الذي قرعت له العصا٤. وذكر "ابن دريد" أنه وفد إلى النبي٥.
ولم يذكر أحد غيره أنه وفد عليه. بل الذي عليه الآخرون أنه مات في الجاهلية بعد عمر طويل، إذ ذكروا أنه كان أحد المعمّرين، حتى أوصل بعضهم عمره إلى حوالي الأربعمائة سنة، فذكر أنه عاش ثلاثمائة وتسعين سنة٦. وذكروا أنه عُرف بـ"ذي الحلم" وأنه هو الذي ضربت به العرب المثل في قرع العصا؛ لأنه بعد أن كبر صار يذهل فاتخذوا له من يوقظه فيقرع العصا، فيرجع إليه فهمه. وأنه هو الذي أشار إليه "الحارث بن وعلة" بقوله:
وزعمتم أن لا حُلوم لنا ... إن العصا قرعت لذي الحلم٧
стр. 3483
ويذكر أهل الأخبار أن الذين يزعمون أن "عمرو بن حممة" هو الذي كان يقال له: "ذو الحلم"، وأنه هو أول من قرعت له العصا، إنما هم أهل اليمن، وذلك تعصبًا منهم إليه١. ويظهر من ذلك أن العصبية القبلية قد لعبت دورًا في هذه القصة: قصة أول من قرعت له العصا، فزعم القيسيون أن أول من قرعت له العصا، هو "عامر بن الظرب العدواني"، وزعم أهل اليمن، أنه "عمرو بن حممة".
وقد كان له قبر معروف، تزوره المارة، ذكر أن "الهدم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد، أبو كلثوم بن الهدم" الذي نزل عليه النبي، و"عتيك بن قيس بن هيشة بن أمية بن معاوية"، و"حاطب بن قيس بن هيشة" الذي كانت بسببه حرب حاطب، مرّوا بقبره قادمين من الشأم، فعقروا رواحلهم على قبره. وقال كل واحد منهم شعرًا في رثائه٢.
ونعرف حكمًا آخر من حكام "عدوان"، عرف بـ"ذي الأصبع العدواني" وهو "حرثان بن محرث"، أو "حرثان بن عمرو"، أو "حرثان بن الحارث"، أو "حرثان بن السموأل بن محرث بن شبابة"، إلى غير ذلك من أقوال٣.
وقد عدّه أهل الأخبار من الشعراء المعمرين، وأعطاه "أبو حاتم السجستاني" عمرًا، جعله ثلاثمائة سنة بالتمام والكمال٤.
وغيلان بن سلمة الثقفي، أحد حكام قيس في الجاهلية، وهو شريف شاعر. قالوا: إنه كانت له ثلاثة أيام: يوم يحكم بين الناس، ويوم ينشد فيه شعره، ويوم ينظر فيه إلى جماله، وجاء الإسلام وعنده عشر نسوة فخيره النبي فاختار أربعًا، وكان ممن أسلم. وذكر أنه وفد على كسرى، فكان بينه وبين غيلان كلام أعجبه، فأكرمه وقدمه وسهل تجارته وتجارة من كان معه، وكان فيهم
стр. 3484
أبو سفيان في بعض الروايات، وأرسل معه من بنى له أطمًا بالطائف١. وكان غنيًّا صاحب تجارة. وقيل: إنه أحد من نزل فيه: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ .
وذكر عنه أن "بني عامر" أغاروا على ثقيف بالطائف، فاستنجدت ثقيف ببني نصر بن معاوية، وكانوا حلفاءهم، فلم ينجدوهم، فخرجت ثقيف إلى بني عامر وعليها "غيلان"، فقاتلت "بني عامر"، وانتصرت عليهم وخلد "غيلان" هذا القتال في شعر رووه له٢.
وأشير إلى اسم قاض آخر عرف واشتهر في الجاهلية، اسمه "حذار"، وهو "ربيعة بن حذار" الأسدي من "بني أسد بن خزيمة". وقد نعت بـ"قاضي العرب"٣. وكان حكمًا من حكام "بني أسد"، وإليه مرجعهم في أمورهم ومشورتهم. وإليه نافر "خالد بن مالك بن تميم النهشلي" "القعقاع بن معبد التميمي"، فنفر القعقاع٤. وله ولد اسمه: "سويد بن ربيعة بن حذار". كان حاكمًا كذلك٥.
ومن حكام "طيء" "ابن صعترة الطائي". وكان من الحكام الكهان٦.
وممن اشتهر بالقضاء بين الناس من "إياد": "وكيع بن سلمة بن زهر بن إياد"، وهو صاحب الصرح بحزورة مكة وقد أكثروا فيه فقالوا: كان كاهنًا, وقالوا: كان صديقًا من الصديقين. وذكروا له أقوالًا ووصية لقومه من إياد، جاء فيها: "اسمعوا وصيتي: الكلام كلمتان. والأمر بعد البيان، من رشد فاتبعوه ومن غوى فارفضوه، وكل شاة معلقة برجلها"، فكان أول من قال هذه الكلمة فذهبت مثلًا٧.
وقد ذكر عنه، أنه كان ولي أمر البيت بعد جرهم، فبنى صرحًا بأسفل
стр. 3485
مكة وجعل فيه أمة يقال لها: "حزورة" وبها سمّيت حزورة مكة وجعل في الصرح سلمًا، فكان يرقاه، ويزعم أنه يناجي ربه، ونسبوا له أمورًا كثيرة. ومن كلامه على ما يزعمه أهل الأخبار "مرضعة وفاطمة، ووادعة وقاصمة، والقطيعة والفجيعة، وصلة الرحم وحسن الكلم"، وقوله: "زعم ربكم ليجزين بالخير ثوابًا، وبالشر عقابًا، إن من في الأرض عبيد لمن في السماء. هلكت جرهم وربلت إياد، وكذلك الصلاح والفساد" وذكر أنه لما مات، نعي على الجبال١.
ومن حكام إياد: قس بن ساعدة الإيادي الشهير٢. وذكر أنه أول من قال: "أما بعد"٣، وسأتكلم عنه في أثناء كلامي على الخطباء البلغاء.
ومن حكام "كنانة" "صفوان بن أمية"، و"سلمى بن نوفل الكناني"، وكان من المعاصرين لـ"عامر بن الظرب العدواني"٤. وجعل "صفوان بن أمية بن محرث الكناني" في عداد من حرّم الخمر في الجاهلية تكرمًا وصيانة لأنفسهم. ونسبوا له شعرًا في سبب تركه لها٥.
ومن حكام "كنانة": "يعمر بن عوف الشدّاخ الكناني"، وكان خبيرًا بالأنساب وبالأحساب والأخبار, وحكمًا من حكام كنانة. وهو الذي شدخ دماء خزاعة٦. وكانت قريش قاتلت خزاعة وأرادت إخراج خزاعة من مكة، فتراضى الفريقان بيعمر، فحكم بينهم بشدخ الدماء بين قريش وخزاعة، وعلى ألا يخرج خزاعة من مكة٧. وورد في رواية أخرى، أنه حكم أن كل دم أصاب قريش من خزاعة موضوع، وكل ما أصاب خزاعة من قريش ففيه الدية، وأن قصيًّا أولى بالكعبة وأمر مكة من خزاعة٨.
ومن حكام "كنانة" "القلمس الكناني". وكان من نسأة الشهور، كان يقف عند "جمرة العقبة"، ثم يعلن حكمه بنسيء الشهور، كأن يحلّ أحد الصفرين ويحرم صفر المؤخرة، وكذلك في الرجبين، يعني رجبًا وشعبان. فهو
стр. 3486
من الحكام ومن النسأة١. قال "محمد بن حبيب": "نسأة الشهور من كنانة, وهم القلامسة، وأحدهم قلمس، وكان فقهاء العرب والمفتن لهم في دينهم"٢.
وكان عبد المطلب من حكام قريش، وكان يقال له: "الفيّاض" لجوده، و"مطعم طير السماء"؛ لأنه كان يرفع من مائدته للطير والوحوش في رءوس الجبال، وكان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية. وكان يأمر بترك الظلم والبغي، ويحث قومه على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيئات الأمور، وتؤثر عنه سنن جاء القرآن بأكثرها وجاءت السنة بها، منها: الوفاء بالنذر، والمنع من نكاح المحارم، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموءودة، وتحريم الخمر والزنا وأن لا يطوف بالبيت عريان٣.
وقد روت كتب الأدب والأخبار بعض الأحكام التي حكم بها حكام العرب، فصارت سنة للناس نهجوا عليها، منها: قطع يد السارق، وقد زعموا أن أول من سنَّ ذلك هو "الوليد بن المغيرة" أو "عبد المطلب"، فقطع رسول الله في الإسلام٤. والقسامة وقد حكم بها "الوليد بن المغيرة" كذلك و"تحريم الخمر" وقد حكم بهذا التحريم جملة حكام، منهم "الوليد بن المغيرة" وعبد المطلب٥، و"المنع من نكاح المحارم"، و"النهي عن قتل الموءودة" وتحريم الزنا، وأن لا يطوف إنسان بالبيت عريان، وتنسب هذه الأحكام إلى عبد المطلب٦.
ولا بد أن يكون الوليد بن المغيرة من الرجال المبجلين المشهورين في أيامه بسداد الرأي، ولهذا اكتسب إجلال الجميع له ونال تقدير الناس، حتى قيل: إن الناس كانوا يقولون في الجاهلية: لا وثوبي الوليد الخلق منهما والجديد٧. وإليه تحاكم "بنو عبد مناف" في مقتل "عمرو بن علقمة بن عبد المطلب"، حيث اتهموا "خداش بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل"
стр. 3487
بقتله. وكان "عمرو بن علقمة" أجيرًا لخداش بن عبد الله، خرج معه إلى الشأم، ففقد خداش حبلًا، فضرب عمرًا بعصا، فقضى عليه، فتحاكم "بنو عبد مناف" فيه إلى الوليد بن المغيرة، فقضى أن يحلف خمسون رجلًا من بني عامر بن لؤي عند البيت: ما قتله خداش، فحلفوا، إلا حويطب بن عبد العزى. فإن أمه افتدت يمينه، فيقال: إن من حلف هلك، قبل أن يحول عليه الحول١. وقد تحدثت عن هذه القصة في أثناء كلامي على "القسامة". وذكر أنه عرف بين قومه بـ"العدل"٢.
وذكر أن "عامر الضحيان بن سعد بن الخزرج بن النمر بن قاسط"، كان يجلس للناس في الضحى، فيقضي بين المتخاصمين، فسمي الضحيان٣. وكان سيد قومه في الجاهلية وصاحب مرباعهم٤. وكانت ربيعة تغزو المغازي وهو في منزله، فتبعث له نصيبه مما تصيبه ولنسائه حصة، إعظامًا له٥.
ومن حكم "مالك بن جبير العامري" قوله: "على الخبير سقطت"٦. وهو مَثل اشتهر وعرف بين العرب، ولا زال الناس يتمثلون به.
وكان "نفيل بن عبد العزيز" من حكام قريش٧. وإليه تنافر "عبد المطلب" و"حرب بن أمية"، فنفر عبد المطلب على حرب٨. وأمه حبشية٩.
وقد ذكر "أبو حنيفة الدينوري" اسم رجل من أهل الجاهلية، قال عنه: إنه كان فقيه العرب في الجاهلية، وإنه كان من عدوان أو من إياد. قدم في قوم معتمرًا أو حاجًّا، فلما كان على مرحلتين من مكة قال لقومه وهم في نحر الظهيرة: من أتى إلى مكة غدًا في مثل هذا الوقت كان له أجر عمرتين فصكّوا الإبل صكة شديدة حتى أتوا مكة من الغد في ذلك الوقت١٠.
стр. 3488
فالرجل المذكور أن صحت رواية "الدينوري" عنه، فقيه من الفقهاء وحاكم كان بين الناس. ومعنى هذا وجود الفقه عند الجاهليين بالمعنى المفهوم من الكلمة في الإسلام.
وأكثر من ذكرت، هم ممن أدركوا الإسلام، وسمعوا بخبر الرسول. وقد زعم أن بعضهم عُمّر عدة مئات من السنين. ويظهر أن ذاكرة أهل الأخبار لم تعِ من أخبار الحكام الذين عاشوا قبل الإسلام بزمن طويل، فاقتصر علمها على هؤلاء وأمثالهم ممن عاش في الفترة الملاصقة للإسلام.
وقد نسب أهل الأخبار إلى الحكام المذكورين علم بأنساب الناس وأحسابهم، كما نسبوا لهم الفصاحة والبلاغة والبيان. وكلها من مستلزمات ومن ضروريات الحاكم في ذلك الوقت. وكان من واجبه العلم بأنساب الناس وأحسابهم؛ لأن المنافرات والمفاخرات، هي من أهم المحاكمات في ذلك الوقت. ولكي يكون حكم الحاكم فيها صحيحًا دقيقًا كان لا بد له من الوقوف على أحوال الناس وعلى مآثرهم ومفاخرهم في ذلك الوقت. وكان عليه أن يكون فصيحًا بليغًا؛ لأن الناس كانوا يقيمون وزنًا للكلام آنذاك، ومن يحسن الاختيار في الكلام، ويحسن صياغة الكلم، يكون ذا أثر فعال في نفوس المستمعين وفي إصدار الأحكام.
ويتبين من دراسة ما ينسب إلى أولئك الحكام من حكام "قريش", أي: "مكة", وكذلك حكام أهل المدن. كانوا حكامًا بالمعنى المفهوم من "الحاكم"، فأحكامهم هي أحكام قانونية، مقتبسة من منطق العدالة والحق. وهي تشريع مدني ينسجم مع التشريع المدني للأمم المختصرة. وسبب ذلك على ما يظهر هو أن البيئة التي عاش فيها هؤلاء الحكام، هي بيئة حضرية، وقد كانوا أنفسهم من الحضر، ولكثير منهم وقوف على أحوال الأمم الأخرى، ولهم علم بالكتب وببعض اللغات الأعجمية وبالديانات وبالآراء، وفي جملتها القوانين، فتأثروا أو تأثر بعضهم بتلك المؤثرات.
وقد روت كتب الأدب والأخبار بعض الأحكام التي حكم بها حكام العرب، فصارت سُنة للناس نهجوا عليها، منها: قطع يد السارق، وقد زعموا أن أول من سنَّ ذلك هو "الوليد بن المغيرة" أو "عبد المطلب"، فقطع رسول الله
стр. 3489
في الإسلام١. والقسامة وقد حكم بها "الوليد بن المغيرة" كذلك٢، و"تحريم الخمر" وقد حكم بهذا التحريم جملة حكام، منهم: "الوليد بن المغيرة" و"عبد المطلب"، و"المنع من نكاح المحارم"، و"النهي عن قتل الموءودة"، وتحريم الزنا، وأن لا يطوف إنسان بالبيت عريان، وتنسب هذه الأحكام إلى عبد المطلب٣.
وذكر أهل الأخبار أن أول من ورَّث البنات في الجاهلية، فأعطى البنت سهمًا والابن سهمين "ذو المجاسد اليشكري"٤.
وأنا إذ أذكر الأحكام التي حكمها حكام الجاهلية، فاتبعت عندهم، لا أقصد أنها صارت أحكامًا عامة، مشت بين جميع العرب، فكلام مثل هذا، هو كلام مغلوط، لا يمكن أن يقال، على الرغم من التعميم الذي يذكره أهل الأخبار، مثل قولهم: "وكانوا يقطعون يد السارق اليمنى ويصلبون قاطع الطريق٥". وقولهم: "وكانوا يغتسلون من الجنابة"٦، وأمثال ذلك. فقد عودنا أهل الأخبار على هذا التعميم، الذي أخذوه من أفواه الرواة دون نقد ولا تمحيص. وآية ذلك أنهم يعودون فيناقضون أنفسهم وما قالوه في مواضع أخرى، مما يدل على أنهم نسوا ما قالوه سابقًا، ولم يفطنوا إلى هذا التناقض، ولم يحاولوا نقد الروايات. ولهذا فحكمنا في هذه الأمور، هو أن الأحكام المذكورة هي رأي واجتهاد، قد يتبعه بعض وقد يخالفه بعض آخر، يكون أتباعه في الموضع الذي عاش فيه الحاكم فأحكامهم لهذا أحكام محلية، قد تصير عرفًا، إذا انتزعت من صميم الواقع ومن عقلية المحيط.
стр. 3490
القضاء بعكاظ:
وكانت سوق عكاظ مجتمعًا للتقاضي في الأمور المهمة عند الجاهليين. حتى الشعر كانوا يتقاضون فيه، يعرض شاعر شعره على الحكم، ويعرض شاعر آخر
стр. 3491
منافس له شعره عليه. ثم يسمعان رأي الحكم في أيهما أشعر. وذكر أن القضاء بعكاظ كان لبني تميم. وقد جمعت تميم الموسم إلى ذلك. وكان ذلك يكون في أفخاذها كلها. ويكون الرجلان يليان هذا من الأمرين جميعًا، عكاظ على حدة والموسم على حدة. فكان من اجتمع له الموسم والقضاء "سعد بن زيد مناة بن تميم"، ثم تولى ذلك "حنظلة بن زيد بن مناة"، ثم تولاه "ذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم"، ثم "مازن بن مالك بن عمرو بن تميم"، ثم "ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة"، ثم "معاوية بن شريف بن جُروة بن أسيد بن عمرو بن تميم"، ثم "الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة"، ثم "صلصل بن أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد"، ثم "سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة".
فكان سفيان آخر تميمي اجتمع له الموسم والقضاء بعكاظ. فمات سفيان، فافترق الأمر, فلم يجتمع الموسم والقضاء لأحد منهم حتى جاء الإسلام, فكان "محمد بن سفيان بن مجاشع" يقضي بعكاظ. فصار ميراثًا لهم. فكان آخر من قضي بينهم الذي وصل إلى الإسلام "الأقرع بن حابس بن عقال بن محمد بن سفيان".
وأجاز بالموسم بعد "صلصل بن أوس"، "العلاق بن شهاب بن لأي" من بني "عُوافة بن سعد بن زيد مناة". فكان آخر من أفاض بهم "كرب بن صفوان بن جناب بن شجنة بن عطارد بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة"١. وله يقول أوس بن مغراء القريعي:
ولا يريمون في التعريف موقفهم ... حتى يقال: أجيزوا آل صفوانا٢
ويتبين مما تقدم، أن القضاء بعكاظ كان حقًّا من حقوق "تميم" لا ينازعهم في ذلك منازع. إذا هلك قاض أخذ مكانه ابنه أو رجل آخر من الأسرة التي اختصت بالقضاء بين الناس، والتي كان لها أمر "الحكومة"، فنحن هنا إذن أمام أناس تخصصوا بأمور القضاء بين الوافدين إلى عكاظ، ممن كان عندهم أمر معضل، ثم يريدون حله وفضه. ولا بد لمثل هذا الحاكم من أن يكون محترم الجانب، مهاب المكانة، واقفًا على الأحساب والأنساب وأحوال الناس وعلى الأعراف حتى يحترم قراره ويطاع.
стр. 3492
ولا بد وأن يكون لتميم نفوذ في هذه الأرضين، أكسبها حق الحكومة بعكاظ، ولا بد أن يكون نفوذ بمكة وعند قريش، جعل لها الموسم. فرئاسه الموسم، من الرئاسات الكبيرة ذات الشأن عند قريش ومن هم في جوارهم، ولا يعقل تسليمها لتميم لو لم يكن لها نفوذ سابق بمكة وصلات شديدة بقريش. صلات تتجلى بالتصاهر الموجود بين قريش وتميم. ومن يدري فلعل تميمًا كانوا بمكة، ثم ارتحلوا عنها إلى مواضع أخرى؟
ولا أستبعد احتمال جلوس الحكام في الأسواق الأخرى للحكم بين الناس فيما يقع بينهم من خلاف. في أمور السوق من بيع وشراء واختلاف على سلع، أو من تنافر أو من تخاصم وتنازع. فهذه الأسواق هي مواسم يلتقي فيها من يتعامل بها من الناس، فيجدون فيها فرصة لحلّ ما بينهم من خلاف، فيلجئون إلى من يكون في السوق من الحكام، للحكم بينهم. وقد يتولى الفصل في الخصومات الناشئة عن التعامل والتبايع حكّامُ السوق, وهم الذين يتحكمون في السوق, ويشرفون عليها ويتقولون جبايتها والمحافظة على أرواح من يحضرها من الناس.
وقد تقع مظالم في هذه الأسواق وفي غيرها، فعلى الحكام أخذها من الظالم وإرجاع الظلامة إلى من وقعت عليه. والظلامة ما تطلبه عند الظالم١. ويطالب المظلوم بظلامته مطالبة أهل الثأر بثأرهم، ويعدون الظلم نقصًا يلحق بمن وقع الظلم عليه. وإذا لم ينصف لجأ إلى أهله وأبناء عشيرته لنصرته ومعاونته على أخذ حقه من المظالم، فكانت الأسواق من المجتمعات المناسبة للنظر في المظالم.
стр. 3493
فهرس: الجزء العاشر
الفصل الرابع والخمسون
الغزو أيام العرب ٥
الفصل الخامس والخمسون
الحروب ٧١
الفصل السادس والخمسون
في الفقه الجاهلي ١٤١
الفصل السابع والخمسون
الأحوال الشخصية ١٩٩
الفصل الثامن والخمسون
الملك والاعتداء عليه ٢٤١
الفصل التاسع والخمسون
العقود والالتزامات ٢٨٤
الفصل الستّون
حكّام العرب ٣٠٧
الفهرست ٣٢٧
стр. 3494
المجلد الحادي عشر
الفصل الحادي والستون: أديان العرب
...
الفصل الحادي والستون: أديان العرب
والعرب قبل الإسلام مثل سائر الشعوب الأخرى تعبدوا لآلهة، وفكروا في وجود قوى عليا لها عليهم حكم وسلطان، فحاولوا كما حاول غيرهم التقرب منها واسترضاءها بمختلف الوسائل والطرق، ووضعوا لها أسماء وصفات، وخاطبوها بألسنتهم وبقلوبهم، سلكوا في ذلك جملة مسالك، هي ما نسميها في لغاتنا بالأديان.
وتقابل كلمة "دين" العربية لفظة Religion في الإنكليزية من أصل "لاتيني" هو Religere أو Religare. وآراء العلماء المعنيين بتأريخ الأديان وفلسفتها على اختلاف كبير جدًّا في وضع حد علمي مقبول بين الجميع لموضوع الدين، وربما لا يوجد موضوع في العالم اختلفت في تحديده الآراء كهذا الموضوع: موضوع ماهية الدين وتعريفه، حتى صار من المستحيل وضع إطار يتفق عليه لصورة يجمع على أنها تمثل الدين. والشيء الوحيد الذي يمكن أن يفعله كاتب، هو أن يكتب رأيه بوضوح فيما يعنيه من "الدين"، فإذا فعل ذلك، صار من المعروف ما قصد صاحبه منه١.
وقد عرف بعض العلماء الدين أنه إيمان بكائنات روحية تكون فوق الطبيعة والبشر، يكون لها أثر في حياة هذا الكون٢. وعرفه آخرون أنه استمالة واسترضاء.
стр. 3495
لقوى هي فوق البشر، يؤمن أنها تدير وتدبر سير الطبيعة وسير حياة الإنسان١ وهو عند بعض آخر شعور وتفكير عند فرد أو جماعة بوجود كائن أو كائنات إلهيه، والصلة التي تكون بين هذا الفرد أو تلك الجماعة وبين الكائن أو الكائنات الإلهية٢. وهو يطلق بهذا الاعتبار على الإسلام كما يطلق على اليهودية والنصرانية وعلى المجوسية وعلى غيرها من أديان سواء أكانت سماوية أم غير سماوية كما يصطلح على ذلك بعض العلماء.
وهناك تعريفات وحدود كثيرة أخرى للدين، نشأت من اختلاف أنظار الباحثين بالقياس إلى مفهوم الدين. فهناك مسائل كثيرة مختلف فيها: هل تدخل في نطاق حدود الدين أو لا كما أن مفهومه قد تغير عند الغربيين باختلاف العصور٣.
وليس من السهل وضع حدود معينة لمعنى الدين، فإن وجهات نظر الأديان نفسها تختلف في هذا الباب. وللدين في نظر الشعوب البدائية مفهوم يختلف كل الاختلاف عن مفهوم الدين عند غيرهم، ومفهومه في نظر الأقوام المتقدمة يختلف باختلاف دينها وباختلاف وجهة نظرها إلى الحياة. وهناك أمور تدخل في حدود الدين عند بعض أهل الأديان، على حين أنها من الأمور الأخلاقية أو من أمور الدولة في نظر بعض آخر، ومن هنا تظهر الصعوبات في تعيين المسائل التي تعد من صلب الدين في نظر الجميع٤.
وللدين مهما قيل في تعريفه، شعائر تظهر على أهله، فتميزهم عن أتباع الديانات الأخرى، كما في العبادات والمأكولات والمعابد واللغات وما شاكل ذلك٥، ولهذه الأمور أثر بالطبع في النواحي الاجتماعية والثقافية؛ إذ تطبع أتباع الدين بطابع مميز خاص.
وقد زعم بعض المستشرقين أن لفظة "الدين" من أصل أعجمي، وأنها من
стр. 3496
الألفاظ المعربة، أصلها فارسي هو "دَيْنا" Daena١. وقد دخلت في العربية قبل الإسلام بمدة طويلة. وترد لفظة "دين" بمعنى الحشر في الإرمية والعبرانية كذلك. وهي "دينو" في الإرمية. وتقابل لفظة Daino الإرمية لفظة الديان في العربية. وهي بمعنى القاضي في هذه اللغة. وتعني لفظة "دين" القضاء في اللغة البابلية. و"ديان" "ديو نو" Dayono، الحاكم والمجازي والقاضي لغة بني إرم٢. وهي بهذا المعنى في العربية أيضًا٣.
والدين في تعريف علماء اللغة: العادة والشأن. تقول العرب: ما زال ذلك ديني وديدني، أي عادتي. والدين بمعنى الطاعة والتعبد. وقد ورد في الحديث: "كان على دين قومه"، أي كان على ما بقي فيهم من إرث إبراهيم، من الحج والنكاح والميراث، وغير ذلك من أحكام الإيمان. وجاء: "كانت قريش ومن دان بدينهم، أي اتبعهم في دينهم ووافقهم عليه، واتخذ دينهم له دينًا وعبادة"٤
ومن "دين" الديَّان بمعنى الحاكم القاضي والقهار. ومن ذلك مخاطبة "الأعشى الحرمازي" الرسول بقوله:
يا سيدَ الناسِ وديَّان العربِ
والديَّان: الله، ومِنْ أسماءِ الله٥
وقد وردت هذه اللفظة في المعنى المفهوم منها في الإسلام في بيت شعر ينسب إلى أمية بن أبي الصلت، هو:
كُلُ دينٍَ يَومَ القيامَةَ عِندَ اللـ ... ـَهِ إِلاّ دينٍ الحَنيفَةِ زورُ٦
стр. 3497
غير أننا لا نستطيع أن نحكم بورودها في شعر أمية ما لم نثبت أن ذلك الشعر هو من شعره حقًّا، وأنه ليس بشعر إسلامي صنع ووضع على لسانه، فقد وضعت أشعار وقصائد على لسانه وعلى لسان غيره من الشعراء.
ووردت بهذا المعنى أيضًا في النصوص الثمودية. وردت في نص سجله رجل من قوم ثمود، توسل فيه إلى الإله "ود"، أن يحفظ له دينه، "أل هـ د ي ق. ي د"١، ووردت في نص آخر جاء فيه: "بدين ود أمت"٢، أي "بدين ود أموت"، أو "على دين ود أموت". فاللفظة إذن من الألفاظ العربية الواردة في النصوص الثمودية، وقد يعثر عليها في نصوص جاهلية مدونة بلهجات عربية أخرى.
ويصنف بعض العلماء الأديان إلى صنفين: أديان بدائية Primitive Religions، وأديان عليا The Higher Religions، غير أن هذا التقسيم لا يستند إلى التسلسل الزماني، وإنما يقوم على أساس دراسة أحكام الدين وعقائده وعمق أفكاره. فالأديان التي تقوم على أفكار بدائية وعلى السحر Magic وعلى المبالغة في التقديس وتقديم القرابين Sacred، والتي تنحصر عبادتها بأفراد قرية أو قبيلة واحدة، وأمثال ذلك مما يشرحه علماء تأريخ الأديان وعلماء فلسفة الأديان، هي من أديان الصنف الأول. فإذا توسع مجال الدين وشمل قبائل عديدة، وتعمق في أحكامه وفي تشريعه وفلسفته، وصار الإله أو الآلهة إلهًا ذا سلطان واسع أو آلهة ذات سلطان واسع عد الدين من الأديان العليا٣.
وأما تقسيم الأديان إلى أديان قبيلية Tribal Religions، و"أديان قومية" National Religions، وأديان مطلقة عامة "Absolute Religions" "Universal Religions" فإنه، وإن كان تقسيمًا واضحًا ظاهرًا بالقياس إلى الطرق الأخرى لتقسيم الأديان، يرد عليه أنه تقسيم بني على أسس وحدود ليست لها أرض صلبة في جوهر الدين وأركانه، فهو بعيد عن المبادئ الأساسية التي تجب مراعاتها في تقسيم كل علم أو موضوع٤. كذلك تجابه التقسيم الثلاثي إلى "أديان.
стр. 3498
الطبيعة" Nature Religion و"ديانة الشريعة" Geztzes Religion و"ديانة الخلاص" Erlosungs Religion عند بعض العلماء الألمان صعوبات كبيرة تجعل السير على أساسه في دراسة تطور الدين أمرًا عسيرًا شاقًّا١.
وتستند دراسات علماء تأريخ الأديان لتطور الأديان والأدوار التي مرت بها إلى دراسة أمور كثيرة، تأريخية ونفسية واجتماعية واقتصادية، ولهم في ذلك جملة طرق، منها طريقة الدراسات المقارنة The comparative Method، وهي تعتمد كما يتبين من اسمها على المقارنات بين الأديان، فتتناول جميع النواحي بالبحث، لتجد ما بينها من مطابقات ومفارقات. ومنها طرق البحث التأريخي والاجتماعي Historical and Sociological Methods وتستند إلى الدراسات التأريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والجغرافية والعوامل الأخرى، للناس وللمنطقة التي عاشوا فيها، وأثر كل هذه العوامل في نمو الأفكار الدينية وظهورها. وطرق عديدة أخرى تذكر في كتب تواريخ الأديان٢.
وقد تقدمت دراسة تأريخ الأديان تقدمًا كبيرًا، ولا سيما بعد اتباع أساليب الطرق التجريبية والبحوث المقارنة والتحليل النفسي في هذه الدراسة. وظهر بحث جديد شائق طريف، هو "فلسفة الدين" The Philosophy of Religion أفاد كثيرًا في معرفة دراسة تطور الأديان ومبادئها الأساسية، كما ظهرت فروع أخرى كهذا الفرع لها صلة بدراسة الدين وتقدمه، كالفرع النفسي الذي يعتمد على الدراسات النفسية للدين، وهو فرع نستطيع أن نسميه بـ"علم النفس الديني" The psychology of Religion في الإنكليزية و Religionspsychologic في الألمانية٣. وكالفرع الذي يعتمد على أساليب بحث الاجتماع وطرقه لدراسة الدين باعتبار أن الدين نفسه ظاهرة من ظواهر الحياة الاجتماعية٤.
وهناك عوامل عديدة لها أثرها في تطور الأديان، وفي "تكييفها"، منها أثر "العوامل الطبغرافية" Topographic Factors. وأثر "المحيط" Climatic Factors
стр. 3499
وأثر الحالات النفسية في تكييف الدين، وفي تصور الناس لآلهتهم. ولهذا تصور اليونان مثلًا آلهتهم على شاكلتهم، تصوروها ذات أخلاق وصفات تشبه أخلاق البشر وصفاتهم، تتخاصم وتتصادق وتتباغض ويحسد بعضها بعضًا، تشرب الخمر وتحزن وتفرح، وتسرق أيضًا. ونجد في الـ"إيدا" Edda نفسية الشعوب الشمالية الأوروبية ممثلة في الأساطير التي تتحدث عن الآلهة والأبطال١.
ويظهر أثر العوامل المذكورة في الديانة الهندية القديمة، وهي من الديانات الآرية، وفي الديانة المجوسية، وهي من أهل السهول وديانات أهل الجبال، وبين ديانات الساميين الشماليين وديانات الساميين الجنوبيين، يظهر في الأساطير "Mythlogy" وفي تصور الآلهة وتقديمها وتأخيرها وما شابه ذلك من أمور٢.
ولشكل المجتمع أثره كذلك في تطوير الدين وفي أحكامه. فمجتمع يقوم على الزراعة يختلف في تفكيره عن مجتمع يعيش على الصناعة أو على الرعي في بوادٍ واسعة، كذلك للسياسة ولأشكال المجتمعات السياسية دخل في تطور الأديان. وقد كان التعاون وثيقًا جدًّا في الأيام الماضية خاصة بين السلطات الزمنية وبين السلطان الدينية حتى كان الحكام الزمنيون كهانًا في كثير من الأوقات، كما حدث أن وقع اختلاف بين السلطتين أدى إلى حدوث تغيير في عقيدة الحكومة أو أكثرية الشعب.
وطالما أدى قهر مدينة أو قبيلة أو شعب إلى قهر آلهتها معها وموتها، وإلى عبادة آلهة القاهرين المتغلبين باعتبار أنها أقوى وأعظم شأنًا من آلهة المغلوبين التي لم تتمكن من حمايتهم من تعديات الغالبين. وقد تبقى تلك الآلهة فتندمج في آلهة المغيرين، فيزداد بذلك العدد، وتتعدد الآلهة، وتختلط الأساطير بعضها ببعض وتتداخل. ولهذه الناحية أهمية كبيرة في تحليل عناصر هذه الأساطير، ورَجْعها إلى منابعها الأولى. كذلك يكون للجوار وللصلات التأريخية والروابط الثقافية أثر في ديانات الشعوب وفي "تكييفها" للثقافة خاصة أثر بارز في هذا التوجيه.
غير أن للأديان كذلك أثرها في توجيه الأفراد والقبائل والشعوب، وفيما ينتج عن عمل الإنسان من مجتمعات وسياسة وثقافة واقتصاد٣. فهذه نواحٍ يجب أن
стр. 3500
تلاحظ كلها في دراستنا لتأريخ الأديان. هذا ويجب ألا نتصور أن أديان العرب قبل الإسلام لم تتأثر بمؤثرات خارجية، فلم تأخذ من الأمم والشعوب التي اتصلت بها شيئًا جريًا على نظرية القائلين بعزلة العرب وبعدم اتصالهم بالخارج، وبأنهم بدو، لا علم لهم ولا رأي ولا دين. وهي نظرية نشأت عن عدم وقوف القائلين بها بأحوال العرب قبل الإسلام. وإذا وافق أولئك على أن اليهودية والنصرانية كانتا في جزيرة العرب قبل الإسلام كما نص على ذلك القرآن الكريم، وأن من العرب من كان على دين يهود، وأن منهم من كان على دين النصارى، فلن يستطيعوا إنكار ورود اليهودية والنصرانية إلى العرب من الخارج بعمل الهجرة والتبشير والاتصال بفلسطين والعراق. وسيوافقون أيضًا على أن الوثنيين قد تأثروا كذلك بوثنية غيرهم، كما نص على ذلك الأخباريون وأنهم أثروا في غيرهم أيضًا.
إن معارفنا عن أديان العرب قبل الإسلام مستمدة في الدرجة الأولى من النصوص الجاهلية بلهجاتها المتعددة من معينية وسبئية وحضرمية وأوسانية وقتبانية وثمودية ولحيانية وصفوية، وهي نصوص ليس من بينها نص واحد ويا للأسف في أمور دينية مباشرة، مثل نصوص صلوات أو أدعية دينية أو بحوث في العقائد وما شبه ذلك. غير أن هذه النصوص المذكورة، ومعظمها كما قلت سابقًا في أمور شخصية، حوت مع ذلك أسماء آلهة ذكرت بالمناسبة، وبفضلها عرفنا أسماء آلهة لم يصل خبرها إلى علم الأخباريين؛ لأن ذكرها كان قد انطمس وزال قبل الإسلام. ومن هذه النصوص استطعنا أن نستخرج آلهة القبائل العربية القديمة، وأن نرجعها إلى المواضع التي كانت تتعبد بها لها، وأن نعين العصور التي كان الناس فيها يتعبدون لها على وجه التقريب.
كذلك تعد الكتابات والنقوش المدونة ببعض اللغات الأعجمية كالآشورية والعبرانية واليونانية واللاتينية ولغة بنى إرم موردًا مفيدًا لمعرفة أديان العرب قبل الإسلام بعد النصوص العربية. فقد وعت أسماء أصنام قديمة نصت عليها، وبذلك ساعدتنا في الوقوف على عبادتها وعلى من تعبد لها من قبائل.
وأما أديان العرب قبيل الإسلام وعند ظهوره، فالقرآن الكريم هو مرجعنا في هذا الباب. ففيه ذكر لما كان عليه الناس ولا سيما أهل مكة ويثرب والحجاز من عبادات وآراء، وفيه أسماء بعض الأصنام الكبرى التي كانت تتعبد لها القبائل.
стр. 3501
وفي تفسير القرآن الكريم تفصيل وشرح لما جاء موجزًا في الآيات البينات، ويضاف إلى ذلك ما ورد عن هذا الباب في الحديث.
وفي الشعر المنسوب إلى الشعراء الجاهليين إشارات إلى بعض عقائد الجاهليين، وإلى بعض الأصنام، تعرض لها شراح الدواوين بالمناسبات، وترد هذه الإشارات في القصص المروي عن أخبار الجاهلية وعن أنساب قبائلها وأيامها وأمثال ذلك وفي كتب الأدب واللغة والمعجمات، وهي تعيننا بالطبع على زيادة مادتنا في هذا الموضوع.
ويضاف إلى ذلك ما ورد في كتب السير والمغازي وفي كتب التواريخ من كتب خاصة مثل تأريخ مكة، ومن كتب عامة عن عبادات القوم قبل الوحي وفي أثناء الوحي وعن أمر الرسول بتحطيم الأصنام والأوثان. وقد ورد بهذه المناسبة أوصاف بعضها، وذكرت بعض المواضع التي كانت قائمة فيها، والقبائل التي كانت تتعبد لها، وما أُدير حول بعضها من قصص، أو ما قيل عنها في الجاهلية وفي تحطيمها من أقوال.
ومما يجب علينا ملاحظة، أن الشعر الجاهلي الذي أمدنا بفيض من معارف قيمة عن الجاهلية القريبة من الإسلام، لم يمدنا بشيء مهم عن الحياة الدينية عند الجاهليين، فكأنه أراد مجاراة من دخل في الإسلام في التنصل من أيام الجاهلية ومن التبرؤ منها، ومن غض النظر عن ذكر أصنام حرمها الإسلام. وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن رواة الشعر في الإسلام، قد أغفلوا أمر الشعر الجاهلي الذي مجد الأصنام والوثنية، وأهملوه، فلم يرووه، فمات، وأن بعضًا منهم قد هذب ذلك الشعر وشذبه، فحذف منه كل ما له علاقة بالأصنام والوثنية، ورفع منه أسماء الأصنام، وأحل محلها اسم الله، حيث يرد اسم الصنم. فما فيه اسم الله في الشعر الجاهلي، كان اسم صنم في الأصل.
وقد ألف بعض العلماء مؤلفات خاصة في الأصنام، وصل إلينا منها كتاب "الأصنام" لابن الكلبي١ أما المؤلفات الأخرى، فلم يصل إلينا منها إلا الاسم.
стр. 3502
وممن ألف في هذا الموضوع أبو الحسن علي بن الحسين بن فضيل بن مروان١، والجاحظ٢. وقد استفاد ياقوت الحموي في كتابه "معجم البلدان" من كتاب "الأصنام" لابن الكلبي، وأورد ما أخذه منه في الكتاب. أما النسخة التي اعتمد الحموي عليها، فكانت بخط عالم مشهور وبروايته هو الجوالقي٣.
وقد تعرض ابن الكلبي لذكر الوثنية والأصنام في مؤلفاته الأخرى عرضًا، وأشار "ياقوت الحموي" في بعض المواضع إلى روايات أخرى لابن الكلبي عن الأصنام، ذاكرًا أنها ليست من كتاب "الأصنام". كما استقى من منبع آخر، هو محمد بن حبيب٤.
وقد ألف أبو عبد الله الحسين بن محمد بن جعفر الخالع كتابًا في أديان العرب وآرائهم، اسمه "آراء العرب وأديانها" وقف عليه ابن أبي الحديد، وأشار إلى بعض هفوات رآها فيه٥. وللجاحظ مؤلف اسمه "أديان العرب" استفاد منه أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني٦.
وبالرغم من فضل من تقدم ممن ذكرت وممن لم أذكر، على دارس التأريخ الديني للجاهليين فإنهم عفا الله عنهم، لم يتعمقوا تعمقًا كافيًا في بحوثهم عن الوثنية، ولم يتحرشوا بها في الغالب، إلا بسبب اتصالهم بالإسلام، ثم إن في كثير مما ذكروه عن الوثنية طابع السذاجة وأسلوب الصنعة. وهو في أحوال الوثنية في الحجاز وعند القبائل التي ورد لها ذكر في حوادث الإسلام في أيام الرسول، في مثل قدوم وفود سادات القبائل على النبي، وأمر الرسول بتحطيم الأصنام ولهذا لا نجد للوثنية في بقية جزيرة العرب، مكانًا فيما كتبه أولئك العلماء.
стр. 3503
عن الأصنام والأوثان أو الزندقة. ثم إن في الذي ذكروه وكتبوه تناقض محير، وتنافر عجيب، يجعلك تشعر، أن رواة تلك الأخبار، لم يكونوا يملكون يومئذ أدوات النقد لصقل ما سمعوه من أفواه الرواة، وما نقلوه عمن أدرك الجاهلية من أقوال، أو أنهم كانوا يعمدون إلى الوضع أحيانًا. لصنع أجوبة عن أسئلة وجهت إليهم في أمور لم يأتهم علم بها من قبل.
خذ ما ذكره "الطبري" في تفسيره عن اللات والعزى ومناة، تجده يروي أقوالًا ذكر سندها تتناقض فيما بينها بشأن هذه الأصنام، وبشأن بيوتها ومواضعها، مما يدل على أن رواة تلك الأخبار لم يكونوا على علم بأخبارها ولا وقوف على حقيقتها، بدليل أن كل واحد منهم ناقض غيره فيما قاله، وأن أحدهم يذكر خبًرا ثم يعود فيذكر ما يناقضه١. حدث كل ذلك في أمور كانت باقية إلى ما بعد فتح مكة، فكيف حالهم إذن في الأمور البعيدة نوعًا ما عن الإسلام.
ولا تتناول الموارد الإسلامية بعد، إلا الوثنية القريبة من الإسلام والوثنية التي كانت متفشية بين قبائل الحجاز في الغالب، وبين القبائل التي اعتمد عيها رواة الأخبار في جمع اللغة والأخبار لذلك لا نجد فيها ذكرًا للوثنية البعيدة عن الاسلام، فلم يرد فيها مثلًا أي شيء عن "المقه" إله سبأ الأكبر ولا عن بقية الآلهة العربية الجنوبية الكبيرة مثل "عثتر"، وعن دين العرب الجنوبيين وشعائرهم، ولا عن معبودات قبائل العربية الشرقية. أو قبائل العراق أو بلاد الشأم في الأزمنة البعيدة أو القريبة من الإسلام.
وأما أخبارها عن اليهودية والنصرانية، فقليلة جدًّا، قصتها وروتها لما لها من تماس وصلة بما جاء في القرآن الكريم، أو لما لها من علاقة بأيام الرسول. ولهذا صارت خرساء صامتة بالنسبة إلى أحوال أهل الكتاب في بقية أنحاء جزيرة العرب أو في العراق وفي بلاد الشأم. فلم تتحرش بهم إلا بقدر. وبسبب ذلك صارت معارفنا عنهم قليلة جدًّا. وقد كان في إمكان أهل الأخبار جمع معلومات واسعة عن النصرانية في العراق قبل الإسلام برجوعهم إلى رجال الدين النصاري الذين كانوا في الحيرة وفي مواضع أخرى من العراق، وهم رجال لهم علم واسع بهذه الأمور، لكن اختلافهم عنهم في الدين على ما يظهر، وانصرافهم إذ ذاك
стр. 3504
عن رواية كل ما يتعلق بالأمور الجاهلية خلا ما يتعلق بالنواحي القبلية وبالنواحي الأدبية واللغوية، كانا من العوامل التي أدت إلى غض نظرهم عن البحث في هذه الأمور.
وبفضل إقرار الإسلام لبعض أحكام وشعائر الجاهليين، استطعنا الوقوف على جانب من أحكامهم وشرائعهم. فعرفنا بذلك بعض شعائر الحج من حج مكة، وبعض أحكامهم وآرائهم في الدين ووجهة نظرهم إلى الحلال والحرام، والتقرب إلى بيوت الأرباب وغير ذلك. وما كان في وسعنا الوقوف عليها لولا تعرض الإسلام لها بالإقرار والتثبيت، أو بالتحريم والنهي، فأشير إلى كل ذلك في القرآن الكريم وفي كتب التفسير وأسباب النزول والحديث.
وقد عُني المستشرقون بهذا الموضوع، فكتبوا بحوثًا فيه. ومن هؤلاء "ولهوزن" Wellhausen j. صاحب كتاب "بقايا الوثنية العربية" Arabischen Heidentums١ و"دتلف نيلسن" Ditlef Nielsen٢ و"لودولف كريل" Ludolf Krehl وغيرهم٣.
وقد اعتمد "ولهوزن" على ما نقله "ياقوت الحموي" من كتاب الأصنام ومن غيرهم، ذلك لأن كتاب الأصنام لم يكن مطبوعًا ولا معروفًا أيام ألف "ولهوزن" كتابه عن الوثنية العربية.
ويعد كتاب "ولهوزن" أوسع مؤلف في موضوعه كتبه المستشرقون عن الوثنية العربية. وقد كتب المستشرقون حديثًا جملة بحوث عن الأصنام العربية التي عثر عليها في الكتابات فات ذكرها في كتاب "ولهوزن" لأن أكثر النصوص الجاهلية لم تكن قد نشرت يومئذ، ولأن كثيرًا منها قد نشر حديثًا، فلم يكن في استطاعة "ولهوزن" بالطبع أن يبحث في شيء من التفصيل في الوثنية ببلاد العرب الجنوبية. لذلك كان أكثر ما جاء في كتاب "ولهوزن" مستمدًا من روايات
стр. 3505
الأخباريين. فمن الضروري إضافة هذه البحوث الجديدة إلى ما كتبه هو وأمثاله، لنحصل على صورة شاملة عن أديان العرب قبل الإسلام.
وتفيد الأعلام الجاهلية المركبة Theophorus Names المدونة في النصوص الجاهلية وفي الموارد الإسلامية فائدة كبيرة في معرفة الأصنام، وفي تكوين فكرة عنها. ففيها أسماء آلهة، وفيها بعض الصفات الإلهية التي كان يطلقها الناس على آلهتهم. ونجد هذه الأسماء المركبة عند بقية الشعوب السامية كذلك. ومن مقارنة هذه الأسماء بعضها ببعض، استخرج العلماء آلهة اشترك في عبادتها جمع الساميين١.
ونعني بـ Theophorus Names الأعلام المركبة من أسماء آلهة ومن كلمات أخرى مثل "عبد" و"عطية" و"امرئ" و"أوس" و"عائذ" و"جار" و"عوذ" و"وهب". ترد قبل اسم الإله أو بعده، فيتألف منها ومن أسماء الآلهة أسماء أعلام، مثل عبد الأسد، وعبد الله، وعبد سعد، وعبد العزى، وعبد محرق، وعبد ذي الشرى، وعبد يغوث، وعبد ود، وعبد قيس، وعبد شمس، وامرئ القيس، وأمثال ذلك من أعلام.
ومعظم هذه الأعلام المدونة في مؤلفات الإسلامين، أسماء أشخاص عاشوا في الجاهلية القريبة من الإسلام، حفظتها ووعتها ذاكرة الرواة، ومنها تناقلها أهل الأخبار. والغالب عليها الابتداء بكلمة "عبد" للرجال و"أمت" أي أمة للسناء، ترد قبل اسم الصنم. أما الأسماء المبتدأة بكلمات أخرى غير "عبد"، فمثل "أحمس الله" و"امرئ مناة"، و"امرئ القيس"، و"أنس الله" و"أوس الله"، و"تيم اللات"، و"خيليل"، و"زيد اللات"، و"زيد مناة" و"سعد اللات"، و"سعد مناة"، و"سعد ود" و"سعد العشيرة"، و"سكن اللات" و"سلم اللات" و"شراحيل" و"شرحيل" و"شرحبيل"، و"شكم اللات" و"شهميل"، و"شيع القوم"، و"عائذ الله" و"عمرو اللات" و"عوذ مناة" و"عينيل"، و"قسميل" و"مطرويل"، و"وهب اللات". وهي قليلة من حيث الاستعمال بالقياس إلى الأعلام المبتدأة بـ"عبد"٢.