← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

لا يسد رمق الزرع ولا يغني الزراع ولا يكفي في بعض السنين لانبات الخضرة ولظهور الكلأ، وقد يستمر هذا المعدل سنين، فيتضايق الناس، وقد ترد بعدها سنين ينهمر فيها المطر انهمارًا، فيسقط من السماء وكأنه ماء انهمر من أفواه قرب، فيسبب سيولًا تؤذي الناس ولا تنفعهم، وقد يستمر هطول المطر على هذا المعدل من الشدة عدة سنين، ثم يقف فيشح، وتبخل السماء، فلا تعطي الأرض من غيثها إلا قليلًا، وقد تبخل بخلًا شديدًا فلا تعطيها منه شيئًا يذكر، فيتضايق الناس، ويعيشون عندئذ عيشة صعبة قاسية، قد تضطرهم إلى الارتحال إلى مواضع أخرى بحثًا عن الكلأ والماء. وقد يكون انحباس المطر، ظاهرة موضعية، تصيب موضعًا، ولا تصيب مواضع أخرى، وقد يكون عامًا، يصيب أكثر جزيرة العرب أو كلها. وتكون شدته عندئذ في هذه الحالة أعم وأشد، وضرره في الناس أكثر، فأينما ترحل القبائل لا تجد أمامها إلا القحط والمحنة، وقلة الماء والغذاء، أي "القحط" والجدب والمحل. و"القحط" الجدب من أثر احتباس المطر، فيتأذى الناس، ويقل الطعام وترتفع أسعاره. ويعيشون في شدة١. ويلازم القحط في الغالب، اختفاء الطعام وارتفاع ثمنه. فالقحط ملازم إذن لانحباس المطر، ويلازمه الجوع وارتفاع السعر، وقلة الطعام، واختفاؤه من السوق، بسبب الخزن أملًا في الحصول على ربح ومكسب، أو بسبب قلة حاصل الموسم. ويقال أقحط القوم، أي أصابهم القحط، وكان ذلك في إقحاط الزمان. وقد يعقب انحباس المطر ظهور الملح في طعم مياه الآبار والعيون٢، حتى قد يصير الشرب منها صعبًا، والزرع عليها غير ممكن. فيضطر أصحابها عندئذ إلى تركها والارتحال عنها إلى مواضع أخرى، يحفرون فيها آبارًا جديدة، تكلفهم مالًا وجهدًا، وقد لا يجدون في الأرض الجديدة، ماءً عذبًا سائغًا فراتًا للشاربين، وقد لا يجدون فيها ما يكفيهم لشربهم ولشرب أموالهم، مما يحملهم على الارتحال إلى أرض أخرى، أو على التشتت والتبعثر، بسبب عدم وجود الماء أو عدم سده حاجتهم.

стр. 4377

ويقال للسنة وللأرض التي لم يصبها المطر، "الجماد"، وسنة جامدة لا كلأ فيها ولا خصب ولا مطر. وأرض جماد، يابسة لم يصبها مطر ولا شيء فيها١. وهي من السنين الحرجة في حياة العرب، المؤذية المهلكة للأنفس وللمال. ويقال للمحل "الجدب". والجدب نقيض الحصب٢. و"المحل" الجدب وانقطاع المطر ويبس الأرض من الكلأ، وتعد أيام المحل من شر الأيام، يقال: "زمان ماحل"، و"مكان ماحل"، و"بلد ماحل"، و"أرض محل"، وأرض محلة ومحول، يريدون بالمحل الشدة والجوع الشديد وإن لم يكن جدب، على سبيل المجاز ؛ لأن المحل الجدب ويبس الأرض وانقطاع المطر، فتشتد حالة الناس، ويطهر الجوع ويعيش الناس في ضنك شديد٣. ويقال لمثل هذه السنين الشديدة، التي تجف فيها المراعي، ويصاب الناس فيها بأزمة شديدة، سنة جرداء، وسنة الجمود لجمود الرياح فيها وانقطاع الأمطار وذهاب الماشية وهزالها وثبات الغلاء، ويقال لها الحطمة والأزمة واللزبة والمجاعة والرمد، وكحل والقصر والشدة والحاجر، وما شاكل ذلك من ألفاظ فيها معاني الشدة والفقر والجوع٤. وكان منهم من يتصور أن نجوم الشتاء هي سبب نزول الغيث، ولذلك كانوا إذا لم يمطروا، وانحبست السماء عندهم يقولون: "أحجرت النجوم". قال الراجز: إذا الشتاء أجحرت نجومه ... واشتد في غير ثرى أزومه ومن المجاز أجحر القوم، إذا دخلوا في القحط. والجحرمة الضيق٥. ولبس أشد على العرب وأضيق في انحباس المطر عنهم.

стр. 4378

وإذا أمطرت السماء، واستبشر الناس خيرًا، فالمطر خير وبركة ونعمة. يعقبه ربيع مفرح مبهج، تسمن فيه إبلهم ومواشيهم، ويكثر ولدها، فتنمو أموالهم، وكانوا يقولون إذا ألبنوا وسمنت إبلهم: "كان ربيعنا مملوحًا"١. وقد تهب بعض الرياح فتنكب الناس بأنفسهم وبأموالهم وتؤذيهم، لذلك يسمونها "النكباء"، و"النكباء" ريح انحرفت ووقعت بين ريحين. وهي تهلك المال وتحبس القطر. ذكر أنها تهب بين الصبا والشمال، والجربياء التي بين الجنوب والصبا، وذكر بعضهم أن نكب الرياح أربع: الأزيب، وهي نكباء الصبا والجنوب، مهياف ملواج ميباس للبقل، وهي التي تجيء بين الريحين، وذكر بعض آخر أن الأزيب، هو الجنوب لانكباؤها. والثانية الصابية، وتسمى النكيباء أيضًا، وهي نكباء الصبا والشمال، معجاج مصراد لا مطر فيها ولا خير عندها. والثالثة الجربياء، وهي نكباء الشمال والدبور، وهي قرة وربما كان فيها مطر قليل، وهي نيحة الأزيب. والرابعة الهيف، وهي نكباء الجنوب والدبور، وهي نيحة النكيباء٢. وقد تأتي السماء بسحب كثيفة من جراد، فلا تهبط مكانًا إلا جردته. والجراد من شر الآفات والنوازل التي تنزل بالزرع، يجرده جردًا وينزل الخسائر بأصحابه، أضف إلى ذلك الأوبئة والأمراض التي كانت تهب بين الحين والحين، فتصيب الإنسان أو الحيوان أو الزرع، وهو عاجز إذ ذاك عن مقاومتها وعن التغلب عليها، نضيف إليها الحميات التي كانت قد عششت في مواضع المياه، كالعيون، فكانت تصيب الناس، ولا يكاد يسلم منها إنسان، فقد عرفت "خيبر" بالحمى، حتى قيل لها "حمى خيبرية" أو "خيبرية"، وعرفت يثرب بالحمى أيضًا، وعرفت مواضع من وادي القرى، بالحمى كذلك، كما عرفت "هجر" في العربية الشرقية بهذا الوباء كذلك. ويتضايق الإنسان في التهائم من أثر الحرارة المتشبعة بنسب عالية من الرطوبة. ودرجات الحرارة فيها وإن كانت دون درجتها في الأماكن الأخرى في الأغلب، غير أن اقترانها بالرطوبة العالية جعلتها حرارة تضايق الإنسان إلى حد مزعج، تبعث على الاسترخاء والكسل، حتى صيرت الجسم خاملًا، خال من الحيوية

стр. 4379

والنشاط. غير فعال لا يستطيع أن يعمل بنشاط وهمة أهل الأجواء المعتدلة أو الحارة الجافة، وعلى الرغم من ارتفاع نسبة الرطوبة في هذه التهائم وتشبع هوائها ببخار الماء، فإنها لم تحظ بدرجة عادلة من المطر، يخفف من شدة وطأة الحرارة فيها. ويسقي أرضها سقيًا كافيًا لتنبت لسكانها ما ينبته الجو الاستوائي المشبع بالرطوبة المذابة في الحرارة المشابه لجو هذه التهائم في البلاد الأخرى. فحرمت من الغابات ومن الأشجار الضخمة ذات الخشب الصلد، ومن الأدغال التي تؤوي الوحوش، ومن المياه الفوارة المتدفقة، ومن الحشائش، ومن أمثال ذلك مما يرى في البلاد ذات المناخ المتشابه، مما يكون ثروة لسكانها، قد تعوض عن حرمانهم من الجو المعتدل، أو الجو البارد المنشط. وتخف الرطوبة ويقل شأنها وتذهب حدتها كلما ابتعد الإنسان عن الساحل، فيزداد الجفاف في الجو حتى يبلغ أقصاه في البواطن، فيشعر الإنسان عندئذ بانطلاق في جسمه وبشيء من النشاط في حركته، وبحدة في ذهنه؛ لأنه يجد أمامه مناخًا أصح وأصفى من مناخ السواحل، هواؤه جاف في الشتاء وفي الصيف، البرودة فيه في موسم الشتاء أظهر وأبرز من برودة الأشتية في التهائم، والحر فيه في الصيف أخف على الجسم بكثير من حر صيف السواحل. أما المطر، فنسبة سقوطه في الباطن أقل من نسبة هطوله على التهائم وفي العربية الجنوبية. وقد عوضت الطبيعة أهل البواطن عن شح مطرها هذا، بإرسال ألوان وأشكال من الأهوية والرياح والعواصف عليهم، تحمل بعضها في أمواجها سحرًا عجيبًا ينعش الروح والبدن، إذا مس إنسانًا أنساه شظف عيشه وغلظ الجو الذي يعيش فيه، وصيره يحس وكأنه ملك الملوك، وصاحب خزائن الأرض، وإذا مست عصاه أحدًا من أصحاب الحس المرهف، أثارت فيه قريحته، فصيرته شاعرًا ينظم إحساسه بكلم موزون مقفى، وبشعر غزلي، يتغزل فيه، يتغزل بتلك الأهوية، التي لمست جسمه، وأغرقت فمه ووجهه بقبلاتها الحبيبة المثيرة، التي أنسته أشجانه وما يلاقيه في حياته من ضيق وشح، وهو ما يكاد يفيق من حلم حبه هذا، حتى يفاجأ بأعاصير ورياح الواقع، تعصف به وبخيمته الخفيفة، وبماله، تتلاعب به، وقد ترشق وجهه بموجات متعاقبة من سموم مشبع برمال، تجعله يغمض عينيه ويسد فمه، ويبرقع وجهه يبرقع ليقيه من هذه الرياح العاتية التي تحرشت به من غير سبب، مع أنه إنسان مسكين قنوع، لا دخل له في وجوده في هذا المكان،

стр. 4380

ولد فيه عن غير عمد ولا اختيار، وسيموت فيه وهو لا يدري لم يموت، ولم عاش، وإلى أين ذاهب، فإذا ذهبت وولت، وركد الجو واستقر، جلس تحت خيمته التي لا تقيه من حر ولا من برد، ولا من شمس ولا من مطر: إلا بقدر، ليستجم ويستريح، أو ليستلقي على أرضها، وليتناول أكله، وهو أبسط أكل يأكله إنسان في هذه الحياة من غير شك. والسعيد في جزيرة العرب من ولد في مستوطنة ذات ماء، فهو في عيشة هنيئة راضية، في بيت مهما كان نوعه، فإنه أحسن حالًا على كل حال من بيوت الوبر أو الشعر، يستطيع أن يشرب فيه ماءً يتناوله له من منبعه، لا من قرب خزن الماء فيها أيامًا، وأن يرى نخلًا وشيئًا من شجر وخضرة وزرع، وصوت رجال ونساء وأطفال، وبعض بائعين وبائعات. أي حياة جماعة. وهو أكثر سعادة وحضارة إن كانت مستوطنته على ملتقى طرق، تمر بها القوافل لتمتار منا ميرة الطريق، ولتأخذ منها الماء ولتسقي إبلها وترويها، ولشتري منها ما تجده من حاجات ضرورية ومن منتوجات موضعية، تحتاج إليها، أو يمكن بيعها في مواضع أخرى. وفي هذه المواضع نجد الحضارة الجاهلية ومن آثارها نستنبط التأريخ الجاهلي، وفيها نرى معدن الرقة وموطن اللين والدماثة، لما فيها من ظرف تهدأ النفس وتريح الأعصاب، فصار أصحابها من ثم ألين عريكة وأسهل انقيادًا من الأعراب الذين ولدوا في محيط خشن، ونشأوا من خشونة، فصار طبعهم من ثم غليظًا خشنًا، وهو لا يمكن أن يكون إلا كذلك، وليس له دخل في ظهور هذا الطبع عنده. ومن هنا صار أهل اليمن من ألين العرب عريكة، ومن أكثرهم تعاونًا فيما بينهم. جاء في الحديث: "أن رجلًا من أهل اليمن قال للنبي، ﷺ : إنا أهل قاه، فإذا كان قاه أحدنا دعا من يعينه فعملوا له، فأطعمهم وسقاهم من شراب يقال له المزر، فقال: أله نشوة؟ قال: نعم. قال: فلا تشربوه. قال أبو عبيدة: ألقاه سرعة الإجابة وحسن المعاونة، يعني أن بعضهم يعاون بعضًا، وأصله الطاعة. وقيل المعنى: إنا أهل طاعة لمن يتملك علينا، وهي عادتنا لا نرى خلافها، فإذا أمرنا بأمر أو نهانا عن أمر أطعناه، فإذا كان قاه أحدنا، أي ذوقاه أحدنا دعانا إلى معونته. وقال الدينوري: إذا تناوب أهل الجوخان، فاجتمعوا مرة عند هذا ومرة عند هذا وتعاونوا على

стр. 4381

الدياس، فإنه أهل اليمن يسمون ذلك القاه، ونوبة كل رجل قاهة، وذلك كالطاعة له عليهم"١. وجاء في الحديث: "أهل اليمن هم أرق قلوبًا، أي ألين، وأقبل للموعظة، والمراد ضد القسوة والشدة"٢. ومن هنا صار الأعرابي جلفًا صعبًا خشنًا، يكره كل شيء لا يجده عنده، لا يخضع لسلطان، ولا يستسلم لقيادة أحد إلا لقيادة قبيلته المتمثلة في سيدها إلى غير ذلك من صفات وسمات تحدثت عنها في الجزء الأول من هذا الكتاب، وفي مواضع أخرى من الأجزاء الباقية. والماء في أغلب أجزاء جزيرة العرب مقنن قدر بقدر، ليس فيه فيض، ولا زائد يحمله إلى الجري إلى مسافات بعيدة وبكميات كبيرة عن منبعه، ثم هو بين عيون وحسى وآبار محفورة، ومدى موارد هذه المياه مقدر محدود، وهي لا تفيض فيض مياه الأنهار. فلم يتسع زرعها، ولم تتحمل نشوء مجتمعات كبرى عندها، وإنما ساعدت على ظهور مستوطنات، لم تكن حضرية تمامًا ولا بدوية تمامًا، بل كانت منزلة بين المنزلتين، ودرجة وسطى بين الحضارة والبداوة، تمكنت من إعالة نفسها، بما توفر فيها من مواد أولية، وبما زرعته من نخيل وحب وخضر، ومن بيع ما زاد عن حاجتها إلى من حولها وإلى من كان يقصدها من الأعراب. وأوجدت فيها حرفًا، ولكنها لم تكن حرفًا متطورة ذات انتاج واسع، لضآلة الموارد، ولصغر المجتمع، ولعدم وجود رؤوس الأموال الكبيرة لتشغيلها في استغلال ما قد يكون فيها من موارد طبيعية كامنة أو ظاهرة. وفي تغرير الناس للعمل في استثمارها وفي استثمار الأرض استثمارًا واسعًا، ينتج غلة وافرة، وفي مجتمعات صغيرة، ذات موارد محدودة، لا يمكن أن تظهر فيها رؤوس أموال كبيرة، وكيف تبرز رؤوس الأموال في مستوطنات فقيرة، مواردها محدودة، وخيراتها مقننة، وهي في محيط فقير، تتناولها الرياح من كل وجهة، وأعين الأعراب الجياع الفقراء لها بالمرصاد. وقد انتشرت هذه المستوطنات وتناثرت وتبعثرت في أرضين واسعة غلب على طبعها اليباس والجفاف، كيست بطبقات متفاوتة السمك من الرمال، فحالت بينها

стр. 4382

وبين تكوين المجتمعات الكبيرة، وبين ظهور حكومات كبيرة قوية في جزيرة العرب. وجعلت من العرب شعوبًا وقبائل، متناثرة متشاحنة، ذات لهجات، تشعر كل قبيلة منها، أنها أمة قائمة بذاتها، ولها كيان خاص، ونسب وجد، ولاء أبناؤها للقبيلة، ولرمزها: سيد القبيلة ولرؤسائها المتزعمين لفروعها ولأغصانها، أو للمكان الذي أقامت فيه. ومجتمع مثل هذا، حضره في مستوطنات متباعدة صغيرة، وبدوه متباعدون متنافرون متشاحنون، لا أمان فيه للأفراد وللتجار وللمسافرين إلا بعقود وبعهود، لا يمكن أن يظهر فيه اقتصاد متين متطور، ذو انتاج متطور متقدم، يفيض على حاجة أهله، فيصدره إلى الخارج، فتخلف اقتصاده، ولم ينتج إلا المواد الأولية البسيطة المتورفرة لديه، مثل التمور والحبوب والخمور والجلود، وهي سلع استهلكت في الداخل، ولم يصدر منها إلى الخارج إلى القليل مثل الجلود، ثم هو أخر الزراعة وعاق أهل المال من البحث عن الماء لخوفهم من تعرضهم لغارات الأعراب الفقراء، وخطر الأعراب على الزرع لا يقل عن خطر الجراد عليه. لذلك لم يقبل المتمكن المتمول استنباط الماء ومن الزرع عليه، إلا إذا وجد نفسه في مكان مأمون وفي موضع محمي له فيه أهل وعشيرة وجوار. أما السلع المعدنية، فهي من حاصل مواطن الحضر، وهي من حديد، في الغالب، صنعت من حديد استخراج من معادن جزيرة العرب، ومن حديد استورد من الخارج، ومن سلع حديد استوردت من الخارج، إذا استهلكت أعيد سبكها، ثم استعملت من جديد. وأغلبها صناعة سيوف وخناجر، ومساحي ومناجل وما شابه ذلك من مواد ضرورية للحياة في جزيرة العرب. ولم نسمع بتصدير شيء منها إلى الخارج؛ لأنها لم تكن بانتاج واسع ولا باتقان لتنافس السلع المماثلة لها في الخارج، بل نجد أن أهل جزيرة العرب كانوا يستوردون أمثالها من الخارج أيضًا، لرخص ثمنها بالنسبة إلى المنتوج المحلي، ولتفوقها على المنتوج العربي في نقاوة المعدن وفي الصنعة والاتقان. والمعادن في جزيرة العرب، محدودة وبقدر وبشح في الغالب، وقد تحدثت في الجزء الأول من هذا الكتاب عن وجود ذهب وفضة وخامات حديد ونحاس في مواضع من جزيرة العرب. وسأتحدث عنها أيضًا في أثناء حديثي عن الصناعة عند الجاهليين. وهي في العربية الغريبة وفي العربية الجنوبية في الغالب. وقد

стр. 4383

عرفت المواضع التي استخرج المعدن منها بـ"المعدن" و"معدن"١. والمعدن مكان كل شيء يكون فيه أصله ومبدؤه٢. ولكن استخراج المعدن من منجمه وخامه، يحتاج إلى مال وعلم وأيد عاملة فنية، لها مران وخبرة في الاستخراج وفي التنقية، ليمكن استخراجه بكميات وافرة، وبسعر اقتصادي مناسب، منافس للأسعار العالية في الأسواق الأخرى. وهذه الشروط لم تكن متوفرة عند أهل الجاهلية، لذلك لم نسمع بتصديرها من المعادن، إلا الذهب، حيث قدمه السبئيون للآشوريين وللعبرانيين، رشوة وجزية كما تقول الموارد. أما المعادن الأخرى، فلم نسمع في كتب المتقدمين على الإسلام من الأعاجم، ولا في كتابات الجاهليين ولا في أخبار أهل الأخبار، أنها صدرت إلى الخارج. وأما الأخشاب الصلدة الثقيلة القوية مثل الساج، وهو خشب رزين قوي٣، ومثل الآبنوس، والصندل، وأمثالها، فغير موجودة في جزيرة العرب، وإنما كانت تستورد من الهند في الغالب لعمل السفن وللأغراض الأخرى؛ لأنها من أشجار تحتاج إلى أمطار وحرارة ورطوبة، وهي شروط غير متوفرة في أكثر أنحاء بلاد العرب. وفي بلاد العرب أشجار ذات خشب، نمت في الجبال بصورة خاصة، لذلك عرفت بـ"شجر الجبال"٤، سأتحدث عنها في أثناء بحثي عن الشجر، أمدت أهل العربية الغربية والجنوبية، بشيء من حاجتهم إلى الخشب، حيث استعملوه في البناء وفي الأثاث، لكن أخشابها لم تكن قوية صلدة مثل الأخشاب المذكورة، ثم إن الناس كانوا يقتطعون شجرها ولا يزرعون غيرها في مواضعها، فقلت، وقل الخشب نتيجة لذلك، حتى إن أهل الأخبار ليذكرون أن أهل مكة لما أرادوا تسقيف الكعبة، لم يجدوا خشبًا يصلح للتسقيف، فلما سمعوا بخبر تحطم سفينة رومية عند "الشعيبة"، ذهبوا إلى هناك، وجاءوا بالخشب اللازم للتسقيف من ذلك الميناء، وخشب السراة، وخشب المواضع المرتفعة الأخرى، خشب لا يضاهي خشب الهند أو أفريقية في الصلابة وفي المتانة والصلادة، لذلك لم يستعمل في بناء السفن ولم يساعد في تطوير وسائل النقل في البحار.

стр. 4384

أما الأنحاء الأخرى من جزيرة العرب، فلم يكن شجرها من النوع المنتج للخشب الصلد المتين الصالح لصناعة السفن أو لأعمال البناء ولصنع أثاث البيت وغيره، وإذا وجد شجر ذو خشب أنبتته الطبيعة، أو كان من زرع الإنسان، فإنه لم يكن كثيرًا ولا كافيًا لسد حاجات الناس. ثم أن شجر الطبيعة -ما نبت منه في الجبال، وما أنبت منه في السهول والمنخفضات- مشاع بين أهل المنطقة، يقطعه من يريد، لا يجبر قاطعه على زرع غيره في محله، لذلك قضي عليه هذا القطع والإهمال، وصار الخشب اللازم للنجارة وفي الأعمال الأخرى قليلًا في جزيرة العرب، مع أنه من الوسائل المهمة الداخلة في تنمية الاقتصاد وفي الترفيه عن الناس، وفي رفع مستواهم الحضاري. ولم تعرف بلاد العرب بتصدير الخضر والأثمار والحبوب. فلم نعثر في الأخبار على خبر يفيد تصدير شيء منها إلى العراق أو بلاد الشأم، أو أي بلد آخر خارج حدود جزيرة العرب. بل نجد أنها كانت تستورد الحبوب والدقيق والزيوت من بلاد الشأم، وذلك؛ لأن موارد الماء فيها لم تمكنها من زرع زراعة كثيفة واسعة، فصارت زراعتها زراعة محلية في الغالب، عمادها الاستهلاك المحلي، أو التصدير إلى الأرضين المجاورة للمزارع في داخل الجزيرة وفي المواسم الجيدة وعند ظهور فيض في الحاصل، فصارت اليمامة ريفًا لأهل مكة تمونهم بالحبوب، وكانت سوقًا للأعراب، تمدهم بالتمور. وكانت الطائف، مزرعة تمد أهل مكة بالأثمار والزبيب. والجمل في طليعة حيوان جزيرة العرب من حيث الفائدة والشهرة، هو رمز البداوة وعنوان الصحاري، والحيوان الوحيد الذي رضي بمصادقة الأعرابي وبتمضية حياته معه، قاطعًا للفيافي والبراري معرضًا نفسه للجوع وللعطش، ولتحمل الحياة الشاقة الخشنة في البادية، مع الأعراب الغلاظ الجفاة، الذين استصعب إخوانهم أهل الحضر للعيش معهم، وهو لولاه لما تمكن الأعراب من اختراق البوادي ومن التنقل بها، ولما طابت لهم الحياة فخيامهم من وبره، وشربهم وكسر حدة جوعهم من لبن نياقه، ثم هو طعامهم عند الحاجة، ورأس مالهم، إذا احتاجوا إلى مال. تليه الخيل والضأن والمعز والحمير وغيرها، وهي كلها دونه بكثير في تحمل العطش والجوع ومشقات الحياة، ثم هي لا تستطيع تحمل غلظ الأعراب وصعوبة حباتهم؛ لأنها أكثر رقة من الجمل، لذلك اجتنبت البوادي،

стр. 4385

وعاسشت على المراعي الخضراء وعند مشارف الحضارة، وشاركت الحضر في بيوتهم، فهي من أموال العرب في الغالب، أي الحضر والرعاة الملازمين للمراعي المتصلة بمشارف الحضارة. ودولة الحيوان في جزيرة العرب دولة صغيرة، إذا قيست بما يجب أن تكون عليه بالنسبة إلى المساحة السطحية. وسبب صغرها أن المراعي الغنية بالعلف اللازمة لتربية الحيوان ولإكثار نسله، لم تكن متوفرة عند أهل الجاهلية، وأن أصحاب الماشية كانوا عالة على الطبيعة، لعسر أحوالهم وعدم تمكنهم من الأنفاق على الماشية وتهيئة العلف الصحي اللازم لنمو الحيوان ولإكثار نسله، ثم إن الأحوال الاقتصادية لم تكن حسنة وعلى ما يرام، بل كانت منخفضة، وهذا ما حد من الاستهلاك المحلي، وحد من عدد الذين كانوا يمتهنون حرفة تربية المواشي، إلى أسباب أخرى لا مجال للبحث عنها في هذا المكان. والعدد العام لسكان جزيرة العرب، في الجاهلية وحتى الآن هو قليل بالنسبة إلى ما يجب أن يكون عليه إذا قسنا العدد بعدد الأميال المربعة التي تكون المساحة السطحية لبلاد العرب. وسبب ذلك أن المسكون المعمور منها، قليل بالنسبة إلى المهجور القفر، والبوادي فيها أوسع وأكثر من الأرضين الصالحة للزرع وللرعي وللسكن وإن الموارد المعاشية التي تعيش الإنسان وحيوانه، لا تكفي في معظم أنحاء جزيرة العرب لاعاشة المجتمعات الكثيفة المكتظة، والمستوطنات الضخمة. فالحسي أو العيون أو الآبار أو البرك، أو ما أشبهها من موارد ماء، لا يمكن أن تستضيف مجتمعًا كبيرًا مع توابعه من المواشي، وهي لا تتمكن أيضًا من توفير الماء اللازم لزرع كثيف، ولتهيئة كلأ تعلفه المواشي، لذلك صار حجم مستوطناتهم يتناسب مع حجم الماء المتوفر فيها، وانتاجها انتاج محدود، هو حاصل زراعي في الغالب، يختلف قلة وكثرة باختلاف حجم المساحات المزروعة، أي سعة الماء الموجود في المستوطنة. وفي هذه المستوطنات وفي الأرياف والقرى، نجد الملكية الفردية، بصورة متباينة ملكية دور ثابتة، وملكية مزارع وآبار، فالذي يحضر بئرًا وينفق من ماله على حفرها تكون البئر بئره، في إمكانه بيع الماء منها للمحتاج إليه، وفي إمكانه الزرع عليها، فيكون الزرع زرعه بالطبع، وله بيع حاصله من ثمر أو خضر، أو

стр. 4386

حب. والذي أقام على مقربة من الحضر، ولا سيما من حضر العراق وبلاد الشأم استطاع الاتجار مع تلك البلاد، ببيع ما عنده من ماشية وجلود وبشراء ما كان يحتاج إليه من مواد ضرورية، أو من مواد يتاجر بها مع المستوطنات ومع الأعراب. فتولد رأس المال في هذه المستوطنات، ولا سيما في الكبيرة منها، ذات الماء الغزير، وجاء الرأس المال بالبعيد، لتشغيلهم في الزرع. أما البوادي وديار الأعراب، فالأرض فيها للقبيلة، ما خلا الإحماء. وأما الماء والكلأ فللجميع، لا يمنع أحد من أبنائها من وروده، وحق الرعي فيها للجميع. لصاحب الإبل حق رعي إبله في أي موضع شاء من حيه، وله أن ينقل بيته في "ديرته"، ليجد لإبله الكلأ اللازم لها، وأن يذهب إلى البرك ومواضع الماء، لأخذ ما يحتاج إليه من الماء، الذي يكون في الغالب على ساعات أو أيام من بيته. وإذا جف الكلأ واختفى خير الأرض، اضطر للانتقال إلى مواضع أخرى، ليجد فيها ما يعلف إبله. وفي هذا المجتمع الأعرابي، ملكية فردية، هي ملكية الخيام وما فيها من أشياء بسيطة وملكية إبل، وبعدد ما يملكه الإنسان من جمال ونوق، تقدر ملكية الأفراد. وفيه شيوع: شيوع في الماء والكلأ والنار، الماء للجميع، ما لم يكن محميًّا ولا مملوكًا، والنار للجميع، أي حق الاحتطاب، فلكل حق قطع الشجر وما يراه من زرع نابت غير محمي ولا مملوك. ومجتمع على هذا النوع من البساطة في الحياة، يكون اقتصاده بالطبع بسيطًا، الجمل والناقة فيه، المال ورأس المال. وكل شيء يقاس فيه على عدد من الناحية الاقتصادية، ما يملكه الإنسان من أباعر ونوق. فهو اقتصاد إبل، الإبل فيه في محل الدراهم والدنانير أو الفضة والذهب، وهو عالم استهلاكه قليل وتصديره قليل كذلك قليل كذلك، ليس فيه استهلاك سلع متطورة، وليس فيه انتاج متطور، كل انتاجه الإبل ومشتقاتها وكفى. وقد حالت البراري بين العرب وبين تكوين المجتمعات الكبيرة، وعرقلت الاتصال بين المستوطنات التي بعثرتها ونشرتها هنا وهناك، وبعثرت الأعراب في البوادي على شكل قبائل وعشائر، تغزو بعضها بعضًا طمعًا في رزق هي في حاجة إليه، وتعقد أحلافًا فيما بينها للدفاع عن نفسها، ثم هي توجه كل أنظارها نحو

стр. 4387

المستوطنات ومواضع الحضر، لتجد فيها غفلة أو موضع ضعف تدخل منه إلى ديارهم لتأخذ منها كل ما يمكن أخذه، وكل شيء يقع في أيديهم هو ثمين بالنسبة لهم؛ لأنهم لا يمكلون شيئًا، والذي لا يملك شيئًا ويجهل قيم الأشياء بحسب كل شيء يقع في يديه ثمينًا له قيمة، وهكذا صارت البوادي والأعرابية من عوامل القلق وعدم الاستقرار في جزيرة العرب، ومن عوامل التحاسد والتباغض والتناحر فيما بين سكانها لأتفه الأسباب، حتى صارت من الأمراض المستعصية عند العرب، التي لا تزال باقية حية. وفي ظروف من هذا النوع، لا يمكن أن يظهر فيه اقتصاد متطور وانتاج كبير، وأن يرتفع مستوى حياة الناس، فتأخر اقتصاد سكان جزيرة العرب، وغلب على سواد الناس. وهبط بينهم مستوى المعيشة، حتى اضطر إلى وأد بناتهم خشية إملاق، أو بيع أولادهم من جوع وفقر. وقد وجدت هذه الروح الأعرابية بين الحضر كذلك، تجسمت في العصبية للحي وللقرية، وفي تناحر الزعماء على الزعامة والملوك على الملكية، حتى في اليمن التي تمثل النموذج الحسن للإنسان الحضري الطيع الهادئ، تجد الملوك يحاربون بعضهم بعضًا، والزعماء يثورون على ملوكهم لأخذ عروشهم، مما حمل الحبش والفرس والروم على التدخل في شئوونها، فدمرت المدن والقرى والمستوطنات، وأحرق الزرع، وتباهى الملوك والثوار بعدد ما أحرقوه من مدن وقرى وزرع، ومحيط تسوده الفتن والقلاقل والحروب لا بد وأن يتأثر اقتصاده بها، وأن يتأخر زرعه وعمله، وكيف يعمل الإنسان ويجازف بماله، وهو غير مطمئن على حياته ولا واثق من يومه ولا مما سيأتيه به الغد من مصائب وأحزان! لقد حالت البوادي بين العرب وبين ظهور اقتصاد متقدم متطور عندهم، يقوم على تحويل المواد الأولية، أي المواد الخام إلى مواد أفيد منها وأهم، وإلى انتاج كبير راق، يجلب لهم دخلًا طيبًا يرفع من مستواهم. فساءت أحوالهم وغلب الفقر عليهم، وصار معاشهم ضيقًا، وحياتهم الاقتصادية متأخرة، أغلب منتجاتهم بسيطة، ليس فيها تطوير ولا تنويع، ولا تصنيع، وليس في أسواقهم مشترون جيوبهم منتفخة بالعملة، ليجازف التاجر بجلب سلع متنوعة إليها، فصارت سلعهم قليلة، اقتصر على السلع الضرورية، جدًّا للبيت، وعلى الناتج الطبيعي المستحصل من الزرع أو من الحيوان ومن الحاصل المحلي في الغالب.

стр. 4388

وقد أوجد عدم التناسق والتناسب والاتزان بين نسب توزيع الخصب إلى الجدب تباينًا كبيرًا في كيفية توزيع الناس، فجعل السكان ثلاث طبقات: أهل مدر، وهم حضر مستقرون، وهم أرقى أهل جزيرة العرب. وأهل وبر، وهم أعراب يقطنون البوادي. وطبقة ثالثة، كانت بين بين، ووسط بين الحضر وبين البدو، عاشت على اتصال ومقربة من الحضر، لم تبتعد عنهم، ولم تفارق الماء والحضارة، بل لازمتها، ولم تمعن في البادية إلا في أيام الربيع عند نزول الغيث واخضرار الأرض، فتبتعد عندئذ بماشيتها إلى البادية لتنعم هناك بنعمة الربيع، وهي جماعة الرعاة. والرعاة قوم بين الحضر وبين الأعراب. كانوا متنقلة في الأصل، فلما قاربوا الماء والحضر، تأثروا بالظروف الجديدة، فاستقروا بعض الاستقرار، وأضاقوا إلى رعاية الإبل، رعاية البقر والغنم والخيل. وكان هؤلاء مادة الحضر في الغالب، والجرثومة التي كونت المجتمع الحضري. واقتصاد الأعراب اقتصاد واحد، وأن تنوع أصحابه قلوا أو كثروا، قبائل كانوا أم عشائر أم أفخاذ؛ لأن جذوره وأسسه واحدة، هي البادية وتربية الإبل، وليس في البادية غير كلأ وعشب وشجيرات أو أشجار، تعلف أوراقها وأغصانها الإبل، ويحتطبها البدو لبيع حطبها من أهل الحضر إن كانوا على مقربة منهم، أو لاستعماله وقودًا لهم، أو فحمًا يبيعونه للحضر، وليس فيها غير "وبر"، وشيء من الملح، يحلمونه إلى أهل الحواضر لبيعه منهم. وأما مشترياتهم، فبسيطة، تمور ودقيق وأبسط أنواع الثياب وما يحتاج البيت إليه من مواد. واقتصاد من هذا النوع، لا يساعد على ظهور رأس مال كبير، وعلى حدوث تطوير في الصناعة، لذلك تخلف اقتصاد الأعراب عن اقتصاد المستوطنات والقرى بدرجات ودرجات. أما اقتصاد أهل الحضر، فإنه اقتصاد متطور بالقياس إلى اقتصاد الأعراب: اقتصاد البداوة، أو اقتصاد بدوي إن شئت تسميته بذلك. اقتصاد الحضر متفاوت في الدرجات، أبسطه اقتصاد المستوطنات الصغيرة المنتشرة في بواطن جزيرة العرب وأعلاه اقتصاد المدن الواقعة في أطراف الجزيرة وعلى سواحل البحر وفي أرضين خصبه غنية بالماء والمزارع وقد برز بعض أهل تلك المستوطنات في التجارة، وبرز بعض آخر بالزراعة، وجمع بعض آخر بين الزراعة والحرف اليدوية القائمة على أساس تحويل المنتجات الزراعية إلى منتجات أخرى، أو تحويل الجلود إلى

стр. 4389

أدم، أو تحويل المواد الأولية المتيسرة إلى مواد ذات ضرورة للمجتمع، وهي إما استهلاكية، توجر بها في الأسواق الداخلية، وإما انتاجية، صنعت للاستهلاك المحلي وللتصدير. ومن أبرز المستوطنات التي ظهرت في باطن جزيرة العرب، مستوطنات اليمامة، والمستوطنات التي ظهرت على الأودية ومواضع الماء، وقد عاشت على الزراعة وتربية الماشية، ومونت الأعراب بالتمور، ومونت الحجاز بالحبوب. ومنها ما كانت ملتقى طرق برية، ربطت العربية الجنوبية بالعراق، ومنها ما ربط بين العربية الشرقية وبلاد الِشأم، وأنا آسف، لأن أقول إن معارفنا عن المستوطنات قليلة، لعدم وصول شيء في النصوص الجاهلية عنها، ولعدم تطرق أهل الأخبار إليها، إلا عندما يكون لذكرها صلة بالأيام أو بالشعر أو بالحوادث البارزة جدًّا التي وقعت قبيل الإسلام، أو التي كان لها اتصال بظهور الإسلام. وأما المستوطنات التي برزت وظهرت في أطراف الجزيرة، فهي عديدة، أشهرها وأعرفها وأعرضها ذكرًا مكة والمدينة. مكة في التجارة، والمدينة في الزراعة. ولا يعني ذلك، أن المدينتين المذكورتين كانتا أعظم المستوطنات المذكورة، وأبرزهما في التجارة والزراعة عند ظهور الإسلام، وأن البقية الباقية، لم تكن لاحقة بهما في الناحيتين. فقول مثل هذا لا يمكن أن يجزم به مؤرخ حصيف، وانما جاءتهما هذه الشهرة بفضل الإسلام، فقد ظهر الإسلام في المدينتين المذكورتين، ونزل القرآن الكريم فيهما، وأِشير فيه إلى أمور عديدة وقعت بهما، وعاش الرسول فيهما، فمن هنا صار اهتمام العلماء وأهل الأخبار بهما أكثر من سائر مواضع جزيرة العرب، ولا سيما المواضع البعيدة النائية عن المدينتين، والتي لم يكن لها اتصال متين بظهور الإسلام، ومن هنا كثرت أخبارهما، حتى ظن الناس أن مكة قبل الإسلام، كانت أرض التجارة والتجار، وقبلة جميع العرب، ومجمع أصنام كل العرب، وموضع تكدس الأموال، وبلد الربا والمرابين، وهو استنتاج أخذ من الروايات التي قصها أهل الأخبار عنها دون نقد ولا تحليل، ولكننا لو استعرضنا ما ذكره أهل الأخبار أنفسهم عن هجر وعن البحرين وبقية العربية الشرقية، فإنه يرينا على قلته، أن مدن وقرى هذا الجزء من جزيرة العرب، لم تكن أقل درجة في المال والتجارة والانتاج من مكة أو المدينة، إن لم تكن قد تفوقت عليهما بالفعل، بدليل ما جاء في أخبارهم عن مقدار الزكاة والصدقات التي أرسلها عمال

стр. 4390

الرسول والخلفاء إلى المدينة، فإنها تدل على وجود تجارة وأعمال في هذه الأرضين ربما كانت قد فاقت أرباح وأعمال أهل مكة، لكننا لا نعرف عنها شيئًا، بسبب عدم اهتمام المؤرخين والأخباريين بأخبارها في الجاهلية، لعدم وجود صلة لها بتأريخ الإسلام، أو بسبب عدم وقوفهم على أخبارها، فلم يتطرقوا لذلك إلى شيء من أحوالها بصورة مفصلة، فظهرت وكأنها قد تأخرت عن مكة من النواحي الاقتصادية بكثير، وصارت مكة، بذلك، الموطن المتفوق الأول في المال وفي الزعامة وفي كل شيء في جزيرة العرب. لقد أثر الجو إذن على اقتصاد جزيرة العرب، كما أثر عليهم في كل شيء، حتى صيرهم على النحو المعروف، لهم خصائصهم وصفاتهم المميزة لهم عن غيرهم، ولو كان للعرب جو مثل أجواء أوروبية، لكان شأنهم ولا شك في التأريخ شأن آخر. على كل، فقد كتب عليهم أن يعيشوا في الجو المذكور، وكان من نصيبهم في هذه الحياة حرارة وجفاف، وحرارة ورطوبة، وأرضون غلب عليها اليبس والجفاف، فصارت موارد رزقهم شحيحة في الجاهلية، وتخلفوا عن غيرهم في الانتاج وفي الإبداع، وغلب على سوادهم الفقر، والفقر كافر لا يرحم، ولولا "النفط" اليوم، الذي جاء على عرب القرن العشرين بالمال، لما تضخمت جيوب الأسياد، وبنيت القصور الشاهقة الضخمة بالملايين من الجنيهات، وأملي أن يكون هذا المال سببًا في استغلال العرب أنفسهم لمواردهم الظاهرة والباطنة، وأن يكون سببًا من أسباب التعمير، لا الإنفاق والتبذير، وأن يحول الطاقات المهملة إلى طاقات منتجة، قبل أن يأتي يوم تنضب فيه آبار النفط، أو أن يموت النفط فيه أو يهمل، بسبب العثور على موارد تكون أحسن نوعية وأقل كلفة منه. لقد جعل هذا الجو العرب -كما سبق أن ذكرت- قبائل وشعوبًا متنابذة متخاصمة، متحالفة متعاقدة متآخية، متطرفة في كل شيء، متطرفة في حبها وفي إخلاصها، متطرفة في الوقت نفسه في بغضها وفي حقدها، تميل إلى المادة إلى درجة العبادة، ثم تنطرف في أمور عاطفية بعيدة عن المادة والماديات بعدًا كبيرًا، تمجد العقل والتعقل، وتقيم وزنًا كبيرًا للحكمة ولضرب الأمثال، حتى ليخيل إليك أن كل أفعال الناس وأعمالهم إنما تصدر منهم عن عقل وحكمة، لكنك سرعان ما تصطدم بوجود واقع آخر، هو واقع تغلب العواطف على العقل، وانصياعهم إلى الانفعال وسرعة التأثر وفقدان الوزن بين الأمور بميزان العقل،

стр. 4391

وتركهم أنفسهم فريسة لهذه العواطف، تعبث بهم في حياتهم، ولا تزال تعبث بهم الآن، تراهم كرماء، يقدمون أعز شيء عندهم لضيوفهم، بإسراف وتبذير، ثم تراهم بخلاء يحرصون على أتفه الأشياء أحيانًا حرصًا يدفعك على الاستغراب من وجود هذا التضاد في الأخلاق، أو ما نسميه بازدواج الشخصية في اصطلاح المحدثين على نحو ما تحدثت عن ذلك في الأجزاء المتقدمة من هذا الكتاب. لقد أثرت الطبيعة إذن في تكييف اقتصاد الجاهليين وفي تعيين موارده، وفي توجيههم توجيهًا تجاريًّا في المواضع التي قل فيها الزرع، مثل مستوطنات الأطراف حيث نجد أهلها يميلون إلى التجارة، ويرون فيها مهنة من أشرف المهن، وتوجيهًا زراعيًّا في المواضع التي توفرت فيها شروط الزراعة، وتوجيهًا رعويًّا في المواضع الأخرى، لا سيما بين الأعراب. فلندخل الآن في استعراض هذا التوجيه وفي دراسة الموارد الطبيعية لجزيرة العرب، وفي دراسة كيفية تعامل أهل الجاهلية في الأسواق، بعد أن قدمنا مقدمتنا القصيرة عن أثر الطبيعة في الاقتصاد.

стр. 4392

الفصل التاسع والثمانون: الزرع والمزروعات مدخل ... الفصل التاسع والثمانون: الزرع والمزروعات والزراعة هي عماد ثروة اليمن وبقية العربية الجنوبية، والمواضع التي تتوفر فيها المياه في جزيرة العرب، وهي رأس مالها الأكبر في حياتها، والمورد الأول الذي يتعيش عليه الناس وقد انحصرت في المواضع الخصبة، أي في المواضع التي جادت عليها الطبيعة بالأمطار أو بالينابيع والجعافر والعيون وبالماء الجوفية القريبة من سطح الأرض وبالحسي وما أشبه ذلك. وحيث أن أغلب أرض بلاد العرب هي أرض صحراوية موات، لهذا فإن الزراعة فيها معدومة، ويمكن في المستقبل إحياء قسم منها، وذلك باستخدام الوسائل الحديثة التي استنبطها العقل والتي سيستنبطها في استخراج الماء وفي إصلاح التربة، وسيتحول شكل جزيرة العرب عندئذ عما هو عليه الآن كثيرًا ولا شك، وقد حولت في هذه الأيام مناطق موات، إلى أرض عمار، تسقى بالمياه المنبعثة من الآبار "الارتوازية" ومن السدود التي حبست مياه السيول، وصارت تنتج في مواضع عديدة من جزيرة العرب غلة زراعية وافرة بفضل استعمال الفن الحديث في استنباط الماء وفي كيفية الاستفادة من التربة وفي إدخال أساليب الزراعة الحديثة إلى هذه الأماكن. وقد يأتي يوم، تتحول فيه معظم أرض جزيرة العرب الفارغة المهملة التي يخشى الإنسان من ولوجها إلى أرض خصبة منتجة، إذا ما زرعت زراعة حديثة، تناسب جو بلاد العرب وتركيب تربتها، واستنبطت المياه الكافية من جوفها للزراعة وللشرب ونحن وإن كنا لا نملك مراجع جاهلية مكتوبة واسعة تتحدث عن الزراعة في

стр. 4393

جزيرة العرب قبل الإسلام وعن أنواعها وتفاصيلها وأساليبها وطرقها وضرائبها وعن كيفية استغلال الأرض وطرق الاستفادة منها وواجب الفلاح تجاه صاحب الأرض، وعن الحاصلات السنوية ومقدار ما تأخذه الحكومة من المزارعين من ضرائب، وأمثال ذلك من أمور متصلة بالزراعة، لكنا قد تمكنا من تكوين رأي فيها من مراجعتنا للكتابات الكثيرة التي وصلت إلينا، وفيها أمور متعددة لها علاقة بهذه الموضوعات، كما أن آثار الأقنية والسدود الجاهلية المنتشرة في مختلف نواحي اليمن، هي في حد ذاتها شاهدة على مقدار توسع اليمانيين في الزراعة في ذلك العهد، ونجد مثل هذه الآثار الجاهلية في مواضع أخرى من جزيرة العرب، وهي دليل واضح على أنها كانت مزروعة معمورة، لا مغمورة مهملة كما هو شأنها في الوقت الحاضر. أما بخصوص الزراعة واستغلال الأرضين وإيجارها وجباية الضرائب عنها والعقود التي كان يعقدها الملوك مع كبار الاقطاعيين وتنظيم المياه وأمثال ذلك، فقد وصلت إلينا كتابات وأوامر عامة فيها، كان يصدرها الملوك و"الكبراء"، يعلنونها على الناس، ليطلعوا عليها، وليعملوا يموجبها، تكتب على الحجارة، وتوضع في محلات عامة، أو في خزانات المسؤولين بموجبها، وذوي الشأن، ليرجع إليها حين الحاجة. وهنالك كتابات كتبها رؤساء عشائر وأصحاب أملاك، عن حدود أملاكهم، أو عن تأجيرها لغيرهم، أو عن إنشاء سدود لضبط المياه وتوزيعها، أو عن حفر آبار، وأمثال ذلك، وهي كلها على صفتها الشخصية ذات قيمة بالقياس إلى هذا، لما ورد فيها من أفكار ومصطلحات فنية، تمكننا من تكوين رأي في الزراعة والنظم الاقتصادية في العربية الجنوبية في ذلك العهد. وإذا كنا قد حصلنا على فكرة ما عن الزراعة في اليمن، وفي بعض أقسام العربية الجنوبية استنادًا إلى الألفاظ والمصطلحات الزراعية في الكتابات الجاهلية وإلى الوثائق الخاصة بالأرض وبالضرائب وبالتأجير وبعقود البيع والشراء، وإلى بعض الصور المنقوشة على هذه الكتابات، فإننا لم نعثر، ويا للأسف، على كتابات جاهلية تتحدث عن هذه الأمور في الحجارة وفي أواسط جزيرة العرب وفي الأقسام الشرقية منها، وآراؤها عنها مستمدة في الدرجة الأولى من المراجع الإسلامية ومن مشاهدات السياح لمناطق الآثار ووصفهم آثار الزراعة في المناطق التي مروا بها، ومن تقارير الخبراء "الجيولوجيين" وغيرهم من موظفي شركات النفط العاملة في جزيرة العرب.

стр. 4394

وفي لغة المسند مصطلحات زراعية تعبر عن معان خاصة، وفيها مسميات لآلات وأدوات استخدمت في الزراعة, ولا بد أن تكون لهجات أهل العربية الجنوبية أوسع ألفاظًا في الزراعة من لهجات العرب الآخرين القاطنين في الأنحاء الأخرى من جزيرة العرب، بسبب تنوع الأجواء في العربية الجنوبية، وما أعقب ذلك من تنوع الزرع وطرق الزراعة فيها، أضف إلى ذلك خصب التربة ووجود الماء فيها، وجودًا لا يماثله أي مكان آخر في جزيرة العرب، فظهرت فيها ألفاظ زراعة ومصطلحات زراعية لم تعرفها عربيات بقية جزيرة العرب، اضطرت اللهجات الأخرى إلى أخذها منها، لعدم وجودها عندها، ونجد في معجمات اللغة وفي كتب النبات والأدب ألفاظًا زراعية، نص العلماء على أنها من لغات أهل اليمن. وقد حفظت الأيام بعض الحجارة المكتوبة بالمسند، وعليها صور، أفادتنا في تكوين فكرة عن ملامح المزارع قبل الإسلام، وفي تبيين طراز معيشته، وشكل بعض ملابسه، وما شابه ذلك، وبين هذه الحجارة المصورة المكتوبة، حجر حفرت عليه صورة حراث حافي القدمين وقد ارتدى ثوبًا بلغ ركبتيه وشد وسطه بحزام وأمسك بيده اليسرى الحبل أو النطاق المتصل بالمحراث، وباليمين آلة على هيئة فأس من خشب، ربما استعملها في ضرب ثوري المحراث، أو استعملها في حفر الأرض أيضًا وفي تفتيت التراب المحفور. وقد ربط الثوران بالمحراث، وأخذا يحرثان الأرض، والفلاح يوجههما. ورسمت تحت الصورة صورة ثلاثة رجال، يظهر من ملامحهم ومن شكل ملابسهم أنهم كانوا من أصحاب الأرض. ولأهل اليمن سبق على غيرهم من أهل جزيرة العرب في الزراعة، وهم حتى الآن على ما كانوا عليه من ميل إليها، ويشتغل عدد منهم اليوم في المملكة العربية السعودية أجراء لغيرهم في زراعة الأرض، أو مشاركون لأصحاب الأرض في الحاصل، أما الأعراب، فكانوا يزدرون شأنها، وينقصون من قدر المزارع "الخضار". ونجد هذه النظرة الازدرائية إلى المزارع عند أهل الحضر أيضًا، حتى أن بعض الصحابة كرهوا تعاطي العمل في الأرض، حتى بعد الفتح، تارركين ذلك إلى أهل الذمة. روي عن "أبي أمامة الباهلي" أنه قال، إذ رأى سكة وشيئًا من آلة الحرث، فقال: سمعت النبي يقول: لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الذل. قالوا في تفسيره: "لما يلزمهم من حقوق الأرض التي يزرعونها، ويطالبهم بها الولاة، بل ويأخذون منهم الآن فوق ما عليهم بالضرب والحبس،

стр. 4395

سبل ويجعلونهم كالعبيد أو أسوأ من العبيد، فإن مات أحد منهم، أخذوا ولده عوضه بالغضب والظلم، وربما أخذوا الكثير من ميراثه ويحرمون ورثته، بل ربما أخذوا من ببلد الزارع فجعلوه زراعًا، وربما أخذوا ماله"١. وهو تفسير فيه شيء من التكلف، يفصح عن كراهية القوم للزراعة أكثر من المعنى المذكور، وأما الحديث نفسه، من حيث الصحة أو الضعف، فللعلماء كلام فيه، وفي كتب الحديث أحاديث أخرى تحث على الزراعة والزرع. وورد في الحديث أن الرسول كان يحدث جمعًا من الصحابة عن الجنة، وعن رجل زرع في الجنة فاستوى نباته، وعنده رجل من أهل البادية، فلما انتهى الرسول من كلامه، قال الأعرابي: "والله لا تجده إلا قرشيًّا أو أنصاريًّا، فإنهم أصحاب زرع. وأما نحن، فلسنا بأصحاب زرع"٢. وكراهة الزرع، كراهية نشأت من عدم توفر الماء والأرض لأكثر الناس، فصاروا يكرهونها، أما الذين ملكوهما فلم يزدروها ولم يغضوا من شأنها، والأعرابي لا يملك شيئًا، فصار يكره كل شيء لا يملكه ولا يقدر عليه، من زراعة ومن حرف ومن قيود اجتماعية ومن تنظيم، ومن كل ما يخالف مألوفه من عرف وتقاليد. ولذلك صارت الزراعة من عمل أهل المدر، وعمل كل من وجد لديه الماء الوافر، ليأخذ منه ما يلزمه للزرع، وسادت القبائل، الذين توفر الماء عندهم، أو كان لديهم المال لتشغيله في البحث عن الماء، زرعوا مثل أهل الحضر، وشغلوا العبيد وأتباعهم في الزراعة، لما وجدوا فيها من مكسب وربح، وكان للكثير منهم زرع وحوائط. ونظرًا لتغير الحال عند العرب في الإسلام، وظهور الدعوة فيه إلى الأمة والجماعة، فقد حث الرسول المسلمين على الزرع، وظهر من روى عن الرسول أنه قال الزراعة أفضل المكاسب، وذلك لما فيها من عموم الانتفاع، حتى أن منهم من فضلها على التجارة للتوسعة على الناس، ولما للقوت الذي يأتي منها من صلة بحياة الناس٣. ومع ذلك، فقد بقي العرف الجاهلي مسيطرًا على عقلية السادة

стр. 4396

الكبار، من افتخارهم بحيازة الأرض، ومن ازدرائهم من الاشتغال بأنفسهم بها، فكانوا يستخدمون العبيد والأجراء وكراء الأرض في استغلالها، فهؤلاء وأمثالهم خلقوا للعمل في الأرض، أما هم فقد خلقوا ليكونوا سادة، عملهم امتلاك الأرض، وقد ظهر من هؤلاء جبل امتلك أرضين واسعة في البلاد المفتوحة شغل فيها أهل الذمة، والنبط وسكان الأرضين المفتوحة، ومئات وآلافًا من الرقيق والعبيد، كان عليهم العمل، ولسيدهم الكسب الوفير والمغنم. وقد يزرع أهل الحضر في جوف القرية من النخيل والأشجار، أو داخل ما طاف به سور المدينة، ويقال لذلك "الضامنة"؛ لأن أربابها قد ضمنوا عمارتها وحفظها، فهي ذات ضمان، محروسة آمنة، وتحت رعاية وعيون أصحابها، وقد يزرعون خارج قريتهم، وخارج العمارة في البر، أي في الضاحية، ويقولون لذلك "الضاحية"، وفي كتاب النبي لأكيدر: إن لنا الضاحية من البعل، وإن لكم الضامنة من النخل١. وقد كان زرع أهل الطائف وأهل يثرب وقرى اليمامة واليمن وغيرها بين ضاحية وضامنة. والضاحية أوسع وأكثر بالطبع، لاتساع العين ووفرة الماء. ولم يكن من الممكن بالنسبة لأيام الجاهلية، زرع مساحات واسعة بالحبوب أو الخضر والنخيل وبقية الشجر، لصغر حجوم المياه، وقلة المطر، وعدم كفايته لإرواء الزرع منذ بذر بذوره حتى حصاده، وللظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت مهيمنة على مجتمع ذلك العهد، من عدم وجود حكومات قوية كبيرة ترعى الأمن وتحمي حقوق المزارع وزرعه من العبث به، ثم تشجيعه وتقديم المعونة له، لذلك كان من الصعب ظهور مزارع كبيرة تنتج غلات عظيمة تعرض للاستهلاك المحلي وللتصدير. ولم يكن في وسع أحد إنشاء مثل هذه المزارع إلا إذا كان متمكنًا ذا مال ونفوذ، وصاحب عشيرة قوية، تحمي حقه ممن يريد الاعتداء عليه. وزرع، بمعنى طرح البذر. وقيل الزرع نبات كل شيء يحرث. ويقال زرعت الشجر كما يقال زرعت البر والشعير. والزريعة الشيء المزروع، والزرعة البذر٢. فالزراعة إذن، هي التي تكون بفعل إنسان، يطرح بذرًا أو يغرس

стр. 4397

غرسًا، أو ينبت نبتًا، وأزرع الزرع طال. وموضع المزروع المزرعة. وقد غلب على المكان الذي يزرع برًّا وشعيرًا١. ويكون "الغرس" بفعل إنسان، يقوم بغرس الغرس، وغرس الشجر يغرسه غرسًا، أثبته في الأرض، والغرس الشجر، والغراس وقت الغرس٢. فلا يكون الغرس ببذور، وإنما بغرس غرس، ينمو ويكبر، فيصير غرسًا، ولا تعبر لفظة "غرس" عن ظهور النبات بفعل الطبيعة، وإنما تعبر عن غرس "فسيل" ليصير شجرًا. من ذلك فسيل النخل، وقضبان الكروم والأوراد، وأمثال ذلك٣. ويعبر عن صغار الفسيل بـ"الودي". وفي حديث أبي هريرة، لم يشغلني عن النبي غرس الودي٤. و"التغاريز" ما حول من فسيل النخل٥. وغرسوا الشجر سككًا. والسكة السطر المصطف من الشجر والنخيل. وقد كانت بساتين يثرب سككًا مسطرة بسطور النخل. ومنه الحديث: خير المال: سكة مأبورة ومهرة مأمورة. المأبورة المصلحة الملقحة من النخل، والمأمورة الكثيرة النتاج والنسل٦. وغرسوا النخل أسطرًا على جانبي مسايل الماء والجداول والسواقي. والسطر، الصف من الشيء كالكتاب والشجر والنخل. يقال بني سطرًا من نخل، وغرس سطرًا من شجر، أي صفًّا٧. وغرسوا "الكرم" سككًا كذلك. وقد يتخذون له "عريشًا" يعترش العنب. و"العريش"، ما عرش للكرم من عيدان تجعل كهيأة السقف، فتجعل عليها قضبان الكرم فتعترشها٨. ويعبر بلفظة "نبت" عن كل ما نبت من نفسه، أي بدون فعل فاعل، وإنما بفعل الطبيعة في التربة، وذلك في الغالب المألوف. وذلك بتأثير المطر عليها، أو بتأثير السيول والطوفان والرطوبة والمياه الجارية, وأمثال ذلك، مما يكون سببًا

стр. 4398

لنبت النبات، يقال: نبتت الأرض وأنبتت"، و"نبت الكلأ"١. وترد لفظة "سقح" بمعنى زرع وغرس في لغة المسند٢. رقد فسرها بعض علماء العربيات الجنوبية بمعنى هيأ الماء وجمعه وأجرى السواقي والأرض وحفر القنوات ومهدها للزرع، وبعبارة مختصرة التمهيد لكي شيء ولكل عمل٣.

стр. 4399

التربة: وللتربة عند العرب أسماء، وذلك لأهميتهما بالنسبة إلى حياتهم. فنجد في كتب المعاجم ألفاظًا كثيرة لها، من حيث لونها ومن حيث خصبها ومن حيث نوعها ومن حيث وجود الماء فيها إلى غير ذلك. وهم يقولون للأرض الطيبة السهلة التي لا يعلوها السيل "الأبهر"، وقيل الأبهر ما بين الأجيل١. ويقولون: "السخاخ" للأرض اللينة الحرة٢. ويقولون أرض حلاوة، تنبت ذكور البقل٣. و"الخصب" نقيض الجدب، وأرض خصبة منبتة، قابلة للزرع، و"العثعث" ما لان من الأرض ومن مكارم المنابت: وقيل الكثيب من السهل أنبت أو لم ينبت٤. و"الجادسة"، الأرض لم تعمر ولم تعمل ولم تحرث، ورد في الحديث: من كانت له أرض جادسة، قد عرفت له في الجاهلية حتى أسلم، فهي لربها. أي الأرض التي لم تزرع قط٥. والسبخة، أرض ذات نزو وملح. والسباخ الأرض التي تعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر٩.

стр. 4400

والبلوقة، المفازة، وهي الأرض المستوية اللينة، أو التي لا تنبت إلا "الرخامي" على رأي آخر، والثيران تولع به وتحفر أصوله فتأكل عروقه. وهي من الأرضين التي ليس بها شجر ولا تنبت شيئًا البتة على بعض الآراء. وقد يكون قفرها هذا، وعدم إنباتها سبب قول الأعراب أنها مساكن الجن. ويظهر من أقوال بعض علماء اللغة أن البلوقة أرض واسعة مخصبة، أي على عكس ما ذكره بعض آخر، من أنها الأرض التي لا تنبت شيئًا١. ويعبر عن الأرضين الزراعية بلفظة "أرض" "أرض" في جميع اللهجات العربية الجنوبية. وهي من أصل يرد بهذا المعنى في جميع اللهجات السامية، وهي تشير في الغالب إلى الأرضين المعدة لزراعة الخضر والحبوب، وقد. يراد بها الأرضين المزروعة بالخضر والحبوب. ولذلك فلفظه "أرض"، قد تعني أرضًا صالحة للزرع، غير أنها غير مزروعة، وقد تعني أرضًا مزروعة، ويرادف هذا المعنى معنى لفظة "المزرعة". والقراح: الأرض لا ماء بها ولا شجر، وقيل الأرض المخلصة للزرع والغرس، وقيل: القراح المزرعة التي ليس عليها بناء ولا فيها شجر٢. و"الجربة"٣، المزرعة، ومنه سميت الجربة المزرعة المعروفة بوادي زبيد. والجربة: القراح من الأرض المصلحة لزرع أو غرس، واستعارها "امرؤ القيس" للنخل، فقال: كجربة نخل أو كجربة يثرب٤ والركيب: المزرعة والقراح الذي يزرع فيه، والمشارة، أو الجدول بين الدبرتين، أو ما بين الحائطين من النخل والكرم، وقيل ما بين النهرين من الكرم. قال تأبط شرًّا. فيومًا على أهل المواشي وتارة لأهل ركيب ذي ثميل وسنبل وأهل الركيب، هم الحضار٥.

стр. 4401

فالركيب إذن أرض زراعة، تكون محددة، معينة المعالم، يمتلكها مالك أو ملاك، تزرع أشجارًا مثمرة في الغالب، لا حبوبًا. والحقل، قراح طيب يزرع فيه، وقيل هو الموضع الجادس أي البكر الذي لم يزرع فيه قط. يقال أحقلت الأرض، صارت ذات حقل. والمحاقل المزارع١. والمبقلة: الأرض التي يزرع البقل فيها. وأما المبطخة، وتجمع على مباطخ، فالأرض التي يزرع فيها البطيخ. والمرج: الأرض الواسعة ذات كلأ وماء. تمرج فيها الدواب حيث شاءت٢. والسبخة أرض ذات نز وملح، وهي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض النبات، ولهذا لا يزرعها الفلاح، وتترك لعدم صلاحها للزرع، ولصعوبة استصلاحها بغسلها من الأملاح٣. وفي جزيرة العرب سباخ رخوة قد تغوص فيها الأقدام، لذلك ابتعد عنها المسافرون. ويعبر في المسند عن الأرض المزروعة نخيلًا بلفظة "انخل"، أي "نخيل". ويراد بذلك الأرض المغروسة نخلًا. ويعبر عن الأرض المزروعة أشجارًا بلفظة "أثمر"، أي أشجارًا مثمرة، وعن الأرض المخصصة بزراعة الحبوب بكلمة "مذرا" "مذري"٤. وعن الأرض التي تزرع أعنابًا بـ"أعنب"، أي بساتين الكروم. وفسر بعض الباحثين في العربيات الجنوبية لفظة "موفرن" "موفر"، الواردة في نصوص المسند، بمعنى الأرض الصالحة للزراعة بصورة عامة، كما فسرها بعضهم بمعنى المزرعة والحديقة٥. وهي في مقابل لفظة "الوفراء" في عربيتنا، والوفراء الأرض التي لم ينقص من نبتها شيء، والأرض التي في نباتها فرة، أي كثرة. يقال أرض وفراء، وهذه أرض نباتها فر، وفرة٦.

стр. 4402

وقد حول بعض أصحاب الأرض والمزارعين الأرضين الزراعية إلى بساتين وحدائق، غرست بالنخيل والشجر الملتف درت عليهم أرباحًا حسنة، من بيع ثمارها. واكتسبت بعضها شهرة، بسبب وقوع أحداث فيها، مثل: "الحديقة" من أعراض المدينة، كانت بها رقعة بين الأوس والخزرج١، ومثل "حديقة الرحمان"، بستان كان لمسيلمة بفناء اليمامة، فلما قتل عندها سميت: "حديقة الموت"٢. والحديقة، الروضة ذات الشجر، والبستان عليه الحائط، وخص بعضهم من النخل والشجرالملتف، وخص بعضهم الشجر بالمثمر، وقال بعضهم بل هي الجنة من نخل وعنب، والقطعة من النخل٣، و"المخرف" مثل "الخروفة" النخلة أو النخيل دون البستان٤. و"المخرفة" سكة النخل والبستان من النخل٥. وقد وردت الجنة مفردة ومجموعة ومنكرة ومعرفة في القرآن الكريم، وتقابل "كن" "Gan" و"كنه" "Gannah" = "Gehenne" في العبرانية، وهي في معنى "فردوس" الفارسية الأصل، و Paradise"" في الإنكليزية٦. ويراد بها موضع للأشجار الجميلة التي تسر الناظرين والأشجار المثمرة والورد والزهر والمياه. والحديقة ذات النخيل والشجر، أو ذات النخل والعنب، وهي البستان عند بعض اللغويين٧. وأما "الجنينة"، فتصغير جنة. و"البستان" من الألفاظ المعربة. ذكر علماء اللغة أنها "معرب بوستان. فبو بمعنى الرائحة، وستان -بالكسر- الجاذب" بالفارسية٨ و"الروضة" و"الريضة"، مستنقع الماء من قاع فيه جراثيم ورواب سهلة صغار في سرار الأرض. وقيل الأرض ذات الخضرة، وقيل البستان الحسن، وقيل الروضة عشب وماء، ولا تكون روضة إلا بماء معها أو إلى جنبها، وقيل أرض ذات مياه وأشجار وأزهار

стр. 4403

طيبة. وإن كانت الرياض في أعالي البراق والقفاف. فهي السلقان، واحدها سلق، وإن كانت في الوطاآت فهي رياض. ورب روضة فيها حرجات من السدر البري، وربما كانت الروضة ميلًا في ميل، فإذا عرضت جدًّا فهي قيعان. ورياض "الصمان" والحزن بالبادية أماكن مطمئنة مستوية يستريض فيها ماء السماء، فأنبتت ضروبًا من العشب ولا يسرع إليها الهيج والذبول١. ويقال للبستان إذا كان محاطًا بجدار "الحائط"، وتجمع على حوائط، وقد وردت هذه اللفظة في كتب الحديث٢. وهناك لفظة أخرى تؤدي هذا المعنى هي "الحظار". ويراد بها الأرض التي فيها الزرع المحاط عليها. وقد ذكرت في كتب الحديث٣. وذكر علماء اللغة أن من معاني "الحظار"، الحائط وكل ما حال بينك وبين شيء، وما يعمل للإبل من شجر ليقيها البرد والريح، والجدار من الشجر يوضع بعضه على بعض ليكون ذري للمال يرد عنه برد الشمال في الشتاء٤. ويعبر في المسند عن الحقول والبساتين وكل المزارع التي تكون داخل حدود القرى و"الهكر" "الهجر" أي المدن، أو في ضواحيها وأطرافها، بلفظة "اقنى"، التي تعني الممتلكات، أي المزارع المملوكة المغروسة بالشجر. أما لفظة "أرض" فتطلق بمعنى المزارع والأرضين المزروعة خارج حدود القرى والمدن، وتزرع عادة بالمزروعات الواطئة، أي: "الخضر"٥. وتحدد الأرضين بحدود تعين معالمها وتثبتها. ويقال للحدود "وثن" أي حد، ويجمع على "اوثين". وهناك لفظة أخرى تطلق على الحد هي "زنن". وتعني الخط الفاصل الذي يعين الحدود٦. وتجمع اللفظة على "ازنن". والدبر مشارات المزرعة، أي مجاري مائها. وقيل: الدبار الكردة من

стр. 4404

المزرعة، والدبار: الأنهار الصغار التي تنفجر في أرض الزرع١. و"الكردة"، الدبرة من المزارع، وهي المشارات أي سواقيها. وهي من الألفاظ المعربة عن الفارسية٢. و"المشارة"٣، الكردة، وهي من الألفاظ المعربة٤. ويعرف حافظ الكرم والنخل والزرع بـ"الناطر" و"الناطور". ذكر علماء اللغة أن اللفظة من كلام أهل السواد، ليست بعربية محضة، ومنهم من جعلها من الألفاظ الأعجمية٥. و"النطار" الخيال المنصوب بين الزرع٦. وقد استغل أهل اليمن الجبال والمناطق المرتفعة. فزرعوها بمختلف المزروعات التي تلائم طبيعتها، ففي المحلات التي يكون الجو فيها باردًا في الشتاء ولطيفًا في الربيع والصيف غرست الأشجار تلائم ذلك، وزرعت في المناطق الوسط المعتدلة النباتات التي تحب هذا الجو. أما في التهائم والمناطق المنخفضة الحارة، فقد زرعت النباتات التي تحب هذا الجو، وبذلك تنوعت المزروعات، وتكاثرت ألوانها، وصار في الإمكان الحصول في موسم الشتاء على المزروعات التي تزرع في الصيف ببعض البلاد الباردة، والحصول في موسم الصيف على المزروعات التي تزرع في الشتاء. ولتحقيق غرس الجبال والمناطق المرتفعة، لا بد من تمهيدها للزرع، وذلك يجعلها مدرجات عريضة، تسند جوانبها الظاهرة بالصخور والحجارة منعًا من انهيار تربتها والمزروع فيها، ويقال لهذه المدرجات في المسند "جروب" "جرب" جمع "جربت" "جربة". وتحمي الجربة بحائط من الحجارة، وهي تعني الحجارة المقطوعة، على سبيل المجاز المرسل من باب تسمية الكل باسم الجزء علاقة٧. وأهل اليمن لا يزالون يتبعون هذه الطريقة، وفي كثير من المناطق الجبلية والهضاب المهملة الآن آثار تلك المدرجات. تتحدث عن زرع يانع في الأيام

стр. 4405

القديمة، وهي تناجي أهل البلاد لعلهم ينتبهون إليها فيعيدون إليها الحياة، وقد كانت زراعة الكروم ولا تزال من أهم المزروعات التي تعتمد على هذه الطريقة. وهي تتحمل جوًّا باردًا بعض البرودة ومعتدلًا، ولهذا تجود بالثمر الكثير الطيب في هذه المدرجات. وقد أشار "بطلميوس"، إلى اتخاذ أهل النجود والجبال في بلاد العرب المدرجات لزرعها وتشجيرها. وأطلق على الجبال المكونة للقسم الجنوبي من "السراة" اسم "Climax Mons" ومعناه الجبال المدرجة، فترى وكأنها ذات سلالم. وهذه الطريقة شائعة في اليمن حتى اليوم، ولا سيما في جبل حضور نبي شعيب وفي الأقسام الغربية من السراة. فجبال "القليمس" "Climax Mons" التي يشير إليها "بطلميوس"، إذن هي القسم الجنوبي من السراة الممتد في اليمن وعسير١. وزرع أهل "السراة" على هذه الطريقة أيضًا، وكذلك أهل الجبال والمرتفعات، ففي استطاعة المزارع في المواضع المرتفعة الاستفادة من ماء المطر وبالتحكم فيه، وبحصره في "الركيب" أي المشارة المزروعة، أعني المزرعة التي يزرع بها، والتي قد تكون ما بين ساقيتين أو الجدول بين الدبرتين، أو المزرعة بصورة عامة. كما جاء في قول تأبط شرًّا: فيومًا على أهل المواشي وتارة ... لأهل ركيب ذي ثميل وسنبل٢ لقد تبين من نتائج الفحص العام الذي قام به الباحثون لمواضع من العربية الجنوبية، أن الزراعة كانت متقدمة تقدمًا كبيرًا في اليمن بالنسبة إلى بقية أنحاء جزيرة العرب، وأن العربي الجنوبي حرص حرصًا شديدًا على الاستفادة من الأمطار في إرواء أرضه، كما تبين ذلك من آثار السدود التي تلاحظ في كل واد تقريبًا. وهي سدود أقيمت لا لكي تتحكم في سير "السيول" وفي ضبطها خشية إغراق المدن والقرى والزرع فقط، بل لكي يمكن خزنها في أحواض وتوجيهها الوجهة التي يريدونها في أوقات الحاجة إليها، وذلك بواسطة أبواب

стр. 4406

تفتح وتغلق حسب الحاجة، وقنوات ومجاري للماء توصل إلى مواضع الزرع والحاجة إلى الماء. وقد درس بعض الباحثين ومنهم "بوون" "R. Le Baron Bowen" حالة الإرواء والزراعة في العربية الجنوبية دراسة علمية قيمة وقدم لنا معلومات ثمينة عن هذا الموضوع، جعلتنا نأخذ فكرة عن أسلوب الزراعة والري عند العرب الجنوبيين منذ الألف الثانية قبل الميلاد إلى ما بعد الميلاد١. ودرس غيره من الباحثين بعض أساليب الزراعة واستغلال الأرض عند العرب الجنوبيين، ولا سيما القتبانيين وعند غيرهم أيضًا، وفي تقارير خبراء الزراعة والنفط والمعادن الذين سبروا أرض جزيرة العرب في مواضع مختلفة منها، بعض المعلومات المفيدة عن الزراعة وعن أمور الري عند الجاهليين. والأودية هي من أهم مناطق الزراعة في اليمن وفي العربية الجنوبية وفي بقية أنحاء جزيرة العرب، ففيها الخصب والنماء والماء، ويقال للوادي "سرن" "السر" و"سرم" "سر"، والجمع "أسرار"، في العربيات الجنوبية. "والسر" في قول علماء اللغة بطن الوادي وأطيبه، وأفضل موضع فيه، وأخصب الوادي، والذي كتم نداه ولم ييبس٢. ويقال له "تخل" في اللهجة الصفوية، وقد وردت في الكتابات الصفوية أسماء جملة أودية، زرعوا بها٣. ونجد أطراف الأودية وجروفها وقد ظهرت المستوطنات بها، كما ظهرت عند مصباتها، وذلك لاستفادتها من السيول التي قد تهطل فتملأ بطونها، وهي تشبه المستوطنات التي تظهر على شواطئ الأنهار، حيث تستفيد من المياه الجارية في النهر. وهي مستوطنات زراعية، جل زراعتها النخيل ثم الحبوب وبعض الأشجار المثمرة والحضر والبقول. وقد عثر على كتابات عديدة بالمسند وباللهجات العربية الأخرى، تتحدث عن حفر آبار وعن زرع وعن تملك لهذه الآبار، وأسماء تلك الأودية والمواضع التي

стр. 4407

حفرت بها تلك الآبار. وهي وثائق تملك، تبين حق صاحبها في تلك البئر. ونجد في كتاب صفة جزيرة العرب وصف مواضع كانت غنية بالأغيال والمآجل والعيون، وقد نبتت حولها الأشجار المثمرة والزروع، وأنواع الخضر والبقول والأزهار، مما يشير إلى ما للماء من أهمية في إحياء هذه الأرضين وفي استنباتها، فلولا الأمطار الموسمية التي غذت اليمن بالماء الذي أولد الحياة في الأرض، لكانت أهلها قفراء مثل أكثر أرجاء جزيرة العرب، ليس فيها نبت ولا زرع، يكره أهلها الزراعة ويستهجنونها، ويرون في الاشتغال بها خسة ودنية، وقد أقبل أهل هذه الأرضين التي توفرت بها مصادر الماء، على استغلالها استغلالاً طيبًا، يدل على أن العرب لو تهيأ له لهم الماء لما كرهوا الزراعة وازدروا شأن المزارعين. واليمامة من الأرضين الخصبة في جزيرة العرب، قال عنها أهل الأخبار: "وكانت أحسن بلاد الله أرضًا، وأكثرها خبرًا وشجرًا ونخيلاً من سائر الحجاز"١. وقد نعتت بـ"ريف مكة"، إذ كانت تمون مكة بالحبوب، ولولاها لما تمكنت مكة من العيش برخاء. فلما أسلم "ثمامة بن أثال بن النعمان" الحنفي سيد أهل اليمامة، أراد العمرة، فلما سمع به المشركون جاءوه، فقالوا: يا ثمامة صبوت وتركت دين آبائك! قال: لا أدري ما تقولون إلا أني أقسمت برب هذه البنية لا يصل إليكم من اليمامة شيء مما تنتفعون به حتى تتبعوا محمدًا من آخركم.. وكانت ميرة قريش ومنافعهم من اليمامة، ثم خرج فحبس عنهم ما كان يأتيهم منها من ميرتهم ومنافعهم، فلما أضر بهم كتبوا إلى رسول الله ﷺ ، إن عهدنا بك وأنت تأمر بصلة الرحم وتحض عليها، وإن ثمامة قد قطع عنا ميرتنا وأضر بنا، فإن رأيت أن تكتب إليه أن يخلي بيننا وبين ميرتنا فافعل. فكتب إليه رسول الله ﷺ ، إن خل بين قومي وبين ميرتهم"٢. وبذلك استراحوا وعادت أقواتهم إليهم. ويجب أن نحمل ما جاء في الشعر من "جوع قديم" لبني حنيفة، وهم من أهل اليمامة، محمل الأقوال التي يقولها الشعراء عند استهزائهم بخصومهم، أو عند

стр. 4408

حنقهم على قوم لم ينالوا منهم خيرًا، أو محمل العصبيات القبلية. ورد في الشعر قول أحد الشعراء: أكلت حنيفة ربها ... زمن التقحم والمجاعة لم يحذروا من ربها ... سوء العواقب واتباعه وروي بهذه الصورة: أكلت ربها حنيفة من جو ... عٍِ قديم بها ومن أعواز١ وقد ذكروا أن "بني حنيفة" كانوا قد اتخذوا إلهًا من حيس، فأصابتهم سنة، فعمدوا إليه فأكلوه فعيرهم الشاعر به. والحيس في تفسير علماء اللغة: تمر يخلط بالسمن وأقط فيعجن، أو هو التمر البرني والأقط يدقان ويعجنان بالسمن عجنًا شديدًا ثم يندر منه نواه، ثم يسوى كالثريد، وهي الوطبة، وربما جعل فيه سويق أو فتيت عوض الأقط٢. وذكر أن اسم اليمامة القديم هو "الجوف"، وأن الجوف المطمئن من الأرض وهو أوسع من الشعب تسيل فيه التلاع والأودية وله جرفة٣. فالجوف أرض خصبة ذات مياه قد تسيل وقد تكون قريبة من سطح الأرض. ولما كانت اليمامة على هذه الصفة، لا يستبعد أن تكون قد سميت بهذه التسمية. وباليمامة أودية خصبة، صارت من أهم مواضع الخصب فيها، لوجود الماء فيها على مقربة من سطح الأرض ولوجود العيون العذبة بها، من هذه الأودية: "العرض"، والعرض الوادي يكون فيه قرى ومياه، أو كل واد فيه نخل، وقال بعضهم: كل واد فيه شجر٤، ومن أعراض اليمامة، عرض شمام، وعرض حجر، فالأول يصب في "برك" وتلتقي سيولهما بـ"جو" في أًسفل "الخضرمة"، فإذا التقيا سميا "محقفًا"، وهو قاع يقطع الرمل. قال الأعشى:

стр. 4409

ألم تر أن العرض أصبح بطنه ... نخيلًا وزرعًا نابتًا وفصافصا وقال المتلمس وبه لقب: وذاك أوان العرض جن ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس١ وفي الشعر المتقدم على خصب "العرض"، وكثرة زرعه ونخله، وعلى اشتغال أهله بالزراعة. وفي اليمامة مرتفع يقال له "عارض اليمامة". والعارض الجبل وقد جاء ذكره في الحديث٢. وإلى ذلك أشار "عمرو بن كلثوم" بقوله: وأعرضت اليمامة واشمخرت ... كأسياف بأيدي مصلتينا٣ ومن أودية اليمامة "العقيق"، وهو واد واسع مما يلي "العرمة" تتدفق فيه شعاب العارض وفيه عيون عذبة الماء٤. وبه معدن. ومن مواضع اليمامة الخصيبة "قرّان"، موضع به ماء ونخيل، وهو لبني سحيم من بني حنيفة، ويذكر مع "ملهم"٥. و"ملهم" موضع كثير النخل، به ماء، ويوم "ملهم" حرب نسبت لهذا المكان بين تميم وحنيفة٦. وكانت في الحجاز، ولا سيما ما وقع منه شمال المدينة، عند ظهور الإسلام، مواضع كثيرة ذات عيون ومياه جارية، غرست بالنخيل، واشتغل أهلها بالزراعة. وقد كان وادي القرى كثير المياه بصورة خاصة، بالنسبة إلى باطن جزيرة العرب، وعلى مواضع المياه أقيمت مستوطنات وقرى عديدة، عاشت على النخيل والزرع وعلى القوافل التي تسلك هذا الوادي تحمل التجارات. وقد وردت أسماء مواضع عامرة آهلة بالسكان في غزوات النبي، تقع كلها في شمال "يثرب" إلى فلسطين، وبين مكة ويثرب بعض مواضع مياه، عاش سكانها على النخيل والقوافل والرعي

стр. 4410

وبعض الزرع. وكذلك وجدت بعض مواضع مياه "مكة" والعربية الجنوبية، ومن الأماكن الخصبة "وادي الغرس"، قرب "فدك" بينها وبين "معدن النقرة"، وكانت فيه منازل بين النضير١. ومن المواضع التي استغلت في الزراعة الجرف، وهو موضع قرب المدينة على ثلاثة أميال منها، بها كانت أموال "عمر". ومنه حديث "أبي بكر" أنه مر يستعرض الناس بالجرف فجعل ينسب القبائل حتى مر ببني فزارة٢. وكان "عبد الرحمن بن عوف" يزرع به على عشرين ناضحًا، فكان يدخل منه قوت أهله سنة٣. أي أنه كان يسقي زرعه نضحًا. والناضح البعير أو الحمار أو الثور الذي يستقي عليه الماء، والنضيح من الحياض ما قرب من البئر حتى يكون الإفراغ فيه من الدلو، ويكون عظيمًا، وهي ناضحة وسانية٤. وأرض يثرب وما تبعها من أطراف، هي من الأرضين الخصبة، وقد حفر أصحابها آبارًا بها، وسقوها منها، وغرسوا عليها النخيل وزرعوا بها. واتخذوا لهم بها "الحوائط" و"البساتين". ويظهر أن بعضها كانت واسعة تسقي بآبار غنية بالماء، لها جملة نواضح، وهي تظهر أن أهل المدينة كانوا مزارعين، وأن مزارعهم كانت تأتي عليهم بمال طيب، جعل بعضهم من الأثرياء، وقد استفيد من شراج الحرة في سقي المزارع، وكانت تستمد ماءها من الحرة، وقد كانت للزبير بن العوام مزرعة على هذه الشراج، كما كان لأنصاري مزرعة عليها كذلك، وقد ورد ذكرها في كتب الحديث بسبب اختلافهما على السقي٥. وتنافي هذه الأخبار المتحدثة عن اشتغال الأنصار بالزراعة، الأخبار الأخرى، التي يرويها أهل الأخبار أيضًا، الذاكرة أن الأنصار، أهل المدينة لم يكن لهم علم بالزراعة ولم يكونوا يقبلون عليها، إقبال يهود خيبر وفدك ووادي القرى على الفلاحة. ويظهر أن رواياتهم هذه إنما نشأت من الوضع السيء الذي كان فيما بين الأوس والخزرج ومن تقاتلهم بعضهم مع بعض، على الرئاسة والزعامة، وبسبب العصبية القبلية الضيقة، فأثر كل ذلك على الزراعة في يثرب وفيما حولها

стр. 4411

فجعلها متأخرة لاعتداء كل جانب منهما على زرع خصمه، وقد ألهاهم عن الزرع. وبالمدينة وأطرافها مواضع عرف الواحد منها بـ"البقيع". والبقيع الموضع فيه أروم الشجر من ضروب شتى، والمكان المتسع ولا يسمى بقيعًا إلا وفيه الشجر، ومنه "بقيع الغرقد"، وقد ورد في الحديث، وهو مقبرة مشهورة بالمدينة. سمي بالغرقد، بشجر له شوك فذهب وبقي الاسم لازمًا للموضع، وبقيع الخيل، وبقيع الخبجبة، وبقيع الزبير، وبقيع الخضمات، موضع عند خرم بني النبيت١. وبيثرب ثلاثة أودية مهمة هي: العقيق، وبطحان، وقناة٢. وفي وادي العقيق عيون ونخيل، وقد ذكر في الحديث٣. والأودية المذكورة من المواضع الخصبة المنبتة في هذه المنطقة، ومياهها قريبة من سطح الأرض، ومن الممكن العثور عليها بسهولة بحفر الآبار بها. ومن الأودية التي استفيد منها في الزراعة "وادي مهزور"، وقد ذكر في الحديث، ذكر أنه وادي بني قريظة، وأن الرسول قضى في سيله أن يحبس حتى يبلغ الماء كعبين. وذكر بعضهم أنه يذكر مع "مذينيب" يسيلان بماء المطر خاصة، وهو من أودية المدينة. ومن مهزور إلى مذينيب شعبة تصب فيها٤. وقد كان من الممكن استصلاح الأرض المحيطة بيثرب، بحفر الآبار بها، فالماء فيها غير بعيد عن سطح الأرض، وهو عذب أو مج لكنه يصلح للشرب ولسقي الزرع. ولما نعمت يثرب بالهدوء في عهد الرسول، أقبل بعض المهاجرين على الزراعة فيها، فحفروا الآبار وزرعوا عليها، وحوطوها، وجنوا منها ثمرًا طيبًا، ولولا الفتوحات الإسلامية التي اجتلبت إليها المهاجرين والأنصار على السواء للخيرات الكثيرة التي كانت في الأرضين المفتوحة، لتحولت يثرب إلى بساتين ومزارع منتجة، تمون الأماكن البعيدة عنها بالتمور وبالفواكه والخضر. وقد زرع أصحاب الأرض بيثرب أرضهم بقولًا وحبوبًا، ومنهم من زرع تحت النخيل، ورد أن مولى من موالي "عثمان بن مظعون" كانت في يده أرض

стр. 4412

لآل مظعون بالحرة، فكان يزرعها قثاءً وبقلًا١. ولما صارت أرض "بني النضير" خالصة لرسول الله، كان يزرع تحت النخل في أرضهم فيدخل من ذلك قوت أهله وأزواجه سنة، وما فضل جعله في الكراع والسلاح٢. وقد كان بنو النضير قد استغلوا أرضهم، وأقاموا بها "الحوائط"، ولما أسلم "مخيريق"، وهو أحدهم، جعل للرسول ما له وهو سبعة حوائط، فجعلها الرسول صدقة٢. وذكر في بعض الروايات أن "أحيحة بن الجلاح"، وكان من أصحاب الأملاك بيثرب، كانت له بساتين وأرضين يزرعها ويسقيها بالسواني فلا يعبأ بتأخر المطر وانقطاعه. ونسب بعض أهل الأخبار له هذه الأبيات: إذ جمادي منعت قطرها ... إن جناني عطن معصف معروف أسبل جباره ... أسود كالغابة مغدودف يزخر في أقطاره مغدق ... بحافتيه الشوع والغريف٤ ويظهر من وجود المصطلحات الآرامية والفارسية والنبطية في لغة زراع يثرب، أنهم استعانوا في الجاهلية بالرقيق المستورد من العراق ومن بلاد الشأم في زراعة الأرض وفي إنباتها، حتى أنهم أخذوا مسمياتهم منهم، مثل "الخربز" الذي هو البطيخ في لغة أهل مكة، كانوا يسمونه "الخربز"، و"الخربز" لفظة عربية معربة، من أصل فارسي، وقد وردت في الحديث٥. ونجد في مواضع من بقية جزيرة العرب مياهًا صارت مواطن لسكن، اختلفت كثافة سكانها باختلاف مقدار الماء. وهي رحمة وغوث بالنسبة للرحل ولأهل القوافل ولذلك صارت ملاذًا استليذ به في هذه البوادي البعيدة الأبعاد الجافة القاسية، وقد اضطرت القوافل إلى الاتجاه نحوها للوصول إلى أهدافها، لذلك صارت عقدًا، تجتمع في بعض منها جملة طرق برية، إذ كانت ذات مياه غزيرة وعلى مفترق طرق، تختصر الأبعاد والمسافات، وفي هذه الأماكن، ظهرت زراعة النخيل، وهي زراعة تقنع بالقليل من الماء، لامتصاصها الرطوبة من باطن الأرض وبعض.

стр. 4413

النباتات الأخرى، التي لا تحتاج على سقي كثير، وظهرت البيوت المعدة لاستقبال التجار والمسافرين وأصحاب القوافل. وفي العربية الشرقية مواضع قرب فيها الماء العذب من وجه الأرض، أو ظهر على وجهها وفار على شكل عيون، وفي هذه المواضع صار سكن وزرع تناسبت كثافته مع كثافة الماء ومدى وصوله، حيث توقف عند ذلك المكان الذي انتهى إليه. فالماء هو الذي يحدد الزرع ويعين نوعه، وهو الذي يقرر السكن ويثبت حده. ومن هذه المواضع التي وجد فيها سكن وزع "هجر"، وقد اشتهرت بنخيلها، فقصدها الأعراب لامتيار التمر منها، حتى ضرب بها المثل في كثرة التمر، فقيل: كمبضع تمر إلى هجر. ويظهر أن مياهها كانت راكدة متجمعة، فتسببت في ظهور الأوبئة فيها. قال "عمر" "عجبت لتاجر هجر، وراكب البحر، وإنما خصها لكثرة وبائها، أي تاجرها وراكب البحر سواء في الخطر"١. والأحساء من المواضع المشهورة بالزراعة في العربية الشرقية، وقد عرفت بزراعة النخيل وبعض الأشجار والخضر، وهي لا تزال على مكانتها، فلا تزال عيون مائها تمون الناس بماء شربهم وزرعهم. و"قطر" موضع قديم يعود عهده إلى ما قبل الميلاد، وقد أشير إليه في الكتب اليونانية واللاتينية، وأسس به المبشرون كنائس، وقد ساهم أساقفته في المجامع الكنسية التي انعقدت للنظر في أمور الجدل بين المذاهب النصرانية، كما اشتهرت بثياب جيدة نسبت إليها، أشير إليها في الحديث، كما أشرت إلى ذلك في موضع آخر من هذا الكتاب. و"كاظمة" اسم قديم معروف، يرد في الشعر الجاهلي وفي القصص، جو من سيف البحر من البصرة على مرحلتين. وفيه ركايا كثيرة وماؤها شروب. وقد أشير إلى قطاها في شعر لامرئ القيس٢. و"المرائض" في ديار "تميم" بين "كاظمة" و"النقيرة" فيها أحساء٣.

стр. 4414

الفصل التسعون: الزرع مدخل ... الفصل التسعون: الزرع ولابد من حرث الأرض وتنقيتها من الشوائب الضارة بالزرع، ومن تليينها، وذلك قبل الشروع بالبذر أو بالغرس. وقد كان بعضهم يحرق الأدغال والأعشاب وما يجده على الأرض المراد زرعها من زوائد وأوساخ، وذلك للتخلص منها، وللاستفادة منها في تقوية التربة وزيادة نمائها. ثم يقومون بحراثتها فيندمج رمادها في التربة ويصير جزءًا منها. وقد يقتلون أصول الزرع السابق وما يكون قد نبت على الأرض من نبات غريب مؤذ للزرع، قبل حراثة التربة. فإذا تم ذلك، ونظفت التربة، سقوها بالماء ليكون من السهل على الأكار حرث الأرض وتعزيقها، وربما لا يسقونها، بل يحرثونها مباشرة. وذلك بالنسبة للأرضين التي تسقى بماء السماء، حيث لا يتوفر الماء الجاري، أو ماء الآبار. ومتى تمت الحراثة وقلبت التربة، تهيأت للزرع ونظمت وفقًا لنوع الزرع الذي سيكون فيها، على هيأة ألواح طويلة دقيقة، أو مربعات تتخللها السواقي والقني، أو غير ذلك، ثم يشرع بعد ذلك في الزرع والغرس. ويقوم الزارع نفسه في العادة بحرث أرضه وإصلاحها وتمهيدها للزرع. وقد يقوم بالحراثة أشخاص مقابل أجر يدفع لهم. والحرث والحراثة العمل في الأرض زرعًا كان أو غرسًا. وقد يكون الحرث نفس الزرع. وذكر أن الحرث قذفك الحب في الأرض للازدراع، والحراث الزراع١. و"الكراب" في مرادف الحراث، والكرابة الحراثة. والكراب

стр. 4415

والكرب إثارتك الأرض. و"الفلاح" في معنى الحراث والأكار؛ لأنه يفلح الأرض، وحرفته الفلاحة. ورد: "أحسبك من فلاحة اليمن، وهم الأكرة؛ لأنهم يفلحون الأرض يشقونها". والفلاحة الحراثة، وهي حرفة الأكار١. و"الجوار" الأكار، وقيل: هو الذي يعمل لك في كرم أو بستان٢. و"الأكار" الحراث والزراع، والمؤاكرة المزارعة على نصيب معلوم مما يزرع في الأرض. وهي المخابرة. ويعد الأكار من الطبقات المحتقرة عند العرب. وفي حديث قتل أبي جهل، فلو غير أكار قتلني. أراد به احتقاره وانتقاصه، كيف مثله يقتل مثله٣، فهو رجل شريف غني ثري، فكيف يقتله من هو دونه في المنزلة والمكانة، فكان يتمنى وهو مقتول، لو كان قاتله مثله في المنزلة والمكانة. وقد اشتهرت اليمن بالفلاحة، ورد: "وأحسبك من فلاحة اليمن. وهم الأكرة؛ لأنهم يفلحون الأرض، يشقونها"٤. وقد بقيت شهرة أهل اليمن بالفلاحة إلى هذا اليوم، ومنهم قوم هاجروا إلى العربية السعودية للاشتغال بالفلاحة في أرضها. وأساليب الحراثة تكاد تكون واحدة عند جميع شعوب الشرق الأدنى. وبعض الأساليب بدائي جدًّا، يستعمل في حراثة الأرضين الصغيرة بصورة خاصة. فتستعمل الحجارة أو الأخشاب أو الفؤوس على اختلاف أنواعها، وبعضها متقدم نوعًا ما اعتمد على المسحاة وعلى آلات الحراثة التي تجرها الحيوانات، وتستعمل هذه الطريقة في حراثة المزارع الكبيرة، ومنها سكة الحراث حديدة الفدان التي يحرث بها الأرض. وينسب إلى الرسول قوله: ما دخلت السكة دار قوم إلا ذلوا. إشارة إلى ما يلقاه أصحاب المزارع من عسف السلطان وإيجابه عليهم بالمطالبات وما ينالهم من الذل عند تغير الأحوال بعده. وقد ذكرت السكة في ثلاثة أحاديث بثلاث معان مختلفة٥. وورد في بعضها ما يفيد العكس، أي مدح
следующие страницы →