← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

فجعلها متأخرة لاعتداء كل جانب منهما على زرع خصمه، وقد ألهاهم عن الزرع. وبالمدينة وأطرافها مواضع عرف الواحد منها بـ"البقيع". والبقيع الموضع فيه أروم الشجر من ضروب شتى، والمكان المتسع ولا يسمى بقيعًا إلا وفيه الشجر، ومنه "بقيع الغرقد"، وقد ورد في الحديث، وهو مقبرة مشهورة بالمدينة. سمي بالغرقد، بشجر له شوك فذهب وبقي الاسم لازمًا للموضع، وبقيع الخيل، وبقيع الخبجبة، وبقيع الزبير، وبقيع الخضمات، موضع عند خرم بني النبيت١. وبيثرب ثلاثة أودية مهمة هي: العقيق، وبطحان، وقناة٢. وفي وادي العقيق عيون ونخيل، وقد ذكر في الحديث٣. والأودية المذكورة من المواضع الخصبة المنبتة في هذه المنطقة، ومياهها قريبة من سطح الأرض، ومن الممكن العثور عليها بسهولة بحفر الآبار بها. ومن الأودية التي استفيد منها في الزراعة "وادي مهزور"، وقد ذكر في الحديث، ذكر أنه وادي بني قريظة، وأن الرسول قضى في سيله أن يحبس حتى يبلغ الماء كعبين. وذكر بعضهم أنه يذكر مع "مذينيب" يسيلان بماء المطر خاصة، وهو من أودية المدينة. ومن مهزور إلى مذينيب شعبة تصب فيها٤. وقد كان من الممكن استصلاح الأرض المحيطة بيثرب، بحفر الآبار بها، فالماء فيها غير بعيد عن سطح الأرض، وهو عذب أو مج لكنه يصلح للشرب ولسقي الزرع. ولما نعمت يثرب بالهدوء في عهد الرسول، أقبل بعض المهاجرين على الزراعة فيها، فحفروا الآبار وزرعوا عليها، وحوطوها، وجنوا منها ثمرًا طيبًا، ولولا الفتوحات الإسلامية التي اجتلبت إليها المهاجرين والأنصار على السواء للخيرات الكثيرة التي كانت في الأرضين المفتوحة، لتحولت يثرب إلى بساتين ومزارع منتجة، تمون الأماكن البعيدة عنها بالتمور وبالفواكه والخضر. وقد زرع أصحاب الأرض بيثرب أرضهم بقولًا وحبوبًا، ومنهم من زرع تحت النخيل، ورد أن مولى من موالي "عثمان بن مظعون" كانت في يده أرض

стр. 4412

لآل مظعون بالحرة، فكان يزرعها قثاءً وبقلًا١. ولما صارت أرض "بني النضير" خالصة لرسول الله، كان يزرع تحت النخل في أرضهم فيدخل من ذلك قوت أهله وأزواجه سنة، وما فضل جعله في الكراع والسلاح٢. وقد كان بنو النضير قد استغلوا أرضهم، وأقاموا بها "الحوائط"، ولما أسلم "مخيريق"، وهو أحدهم، جعل للرسول ما له وهو سبعة حوائط، فجعلها الرسول صدقة٢. وذكر في بعض الروايات أن "أحيحة بن الجلاح"، وكان من أصحاب الأملاك بيثرب، كانت له بساتين وأرضين يزرعها ويسقيها بالسواني فلا يعبأ بتأخر المطر وانقطاعه. ونسب بعض أهل الأخبار له هذه الأبيات: إذ جمادي منعت قطرها ... إن جناني عطن معصف معروف أسبل جباره ... أسود كالغابة مغدودف يزخر في أقطاره مغدق ... بحافتيه الشوع والغريف٤ ويظهر من وجود المصطلحات الآرامية والفارسية والنبطية في لغة زراع يثرب، أنهم استعانوا في الجاهلية بالرقيق المستورد من العراق ومن بلاد الشأم في زراعة الأرض وفي إنباتها، حتى أنهم أخذوا مسمياتهم منهم، مثل "الخربز" الذي هو البطيخ في لغة أهل مكة، كانوا يسمونه "الخربز"، و"الخربز" لفظة عربية معربة، من أصل فارسي، وقد وردت في الحديث٥. ونجد في مواضع من بقية جزيرة العرب مياهًا صارت مواطن لسكن، اختلفت كثافة سكانها باختلاف مقدار الماء. وهي رحمة وغوث بالنسبة للرحل ولأهل القوافل ولذلك صارت ملاذًا استليذ به في هذه البوادي البعيدة الأبعاد الجافة القاسية، وقد اضطرت القوافل إلى الاتجاه نحوها للوصول إلى أهدافها، لذلك صارت عقدًا، تجتمع في بعض منها جملة طرق برية، إذ كانت ذات مياه غزيرة وعلى مفترق طرق، تختصر الأبعاد والمسافات، وفي هذه الأماكن، ظهرت زراعة النخيل، وهي زراعة تقنع بالقليل من الماء، لامتصاصها الرطوبة من باطن الأرض وبعض.

стр. 4413

النباتات الأخرى، التي لا تحتاج على سقي كثير، وظهرت البيوت المعدة لاستقبال التجار والمسافرين وأصحاب القوافل. وفي العربية الشرقية مواضع قرب فيها الماء العذب من وجه الأرض، أو ظهر على وجهها وفار على شكل عيون، وفي هذه المواضع صار سكن وزرع تناسبت كثافته مع كثافة الماء ومدى وصوله، حيث توقف عند ذلك المكان الذي انتهى إليه. فالماء هو الذي يحدد الزرع ويعين نوعه، وهو الذي يقرر السكن ويثبت حده. ومن هذه المواضع التي وجد فيها سكن وزع "هجر"، وقد اشتهرت بنخيلها، فقصدها الأعراب لامتيار التمر منها، حتى ضرب بها المثل في كثرة التمر، فقيل: كمبضع تمر إلى هجر. ويظهر أن مياهها كانت راكدة متجمعة، فتسببت في ظهور الأوبئة فيها. قال "عمر" "عجبت لتاجر هجر، وراكب البحر، وإنما خصها لكثرة وبائها، أي تاجرها وراكب البحر سواء في الخطر"١. والأحساء من المواضع المشهورة بالزراعة في العربية الشرقية، وقد عرفت بزراعة النخيل وبعض الأشجار والخضر، وهي لا تزال على مكانتها، فلا تزال عيون مائها تمون الناس بماء شربهم وزرعهم. و"قطر" موضع قديم يعود عهده إلى ما قبل الميلاد، وقد أشير إليه في الكتب اليونانية واللاتينية، وأسس به المبشرون كنائس، وقد ساهم أساقفته في المجامع الكنسية التي انعقدت للنظر في أمور الجدل بين المذاهب النصرانية، كما اشتهرت بثياب جيدة نسبت إليها، أشير إليها في الحديث، كما أشرت إلى ذلك في موضع آخر من هذا الكتاب. و"كاظمة" اسم قديم معروف، يرد في الشعر الجاهلي وفي القصص، جو من سيف البحر من البصرة على مرحلتين. وفيه ركايا كثيرة وماؤها شروب. وقد أشير إلى قطاها في شعر لامرئ القيس٢. و"المرائض" في ديار "تميم" بين "كاظمة" و"النقيرة" فيها أحساء٣.

стр. 4414

الفصل التسعون: الزرع مدخل ... الفصل التسعون: الزرع ولابد من حرث الأرض وتنقيتها من الشوائب الضارة بالزرع، ومن تليينها، وذلك قبل الشروع بالبذر أو بالغرس. وقد كان بعضهم يحرق الأدغال والأعشاب وما يجده على الأرض المراد زرعها من زوائد وأوساخ، وذلك للتخلص منها، وللاستفادة منها في تقوية التربة وزيادة نمائها. ثم يقومون بحراثتها فيندمج رمادها في التربة ويصير جزءًا منها. وقد يقتلون أصول الزرع السابق وما يكون قد نبت على الأرض من نبات غريب مؤذ للزرع، قبل حراثة التربة. فإذا تم ذلك، ونظفت التربة، سقوها بالماء ليكون من السهل على الأكار حرث الأرض وتعزيقها، وربما لا يسقونها، بل يحرثونها مباشرة. وذلك بالنسبة للأرضين التي تسقى بماء السماء، حيث لا يتوفر الماء الجاري، أو ماء الآبار. ومتى تمت الحراثة وقلبت التربة، تهيأت للزرع ونظمت وفقًا لنوع الزرع الذي سيكون فيها، على هيأة ألواح طويلة دقيقة، أو مربعات تتخللها السواقي والقني، أو غير ذلك، ثم يشرع بعد ذلك في الزرع والغرس. ويقوم الزارع نفسه في العادة بحرث أرضه وإصلاحها وتمهيدها للزرع. وقد يقوم بالحراثة أشخاص مقابل أجر يدفع لهم. والحرث والحراثة العمل في الأرض زرعًا كان أو غرسًا. وقد يكون الحرث نفس الزرع. وذكر أن الحرث قذفك الحب في الأرض للازدراع، والحراث الزراع١. و"الكراب" في مرادف الحراث، والكرابة الحراثة. والكراب

стр. 4415

والكرب إثارتك الأرض. و"الفلاح" في معنى الحراث والأكار؛ لأنه يفلح الأرض، وحرفته الفلاحة. ورد: "أحسبك من فلاحة اليمن، وهم الأكرة؛ لأنهم يفلحون الأرض يشقونها". والفلاحة الحراثة، وهي حرفة الأكار١. و"الجوار" الأكار، وقيل: هو الذي يعمل لك في كرم أو بستان٢. و"الأكار" الحراث والزراع، والمؤاكرة المزارعة على نصيب معلوم مما يزرع في الأرض. وهي المخابرة. ويعد الأكار من الطبقات المحتقرة عند العرب. وفي حديث قتل أبي جهل، فلو غير أكار قتلني. أراد به احتقاره وانتقاصه، كيف مثله يقتل مثله٣، فهو رجل شريف غني ثري، فكيف يقتله من هو دونه في المنزلة والمكانة، فكان يتمنى وهو مقتول، لو كان قاتله مثله في المنزلة والمكانة. وقد اشتهرت اليمن بالفلاحة، ورد: "وأحسبك من فلاحة اليمن. وهم الأكرة؛ لأنهم يفلحون الأرض، يشقونها"٤. وقد بقيت شهرة أهل اليمن بالفلاحة إلى هذا اليوم، ومنهم قوم هاجروا إلى العربية السعودية للاشتغال بالفلاحة في أرضها. وأساليب الحراثة تكاد تكون واحدة عند جميع شعوب الشرق الأدنى. وبعض الأساليب بدائي جدًّا، يستعمل في حراثة الأرضين الصغيرة بصورة خاصة. فتستعمل الحجارة أو الأخشاب أو الفؤوس على اختلاف أنواعها، وبعضها متقدم نوعًا ما اعتمد على المسحاة وعلى آلات الحراثة التي تجرها الحيوانات، وتستعمل هذه الطريقة في حراثة المزارع الكبيرة، ومنها سكة الحراث حديدة الفدان التي يحرث بها الأرض. وينسب إلى الرسول قوله: ما دخلت السكة دار قوم إلا ذلوا. إشارة إلى ما يلقاه أصحاب المزارع من عسف السلطان وإيجابه عليهم بالمطالبات وما ينالهم من الذل عند تغير الأحوال بعده. وقد ذكرت السكة في ثلاثة أحاديث بثلاث معان مختلفة٥. وورد في بعضها ما يفيد العكس، أي مدح

стр. 4416

للزراعة والزراعة وحث عليها. وتشبه آلات حراثة الجاهليين الآلات التي يستعملها الفلاحون في بلاد العرب اليوم. وقد استعملوا "الفدان" في الفدن. و"الفدان" الثوران اللذان يفدن عليهما، ولا يقال للواحد فدان١. وذكر أن "الهيس" الفدان، أو أداته كلها بلهجة أهل اليمن، أو بلغة أهل عمان٢. ومن الآلات التي استعملت في حراثة التربة: المحفار، وهي المسحاة وغيرها مما يحفر به٣. والمخدة، حديدة تخد بها الأرض٤. والمعول، لتكسير الحجارة والحفر. والمسحاة، وهي من حديد، وصانعها سحاء، وحرفته السحاية٥، وهي لا تزال تستعمل في الحراثة وفي سد المياه وفتحها في السواقي لسقي المزارع والبساتين، ولقلع الأعشاب والأشجار. و"المر"، المسحاة أو مقبضها، وقيل هو الذي يعمل به في الطين٦. ومن المصطلحات المستعملة في الحراثة، العزق، وهو تشقيق الأرض بفأس، والأداة المعزق والمعزقة٧. والكور الحفر، ومنها كرت الأرض كورًا أي حفرتها٨. والجوار الأكار، والأكار الحفار٩. والتربيك في الحرث رفع الأعضاد بالمجنب١٠. والكرم من الأرض التي عدنوها بالمعدن حتى نقوا صخرها وحجارتها، فتركوا مزارعتها لا حجر فيها، وهي أفضل أرضهم. والأرض الكرم يحرث فيها البر، وهي سهلة لا تحتاج إلى العدن١١. والمعدن الصاقور. ويقال عدنت الأرض أي أصلحتها١٢. وأما قولهم نخنختُ الأرضَ فبمعنى شققتها

стр. 4417

للحرث. والنخة البقر العوامل١. ويقال رضت الأرض إذا أثرتها٢. وأما وطدت الأرض فبمعنى ردمتها لتصلب، والميطدة خشبة يوطد بها المكان من أساس بناء وغيره ليصلب٣. ويقال شحبت الأرض شحبًا وأشحبها. إذا قشرت وجهها بمسحاة وغيرها، وهي يمانية٤. ويقال لكل واحد من أخاديد الأرض تلم والجمع التلام. وهو مشق الكراب في الأرض بلغة أهل اليمن٥. والخرق بمعنى شق الأرض للحرث. وخضضت الأرض بمعنى قلبتها٦. والحيوانات المستخدمة في الحراثة هي الثيران والحمير والخير والجمال، وذلك بحسب كثرة هذه الحيوانات وقلتها، ويستعمل في الحرث حيوان واحد حينًا وحيوانات حينًا آخر. وقد وصلت إلينا بعض النصوص الجاهلية محفورًا فيها صور حيوانات تحرث، تجر المحراث ويسوقها الفلاح. ويكون الكراب على البقر، وهو الغالب، وفي المثل: "الكراب على البقر"٧. ويظهر من كتب الحديث أن اعتماد أهل الحجاز في الحراثة كان على البقر. وقد ورد في الحديث: "بينما رجل راكب على بقرة، التفتت إليه، فقالت: لم أخلق لهذا، خلقت للحراثة"٨. ويظهر أنهم كانوا يستعملون الكلاب في الحراثة كذلك. ففي الحديث: "كلب حرث". وقد ورد أيضًا "كلب غنم" و"كلب ماشية"، و"كلب صيد"، و"كلب زراعة"٩. ويشتغل الفلاح بعد حراثة الأرض بإصلاحها ونثر الحب فيها نثرًا متساويًا منتظمًا، ويستعمل لذلك بعض الآلات، مثل "المالق"١٠ و"المملقة".

стр. 4418

وهي خشبة عريضة، تجرها الثيران، وقد أثقلت لتستوي السنة واللؤمة فتتلما على الحب، وتملس التربة المثارة١. و"المجز"، وهي شبحة فيها أسنان وفي طرفها نقران يكون فيهما حبلان وفي أعلى الشجة نقران فيهما عود معطوف، وفي وسطها عود يقبض عليه ثم يوثق بالثورين فتغمز الأسنان في الأرض حتى تحمل ما قد أثير من التراب حتى يأتيا به المكان المنخفض٢. "والمجنب" وهي شبحة مثل المشط، إلا أنها ليست لها أسنان، وطرفها الأسفل مرهب يرفع بها التراب على الأعضاد والفلجان٣. ويعبر في عربية القرآن الكريم عن طرح البذر في الأرض بلفظة "زرع" ويقال أيضًا: زرعت الشجر كما يقال زرعت البر والشعير. والزرع الإنبات. ومن هذا الأصل لفظة الزرع والزراعة٤. وتثار الأرض وتقلب على الحب، لضمان طمر الحب في التربة، فلا يظهر على سطحها، فتلتقطه الطيور، ويتعرض للعوارض الجوية التي تفسده وتتلفه. ثم تسقي الأرض، ويقال للسقية الأولى العفر، ثم تسقى بعد ذلك بحسب الحاجة حتى ينمو الزرع وينضج ويجمع، فيقطع عندئذ السقي٥. والحبة٦، بزور البقول والرياحين، أو بزر العشب، أو جميع بزور النبات، وبزر كل ما نبت. والحبة أيضًا يابس البقل، تقول العرب: رعينا الحبة، وذلك في آخر الصيف، إذا هاجت الأرض ويبس البقل والعشب وتناثرت بزورها وورقها، فإذا رعتها النعم سمنت عليها. ويسمون الحبة بعد الاندثار: القميم والقف٧. والبزر كل حب يبذر للنبات. والبزور: الحبوب الصغار، مثل بزور البقول وما أشبهها٨.

стр. 4419

و"البذر"، ما عزل للزراعة من الحبوب. و"البذر" زرع الأرض١. وتزرع بعض الزروع على السواقي وأطراف مسايل الماء، وذلك بوضع "البذر" أو "البصل" في حفر، ثم يوضع فوقها قليل من التراب، لمن الطيور من التهامها، وللمحافظة عليها من أثر الجو فيها. وقد يزرع البزر، فإذا نبت، تقلع النبتة الواحدة، لتزرع في موضع آخر. وإذا أصاب الزرع الخصب والنماء، عبر عن ذلك بلفظة "خصب" في المسند٢. اللفظة التي نستعملها نحن في الزراعة، بمعنى كثرة العشب والزرع والنماء والوفرة٣. ولا بد لنمو الزرع ونضوجه من إسقاء، ويعبر عن السقي بلفظة أخرى هي "المكر". والمكر سقي الأرض. يقال أمكروا الأرض إذا سقوها٤. ولتقوية الأرض وإعادة الحيوية إليها. استخدم الجاهليون التسميد. وبالسماد تعاد إلى الأرض بعض قوتها، وينمو الزرع. وقد استعملوا في ذلك جملة وسائل كما يفعل المزارعون في الزمن الحاضر الذين لا يزالون يسيرون على طريقة القدماء في التسميد، فاستعملوا فضلات الإنسان والحيوانات، كما استعملوا الزبل أيضًا. وذكر أن من أسمدتهم عذرة الناس والسرقين برماد، يسمد به النبات ليجود٥. والسرجين، والسرقين، الزبل تدبل به الأرض٦. والمزبلة موضع الزبل، وزبل زرعه يزبله، سمده، أي أصلحه بالزبل وكذلك الأرض٧. ويقال لتسميد الأرض بالزبل "عدن الأرض" أي أصلحها بالزبل٨. ويقال دبل الأرض دبولًا، بمعنى أصلحها بالسرقين ونحوه لتجود، فهي مدبولة٩. ولحماية الزرع من عبث الطيور وبقية الحيوانات به، اتخذوا وسائل عديدة لحمايته. منها: اللعين. ما يتخذ في المزارع كهيأة رجل، أو الخيال تذعر به.

стр. 4420

الطيور والسباع والوحوش١. و"الخيال"، كساء أسود ينصب على عود يخيل به للبهائم والطير فتظنه إنسانًا، وقيل خشبة توضع فيلقى عليها الثوب للغنم. إذا رآها الذئب ظنها إنسانًا. و"الخيلان"، ما ينصبه الراعي عند حظيرة غنمه. وقيل: الخيال، ما نصب في أرض ليعلم أنها حمى، فلا تقرب٢.

стр. 4421

الحصاد: ويحصد الزرع بعد نضجه، يحصد بالمنجل. وأكثر ما يستعمل في البر والشعير ونحوهما من الزرع. والمحصد، المنجل١. والحصاد هو "فقل" في المسند٢. وقد فسر بعض العلماء لفظة "خرفت" بمعنى الحصاد كذلك٣. ولا يقصد بالحصاد هنا حصاد الحبوب وحدها، كالحنطة والشعير، كما نفهم من معنى اللفظة في عربيتنا، وإنما يقصد بها هذا ومعنى آخر هو جني الثمار وقطف الأعناب، عند نضوجها. ويقال لمن يحصد الحصاد بالأجرة "المحاين"، وللعمل "المحاينة"، يقال استأجره محاينة، أي على الحصاد٤. وترد لفظة "افقل" من أصل "فقل" في النصوص الزراعية، وهي من الألفاظ اليمانية القديمة التي وعتها كتب اللغة، فذكرت أن "الفقل" التذرية بلغة أهل اليمن، وأن أهل اليمن يذرون بالمفقلة، وهي الحفراة ذات الأسنان، يرفعون بها الدق ثم ينثرونه ويذرونه لاستخلاص الحب منه. و"الدق" ما قد ديس ولم يذر٥. و"افقل" في نصوص المسند، هي البيادر التي تتجمع من

стр. 4422

هذه الحبوب بعد التذرية. وترد لفظة "خرف" في عربية القرآن الكريم بمعناها الوارد في نصوص المسند. فذكر علماء اللغة، أن "خرف" بمعنى صرم واجتنى، وأن الاختراف بمعنى لقط النخل بسرًا كان أو رطبًا، وأنها تعني قطف الثمر، كما وردت لفظة "المخرفة" بمعنى البستان والنخل والسكة بين صفين من النخل، يخترف المخترف من أيهما شاء، والمخترف هو القاطف للثمر، وأن "المخرف" بمعنى زنبيل صغير يخترف فيه من أطايب الرطب، أو الآلة التي تخترف فيها الثمار و"الخارف" حافظ النخل، والخراف النظار، والخرافة ما خرف من النخل١. وقد وردت لفظة "نحقل" بمعنى الناتج والمحصور. و"حقل" بمعنى الحاصل أي الحاصر الزراعي المجموع من الحقل والمزرعة، وذلك كما في هذه الجملة: "نحفل ثمنيت الفم بقلم لس". ومعناها: "الحاصل ثمانية آلاف لس من البقول". و"لس" نوع من الكيل أو الوزن، أو الكومات، أو الحزم. ويعبر عن الدراسة بلفظة "علص" في المسند. وفسر بعض علماء المسند لفظة "معلصت"، بمعنى المزرعة والحقل٢. ولا استبعد كونها آلة من آلات الدراسة أيضًا. وإذا ديس الزرع قيل لذلك العمل الدق والدياس والدراس. والإكادة كالإداسة٣. وأما الدقوقة، فالبقر والحمر التي تدوس الزرع لاستخراج حبه وتهشيم سيقانه٤. وقد تستعمل بعض الآلات لقطع سوق الزرع وتهشيمه وتهشيم السنبل، تجرها الثيران أو الحمير، ويجلس عليها شخص ليثقلها، وهي مثل العجلة، التي تقطع الجل، يقال لها "الحيلان". وهي آلة من خشب لها محالتان كمحالة العجلة، قد أنعلتا بحديد مضرس إذا دارتا على الجل قطعتاه، فتجعلان في طرفي عارضة

стр. 4423

ضخمة، ويقعد عليها رجل ليثقلها، ثم يجرها الثور على الجل١. وأما "المقحفة" فالخشبة المتقفعة التي يقحف بها الحب، أي يذرى٢. وبعد الدياسة والدراسة يذرى الطعام لفصل الحب عن التبن. ويستعملون في ذلك آلات التذرية، وهي آلات يدوية ما زال الفلاحون يستعملونها كما كانت قبل آلاف السنين، تتألف من مقبض طويل وأصابع في رأسه يذرى بها الهشيم في الهواء، ليحمل الهواء التبن، وهو خفيف الوزن إلى مكان والحب إلى مكان آخر. وقد ذكر العلماء جملة أسماء لآلة التذرية، منها "المذرى" و"المذرة"٣ و"المروح" و"المرواح" و"المثار"٤ و"الحفراة"، وهي "الرفش" أيضًا٥. ويتولى الفلاحون دوس الحاصل بأنفسهم، لهشم السيقان والحصول على التبن والحب. يستعملون في ذلك أرجلهم وآلات الدياسة. أما إذا كان الحاصل كبيرًا، فيستعملون عندئذ الحيوان يمشي عليه، أو يجر آلات الدياسة الثقيلة لهشم السيقان وفصل الحب عنها. ومن عادات أهل اليمن في الدرس والدياسة التناوب، وذلك بأن يجتمعوا مرة عند هذا ومرة عند هذا، فيتعاونوا على الدياس، ويسمون ذلك "القاه". وذلك كالطاعة له عليهم؛ لأنه تناوب قد ألزموه على أنفسهم، فهو واجب لبعضهم على بعض. وقد وصف أحد أهل اليمن ذلك للرسول بقوله: "أنا أهل قاه، فإذا كان قاه أحدنا دعا من يعينه، فعملوا له، فأطعمهم وسقاهم من شراب يقال له المزر"٦. وكان أهل "الجوخان" يتناوبون ويتعاونون على الدياس، يجتمعون مرة عند هذا ومرة عند هذا، يرون التعاون فيما بينهم لزامًا عليهم، وكالطاعة لهم، ونوبة كل رجل قاهة٧.

стр. 4424

ويجمع الفلاحون الحاصل ثم يقسمونه بحسب الإنفاق، إن كان هناك فلاح ورب أرض، ليأخذ كل واحد منهما نصيبه، أو يوزع حسب نصيب كل من الشركاء، إن كان الزرع شركة. أو يسلم إلى صاحب الزرع، إن كان الزرع زرعه، وكان الفلاحون عبيدًا له. ويخزن الحاصل في مخازن مبنية، وفي بيادر وبيدر الطعام كومه. والبيدر الموضع الذي يداس فيه الطعام، والمكان الذي يجمع الطعام فيه. وهو "الأندر"، و"الكدس"١. و"الأندر"، كدس القمح خاصة٢. والكدس: الحب المحصود المجموع وهو العرمة من الطعام والتمر والدراهم ونحو ذلك، مما يكدس بعضه فوق بعض٣. وذكر علماء اللغة أن "الجرين" للحب، والبيدر للتمر. وذكروا أيضًا أن الجرين موضع البر، بلغة أهل اليمن، وأن "الجرد" الطحن شديدًا بلغة هذيل٤. وينقل الطعام بأوعية إلى المخازن، ومنها نوع يقال له "العيبة"، وهو زنبيل من أدم، ينقل فيه الزرع المحصود إلى "الجرن" في لغة همدان٥. وهناك أسماء أوعية أخرى استعملت في نقل الحاصل من أرض الحصاد وكوم التذرية إلى المخازن. ويعبر عن حمل الزرع بعد الحصاد إلى البيدر بلفظة "رفع" كأن يقال: رفع الزرع"، و"الرفاع" اكتناز الزرع ورفعه بعد الحصاد٦. وأما "الغبوط" فالقبضات المصرومة من الزرع. و"الغبوط" هي القبضات التي إذا حصد البر وضع قبضة قبضة، الواحد غبط٧. وأما "المكتل"، فزنبيل يحمل فيه التمر أو العنب إلى "الجرين"، وقيل هو شبه الزنبيل يسع خمسة عشرة صاعًا. وفي حديث خيبر: فخرجوا بمساحيهم ومكاتلهم٨. وكان "عمال خيبر" قد خرجوا بمساحيهم

стр. 4425

ومكاتلهم، فلما رأوا رسول الله، ﷺ والجيش، قالوا: محمد والخميس معه، فأدبروا هرابًا"١. و"الحنوان"، هما الخشبتان اللتان عليهما الشبكة ينقل عليها البر٢. و"الوشيجة"، ليف يفتل ثم يشبك بين خشبتين ينقل بها البر المحصود٣. ويعبر عن جمع المحصولات في مواضع معينة لتحسينها، أو لخزنها، أو لتجفيفها وللمحافظة عليها بجملة ألفاظ، منها: "الكدس"، ويراد بها الحب المحصود المجموع، وهو العرمة من الطعام والتمر والدراهم ونحو ذلك٤. ومنها "المربد"، والمربد كل شيء حبست به الإبل والغنم. ولهذا قيل مربد النعم الذي بالمدينة. وهو أيضًا الجرين الذي يوضع فيه التمر بعد الجداد لييبس، وهو "الأندر" بلغة أهل الشأم، والبيدر بلغة أهل العراق٥. وأما "المسطح" فمكان مستو يبسط عليه التمر ويجفف، ويسمى "الجرين" يمانية٦. وأما "الصبرة"، فما جمع من الطعام بلا كيل ووزن بعضه فوق بعض. يقال اشتريت الشيء صبرة، أي بلا وزن ولا كيل، والصبرة الكدس٧. وللمحافظة على الحبوب وغيرها من التلف، اتخذت مخازن تحت الأرض تحفظ فيها سميت "مدفنن" "المدفن" في المسند٨. ولا تزال هذه الطريقة معروفة في مواضع من جزيرة العرب حيث يخزنون القمح وسائر الحبوب في حفر تحفر في الأرض. ويعرف "المدفن" بـ"قنت"، أي الحفرة في لغة المسند كذلك. وهي مخزن يخزن فيه الحب. وذكر "الهمداني"، أن أهل اليمن كانوا في أيامه يحفرون حفرًا في الأرض ويدفنون الذرة فيها، ويسع المدفن خمسة آلاف قفيز إلى ما هو أقل. ويسد عليه، ويبقى على ذلك مدة طويلة. فإذا كشف المدفن ترك

стр. 4426

أيامًا حتى يبرد ويسكن بخاره، ولو دخله داخل عند كشفه لتلف بحرارته١. ويعبر عن قطف الثمار وجزها، ولا سيما النخل بلفظة "الصرام"، و"صرم" و"اصطرام"٢. و"اصطرام" النخل اجترامه. وجرم النخل جرمًا، خرصه وجزه، والجرام صرام النخل٣. وتؤدي لفظة "الجداد" معنى "الصرام" كذلك، وقيل: الجداد بمعنى الحصاد والقطاف٤.

стр. 4427

الفصل الحادي والتسعون: المحاصيل الزراعية الحبوب: يطلق علماء اللغة على الحنطة والشعير لفظة: "الحب"١. وهما عماد الخبز في جزيرة العرب حتى الآن. وتقابل اللفظة كلمة "ميرس" في المسند. والحنطة من أهم المواد الضرورية التي يتاجر بها، وهي "بر" في المسند٢. والبر٣، الحنطة في لغة القرآن الكريم كذلك. وهي "قمح" أيضًا. وقد تكلم بها أهل الحجاز، ووردت في الحديث. وذكر أنها شامية وقيل قبطية٤. وهي آرامية الأصل، من "قمحو" "Gamho"٥. وهي غذاء الطبقة المترفة والموسرة في الأكثر لغلاء ثمنها بالنسبة إلى الفقراء. وقد تباهى الناس وافتخروا بتقديمهم "البر" إلى الضيوف٦. و"الحنطة" من الألفاظ التي كانت شائعة عند العرب أيضًا، فهي

стр. 4428

"حطاه" "خطاه" "Chittah" في العبرانية مثلًا١. وقد قيل لها "بر" في العبرانية كذلك٢. ويقال للحنطة: "البيضاء"، وهي "السمراء" أيضًا٣. و"البثنية"، الحنطة الجيدة٤. وذكر "ابن المجاور" اسم موضع يقال له "بحرى"، ذكر أنه اشتهر بزرع الحنطة، وأن سكانه يزرعون الحنطة مرتين في السنة، في كل ستة أشهر مرة٥. واشتهرت "الطائف" بزراعة نوع من الحنطة الجيدة٦. وأشير إلى نوع من الحنطة عرف بـ"المهرية"، قيل إنها حنطة حمراء، وكذلك سفاها، وهي عظيمة السنبل غليظة القصب مربعة٧. والشعير، أرخص من الحنطة، ولذلك كثر استعماله في الأكل، فمنه كان خبز أكثر الناس٨. ولا زال خبز أهل القرى وبعض الأعراب، وقد كان يهود المدينة يتاجرون به وبدقيق الشعير: يبيعونه في مواطنهم، وفي الأسواق ولا سيما سوق "بني قينقاع". وقد استدان الرسول من أحد اليهود صاعين من دقيق الشعير. ويقال للطحين في كتابات المسند "دققم" أي "دقيق"٩. ويصنع بطرق مختلفة، أشهرها "الرحى"، التي تدار باليد، والتي يديرها الحيوان، والتي تدار بالقوى المائية. و"الطحانة" التي تدور بالماء١٠. ومع أن معظم الأسر تصنع الطحين في بيوتها، فإن كثيرًا من الناس يشترون الطحين من الأسواق، ويستوردونه من الخارج من بلاد الشأم في الغالب، ويبيعونه في الأسواق المحلية ويقال للدقيق "طحنم" في لغة المسند كذلك، أي "طحين"١١.

стр. 4429

ويظهر أن "الرز" لم يكن من الحبوب المعروفة عند أهل الحجاز، أو الأماكن الأخرى من جزيرة العرب. وهو من طعام الحضر. وقد تعود الناس استعمال حبوب أخرى بدلًا من الحنطة والشعير والذرة، وذلك في سي الفاقة والعوز. وبعض هذه الحبوب هو من الحبوب التي تنبت بالطبيعة. ومن جملة هذه الحبوب "الطهف"، حب يؤكل في المجهدة ضاو دقيق. لونه أحمر، ويختبز١. و"العلس"، وهو حبة سوداء، إذا أجدبوا طحنوها وأكلوها. وقيل هو ضرب من الحنطة، يكون بناحية اليمن، وقيل هو طعام أهل صنعاء. ويقال إنه العدس٢. و"البيقية"، وهو حب أخضر يؤكل مخبوزًا ومطبوخًا، حبه أكبر من الجلبان ينبت في الحروث٣. و"السلت"، وهو حب بين الشعير والبر، إذا نقي انجرد قشره، فكان مثل البر. وقيل شعير لا قشر له أجرد، كأنه الحنطة يكون بالغور والحجاز٤. ويقال للرطب من السلت: "البيضاء"٥. وقد عرفت زراعة الذرة باليمن بصورة خاصة، كانوا يخبزونها ويستخرجون منها شرابًا يقال له: "المزر". أشير إليه في كتب الحديث والفقه، وقد نهى الرسول عن شربه٦. وذكر أن المزر نبيذ الذرة والشعير والحنطة والحبوب، وقيل نبيذ الذرة خاصة، وقيل المزر من الذرة، والبتع نبيذ العسل، والجعة نبيذ الشعير، والسكر من التمر، والخمر من العنب٧.

стр. 4430

القطنية: ويطلق علماء اللغة على حبوب الأرض التي تدخر كالحمص والعدس والباقلاء والترمس والدخن والأرز والجلبان: "القطنية"، وأطلقها بعض آخر على ما سوى

стр. 4431

الحنطة والشعير والزبيب والتمر، أو على الحبوب التي تطبخ. وجعلها بعضهم: العدس والخلر، وهو الماش، والفول، والدجر، وهو اللوبياء، والحمص وما شاكلها. وقد ذكر أن الخليفة "عمر" كان يأخذ من القطنية العشر١. و"الحمص" معروف عند العرب، وهو بري، أي وحشي، ينبت من نفسه، وبستاني، أي ينبت بزرع الإنسان. وقد علفوا به فحول الدواب والجمال. وقد عالجوا به وبدقيقه وبنقيعه أمراضًا عديدة٢. و"العدس"، معروف عندهم أيضًا، ويقال له "العلس"، و"البلس" أيضًا٣. وذكر أن "العلس"، ضرب من البر جيد، تكون حبتان منه في قشر، يكون بناحية اليمن. وهو طعام معروف عند أهل صنعاء٤. والجلبان من "القطنية" "القطاني"، نبت يشبه الماش، أو هو حب أغبر أكدر على لون الماش إلا أنه أشد كدرة وأعظم جرمًا يطبخ٥. و"الماش"، معروف عند العرب كذلك، يأكله الحضر. ويداوون به٦. وقد أشير في القرآن الكريم إلى البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل٧. ولفظة "بقلن"، و"بقلت"، الواردة في نصوص المسند، هي في مرادف "بقل"، و"البقل" في عربيتنا، وأما لفظة "تبقلت"، فتقابل لفظة "تبقيل"، ويراد بها زرع الأرض بالبقول. والسلق من البقول، وهو نبت، له أوراق طوال، وأصل ذاهب في الأرض، يطبخ ورقه، وقد ذكر أن أهل المدينة كانوا يأخذون ورق السلق، فيجعلون فيه حبات من شعير، ويطبخونه، فيكون من ذلك أكل لذيذ٨. و"القثاء"، الخيار، ويقال إنه اسم جنس لما يقول له الناس الخيار، والعجور والفقوس، وبعض الناس يطلقه على نوع يشبه الخيار. ويقال هو أخف

стр. 4432

من الخيار١. ويطلق العرب لفظة "الشعارير" على القثاء الصغير٢. وذكر بعض علماء اللغة أن الخيار شبه القثاء، وأن اللفظة ليست بعربية أصيلة٣. وهي من أصل فارسي، هو "خيار"، ولهم نوع آخر من الخيار اسمه "خيار جنبر"٤. وأما لفظه "القثاء"، من المعربات كذلك، عربت من أصل آرامي٥. و"القثد" نبت يشبه القثاء، وقيل ضرب منه، وهو القثاء المدور، أو هو الخيار. وفي الحديث أنه كان يأكل القثد بالمجاج٦. والمجاج العسل. ويقال للقثاء "قشّايم" "قشّائيم" "Kishshu.htm'im" في العبرانية، و"قثوتو"، في لغة بني إرم. ويظهر أن لفظة "قثّاء" من الألفاظ القديمة. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنها من الألفاظ الإرمية في الأصل٧. أما لفظة "خيار" فيرون أنها من أصل فارسي٨. وذكر علماء اللغة أن "الفقوس"، هو البطيخ الشامي، والذي يقال له البطيخ الهندي، بلغة أهل مصر، والحبحب بلغة أهل اليمن٩. وقد اختلف علماء التفسير واللغة في معنى "الفوم"، فذهب بعضهم إلى أنه الثوم، وقال بعض آخر الحنطة، وهو لغة قديمة فيها. وذهب بعض آخر، إلى أنه الحنطة وسائر الحبوب التي تخبز، كما ذهب جماعة إلى أن الفومة هي كل عقدة من بصلة أو ثومة أو لقمة عظيمة١٠. والثوم، بقلة معروفة كثيرة بأرض العرب، يأكلونها ويداوون بها نيئة ومعجونة، ومسحوقة، ومطبوخة، ومسلوقة١١. والبصل معروف وواحدته بصلة. وذكر أنه "الفراريس"، أو "الفراديس"١٢. وهم يداوون به، ويضرب به المثل، فيقال: أكسى من البصل١٣.

стр. 4433

الكمأ: والكمأ نبات معروف في جزيرة العرب، يخرج من غير زرع كما يخرج الفطر. والعرب تسميه "جدري الأرض"، ويقال لبائعه "الكمّاء". وقد استعمل العرب ماءه لشفاء العين. وقد أشير إليه في الحديث، وهو من النبات الذي يقتات به في أوقات ظهوره١. والكمأة السوداء خيار الكمأة. وأما "الجبأة"، فالكمأة الحمراء، وقال بعض علماء اللغة الجبأة هنة بيضاء كأنها كمأة٢. وأما "الفطر"، فهو ضرب من الكمأة. وقد ذكر علماء اللغة أنه قتال٣. وقد أخذو هذه الفكرة من وجود فصائل سامة منه. إلا أن بينه ما هو غير سام. وذكر علماء اللغة أسماء أنواع عديدة لنباتات تشاكل الكمأة، منها: العرجون، والطرثوث، نبت رملي طويل مستدق كالفطر، يضرب إلى الحمرة وييبس، يؤكل منه حلز، وهو الأحمر، ومنه مر وهو الأبيض، وذكر بعض علماء اللغة أن الطرثوث نبت على طول الذراع، لا ورق له، كأنه من جنس الكمأة٤ و"الطرنوث" و"الضغبوس"٥. وذكر بعض علماء اللغة، أن "الضغابيس" صغار القثاء، جمع ضغبوس. وقيل: هي أغصان شبه العراجين تنبت بالغور، في أصول الثمام والشوك طوال حمر، وهي التي تؤكل، أو نبات كالهليون، ينبت في أصل الثمام يسلق بالخل والزيت ويؤكل٦. وهناك بقول برية، منها "القلقلان"، و"البسباس"٧، و"الذرق"٨، و"النفل"٩، و"الملاح"١٠.

стр. 4434

فصيلة اليقطين: و"اليقطين" في تعريف علماء العربية: ما لا ساق له من النبات ونحوه، أو كل شيء ذهب بسطًا في الأرض، نحو القرع، والبطيخ، والشريان، والدباء، والحنظل، ونحوها١. فكل هذا النبات هو من اليقطين. واليقطين، مذكور في القرآن الكريم٢. وقد ذهب بعض علماء التفسير إلى أن المراد من اليقطين في القرآن الكريم، القرع، وذهب بعض آخر، إلى أنه الدباء، وذهب بعض آخر إلى أنه البطيخ. وذهب قوم إلى أن اليقطين شجرة غير ذات أصل من الدباء ونحوه أو غيره. وقد ذكروا أن أمية بن أبي الصلت أشار إلى قصة "يونس"، وكيف أن الله أنبت عليه شجرة من يقطين، أظلته وعاش عليها، وذلك قبل الإسلام، إذ قال: فأنبت يقطينًا عليه برحمة ... من الله لولا الله ألفي ضاحيا٣ وذكر أن "القرع"، حمل اليقطين، وكان النبي يحبه. وأكثر ما تسميه "الدباء"، وقل من يستعمل القرع٤. والبطيخ من المزروعات المعروفة في بلاد العرب٥. وعرف أيضًا بـ"الخربز". وهي لفظة معربة من أصل فارسي هو "خربوزة"٦. وقد وردت لفظة "الخربز".

стр. 4435

في الحديث، مما يدل على أنها كانت معروفة في الجاهلية. والظاهر أنها وردت من العراق بواسطة التجار العرب أو التجار الفرس الذين كانوا يتاجرون مع الحجاز، أو بواسطة الرقيق المستورد من هناك، والذي استخدم في الزراعة في هذه الديار. وذكر علماء اللغة أن "الحبحبة" البطيخ المعروف بالبطيخ الشامي، الذي يسميه أهل العراق: "الرقي" والفرس تسميه: "الهندي" لما أن أهل العراق يأتيهم من جهة "الرقة"، والفرس من جهة الهند، وأن أصل منشئه من هناك، وذكر بعض علماء اللغة أنه يسمى "الجوح"، ويسميه المغاربة: "الدلاع"١. والحنظل، معروف جدًّا عند العرب، وهم يداوون به، ويعالجون به أمراضًا كثيرة، ولا زال الأعراب يقيمون له وزنًا كبيرًا في طبهم. ويأكلون حبه أيضًا.

стр. 4436

النبات الشائك: ومن فصائل النبات عند العرب، النبات الشائك، أي ذو الشوك. وهو كل نبات به شوك، وأرض شاكة كثيرة الشوك. وشجرة مشوكة كثيرة الشوك، وأرض مشوكة فيها السحاء والقتاد والهراس، وذلك؛ لأن هذا كله شاك. والسحاء، نبت شائك، له زهرة حمراء في بياض تسمى "البهرمة"، يرعاه النحل عسله غاية١. و"القتاد"، شجر صلب له شوكة كالإبر. وجناه كجناة السمر، ينبت بنجد وتهامة. قال بعض علماء اللغة، إنه من العضاه، وهو ضربان. فأما القتاد الضخام، فإنه يخرج له خشب عظام، وشوكة حجناء قصيرة. وأما القتاد الآخر، فإنه ينبت صعدًا لا ينفرش منه شيء. وهو قضبان مجتمعة، كل قضيب منها ملآن ما بين أعلاه وأسفله شوكًا. وفي المثل: من دون ذلك خرط القتاد. وقد ذكر أن الإبل لا تأكل القتاد إلا في عام جدب، فيجيء الرجل ويضرم فيه النار حتى يحرق شوكه ثم يرعيه إبله، ويسمى ذلك التقتيد. والتقتيد هو أن تقطع القتاد، فتحرقه، أي شوكه، فتعلفه الإبل، فتسمن عليه، وذلك عند الجدب٢.

стр. 4437

و"الهراس"، شجر شائك، شوكه كأنه حسك، ثمره كالنبق، قال بعض علماء اللغة: أنه شجر، وقال بعض آخر أنه بقل، أو شوك من أحرار البقول١. و"الحسك"، نبات له ثمرة خشنة تعلق ثمرته بصوف الغنم ووبر الإبل في مراتعها، وعند ورقه شوك ملزز صلب ذو ثلاث شعب، لا يكاد أحد يمشي في أرض حسكة، إلا أحد في رجليه حذاء٢. و"النفل"، نبت من أحرار البقول، ومن سطاحه، ينبت متسطحًا وله حسك، قيل: هو قت البر، تأكله الإبل والخيل وتسمن عليه٣. والعوسج، شجر من شجر الشوك، له ثمر أحمر مدور، كأنه خرز العقيق. وقيل: هو شجر كثير الشوك، وهو ضروب، منه ما يثمر ثمرًا أحمر يقال له المقنع فيه حموضة. والعوسج المحض، يقصر أنبوبه ويصلب عوده ولا يعظم شجره، فذلك قلب العوسج، وهو أعتقه٤. وذكر أن "المصعة" ثمرة العوسج وحمله، وهو قدر الحمصة حلو طيب يؤكل، أحمر، ومنه قولهم: هو أحمر كالمصعة، ومنه أسود لا يؤكل على أردأ العوسج وأخبثه شوكًا٥.

стр. 4438

الفصل الثاني والتسعون: الشجر مدخل ... الفصل الثاني والتسعون: الشجر الشجر في تعريف علماء اللغة: ما قام من النبات على ساق، أو ما سما بنفسه دق أو جل، قاوم الشتاء، أو عجز عنه١. وتطلق اللفظة على كل الشجر، مهما كان أصله، شجر زرعه إنسان بغرس، أو بحب. أو شجر أنبتته الطبيعة. شجر الحضر، أي الشجر الذي يعيش بين أهل المدر، وشجر وحشي، نبت على الجبال أو في البوادي، دون أن تتعهده يد إنسان. والشجر: شجر مثمر، وشجر غير مثمر. ثم هو أهلي، أي من غرس وزرع الإنسان، وبري أي من إنبات وغرس الطبيعة. والعادة أن ثمر الشجر الأهلي أطيب وألذ من ثمر الشجر البري، لاعتناء الإنسان به ورعايته له. ويستعمل الشجر الذي لا ثمر له، حطبًا أو في أعمال البناء إن كان ذا خشب جيد، وفي أعمال أخرى. وفي جبال "السراة" أنواع من أشجار الجبال. ومن الأشجار المثمرة النخيل وسائر أشجار الفواكه. وقد وجد النخل في كل مكان من جزيرة العرب فيه ماء ولو كان قليلًا. وهو شجر صبور، يصبر على العطش طويلاً، ومن أجل ذلك صار مثل الجمل رمزًا للصحراء. ولم ينفر العربي من زراعة النخيل نفوره من زراعة أشجار الفواكه والخضر بوجه خاص. وقد تخصص بزراعة النخل المستقرون بالطبع.

стр. 4439

أما الأعراب، فإنهم لاضطرارهم إلى التنقل من مكان إلى مكان، ولعدم استقرارهم في موضع واحد استقرار أهل الحضر، لم يكن ميسورًا لهم غرسه. ثم إنهم كانوا يزدرون الزراعة بجميع أنواعها، وفي ضمنها زراعة النخيل، وأية زراعة أخرى بلا استثناء. والنخل، هو شجر التمر، وهو "ن خ ل" "نخل" في المسند كذلك١. وقد صورت النخلة ونحتت على بعض الصخور وعلى كثير من نصوص المسند، وجعلت رمزًا للشمس. وكان السومريون يجعلونها رمزًا للشمس كذلك٢. والظاهر أن تحمل النخلة لحر الشمس، ووجودها في مناطق دافئة، ومنظر رأسها الذي هو على شكل كرة مكونة من السعف، الذي يشبه خيوط أشعة الشمس، حمل الناس على تصور قيام صلة لها بالشمس، فجعلوها رمزًا لها وعلامة عليها. وتعني لفظة "انخل" "أنخل"، "النخيل" وبساتين النخيل ومزارعها٢. ومن "نخل" أخذت لفظة "منخل" بمعنى مزرع النخيل، أي الموضع المزروع نخلاً. وقد عني العرب الجنوبيون بزراعة النخيل، وكونوا بساتين واسعة منها, وكانت "نجران" من أهم المناطق المشهورة بزراعة النخيل٤. وإذا استقام فسيل النخل وثبت في الأرض، صبر على العطش، وتحمل السكوت عن طلب الماء، أمدًا طويلًا، لاعتماده على رطوبة الأرض ولامتصاص جذوره للمياه الجوفية. ويقال للنخلة التي لا تحتاج إلى سقي: "الغامرة"٥. وقد ورد عن الرسول قوله: "خير المال سكة مأبورة"، قيل أراد النخل المصطف، والسكة أيضًا: السنة وهي الحديدة التي يشق بها الفدان الأرض، ويقال لها أيضًا المان٦. وقد اعتبر العرب النخل من الشجر المبارك الذي بورك فيه لما فيه من فوائد.

стр. 4440

والنخيل، هي مثل الجمال ثورة ورأس مال تدر على صاحبه ربحًا وافرًا، ومن كان له نخل وافر كان غنيًّا ثريًّا. وقد ربح أصحاب النخيل أرباحًا طائلة من اشتغالهم بزراعة النخيل. فالتمر هو مادة ضرورية يعيش عليها أكثر العرب ويتأدمون بها. يأكلونه بدلًا من اللحم. وكان الأعراب يأتون أهل الريف، بما عندهم من وبر ومن حاصل البوادي، ليبادلوه بالتمر وبالدقيق وبما يحتاجون إليه في حياتهم البدوية من حاجات ضرورية. فكسب أصحاب النخيل أرباحًا طيبة من بيعهم التمور. ولا يوجد مكان في جزيرة العرب فيه ماء، إلا والنخلة هي سيدة المزروعات فيه، بل تكاد تكون النبات المتفرد بالزرع في أكثر الأمكنة، لا يزاحمها نبات آخر من النبات. ويقال للنخل المرتفع طولًا مجنون١، وهو نخل يقل تمره، وتقل فائدته لذلك وإذا غرس النخل سطرًا على جدول أو غير جدول، قيل: "نخل ركيب"٢. و"الجباب" تلقيح النخل. وزمن الجباب زمن التلقيح للنخل، و"الأبر" تلقيح النخل أيضًا٣. وكانوا يلقحون النخلة بدس شمراخ الفحال في وعاء الطلع٤. ويؤكل التمر رطبًا، ويؤكل يابسًا جافًّا. ويقال لنضيج البسر قبل أن يتمر "رطبًا" وواحدته "رطبة"٥. وإذا كان التمر يابسًا قيل له "القسب٦. ويستعمل "القسب" بعد انتهاء موسم التمر وذهابه، وهو أكثر تمر الأعراب، لسهولة المحافظة عليه من التلف ومن الفساد وتغير الطعم. وقد لجأ الجاهليون إلى طريقة كبس التمر، للمحافظة عليه زمنًا طويلًا، ولسهولة نقله والاتجار به من مكان إلى مكان. ومن طرقهم في ذلك، أنهم كانوا ينزعون نواة التمر، ثم يكنزونه في قرب وظروف من الخوص، ويقولون

стр. 4441

لذلك التقليف، والقلف التمر الذي نزع نواه وكنز في القرب وظروف الخوص١. ولا تزال طريقة التقليف معروفة، ويقال لما يخصف من التمر في "الخصاف"، تمر مخصوف٢، وللتمر المكبوس في الخصافة مع ظرفه "الخصافة"، أما القربة التي يكبس في داخلها التمر، فيقال لها مع تمرها المكبوس بها "الكيشة" في لغة أهل العراق في الوقت الحاضر، و"تمر كيشة"، هو التمر الذي يستخرج من "الكيشة". وقد يحفظ التمر في "القراب"، وعاء شبه جراب من أدم: "وفي كتابه لوائل بن حجر: لكل عشرة من السرايا ما يحمل القراب من التمر"٣. ويكنز التمر في وعاء من خوص يقال له: "جلة" و"الجلة"٤، وهو "القفعة"، ويسمى بالعراق "القفة"، و"جلة التمر" في لغة أهل اليمن٥. وللنخل فوائد كثيرة جعلها بعضهم نحوًا من "٣٦٠" فائدة، مثل استعمال سعفه وخوصه وجذوعه وليفه في حاجات الإنسان، حيث يصنع منها مختلف الأشياء، ويباع بعضها في الأسواق، فتكون دخلًا لأصحابها. وصارت منها صناعة تعيش عليها أناس، ولا زالت الصناعات المستندة على استغلال النخلة وأجزائها وسعفها باقية، وإن أخذت في الأفول والاندثار، بسبب منافسة الجديد للقديم، وانصراف الناس عن الوسائل البدائية القديمة إلى الجديد المريح الرخيص. والنخل في كل موضع من جزيرة العرب فيه ماء. وهو أنواع وفصائل كثيرة. وقد اشتهرت "هجر" بكثرة تمرها. وبزيادته عن حاجة أهلها، فكان الأعراب يأتونها للامتيار، ولشراء التمر منها. وفيها ضرب المثل: كمبضع تمر إلى هجر، و"كجالب التمر إلى هجر". وكانت تصدره إلى البوادي وإلى اليمامة، حين يقل تمرها. وقد عرفت بكثرة وبائها. قال "عمر": "عجبت لتاجر هجر وراكب البحر"، كأنه أراد لكثرة وبائها وخطر البحر، فتاجرها وراكب البحر في الخطر سواء٦.

стр. 4442

واشتهرت خيبر بكثرة تمورها كذلك، حتى ضرب بها المثل في كثرته كما ضرب المثل بكثرة تمر هجر، قال "حسان بن ثابت": فأنا ومن يهدي القصائد نحونا ... كمستبضع تمرًا إلى أهل خيبرا وقال "خارجة بن ضرار المري": فإنك واستبضاعك الشعر نحونا ... كمستبضع تمرًا إلى أهل خيبرا١ ولا تزال أرض خيبر تحتضن النخيل وتتعهدها بالعناية والرعاية، وقد وصف "فلبي" موضعها في الوقت الحاضر، وذكر أن الذي يعتني بالنخيل، هم قوم من "العبيد"، يقومون بفلاحة الأرض وبالعناية بالشجر، مقابل الحصول على نصف الحاصل، فإذا حل موسم القطاف، أخذت الحكومة حصتها قبل اقتسام الحاصل، ثم قسم الباقي بين الأعراب الذين يدعون ملكية الأرض وبين العبيد الذين يسهرون طيلة أيام السنة على رعاية الشجر وعلى الزرع، والمفروض أن تكون القسمة قسمة عادلة، قسمة مناصفة، غير أن الأعراب يشتطون في القسمة فيأخذون لهم أكثر مما يأخذ العبيد٢. وينطبق هذا الوصف على حالة قسمة الحاصل في المواضع الأخرى من جزيرة العرب في الجاهلية، ولا سيما في العربية الجنوبية. فقد كان جباة الحكومة أول من يأخذ حصة الحكومة، أو حصة الحاكم المهيمن على المكان، ثم يأتي دور صاحب الأرض، الذي يحاول الاستئثار بالحاصل حتى لا يترك للفلاح الذي يفلح ويتعب ويكد إلا أقل ما يمكن إعطاؤه له. وبأرض خيبر جملة عيون ومسايل ماء، لا زال الناس يزرعون عليها. وتوجد آثار نقوش وكتابات تشير إلى سكن كان بهذا الموضع يعود إلى أيام الجاهلية. وقد عثر "فلبي" على نقود قديمة، ومن الممكن استصلاح أرض خيبر وتحويلها إلى أرض زراعية منتجة. و"تيماء" من المناطق الخصبة كذلك. وتشاهد آثارها ظاهرة للعيان. وقد حصل المنقبون على مجموعات أثرية منها، في جملتها قطع من النقود تعود إلى

стр. 4443

القرن الأخير قبل الميلاد١. وهناك آثار آبار ومسايل ماء تدل على أن الأرض كانت مخصبة مزروعة، ومن أشهر آبارها بئر "خداج"٢. يستقي منها الأعراب ويزرعون عليها في الوقت الحاضر٣. وقد وجد "فلبي" صورًا وصخورًا منحوتة تمثل رأس الإله "صلم" إله ثمود وإله هذه المنطقة، وأمامها أرض ممهدة كانت موضع تقديم القرابين لذلك الإله٤. وقد وجد "فلبي" وغيره من السياح ممن زار هذه الأرضين الواقعة شمال "يثرب"، آثار مستوطنات جاهلية كثيرة وآثار قنوات وآبار ومسايل مياه، تدل على أنها كانت عامرة مزروعة، وأن في الإمكان إحياءها، وأن آفة اندثارها هو كثرة الغزو الذي وقع عليها وعدم وجود حكومات تدافع عنها وتحميها من غزو الأعراب، الذين كانوا وباءً بالنسبة للحضر، ينهبون ما يجدونه أمامهم ويحرقون الزرع ثم يهربون. وعرفت اليمامة بتمورها أيضًا، وهو أنواع عديدة، وكان الأعراب يأتونها لشراء التمر منها، وقد عرف الذين يردون اليمامة لامتيار التمر بـ"السواقط"، و"السقاط" ما يحملونه من تمر٥. وعرفت يثرب وما حولها وما وقع أعلاها إلى بلاد الشأم بكثرة نخلها، وهو نخل زرع سككًا في بساتين على طريقة الأنباط في أمصارهم، لا يخافون عليها كيد كائد. تتخلله السواني والسواقي لتسقيه، فيثرب حوائط وآطام، عاش أهلها على الزرع والغرس والجلاد٦. وقد أشير إلى كثرة نخل يثرب في شعر ينسب إلى الشاعر "امرئ القيس"، فنعتها بـ"جنة يثرب": علون بأنطاكية فوق عقمة ... كجرمة نخل أو كجنة يثرب٧

стр. 4444

وقد افتخر "كعب بن مالك" يوم الخندق على قريش بأن قومه غرسوا النخل حدائق تسقى بالنضح من آبار ثقبت من عهد "عاد" أي من آبار قديمة جدًّا، فهي تسقي النخيل المغروسة عليها، ولهم رواكد فيها "الغاب" و"البردي" يزخر فيها نهر "المرار"، ولهم الزرع الذي يتباهى بسنبله الجميل، لا سيما إذا أصابته أشعة الشمس، لم يجعلوا تجارتهم اشتراء الحمير لأرض دوس أو مراد، بل أثاروا الأرض وحرثوها وغرسوها على نحو ما تفعل النبط في أمصارها، لا يخافون عليها كيد كائد، دلالة على عز أهل يثرب ومنعتهم وأنهم لم يغلبوا على بلادهم من قديم الدهر كما أجليت أكثر الأعاريب عن محالها وأزعجها الخوف عن موطنها١. ومن أنواع التمور: "الصرفان"٢، و"البرني"، تمر أصفر مدور، من أجود التمور. وقيل: ضرب من التمر أحمر مشرب بصفرة كثير اللحاء عذب الحلاوة٣. و"التعضوض" ضرب من التمر، والعمر نخل السكر، وهو معروف عند أهل البحرين٤. و"البحون"، ضرب من التمر٥، والصفرى، وقد نعت بأنه سيد التمور، ثم "السرى"، ثم "اللصف"، ثم "الفحاحيل"، ثم "المجتنى"، ثم "الجعادى"، ثم "الشماريخ"، ثم "المشمرخ"، ثم "البياض"، ثم "السواد" وهما ألوان كثيرة٦.

стр. 4445

أجناس عديدة، بعض أصيل أي من نابت جزيرة العرب ومن تربتها، وبعض مستورد استورد من بلاد الشأم بصورة خاصة ومن أماكن أخرى، فغرس في بلاد العرب ونبت نباتًا حسنًا، وأجاد إجادة طيبة، جعل زراع الكروم يكثرونه من زراعته. والعنب، هو "عنبم"، أي "عنب" في لغة المسند كذلك١. وإذا يبس العنب دعي "زبيبًا". ويعرف الزبيب بـ"فصمم"، أي "فصم" "فصيم" في اللهجة الحميرية. وقد وردت هذه اللفظة في نص أبرهة، بمناسبة توزيع أبرهة الزبيب على العمال الذين ساهموا في بناء سد مأرب٢. وقد كان أهل اليمن كما يظهر من نصوص المسند يكثرون من زراعة الأعناب ويربحون من زراعتها كثيرًا، بدليل ورود كثير من النصوص الزراعية، وفيها: أن أصحابها قد غرسوا أعنابًا في المناطق الفلانية والفلانية، أو ورثوا المزرعة الفلانية وفيها أعناب كثيرة وبدليل حفر صور أغصان العنب وعناقيد العنب في الأحجار وإبرازها على الألواح المصنوعة من الجبس، أو حفرها على الأخشاب للزينة والزخرفة، وتفننهم في ذلك، حتى صارت هذه الزخرفة من مميزات الفن اليماني. وما كانوا يفعلون ذلك لو لم يكن للأعناب وجود في اليمن، ولو لم تكن زراعته منتشرة كثيرًا في تلك البلاد. ومن أنواع العنب: العنب "الجرشي"، وهو عنب طيب، يقول علماء اللغة: هو أطيب العنب كله، وهو أبيض إلى الخضرة، رقيق صغير الحبة، وهو أسرع العنب إدراكًا، عناقيده طويلة، ينسب إلى جرش، مخلاف باليمن٣. والعنب "الكلافي"، وهو نوع من أنواع أعناب أرض العرب، وهو عنب أبيض فيه خضرة، وزبيبة أدهم أكلف، ولذلك سمي: الكلافي. وقيل: هو منسوب إلى الكلاف بلد بشق اليمن٤. والعنب التربي نسبة إلى "تربة"، والعنب التبوكي نسبة إلى تبوك. و"الرمادي"، ضرب من العنب بالطائف أسود

стр. 4446

أغبر١. و"الغربيب"، ضرب من العنب بالطائف شديد السواد، وهو من أجود العنب وأرقه وأشده سوادًا٢. و"الحمنان"، عنب طائفي، أسود إلى الحمرة صغير الحب٣. والدوالي نوع من الكروم٤. و"العنجد"، الزبيب، أو ضرب منه، أو الأسود منه، أو الرديء منه٥. و"الفرصد"، عجم العنب، أو عجم الزبيب٦. وقد اشتهرت قرية "ثافت" باليمن بكثرة كرومها، ويقال لها "أثافت" و"أثافة" أيضًا. وقد عرفت بخمرها المصنوع من هذه الكروم. وكان الأعشى كثيرًا ما يتجر فيها، وكان له معصار للخمر يعصر فيها ما جزل له أهل أثافت من أعنابهم٧. ويقال "الأكار" لمن يشتغل في بستان عنب. ويقال للأكار "الجوار"٨. والأكار الزراع والحراث٩. والتين هو من الأشجار المعروفة في الحجاز وفي اليمن وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب. وقد أشير إليه في القرآن الكريم١٠. وهو كثير في أرض العرب، وأجناسه كثيرة، برية، وريفية، وسهلية، وجبلية. ويكون أخضر اللون، أو أصفر، وأحمر وأسود. وهو كثير بالسراة مباح، يؤكل رطبًا ويزبب ويدخر١١. وذكر بعض علماء اللغة أنه "البلس"، وقال بعض آخر: البلس: ثمر كالتين يكثر باليمن، وقيل هو التين نفسه إذا أدرك١٢. ومنه "الطبار"، قيل هو تين كبير من أكبر أنواع التين، كميت أنى تشقق، وإذا أكل قشر لغلظ لحائه،

стр. 4447

فيخرج أبيضن ويزبب. وذكر بعض علماء اللغة، أنه من شجر الضرف، وهو على صورة التين، إلا أنه أدق١. و"الضرف"، شجر التين، يقال لثمره البلس. أو هو من شجر يشبه الأتأب في عظمه وورقه، إلا أن سوقه غبر مثل سوق التين، وله تين. وقيل: له جني أبيض مدور مفلطح كتين الحماط الصغار، مر يضرس يأكله الناس والطير والقرود٢. والرمان من الفواكه المعروفة في الحجاز وفي اليمن، وقد ذكر في القرآن الكريم٣. ومنه أنواع برية، ذكر بعض علماء اللغة منها "المظ". وهو ينبت في جبال السراة، وفي بقية الجبال. وذكر بعض آخر، أنه شجر الرمان٤. و"الجشب" قشور الرمان عند أهل اليمن٥. والتفاح بأرض العرب كثير٦. والموز معروف عندهم، ولا سيما في العربية الجنوبية وفي التهائم٧. و"الخوخ" معروف عند العرب٨. ويقال له "الفرسك"٩. و"الفرصاد"، التوت أو حمله أو أحمره. و"التوت" من الألفاظ المعربة١٠. ويربون على ورقه ديدان الحرير. و"الزيتون"، شجر معروف في بلاد العرب، استخرجوا منه زيت الزيتون. وقد ذكر في القرآن الكريم١١. و"السدر"، من الأشجار المعروفة في كل مكان من جزيرة العرب. ورد ذكره في القرآن. واستعمل ورقه في مقام الصابون، كما استفيد من ثمره ومن أغصانه وأخشابه. وهو يتحمل الصبر على العطش لعمق جذوره في باطن الأرض. وبذلك لاءم جو جزيرة العرب هذا النوع من الشجر، وما زال الناس يزرعونه في كثير من المواضع. وقد استعمل مظلة يجلسون تحتها في أيام الحر الشديد ومجلسًا

стр. 4448

يجلسون فيه لتمضية الوقت والتسلي والترويح عن النفس. والسدر من العضاه، هو لونان، فمنه عبري ومنه ضال. فأما العبري، فما لا شوك فيه إلا ما لا يضير. وأما الضال، فذو شوك. وذكر أهل الأخبار: أن أجود نبق يعلم بأرض العرب. نبق هجر. وهو أشد نبق حلاوة وأطيبه رائحة يفوح فم آكله وثياب ملابسه كما يفوح العطر١.

стр. 4449

الجوز: والجوز معروف بأرض العرب، ويربى باليمن. وبالسروات شجر جوز لا يربى، وخشبه موصوف بالصلابة والقوة، وينبت الجوز في الجبال والمرتفعات. وقد أشير إلى صلابة وقوة خشب الجوز في شعر للأعشى. وقد زعم أن سفينة "نوح" كانت من خشب الجوز١. والجوز نوعان: جوز يربى، أي يزرعه الإنسان بنفسه ويرعاه، وجوز وحشي، نبت على الطبيعة، دون أن تزرعه يد إنسان. وهو أنواع عديدة، لها أسماء ترد في كتب اللغة.

стр. 4450

اللوز: واللوز ثمر معروف في بلاد العرب، ومن أسمائه القمروص. وهو على نوعين: حلو ومر. وقد استعملا في المعالجة: في معالجة أمراض عديدة، من باطنية وجلدية. واستعمل الحلو منه في الطعام، وفي الحشو. والثمر الملوز، هو الثمر المحشو به. وبذلك أن ينزع منه نواه، ويحشى فيه اللوز١. واللوز، صنف من المزج، والمزج ما لم يوصل إلى أكله إلا بكسر، وقيل هو ما دق من المزج. أو المر من اللوز٢.
следующие страницы →