وفي تفسير القرآن الكريم تفصيل وشرح لما جاء موجزًا في الآيات البينات، ويضاف إلى ذلك ما ورد عن هذا الباب في الحديث.
وفي الشعر المنسوب إلى الشعراء الجاهليين إشارات إلى بعض عقائد الجاهليين، وإلى بعض الأصنام، تعرض لها شراح الدواوين بالمناسبات، وترد هذه الإشارات في القصص المروي عن أخبار الجاهلية وعن أنساب قبائلها وأيامها وأمثال ذلك وفي كتب الأدب واللغة والمعجمات، وهي تعيننا بالطبع على زيادة مادتنا في هذا الموضوع.
ويضاف إلى ذلك ما ورد في كتب السير والمغازي وفي كتب التواريخ من كتب خاصة مثل تأريخ مكة، ومن كتب عامة عن عبادات القوم قبل الوحي وفي أثناء الوحي وعن أمر الرسول بتحطيم الأصنام والأوثان. وقد ورد بهذه المناسبة أوصاف بعضها، وذكرت بعض المواضع التي كانت قائمة فيها، والقبائل التي كانت تتعبد لها، وما أُدير حول بعضها من قصص، أو ما قيل عنها في الجاهلية وفي تحطيمها من أقوال.
ومما يجب علينا ملاحظة، أن الشعر الجاهلي الذي أمدنا بفيض من معارف قيمة عن الجاهلية القريبة من الإسلام، لم يمدنا بشيء مهم عن الحياة الدينية عند الجاهليين، فكأنه أراد مجاراة من دخل في الإسلام في التنصل من أيام الجاهلية ومن التبرؤ منها، ومن غض النظر عن ذكر أصنام حرمها الإسلام. وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن رواة الشعر في الإسلام، قد أغفلوا أمر الشعر الجاهلي الذي مجد الأصنام والوثنية، وأهملوه، فلم يرووه، فمات، وأن بعضًا منهم قد هذب ذلك الشعر وشذبه، فحذف منه كل ما له علاقة بالأصنام والوثنية، ورفع منه أسماء الأصنام، وأحل محلها اسم الله، حيث يرد اسم الصنم. فما فيه اسم الله في الشعر الجاهلي، كان اسم صنم في الأصل.
وقد ألف بعض العلماء مؤلفات خاصة في الأصنام، وصل إلينا منها كتاب "الأصنام" لابن الكلبي١ أما المؤلفات الأخرى، فلم يصل إلينا منها إلا الاسم.
стр. 3502
وممن ألف في هذا الموضوع أبو الحسن علي بن الحسين بن فضيل بن مروان١، والجاحظ٢. وقد استفاد ياقوت الحموي في كتابه "معجم البلدان" من كتاب "الأصنام" لابن الكلبي، وأورد ما أخذه منه في الكتاب. أما النسخة التي اعتمد الحموي عليها، فكانت بخط عالم مشهور وبروايته هو الجوالقي٣.
وقد تعرض ابن الكلبي لذكر الوثنية والأصنام في مؤلفاته الأخرى عرضًا، وأشار "ياقوت الحموي" في بعض المواضع إلى روايات أخرى لابن الكلبي عن الأصنام، ذاكرًا أنها ليست من كتاب "الأصنام". كما استقى من منبع آخر، هو محمد بن حبيب٤.
وقد ألف أبو عبد الله الحسين بن محمد بن جعفر الخالع كتابًا في أديان العرب وآرائهم، اسمه "آراء العرب وأديانها" وقف عليه ابن أبي الحديد، وأشار إلى بعض هفوات رآها فيه٥. وللجاحظ مؤلف اسمه "أديان العرب" استفاد منه أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني٦.
وبالرغم من فضل من تقدم ممن ذكرت وممن لم أذكر، على دارس التأريخ الديني للجاهليين فإنهم عفا الله عنهم، لم يتعمقوا تعمقًا كافيًا في بحوثهم عن الوثنية، ولم يتحرشوا بها في الغالب، إلا بسبب اتصالهم بالإسلام، ثم إن في كثير مما ذكروه عن الوثنية طابع السذاجة وأسلوب الصنعة. وهو في أحوال الوثنية في الحجاز وعند القبائل التي ورد لها ذكر في حوادث الإسلام في أيام الرسول، في مثل قدوم وفود سادات القبائل على النبي، وأمر الرسول بتحطيم الأصنام ولهذا لا نجد للوثنية في بقية جزيرة العرب، مكانًا فيما كتبه أولئك العلماء.
стр. 3503
عن الأصنام والأوثان أو الزندقة. ثم إن في الذي ذكروه وكتبوه تناقض محير، وتنافر عجيب، يجعلك تشعر، أن رواة تلك الأخبار، لم يكونوا يملكون يومئذ أدوات النقد لصقل ما سمعوه من أفواه الرواة، وما نقلوه عمن أدرك الجاهلية من أقوال، أو أنهم كانوا يعمدون إلى الوضع أحيانًا. لصنع أجوبة عن أسئلة وجهت إليهم في أمور لم يأتهم علم بها من قبل.
خذ ما ذكره "الطبري" في تفسيره عن اللات والعزى ومناة، تجده يروي أقوالًا ذكر سندها تتناقض فيما بينها بشأن هذه الأصنام، وبشأن بيوتها ومواضعها، مما يدل على أن رواة تلك الأخبار لم يكونوا على علم بأخبارها ولا وقوف على حقيقتها، بدليل أن كل واحد منهم ناقض غيره فيما قاله، وأن أحدهم يذكر خبًرا ثم يعود فيذكر ما يناقضه١. حدث كل ذلك في أمور كانت باقية إلى ما بعد فتح مكة، فكيف حالهم إذن في الأمور البعيدة نوعًا ما عن الإسلام.
ولا تتناول الموارد الإسلامية بعد، إلا الوثنية القريبة من الإسلام والوثنية التي كانت متفشية بين قبائل الحجاز في الغالب، وبين القبائل التي اعتمد عيها رواة الأخبار في جمع اللغة والأخبار لذلك لا نجد فيها ذكرًا للوثنية البعيدة عن الاسلام، فلم يرد فيها مثلًا أي شيء عن "المقه" إله سبأ الأكبر ولا عن بقية الآلهة العربية الجنوبية الكبيرة مثل "عثتر"، وعن دين العرب الجنوبيين وشعائرهم، ولا عن معبودات قبائل العربية الشرقية. أو قبائل العراق أو بلاد الشأم في الأزمنة البعيدة أو القريبة من الإسلام.
وأما أخبارها عن اليهودية والنصرانية، فقليلة جدًّا، قصتها وروتها لما لها من تماس وصلة بما جاء في القرآن الكريم، أو لما لها من علاقة بأيام الرسول. ولهذا صارت خرساء صامتة بالنسبة إلى أحوال أهل الكتاب في بقية أنحاء جزيرة العرب أو في العراق وفي بلاد الشأم. فلم تتحرش بهم إلا بقدر. وبسبب ذلك صارت معارفنا عنهم قليلة جدًّا. وقد كان في إمكان أهل الأخبار جمع معلومات واسعة عن النصرانية في العراق قبل الإسلام برجوعهم إلى رجال الدين النصاري الذين كانوا في الحيرة وفي مواضع أخرى من العراق، وهم رجال لهم علم واسع بهذه الأمور، لكن اختلافهم عنهم في الدين على ما يظهر، وانصرافهم إذ ذاك
стр. 3504
عن رواية كل ما يتعلق بالأمور الجاهلية خلا ما يتعلق بالنواحي القبلية وبالنواحي الأدبية واللغوية، كانا من العوامل التي أدت إلى غض نظرهم عن البحث في هذه الأمور.
وبفضل إقرار الإسلام لبعض أحكام وشعائر الجاهليين، استطعنا الوقوف على جانب من أحكامهم وشرائعهم. فعرفنا بذلك بعض شعائر الحج من حج مكة، وبعض أحكامهم وآرائهم في الدين ووجهة نظرهم إلى الحلال والحرام، والتقرب إلى بيوت الأرباب وغير ذلك. وما كان في وسعنا الوقوف عليها لولا تعرض الإسلام لها بالإقرار والتثبيت، أو بالتحريم والنهي، فأشير إلى كل ذلك في القرآن الكريم وفي كتب التفسير وأسباب النزول والحديث.
وقد عُني المستشرقون بهذا الموضوع، فكتبوا بحوثًا فيه. ومن هؤلاء "ولهوزن" Wellhausen j. صاحب كتاب "بقايا الوثنية العربية" Arabischen Heidentums١ و"دتلف نيلسن" Ditlef Nielsen٢ و"لودولف كريل" Ludolf Krehl وغيرهم٣.
وقد اعتمد "ولهوزن" على ما نقله "ياقوت الحموي" من كتاب الأصنام ومن غيرهم، ذلك لأن كتاب الأصنام لم يكن مطبوعًا ولا معروفًا أيام ألف "ولهوزن" كتابه عن الوثنية العربية.
ويعد كتاب "ولهوزن" أوسع مؤلف في موضوعه كتبه المستشرقون عن الوثنية العربية. وقد كتب المستشرقون حديثًا جملة بحوث عن الأصنام العربية التي عثر عليها في الكتابات فات ذكرها في كتاب "ولهوزن" لأن أكثر النصوص الجاهلية لم تكن قد نشرت يومئذ، ولأن كثيرًا منها قد نشر حديثًا، فلم يكن في استطاعة "ولهوزن" بالطبع أن يبحث في شيء من التفصيل في الوثنية ببلاد العرب الجنوبية. لذلك كان أكثر ما جاء في كتاب "ولهوزن" مستمدًا من روايات
стр. 3505
الأخباريين. فمن الضروري إضافة هذه البحوث الجديدة إلى ما كتبه هو وأمثاله، لنحصل على صورة شاملة عن أديان العرب قبل الإسلام.
وتفيد الأعلام الجاهلية المركبة Theophorus Names المدونة في النصوص الجاهلية وفي الموارد الإسلامية فائدة كبيرة في معرفة الأصنام، وفي تكوين فكرة عنها. ففيها أسماء آلهة، وفيها بعض الصفات الإلهية التي كان يطلقها الناس على آلهتهم. ونجد هذه الأسماء المركبة عند بقية الشعوب السامية كذلك. ومن مقارنة هذه الأسماء بعضها ببعض، استخرج العلماء آلهة اشترك في عبادتها جمع الساميين١.
ونعني بـ Theophorus Names الأعلام المركبة من أسماء آلهة ومن كلمات أخرى مثل "عبد" و"عطية" و"امرئ" و"أوس" و"عائذ" و"جار" و"عوذ" و"وهب". ترد قبل اسم الإله أو بعده، فيتألف منها ومن أسماء الآلهة أسماء أعلام، مثل عبد الأسد، وعبد الله، وعبد سعد، وعبد العزى، وعبد محرق، وعبد ذي الشرى، وعبد يغوث، وعبد ود، وعبد قيس، وعبد شمس، وامرئ القيس، وأمثال ذلك من أعلام.
ومعظم هذه الأعلام المدونة في مؤلفات الإسلامين، أسماء أشخاص عاشوا في الجاهلية القريبة من الإسلام، حفظتها ووعتها ذاكرة الرواة، ومنها تناقلها أهل الأخبار. والغالب عليها الابتداء بكلمة "عبد" للرجال و"أمت" أي أمة للسناء، ترد قبل اسم الصنم. أما الأسماء المبتدأة بكلمات أخرى غير "عبد"، فمثل "أحمس الله" و"امرئ مناة"، و"امرئ القيس"، و"أنس الله" و"أوس الله"، و"تيم اللات"، و"خيليل"، و"زيد اللات"، و"زيد مناة" و"سعد اللات"، و"سعد مناة"، و"سعد ود" و"سعد العشيرة"، و"سكن اللات" و"سلم اللات" و"شراحيل" و"شرحيل" و"شرحبيل"، و"شكم اللات" و"شهميل"، و"شيع القوم"، و"عائذ الله" و"عمرو اللات" و"عوذ مناة" و"عينيل"، و"قسميل" و"مطرويل"، و"وهب اللات". وهي قليلة من حيث الاستعمال بالقياس إلى الأعلام المبتدأة بـ"عبد"٢.
стр. 3506
ويلاحظ على بعض الأعلام المركبة، مثل عمرو اللات، وعوف إيل، وجد اللات، وسعد مناة، وود إيل، أن الكلمات الأولى من هذه الأسماء تتأخر في أعلام أخرى؛ فتسبق بكلمة توضع قبلها فيتكون منها علم مركب جديد كما في الأسماء الآتية: عبد عمرو، وعبد عوف، وعبد جد، وعبد سعد، وعبد ود، وقد كانت متقدمة في الأعلام الأولى. أما في هذه الأعلام فصارت في المنزلة الثانية.
وهذه الأسماء التي حفظتها ذاكرة أهل الأخبار، تخالف أكثر الأعلام العربية والسامية القديمة المدونة في النصوص وفي مؤلفات اليونان والرومان والسريان وغيرهم من حيث الصيغ والتراكيب. فقد ابتدأت هذه الأعلام كما رأينا بكلمات تلتها أسماء الآلهة. أما الأعلام القديمة، فقد كانت على العكس تبدأ باسم الصنم، وبعده الألفاظ الأخرى، مثل: "الشرح" "إيل شرح" و"اليفع" "إيل يفع" و"الذرح" "إيل ذرح" و"الكرب" "إيل كرب" و"السمع" "إيل سمع" و"اليثع" "إيل يثع" وأمثال ذلك. أو تبدأ بكلمات ثم تليها أسماء الأصنام، إلا أنها ليست في حالة الإضافة، بل على صورة الإخبار والفاعلية، مثل "يذكر إيل" و"يثع إيل" و"يدع إيل" و"يشرح إيل" و"يسمع إيل" و"إيل" "إل" هنا هو اسم الإله "إل" "إيلو" المعروف عند جميع الساميين١.
وقد يوضع حرف الجر، وهو "اللام" "لامد" في الاسم، ليدل على تعلق الاسم بالإله، مثل "لحي عثت" في النصوص العربية الجنوبية، وقد عثر على طائفة من هذه الأعلام في الكتابات الفينيقية والعبرانية٢.
وقد تهمل الكلمة الثانية من الاسم المركب، ويقتصر على اللفظة الأولى، كما في: "أوس"، وزيد، ووهب، وتيم، وسعد، ونصر، وعائذ، وعبد، وأمثال ذلك من أعلام. فإنها اختصار لـ"أوس الله" و"زيد اللات" و"زيد مناة" و"وهب اللات" و"تيم اللات" و"سعد مناة".
стр. 3507
و"سعد ود" و"سعد اللات" و"نصر اللات" و"عائذ الله" و"عبد ود"، وغير ذلك، وقد يحدث العكس، فتسقط الكلمة الأولى، وتبقى الكلمة الثانية التي هي اسم الإله ويصير هذا الاسم اسمًا لشخص أو لأسرة أو لقبيلة، مثل: مناف، وغنم، وشمس، وإساف، ونائلة، وزهرة، وقيس، وعطارد، وهبل، وجد، وأمثال ذلك. فإن هذه هي أسماء آلهة في الأصل، سبقت بكلمات مثل "عبد"، ثم أهملت هذه الكلمات الأولى، وبقيت أسماء الآلهة حية، ولكنها صارت أسماء لأشخاص وأسر وقبائل، تسبقها لفظة "بنو" في بعض الأحيان، لتدل على الانتماء إلى ذلك الاسم١. ولهذا الانتماء أهمية كبيرة في نظر الباحثين في فلسفة الأديان وتأريخها.
ويلاحظ أن بعض الأعلام المركبة المبتدأة بـ"عبد" مثلًا، لا تتكون كلمتها الثانية من اسم إله، إنما تكون اسم موضع أو اسم شخص أو اسم جماد، مثل: عبد حارثة، وعبد المطلب، وعبد أمية، وعبد الدار، وعبد الحارث، وعبد الحجر، وما شاكل ذلك. ولبعض العلماء تفاسير وتعليلات في العوامل التي أدت إلى هذه التسميات. منها أن بعض هذه الأسماء هو لآلهة قديمة، نسيت فظن أنها أسماء أشخاص: وأن بعضًا آخر منها هو أسماء أشخاص كانت لهم قدسية أو منزلة خاصة، فتبرك الناس بتسمية أولادهم عبيدًا لهم، وهو شيء يحدث حتى الآن؛ إذ نقول عبد المسيح، وعبد الرسول، وعبد علي، وعبد الأمير، وعبد الزهرة، وعبد محمد، وأن بعضًا آخر هو مسميات لمجتمعات، مثل: عبد أهله، وعبد العشيرة، وسعد العشيرة، أو أنه نسبة إلى طوطم أو جماد مقدس في نظر الناس٢.
وقد قضى الاسلام على الأسماء الوثنية، كما قضى على كثير من معالم الجاهلية، فاستبدل من أسلم اسمه الجاهلي الذي له صلة بصنم أو بشرك باسم إسلامي، وبذلك زالت تلك التسميات. كما زالت أكثر التسميات اليهودية والنصرانية بدخول أصحابها في الإسلام. وهذا شيء مألوف في تأريخ الإنسان. فقد قضت اليهودية على الأسماء الوثنية القديمة، وعوضت عنها بأسماء يهودية ذات صلة بالتوراة. وقضت النصرانية على الأعلام الوثنية. أو طورتها لتكون ملائمة مع النصرانية، وهكذا
стр. 3508
حدث في الأديان الأخرى، بل وهذا ما يحدث اليوم في كثير من أنحاء العالم القلقة عند وقوع انقلابات سياسية، حيث تتناول الأسماء أيضًا بالتغيير والتبديل؛ لتناسب الوضع الجديد.
وقد ذكر أهل الأخبار أسماء عدد من الصحابة، كانت أسماؤهم ذات صلة بالأصنام. فلما أسلموا أبدلها الرسول بأسماء إسلامية. فقد كان اسم كاتب النبي "عبد الله بن أبي الأرقم بن أبي الأرقم" "عبد يغوث" فلما أسلم، دعي "عبد الله"١ وكان اسم "عبد الله بن أصرم بن عمرو بن شعيثة" الهلالي، "عبد عوف بن أصرم"، فلما قدم على النبي، فقال من أنت؟ قال عبد عوف، قال النبي: أنت عبد الله، فأسلم٢. ونجد غيرهما وقد أبدل الرسول أسماءهم، حتى صار من يسلم يبدل اسمه إن كان له صلة بصنم، حتى ماتت الأسماء الجاهلية التي هي من هذا القبيل.
والأساطير MYTHOS = Myth ونعني بها هنا الخرافات والأقاصيص المتعلقة بالآلهة Legend، هي مصدر مهم لمعرفة تطور الأديان وتطور فكرة الألوهية عند الشعوب. وهي قد تكون شعرًا، وقد تكون نثرًا، وفي كلتا الحالتين تكون مادة خصبة للباحثين.
ومعارفنا عن الأساطير العربية الدينية قليلة جدًّا. وهذا مما حمل بعض المستشرقين على القول بأن العرب لم تكن لهم أساطير دينية عن آلهتهم، كما كان عند غيرهم من الأمم كاليونان والرومان والفرس وعند بقية الآريين، بل حتى عند بعض الشعوب السامية الأخرى مثل البابليين٣. وفي رأيي أننا لا نستطيع أن نجزم في مثل هذه الأمور؛ لأن أحكامنا عن اليونان والرومان والبابليين إنما استنبطناها من نصوص ومؤلفات وصلت إلينا. أما العرب الجاهليون، فلم يصل إلينا منهم حتى الآن نص ما في هذا الموضوع، يمكننا من الحكم بعدم وجود الأساطير الدينية عند العرب الوثنيين.
ومشكلتنا أننا لا نملك كما قلت نصوصًا دينية جاهلية، ولا كتبًا كتبها يونان أو لاتين أو سريان أو غيرهم عن أساطير العرب في الجاهلية نستطيع استخراج.
стр. 3509
حكم منها عن أساطير العرب. ولكن هذا الوضع لا يخولنا نفي وجود الأساطير عند العرب، بحجة بداوتهم وضيق أفقهم وبساطة تفكيرهم، كما أنه لا يخولنا أيضًا الحكم بوجود أساطير عندهم من طراز عالٍ كما نجده عند اليونان مثلًا. ويتبين من بعض روايات الأخباريين، وهي قليلة، أن العرب كانت لهم أساطير كالذي رووه من أن العيوق" عاق "الدبران" لما ساق إلى الثريا مهرًا، وهي نجوم صغار نحو عشرين نجمًا، فهو يتبعها أبدًا خاطبًا لها، ولذلك سموا هذه النجوم القلاص١ وكالذي رووه عند "العَبُور" و"الغُمَيصاء" و"سُهَيْل". وقد كانت هذه النجوم مجتمعة، فانحدر سُهَيْل فصار يمانيًّا، وتبعته العَبُور فعبرت المجرة، وأقامت الغُمَيْصاء فبكت لفقد سهيل حتى غمصت٢. وكالذي رووه من أن "الزُّهرة" كانت امرأة حسناء، فصعدت إلى السماء ومسخت نجمًا، وأمثال ذلك من قصص يظهر أنه من بقايا قصص أطول قديم٣.
وإذ لم تصل إلينا نصوص دينية جاهلية، صعب علينا تكوين فكرة صحيحة عن مفهوم الدين عند العرب، وعن كيفية عبادتهم لآلهتهم، وعن كيفية تصورهم للآلهة، خاصة عند العرب الذين عاشوا قبل الميلاد.
وقد تعنينا أسماء الآلهة والأعلام المركبة في تكوين وجهة نظر عن صفات آلهة الجاهليين. فكلمات مثل "ود" و"شرح" و"سعد" و"سمع"، أو تعابير مثل "ذت حمم" "ذات حميم" و"ذت صنتم" "ذات صنتم" و"ذت رحبن" "ذات رحبن" و"ذت بعدن" ذات بعدن" "وذ قبضم" "ذو قبضم" وما شابه ذلك، لا بد أن تكون لها معانٍ خاصة تشير إلى صفات الآلهة التي قيلت لها، فتفيدنا في فهم عبادة الجاهليين وتفكيرهم في تلك الآلهة.
وإذا كانت بعض أسماء الآلهة أو صفاتها واضحة مفهومة تمكن الاستفادة منها في تكوين فكرة عن الآلهة، فإن هناك بعضًا آخر يحيط بمعناه الغموض، فلا نستطيع شرح معناه أو ترجمته إلى اللغات الأخرى. وليس من المعقول بالطبع عدم وجود مدلول أو مراد لأسماء هذه الآلهة عند من وضعها لها، ونسبها إليها، وإنما المعقول هو أن هذه المسميات نسيت بتقادم الزمن وبزوال دولتها وعظمتها
стр. 3510
من الوجود، وضاعت معالمها، فلم يبق منها إلا الأسماء المجردة١. ولعل معانيها كانت غامضة حتى على من كان يتعبد لها، لاختفائها منذ زمن طويل، وعدم ورود نصوص مدونة على المتعبدين لها في هذه المعاني، وهذا شيء مألوف معروف.
وتختلف نظرة الإنسان إلى الخالق والخلق باختلاف تطوره ونمو عقله، ولهذا نجد فكرة "الله" "الإله" التي تقابل كلمة Deus في اللاتينية وكلمة Theos في اليونانية وكلمة God في الإنكليزية، تختلف باختلاف مفاهيم الشعوب ودرجات تقدمها. فهي عند الشعوب البدائية القديمة والحديثة في شكل يختلف عن مفهومها عند الشعوب المتحضرة. كذلك اختلفت عند سكنة البوادي عند سكنة الجبال والهضاب، ويختلف مفهوم فكرة الله عند الشعوب السامية عنها عند الشعوب الآرية؛ لأسباب عديدة يذكرها علماء تأريخ الأديان٢. بل يختلف هذا المفهوم في داخل الشعب الواحد، يختلف فيه باختلاف ثقافة الإنسان وتقدم مداركه العقلية، فتصور كل إنسان خالقه على قدر عقله ودرجة ثقافته، صوَّره وكأنه مرآة صافية لنفسه ولدرجة نمو عقله، ومن هنا قيل: إن الإنسان يصنع إلهه بنفسه، أي يصوره على نحو صورته ومبلغ تفكيره.
يقول "أكسينوفان" Xenophanes: "تصور الأحباش آلهتهم فطس الأنوف، سودًا. وتصور أهل "تراقية" Thracians آلهتم ذوي عيون زرق وشعر أحمر. وزعم اليونان أن تصورهم للآلهة هو التصور الصحيح. أما تصور الزنوج وأهل تراقية عن آلهتهم، فهو تصور فاسد باطل! ولو كان للماشية والخيل والسباع أيد تتمكن من الرسو والنحت، لرسمت الخيل آلهتها على صورة خيل، ولنحتت تماثيلها على صورتها، ولرسمت الماشية ونحتت آلهتها على صورتها وهيئتها، تمامًا كما يصور الإنسان وينحت آلهته على صورته وقدر إدراكه. كل صنف يتصور ويرى آلهته على صورته"٣. وقد نسب اليونان إلى آلهتهم كل الصفات والأعمال الإنسانية المعروفة بين اليونانيين، فتصوروهم على هيئة بشر، لهم الفضائل، ولهم الرذائل، يتزوجون وينسلون ويحبون ويعشقون ويسرقون ويكرهون ويتخاصمون بينهم ويتاحسدون.
стр. 3511
ويقومون بأقبح الأعمال كما يفعل الإنسان١
وهناك أشكال عديدة للعبادة، تمثل تعدد وجهات نظر الإنسان بالقياس إلى مفهوم الألوهية لديه. فهناك عبادة تسمى عبادة آباء القبائل، حيث أسبغ على أجداد القبائل ما يسبغ عادة على الآلهة من نعوت وصفات. وتجد هذه العبادة عند القبائل البدائية. وقد يكون هؤلاء الأجداد أجدادًا حقيقيين، وقد يكونون أشخاصًا خلفتهم الأساطير. ومهما يكن من شيء، فقد أُعطي هؤلاء صفات الربوبية ونعوتها، ونظر إليهم نظرة من فيه قوى خارقة ذات هيمنة على العالم والخلق. وقد اصطلح على تسمية هذه العبادة بـ All Fathers في الإنكليزية وبـ Verehrung des Stammesvaters وبـ Urvaters في الألمانية؛ لأنها تقوم على أساس عبادة الأجداد٢.
وأله بعض الناس الظواهر الطبيعية؛ لتوهمهم أن فيها قوى Spirit روحية كامنة مؤثرة في العالم وفي حياة الإنسان مثل الشمس والقمر وبعض النجوم الظاهرة وقد كانت الشمس والقمر أول الأجرام السماوية التي لفتت أنظار البشر إليها، لما في الشمس من أثر بارز في الزرع والأرض وفي حياة الإنسان بصورة مطلقة كذلك للقمر أثره في نفس الإنسان بما يبعثه من نور يهدي الناس في الليل، ومن أثر كبير يؤثر في حس البشر فكانا في مقدمة الأجرام السماوية التي ألهها الإنسان، عبدهما مجردين في بادئ الأمر، أي دون أن يتصور فيهما ما يتصور من صفات ومن أمور غير محسوسة هي من وراء الطبيعة. فلما تقدم وزادت مداركه في أمور ما وراء الطبيعة، تصور لهما قوى غير مدركة، وروحًا، وقدرة، وصفات من الصفات التي تطلق على الآلهة. فخرجتا من صفتهما المادية البحتة ومن طبيعتهما المفهومة، وصارتا مظهرًا لقوى روحية لا يمكن ادراكها، إنما تدرك من أفعالها ومن أثرهما في هذا الكون.
وإذا كانت هذه العبادة قد اقتصرت على الظواهر الطبيعية البارزة المؤثرة،
стр. 3512
فإن هناك توسعًا في هذه العبادة تراه عند بعض الأقوام البدائية، يصل إلى حد تقديس الأحجار والأشجار والآبار والمياه وأمثال ذلك؛ إذ تصوروا وجود قوى روحية كامنة فيها، فعبدوها على أن لها أثرًا خطيرًا في حياتهم. ونجد في أساطير الشعوب البدائية أن الإنسان من نسل الحيوان ومن الأشجار أيضًا، كذلك تجد أمثلة عديدة من هذا القبيل في أساطير اليونان والرومان والساميين.
وهناك الشرك، وهو عبادة آلهة عديدة، كما أن هناك عقيدة التوحيد التي تدين بوجود إله واحد خالق لهذا الكون. وليس للشرك بالطبع عدد معين من الآلهة، فقد يكون بضعة آلهة، وقد يكون عشرات. والشرك هو الدين المعاكس لدين التوحيد، ويعرف باسم: Polytheism في الإنكليزية من كلمة Polys اليونانية ومعناها "كثير" و"تعدد"، ومن كلمة يونانية ثانية هي theos وتعني "الإله" "الآلهة". ويختلف الشرك عن عقيدة الـ polydaemonism القائلة بوجود الأرواح والجن من حيث الطبيعة Nature، كما يختلف عن أديان التوحيد Monotheism من حيث القول بتعدد الآلهة، وعن القائلين بمبدإ "الحلول" "Pantheism" من حيث حلول الإله في الخلق والخلق في الإله١.
وتطلق في العربية كلمة "إله" على الإله الواحد، وكلمة "آلهة" في حالة الجمع، أي في حالة القول بوجود آلهة عديدة. وتقابل كلمة "إله" كلمة "إيلوه" Eloh = Eloah في العبرانية الواردة في سفر "أيوب". ومنها كلمة "إيلوهيم" Elohim في حالة الجمع، أي آلهة المستعملة في العهد القديم بالقياس إلى آلهة الوثنيين٢. وكلمة "إله" لا تعني على كل حال إلهًا معينًا على نحو ما تعنيه لفظة "الله" في العربية التي يراد بها الله الواحد الأحد ليس غير.
أما "الله"، وهي كلمة الجلالة، فهي "اسم علم" خاص به على رأي، وهي "علم مرتجل" في رأي آخر. وقد ذهب الرازي إلى أنه من أصل سرياني أو عبراني. أما أهل الكوفة فرأوا أنه من "ال إله"، أي من أداة التعريف.
стр. 3513
"أل" ومن كلمة "إله". وهناك آراء لغوية أخرى في أصل هذه اللفظة١.
ولم يعثر على لفظة "الله" في نصوص المسند، وإنما عثر في النصوص الصفوية على هذه الجملة: "ف هـ ل هـ" وتعني "فالله" أو "فيا الله" و"الهاء" الأولى هي أداة التعريف في اللهجة الصفوية. وقد وردت الجملة على صورة أخرى في بعض الكتابات الصفوية. وردت على هذا الشكل: "ف هـ ل ت"، أي "فالات" "فيا الآت" أي في حالة التأنيث. وتقابل "اللات"، وهي صنم مؤنث معروف ذكر كذلك في القرآن الكريم٢.
ويظن بعض المستشرقين أن "الله" هو اسم صنم كان بمكة، أو أنه "إله" أهل مكة، بدليل ما يفهم من القرآن الكريم في مخاطبته ومجادلته أهل مكة من إقرارهم بأن الله هو خالق هذا الكون٣.
وترد في العربية كلمة أخرى من الكلمات المختصة بالخالق، "هي "رب" وجمعها "أرباب" وهي من الكلمات الجاهلية المذكورة بكثرة في القرآن الكريم، ولها معنى خاص في اللاهوت وفي الأدب العربي النصراني. وتقابل كلمة LORD في الإنكليزية. وكلمة "بعل"، و"أدون" في اللغات السامية الأخرى٤. ويذكر علماء اللغة أن "الرب" هو الله، هو رب كل شيء، أي مالكه. وله الربوبية على جميع الخلق، لا شريك له، وهو رب الأرباب، ومالك الملوك والأملاك، ولا يقال الرب في غير الله، إلا بالإضافة.
وقد قال الجاهليون: "الرب" للملك. قال الحارث بن حلزة:
وَهُوَ الرَبُّ وَالشَهيدُ عَلى يَو ... مِ الحَيارَينِ وَالبَلاءُ بَلاءُ٥
ويظهر أن لفظة "الرب" و"رب" كانت بمعنى "سيد" ومالك عند
стр. 3514
الجاهليين، ولم تكن تعني العلمية عندهم. أي ألوهية خاصة بالله، وهي تؤدي معنى "بعل" عندهم أيضًا. فكانوا يطلقونها على الإله والآلهة وعلى الإنسان باعتباره سيدًا ومالكًا. أما هذا التخصص الذي يذكره علماء اللغة، فقد حدث في الإسلام من الاستعمال الوارد في القرآن الكريم.
و"رب" البيت"، الله، وكذلك: "رب هذا البيت"١. و"رب الدار"، أي مالكها، وكل من ملك شيئًا، فهو ربه. وبهذا المعنى "هو رب الأرباب" أما الربة" فعنوا بها الصخرة التي كانت تعبدها ثقيف بالطائف. وكان لهم بيت يسمونه "الربة" و"بيت الربة"، يضاهي "بيت الله" بمكة. فلما أسلموا هدمه المغيره". و"الربة": كعبة كانت بنجران، لمذحج وبني الحارث بن كعب يعظمها الناس٢.
وأما "بعل" فمعناها مالك وصاحب ورب في اللهجات السامية. فترد بعل الموضع الفلاني، أي صاحب ذلك الموضع وربه. ومؤنث الكلمة هو "بعلت". وترد كلمة "بعل" بمعنى زوج في العربية، وقد وردت بهذا المعنى في مواضع من القرآن الكريم٣، وأما الزوجة، فهي "بعلت" "بعلة" أي في حالة التأنيث٤.
ولما كانت لفظة بعل تعني الرب والصاحب، صار اسم الموضع يرد بعد "بعل"، فيقال: "بعل صور"، و"بعل لبنان"، و"بعل غمدان"، أي رب المواضع المذكورة وصاحبها وسيدها. أما إذا وردت اللفظة مستقلة دون ذكر اسم الموضع المنسوب إليها بعدها، فتعني عندئذ رب وإله، أي رب الجماعة المتعبدة المؤمنة به٥.
وقد ورد في القرآن الكريم في صدد الكلام عن إلياس Elijah ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ، أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ ٦. وقد ذهب الطبري في تفسير "بعل" في هذه الآية إلى أن بعلًا.
стр. 3515
تعني ربًّا في لغة أهل اليمن، أو أن المراد ببعل صنم١.
ومن رأي "روبرتسن سمث" Robertson Smith أن العرب اقتبسوا المعنى الديني لبعل من الأقوام السامية المجاورة لهم مثل سكان "طور سيناء" أو موضع آخر، أخذوه من تلك الأقوام التي عرفت باشتغالها بالزراعة، ولا سيما زراعة النخيل، وأن هذا المعنى دخل إليهم بدخول زراعة النخيل إلى بلاد العرب، وأنه استعمل عند العرب المزارعين. أما البدو والرعاة، فإنهم لم يستخدموا تلك اللفظة بالمعنى المذكور٢. وهو رأي يخالف رأي بعض المستشرقين من أمثال "نولدكه" Noldeke و"ولهوزن" Wellhousen الذين يرون أن عبادة "بعل" هي عبادة سامية قديمة كانت معروفة عند قدماء العرب منذ أقدم العهود٣.
ويرى بعض المستشرقين أن لفظة "بعل" أطلقت خاصة على الأرض التي لا تعتمد في زراعتها على الأمطار أو على وسائل الري الفنية، بل على المياه الجوفية وعلى الرطوبة في التربة، فينبت فيها خير أنواع النخيل والأثمار، فهي تمثل الخصب والنماء، والظاهر أن الساميين كانوا يخصصون أرضهم بالآلهة، لتمن عليهم بالبركة واليمن، فتكون في حمى ذلك الإله "بعل الموضع الفلاني" صارت جملة "بعل سميم" "بعل سمن" "بعل سمين" تعني "رب السماء"، ويعني بذلك المطر الذي هو أهم واسطة من وسائط الإسقاء والخصب والنماء في جزيرة العرب وفي البلاد التي يسكنها الساميون٤. ورأى مستشرقون آخرون أن جملة "أرض بعل" تعني الأرض التي تُسقى بالأمطار٥.
وذكر العلماء أن لفظة "الآل" بمعنى الربوبية، واسم الله تعالى. وأن كل اسم آخره "أل" أو "إيل" فمضاف إلى الله تعالى، ومنه "جبرائيل" و"ميكائيل" وذكر أن "أبا بكر" "لما سمع سجع "مسيلمة"، قال: هذا كلام لم يخرج من آل ولا بر، أي لم يصدر عن ربوبيه٦. وقد ذهب
стр. 3516
بعض علماء اللغة إلى أن اللفظة "إيل" من المعربات. عربت عن العبرانية، وهي فيها اسم الله١. وهي من الألفاظ التي ترد في اللغات السامية، ولا يعرف معناها على وجه مضبوط، ويظن أنها بمعنى "القادر" و"العزيز" والقهار، والقوي، والحاكم. وترد في الشعر وفي أسماء الأعلام في الغالب. وقلما نجدها ترد في النثر٢.
وقد وردت في نصوص المسند وفي نصوص أخرى ألفاظ كثيرة مثل "ود" و"سمع" أي "سميع" و"حكم" أي "حكيم"، و"حلم" أي حليم" و"علم" أي "عالم" و"عليم"، و"رحم" أي "رحيم"، و"رحمنن" أي "الرحمن"، وأمثال ذلك. ذكرت على صورة أسماء آلهة. لكنها في الواقع صفاتها لا أسماؤها. ذكرت في مقام ذكر أسماء الآلهة، كما يقول المسلم في دعائه ربه يا سميع ويا حكيم ويا رحيم. وهي صفات وردت في القرآن الكريم.
وعلى من يريد الوقوف على رأي الجاهليين في طبائع آلهتهم وفي تعيين صفاتها، حصر هذه الصفات وضبطها، وتعيين مدلولها، وهي صفات تدل على معانٍ خلقية مجردة. وسنتمكن بذلك من الوقوف على نظرة الجاهليين إلى آلهتهم، ومن تعيين وتثبيت عددها إذ سيظهر لنا من هذه الدراسة أن أكثر تلك الأسماء ليست أسماء آلهة، وإنما هي صفات لها، وأن الكلمات التي لا يشك في كونها أسماء صحيحة قليلة جدًّا، ربما لا يتجاوز عددها الثلاثة، هي الثالوث. ومن يدري؟ فقد تكون في النتيجة اسمًا لإله واحد، وعندئذ يمكن أن نتوصل إلى نتيجة علمية بالقياس إلى عقيدة الشرك أو التوحيد عند العرب الجاهليين.
ويجد الإنسان اليوم سذاجة مضحكة في بعض العقائد الدينية التي كانت عند الشعوب القديمة، ويستصعب تصور اعتقاد الناس بها، وهو ينسى أن هذه العقائد أو بعضها على الأقل، لا تزال معروفة بين بعض قبائل إفريقية وأستراليا وأماكن أخرى في العالم، وأن العقل الإنساني في تطور مستمر، وأن هناك بشرًا يؤمنون بعقائد ورثوها عن آبائهم لا تقل غرابة عن غرابة بعض المعتقدات التي نؤاخذ.
стр. 3517
بها قدماء البشر، مع أنهم من الشعوب المتقدمة في الحضارة وفي المدينة، ومن القرن الذي نفتخر بتسميته بقرن العقوق على الأمم، والهروب منها إلى بيوت أخرى، تكون بعيدة عنها، سانحة في هذا الفضاء.
وقد يصعب على الإنسان اليوم تصور وجود فائدة أو ضرر من أشياء جامدة لا يمكن قطعًا أن تضر أو تنفع، ولكن القدماء تصوروه مع ذلك واعتقدوه. فقدسوا الأحجار والأشجار والحيوانات، وقدسوا الأرواح والأموات من الآباء والأجداد والقديسين، وتعبدوا لها. ولهذه العبادات أسماء علمية خاصة اصطلح على تسميتها العلماء.
والدين هو إيمان وعمل: إيمان بوجود قوى هي فوق طاقة البشر، لها تأثير في حياته وفي مقدراته، وعمل في أداء طقوس معينة تعين شكلها الأديان للتقرب إلى الآلهة ولاسترضائها. والإيمان هو قبل العمل بالطبع، فلا بد للقيام بالشعائر، أو بأداء العمل، من وجود إيمان عند الشخص أو الأشخاص بوجود إله أو آلهة. حتى يقوم بعمل ديني١ فالعمل تابع للإيمان، ونتيجة من نتائجه، وهو شعاره ومظهره. وهو أبرز عند الأقوام البدائية من الإيمان لدرجة عقليتها ومجال تفكيرها الضيق. ومن العمل: الرقص، والأفراح الدينية، والسحر، والقرابين، والحج، والصلوات٢.
وقد أقر الإسلام أشياء من أمور الدين كان يمارسها الجاهليون في جاهليتهم؛ لأنها لا تتعارض مع مبادئ الإسلام. ودراسة أمثال هذه الأشياء توضح لنا نواحي خافية علينا في الزمن الحاضر من الحياة الدينية عند الجاهليين، لذلك أرى من الضروري تتبع هذه الأشياء لتدوين تأريخ صحيح للدين عند الجاهليين. وأرى من الضروري كذلك تتبع الأساطير والعادات الموروثة التي لها صلة وعلاقة بالدين الجاهلي بين الأعراب والحضر في كل أصقاع جزيرة العرب، ولا سيما القرى العربية النائية عن العمران المنعزلة عن الأعاجم، فإن معظم هذه الأساطير والتقاليد هي من بقايا الوثنية العربية القديمة، بقيت جذورها ثابتة راسخة في الأفئدة حتى اليوم.
стр. 3518
ولا بد أيضًا لدراسة الدين عند الجاهليين دراسة صحيحة من الرجوع إلى أصول الأشياء، وأعني بأصول الأشياء هنا ديانة الساميين الأولى بشكلها البدائي القديم. فمن تلك الشجرة تفرعت أديان الشعوب السامية، وفي ذلك الدين نجد الأصول والأسس التي بنيت عليها الديانات الفروع.
أما كيف نتمكن من الرجوع إلى الأصل ومن معرفة ديانة الساميين القديمة، فموضوع ليس بالسهل اليسير، ونحن وإن كنا نملك بعض المؤلفات والبحوث عن أديان الساميين لا نستطيع أن نجرؤ فنقول إن البحث قد نضج فيه، وإن القوم قد استوفوه من أطرافه وأكملوه، بل إن كثيًرا مما تطرق إليه العلماء هو موضع جدل واختلاف، ولن يمكن التوصل إلى نتائج مقبولة معقولة إلا إذا تمكن الباحثون من الحصول على وثائق جديدة تكشف النقاب عن أديان قدماء الساميين.
وللتوصل إلى تكوين رأي عن أديان الساميين القديمة لا بد من دراسة النصوص الدينية السامية كلها، ودراسة كل ما له صلة بالدين عند الساميين، ومقارنة الأديان السامية بعضها ببعض ومراجعة الأصول اللغوية للمصطلحات الدينية عند جميع الشعوب السامية للتوصل منها إلى الأسس العميقة المدفونة التي أقيم عليها بنيان ديانة الساميين. ثم لا بد أيضًا من دراسة المؤثرات الخارجية التي أثرت في الساميين من عوامل طبيعية ومن عوامل أخرى غير طبيعية ومن الأثر الثقافي الذي كان لغير الساميين في الساميين.
ويتبين من دراسة الأساطير السامية وجود شكل من أشكال التوحيد Henoteism عند القبائل السامية البدائية، يمثل في اعتقاد القبيلة بوجود إله لها واحد أعلى، غير أن هذا لا يعني نفي اعتقادها بتعدد الآلهة. فإننا نرى أن تلك القبائل كانت تعتقد، في الوقت نفسه، بالأرواح كأنها كائنات حية ذات أثر وسلطان في مصير هذا الكون. وفي ضمنه الإنسان، وبآلهة مساعدة للإله الكبير١.
والديانات السامية، وإن كانت في الأصل من ديانة قديمة، قد تطورت وتغيرت بعوامل عديدة من العوامل التي تؤثر في كل المجتمعات البشرية فتحدث فيها انقلابًا في التفكير وفي طراز الحياة. ومن هذه العوامل المؤثرات الخارجية والمحيط الجديد. وسنجد أن ديانة العرب الجنوبيين، وإن كانت في الأصل من تلك الديانة السامية
стр. 3519
الأصلية فيها مثل "أل" "إيل" وأمثال ذلك، قد غيرت في ديانتها، وبدلت في تصوراتها للآلهة، حتى صارت في بعض معتقداتها على نقيض مع معتقدات الساميين الشماليين.
وفي الدين معبود يعبد هو الله، أو جملة آلهة، أو قوى خارقة تلعب في مقدرات الإنسان وعبدة يتعبدون له أو لها فهم عباده او عبادها و"العبادة" الطاعة، وأداء الواجبات المفروضة على الإنسان تجاه الله١، أو الآلهة.
والرأي المعروف بين الناس حتى الطبقة المتعلمة منهم، أن العرب الجاهليين كانوا على جانب عظيم من الانحطاط الديني قبل الإسلام، وأن تفكيرهم في ذلك تفكير منحط لا يتجاوز تفكير القبائل البدائية وهو رأي خاطئ، يفنده القرآن الكريم، وإذا كان ما يقوله صحيحًا بالقياس إلى السواد والأعراب، فإنه لا يصح أن يكون حكمًا عامًّا على الكل، ولا سيما على المتحضرين وعلى من كان لهم اتصال بالعالم الخارجي.
وتأريخ أديان العرب قبل الإسلام، فصل مهم جدًّا من فصول تأريخ العرب عامة قبل الإسلام وبعدها، بدونه لا يمكن فهم عقلية القوم الذين نزل الوحي بينهم وطريقة معرفة تفكيرهم ووجهة نظرهم إلى الخالق والكون ثم الأسباب التي دعت إلى نزول الوحي وظهور الإسلام، وبدون دراسة أديان الجاهليين ومقالاتهم في الخالق والخلق، لا نتمكن أبدًا من فهم رسالة الإسلام فهمًا صحيحًا. بل إن هذا الدراسة أيضًا فصل مهم جدًّا لفهم كثير من الأمور الواردة في التوراة والإنجيل إذ كان العرب قومًا من هذه الأقوام التي كانت لها صلات قديمة بأرض الوحي التي نزل بها الكتاب المقدس بعهديه، وعضو فعال في هذه المجموعة المسماة بالشعوب السامية. ما نعثر عليه من جديد في الناحية الدينية يكشف عن غوامض عديدة من غوامض العهدين، فجدير بالعلماء وبنا إذن الانصراف إلى البحث والاستقصاء للعثور على المصطلحات المفقودة من هذا الفعل.
وسنرى في الفصول القادمة أسماء رجال كان لهم شأن وخطر في الحياة الدينية للجاهليين، وقد زعم أهل الأخبار أن بعضًا منهم كان من الأنبياء الذين جاءوا إلى قومهم برسالة. وأن بعضًا آخر. كان من المصلحين الهادين، من أصحاب
стр. 3520
العقول النيرة التي هزأت بالأوثان وبديانات قومهم. وإن رجالًا منهم كانوا على الحنيفة، يريدون بها ديانة التوحيد، وإن آخرين بشروا بالوثنية، وأشاعوها بين العرب، لما كان لهم من مكانة ونفوذ. وإن رجالًا من الجاهليين كانوا على ملة اليهودية ودين المسيح. وإن قومًا من أهل الجاهلية كانوا على عبادة "الله" و"الرحمن"، وكل المذكورين كانوا ممن مهد الجادة إذن لظهور الإسلام.
وقد أدى ظهور الإسلام إلى ظهور مصطلحات جديدة وموت مصطلحات قديمة، وصارت هذه المصطلحات من علائم الوثنية. ولا بد لنا للوقوف على صورة أوضح للحياة الدينية عند الجاهليين من وجوب دراسة الألفاظ الجاهلية ذات المعاني الدينية بجمعها وتبويبها وتثبيت معانيها، فبهذه الدراسة نستطيع الوقوف على مبلغ تغلغل الحياة الدينية في نفوس الجاهليين، ومعرفة مدى تعمقهم في الدين وفهمهم له.
ومن الدراسات التي يجب أن تنال منا الرعاية والعناية لمعرفة الحياة الدينية وتطورها عند الجاهليين معرفة صحيحة، دراسة المصطلحات الدينية بحسب اللهجات العربية، وأماكن تلك اللهجات، وأسماء الأصنام أو الأوثان، ومعتقدات سكان تلك الأرضين في هذه الأيام، فإن دراسة مثل هذه تفيدنا فائدة كبيرة في معرفة أسس الحياة الدينية عند الجاهليين، وفي معرفة اختلاف العرب أو اتفاقهم في العقائد وفي الأمور الدينية، ومعرفة العوامل والأسباب التي أدت إلى ذلك، ثم معرفة المؤثرات الخارجية في الحياة الدينية للجاهليين. وبتثبيت هذه وأمثالها وبمقارنتها بأسماء أصنام الأقوام المجاورة وآلهتهم ومصطلحاتهم، نستطيع فهم كثير من الأمور الغامضة من الحياة الدينية عند العرب وعند تلك الأقوام، وفهم الاحتكاك العقلي والصلات الروحية التي كانت بين تلك الشعوب قبل الإسلام.
إن الأخباريين عفا الله عنهم، لم يعنوا بتنسيق هذا الذي توصلوا إليه ورووه لنا من آراء الجاهليين في الدين. فرووا روايات مختلفة متناقضة أو مقتضبة اقتضابًا مخلًّا وجاءوا بأمور تثبت أن أولئك الأخباريين لم يكونوا على مستوًى عالٍ من النقد والتعمق في دراسة الأخبار، وأنهم كانوا يروون أخبارهم بالمعنى المفهوم من الأخبار، يأخذون ما يقال لهم فيروونه على نحو ما سمعوه وإن كان فيما يروونه ما يخالف المنطق والفهم السليم. والاستسلام للروايات داء يذهب بالفائدة منها، ويعود على المؤرخ بأفدح الأضرار. ولهذا نجد أنفسنا في موضوع أديان العرب.
стр. 3521
قبل الإسلام في زوبعة عاتية وعاصفة مليئة بالرمال نتخبط فيها للحصول على مخرج نخرج منه، وليس لنا إلا الأمل بالخروج من هذه العاصفة العاتية المتعبة في وقت ما.
وهذا الذي أورده أهل الأخبار عن أهل الجاهلية على ما فيه من تناقض وتضارب واقتضاب، هو كما رأينا مادتنا الوحيدة عن الحياة الدينية عند عرب الجاهلية قبيل الاسلام وعند ظهوره، ولا سيما بالنسبة إلى عرب الحجاز وعرب الشأم والعراق وهناك روايات لم نستفد منها حتى الآن؛ لصعوبة التوصل إليها، لا لكونها في بطون المخطوطات، ولهذا يصعب الحصول عليها. فإن الكثير منها قد طبع، وهو في متناول الأيدي، إنما صعوبتها في كونها في كتب مطبوعة طبعًا على الطريقة القديمة بلا نظام ولا ترتيب ولا تبويب فني ولا فهرست لما في الكتاب المطبوع من مواد ومن أسماء أشخاص أو أصنام أو أوثان أو ما شابه ذلك. وليس أمام المؤرخ في هذه الحالة إلا أن يقرأ تلك الكتب من بسملتها حتى منتهاها؛ ليحصل منها في النهاية على كلمة أو كلمتين أو خبر أو أخبار، ولكن كيف يتمكن المؤرخ من قراءة كتب ضخمة كتفسير الطبري وكتب التفاسير الأخرى وشروح الحديث وكتب التواريخ والطبقات وبقية الكتب إذا كان الكتاب يتألف من أكثر من عشرة أجزاء، وهي كلها بلا فهرست للأعلام ولا لما في الكتاب من فوائد ومواد. لا يتمكن المؤرخ بالطبع من قراءة كل هذه الموارد المذكورة مع تساوي عمره بسائر أعمار الناس، ولو مد الله في عمره وصيره إنسانًا آخر ذا عمر طويل من أعمار الأناس الذين أرخهم "السجستاني" في كتاب المعمرين، لتمكن من الإحاطة ببعض تلك الموارد على الأقل. غير أن عمر المؤرخ ويا للأسف مثل أعمار سائر الناس، قصير محدود، فليس في إمكانه الإحاطة بما ورد في هذه الكتب الواسعة المجهولة، على ظهورها في عالم الوجود ووجودها في خزانة كتب المؤرخ وفي يد أي شخص يريد الحصول عليها؛ لأن الموضوع ليس موضوع وجود كتاب مطبوع أو مخطوط، إنما هو اكتشاف ما في المطبوع أو المخطوط من آراء وأخبار وأعلام.
ما دام الوضع على هذا الحال وما دامت أكثر كتبنا غير مفهرسة ولا منسقة، فليس في استطاعة المؤرخ أن يأتي بشيء كثير يشفي غليل من يريد المزيد من
стр. 3522
المعرفة عن الحالة الدينية عند العرب قبل الإسلام. هذا أمر يؤسف له بالطبع كثيرًا وسيأتي بعدنا من يضيفون إلى هذا العلم البسيط الذي توصلنا إليه علمًا كثيًرا ثم يتوصل من بعدهم إلى أكثر من ذلك ولا شك. ومن يدري؟ فلعلهم يتوصلون إلى كتابات جاهلية تغنيهم عن كل هذا الذي أخذناه من موارد إسلامية كتبت بعد الجاهلية بعشرات السنين. وليس لنا، وسنكون بالطبع من الماضين، إلا أن ندعو لمن يأتي بعدنا بالتوفيق والنجاح التام.
стр. 3523
الفصل الثاني والستون: التوحيد والشرك
مدخل
...
الفصل الثاني والستون: التوحيد والشرك
كانت العرب في الجاهلية على أديان ومذاهب: كان منهم من آمن بالله، وآمن بالتوحيد، وكان منهم من آمن بالله، وتعبد الأصنام؛ إذ زعموا أنها تقربهم إليه. وكان منهم من تعبد للأصنام، زاعمين أنها تنفع وتضر، وأنها هي الضارة النافعة١. وكان منهم من دان باليهودية والنصرانية، ومنهم من دان بالمجوسية، ومنهم من توقف، فلم يعتقد بشيء، ومنهم من تزندق، ومنهم من آمن بتحكم الآلهة في الإنسان في هذه الحياة، وببطلان كل شيء بعد الموت، فلا حساب ولا نشر ولا كتاب، ولا كل شيء مما جاء في الإسلام عن يوم الدين.
ومذهب أهل الأخبار، أن العرب كانوا على دين واحد، هو دين إبراهيم، دين الحنيفية ودين التوحيد. الدين الذي بعث بأمر الله من جديد، فتجسد وتمثل في الإسلام. وكان العرب مثل غيرهم، قد ضلوا الطريق، وعموا عن الحق، وغووا بعبادتهم الأصنام. حببها لهم الشيطان، ومن اتبع هواه من العرب، وعلى رأسهم ناشر عبادة الأصنام في جزيرة العرب: "عمرو بن لحي".
وذهب "رينان" Renan إلى أن العرب هم مثل سائر الساميين الآخرين
стр. 3524
موحدون بطبعهم، وأن ديانتهم هي من ديانات التوحيد. وهو رأي يخالفه فيه نفر من المستشرقين١.
وقد أقام "رينان" نظريته هذه في ظهور عقيدة التوحيد عند الساميين من دراسته للآلهة التي تعبد لها الساميون، ومن وجود أصل كلمة "أل" "إيل" في لهجاتهم، فادعى أن الشعوب السامية كانت تتعبد لإله واحد هو "أل" "إيل" الذي تحرف اسمه بين هذه اللهجات، فدعي بأسماء أبعدته عن الأصل، غير أن أصلها كلها هو إله واحد، هو الإله "أل" "إيل"٢.
و"التوحيد" الإيمان بإله واحد أحد لا شريك له، منفرد بذاته في عدم المثل والنظير. لا يتجزأ ولا يثنى ولا يقبل الانقسام٣. ويقال للديانة التي تدين بالتوحيد: Monotheism في اللغات الأوروبية، من أصل يوناني هو Monos بمعنى "واحد"، و Theos بمعنى "إله"، لأنها تقول بوجود إله واحد٤. ويتمثل القول في التوحيد في اليهودية وفي الإسلام.
والشرك في تفسير العلماء الإسلاميين، أن يجعل لله شريكًا في ربوبيته، غير الله مع عبادته، والإيمان بالله وبغيره، فصاروا بذلك مشركين٥. ومن الشرك أن تعدل بالله غيره، فتجعله شريكًا له. ومن عدل به شيئًا من خلقه فهو مشرك؛ لأن الله وحده لا شريك له ولا ند له ولا نديد٦. ويقال له Polytheismus = Polytheism في اللغات الأوروبية. من أصل يوناني هو Polys، ومعناها كثرة وتعداد، و Theos بمعنى "إله" فيكون المعنى: القول بتعدد الآلهة، أي الشرك نقيض القول بالتوحيد Monotheismus. فالشرك هو الدين المعاكس لدين التوحيد. ويختلف عن عقيدة الـ POIYDOEMONISM القائلة بوجود الأرواح والجن من حيث الطبيعة Nature، وبوجود أثر لها في حياة الإنسان، كما يختلف.
стр. 3525
عن القائلين بمبدإ "الحلول" Pantheism من حيث حلول الإله في الخلق والخلق في الإله١.
وقد ذهب أهل الأخبار إلى أن العرب الأولى كانت على ملة إبراهيم، من الإيمان بإله واحد أحد، اعتقدت به، وحجت إلى بيته، وعظمت حرمه، وحرمة الأشهر الحر، بقيت على ذلك، ثم سلخ بهم على أن عبدوه ما استحبوا ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وابتعدوا عن دين آبائهم وأجدادهم، حتى أعادهم الإسلام إليه٢.
ونظرية أن العرب جميعًا كانوا في الأصل موحدين، ثم حادوا بعد ذلك عن التوحيد فعبدوا الأوثان وأشركوا، نظرية يقول بها اليوم بعض العلماء مثل "ويليم شميد" Wilhelm Schmidt الذي درس أحوال القبائل البدائية وأنواع معتقداتها، فرأى أن عقائد هذه القبائل البدائية الوثنية ترجع بعد تحليلها وتشريحها ودرسها إلى عقيدة أساسية قائمة على الاعتقاد بوجود "القديم الكل" أو "الأب الأكبر". الذي هو في نظرها العلة والأساس. فهو إله واحد. وتوصل إلى أن هذه العقيدة هي عقيدة سبقت التوحيد، ثم ظهر من بعدها الشرك. وقد أطلق عليها في الألمانية مصطلح Urmonotheismus أي التوحيد القديم٣.
ويأخذ بهذه النظرية علماء اللاهوت وبعض الفلاسفة، وفي الكتب السماوية تأييد لها أيضًا. فالشرك وعبادة الأصنام بحسب هذه النظرية، نكوص عن التوحيد، ساق إليه الانحطاط الذي طرأ على عقائد الإنسان فأبعده عن عبادة الله٤.
إننا لا نستطيع أن نتحدث عن عقيدة التوحيد عند العرب قبل الإسلام استنادًا إلى ما لدينا من كتابات جاهلية؛ لعدم ورود شيء عن ذلك. فالنصوص التي وصلت إلينا، هي نصوص فيها أسماء أصنام، وليس فيها ما يفهم منه شيء عن التوحيد عند العرب قبل الميلاد وبعده، إلا ما ورد في النصوص العربية الجنوبية المتأخرة من عبادة الإله "ذ سموى" "ذو سموى"، أي صاحب السماء، بمعنى إله السماء. وهي عبادة ظهرت متأخرة في اليمن بتأثير اليهودية والنصرانية.
стр. 3526
اللتين دخلتا اليمن ووجدتا لها أتباعًا هناك، بل حتى هذه العبادة لا نستطيع أن نتحدث عنها حديثًا يقينيًّا، فنقول إنها عبادة توحيد خالص تعتقد بوجود إله واحد على نحو ما يفهمه أهل القول بالتوحيد.
وقد ذكرت جملة "ذ سموى" في نص مع الإله "تالب ريمم" "تالب ريام"، رب قبيلة "همدان" ويدل ذكر اسم هذا الإله مع اسم إله آخر على أن عقيدة التوحيد لم تكن قد تركزت بعد، وأنها كانت في بدء تكوينها، فلما اختمرت في رءوس القوم، ذكرت وحدها في النصوص المتأخرة، دون ذكر أسماء الأصنام الأخرى، مما يشير إلى حدوث هذا التطور في العقائد، وإلى ظهور عقيدة التوحيد والإيمان بإله السماء عند جماعة من العرب الجنوبيين، وقد أكملت هذه العقيدة بأن صار إله السماء رب السماء والأرض١.
ولم يكن "ذ سموي"، "ذ سمى إله "، "ذو السماء إله" أي "صاحب السماء" أو "إله السماء" أو "رب السماء" إله جماعة معينة أو إله قبيلة مخصوصة، بل هو إله ولدته عقيدة جديدة ظهرت في اليمن بعد الميلاد على ما يظن تدعو إلى عبادة إله واحد هو "رب السماء"، فهو إله واحد مقره السماء. ويرى بعض المستشرقين أن هذه العقيدة وهي نتيجة اتصال أهل اليمن باليهودية والنصرانية على أثر دخولهما العربية الجنوبية، فظهرت جماعة تأثرت بالديانتين تدعو إلى عبادة إله واحد هو "رب السماء"٢.
وأما عبادة الرحمن" "رحمنن" فهي عبادة توحيد، ظهرت من جزيرة العرب فيما بعد الميلاد. وقد وردت كلمة "رحمنن"، أي "الرحمن"، في نص يهودي كذلك وفي كتابات "إبرهة"، وردت في نصوص عربية جنوبية أخرى وفي نصوص عثر عليها في أعالي الحجاز ٣. وقد كان أهل مكة على علم بالرحمن، ولا شك، باتصالهم باليمن وباليهود. ولعلهم استخدموا الكلمة في
стр. 3527
معنى الله. وإن ذكر علماء اللغة أو علماء التفسير أن اللفظة لم تكن معروفة عند أهل مكة في الجاهلية١.
وقد جاء في النص اليهودي المذكور: "الرحمن الذي في السماء وإسرائيل وإله إسرائيل رب يهود". وقد حمل هذا النص بعض الباحثين على القول بأن العرب الجنوبيين قد أخذوا هذه الكلمة وفكرتهم عن الله من اليهودية، وأن فكرت التوحيد هذه إنما ظهرت بتأثير اليهودية التي دخلت إلى اليمن. غير أن من الباحثين من رأى خلاف هذا الرأي. رأى أن افتتاح النص بذكر الرحمن، ثم إشارته بعد ذلك إلى إله يهود، ورود كلمة الرحمن" في نص آخر يعود إلى سنة "٤٦٨" للميلاد٢. كتبه صاحبه شكرًا للرحمن الذي ساعده في بناء بيته: كل هذه وأسباب أخرى، تناقض رأي القائلين بأن عقيدة الرحمن عقيدة اقتبست من اليهود٣.
وقد ذكر بعض علماء اللغة أن "الرحمن" اسم من أسماء الله مذكور في الكتب الأول، وأن اللفظة عبرانية الأصل، وأما الرحيم" فعربية. وذكروا أن "الرحمن" اسم مخصص بالله، لا يجوز أن يسمى به غيره٤. وقد أنشدوا للشنفرى أو لبعض الجاهلية الجهلاء.
ألا ضربت تلك الفتاة هجينها ... ألا قضب الرحمن ربي يمينها
فيظهر من هذا البيت أن الشاعر كان يدين بعبادة الرحمن. ونجد مثل هذه العقيدة في قول سلامة بن جندل الطهوي:
стр. 3528
عجلتم علينا عجلتينا عليكم ... وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق١
فإن ذلك يعني أن قومًا من الجاهليين كانوا يدينون بعبادة "الرحمن". ومما يؤيد هذا الرأي ما ورد من أن بعض أهل الجاهلية سموا أبناءهم عبد الرحمن، وذكروا أن "عامر بن عتوارة" سمى ابنه "عبد الرحمن"٢.
وقد وردت لفظة "الرحمن" في شعر ينسب إلى "حاتم الطائي" هو:
كلوا اليوم من رزق الإله وأيسروا ... وإن على الرحمن رزقكم غدًا
وحاتم من المتألهة، ويعده البعض من النصارى و"الرحمن" نعت من نعوت الله في النصرانية، من أصل "رحمونو" Rahmono٣، فهل عبر شاعرنا بهذه اللفظة عن هذا المعنى النصراني؟
"وقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف الرحمن حتى رد الله عليهم ذلك بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ . ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية لما قال رسول الله، ﷺ ، لعلي: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم. رواه البخاري. وفي بعض الروايات: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة"٤.
وذكر أن المشركين سمعوا النبي يدعو ربه، يا ربنا الله ويا ربنا الرحمن، فظنوا أنه يدعو إلهين، فقالوا: هذا يزعم أنه يدعو واحدًا، وهو يدعو مثنى مثنى. وأن أحدهم سمع الرسول يقول في سجوده، يا رحمن يا رحيم فقال لأصحابه: انظروا ما قال ابن أبي كبشة دعا الرحمن الذي باليمامة. وكان باليمامة رجل يقال له الرحمن٥.
стр. 3529
ولم يذكر أهل الأخبار شيئًا عن ذلك الشخص الذي زعموا أنه كان يُعرف بـ"رحمان اليمامة" لكنهم ذكروا أن "مسيلمة الكذاب"، كان يقال له رحمان اليمامة١. فهل عنوا بـ"رحمان اليمامة" مسيلمة نفسه، أم شخصًا آخر كان يدعو لعبادة "الرحمن" قبله؟
وورد أن قريشًا قالوا للرسول: "إنا قد بلغنا أنك إنما يعلمك رجل باليمامة، يقال له الرحمن ولن نؤمن به أبدًا" فنزل فيهم قوله: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ ٢. وذكر بعض أهل الأخبار: كان مسيلمة بن حبيب الحنفي، قد تسمى بالرحمن في الجاهلية، وكان من المعمرين، وذلك قبل أن يولد عبد الله أبو رسول الله٣.
وورد في بعض أقوال علماء التفسير أن اليهود قالوا: "ما لنا لا نسمع في القرآن اسمًا هو في التوراة كثير. يعنون الرحمن، فنزلت الآية" ٤.
ويرى المستشرقون أن عبادة "الرحمن" "رحمنن"، إنما ظهرت بين الجاهليين بتأثير دخول اليهودية والنصرانية بينهم٥.
وقد ذكر "اليعقوبي" أن تلبية "قيس عيلان" كانت على هذا النحو: "لبيك اللهم لبيك، لبيك أنت الرحمن، أتتك قيس عيلان، راجلها والركبان"٦ وأن تلبية عك والأشعرين، كانت:
نحج للرحمان بيتًا عجبًا ... مستترًا مغببًا محجبًا٧
وفي التلبيتين المذكورتين دلالة على اعتقاد القوم بإله واحد، هو الرحمن.
стр. 3530
ولم ترد لفظة "الرحمن" إلا مفرده، فليس لها جمع؛ لأنها تعبير عن توحيد، وليس في التوحيد تعدد، فالتعدد شرك. على عكس لفظة "رب"، التي تؤدي معنى "إله"، وهي تعبير عن اعتقاد، لا اسم علم لإله، ولذلك وردت لفظة "أرباب" بمعنى آلهة تعبيرًا عن تعدد الآلهة، وهو الشرك. وقد كان الجاهليون يقولون: ربي وربك وربنا وأربابنا، كما يقولون إلهي وإلاهك وآلهتنا١.
وقد تكون كلمة "هـ رحم" "هارحيم"، أي "الرحيم" الواردة في النصوص الصفوية٢ وفي النصوص السبئية اسم إله٣، وقد تكون صفة من صفات الآلهة على نحو ما تؤديه كلمة "الرحيم" من معنى في الإسلام.
وللعلماء آراء في ظهور عبادة الشرك. ورأي رجال الدين منهم، أن الناس كانوا أمة واحدة في الدين، كانوا على التوحيد جميعًا، ثم ضلوا فعبدوا جملة آلهة وصاروا مشركين٤. أما غيرهم من العلماء الذين يستندون إلى الملاحظات ودراسة أحوال القبائل البدائية وعلى فروع العلوم الأخرى المساعدة مثل علم النفس وعلم الاجتماع، فيرون أن عقيدة التوحيد ظهرت متأخرة بالنسبة إلى ظهور الوثنية والشرك ظهرت بعد أن توسعت مدارك الإنسان، فشعر أن ما كان يتصوره من وجود قوى روحانية عليا في الأشياء التي عبدها لم يكن سوى وهم وخداع، وصار يقتصد في الشرك، إلى أن اهتدى إلى عبادة إله واحد.
стр. 3531
ظهور الشرك:
هناك عدة عوامل دعت إلى ظهور الشرك، أي تعدد الآلهة، وأثرت في تعدد الآلهة. هناك عوامل طبيعية وعوامل رسية Characteristics، وعوامل
стр. 3532
سياسة وعوامل تأريخية واجتماعية واقتصادية وعوامل أخرى، كل هذه أثرت في شكل الشرك وفي تعدد الآلهة وفي كيفية تصور الناس لآلهتهم. ولا يعني هذا أنها أثرت كلها مجتمعة وفي آن واحد، إنما يعني أن ظهور الشرك وشكله هو نتيجة عوامل متعددة وأسباب مختلفة أثرت في ظهوره وفي تكوين صورة الآلهة في نظر المؤمنين بها المتعبدين لها.
وإنا لنجد وجهة نظر الشعوب عن الآلهة أو الإله تختلف باختلاف ثقافتها ومستواها الاجتماعي، وللوضع السياسي دخل كبير في الشرك وفي عدد الآلهة وفي شكل الدين. لقد كان لكل قبيلة إله خاص بتلك القبيلة يحميها من الأعداء ومن المكاره، ويدافع عنها في الحروب والملمات، ويعطيها النصر. كما كان للقرى والمدن آلهتها الخاصة بها. فإذا تحالفت القبائل أو القرى أو المدن تحالفت آلهتها معها، وكونت حلفًا وصداقة متينة بينها. أما إذا تحاربت هذه القبائل أو القرى أو المدن، فيكون لهذه الحرب أثر كبير في مستقبل الآلهة وفي عددها. فقد ينصرف المغلوبون عن آلهتهم إلى عبادة آلهة أخرى؛ لأنها أصبحت ضعيفة لا قدرة لها على الدفاع عن عبدتها. وقد يتأثر الغالبون بعبادة المغلوبين الذين خضعوا لهم، فيضيفون آلهة المغلوبين إلى آلهتهم، فيزيد بذلك عدد الآلهة، ولا سيما إذا كان المغلوبون أصحاب ثقافة عالية، وكان لهم أدب وفن.
والعادة أن آلهة القبائل أو المدن الرئيسية تكون هي الآلهة الرئيسية للحلف أو في المملكة. ويكون إله القبيلة ذات النفوذ أو العاصمة عندئذ، هو إله الحكومة الكبير. أما الآلهة الأخرى، فتكون دونه في المنزلة، ولهذا يرد اسمها في الغالب بعد اسم الإله الكبير.
كذلك يجب ألا ننسى عامل الجوار والاتصال الثقافي في ظهور الشرك، فكثيرًا ما يؤدي هذا الاتصال إلى اقتباس آلهة المجاورين وإضافتها إلى مجموعة الآلهة عند ذلك الشعب، فيزيد بذلك عدد الآلهة أو ينقص فقد تطغى الآلهة الجديدة المقتبسة على الآلهة القديمة، ويقل شأن بعضها فيهمل، ثم يموت اسمها. وقد يحدث ذلك بطريق الحرب أيضًا، كما ذكرت، فيتغير العدد بذلك.
ولرجال الدين ولسادات القبائل وللأمراء وللملوك أثر في ظهور الشرك. كان في إمكانهم إقرار مستقبل الآلهة بإضافة آلهة جديدة على الآلهة القديمة، أو بإبعاد
стр. 3533
إله أو آلهة عند عبادة قومهم، فيزيد أو ينقص بذلك عدد الآلهة. وقد كان سادات القبائل والوجوه يغيرون عبادة أتباعهم بإدخال عبادة إله جديد، يأخذونه من زيارتهم لبلد غريب، كأن يكون أحدهم قد أصيب بمرض وهو في ذلك البلد، فيشار عليه بالتعبد وبالتقرب لإله ذلك البلد أو لأحد آلهته، فيصادف أن يشفى، فيظن أنه شفي ببركة ذلك الإله وبقدرته وقوته، فيتقرب له ويتعبد له، فإذا أعاد حمل عبادته إلى أتباعه، فيعبد عندهم. ويضاف على آلهتهم، ويصير أحدهم وقد يطغى اسمه عليها، وذلك حسب درجة تعلق سيد القبيلة به، وحسب درجة ومكانة سيد القبيلة بين الناس. وتأريخ الجاهلية مليء بحوادث تبديل آلهة بسبب تبديل سادات القبائل ووجوه الناس لعقائدهم ولآلهتهم، فتدخل القبيلة كلها في العبادة الجديدة. وقد كان إسلام قبائل برمتها، بسبب دخول سيدها في الإسلام، فالناس تبع لساداتهم ولقادتهم، و"الناس على دين ملوكهم" كما هو معروف ومشهور في أقوال العرب.
ومعظم أسماء الآلهة صفات للآلهة لا اسم علم لها، فود ورضى والمقه وذات حميم وأمثالها، هي صفات في الأصل، مضى عليها الزمن، فاستعملت استعمال الأسماء الأعلام. وظن أنها آلهة قائمة بذاتها فلما جاء الباحثون وجمعوها حسبوها أسماء آلهة، فزاد بذلك عدد الآلهة، واعتبرت الأسماء الكثيرة من سيماء الإفراط في الشرك. بينما هي صفات لإله، أو آلهة لا يزيد عددها على ثلاثة، هي الثالوث الكواكبي المقدس الذي تعبدوا له.
ولا بد لنا من الإشارة إلى اصطلاح أطلقه "ماكس مولر" Max Miiler على مرحلة من العبادة هي بين بين، لا هي توحيد Monotheism ولا هي شرك Polytheism، بل هي مرحلة تعبد فيها الإنسان على رأي هذا الباحث إلى إله واحد هو إله القبيلة، مع الاعتقاد بوجود آلهة أخرى١. وهذا الاصطلاح هو henotheismus. وقد رأى "فلايدلر" Pfleidler أن الساميين لم يكونوا موحدين بطبعهم كما ذهب "رينان" إلى ذلك، بل كانوا يدينون بإله قومي، ومن هذه العقيدة ظهر التوحيد الخالص كما حدث عند الإسرائيليين٢.
стр. 3534
وفي القرآن الكريم إشارات إلى أنواع من الشرك كان عليه الجاهليون، وفيه تعريف لمعنى الشرك، فالشرك في قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ١ عبادة الأصنام المصنوعة من الحجارة أو الخشب أو المعادن، أي مما لا روح له وقابل للكسر٢. وفي بعض الآيات أن من أنواع الشرك القول بأن الجن هم شركاء لله٣. ومن أنواعه أيضًا القول بأن الملائكة هم شركاء لله وبناته٤. وفي آيات أخرى أن من الشرك اتخاذ آلهة أخرى مع الله٥. والآلهة هنا شيء عام. فيه تأليه الكواكب وعبادة الأشياء غير المنظورة، أي غير المادية وعبادة الأصنام.
وفي القرآن الكريم جواب على فلسفة القوم وتعليلهم لعبادة الأصنام واتخاذهم "أولياء" من دون الله؛ إذ يقولون جوابًا عن الاعتراض الموجه إليهم في عبادة غير الله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٦ ويتبين من هذه الآية ومن آيات أخرى أن فريقًا من العرب كانوا يعتقدون بوجود الله، وأنه هو الذي خلق الخلق، وأن له السيطرة على تصرفات عباده وحركاتهم، ولكنهم عبدوا الأصنام وغيرها، واتخذوا الأولياء والشفعاء لتقربهم إلى الله زلفى٧.
وفي كتاب الله مصطلحات لها علاقة بعبادة الشرك، منها "شركاء" جمع "شريك" وهو من اتخذه المشركون شريكًا مع الله٨. و"أنداد" ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ٩ ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ ١٠. و"أولياء".
стр. 3535
و"ولي" و"وليًّا"١ و"شفعاء" و"شهداء"٢. فهذه الكلمات وأمثالها تعبر عن عقائد الجاهليين قبيل الاسلام. وعن اعتقادهم في عبادة أشياء أخرى مع الله كانوا يرون أنها تستحق العبادة وأنها في مقابل الله في العرف الإسلامي، أو أنها شركاء في إدارة الكون أو أنها مساعدة لله.
والشرك في تفسير العلماء المسلمين، أن تعدل بالله غيره، فتجعله شريكًا له، فهو يشمل أشياء عديدة. منها عبادة الكواكب، أي عبادة القوى الطبيعية، وعبادة الجن والملائكة والأمور الخفية، وبمعنى آخر عبادة القوى الخفية، أو القوى الروحية، وعبادة الأمور المادية كالأصنام والأحجار، باعتبار أنها تشفع للإنسان عند الآلهة، وعبادة الإنسان والحيوان، إلى غير ذلك من عبادات.
ومن العبادات التي يجب أن يشار إليها عبادات اصطلح علماء الأديان على تسميتها بمسميات حديثة، تمثل عقائد قديمة، ولبعضها أتباع أحياء يرزقون. ولبعض منها آثار ومظاهر، دخلت في الأديان الباقية، وصبغت بصبغتها، وهي من بقايا العقائد الدينية البدائية التي رسخت في النفوس وفي القلوب حتى صار من الصعب على الإنسان أن يتخلص منها، فبقيت راسخة تحت مسميات جديدة. ومن تلك العقائد: الـ Shamanism و Tstemism، و Fetishism و Ancestor – worship و Animism وغيرها من مسميات سيرد الحديث عنها في هذا الكتاب٣.
أما الـ"شمانية"، فقد أخذت من كلمة "شمن" ِ Shaman ومعناها كاهن أو طبيب "شمان"، أو من كلمة Shemen التي معناها صنم أو معبد، أو من أصل آخر. ويراد بها اليوم ديانة تعتقد بالشرك، أي تعدد الآلهة Polytheism أو بعبادة الأرواح Polydomonism مع عبادة الطبيعة Nature – worship لاعتقادها بوجود أرواح كامنة فيها. ويعتقد في هذا الدين أيضًا بوجود إله أعلى هو فوق جميع هذه الأرواح والقوى المؤلهة، وبتأثير السحر٤.
стр. 3536
ويستعين الـ"شمن"، وهو الكاهن أي رجل الدين، بالقوى الخارقة التي لديه والتي لا يملكها الرجل الاعتيادي في اعتقاد أبناء هذه العقيدة في الاتصال بالأرواح وبما وراء الطبيعة للتأثير فيها. ولدى هذا الكاهن أرواح مأمورة بين يديه للقيام بما يطلب منها القيام به. وهو يمارس أعمالًا سحرية للتأثير في الأرواح فللسحر في هذا الدين أهمية ومقام. ويقوم الـ"شمن" عند أكثر المتدينين بهذا الدين بأعمال الطبيب١.
وأما "الطوطمية"، فقد تحدثت عنها في الجزء الأول من هذا الكتاب٢. وقد بينت عقيدتها في "الطوطم"، ورأي العلماء في كيفية ظهور المجتمع "الطوطمي"، وهو مجتمع يقوم على أساس الجماعة أو القبيلة، يرتبط أفراده برباط ديني مقدس، هو رباط "الطوطم"، رمز الجماعة.
وأما الـ Fetishism من أصل Factitus اللاتيني، بمعنى السحر، أي القوة المؤثرة الخفية Magic فللباحثين في تأريخ الأديان آراء متعددة في تعريفها وفي تثبيت حدودها٣. والرأي الغالب الشائع بينهم أنها عبادة أو تقديس للأشياء المادية الجامدة التي لا حياة فيها لاعتقاد أصحابها بوجود قوة سحرية فيها، وقوى غير منظورة في تلك الأشياء تلازمها ملازمة مؤقتة أو دائمة ويحمل الـ Fetish "اليد" لجلب السعد إلى صاحبه. وهو في نظر "تيلور" Dr. Tylor بمثابة "إله البيت" وقوة فاعلة خفية تطرد الخبائث عن صاحبه، وتجلب الخير له. ولحدوث الأحلام ونشوئها في نظر الأقوام البدائية دخل كبير في رأي العلماء في ظهور هذه العقيدة٤.
وأصحاب هذه العقيدة لا ينظرون على تلك الأشياء المادية على أنها نفسها ذات قوة فعالة خفية، وأنها الرمز أو الصورة للإله المنسوب ذلك الشيء اليه، بل هم يرون أن تلك الأشياء ليست سوى منازل أو مواضع لاستقرار تلك القوى المؤثرة التي يكون لها دخل في إسعاد الإنسان وهو يقدس الأشياء المادية كالحجارة
стр. 3537
مهما كانت صغيرة أو كبيرة، مهندمة ومصقولة صقلتها يد الإنسان، ومستها أو لم تمسها يد، بل كانت على نحو ما وجدها في شكلها الطبيعي؛ لأنه حينما يتقرب إلى تلك الحجارة، لا يتقرب إليها نفسها، بل يتقرب إلى الروح التي تحل فيها. فالروح هي المعبودة، لا الحجر الذي تحل الروح فيه، وليس الحجر أو المواد الأخرى إلا بيتًا أو فندقًا تنزل الروح فيه.
أما عبادة الأسلاف Ancestor Worship فهي فرع من أهم فروع الدين في نظر بعض العلماء، بل هي الأساس الذي قام عليه الدين في نظر آخرين، ولا سيما عند "سبنسر" H. Spencer١. وأما الأسباب التي دعت البشر إلى هذه العبادة، فهي الحب والتقدير للأبطال والرؤساء والأمل في استمرار دفاعهم عنهم وحمايتهم للجماعة التي تنتمي إليها كما كانت تفعل في حياتهم ورد أذى الأعداء الأموات منهم والأحياء. فتمجيد الأبطال والخوف منهم، هو الذي حمل البشر على عبادة الأسلاف على رأي. وهناك من رأى أن تمجيد الأبطال والإشادة بذكرهم، هو الذي أوجد هذه العبادة، ومنهم من نسبها إلى الخوف منهم حسب٢.
وسواء أكان منشأ هذه العبادة الحب والتقدير أو الخوف أو كلاهما، فإن أساس هذه العقيدة هو الإيمان ببقاء الروح، روح الميت، وإن بإمكان هذه الروح نفع الأحياء أو إلحاق الأذى بهم. ورؤية الأحياء وسماع توسلاتهم ودعواتهم لها فالميت وإن كان قد دفن في قبره وغيب بين التراب، إلا أنه يسمع ويعي فروحه حية وبإمكانه النفع والضر. وهذه العقيدة هي التي حملت بعض الشعوب على مخاطبة الأرواح من فجوات مخصوصة في الأرض ومن مواضع أخرى لاستشارتها في بعض الأمور التي تهمها، وللتحدث معها في مسائل خطيرة كتقديم مشورة أو أخذ رأي أو استفسار عن اسم قاتل أو سارق ولهذه الغاية اتخذت مواضع مقدسة oracle يتقرب فيها إلى الأرواح وللاستفسار منها فكان في اليونان مثلًا موضع شهير عرف باسم Thesprotia، وموضع آخر عرف باسم Phigalia في "أركاديا" Arcadia٣. وكان في إيطاليا موضع للتنبوء يقع على بحيرة.
стр. 3538
"أفيرنوس" Avernus١ وكانت العادة في هذا الموضع أن يتقرب الراغبون في استشارة الأرواح إلى الموضع المقدس بتقديم ضحية، وعندئذ ينام السائل في الموضع المقدس، فتظهر له الروح في المنام، فتحدثه بما يحتاج إليه٢.
ولعبادة السلف علاقة بعبادة الأصنام Idolatry ويلاحظ أن عبادة السلف تقود أتباعها في بعض الأحيان إلى الاعتقاد بأن قبيلتهم تنتمي إلى صلب جد واحد، أصله حيوان في رأي الأكثرين، أو من النجوم في بعض الأحيان. وهذا ما يجعل هذه العقيدة قريبة من "الطوطمية"٣.
ولهذا العبادة أثر كبير في نظام أصحابها الاجتماعي؛ إذ هي تربط الأجيال الحاضرة بالأجيال الماضية بروابط متينة، وتؤلف من أصحاب هذا المذهب وحدة قوية، كما أن لها أثرًا مهمًّا في الأسرة، فهي في الواقع عبادة تخص الأسرة قبل كل شيء٤.
ومعارفنا عن عبادة السلف عند الجاهليين قليلة، ويمكن أن نستنتج من أمر النبي بتسوية القبور ونهيه عن اتخاذها مساجد ومواضع للصلاة أن الجاهليين كانوا يعبدون أرواح أصحاب هذه القبور ويتقربون إليها. ولعل في عبارة "قبر ونفس" أو "نفس وقبر" الواردة في بعض النصوص الجاهلية ما يؤيد هذا الرأي، فإن النفس هي الروح.
ومن آثار عبادة السلف عند العلماء حلق الرأس وإحداث جروح في الجسد واحتفالات دفن الموتى ولبس المسوح والعناية بالقبور والصلاة عليها أو إقامة شعائر دينية فوقها أو علامات خاصة بالميت أو الموتى للتقديس٥. ونحن إذا استعرضنا روايات الأخباريين نجد آثار هذه العبادة معروفة بين الجاهليين.
وقد أشار أهل الأخبار إلى قبور اتخذت مزارات، كانت لرجال دين ولسادات قبائل يقسم الناس بها، ويلوذون بصاحب القبر ويحتمون به، كالذي كان من
стр. 3539
أمر ضريح "تميم بن مر"، جد "تميم"، وكالذي ذكروه من أمر اللات" من أنه كان رجلًا في الأصل، اتخذ قبره معبدًا ثم تحول الرجل إلى صنم, ونجد في كتب الحديث نهيًا عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها. وقد أشارت إلى اتخاذ اليهود والنصارى قبور سادتهم وأوليائهم مساجد، تقربوا اليها، لذلك نُهي أهل الإسلام من التشبه بهم في تعظيم القبور١، كما نهي عن تكليل القبور وتجصيصها، والتكليل رفع القبر وجعله كالكلة، وهي الصوامع والقباب التي تُبنى على القبور٢.
وأما الـ Animusm فهو اعتقاد بوجود أرواح مؤثرة في الطبيعة كلها Nature ولذلك يؤله كثيرًا من المظاهر الطبيعية المرئية وغير المرئية منها، لاعتقاده بوجود قوى هي فوق الطبيعة، منها ما يكون في جسم، وهو "النفس" Saul، ومنها ما لا يكون في الأجسام وهو "الروح" Spirit٣.
ويمكن تقسيم هذه العبادة إلى ثلاث أصناف: عبادة النفس، نفس الإنسان أو الحيوان وخاصة منها عبادة الأموات Nacrolatry، وعبادة الأرواح spiritism وعبادة الأرواح التي تحل في المظاهر الطبيعية، إما بصورة مؤقتة وإما بصورة دائمة naturism٤.
والآراء في هذه المعتقدات لا تزال في مراحلها الأولى، وهي موضع جدل بين العلماء؛ لأنها قائمة على أساس الملاحظات والتجارب التي حصلوا عليها من دراساتهم لأحوال المجتمعات البدائية لهنود أمريكا ولقبائل إفريقية وأسترالية، ولا يمكن بالطبع حدوث اتفاق في الدراسات الاستقصائية المبنية على المشاهدات والملاحظات، وإذا كانت هذه الدرسات غير مستقرة وغير نهائية حتى الآن، فقد صعب بالطبع تطبيقها على معتقدات العرب قل الإسلام، وزاد في هذه الصعوبة قلة معلوماتنا في هذه الأمور. وليس من الممكن في نظري أن نتوصل إلى نتائج علمية غير قابلة للأخذ والرد في هذه الموضوعات في الزمن الحاضر، بل ولا في المستقبل.
стр. 3540
القريب، ما لم يحدث ما ليس في الحسبان، من العثور على نصوص دينية تكشف لنا عن عقائد الجاهليين.
ونستطيع أن نقول إجمالًا إن من الجاهليين من كان يدين بعبادة الأرواح على اختلاف طرقها، ويؤمن بأثرها. وللعلماء من مفسرين ولغويين وغيرهم تفاسير عديدة للروح، تفيدنا كثيرًا في معرفة آراء الجاهليين عنها، كما أن للأخباريين قصصًا عنها وعن استقلالها وانفصالها عن الجسد بعد الموت واتصالها بالقبر وغير ذلك، يمكن أن تكون موضوع دراسة قيمة لمن يريد التبسط في دراسة هذه الأمور.