الحلال والحرام:
يقول "ابن عساكر" في رواية تنسب إلى رجل من خثعم: "كانت العرب لا تحرم حلالًا ولا تحل حرامًا. وكانوا يعبدون الأوثان ويتحاكمون إليها"١. ومعنى هذا أنهم كانوا يحللون ويحرمون. وأن أمر الحلال والحرام إلى رجال الدين منهم، وهم سدنة الأوثان.
وقد تعرض "اليعقوبي" لموضوع "أديان العرب" وشعائرها، فقال:
стр. 3887
"وكانت أديان العرب مختلفة بالمجاورات لأهل الملل، والانتقال إلى البلدان، والانتجاعات. فكانت قريش وعامة ولد "معد" بن عدنان على بعض دين إبراهيم، يحجون البيت ويقيمون المناسك، ويقرون الضيف ويعظمون الأشهر الحرم، وينكرون الفواحش والتقاطع والتظالم، ويعاقبون على الجرائم"١. فأدخل في الدين أمورًا نعدها اليوم من الأعراف وقواعد الأخلاق والسلوك، وجعلها من سنة إبراهيم، أي دين العرب القديم قبل إفساده بالتعبد للأصنام.
وذكر "السكري"، أن العرب كانت "دون من سواها من الأمم. تصنع عشرة أشياء منها: في الرأس خمسة. وهي المضمصة والاستنشاق والسواك والفرق وقص الشارب. وفي الجسد خمسة. هي: الختانة وحلق العانة ونتف الأبطين، وتقليم الأظفار والاستنجاء، خصت بهذا العرب، دون الأمم"٢. فهذه الأمور العشرة هي من شعائر العرب في نظر "السكري". وهي شعائر، لا يمكن أن نجارية في رأيه، فنقول إنها كانت في جميع العرب، وإنها كانت فيهم خاصة، دون غيرهم من الأمم وفي كلام "السكري" أمور كثيرة لا يمكن التسليم بصحتها بل نجده هو يناقض نفسه في مواضع أخرى من كتابه. من ذلك قوله: "وكانوا يؤمنون بالحساب"٣ "ولا يأكلون الميتة"٤، فعمم رأيه، وجعله شاملًا كل العرب، بينما هو رأي طائفة من الجاهليين، وليس جميع أهل الجاهلية وللقرآن الكريم دليل ذلك، فقد حمل عليهم لنكرانهم البعث والحساب، وحرم على المسلمين أكل لحم الميتة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ ٥. وكانوا يأكلونها في الجاهلية.
وورد أن ممن حرم أكل الميتة على نفسه "حارثة بن أوس" الكلبي، وهو جاهلي، يقول:
لا آكل الميتة ما عمرت ... نفسي وإن أبرح إملاقي
والعقد لا أنقض منه القوي ... حتى يواري القبر أطباقي٦
стр. 3888
الفصل الثاني والسبعون: الحج والعمرة
مدخل
...
الفصل الثاني والسبعون: الحج والعمرة
والحج الذهاب إلى الأماكن المقدسة في أزمنة موقوتة؛ للتقرب إلى الآلهة، وإلى صاحب ذلك الموضع المقدس. وتقابل هذه الكلمة Pilgrinage في الإنكليزية١. والحج بهذا المعنى معروف في جميع الأديان تقريبًا، وهو من الشعائر الدينية القديمة عند الساميين.
وكلمة "حج" من الكلمات السامية الأصيلة العتيقة، وقد وردت في كتابات مختلف الشعوب المنسوبة إلى بني سام٢. كما وردت في مواضع من أسفار التوراة٣. وهي تعني قصد مكان مقدس وزيارته.
وفي روع الشعوب السامية القديمة وغيرها أن الأرباب لها بيوت تستقر فيها، قيل لها في الأزمنة القديمة "بيوت الآلهة"، ولذلك يرى المتعبدون والمتقون شد الرحال إليها؛ للتبرك بها وللتقرب إليها، وذلك في أوقات تحدد وتثبت، وفي أيام تعين تكون أيامًا حرمًا لكونها أيامًا دينية ينصرف فيها الإنسان إلى آلهته، ولذلك تعد أعيادًا، يعمد فيها الناس، بعد إقامتهم الشعائر الدينية المفروضة.
стр. 3889
وبعد أدائهم القواعد المرسومة، إلى الفرح والسرور والرقص؛ ليدخلوا السرور إلى قلوب الأرباب. ففي الحج إذن مناسك وشعائر دينية وعبادة تؤدى، واجتماع وسرور وحبور.
ويكون الحج بأدعية وبمخاطبة إلى الآلهة وبتوسلات لتتقبل حج ذلك الشخص الذي قصدها تقربًا إليها. وهذا هو الشائع والمعروف عن الحج، غير أن من الجاهليين من كان يحج حجًّا مصمتًا، أي دون كلام، فلا يتكلم الحاج طيلة أيام حجه. وقد كان ذلك من عمل الجاهلية١.
وقد ميز الشهر الذي يقع فيه الحج عن الأشهر الأخرى بتسميته بـ"شهر ذي الحجة" وبـ"شهر الحج". وذلك لوقوع الحج فيه. وهذه التسمية المعروفة حتى الآن في التقويم الهجري، هي تسمية قديمة، كانت معروفة في الجاهلية، وردت في نصوص الجاهلية. فبين أسماء الأشهر الواردة في نصوص المسند اسم شهر يعرف بـ"ذ حجتن" أي "ذي الحجة"، ويدل ذلك على أنه الشهر الذي يحج فيه. وقد وردت كلمة "حج" في نصوص المسند كذلك٢.
وقد ذكر "أفيفانيوس" Epiphanius أن من أسماء الأشهر عند العرب شهرًا اسمه Aggathalbaeith، "حج البيت" ٣، أراد به شهر "ذي الحجة" والعرب الذين قصده هذا الكاتب هم عرب "الكورة العربية"، ومعنى هذا أن العرب الشماليين كان لهم شهر يسمى بـ"ذي الحجة" كذلك ٤.
ولفظة Aggathalbaeith، هي لفظة عربية النجار حرفت على لسان "أفيفانيوس" وقومه؛ لتناسب منطقهم، فصارت على هذا النحو، وهي من كلمتين عربيتين في الأصل، هما "حجة البيت"، أو "حج البيت" ويكون نص "أفيفانوس" هذا من النصوص المهمة بالنسبة لنا، التي تساعدنا في الرجوع بتأريخ استعمال هذا المصطلح إلى أيامه، ولا بد أن يكون ذلك المصطلح قد استعمل قبل أيام ذلك الكاتب ولا شك.
ويقع شهر الحج "ذي الحجة" -على رواية "أفيفانيوس"– في "تشرين"
стр. 3890
الثاني"١، وأشار "بروكوبيوس" إلى أن العرب كانوا قد جعلوا شهرين من السنة حرمًا لآلهتهم لا يغزون ولا يهاجم بعضهم بعضًا٢، كما أشار "فوتيوس" إلى الأشهر الحرم عند العرب٣. والشهران اللذان أشار إليهما "بروكوبيوس"، هما شهرا ذو القعدة وذو الحجة في نظر "ونكلر"، وهما يمثلان -في رأيه- "جولاي" و"أغسطس" أي تموز وآب٤"
إننا لا نستطيع في الوقت الحاضر أن نقول إن شهر "ذ حجتن" المذكور في المسند، أو Aggathalbaeith الذي ذكره "أفيفانيوس"، هو شهر "ذو الحجة" الشهر المعروف الذي كان من شهور أهل مكة. فمن الجائز أن يكون حج العرب الشماليين أو حج العرب الجنوبيين في وقت آخر يختلف عن وقت حج أهل مكة، فيكون شهرهم المذكور شهر آخر يقع في موسم آخر من السنة، ولا ينطبق مع شهر "ذي الحجة".
ويرى "ونكلر" أن ما ذكره "فوتيوس" من احتفال العرب مرتين في السنة بالحج إلى معبدهم المقدس: مرة في وسط الزبيع عند اقتران الشمس ببرج الثور، وذلك لمدة شهر واحد، ومرة أخرى في الصيف وذلك لمدة شهرين، إنما يراد بذلك شهر رمضان لاقتران الشمس فيه ببرج الثور، وأما الشهران الآخران فهما ذو القعدة وذو الحجة٥.
ويظهر من غربلة ما أورده أهل الأخبار من روايات عن موسم الحج في الجاهلية، أن الحج إلى مكة كان في موسم ثابت، هو الربيع على رأي كثير من المستشرقين، أو الخريف على رأي "ولهوزن"٦. وذلك بسبب ما ذكر عن النسيء ومن رغبة قريش وغيرها من أن يكون في وقت واحد، كما تحدثت عن ذلك في باب النسيء. وقد ذهب "ولهوزن" إلى أن "الشهر الحرام" المذكور في القرآن الكريم، هو "شهر الحج"، وهو الشهر الأول من السنة،
стр. 3891
أي شهر محرم، بينما يرى المفسرون أن رجب أو ذو القعدة أو ذو الحجة١. والأصح أنه أي شهر من الأشهر الحرم.
وقد ورد في القرآن الكريم "الحج أشهر معلومات، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج"٢. وقد قال "الطبري" "اختلف أهل التأويل في قوله: الحج أشهر معلومات. فقال بعضهم: يعني بالأشهر المعلومات: شوالًا وذو القعدة، وعشرًا من ذي الحجة"، "جعلهن الله سبحانه للحج، وسائر الشهور للعمرة، فلا يصلح أن يحرم أحد بالحج إلا في أشهر الحج. والعمرة يحرم بها في كل شهر"٣، وذكر أن الله لم يسم أشهر الحج في كتابه؛ لأنها كانت معلومة عندهم٤، وأن المراد بذلك أنه لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج٥. وبناء على ذلك، فلا يكون المراد من الآية أن الحج يقع في كل وقت من أوقات هذه الأشهر، وإنما هو في وقت معين، ولكن الإحرام للحج، أي العزم عليه يكون في أي وقت من هذه الأشهر المذكورة، وليس في الأشهر الأخرى. وذكر "المسعودي" أن أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة٦. ومعنى ما تقدم أن الجاهليين كانوا يتهيئون للحج من دخول شهر شوال، فيصلحون أمورهم، ويحضرون ما يحتاجون إليه من لوازم السفر، فإذا أراد أحدهم تجارة وكسبًا ذهب إلى الأسواق، حتى يهل شهر ذو الحجة، وإن لم يرد تجارة، ذهب في أي وقت يراه مناسبًا له. فبدء موسم الحج إذن والتهيؤ له يكون من شهر شوال.
ويظهر من شعر نسب إلى "عوف بن الأحوص" أنه سمى شهر "ذي الحجة" "شهر بني أمية" إذ يقول:
وإني والذي حجت قريش ... محارمه وما جمعت حراء
وشهر بني أمية والهدايا ... إذا حبست مضرجها الدماء٧
стр. 3892
وقد ذهب "ولهوزن" وجماعة آخرون من المستشرقين إلى تعدد بيوت الأرباب التي كان يحج إليها الجاهليون في شهر "ذي الحجة" وإلى عدم حصر الحج عند الجاهليين بموضع واحد١. ومعنى هذا أن حج أهل الجاهلية لم يكن إلى "مكة" وحدها، بل كان إلى محجات عديدة أخرى. بحيث حج كل قوم إلى "البيت" الذي قدسوه وكانوا يتقربون إليه ووضعوا أصنامهم فيه. ويتفق هذا الرأي مع ما يراه أهل الأخبار من وجود بيوت للأصنام، وكان الناس يزورونها ويتقربون إليها ويذبحون عند أصنامها ويطوفون حولها ويلبون تلبية الصنم الذي يطوفون حوله.
والحج إلى مكة وإلى البيوت المقدسة الأخرى، مثل بيت اللات في الطائف وبيت العزى على مقربة من عرفات وبيت مناة وبيت ذي الخلصة وبيت نجران وبقية البيوت الجاهلية المعظمة، إنما هو أعياد يجتمع الناس فيها للاحتفال معًا بتلك الأيام وهم بذلك يدخلون السرور على أنفسهم وعلى أنفس آلهتهم بحسب اعتقادهم وتقترن هذه الاحتفالات بذبح الحيوانات، كل يذبح على قدر طاقته ومكانته، فيأكل منها في ذلك اليوم من لم يتمكن من الحصول على اللحم في أثناء السنة لفقره، فهي أيام يجد فيها الفقراء لذة ومتعة وعبادة.
ويذكر أهل الأخبار أن الحج إلى مكة كان في الجاهلية كذلك، وأن الجاهليين كانوا يحجون إلى البيت منذ يوم تأسيسه، وأنهم كانوا يقصدون مكة أفواجًا من كل مكان. وأن ملوكهم كانوا يتقربون إلى "بيت الله" بالهدايا والنذور، وأن منهم من حج إليه. وأن الناس كانوا يقسمون بالبيت الحرام لما له من مكانة في نفوس جميع الجاهليين.
غير أننا نجد في روايات بعض أهل الأخبار ما ينافي تعظيم كل العرب للبيت وحجهم إليه واحترامهم للحرم وللأشهر الحرم. فقد ورد أن من العرب من "كان لا يرعى للحرم ولا للأشهر الحرام حرمة"، ومنهم "خثعم" و"طيء"٢، وأحياء من قضاعة ويشكر والحارث بن كعب٣. وورد أن ذؤبان العرب وصعاليكها.
стр. 3893
وأصحاب التطاول، كانوا لا يؤمنون على الحرم، ولا يرون للحرم حرمة، ولا للشهر الحرام قدرًا. وقد كانوا خطرًا يهدد البيت وأهله لذلك، ألف "هاشم بن قريش وسادات القبائل ألفة ليحمي بهم البيت. قال "الجاحظ" في تفسيره للإيلاف: "وقد فسره قوم بغير ذلك. قالوا: إن هاشمًا جعل على رءوس القبائل ضرائب يؤدونها إليه ليحمي بها أهل مكة. فإن ذؤبان العرب وصعاليك الأحياء وأصحاب التطاول. كانوا لا يؤمنون على الحرم. لا سيما وناس من العرب كانوا لا يرون للحرم حرمة ولا للشهر الحرام قدرًا، مثل طيء وخثعم وقضاعة وبعض بلحارث بن كعب"١. ورءوس القبائل الذين جعل هاشم عليهم ضرائب يؤدونها إليه ليحمي بها أهل مكة، هم رؤساء مكة ولا شك، ومن كانت له مصلحة تجارية مباشرة بمكة، فكان يأخذ من هؤلاء ما يأخذه ثم يجمعه ويعطيه إلى "المؤلفة قلوبهم" من سادات القبائل النازلين حول مكة وعلى مقربة منها، كما ألف بين مكة وبين سادات القبائل الذين تمر قوافل مكة بأرضهم في طريقها إلى الشأم أو العراق أو اليمن. بروابط "الإيلاف"، أي العقود التي عقدها معهم، بإعطائهم جعلًا معينًا، أو حقوقًا تبين وتكتب، أو ربحًا يدفع مع رءوس المال عن البضائع التي تدفع لقريش لتقوم قوافلها ببيعها في الأسواق. وبذلك أمنت مكة وسلمت تجارتها. ودانت بعض القبائل بدين قريش في الأشهر الحرم، لما فيها من فائدة ومنفعة مادية بينة ظاهرة، فاحترمتها، وبهذا أمن الحج واستراح التجار من قريش ومن غيرهم في ذهابهم بحرية وبأمان في هذه الشهور إلى الأسواق.
وليست لدينا ويا للأسف أخبار مدونة عن مناسك الحج وشعائره عند الجاهليين. لعدم ورود شيء من ذلك في النصوص الواردة إلينا، ما خلا الحج إلى "بيت الله الحرام" بمكة، حيث حفظت الموارد الإسلامية لنا شيئًا من ذلك؛ بسبب فرض الحج في الإسلام، وإقرار الإسلام لبعض شعائره التي لم تتعارض مع مبادئه ولولا ذلك لما عرفنا شيئًا عن الحج إلى مكة عند الجاهليين. ولهذا فسأقتصر في كلامي هنا على الحج إلى مكة فقط. إلا إذا وجدت خبرًا أو نصًّا عن حج غير
стр. 3894
أهل مكة من الجاهليين إلى مكة أو إلى بيوت أخرى فسأتكلم عنه حينئذ.
ويظهر من غربلة ما جاء في روايات أهل الأخبار عن "حج البيت"، أن مناسك الحج لم تكن واحدة بالنسبة للحجاج، بل كانت تختلف باختلاف القبائل. فقد انفردت "قريش" بأمور من أمور الحج، واعتبرتها من مناسك حجها، وانفردت قبائل أخرى بمناسك لم تعتبرها "قريش" موجبة لها، ولم تعمل بها ووقفت قريش في مواقف، اعتبرتها مواقف خاصة بها. وأوجبت على من يفد إلى مكة للحج، مناسك معينة سنتحدث عنها. فلما ظهر الإسلام وجد مناسك الحج وثبتها وأوجب على كل مسلم اتباعها.
ويبدأ الحج الحج في الإسلام بلبس "الإحرام" حين بلوغه "الميقات" المخصص للجهة التي جاء منها. و"ميقات" الحج موضع إحرامهم١. وقد عين الرسول أكثر "المواقيت" وثبتها، فجعل "ذا الحليفة" ميقاتًا لأهل "يثرب"، و"الجحفة" ميقاتًا لأهل الشأم، و"يلملم" ميقاتًا لأهل اليمن، و"قرن المنازل" لأهل نجد ومن يأتي من الشرق نحو الحجاز. وأما "ذات عرق"، فميقات أهل العراق، قيل إن الرسول ثبته، وقيل إنه ثبت بعد فتح العراق، أما أهل مكة، فكانوا يحرمون من بيوتهم٢. ويجوز أن تكون هذه المواقيت من مواقيت أهل الجاهلية كذلك، وقد ثبتها الإسلام.
ويستعد الجاهليون للحج عند حضورهم موسم "سوق عكاظ" فإذا انتهت أيام السوق، وأراد منهم من أراد الحج، ذهب إلى "مجنة"، فأقام بها إلى هلال ذي الحجة، ثم ارتحل عنها إلى "ذي المجاز"، ومنه إلى "عرفة"، فإن كان يوم التروية، تزودوا بالماء وارتفعوا إلى عرفة. هذا بالنسبة إلى التجار، الذين كانوا يأتون هذه المواضع للتجارة، أما بالنسبة إلى غيرهم، فقد كانوا يقصدون الحج في أي وقت شاءوا، ثم يذهبون إلى "عرفة" للوقوف موقف عرفة، يقصدها "الحلة"، أما الحمس" فيقفون بـ"نمرة"، ثم يلتقون جميعًا بمزدلفة للإفاضة٣.
стр. 3895
ويبدأ حج أهل الجاهلية بالإهلال، فكانوا يهلون عند أصنامهم، ويلبون إليها، فإذا انتهوا من ذلك قدموا مكة، فكان الأنصار مثلًا يهلون لمناة في معبده، أي أنهم كانوا يغادرون "يثرب" على معبد الصنم، فيكونون فيه لمراقبة هلال ذي الحجة فإذا أهلوا لبوا، ثم يسير من يسير منهم إلى مكة، لحج البيت١.
والطواف بالبيوت وبالأصنام، ركن من أركان الحج، ومنسك من مناسكه. وكانوا يفعلونه كما دخلوا البيت الحرام، فإذا دخل أحدهم الحرم، وإذا سافر أو عاد من سفر، فأول ما كان يفعله الطواف بالبيت. وقد فعل غيرهم فعل قريش ببيوت أصنامهم، إذ كانوا يطوفون حولها كالذي كان يفعله أهل يثرب من طوافهم بـ"مناة"٢.
وقد ذكر الأخباريون أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون حول الرجمات، وهي حجارة تجمع فتكون على شبه بيت مرتفع كالمنارة، ويقال لها الرجمة٣. وكان الجاهليون يطوفون حول الأصنام والأنصاب كذلك. وذكر "نيلوس" Nilus أن الأعراب كانوا يطوفون حول الذبيحة التي يقدمونها قربانًا للآلهة٤. وكانوا يطوفون حول القبور أيضًا: قبور السادات والأشراف من الناس.
وطافوا حول "الأنصاب" ويسمون طوافهم بها "الدوار". فكانوا يطوفون حول حجر ينصبونه طوافهم بالبيت، وسموا تلك الأحجاب الأنصاب٥.
وللطواف كلمة أخرى هي "الدوار" من "دار" حول موضع من المواضع، وطاف حوله الشيء، وإذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه. ونجد هذا المعنى في شعر الشاعرين الجاهليين: امرئ القيس، وعنترة بن شداد العبسي٦. وقد ذكر علماء اللغة أن "الدوار" صنم كانت العرب تنصبه، يجعلون موضعًا حوله يدورون به، واسم ذلك الصنم والموضع الدوار. ومنه قول امرئ القيس:
فعن لنا سرب كأن نعاجه ... عذارى دوار، في ملاء مذيل٧
стр. 3896
وقيل إنهم كانوا يدورون حوله أسابيع كما يطاف بالكعبة. وقيل حجارة كانوا يطوفون حولها تشبهًا بالكعبة١
وتلعب عبادة الحجر دورًا بارزًا في "الدوار" فقد كان قوم من أهل الجاهلية يقيمون الأحجار، ثم يطوفون حولها، يتخذون الدوار عبادة لهم. وقد تكون الأحجار أصنامًا، وقد تكون حجارة تنتقى فيطاف حولها، و"عن أبي رجاء العطاردي، قال: لما بعث النبي، ﷺ ، فسمعنا به لحقنا بمسيلمة الكذاب، فلحقنا بالنار، وكنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرًا هو أحسن منه، ألقينا ذلك وأخذناه، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا حثية من تراب ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه ثم طفنا به، وكنا إذا دخل رجب قلنا جاء منصل الأسنة، فلا ندع سهمًا فيه حديدة، ولا حديدة في رمح إلا نزعناها وألقيناها"٢.
ويلاحظ أن الجاهليين كانوا يقيمون وزنًا للحليب في أمور العبادة فقد كانوا يسكبونه على الأصنام، كما رأينا في باب الأصنام وفي القصة المتقدمة. ويلاحظ أن الرواية قد خصصت حليب الغنم، ولم تشر إلى حليب الإبل، أو حليب أية ماشية أخرى، مما قد يدل على وجود رابطة بين هذا الحليب وبين "الدوار" وأن له علاقة بالأساطير، وذلك في حالة صدق الخبر بالطبع.
والطواف من أهم طرق التعبد والتقرب إلى الآلهة. يؤدونه كما يؤدون الشعائر الدينية المهمة مثل الصلاة، وليس له وقت معلوم، ولا يختص ذلك بمعبد معين ولا بموسم خاص مثل موسل الحج، بل يؤدونه كلما دخلوا معبدًا فيه صنم، أو كعبة أو ضريح، فهم يطوفون سبعة أشواط حول الأضرحة أيضًا: كما يطوفون حول الذبائح المقدمة إلى الآلهة. فالطواف إذن من الشعائر الدينية التي كان لها شأن بارز عند الجاهليين.
وكانوا يطوفون بالبيت في نعالهم، لا يطئون أرض المسجد تعظيمًا له٣. إلا أن يكون الحاج فقيرًا حافيًا. فقد كان منهم من لا يملك نعالًا ولا خفًّا ولا
стр. 3897
سائر ما يلبس بالرجل لفقره. وذكر أن رسول الله قال: "من لم يجد نعلين، فليلبس خفين" ١. وقد ذكر "السكري"، أن "الحمس" كانوا "لا يطوفون بالبيت إلا في حذائهم وثيابهم ولا يمسون المسد بأقدامهم تعظيمًا لبقعته"٢.
وذكر أن "الحلة" كانوا على العكس منهم. "فإذا دخلوا مكة بعد فراغهم تصدقوا بكل حذاء وكل ثوب لهم، ثم استنكروا من ثياب الحمس تنزيهًا للكعبة أن يطوفوا حولها إلا في ثياب جدد. ولا يجعلون بينهم وبين الكعبة حذاء يباشرونها بأقدامهم"٣.
وكانوا يدخلون جوف الكعبة بنعالهم، لا يتأثمون من ذلك. وذكر أن "الوليد بن المغيرة" كان أول من خلع نعليه لدخول الكعبة، تعظيمًا لها، فخلع الناس نعالهم٤.
وعدة الطواف حول الكعبة عند الجاهليين سبعة أشواط، ولا أستبعد أن يكون هذا العدد ثابتًا بالنسبة إلى الطواف حول البيوت الأخرى أو حول الرجمات والأنصاب والقبور أيضًا. فقد كان الطواف سبعة أشواط مقررًا عند غير العرب أيضًا، وقد ذكر في "التوراة"؛ إذ كان العبرانيون يمارسونه٥. والعدد سبعة هو من الأعداد المقدسة المهمة عند الشعوب القديمة. ولهذا أرى أن غير قريش من العرب كانوا يطوفون هذا الطواف أيضًا حول محجاتهم في ذاك الوقت.
وقد ورد أن من الجاهليين من كان يطوف ويده مربوطة بيد إنسان آخر، بحبل أو بسير، أو بزمام أو منديل، أو خيط أو أي شيء آخر، يفعلونه نذرًا أو حتى لا يفترقا. وقد نُهي عن ذلك في الإسلام. فقد روي أن الرسول رأى أحدهما وقد فعل ذلك، فقطع بيده ذلك الرباط٦.
стр. 3898
الحمس والطلس والحلة:
والأخباريون يذكرون أن الطائفين بالبيت كانوا على صنفين: صنف يطوف عريانًا، وصنف يطوف في ثيابه. ويعرف من يطوف بالبيت عريانًا بـ"الحِلة". أما الذين يطوف بثيابهم، فيعرفون بـ"الحمس"١. وأضاف بعض أهل الأخبار إلى هذين الصنفين، صنفًا ثالثًا قالوا له: "الطلس"٢.
وقبائل الحلة من العرب: تميم بن مر كلها غير يربوع، ومازن، وضبة، وحميس، وظاعنة، والغوث بن مر، وقيس عيلان بأسرها ما خلا ثقيفًا وعدوان، وعامر بن صعصعة، وربيعة بن نزار كلها. وقضعة كلها ما خلا علافًا وجنابًا. والأنصار وخثعم، وبجيلة، وبكر بن عبد مناة بن كنانة، وهذيل بن مدركة، وأسد وطيء، وبارق. وقد ذكر هذه الأسماء "محمد بن حبيب"٣. وذكرها "اليعقوبي" على هذا النحو: تميم وضبة ومزينة والرباب وعكل وثور وقيس عيلان كلها ما خلا عدوان وثقيف وعامر بن صعصعة وربيعة بن نزار كلها، وقضاعة وحضرموت وعك وقبائل من الأزد٤.
وهم يذكرون أن "الحلة" ما عدا الحمس وأنهم كانوا يطوفون عراة إن لم يجدوا ثياب أحمس، وكانوا يقصدون من طرحهم ثيابهم طرحهم ذنوبهم معها٥. ويذكرون أنهم كانوا يقولون: "لا نطوف في الثياب التي قارفنا فيها الذنوب"، "ولا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها"، "ولا نطوف في ثياب عصينا الله فيها"، وذكر أنهم "كانوا إذا طافوا خلعوا ثيابهم وقالوا لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها، فيلقونها عنهم، ويسمون ذلك الثوب اللقى"٦. وفي رواية أن من يطوف
стр. 3899
من "الحلة" بثيابه يضرب وتنتزع منه ثيابه١. فجعلت هذه الرواية خلع الثياب واجب على الحلة محتم عليهم، لا يجوز مخالفته، وإلا تعرض المخالف للعقاب.
وتخضع النساء لهذه القاعدة أيضًا إذا كن من الحلة، فكانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة٢. وقيل تضع إحداهن ثيابها كلها إلا درعًا مفرجًا عليها ثم تطوف فيه٣. وقيل كانت تقف على باب المسجد، فتقول: من يعير مصونًا؟ من يعير ثوبًا؟ من يعيرني تطوافًا؟ فإن أعارها أحد ثوبًا أو كراه لها طافت به وإلا طافت عريانة كما يطوف الرجال على حد زعم الروايات. لا يستر عورتها لباس أو قماس، بل كانت تضع إحدى يديها على قبلها واليد الأخرى على دبرها وتطوف حول البيت على هذا النحو. وهم يروون في ذلك بيتًا ينسبونه لامرأة جميلة، قيل هي: ضباعة بنت عامر بن صعصعة بالبيت عريانة وهي تقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله٤
وشاءت بعض الروايات أن تخفف من وقع طواف النساء على هذه الصورة في النفوس، فذكرت أن بعض النساء كانت تتخذ سيورًا فتعلقها في حقوتها تستتر بها٥، وذكرت روايات أخرى أنهن كن يطفن ليلًا، وبذلك يتخلصن من وقوع سترهن في أعين الرجال؛ لأن طواف الرجال في النهار٦.
وقد وصفت بعض الروايات طواف العريان فقالت: "يبدأ بإساف فيستلمه، ثم يستلم الركن الأسود، ثم يأخذ عن يمينه ويطوف ويجعل الكعبة عن يمينه، فإذا ختم طوافه سبعًا، استلم الركن ثم استلم نائلة فيختم بها طوافه، ثم يخرج فيجد ثيابه كما تركها لم تمس، فيأخذها فيلبسها ولا يعود إلى الطواف بعد ذلك.
стр. 3900
عريانا"١. هذا هو طواف أهل الجاهلية قبل الإسلام على رواية أهل الأخبار. وجاء في بعض الروايات: "كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس والحمس قريش وما ولدت، كانوا يطوفون بالبيت عراة، إلا أن تعطيهم الحمس ثيابًا، فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء"، "فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يعيره ثوبًا ولا يسار يستأجر به، كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عريانًا، وإما أن يطوف في ثيابه، فإذا فرع من طوافه ألقى ثوبه عنه، فلم يمسه أحد. وكان ذلك الثوب يسمى اللقى"٢. وجاء أيضًا أن "الحمس" كانوا "يقولون نحن أهل الحرم، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا"٣.
وورد أنهم "كانوا يطوفون بالبيت عراة، وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون"٤.
ويذكر بعض أهل الأخبار أن طواف الطائف عريانًا إنما يكون للمرة الأولى، فإذا عاد فطاف بعد ذلك، لبس ملابسه، وطاف بملابسه كالحمس لا يلقيها خارج حدود الحرم.
والتفسير الذي ذكره الأخباريون لطواف العري، هو رغبة الطائف حول البيت أن يكون نقيًّا متحررًا عن ذنوبه وآثامه بعيدًا عن الأدران. واعتقاده أن طوافه بملابسه طواف غير صحيح؛ لأن ملابسه شاركته في آثامه، فهي ملوثة نجسة، ولذلك هاب من لبسها، فإذا أتم طوافه تركها في موضعها، ولبس ملابس أخرى جديدة٥.
ويذكر الأخباريون أن تلك الملابس التي يلقيها المحرم تبقى في مكانها، لا يمسها أحد، ولا يحركها حتى تبلى من وطء الأقدام ومن الشمس والرياح. ويقال لهذه الثياب التي تطرح بعد الطواف "اللقى" وقد أشير إليها في شعر
стр. 3901
لـ"ورقة بن نوفل"١. ولعل اعتقاد القوم بأن تلك الملابس ملوثة بالأدران، هو الذي منع الناس الآخرين من لمس تلك الملابس والاستفادة منها، فتركوها لذلك للأرض وللشمس والرياح تعبث بها إلى أن تتمزق وتهرى٢.
ولكننا نجد الأخباريين يعودون فيروون روايات تناقض ما ذكروه عن "اللقى". إذ يقولون: كان الحلة إذا ختموا طوافهم وأتموه بنائلة، خرجوا إلى ثيابهم التي ألقوها خارج باب المسجد، فلبسوها، فإذا أرادوا الطواف مرة أخرى طافوا بملابسهم٣. فهم يقرون في هذه الرواية طواف العري، ولكنهم ينكرون ترك "اللقى" على الأرض لتدوس عليها الأقدام ولتلعب بها الرياح وتعبث بها الأهوية والأتربة، ويجعلون أصحابها يعودون إليها فيلبسونها تارة أخرى.
ونقرأ في كتبهم رواية أخرى تذكر أن أحدًا من الحلة إذا لم يجد ثياب أحمسي يطوف فيها ومعه فضل ثياب يلبسها، غير ثيابه التي عليه فطاف في ثيابه ثم جعلها لقى يطرحها بين إساف ونائلة فلا يمسها أحد ولا ينتفع بها منتفع حتى تبلى من وطء الأقدام والشمس والرياح والأمطار٤.
وقد ذكر "محمد بن حبيب" أن "الحلة" كانوا إذا دخلوا مكة "تصدقوا بكل حذاء وكل ثوب لهم ثم استكروا لهم من ثياب الحمس تنزيهًا للكعبة أن يطوفوا حولها إلا في ثياب جدد. ولا يجعلون بينهم وبين الكعبة حذاء يباشرونها بأقدامهم. فإن لم يجدوا ثيابًا طافوا عراة. وكان لكل رجل من الحلة حرمي من الحمس يأخذ ثيابه. فمن لم يجد ثوبًا طاف عريانًا. وإنما كانت الحلة تستكري الثياب للطواف في رجوعهم إلى البيت لأنهم كانوا إذا خرجوا حجاجًا لم يستحلوا أن يشتروا شيئًا ولا يبيعوه حتى يأتوا منازلهم إلا اللحم. وكان رسول الله، ﷺ ، حرمي عياض بن حمار المجاشعي: كان إذا قدم مكة طاف في ثياب رسول الله"٥.
стр. 3902
فالذي يطوف بالبيت عريانًا، هو ضعيف "الحلة"، ممن لا قبل له على استكراء ثياب له من أحمسي، وممن لا صاحب له من الحمس، يعطيه ثيابًا ليلبسها. أما المتمكن من "الحلة" ومن له صديق من الحمس، فلا يطوف عريانًا، وإنما يطوف بثياب أحمسي.
ويرى "روبرتسن سمث" أن الذي أوحى إلى الجاهليين وجوب طرح ملابس الحلة إذا أحرم فيها. واعتقادهم بتقدس تلك الملابس في أثناء الإحرام مما يجعلها في حاكم الـ"تابو" Tabu عند الأقوام البدائية، ولذلك لا يجوز استعمالها مرة أخرى، وهم أنفسهم قوم غير مقدسين١.
وقد منع الإسلام طواف "العري" في أي وقت كان، وحتم على الجميع قريش وغيرهم لبس "الإحرام"٢. وقد ذكر علماء التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣. أن هذه الآية نزلت في حق المتعرين الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة، "فإذا قيل لهم: لِمَ تفعلون ذلك؟ قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها"، "فنحن نفعل مثل ما كانوا يفعلون، ونقتدي بهديهم ونستن بسنتهم. والله أمرنا به فنحن نتبع أمره فيه"٤. فنحن إذن أمام سنة جاهلية قديمة، ترجع طواف العري إلى أمر سابق وشريعة سابقة.
وأما "الحمس"، فهم الذين كانوا يطوفون بثيابهم، ثم يحتفظون بها فلا يلقونها، فلهم من هذه الناحية ميزة امتازوا بها على الحلة، ولهم على الحلة ميزة أخرى، هي أنهم كانوا يقفون الموقف في طرف الحرم من "غرة": يقفون به عشية عرفة، ويظلون به يوم عرفة في الأراك من نمرة، ويفيضون منه إلى المزدلفة٥. ولا يقفون موقف غيرهم بعرفة، فقصروا عن مناسك الحج والموقف من عرفة وهو من الحل. وحجتهم أنهم أهل الحرم فلا يخرجون منه مثل سائر.
стр. 3903
الناس. ويقولون: "نحن أهل الحرمة وولاة البيت وقطان مكة وساكنها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا ولا تعرف له العرب مثل ما نعرف"١.
وتفسير كلمة "الحمس" في رأي علماء اللغة التشدد في الذين، سموا حمسًا لأنهم كانوا يتشددون في دينهم، فكانوا إذا زوجوا امرأة منهم لغريب عنهم، أي لمن كان من الحلة اشترطوا عليه أن كل من ولدت له، فهو أحمسي على دينهم. وكانوا إذا أحرموا لا يأتقطون الأقط، ولا يأكلون السمن ولا يسلئونه ولا يمخضون اللبن، ولا يأكلون الزبد، ولا يلبسون الوبر ولا الشعر ولا يستظلون به ما داموا حرمًا، ولا يغزلون الوبر ولا الشعر ولا ينسجونه، وإنما يستظلون بالأدم، ولا يأكلون شيئًا من نبات الحرم. وكان يعظمون الأشهر الحرم ولا يخفرون فيها الذمة ولا يظلمون فيها، ويطوفون بالبيت وعليهم ثيابهم. وكانوا إذا أحرم الرجل منهم في الجاهلية وأول الإسلام، فإن كان من أهل المدر نقب نقبًا في ظهر بيته فمنه يدخل ومن يخرج ولا يدخل من بابه. وكانوا يقولون: لا تعظموا شيئًا من الحل، ولا تجاوزوا الحرم في الحج فلا يهاب الناس حرمكم، ويرون ما تعظمون من الحل كالحرم، فقصروا عن مناسك الحج والموقف من عرفة وهو من الحل، فلم يكونوا يقفون به ولا يفيضون منه، وجعلوا موقفهم في طرف الحرم من نمرة: يقفون به عشية عرفة، ويظلون به يوم عرفة في الأراك من نمرة، ويفيضون منه إلى المزدلفة. فإذا عممت الشمس رءوس الجبال دفعوا. وكانوا يقولون: نحن أهل الحرم، لا نخرج من الحرم، ونحن الحمس. وكانوا إذا أرادوا بعض أطعمتهم ومتاعهم، تسوروا من ظهر بيوتهم وأدبارها حتى يظهروا على السطوح، ثم ينزلون في حجرتهم، ويحرمون أن يمروا تحت عتبة الباب٢. فهم يحرمون إذن أشياء لم تكن العرب تحرمها٣.
стр. 3904
والحمس: قريش ومن ولدت قريش وكنانة وجديلة على رواية١. تضاف إليهم خزاعة والأوس والخزرج وجشم وبنو ربيعة بن عامر بن صعصعة وأزد شنوءة وجذم زبيد وبنو ذكوان من بني سليم وعمرو اللات وثقيف وغطفان والغوث وعدوان وعلاف وقضاعة على رواية للأزرقي٢. وهم: "قريش" وكنانة وجديلة قيس، وفهم، وعدوان، وثقيف، وعامر بن صعصعة على رواية أخرى٣. وقد ذكر "ابن سعد"، أن الحمس هم: قريش وكنانة وخزاعة ومن ولدته قريش من سائر العرب. أو حليف قريش. وذكر بعض الرواة أنهم قريش وعامر بن صعصعة، والحارث بن كعب٤. وذكرهم بعض آخر على هذا النحو: قريش، وكنانة، وخزاعة، وثقيف، وخثعم، وعامر بن صعصعة، ونصر بن معاوية. وأضاف "القرطبي" جشمًا إليهم٥. وورد أن "الحمس لقب قريش ومن ولدت قريش، وكنانة وجديلة قيس. وهم: فهم وعدوان ابنا عمرو بن قيس عيلان، وبنو عامر بن صعصعة، ومن تابعهم في الجاهلية. هؤلاء الحمس. وإنما سموا لتحمسهم في دينهم أي تشددهم فيه، وكذا في الشجاعة فلا يطاقون، أو لالتجائهم بالحمساء وهي الكعبة"٦.
وأورد "ابن حبيب" أسماء الحمس من العرب، فقال: "قبائل الحمس من العرب: قريش كلها. وخزاعة لنزولها مكة، ومجاورتها قريشًا. وكل من ولدت قريش من العرب وكل من نزل مكة من قبائل العرب.
فممن ولدت قريش: كلاب، وكعب، وعامر، وكلب بنو ربيعة بن عامر بن صعصعة، وأمهم مجد بنت تيم بن غالب بن فهر. وإياها عنى لبيد بن ربيعة بقوله:
سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرًا والقبائل من هلال
стр. 3905
والحارث بن عبد مناة بن كنانة. ومدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة، بنزولهم حول مكة وعامر بن عبد مناة بن كنانة. ومالك، وملكان، ابنا كنانة، وثقيف، وعدوان، ويربوع بن حنظلة. ومازن بن مالك بن عمرو بن تميم. وأمهما جندلة بن فهر بن مالك بن النضر. ويقال: إن بني عامر كلهم حمس لتحمس أخوتهم من بني ربيعة بن عامر، وعلاف، وهو ربان بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وجناب بن هبل بن عبد الله من كلب. وأمه آمنة بنت ربيعة بن عامر بن صعصعة. وأمها مجد بنت تيم الأدرم بن غالب بن فهر"١.
ويتبين مما تقدم أن "الحمس"، لم يكونوا قريشًا وحدهم وسكان الحرم، وأنهم لم يكونوا جماعة قامت وظهرت على رابطة الدم والنسب، كما هو الحال بالنسبة إلى القبيلة. بل هم قريش وكل من نزل الحرم وسكن مكة، وطوائف من العرب شاركت قريشًا في مناسك حجها، وسارت على نهجها في الحج، وشاطرتها الرأي في دينها. قد ذكر "الجاحظ" أن "عامربن صعصعة"، و"خزاعة"، و"ثقيفًا"، والحارث بن كعب، كانوا ديانين، أي على رأي ودين٢. وكانوا على دين قريش. وقال غيره: "وصارت بنو عامر من الحمس وليسوا من ساكني الحرم لأن أمهم قرشية. وهي مجد بنت تيم بن مرة. وخزاعة إنما سميت خزاعة؛ لأنهم كانوا من سكان الحرم فخزعوا عنه، أي خرجوا. ويقال إنهم من قريش انتقلوا ببنيهم إلى اليمن. وهم من الحمس"٣.
وقد ميز بعض العلماء بين "الحمس" وهم نزلاء الحرم وبين المتحمسين الذين دخلوا في الحمس؛ لأن أمهاتهم من قريش، بأن أطلقوا عليهم لفظة "الأحامس". فقالو: "والأحماس من العرب الذين أمهاتهم من قريش"٤.
وجاء في بعض الأخبار أن "غطفان"، لما اتخذت لها بيتًا أرادت به مضاهاة الكعبة، وجعلت له حرمًا كحرمة مكة. أغار "زهير بن جناب الكلبي" عليه.
стр. 3906
وهدامه١. وكان زهير من الحمس.
وقد وصف "ابن سعد" "التحمس" بقوله: "والتحمس أشياء أحدثوها في دينهم تحمسوا فيها، أي شددوا على أنفسهم فيها، فكانوا لا يخرجون من الحرم إذا حجوا، فقصروا عن بلوغ الحق، والذي شرع الله، ﵎، لإبراهيم وهو موقف عرفة، وهو من الحل، وكانوا لا يسلئون السمن ولا ينسجون مظال الشعر، وكانوا أهل القباب الحمر من الأدم، وشرعوا لمن قدم من الحاج أن يطوف بالبيت وعليه ثيابه ما لم يذهبوا إلى عرفة، فإذا رجعوا من عرفة لم يطوفوا طواف الإفاضة بالبيت إلا عراة أو في ثوبي أحمسي، وإن طاف في ثوبيه لم يحل له أن يلبسهما"٢.
وللجاحظ ملاحظات قيمة عن قريش لها صلة بالتحمس، وقد تفسر لنا معنى التحمس وسبب شموله أناسًا هم من غير قريش.
ذكر أن الإسلام لما ظهر، لم تكن هنالك أية امرأة قرشية، كانت مسبية عند غير قريش، ولم تكن هنالك أية امرأة مسبية في أيدي القبائل وأمها من قريش. ويذكر أيضًا أن قريشًا لم تكن تزوج بناتها من أبناء أشراف القبائل حتى تشترط عليهم أن من تلد منهن، فيكون من يلدن من الحمس. أما هم، فكانوا إذا تزوجوا من بنات قبائل أخرى، فإنهم لم يشترطوا على أنفسهم أي شرط، وكان من هذه القبائل عامر بن صعصعة وثقيف وخزاعة والحارث بن كعب، "وكانوا ديانين" وكانوا على دين قريش في أمورها. وكانت قريش كريمة، ولم ترض بالغارات والغزو ولا بالظلم ولم تقبل بالوأد ولا بالدخول بمن يقع في أيديهم أسرى من النساء. وكان من فضائلهم أن منَّ الله عليهم بالإيلاف. فأغناهم وجعلهم "لقاحًا". فلم يخضعوا لملك ولم يستعبدهم سلطان أجنبي٣. ولم يدفعوا أي شيء عنهم الملك من الملوك. بل كانت الملوك تأتي إلى مكة وتعظم البيت وتحترم سكانه. وهم قريش الحمس٤.
стр. 3907
ويظهر من ملاحظات الجاحظ المذكورة، أن من أهم مبادئ الحمس، نبذ الغارات أي الغزو، حتى جعلته قريش ركنًا من أركان دينها. كما تمسكت بركن آخر، هو عدم الدخول بمن يقع في أيدهم من النساء السبايا في حالة ما إذا أغارت قبيلة عليهم، واعتدت عليهم، فانتصرت قريش عليهم، وأخذت منها سبايا. أما الحمس الآخرون، مثل عامر بن صعصعة وثقيف والحارث بن كعب، وأمثالهم ممن تحمسوا، فلم يتمسكوا بهذه الأصول. وذكر "ابن الفقيه" أن القبائل المذكورة لم تكن في الأصل حمسًا، على دين قريش، وإنما تحمست وصارت من الخمس بتأثير قريش عليها١. وقريش تمسكوا وحدهم بالحمس، "وصاروا بأجمعهم تجارًا خلطاء"٢. وقد عرفت مكة بـ"دار الحمس"، كما جاء ذلك في شعر ينسب إلى "الكاهن اللهبي"٣. وعرفت قريش بـ "أهل الله"٤.
ونجد بين "الحمس" والحرم صلة متينة، تشير إلى الأصل الديني للحمس وإلى ارتباطهم بالكعبة. فذهب "الزمخشري" إلى أن "حمس" من "حرم"٥، ومن دلائل هذه الصلة أيضًا ما ورد في كتب أهل الأخبار من أن الكعبة كان قد عرفت بـ"الحمساء" سميت بذلك "لأن حجرها أبيض إلى السواد"٦.
ومن أن الحمس هم نزلاء الحرم٧. فبين الحمس والحرم، صلة متينة إذن حتى قيل أن المنسوب إلى الحرم من الناس "حرمي"٨. و"أن عياض بن حمار المجاشعي، كان حرمي رسول الله، ﷺ ، فكان إذا حج طاف في ثيابه. وكان أشراف العرب الذين يتحمسون على دينهم، أي يتشددون إذا حج أحدهم لم يأكل إلا طعام رجل من الحرم: ولم يطف إلا في ثيابه.
стр. 3908
فكان لكل رجل من أشرافهم رجل من قريش. فيكون كل واحد منهما حرمي صاحبه"١. ويفسر لنا هذا المعنى أيضًا قولهم: "رجل حرام: داخل في الحرم"، و"الحرم بالكسر الرجل المحرم. يقال: أنت حل وأنت حرام"٢.
وقد أنجب الزواج المشروط بين قريش وبين من يتزوج منها حمسًا جددًا، انتقل الحمس إليهم عن طريق "شرط عقد الزواج" من جهة الأمهات. أما نسل هؤلاء الحمس الجدد، الذين هم في الواقع أنصاف أحماس، فقد صار حمسًا مثل قريش؛ لأنهم ولدوا من والد حسب من الحمس ومن والدة أحمسية. وبذلك لم يعد الحمس أهل مكة وحدهم، بل شمل أهل مكة ومن تزوج مكيات فأنجبن ولدًا، عدوا حمسًا بشرط العقد.
وتذكر بعض الروايات أن عقيدة "الحمس" لم تكن قديمة، بل ظهرت قبيل الإسلام: "قال ابن إسحاق" كانت قريش لا أدري قبل الفيل أو بعده، ابتدعت أمر الحمس رأيًا. فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم. ونحن الحمس. والحمس أهل الحرم. قالوا: ولا ينبغي للحمس أن يتأقطوا الأقط ولا يسلئوا السمن، وهم حرم، ولا يدخلوا بيتًا من شعر، ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرمًا، ثم قالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به من الحل إلى الحرم إذا جاءوا حجاجًا أو عمَّارًا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس"٣. ولم تذكر هذه الرواية سبب ظهورها، ولا من أوجدها من رجال قريش.
ويتبين من غربلة ما ذكره أهل الأخبار عن الحمس، أن الحمس هم أهل مكة الأحرار في الأصل، ثم من دان بدينهم. وجدوا أنفسهم في ضنك شديد، في واد غير ذي زرع، لا شيء عندهم غير "البيت"، فتحمسوا في دينهم وتشددوا وتعاونوا فيما بينهم على العمل معًا، وعلى الدعوة إلى عبادة رب البيت وإقراء الضيف والامتناع عن غزو غيرهم. وعن التحرش بأحد، إلا إذا تحرش بهم، وعلى إغاثة الملهوف ومساعدة من يأت البيت حاجًّا أو معتمرًا أو قاصدًا.
стр. 3909
تجارة، وتقديم الرفادة له. ونصرة الغريب. وحافظوا على الحرمات: حرمة البيت وحرمة الحج وحرمة الأشهر الحرم، ووضعوا لأنفسهم قواعد صارمة في آداب السلوك في موسم الحج وفي غيره، تشعر أنهم كانوا ينظروا إلى أنفسهم كأنهم "جنس" فضله الله على بقية أجناس العرب، لهم مناسكهم، ولبقية العرب مناسكهم، ولهم قباب خاصة يضربونها لأنفسهم في سوق عكاظ وفي المواضع الأخرى تميزهم عن سائر من يفد إلى هذه المواضع، وترفعوا عن مصاهرة سائر الناس إلا إذا وجدوا أنهم أكفاء لهم، والكفاءة: القوة والمال. وأقاموا مجتمعهم الخاص هذا على قواعد دينية تعاونية اقتصادية "صاروا بأجمعهم تجارًا خلطاء"١. شعارهم أنهم "أهل الله"٢، دينهم "التحمس والتشدد في الدين، فتركوا الغزو كراهة للسبي واستحلال الأموال، فلما زهدوا في الغصوب لم يبق مكسبة سوى التجارة: فضربوا في البلاد إلى قيصر بالروم، والنجاشي بالحبشة، والمقوقس بمصر، وصاروا بأجمعهم تجارًا خلطاء"٣. وكان أن تفردوا بالإيلاف، وللإيلاف ارتباط بالحمس، وتوجهوا إلى التجارة والاتجار، وجمعوا بين الدين والمال، وأفسحوا المجال لمن به نشاط وهمة أن يجمع مالًا وأن يكون غنيًّا على أن يساهم بنصيبه في تحمل أعباء مجتمعهم، للدفاع عن "بيت الله" ولكسب المتحالفين معهم وتوزيع العدل فيما بينهم توزيعًا يخفف من حدة التفاوت فيما بين الغني والفقير، حتى لا يقع اختلال في التوازن بين طبقات المجتمع، يحمل الفقراء على انتزاع المال من الأغنياء كرهًا وقسرًا. وجعلوا ذلك واجبًا من واجباتهم، فحثوا على رفع الظلم، واتخذوا السقاية والرفادة، وعقدوا "حلف الفضول" للدفاع عن المحتاج، وجعلوا "الإيلاف" الذي سأتكلم عنه في الجزء الخاص بالحياة الاقتصادية، سببًا من أسباب إشاعة الرحمة ومساعدة الفقراء وتخفيف وطأة الفقر في هذه القرية: "أم القرى"، وفي ذلك يقول "مطرود بن كعب الخزاعي". في رثائة عبد المطلب.
стр. 3910
يا أيها الرجل المحول رحله ... ألا نزلت بآل عبد مناف
هبلتك أمك لو نزلت عليهم ... ضمنوك من جوع ومن إقراف
الآخذون العهد من آفاقها ... والراحلون لرحلة الإيلاف
والمطعمون إذا الرياح تناوحت ... ورجال مكة مسنتون عجاف
والمفضلون إذا المحول ترادفت ... والقائلون هلم للأضياف
والخالطون غنيهم بفقيرهم ... حتي يكون فقيرهم كالكافي
كانت قريش بيضة فتفلقت ... فالمح خالصة لعبد مناف١
قام رجال من رجال مكة بالإنفاق على المحتاجين فعدوا ذلك دينًا ومروءة وشهامة فكان "نعيم بن عبد الله" العدوي، ينفق على أرامل بني عدي وأيتامهم٢. وكان "حكيم بن حزام" ينفق من أرباحه على المحتاجين من آله وذويه٣. وكان صديق النبي قبل المبعث٤. وتذكر كتب السير والتراجم أسماء رجال آخرين عرفوا بتصدقهم على الفقراء والمحتاجين، اعتبروها منقبة وقربة لهم في الجاهلية، وقد أقرهم الرسول عليها.
فالحمس "أهل الله"، وأمته، تجمعهم عبادة الله والأصنام، والمناسك والشعائر التي وضعوها لهم، والتجارة التي جعلوها مثل شعائر دينهم، ينفقون من أرباحهم منها في سبيل "الله". أي بيت الله وأهله المستضعفون، حتى جعلوا الصدقة وإطعام المحتاج من أمور الدين. فمجتمعهم مجتمع جمع بين الدين والتجارة، وبين الدين والمال. حثهم على التعاون بخلط رءوس أموالهم والاتجار معًا بقوافل، وفيه ربح كبير مضمون، وحثهم على إنصاف من ليس له شيء حتى يصير.
стр. 3911
مكتفيًا غير محتاج لا يوجه عينه نحو غيره حسدًا وحقدًا. شعار هذا المجتمع الله والأصنام والحج والتجارة، مجتمع لم يكن يخلو بالطبع من أحامس بخلاء شذوا عن الطريق، واغتصبوا أموال الفقراء، كما هو الحال في كل مجتمع بشري.
وقد اقتصرت "قريش" وهم من الحمس، على استعمال القباب المصنوعة من الأدم لا يضربها غيرها بـ"منى"١. لأنهم "كانوا لا ينسجون مظال الشعر، وكانوا أهل القباب الحمر من الأدم"٢. وقد استعمل الرسول في حجة هذا النوع من القباب٣. ولا بد أن يكون لاقتصار قريش على استعمال هذا النوع من القباب دون غيرها في هذا الموضع، سبب ما، الأرجح أنه عامل ديني واجتماعي٤. ويلاحظ أنه كان للقباب الحمر ذكر خطير، وجاه عظيم في نظر الجاهليين، فكان أصحابها يفتخرون على غيرهم بأنهم "أهل القباب الحمر"٥، وقد كان الملوك والسادة يضربون لأنفسهم القباب الحمر. فهي من إمارات الجاه والمكانة والنفوذ.
ويظهر من بعض الأسماء أو الجمل التي وردت فيها كلمة "أحمس" و"حمس" أن هذه الكلمة هي نعت أو اسم من أسماء الآلهة عند الجاهليين في الأصل، ثم تغير معناها بعد ذلك فصارت على النحو الذي ذكره علماء اللغة نقلًا عن الروايات التي ترجع ذلك المعنى إلى الجاهلية المتصلة بالإسلام. ففي الأسماء الواردة إلينا: "أحمس الله"، و"بنو أحمس"، و"أبو أحمس"، و"الأحامس"٦، ما يفيد أن الأصل بعيد جدًّا عن المعنى فهمه وذهب إليه أهل الأخبار، وأن للكلمة معنى دينيًّا خاصًّا قديمًا، هو التشدد في الدين والتمسك به، وبعبادة الصنم، والمحافظة على سنة الآباء والأجداد مع تصلب وتقشف.
стр. 3912
والأحماس من العرب الذين أمهاتهم من قريش١، صاروا من الحمس بسبب أمهاتهم.
هذا وقد نزل الوحي بتنظيم الحج وفق مبادئ الإسلام، فأباح للحجاج ما كانت الحمس حرمته على نفسها من طعام الحج إلا طعام أحمسي" على نحو ما ذكرت قبل قليل. وما ذكر من أن قومًا كانوا قد حرموا على أنفسهم ما يخرج من الشاة لبنها وسمنها ولحمها، إذا حجوا أو اعتمروا٢. كما نزل بوجوب ستر العورة ولبس الإحرام في الحج، وذلك بالنسبة إلى المحلين، وأغلبهم من الأعراب ومن الفقراء، حيث كانوا يطوفون عراة، وفي ضمنهم النساء٣. فنزل الوحي بـ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ٤. ونهوا عن ذلك٥. وذكر عن أبي هريرة أنه قال: "بعثني أبو بكر الصديق في الحجة التي أمره عليها رسول الله، ﷺ ، قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر، لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان"٦.
كما نزل الوحي بجواز دخول الحجاج بيوتهم وخيامهم وما يأوون إليه من بيوتها، من أبوابها، لا كما كان يفعل بعضهم في الجاهلية وفي أول الإسلام، من أنه إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطًا ولا بيتًا ولا دارًا من بابه، فإنه كان من أهل المدن نقب نقبًا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج أو يتخذ سلمًا فيصعد فيه، وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل من الباب حتى يحل من إحرامه ويرون ذلك ذمًّا، إلا أن يكون من الحمس. وهم: قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وخثعم وبنو عامر بن صعصعة، وبنو النضر بن معاوية. نزل الوحي بذلك في الآية: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَْ﴾ ٧.
стр. 3913
وقد ذهب بعض أهل الأخبار والسير إلى أن الآية المذكورة، نزلت في أمر الحمس، "لأن الحمس لا يدخلون تحت سقف ولا يحول بينهم وبين السماء عتبة باب ولا غيرها، فإن احتاج أحدهم إلى حاجة في داره تسنم البيت من ظهره، ولم يدخل من الباب"١. وذهب المفسرون إلى أنها نزلت في الأنصار، فقد كانوا إذا حجوا فجاءوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم، ولكن من ظهورها، فجاء رجل فدخل من قبل بابه، فكأنه عير بذلك، فنزلت هذه الآية. وورد: "كانت قريش تدعى الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام، فبينما رسول الله، ﷺ ، في بستان، إذ خرج من بابه وخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري، فقالوا: يا رسول الله إن قطبة بن عامر رجل فاجر، وإنه خرج معك من الباب! فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: فإن ديني دينك! فأنزل الله: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ ٢. وقد أغفلت بعض الروايات اسم من كان لا يدخل البيوت من أبوابها، بأن قالت: "كان أهل الجاهلية يأتون البيوت من ظهورها ويرونه برًّا"، أو "كانوا في الجاهلية إذا أحرموا أتوا البيوت من ظهورها، ولم يأتوا من أبوابها" أو "إن ناسًا كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا حائطًا من بابه ولا دارًا من بابها أو بيتًا" أو "كان ناس من أهل الحجاز، إذا أحرموا لم يدخلوا من أبواب بيوتهم ودخلوها من ظهورها"٣. وذكر أن من كان يفعل ذلك، فإنما يفعله؛ لأنهم كانوا يتحرجون من أن يكون بينهم وبين السماء حائل٤.
وقد جعل "اليعقوبي" العرب في الجاهلية على دينين: دين الحمس ودين الحلة. وذلك بالنسبة للمشركين. وذكر أن منهم من دخل في دين اليهودية وفي النصرانية، ومنهم من تزندق وقال بالثنوية، وبهذه الفرق حصر "اليعقوبي" أديان أهل الجاهلية. إذ قال: "فهاتان الشريعتان اللتان كانت العرب عليهما. ثم دخل قوم من العرب في دين اليهود، وفارقوا هذا الدين. ودخل آخرون.
стр. 3914
في النصرانية، وتزندق منهم قوم، فقالوا بالثنوية"١.
والتعميم الذي يطلقه "اليعقوبي" وبقية المؤرخين والأخباريين في قولهم "وكانت العرب في أديانهم" لا يمكن التسليم به، إلا بالنسبة لأهل مكة ولمن كان يقصدهم من العرب. أما بالنسبة لجميع العرب، فهذا ما لا يمكن التسليم به.
وأما "الطلس" فقد وصفهم "محمد بن حبيب" بقوله إنهم: "بين الحلة والحمس: يصنعون في إحرامهم ما يصنع الحلة، ويصنعون في ثيابهم ودخولهم البيت ما يصنع الحمس. وكانوا لا يتعرون حول الكعبة، ولا يستعيرون ثيابًا، ويدخلون البيوت من أبوابها، وكانوا لا يئدون بناتهم، وكانوا يقفون مع الحلة ويصنعون ما يصنعون"٢. وهم سائر أهل اليمن، وأهل حضرموت، وعك وعجيب، وإياد بن نزار٣.
وذكر أن من الحجاج من كان يحج بغير زاد، وأن منهم من كان إذا أحرم رمى بما معه من الزاد، واستأنف غيره من الأزودة، وأن "قبائل من العرب يحرمون الزاد إذا خرجوا حجاجًا وعمَّارًا"، فنزل الوحي: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ٤، فأمر من لم يكن يتزود منهم بالتزود لسفره، ومن كان منهم ذا زاد أن يحتفظ بزاده فلا يرمي به٥. وقد عرف هؤلاء بـ"المتوكلة"؛ لتوكلهم على "رب البيت" في أطعام أنفسهم، واعتمادهم في ذلك على السؤال.
وقد ذكر علماء التفسير أن الآية: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ نزلت "في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد، ويقول بعضهم: كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا، فكانوا يبقون عالة على الناس، فنهوا عن ذلك، وأمروا بالزاد. وكان للنبي ﷺ في مسيره راحلة عليها زاد، وقدم عليه ثلاثمائة رجل من مزينة فلما أرادوا أن ينصرفوا قال: يا عمر زود
стр. 3915
القوم ... كما روى البخاري عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس"١.
ويظهر مما تقدم أن "المتوكلة" لم يكونوا جميعًا من الفقراء المحتاجين، بل كان منهم قوم أغنياء فضل الله عليهم، بدليل أنهم كانوا إذا حجوا رموا زادهم، أو أعطوه للمحتاج إليه، يفعلون ذلك ديانة وتقربًا إلى الله، كما فعل "المتوكلة" من بعدهم في الإسلام. فهم إذن طائفة من الطوائف الجاهلية المتدينة، ترى أن التقشف في الحج، يزيد في ثوابه، ويقرب أصحابه إلى رب البيت.
ويريد أهل الأخبار بالثياب "الإحرام" على ما يظهر. وهو قديم وقد عرف عند غير العرب أيضًا. وهو محاكاة لملابس رجال الدين الذين يخدمون المعابد، ويتقربون إلى الآلهة. وهو يتكون من قطعتين من: إزار ومن وشاح. ويكون أبيض اللون. واللون الأبيض من الألوان التي تعبر عن معان دينية. فقد كان رجال الدين والكهنة يلبسون الثياب البيض. كما أنه شعار الحزن عند بعض الشعوب، وفي جملتهم عرب الحجاز٢. ويظهر أن أهل مكة وهم قريش، كانوا يلبسون الإحرام، أو يكرهونه لغيرهم من العرب أو يعيرونه لهم إن كانوا من حلفائهم فيحرمون كإحرام قريش. أما من لم يتمكن من الحصول على الإحرام، فقد كان يضطر بحكم الضرورة إلى الطواف عريانًا على نحو ما يقصه علينا أهل الأخبار.
أما بالنسبة إلى أهل العربية الجنوبية من معينيين وسبئيين وقتبانيين وحضرميين، فإننا لا نستطيع أن نتحدث عن سنة الطواف حول المعابد عندهم؛ لعدم ورود شيء عن ذلك في النصوص الواصلة إلينا. ولكني لا أستبعد احتمال طوافهم حول بيوت أصنامهم على نحو ما كان يفعله أهل الحجاز؛ لأن الطواف حول بيوت الأصنام أو حول الصنم من السنن الشائعة بين العرب وعند جماعات من بين إرم والنبط.
стр. 3916
التلبية:
وذكر "محمد بن حبيب" أن طواف أهل الجاهلية بالبيت أسبوعًا، وذكر أنهم كانوا يمسحون الحجر الأسود، ويسعون بين الصفا والمروة. وكانوا يلبون وذكر أن نسك قريش كان لإساف، وأن تلبيتهم" "لبيهم اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك"١. وأن تلبية من نسك للعزى: "لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، ما أحبنا إليك". وأن تلبية من نسك للات: "لبيك اللهم لبيك، لبيك كفى ببيتنا بنية، ليس بمهجور ولا بلية، لكنه من تربة زكية أربابه من صالحي البرية". وكانت تلبية من نسك لجهار: "لبيك، اللهم لبيك لبيك، اجعل ذنوبنا جبار، واهدنا لأوضح المنار، ومتعنا وملنا بجهار". وكانت تلبية من نسك لشمس: "لبيك، اللهم لبيك، لبيك، ما نهارنا نجره، إدلاجه وحره وقره، لا نتقي شيئًا ولا نضره، حجًّا لرب مستقيم بره"، وكانت تلبية من نسك لمحرق: "لبيك، اللهم لبيك، لبيك حجًّا حقًّا، تعبدًا ورقًا"، وكانت تلبية من نسك لود: "لبيك اللهم لبيك، لبيك، معذرة اليك". وكانت تلبية من نسك ذا الخلصة: "لبيك، اللهم لبيك، لبيك، بما هو أحب إليك". وكانت تلبية من نسك لمنطبق: "لبيك اللهم لبيك، لبيك". وتلبية عك، أنهم كانوا إذا بلغوا مكة، يبعثون غلامين أسودين أمامهم، يسيران على جمل. مملوكين قد جردا فهما عريانان، فلا يزيدان على أن يقولا: "نحن غرابا عك" وإذا نادى الغلامان بذلك صاح من خلفهما من عك: "عك إليك عانية، عبادك اليمانية، كيما نحج الثانية، على الشداد الناجية"١.
وكانت تلبية من نسك مناة: "لبيك اللهم لبيك، لبيك، لولا أن بكرًا دونك يبرك الناس ويهجرونك، ما زال حج عثج يأتونك، إنا على عدوائهم من دونك". وتلبية من نسك لسعيدة: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لبيك، لم نأتك للمياحة، ولا طلبًا للرقاحة، ولكن جئناك للنصاحة". وكانت تلبية من نسك ليعوق: "لبيك اللهم لبيك، لبيك، بغض إلينا الشر، وحبب إلينا الخير، ولا تبطرنا فنأشر ولا تفدحنا بعثار". وكانت تلبية من نسك ليغوث:
стр. 3917
"لبيك، اللهم لبيك، لبيك، أحبنا بما لديك، فنحن عبادك، قد صرنا إليك" وكانت تلبية من نسك لنسر: "اللهم لبيك، اللهم لبيك، لبيك، أننا عبيد، وكلنا ميسرة عتيد، وأنت ربنا الحميد، اردد إلينا ملكنا والصيد". وكانت تلبية من نسك ذا اللبا: "لبيك اللهم لبيك، لبيك، رب فاصرفن عنا مضر، وسلمن لنا هذا السفر، إن عما فيهم لمزدجر واكفنا اللهم أرباب هجر". وكانت تلبية من نسك لمرحب: "لبيك اللهم لبيك، لبيك، إننا لديك لبيك، حببنا إليك". وكانت تلبية من نسك لذريح: "لبيك، اللهم لبيك، لبيك، كلنا كنود، وكلنا لنعمة جحود فاكفنا كل حية رصود". وكانت تلبية من نسك ذا الكفين: "لبيك، اللهم لبيك لبيك، إن جرهمًا عبادك، الناس طرف وهم تلادك، ونحن أولى منهم بولائك"، وتلبية من نسك هبل: "لبيك اللهم لبيك، إننا لقاح حرمتنا على أسنة الرماح، يحسدنا الناس على النجاح"١.
وقد تعرض "اليعقوبي" لموضوع التلبية فقال: "فكانت العرب، إذا أرادت حج البيت الحرام، وقفت كل قبيلة عند صنمها وصلوا عنده، ثم تلبوا حتى يقدموا مكة. فكانت تلبياتهم مختلفة. وكانت تلبية قريش: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، تملكه وما ملك. وكانت تلبية كنانة. لبيك اللهم لبيك، اليوم يوم التعريف، يوم الدعاء والوقوف. وكانت تلبية بني أسد: لبيك اللهم لبيك، يا رب أقبلت بنو أسد، أهل التواني والوفاء والجلد إليك، وكانت تلبية بني تميم: لبيك اللهم لبيك، لبيك عن تميم، قد تراها قد أخلقت أثوابها وأثواب من وراءها، وأخلصت لربها دعاءها. وكانت تلبية قيس عيلان: لبيك الله لبيك، لبيك أنت الرحمن أتتك قيس عيلان، راجلها والركبان. وكانت تلبية ثقيف لبيك اللهم إن ثقيفًا قد أتوك: وأخلفوا المال وقد رجوك. وكانت تلبية هذيل: لبيك عن هذيل قد أدلجوا بليل، في إبل وخيل. وكانت تلبية ربيعة: لبيك ربنا لبيك، لبيك إن قصدنا إليك. وبعضهم يقول: لبيك عن ربيعة، سامعة لربها مطيعة، وكانت حمير وهمدان يقولون: لبيك عن حمير وهمدان والحليفين من حاشد والهان. وكانت تلبية الأزد: لبيك رب الأرباب،
стр. 3918
تعلم فصل الخطاب، لملك كل مثاب. وكانت تلبية مذحج: لبيك رب الشعرى، ورب اللات والعزى. وكانت تلبية كندة وحضرموت: لبيك لا شريك لك، تملكه، أو تهلكه، أنت حكيم فاتركه. وكانت تلبية غسان: لبيك رب غسان، راجلها والفرسان. وكانت تلبية بجيلة: لبيك عن بجيلة في بارق ومخيلة، وكانت تلبية قضاعة: لبيك عن قضاعة، لربها دفاعة، سمعًا له وطاعة، وكانت تلبية جذام: لبيك عن جذام، ذوي النهى والأحلام، وكانت تلبية عك والأشعريين.
نحج للرحمن بيتًا عجبا ... مستترًا مضببًا محجبا١
و"التلبية" إجابة المنادي، أي إجابة الملبي لربه. وقولهم: لبيك اللهم لبيك، معناه إجابتي لك يا رب، وإخلاصي لك٢. وقد كان الجاهليون يلبون لأصنامهم تلبيات مختلفة. وقد ذكر "أبو العلءا المعري" أن تلبيات العرب جاءت على ثلاثة أنواع: مسجوع لا وزن له، ومنهوك، ومشطور. فالمسجوع كقولهم:
لبيك ربنا لبيك ... والخير كله بيديك
والمنهوك على نوعين: أحدهما من الرجز، والآخر من المنسرح: فالذي من الرجز كقولهم:
لبيك إن الحمد لك ... والملك لا شريك لك
إلا شريك هو لك ... تملكه وما ملك
أبو بنات بفدك
وكقولهم:
لبيك يا معطي الأمر ... لبيك عن بني النمر
جئناك في العام الزمر ... نأمل غيثًا ينهمر
يطرق بالسيل الخمر
стр. 3919
والذي من المنسرح جنسان: أحدهما في آخره ساكنان كقولهم:
لبيك رب همدان ... من شاحط ومن دان
جئناك نبغي الإحسان ... بكل حرف مذعان
نطوي إليك الغيطان ... نأمل فضل الغفران
والآخر لا يجتمع فيه ساكنان كقولهم:
لبيك عن نجيله ... الفخمة الرجيله
ونعمت القبيله ... جاءتك بالوسيله
تؤمل الفضليه
وربما جاءوا على قوافٍ مختلفة، من ذلك تلبية بكر بن وائل:
لبيك حقًّا حقا ... تعبدًا ورقا
جئناك للنصاحة ... لم نأت للرقاحة
وروي في تلبية "تميم" قولها:
لبيك لولا أن بكرًا دونكا ... يشكرك الناس ويكفرونكا
ما زال منا عثج يأتونكا
ورووا أن من تلبيات همدان:
لبيك مع كل قبيل لبيك ... همدان أبناء الملوك تدعوك
قد تركوا أصنامهم وانتابوك ... فاسمع دعاءً في جميع الأملوك
ومن تلبياتهم قولهم:
لبيك عن سعد وعن بنيها ... وعن نساء خلفها تعنيها
سارت إلى الرحمة تجتنيها
وختم "أبو العلاء المعري" رأيه عن التلبية بقوله: "والموزون من التلبية يجب أن يكون كله من الرجز عند العرب، ولم تأت التلبية بالقصيد. ولعلهم قد لبوا به ولم تنقله الرواة"١.
стр. 3920
والتلبية هي من الشعائر الدينية التي أبقاها الإسلام، غير أنه غير صيغتها القديمة بما يتفق مع عقيدة التوحيد، فصارت على هذا النحو: "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لله، والملك لا شريك لك"١. كما جعلها جزءًا من حج مكة، بعد أن كانت تتم خارج مكة؛ إذ كانت كل قبيلة تقف عند صنمها، وتصلي عنده ثم تلبي، قبل أن تقدم مكة٢. وذلك بالنسبة لمن كان يحج مكة. فأبطل ذلك الإسلام، وألغى ما كان من ذلك من حج أهل الجاهلية. وقد رأينا صيغ التلبيات، وكيف كانت تلبيات القبائل خاصة بها، تلبي كل قبيلة لصنمها، وتوجه نداءها إليه.
وتردد جمل التلبية بصوت مرتفع، ولعل ذلك لاعتقاد الجاهليين أن في رفع الصوت إفهامًا للصنم الذي يطاف له بأن الطائف قد لبى داعيه، وأنه استجاب أمره وحرص على طاعته. وقد أشار بعض الكتاب "الكلاسيكيين" إلى الصخب والضجيج الذي كان يرتفع في مواضع الحج بسبب هذه التلبية.
وهناك مواضع أخرى غير متصلة بالبيت الحرام، كانت مقدسة وداخلة في شعائر الحج، منها عرفة ومنى والمزدلفة والصفا والمروة، ومواضع أخرى كان يقصدها الجاهليون لقدسيتها أو لوجود صنم بها، ثم حرمها الإسلام، فنسيت وأهملت فذهبت معالمها مع ما ذهب من معالم الجاهليين.
وتقف الحمس في حجها على أنصاب الحرم من نمرة على نحو ما ذكرت أما الحلة والطلس، أي غير الحمس من بقية العرب فيقفون على الموقف من عرفة، عشية يوم "عرفة"، فإذا دفع الناس من عرفة وأفاضوا أفاضت الحمس من أنصاب الحرم حتى يلتقوا بمزدلفة جميعًا. وكانوا يدفعون من عرفة إذا طفلت الشمس للغروب وكانت على رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم. فيبيتون بمزدلفة حتى إذا كانت في الغلس وقفت الحلة والحمس على "قزح"، فلا يزالون عليه حتى إذا طلعت الشمس وصارت على رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في
стр. 3921
وجوههم دفعوا من مزدلفة، وكانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير١.
ومن مناسك الحج الطواف بالصفا والمروة، وعليها صنمان: إساف ونائلة: وكان الجاهليون يمسحونهما٢. وكان طوافهم بهما قدر طوافهم بالبيت، أي سبعة أشواط. تقوم بذلك قريش، أما غيرهم فلا يطوفون بهما، وذلك على أغلب الروايات. ويظهر أن الصفا والمروة من المواضع التي كان لها أثر خطير في عبادة أهل مكة. ففي حج أهل مكة طوافان: طواف بالبيت، وطواف بالصفا والمروة.
وبين الصفا والمروة يكون "السعي" في الإسلام، ولذلك يقال للمسافة بين المكانين "المسعى" وكان إساف بالصفا، وأما نائلة فكان بالمروة٣. ولا بد أن يكون لاقتران الاسمين دائمًا سبب، و"المسعى" هو الرابط المقدس بين هذين الموضعين المقدسين عند الجاهليين.
وكان أهل مكة يتبركون بلمس الحجر الأسود، ثم يسعون بين الصفا والمروة ويطوفون بإساف أولًا ويلمسونه، كل شوط من الطواف ثم ينتهون بنائلة ويلبون لهما. وكانت تلبيتهم لهما: "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك"٤. وذكر أن "الأنصار"، لما قدموا مع النبي في الحج، كرهوا الطواف بين الصفا والمروة لأنهما كانا من مشاعر قريش في الجاهلية، وأرادوا تركه في الإسلام. وذكر أن قومًا من المسلمين قالوا: يا رسول الله لا نطوف بين الصفا والمروة، فإنه شرك كنا نصنعه في الجاهلية. فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بين الصفا والمروة مسحوا الوثنيين، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام، كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ٥. ويتبين من غربلة الأخبار أن الذين كانوا يطوفون بالصنمين المذكورين ويسعون بينهما. هم من عباد الصنمين وهم قريش
стр. 3922
خاصة، وليس كل من كان يحج إلى مكة من الغرب، ولذلك كرهوا الطواف في الإسلام بالصفا والمروة. وقد استبدل الإسلام بالطواف السعي؛ لهدم الصنمين اللذين كان الناس يطوفون حولهما واكتفى بالسعي بين الموضعين.
وذكر بعض العلماء أن العرب عامة كانوا لا يرون الصفا والمروة من الشعائر ولا يطوفون بينهما فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ١، أي لا تستحلون ترك ذلك٢. وذكر أن الأنصار كانوا يهلون لمناة في الجاهلية، فلما جاء الإسلام قالوا: يا نبي الله إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما، فأنزل الله الآية المذكورة. وكان أهل "تهامة" ممن لا يطوفون أيضًا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام ونزل الأمر بالطواف بالبيت، ولم ينزل بالطواف بين الصفا والمروة، قيل للنبي: إنا كنا نطوف في الجاهلية بين الصفا والمروة وإن الله قد ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة فهل علينا من جناح أن لا نطوف بهما. فنزل الوحي: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ، فصار الطواف بين الصفا والمروة لجميع الحجاج، لا كما كان في عهد الجاهلية. من اقتصاره على قريش وبعض العرب المتأثرين بهم. فكانوا يطوفون بهما ويمسحون بالوثنين إساف ونائلة، فلما جاء الإسلام تحرج بعض الناس وفيهم قوم من قريش من الطواف بينهما لأنهما من شعائر الجاهلية، فنزل الأمر به٣.
وذكر أهل الأخبار أن السعي بين الصفا والمروة. شعار قديم من عهد هاجر أم إسماعيل. وأما رمل الطواف، فهو الذي أمر به النبي، أصحابه في عمرة القضاء ليُري المشركين قوتهم، حيث قالوا: وهنتهم حمى يثرب٤.
стр. 3923
وورد في خبر عن "عائشة" أنها قالت: "إن الأنصار كانوا يلهون في الجاهلية لصنمين على شط البحر، يقال لهما: "إساف ونائلة، ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة ثم يحلقون، فلما جاء الإسلام، كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية، فأنزل الله عزل وجل: إن الصفا والمروة من شعائر الله إلى آخرها. قالت فطافوا". وهو خبر يناقض أخبارًا أخرى يتصل سندها بـ"عائشة"، تجمع على أنها قالت: إن الأنصار أو الأنصار وغسان كانوا قبل أن يسلموا يصلون لمناة، فلا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سُنة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة١، ولم أجد في خبر آخر شيئًا يفيد أن إسافًا ونائلة كانا على ساحل البحر.
و"السعي" في الإسلام سبعة أشواط، تبدأ بالصفا، وتختتم بالمروة. وعندما يصل الحاج حد "السعي" يسعى ويهرول، فإذا جاز الحد مشى. وكان الجاهليون يبدأون بـ"الصفا" وينتهون بـ"المروة" كذلك٢.
ومن مناسك حج أهل الجاهلية الوقوف بـ"عرفة"، ويكون ذلك في التاسع من ذي الحجة ويسمى "يوم عرفة" ومن "عرفة" تكون "الإجازة" للإفاضة إلى "المزدلفة"، ومن "المزدلفة" إلى "منى". وقد كان الجاهليون من غير قريش يفيضون في عرفة عند غروب الشمس، وأما في المزدلفة فعند شروقها. وكان الذي يتولى الإجازة رجلًا من تميم يقال له "صوفة"، ثم انتقلت إلى "صفوان" من تميم كذلك٣. ولم يكن "الحمس" يحضرون عرفة، وإنما يقفون بالمزدلفة، وكان سائر الناس يقف بعرفة. ولما رأى أحد الصحابة رسول الله واقفًا بعرفة عجب من شأنه وأنكر منه ما رأى لأنه من الحمس، وما كان يظن أنه يخالف قومه في ذلك، فيساوي نفسه بسائر الناس، فأنزل الله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٥،
стр. 3924
فشمل ذلك الحمس وغيرهم. فأخذوا يقفون كلهم موقف عرفة، ووضع عن قريش ما فعلوه من تمييز أنفسهم عن الناس١.
وورد في روايات أخرى، أن قريشًا وكل حليف لهم وبني أخت لهم، لا يفيضون من عرفات، إنما يفيضون من المغمس، وورد أن قريشًا وكل ابن أخت وحليف لهم، لا يفيضون مع الناس من عرفات، يقفون في الحرم ولا يخرجون منه. يقولون: إنما نحن أهل حرم الله، فلا نخرج من حرمه، وأنهم قالوا "نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت، وقاطنوا مكة وساكنوها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا، ولا مثل منزلنا، ولا تعرف له العرب مثل ما نعرف لنا، فلا تعظموا شيئًا من الحل، كما تعظمون الحرم. فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمكم، وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها"٢.
وذكر أن قريشًا ومن دان بدينها تفيض من "جمع" من المشعر الحرام٣" و"جمع" المزدلفة٤.
و"عرفة" أو "عرفات" موضع على مسافة غير بعيدة عن مكة٥. لا بد وأن يكون من المواضع التي كان يقدسها أهل الجاهلية، وأن يكون له ارتباط بصنم من الأصنام، وإلا لما صار جزءًا من أجزاء مناسك الحج وشعائره عند الجاهليين. ويقف الحجاج موقف عرفة من الظهر إلى وقت الغروب. وقد يكون لموقف الجاهليين في عرفة وقت الغروب علاقة بعبادة الشمس. فإذا غربت الشمس اتجه الحجاج إلى "المزدلفة".
стр. 3925
الإفاضة:
ومن "عرفة" تكون الإفاضة إلى "المزدلفة". و"المزدلفة"، موضع يكاد يكون على منتصف الطريق بين عرفة و"منى". وفيه يمضي الحجاج ليلتهم، ليلة العاشر من "ذي الحجة". ومنه تكون الإفاضة عند الشروق إلى "منى". وقد نعت بـ"المشعر الحرام" في القرآن الكريم١. ويذكر أهل الأخبار أن "قصي بن كلاب"، كان قد أوقد نارًا على "المزدلفة" حتى يراها من دفع من عرفة، وأن العرب سارت على سنته هذه، وبقيت توقدها حتى في الإسلام٢. ولا بد وأن يكون من المواضع الجاهلية المقدسة كذلك، التي كان لها صلة بالأصنام. وقد ذكر علماء اللغة اسم جبل بالمزدلفة دعوه "قزحًا". قالوا إنه "هو القرن الذي يقف عنده الإمام"٣، وذكروا أن "قزح" اسم شيطان٤. ونحن نعرف اسم صنم يقال له "قزاح"، قد تكون له صلة بهذا الموضع.
ويفيض الحجاج في الجاهلية عند طلوع شمس اليوم العاشر من ذي الحجة من "المزدلفة" إلى "منى"؛ لرمي الجمرات ولنحر الأضحي. و"منى" موضع لا يبعد كثيرًا عن مكة. ولعلماء اللغة آراء في سبب التسمية، من جملتها أنها عرفت بذلك لما يمنى بها من الدماء٥. وذكر بعض أهل الأخبار أن "عمرو بن لحي" نصب بمنى سبعة أصنام، نصب على "القرين" القرن الذي بين مسجد منى والجمرة الأولى صنمًا، ونصب على الجمرة الأولى صنمًا، وعلى الجمرة الوسطى صنمًا، وعلى شفير الوادي صنمًا٦. ولا بد أن يكون لهذا الموضع صلة بالأصنام، نظرًا لما له من علاقة متينة بمناسك الحج. وقد يكون لرمي الجمرات ولنحر الذبائح صلة بتلك الأصنام.