ويعد الأراك من أطايب أكل الإبل، إذا أصابت منه شيئًا، ظهر طعمه في اللبن، وهم يستحسنون هذا اللبن. وقد كان الرعاة إذا مروا به اجتنوا ثمرته، و"الكباث"، هو أحسن ثمره، ولونه أسود، وهو أطيب ثمر الأراك. وقد اجتناه الرسول يوم كان راعيًا١. وهو النضيج من ثمر الأراك. وما لم ينضج فهو "برير". وقيل: الكباث هو ما لم ينضج منه، وقيل حمله إذا كان متفرقًا٢.
وتكتسي الأرض بعد ظهور الكلأ ثوبًا سندسيًّا جميلًا، فتظهر خضراء، لكثرة ما عليها من "الخضر"، وهو الزرع والنبات الذي نبت عليها. و"الخضر"، المكان الكثير الخضرة، ويراد بالخضرة "البقلة الخضراء"، وهي بقلة خضراء خشناء ورقها مثل ورق الدخن وكذلك ثمرتها وترتفع ذراعًا، وهي تملأ فم البعير. و"الخضر" ضرب من الجنبة، والجنبة من الكلأ ما له أصل غامض في الأرض، مثل النصي والصليان. وليس الخضر من أحرار البقول التي تهيج في الصيف. وجيدها الذي ينبته الربيع بتوالي أمطاره فتحسن وتنعم، ولكنه من البقول التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها، وتسميها العرب الجنبة، فلا ترى الماشية تكثر من أكلها ولا تستمريها٣.
والجنبة، عامة الشجر التي تتربل في زمان الصيف. واسم لنبوت كثيرة، وهي كلها عروق. سميت جنبة؛ لأنها صغرت عن الشجر الكبار وارتفعت عن التي لا أرومة لها في الأرض. فمن الجنبة: النصي والصليان والحماط والمكر والحذر والدهماء. صغرت عن الشجر ونبلت عن البقول٤. والنصي: نبت ما دام رطبًا، فإذا ابيض، فهو الطريفة، فإذا ضخم ويبس، فهو الحلي. وهو من أفضل المرعى٥. وذكر أن "الطريفة" من النصي، إذا ابيض ويبس، أو هو منه إذا اعتم وتم وكذلك من الصليان. وذكر أيضًا أن الطريفة من النبات، أول الشيء، يستطرفه المال، فيرعاه كائنًا ما كان. وسميت طريفة؛ لأن المال يطرفه
стр. 4482
إذا لم يجد بقلًا. وقيل لكرمها وطرافتها واستطراف المال إياه. وقيل الطريفة خير الكلأ، إلا ما كان من العشب. ومن الطريفة النصي والصليان والهلتي والشحم والثغام١.
و"الحلي" ما ابيض من يبيس النصي والسبط، وقيل: هو كل نبت يشبه نبات الزرع، أو اسم نبت بعينه. وقيل هو من خير مراتع أهل البادية للنعم والخيل٢.
والحماط، شجر شبيه بالتين، خشبه وجناه وريحه، إلا أن جناه هو أصغر وأشد حمرة من التين، ومنابته في أجواف الجبال، وقد يستوقد بحطبه، ويتخذ خشبه لما ينتفع به الناس، يبنون عليه البيوت والخيام. وقيل: هو في مثل نبات التين، غير أنه أصغر ورقًا، وله تين كثير صغار من كل لون أسود وأملح وأصفر، وهو شديد الحلاوة يحرق الفم إذا كان رطبًا، فإذا جف ذهب ذلك عنه. وهو يدخر وله إذا جف متانة وعلوكة. وهو أحب شجر إلى الحيات، أي أنها تألفه كثيرًا. يقال: شيطان حماط٣.
والصليان، نبت من الطريفة، ينبت صعدًا وأضخمه أعجازه وأصوله على قدر نبت الحلي، ومنابته السهول والرياض. وقيل الصليان من الجنبة لغلظه وبقائه٤.
والمكرة نبتة غبراء مليحاء تنبت قصدًا. كأن فيها حمضًا حين تمضغ، تنبت في السهل والرمل، لها ورق وليس لها زهر. وقد تقع المكور على ضروب من الشجر كالرغل٥. و"الدهماء"، عشبة عريضة ذات ورق وقضب، كأنها القرنوة، ولها نورة حمراء يدبغ بها، ومنبتها قفاف الرمل٦.
стр. 4483
الحمض والخلة:
ويقسم بعض العلماء المرعى كله إلى حمض وخلة. فالحمض ما فيه ملوحة،
стр. 4484
والخلة ما سواه. وكل أرض لم يكن بها حمض، فهي خلة، وإن لم يكن بها من النبات شيء. وخلل الأرض التي لا حمض بها، وربما كانت بها عضاه، وربما لم تكن. ولو أتيت أرضًا ليس بها شيء من الشجر وهي جرز من الأرض قلت أنها خلة١.
والحمض ما ملح وأمر من النبات، كالرمث والأثل والطرفاء ونحوها. وذكر أن الحمض من النبات كل نبت مالح أو حامض يقوم على سوق ولا أصل له. ومن الحمض النجيل، والخذراف، والاخريط، والقضة، والقلام، والهرم، والحرض، والدغل، وما أشبهها. وذكر أن الحمض كل نبات لا يهيج في الربيع ويبقى على القيظ وفيه ملوحة، إذا أكلته الإبل شربت عليه، وإذا لم تجده رقت وضعفت. وهي كفاكهة الإبل، والخلة ما حلا، وهي كخبزها، تقول العرب: الخلة خبز الإبل، والحمض فاكهتها ويقال لحمها٢.
والرمث، مرعى للإبل، وهو من الحمض، وشجر يشبه الغضى، لا يطول ولكنه ينبسط ورقه، وهو شبيه بالأشنان، وله هدب طوال دقاق، وهو مع ذلك كله كلأ تعيش فيه الإبل والغنم وإن لم يكن معها غيره، وربما خرج فيه عسل أبيض كأنه الجمان، وهو شديد الحلاوة وله حطب وخشب ووقوده حار وينتفع بدخانه من الزكام. ويرتفع دون القامة فيحتطب٣.
والطرفاء جماعة الطرفة، شجر. قيل إنها أربعة أصناف من الأثل، وقيل الطرفاء شجر من العضاه، هدبه مثل هدب الأثل، وليس له خشب، وإنما يخرج عصيًّا سمحة في السماء، وقد تتحمض به الإبل إذا لم تجد حمضًا غيره. وقيل إنه من الحمض٤.
والأثل: شجر، عده بعضهم نوع من الطرفاء، وقال بعض آخر: الأثلة سمرة أو عضاهة طويلة قويمة يعمل منها الأقداح٥. والنجيل، ضرب من دق الحمض، وقيل هو خير الحمض كله وألينه على السائمة. وذكر أنه إذا أخرج
стр. 4485
عن الحمض أربع شجرات، فسائره نجيل. هي الرمث والغضى والسلج. ومن النجيل: الخذراف، والرغل، والغولان، والهرم، والفذا، والقلام والطمحاء١. والخذراف، نبات ربعي إذا أحس بالصيف يبس، أو هو ضرب من الحمض له وريقة صغيرة يرتفع قدر الذراع٢. والرغل، نبت، أو حمضة تنفرش وعيدانها صلاب وورقها نحو من ورق الجماجم إلا أنها بيضاء ومنابتها السهول، والإبل تحمض به٣.
والغولان، حمض كالأشنان، وقيل شبيه بالعنظوان، إلا أنه أدق منه. وهو مرعى٤. و"الهرم"، نبت ضعيف ترعاه الإبل، وقيل ضرب من الحمض فيه ملوحة. وقيل هو يبيس الشبرق، وهو أذله وأشده انبساطًا على الأرض واستبطاحًا. وقيل شجر، وأن الهرمة البقلة الحمقاء٥. و"الغذام"، نبت من الحمض٦. و"القلام" من الحمض هو كالأشنان إلا أنه أعظم٧ و"القضاض"٨. شجر من الحمض، وقيل هو دقيق ضعيف أصفر اللون٩.
والأراك من الحمض، وقوم مؤركون نازلون بالأراك يرعونها، ويقال أطيب الألبان ألبان الأوارك. وفي الحديث أتى بلبن الأوارك وهو بعرفة، فشرب منه١٠.
و"الحرض"، من النجيل. وذكر أنه الأشنان، تغسل به الأيدي على أثر الطعام. وشجرته ضخمة، وربما استظل بها، ولها حطب، وهو الذي يغسل به الناس الثياب، وأنقى وأبيض حرض هو حرض ينبت باليمامة، بواد منها يقال له جو الخضارم١١. و"الحيهل"، شجرة قصيرة من دق الحمض
стр. 4486
لا ورق لها، وقيل إنه "الهرم"، وهو إذا أصابه المطر نبت سريعًا، وإذا أكلته الإبل، فلم تبعر ولم تسلح مسرعة ماتت، وبذلك فسروا تسمية "الهرم" هرمًا١.
وقد يضطر أصحاب الماشية إلى إطعامها ما ينبت في الأرض السبخة، أي ذات الملح. يقال "ملح الماشية"، بمعنى أطعمها سبخة الملح٢. و"السبخة"، أرض ذات نز وملح، وهي لا تكاد تنبت إلا بعض الشجر والنبات٣. وتوجد السباخ في مواضع من جزيرة العرب، في الأماكن الوطئة، حيث تنز الأرض، ويعلوها الملح، وتكون رخوة.
ولفظة "رعى" من الألفاظ التي كثر ورودها في الكتابات الصفوية، وهي كتابات أصحابها رعاة، كانوا يتنقلون مع ماشيتهم من مكان إلى آخر في طلب المرعى، فكانوا يكتبون خواطرهم على الحجارة والصخور، تخليدًا لنزولهم هاتيك المواضع. وهم من عشائر مختلفة امتهنت الرعي، فكانت تتنقل من مكان إلى مكان. تتوغل في الربيع في البوادي، فإذا انتهى الموسم ويبس الكلأ، عادت إلى مواضع قريبة من الحضر، حيث يتوفر فيها الماء، فترعى ماشيتها بكلأ هذه الأرضين، وتبيع إلى أهل المدر، ما يكون عندها من وبر وأصواف ومنتوج ألبان.
وتثبت النصوص الصفوية أن أصحابها كانوا جماعة من الرعاة، يتنقلون من مكان إلى مكان، بدليل الإشارة إلى المرعى "همرعى" "هـ مرعى"، "ها مرعى"، أي "المرعى" وإلى الماء وإلى البقر والإبل والشياه "شهى" "شاهي"، والأودية "هنخل" "هـ - نخل" "ها نخل" وغير ذلك من الألفاظ التي ترد على ألسنة الرعاة. فكان هؤلاء الصفويون يتنقلون مع الكلأ والماء لرعي ماشيتهم٤.
стр. 4487
أصناف الرعاة:
والرعاة على صنفين: رعاة الإبل، وهم الممعنون في البوادي، والذين يبيتون مع الإبل في المرعى لا يأوون إلى بيوتهم، ولا يرعون غيرها، وهم: الجشر" أو هم الذين يرعون الإبل، ويقيمون معها في المرعى، ولا يرعون معها غيرها من بقية الحيوانات١. وهم جل الأعراب، بل كلهم؛ لأن حياة الأعرابي هي حياة رعي إبل، يرعاها عند بيته أو على مبعدة منه. بات مع الإبل بعيدًا عن بيته أو أهله أيامًا أو موسم الربيع، أو أقام عند خيمته مع إبله، فهو راعي إبل في الحالتين.
وراعي الإبل، هو الأعرابي الأصيل، ابن البادية جواب بيداء، لا يأكل البقل والخضر، هو كما قال الراجز:
جواب بيداء بها غروف ... لا يأكل البقل ولا يريف
ولا يرى في بيته القليف٢
ويقال للأعرابي الذي ينشأ في البدو والفلوات لم يزايلها: المقحم٣.
ويكون هؤلاء الرعاة الأعراب من أبعد الرعاة عن "المصانع"، أي القرى والحضر، ومن أهلها، لا يذهبون إليها ولا يتصلون بها٤. فهم يعيشون في عالم خاص بهم بعيد عن القيود والتكاليف، والتنويع في المأكل والمشرب.
ورعاة يرعون إبلًا ويرعون غيرها معها من بقر وخيل وغنم. وهم لعدم استطاعة البقر والغنم من التوغل في البادية والتعمق في طياتها، لا يستطيعون الابتعاد عن الماء كثيرًا، لعدم استطاعة تلك الحيوانات الصبر على العطش كثيرًا ولهذا فهم على اتصال بالحضر وبالحضارة، وهم مرحلة وسطى بين الحضارة وبين
стр. 4488
الأعرابية، وهم الجرثومة التي نبتت منها المجتمعات العربية الحضرية في العراق وفي بلاد الشأم وفي جزيرة العرب، وهم من أهل الخيام السود المنسوجة من شعر الماعز، أو من صوف الأغنام، وقد أشير إليهم في التوراة، وقد كانوا يسكنون شرق العبرانيين وفي أرض فلسطين.
وكانوا يتنجعون أيام الكلأ فتجتمع منهم قبائل شتى في مكان واحد، فتقع بينهم ألفة، فإذا افترقوا ورجعوا إلى أوطانهم ساءهم ذلك، وقد عرف هؤلاء بـ"الخلطاء". كما كانوا يتشاركون في الرعي، وذلك أن يستأجروا راعيًا أو رعاة، ويقدم كل واحد من الشركاء ما يريد تقديمه من الإبل أو الشياه، ويحتمل كل واحد من المتشاركين أجر الرعي، حسب عدد إبله أو شياهه١.
ولا يشترط في الراعي، أن يكون أجيرًا لغيره يرعى إبل وماشية غيره، فقد يكون راعيًا، وهو مالك لإبله ولبقية الماشية التي يرعاها، وهو إنما سمي راعيًا؛ لأنه اتخذ الرعي وسيلة للحياة يعيش عليها، ويجوز أن يكون قد ورثها عن آبائه وأجداده، ويجوز أن يكون قد اختارها هو حرفة له، كما يجوز أن يكون راعيًا لمال غيره من أهل قبيلته أو من الأبعدين، وقد يكون هؤلاء من أهل الحواضر المستقرين، يسلمون ما لهم للرعاة، لترعى في البوادي، وليكثر نسلها وتصح أجسامها، فإذا أرادوا بيعها طلبوا من الرعاة إعادتها إليهم.
ويقوم الأبناء في العادة برعي إبل الأب والعائلة، ونجد في القصص إشارات إليهم، لطمع الرجال في الإبل، وازدراءهم شأن الراعي لصغر سنه، فيستاقون إبله، مما يتسبب عن ذلك تعقب السراق، ووقوع حوادث بينهم وبين أرباب الإبل.
ولا يربي الرعاة الدجاج والبط والحمام والأوز والطيور المختلفة والخنازير، إنما يربيها أهل الريف. والريف ما قارب الماء من أرض العرب وغيرها، وأرض فيها زرع وخصب، أو حيث تكون الخضر والمياه والزروع٢. وتربية الدجاج حرفة ينظر العربي إليها نظرة ازدراء واستهجان، فلا يليق برجل حر يحترم نفسه، أن يخدم طيرًا أو حيوانًا صغيرًا كالدجاجة، ولذلك كانت من حرف
стр. 4489
"النبط" والعرب المتنبطة، أي أهل الريف ممن خالط النبط، أي بني إرم، ومن تأثر بهم. وقد ربى أهل القرى الدجاج والطيور، لأكلهم، إذ كانوا يأكلون لحم الدجاج، ذكر أن الرسول والصحابة أكلت لحومها١، ونجد الشعراء يشيرون إلى صياح الديكة عند دنوهم من الأرياف، لتربيتهم الدجاج واعتنائهم بها، واعتبارهم لحومها من ألذ اللحوم.
وترعى الماشية في القرى وفي المزارع بما يظهر من أخضر على وجه الأرض بعد الحصاد، ويقال لذلك: المحشرة٢.
стр. 4490
الرعاة والحضارة:
وقد حدث في الجاهلية ما يحدث اليوم: يتنقل الأعراب بمواشيهم وبيوتهم وكل ما يملكون من باطن جزيرة العرب في الجفاف، فيتجهون نحو الشمال، نحو بلاد الشأم والعراق للرعي والاكتيال. ينزلون هناك جماعات حيث يجدون الماء والكلأ، في مواضع مختلفة قد تكون بعيدة عن القرى والمدن ممعنة في البادية، وقد تكون في أطراف القرى وبين الحضر، وقد يدخلون بين الحضر للاكتيال والامتيار وللري في مواضع العشب والكلأ المحيطة بهم. وهم على هذه الحالة ما دامت بهم حاجة إلى كل أولئك، فإذا انتهت أو شح ما قصدوه انتقلوا إلى مواضع أخرى، وهكذا كانت سنة البدوي في الحياة.
وقد كانوا يفدون دومًا من باطن الجزيرة، فيتوغلون في بادية الشأم ومنهم من كان يمعن في التوغل في تلك البادية حتى يصل أقصاها، أي أعاليها في الشمال، فيدخل الأرضين الجنوبية من "تركية" في الوقت الحاضر، وأعالي العراق وبلاد الشأم. ومنهم من كان يجد له طيب العيش والمقام، في هذه المهابط والمواطن الجديدة، فيقيم بها، وقد يتحضر قوم منهم، ومن هؤلاء تولد حضر العرب في هذه الديار.
ولما كان في مجيء الأعراب على هذه الصورة محاذير وأخطار على الحضر وعلى الحكومات، اضطرت الحكومات المسيطرة على العراق وبلاد الشأم إلى اتخاذ وسائل
стр. 4491
الحماية المختلفة لحماية أرضها منهم، فبنت المسالح ووضعت الحرس في المواضع المشرفة على البوادي الممسكة بعنان طرقها، لمراقبة القادم والخارج ولإبلاغ رجال الأمن بدنو الخطر، وحذرت من الأعراب، فأشرفت على حركاتهم وسكناتهم خشية انتهازها فرص الضعف، فتعبث على عادتها بالأمن، وقد أنشأ الرومان واليونان بركًا واتخذوا صهاريج لخزن مياه الأمطار ليستفيد منها الأعراب وليجدوا فيها ما يحتاجون إليه، فلا يتوغلوا عميقًا في بلاد الشأم، كما أقاموا حصونًا في أطراف البادية لمراقبة حركات الأعراب.
وهكذا أمن حكام الشأم من خطر الأعراب، بعد أن اتبعوا معهم سياسة الترضية والتهدئة للاستفادة منهم في حفظ الحدود، وأقام قسم من الأعراب في المواضع التي تتوافر فيها المياه، وزرعوا، واشتغلوا ببعض الحرف مثل غزل الأصواف ونسجها، والتوسط في التجارة بين الأعراب وسكان المدن والقرى البعيدة عن البادية من بلاد الشأم، وزرع الحبوب وأشجار الزيتون والكروم. واستفادوا من هذا الحاصل الزراعي ببيعه للأعراب المحتاجين إليه.
ولا حاجة بي إلى الإشارة إلى أثر المراعي في حياة جزيرة العرب، وفي حياة الأعراب بصورة خاصة. فعلى المراعي تتوقف حياة الماشية عماد الثروة والمال لأهل البادية، وهي من أهم المشكلات العويصة بالنسبة إليهم وإلى الحكومات حتى الآن. والأعرابي ومعه ماشيته وراء المراعي يفتش عنها في كل مكان، وينتقل إليها ليجد فيها الكلأ لماشيته. وسبب هذه المشكلة هو قلة وجود الماء في جزيرة العرب، وقلة الأمطار وانحصارها في مواسم ضيقة لا تمتد طويلًا، وانحباسها في بعض السنين، مما يسبب قصر زمن الرعي، وجفاف الكلأ والتأثير في حياة الماشية بحيث تتعرض للهلاك والموت، وهذا مما يحمل القبائل على التنقل من مكان إلى مكان، فتتزاحم وتتطاحن للاستيلاء على المراعي.
стр. 4492
الفصل الرابع والتسعون: الثروة الحيوانية
مدخل
...
الفصل الرابع والتسعون: ثروة الحيوانية
والحيوان ثروة مهمة وخاصة لتلك البلاد الفقيرة التي لا تملك صناعة، والتي تكون مواردها الطبيعية محدودة. فتعوض عن الصناعة بتربية الحيوان وبالزراعة إن توفر الماء. والإبل مصدر ثروة عظيمة في الجاهلية، لاستفادتهم منها في أمور كثيرة عديدة. وبعدد الإبل تقاس الثروات. والإبل المال عند العرب، وأساس التعامل بينهم. قال بعض العلماء: "المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يقتنى ويملك من الأعيان. وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم"١. وفي الحديث نهي عن إضاعة المال. قيل أراد به الحيوان، أي يحسن إليه ولا يهمل٢.
ويطلق العرب على الإبل والبقر والشاء "النعم"، وزاد بعض علماء اللغة المعز والضأن. وذكر بعض آخر، أن النعم، إنما خصت بالإبل، لكونها عندهم أعظم نعمة. وقيل إن العرب إذا أفردت النعم، لم يريدوا بها إلا الإبل، فإذا قالوا الأنعام: أرادوا بها الإبل والبقر والغنم٣.
ويراد بـ"الماشية"، الإبل والغنم، وقيل الإبل والبقر والغنم، وقال بعض العلماء، وأكثر ما يستعمل في الغنم، وقيل: كل مال يكون سائمة للنسل والقنية
стр. 4493
من إبل وشاء وبقر، فهي ماشية. وأصل المشاء النماء والكثرة. ومشت الماشية مشاءً كثرت أولادها١.
و"الشاة"، الواحدة من الغنم، تكون للذكر والأنثى، أو يكون من الضأن، والمعز، والظباء، والبقر، والنعام، وحمر الوحش. وفي الحديث: فأمر لها بشياه غنم، إنما أضافها إلى الغنم؛ لأن العرب تسمي البقرة الوحشية شاة، فميزها بالإضافة لذلك، وشاء، وشياه، وشواه، وأشاوه، وشوي، وشيه، في حالة الجمع٢.
و"السوام" و"السائمة"، الإبل الراعية، وقيل كل ما رعي من المال في الفلوات، إذا خلى وسومه يرعى حيث شاء. والسائم الذاهب إلى وجهه حيث شاء، يقال سامت السائمة، وأسأمها هو، أي أرعاها أو أخرجها إلى الرعي، وذكر أن السوام والسائمة كل إبل ترسل ترعى ولا تعلف في الأصل. وسوم الخيل، أرسلها إلى المرعى، ترعى حيث شاءت٣.
والجمل هو الحيوان الوحيد الذي رضي بمرافقة الأعراب وبمشاطرتهم حياتهم في البوادي. ألفهم وعاشرهم وشاركهم في مسراتهم وفي أحزانهم، صابرًا راضيًا، يحملهم ويحمل أثقالهم، لا يسألهم على ذلك أجرًا، وهو مع ذلك طعامهم إذا جاعوا، أو شعروا أنه قد مرض مرضًا لا يرجى شفاؤه، أو أنه قد كبر وأسن، فصار لا يصلح للعمل، ومن وبره صنعوا خيامهم. وهو قنوع يقنع بالقليل ولا يطالب بالكثير. ويصبر على العطش والجوع، لا يباريه في هذا الصبر أي حيوان من الحيوانات التي ألفت الإنسان وقاسمته حياته. إذا اخضرت الأرض، وجد طعامه هبة، لا يكلف مالكه شيئًا عن اقتضامه له، وإذا يبست الأرض قنع بالتهام اليابس، وبتناول العوسج ونباتات البر، التي يكون عمرها أطول من عمر الكلأ، وإذا بعد الماء صبر على العطش حتى يجده، لا يلح على صاحبه بوجوب تقديم الماء له، كما تفعل الخيل والحمير والبغال.
وتعد لحوم الإبل من اللحوم اللذيذة الطيبة عند العرب. وتنحر عند قدوم شخصية كبيرة تقديرًا لها، وتنحر تقربًا إلى الأصنام وفي المناسبات الدينية، وتعقر
стр. 4494
القبور إكرامًا لصاحب القبر، ويبيع الجزارون لحومها وسائر اللحوم الأخرى. ونظرًا إلى أهمية الإبل بالنسبة إلى حياة الأعراب، ولغلاء ثمنها، ولعدم تمكنهم من شراء عدد كثير منها، إلا بالنسبة للموسر منهم، اقتصدوا في ذبحها، إلا لعلة قاتلة ومرض مهلك؛ لأنها أصول أموالهم، فهم يريدون إكثارها، وفي إكثارها إكثار لأموالهم، ولا سيما في إكثار الإبل النجيبة التي لا توازى عندهم بثمن، والتي تعد مقياس الثراء والجاه والغنى عند العرب.
وإذا مات فصيل الناقة أو ذبح، سلخ برأسه وقوائمه ثم حشي جلده تبنًا لتزأمه أمه وتشم رائحته، فتدر عليه ولا ينقطع لبنها، فتحلب. ويقال للجلد المحشو بالتبن "البو"١.
و"الأشراط" الإبل أو الغنم تعزل للبيع. و"الشريطة"، الجماعة المعزولة منها، المعدة للبيع٢.
والجمل، هو الحيوان الوحيد الذي لم يجد الأعرابي في تربيته بأسًا ولا غضاضة، ولا حطة لقدر ومنزلة. فاجتناه وتباهى به وافتخر، وجعله مقياس ثرائه وماله، وأعز شيء عنده في حياته، وما الذي يملكه الأعرابي في دنياه غير هذا الجمل! أما البقر والغنم والحمير والبغال، فهي دون الجمل في المكانة والمنزلة عنده، فترفع لذلك عن تربيتها، واعتبر تربيتها وخدمتها وبيعها عملًا من أعمال "النبط" والخدم والعبيد والأعاجم، وكيف يقبل أن ينظف تلك الحيوانات وأن يجمع روثها، ويتحمل سقوط أبوالها عليه، وأن يشم رائحة أرواثها وبولها، وهي حوله أو في بيته، والروث قذارة. وكيف يرضى أن يحشها ,أن يقدم لها العلف والقت، ثم تروث له. جاء في المثل: أحشك وتروثني٣؟.
والجمل قليل الكلفة، لا يكلف أكله صاحبه كثيرًا، يعيش على ما تنبته الأرض، وعلى ما يجده على وجهها من يابس النبات، ومن عوسج ونبات ذي شوك، ومن نباتات أخرى تتبطر عليها بقية الماشية. وهو لا يطلب من صاحبه علفًا غاليًا، أو متنوعًا، كما تفعل بقية الماشية، مثل البقر والخيل والغنم
стр. 4495
والحمير، مع أنها ليست في صبر الجمل ولا في قدرته على تحمل المشقات وحمل الأثقال على مسافات طويلة في البوادي، وفي الرمال التي تفزع منها بقية الماشية، وتهلك إن أجبرت على السير بها.
والإبل من حيث الأصالة والعرق أجناس وأصناف، فيها الإبل الأصيلة التي يفتخر أصحابها بها، ويظنون على غيرهم بها. ولا يعطون منها لأحد، وفيها الإبل الرخيصة، من الصنف الواطيء المعدود للبيع، لخساسة جنسه، ولعدم نجابته. وكان الملوك وسادات القبائل يجنون الأصيل من الإبل، فكان "النعمان بن المنذر"، وهو من أصحاب الهوايات في حيازة النادر من الأشياء، يمتلك الإبل الجيدة، ومنها إبل عرفت بـ"عصافير النعمان". وقد أمر للنابغة بمائة ناقة من عصافيره بريشها وحسام وآنية من فضة، أعطاها بريشها ليعلم أنها من عطايا الملوك. وكان للملك "المنذر" ملك الحيرة إبل نجائب منهن إبل عرفت بـ"عصافير المنذر"١.
ومن الإبل الجيدة الشهيرة، النجائب القطريات. نسبت إلى قطر وما والاها من البر٢. و"المهرية"، وقد نالت حظًّا واسعًّا من الشهرة حتى زعم أنها من إبل الجن٣. وقد اشتهرت "جرش"، باليمن بإبلها، فقيل "ناقة جرشية" وبعير جرشي٤. والأرحبيات من نجائب الإبل الكريمة، منسوبة إلى بني أرحب من همدان٥، والصدفية، والجرمية، والداعرية٦.
وكانوا لا يبيعون الإبل النجيبة، إلا عن اضطرار. ويسمونها "الحرائز". ذكر علماء اللغة أن الحرائز من الإبل التي لا تباع نفاسة. ومنه المثل: لا حريز من بيع، أي إن أعطيتني ثمنًا أرضاه لم أمتنع من بيعه. والحرزة خيار المال؛ لأن صاحبها يحرزها ويصونها، ومنه الحديث في الزكاة: لا تأخذوا من حرزات أموال الناس شيئًا، أي من خيارها٧.
стр. 4496
وللعرب مصطلحات يقولونها في الإبل إذا كثر عددها. منها "الهجمة" القطعة الضخمة منها، قيل: أولها أربعون إلا ما زادت، و"الهنيدة"، المائة فقط، وقيل: هي ما بين الثلاثين والمائة، أو ما بين السبعين والمائة، أو ما بين السبعين إلى دوينها، أو هي ما بين التسعين إلى المائة. وقال بعض علماء اللغة: إذا بلغت الإبل ستين، فهي "عجرمة"، ثم هي "هجمة" حتى تبلغ المائة١.
وتطلق لفظة "الكور" على الجماعة الكثيرة من الإبل٢.
والعارض الناقة المريضة أو الكسير، وهي التي أصابها كسر أو آفة، وكانوا ينحرون العوارض، ومن عادتهم أنهم لا ينحرون الإبل إلى من داء يصيبها، وتقول العرب للرجل إذا قدم إليهم لحمًا أعبيط أم عارضة. فالعبيط الذي ينحر من غير علة. والعرب تعير من يأكل العوارض، ومن ينحر الإبل المريضة للضيوف٣.
ويقال للإبل وللبقر "العوامل"٤، ويظهر أن ذلك بسبب تشغيل أهل القرى لها في كثير من الأعمال في مثل الحمل وسحب الماء من الآبار والحراثة وأمثال ذلك من أعمال. وأطلقت اللفظة على بقر الحراثة والدياسة. وفي حديث الزكاة: ليس في العوامل شيء ... العوامل من البقر، هي التي يستقي عليها ويحرث وتستعمل في الأشغال٥.
وذكر "الهمداني" أن بالعربية الجنوبية من البقر الجندية والخديرية والجبلانية، وهي قوية٦. وقد استخدم أهل العربية الجنوبية البقر في الحراثة، وكذلك غيرهم في معظم أنحاء جزيرة العرب.
والخيل جماعة الأفراس٧. و"الفرس" للذكر والأنثى، ولا يقال للأنثى فرسة٨. و"الحصان" الفرس الذكر، أو هو الكريم المضنون بمائه، حتى
стр. 4497
سموا كل ذكر من الخيل حصانًا١. و"الحجر"، الأنثى من الخيل٢. و"الطحون" الكتيبة من الخيل٣.
لم تكن الخيل كثيرة في الحجاز عند ظهور الإسلام. ففي معركة "بدر" لم يكن مع المسلمين سوى فرسين، فرس للمقداد بن عمرو، وفرس لمرثد بن أبي مرثد٤، ولم يكن مع قريش سوى مائة فرس٥. فقد كانت غالية الثمن، وتكاليفها عالية، فعسر على من لا مال له شراؤها والإنفاق عليها. وقد ورد في بعض الروايات أن "المقداد بن عمرو"، كان فارس يوم بدر، حتى أنه لم يثبت أنه كان فيها على فرس غيره. وكان اسم فرسه "سبحة"٦.
والأخدرية من الخيل منسوبة إلى "أخدر" فحل أفلت فتوحش، ذكر أهل الأخبار أنه كان لسليمان، أو لأزدشير "أردشير". وهناك حمر عرفت بالأخدرية كذلك، ذكروا أنها منسوبة إليه أيضًا. والخدري، الحمار الأسود، والأخدري وحشيه، ويقال للأخدرية من الحمر بنات الأخدر٧.
والأغنام عند الحضر وأشباههم، يربونها للاستفادة من لحومها وألبانها وأصوافها، ولحاجتها إلى الماء والكلأ والعلف بصورة دائمة، صارت من ماشية أهل الحضر والمراعي. وهي مصدر ثروة لأصحابها، تصدر إلى أسواق العراق وبلاد الشأم لبيعها هناك. ومن أنواعها المشهورة: الكباش العوسية. والعوس، ضرب من الكباش البيض٨، ويكون صوفها أبيض، وهو مرغوب مطلوب.
و"المعز" خلاف الضأن من الغنم، والمعز ذوات الشعور، والضأن ذوات الصوف، و"الماعز" واحد المعز٩. ويستفاد من لحوم المعز ومن ألبانها وشعرها. وكان أعراب بادية الشأم الساكنين على مقربة من فلسطين، يتخذون بيوتهم من
стр. 4498
شعر الماعز، كما تتخذ البسط والسجاجيد منها. و"العنز" الأنثى من المعز. ويكثر وجود المعز البري في جبال السراة وفي المناطق الصخرية، حيث يعيش على الأشجار والأعشاب البرية. ويربي الرعاة المعز، حيث يأخذون قطعانها إلى المواضع المعشبة القريبة من الماء لترعى هناك، وتربى بصورة خاصة في الأرضين الجبلية والمتوجة، حيث يتسلق المعز المرتفعات، فيأكل ما يجده أمامه من شجر وحشائش.
стр. 4499
الطيور:
وقد عني أهل المدر وأهل الريف، بتربية الطيور، وعلى رأسها الدجاج. وقد عد أكله من طعام المترفين المتمكنين، لارتفاع ثمنه بالنسبة إلى الفقراء، وكانوا يتفننون في طبخه. وقد أكله النبي والصحابة١.
والأوز عند العرب البط، صغاره وكباره٢. ويعدونه من طير الماء، ويذكر علماء اللغة أن "بطة" و"بط" من الألفاظ المعربة٣. واللفظة إرمية أصلها في لغة بني إرم "بطو"٤.
ويربي الزراع الحيوانات للاستفادة منها في الخدمات الزراعية وفي معاشهم، كالجمال للنقل والحراثة ومتح الماء من الآبار العميقة، والبقر للانتفاع بألبانها ولحومها وللحراثة ومنح الماء، والضأن والمعز والدجاج وغير ذلك من الحيوانات الأخرى الأليفة، مثل البط والأوز، وغيرها مما يربيه الحضر وأهل الريف.
стр. 4500
تربية النحل:
والنحل ذباب العسل، يقع على الذكر والأنثى١ و"اليعسوب" أمير النحل
стр. 4501
وذكرها والرئيس الكبير١. والعسل من الأغذية الثمينة عند أهل الجاهلية، وقد استعملوه في المعالجة من أمراض عديدة، نص عليها في كتب الحديث والطب، وقد أطلق العرب لفظة "العسل" على ما يشبه العسل في الحلاوة أو في الشكل، فقالوا: عسل العرفط، وهو صمغ العرفط لحلاوته، وعسل اللبنى، صمغ ينضح من شجرة، يشبه العسل لا حلاوة له، ويتبخر به، وعسل الرمث، شيء أبيض يخرج منه كالجمان٢. ويعسل النحل في "الخلى"، وقد يتخذ النحل خليته بنفسه، في الجبال وفي البساتين، فتكون خلايا طبيعية، وقد يعمل الإنسان بيده خلية النحل، كما يفعل من يربي النحل، فيتخذ لها ما يشبه الراقود من طين، ويقال لها "كوارة"، أو خشبة تنقر ليعسل فيها، وأشياء أخرى٣. وهي خلايا أهلية. و"الكور" موضع الزنابير، و"كوارة النحل"، شيء يتخذ للنحل من القضبان والطين، ضيق الرأس تعسل فيه، وقد يراد باللفظة العسل في الشمع٤. و"الشمع" الموم كذلك٥. و"الجزع" خلية النحل٦.
وتعزل للنحل مواضع منتبذة عن البيوت يقولون لها: "المصانع"، واحدتها مصنعة٧.
والنحل من الجوارس في اصطلاح أهل الأخبار، ويعنون بذلك أنه يلحس الشجر والنور للتعسيل. فهو من الجوارس٨.
وقد عد "سترابون" العسل من جملة المحصولات التي اشتهرت بها العربية السعيدة، وذكر أنه كثير جدًّا فيها٩. وهو كثير في اليمن، ولا تزال اليمن على شهرتها به١٠.
وقد كانت الجبال والهضاب المنعزلة، من مواطن النحل الوحشي، وهناك
стр. 4502
"معيدون"١، حذقوا الرقي والنزول من الجبال، يذهبون إلى الجبال للبحث بين صخورها عن خلايا للنحل لاستخلاص العسل منها، وقد اشتهرت جبال "بني سليم"، بكثرة ما بها من عسل، وبقيت على شهرتها هذه في الإسلام٢.
وقد عني الحضارمة بتربية النحل ودر العسل عليهم ربحًا طيبًا. ونجد في كتاب رسول الله لربيعة بن ذي مرحب الحضرمي وإخوته وأعمامه "أن لهم أموالهم ونحلهم ورقيقهم وآبارهم وشجرهم ومياههم وسواقيهم ونبتهم وشراجعهم بحضرموت"٣. وفي ذكر النحل بعد الأموال، إشارة إلى أهميته وكونه من مصادر الرزق عندهم في ذلك الوقت.
стр. 4503
الأسماك:
وقد أشير في القرآن الكريم إلى صيد البحر، فورد فيه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ١ وصيد البحر، ما يصطاد من البحار من حيوانات تعيش فيه. وقد كان العرب يعتاشون من البحر، ولا سيما سكان السواحل حيث يسد هذا الصيد جزءًا مهمًّا من معيشتهم، فيستعملون ما يحتاجون إليه، ويبيعون الفائض منه، أو يتقاضون به. وقد كان سكان السواحل يخرجون بالوسائل المتيسرة لهم لصيد السمك، ومنهم من يصطاد عند السواحل فيجمع ما يقع تحت يديه ليستفيد منه.
ويقال لصياد السمك "العركي" كذلك، ولهذا قيل للملاحين "عرك"؛ لأنهم يصيدون السمك. وفي الحديث أن النبي كتب إلى قوم من اليهود على ساحل خليج العقبة عليكم ربع ما أخرجت نخلكم، وربع ما صادت عروككم، وربع المغزل. والعروك جمع عرك. وهم الذين يصيدون السمك٢.
стр. 4504
وقد عاش على صيد البحر خلق كثير من سكنة السواحل، في ذلك الزمن، حيث كانت سبل العيش عندهم قليلة ضيقة. وقد استفادوا من الحيتان والأسماك الأخرى الكبيرة بصورة خاصة للحمها الغزير، ولاستعمال عظامها وهي كبيرة في حاجات متعددة، حتى جلودها استفادوا منها. والحيتان معروفة في البحر الأحمر وفي البحر العربي والخليج. وهي لضخامتها يحتاج في صيدها إلى آلات وإلى أيدي متعددة. وقد أشير إليها وإلى ضخامتها في القرآن الكريم.
والحوت، في رأي بعض علماء اللغة السمك كله. ولكن الغالب أنه ما عظم منه، والسمك في العرف أصغر من الحوت.
ويجفف السمك في الشمس، ويملح أحيانًا، ويجفف في الهواء ليؤكل وقت الحاجة إليه. وقد يستعمل علفًا للحيوانات. وقد يطحن السمك المجفف ويؤكل طحينه، ويجعل علفًا للحيوانات، وقد يحفظ السمك في ماء مملح أو في خل، ويقال للسمك المملح ما دام طريًّا "القريب"١. وأما السمك الممقور في ماء وملح، فهو "النشوط"٢، والمقر السمكة المالحة أو المنقعة في الخل٣. و"الحساس"، سمك يجفف ويسمى "قاشعًا" كذلك٤.
ومن حيوان البحر "التامور"٥، و"الاطوم" سلحفاة بحرية غليظة الجلد، يشبه بها جلد البعير الأملس وتتخذ منها الخفاف للجمالين، وتتخذ منها النعال. وقيل: إنها سمكة عظيمة، يقال لها المصلة والزالحة، تحذى من جلدها النعال٦. و"النكيع" دابة من دواب البحر٧، و"الزجر"، سمك عظام٨، و"اللخم" سمك بحري، ضخم لا يمر بشيء إلا قطعه، وهو يأكل الناس. وقيل هو الكوسج، وقيل القرش٩. و"الجمل"، كاللخم من السمك الضخم، ويقال
стр. 4505
له "البال"، قيل إن طول السمكة منه ثلاثون ذراعًا، ويقال هي "الكبع"١. و"الكبع"، جمل البحر، وقيل سمك بحري وحشي الهيئة، ومنه يقال للمرأة الدميمة: يا وجه الكبع٢. و"الكنعد"، و"الكنعت" ضرب من سمك البحر٣. و"سابوط" دابة من دواب البحر٤. و"قضاعة" اسم كلب الماء، وقيل كلبة الماء٥. و"قبع" دويبة بحرية٦، و"الدوع" ضرب من الحيتان بلهجة أهل اليمن، وسمكة حمراء صغيرة كأصبع٧. و"العنز"، ويقال لها "عنز الماء" أيضًا، سمكة كبيرة، لا يكاد يحملها بغل٨.
و"الجريث" سمك يقال له "الجري". ويظهر أن اليهود كانوا لا يأكلونه، ولما جاء الإسلام، سألوا عن أكله، فاختلف الناس فيه، فمنهم من أباحه ومنهم من نهى عنه. وذكروا اسم نوع آخر من السمك اسمه "الصلور"، قالوا إنه "الجريث"، وأما "الانقليس"، فإنه "مار ماهي" بالفارسية، أي حية الماء٩. وقد ذكر أحد الشعراء أن الأزد كانوا يأكلون: "الشيم"، والجريث، والكنعد١٠، و"الشيم" نوع من السمك أيضًا١١. فقال:
قل لطغام الأزد لا تبطروا ... بالشيم والجريث والكنعد١٢
وقد كان أهل البحرين يحملون "الكنعد" المالح في الجلال البحرانية. يستخرجونه من البحر. وذكر الشاعر "جرير" هذا السمك أيضًا، وذكر أنهم كانوا يشوونه ويأكلونه مع البصل١٣.
стр. 4506
الفصل الخامس والتسعون: الأرض
مدخل
...
الفصل الخامس والتسعون: الأرض
والأرض هي مصدر الثراء والغنى للإنسان، وعلى مقدار ما يملكه الإنسان من أرض، تكون ثروته ويكون غناه، وعلى قدر ما يبذله صاحب الأرض من جهد في استغلالها وفي تطويرها وفي استنباط ما في باطنها من خيرات يتوقف دخله منها وغلته التي تأتيه من أرضه هذه.
ولا تعرف ملكية الأرض والماء، إلا بين الحضر، أما الأعراب، فإن هذه الملكية تكون عندها للقبيلة ولساداتها، حيث يحمون بعض الأرضين، أو يستنبطون الماء من أرض موات لا ماء فيها، فتتحول الأرض بذلك إلى أرض نافعة ذات ماء، يبسط حافرها حمايته عليها ويجعلها ملكًا له، وقد يزرع عليها، فتصير الأرض التي يزرعها ملكًا له. وبهذه الطريقة تكونت الملكية بين القبائل. ولا يستطيع أن ينال من هذه الملكية بالطبع إلا المتمكن من أبناء القبيلة ومن ساداتها، ممن يتمكن بما لديه من مال وإمكانيات من استنباط الماء ومن إحياء الأرض واستغلالها بما عنده من موال وعبيد.
ويكتسب هذا التملك صفة شرعية، إذ يعتبر ملكًا صرفًا لصاحبه، ليس لأحد حق منازعته عليه. ولمالكه أن يتصرف به كيف يشاء، له أن يبيعه، وله أن يهبه، وإن مات انتقلت ملكيته إلى ورثته.
فالأرض في معظم جزيرة العرب، حق عام مشاع لا تعود ملكيته لأحد.
стр. 4507
إلى أن صار الرعي، وأخذت القبائل تنتقل من مكان إلى مكان، ففرض سادتها حق الحمى، وهو نوع من التملك المتولد من حق الاستيلاء بسبب الزعامة والقوة والاغتصاب، فصار الحمى ملكًا لسادات القبائل، وصارت الأرض المتبقية التي دخلت في حوزة القبيلة بسبب بسطها سلطانها عليها، ملكًا لها. ملكًا مشاعًا بين جميع أبناء القبيلة، ليس لأحد صد أحد من أبناء قبيلته عن ارتياد أرضها، إلا بقانون القوة والعزة والتجبر، أو بفرض سلطانه على الأرض باستنباط مائها، وهو حق لا يعمل به إلا القوي المتمكن.
ومن هذا الإحياء للأرض الموات تكونت بعض المستوطنات في البوادي، جلب ظهور الماء فيها الناس إليها، فسكنوا حولها، وجاءوا من أطرافها للاستقاء من مائها، وشجع العثور عليه في هذا الموضع المتمكنين الآخرين على الحفر أيضًا، فكان إذا ظهر ماء عذب، جذب الناس إليه، وسحرهم بسحره، وأناخهم حوله، فتوسعت بذلك تلك المستوطنات، وتعددت، وظهرت فيها الملكية الفردية، والحياة الحضرية القائمة على الحيازة والتملك الفردي، بصورة أوسع مما نجدها عند البدوي الاعتيادي الذي لا يملك إلا بيته، وهو خيمته وأهله، وما قد يكون عنده من الإبل.
стр. 4508
ظهور القرى:
وصار بعض هذه المستوطنات قرى، توسع قسم منها حتى صار بمنزلة المدن، منها ما كان يضاهي "يثرب" أو مكة في الحجم، غير أنه لم يشتهر ولم يذكر، لعدم وجود تماس له وصلة مباشرة بتأريخ الإسلام. وهي مستوطنات سكن وماء وأسواق وتجارة، ذكرها أهل الأخبار بقولهم: "قرية كانت عظيمة الشأن" وبقولهم: "قرى". وصار بعض منها "قرى وزروع ونخيل"١، أي قرى غلبت الزراعة على أهلها. فظهرت الزراعة بها. زراعة نخيل، إن كانت زراعة النخيل هي الزراعة المتغلبة عليها. وزراعة نخيل وزروع أخرى، إن شاركت
стр. 4509
الزروع الأخرى النخيل في ذلك. وهذا هو سبب نص "الهمداني" وأمثاله ممن كتب عن مواضع جزيرة العرب، على القرى، بأنها قرى، أو قرى سكن، أو قرى نخيل١. أو قرى زراعة ونخيل، أو نخل وقرية٢.
وأما القرى التي غلب التعدين عليها، فقد نص عليها بأنها "معدن"، لتمييزها عن القرى الأخرى٣.
وهكذا ظهرت في البوادي مستوطنات زراعية رعوية، كفت نفسها بنفسها، توقف حجمها على كمية الماء فيها، وتوقف إنتاجها على مقداره وكميته، وظهرت فيها نتيجة لذلك الملكية الفردية، تملك المقيم فيها الأرض التي استقر بها وبنى بيته عليها، وتملك زرعه وحاصله إن كان له زرع، وتملك ماشيته إن كان صاحب ماشية. وتولد نتيجة لكل ذلك مجتمع مستقر، تعاون فيما بينه في الدفاع عن نفسه وعن ماله، وفي جلب السلع التي يحتاج إليها الإنسان والميرة، وتولد فيها تعامل وبيع وشراء، توقف حجمه بالطبع على حجم ذلك المكان وعلى مقدار وجود الماء به.
فالبحث عن الماء والحصول عليه بالمال وبالخدم والعبيد، كون الملكيات الفردية في البوادي بين الأعراب، وأوجد المستوطنات الحضرية والمستقرات، وصير من بعض البدو حضرًا أو أشباه حضر، وغير بعض التغيير من معاييرهم ومقاييسهم الاجتماعية، بجعلهم زراعًا وفلاحين، بعد كره واستهجان للمزارع وللزراعة. وهذه المستوطنات هي مستوطنات نشأت وظهرت بجهد الإنسان وبعمله وجده، وباستثمار عقله وماله وفي تسخير أتباعه في استنباط الماء، وتحويل الأرض البكر إلى أرض زراعة وسكن، وفي جزيرة العرب مستوطنات عديدة من هذا القبيل، ومعظم مستوطنات يثرب، هي من هذا النوع، مستوطنات قامت على الآبار التي احتفرها المتمكنون من أهلها، فزرعوها وأقاموا الأطم بها لحماية الزرع والناس من الأخطار. والأطم القصور، وكل حصن بني بالحجارة أطم. وقيل هو
стр. 4510
كل بيت مربع مسطح. وقد اشتهرت يثرب بآطامها. وذكر "الأعشى" آطام جو بقوله:
فلما أتت آطام جو وأهله ... أنيخت فألقت رحلها بفنائكا١
وأقيمت الحصون لحماية هذه المستوطنات، واتخذت وسائل التحصن الأخرى لحماية النفس والزرع من الأعراب الجياع. ولا تزال في اليمامة آثار حصون وآطام عادية، تعود إلى ما قبل الإسلام بأمد، وكانت حماية ومنعة للساكنين حولها، وتشاهد آثار السكن في أطرافها، وآثار آبار مندرسة، وآثار زرع، هي مزارع القوم. فنجد في الإفلاج حصونًا، ونجد في "ملهم" حصونًا كان يتحصن بها "بنو يشكر"، ونجد في أرضين أخرى حصونًا بنيت كلها لدرء النفس من الأخطار٢. واليمامة حصون متفرقة ونخل ورياض، وفيها بتل، والبتيل، هن مربع مثل الصومعة مستطيل في السماء من طين، ويرجع أهل الأخبار زمانها إلى "طسم" و"جديس"، وذكروا أن طول بعضها خمسمائة ذراع٣.
وقد أشار أهل الأخبار إلى قرى ومستوطنات قديمة في مواضع متعددة من جزيرة العرب، نسبوها إلى "عاد" وإلى "طسم" و"جديس" لبعض منها حصون وآبار. فالقرية، موضع قديم به ماء عادي، أي ماء قديم، إلى جنبه آبار عادية وكنيسة منحوتة في الصخر٤. والقصر العادي بالأثل من عهد طسم وجديس٥، و"القرية": القرية الخضراء، خضراء حجر، هي حضور لطسم وجديس، وفيها حصونهم وبتلهم. والبتيل: هن مربع مثل الصومعة مستطيل في السماء من طين. بناء بعضه مائتا ذراع أو خمسمائة ذراع مرتفعًا سامقًا في السماء٦. وبقرية بني سدوس، قصر مبني بصخر منحوت، نسبه أهل الأخبار إلى "سليمان بن
стр. 4511
داوود"١. و"تر" نخيل وحصون عادية وغير عادية٢.
إلى غير ذلك من قرى وقصور وحصون قديمة ذكرها أهل الأخبار، أشرت إلى بعض منها في مواضع من هذا الكتاب، نشأت ونبتت في البوادي، في المواضع التي أمكن للإنسان بفنه البدائي وبعلمه في ذلك الوقت من استنباط الماء فيها. وبظهور ذلك الماء نبتت مستوطنات وزروع ونخيل وملكيات في أرض كانت ميتة ليس لها مالك، فأحياها استنباط الماء منها، وجعلها ملكًا لأصحاب الماء.
وقد كانت هذه الآطام والحصون معاقل لأصحاب الأرض ومنازل لهم، ومخازن يخزنون بها حاصل أرضهم وماشيتهم عند دنو الخطر، وقد يحتمي بها عبيدهم وأتباعهم، فهي مثل قلاع الأشراف النبلاء في أوروبة أيام الإقطاع، ومثل المحافد والقصور في اليمن. وهي تختلف في الحجم والسعة باختلاف درجة ومنزلة المالك للأرض، من حيث تملكه للمال وللخدم والعبيد وما عنده من ثراء، وقد صارت سببًا في تحويل أصحابها إلى حضر أو شبه حضر، ولو أنهم كانوا وسط بواد وبين أعراب، فإقامتهم في أبنية مستقرة وحرثهم الأرض وزرعها، واستخدامهم للعبيد في الفلاحة، طورتهم بعض التطوير، حتى صاروا على شاكلة الحضر، يتركون منازلهم لزيارة القرى والأرياف، ويتصلون بالحضر وقد يقيمون بينهم على نحو ما يفعله كثير من سادات "شيوخ" القبائل في الوقت الحاضر، وكان جل سادات القبائل الكبار من أصحاب الأبنية الثابتة، لهم منازلهم ومزارعهم وأعرابهم الذين لم تمكنهم أحوالهم المادية من تملك الأرض والزرع، فاشتغلوا برعي الإبل.
وقد تتعرض مزارع هذه المستوطنات إلى الأخطار مع وجود الحصون وأبنية الحماية الأخرى، فالمزارع الكبيرة لا يمكن حمايتها إلا إذا حميت بحصون عديدة من جميع جهاتها، وحمايتها على هذا النحو عمل مكلف باهظ، لذلك كان المهاجم يهاجم الزرع ليحرق قلوب أصحاب المتحصنين في الحصن، فلما هاجم "بنو يربوع" "بني يشكر"، تحصن "بنو يشكر" بحصنهم بقرية "ملهم"،
стр. 4512
فأحرق "بنو يربوع" بعض زرعهم، وعقروا بعض نخلهم، فلما رأى القوم ذلك نزلوا إليهم فقاتلوهم١.
وقد اتخذ المزارعون ملاجئ لهم عند أماكن زرعهم يأوون إليها لحماية أنفسهم من أشعة الشمس ومن المطر والعواصف، وكانوا يسكنون بها، كانت هذه سنتهم في الجاهلية وفي الإسلام. وقد ذكر مؤلف "بلاد العرب" أن بروضة السويس قبتين مبنيتين يسكنها الزارعون٢.
وقد أولد هذا المجتمع تباينًا في منازل الناس، جعل من أصحاب الأرض الكبيرة ملاكًا كبارًا لهم أطم وحصون، يأوون إليها، ولهم خدم يخدمونهم ويخدمون زرعهم وماشيتهم، هم العنصر المنتج، والآلة التي تساعد على الإنتاج وعلى تكثيره، وعلى تزييد أموال الملاك، أما هم أنفسهم فمجرد خدم ورقيق، خلقوا لخدمة سادتهم ووجدوا لرعاية أموالهم والعناية بزرعهم وتكثير رزقهم. وإلى جانب هؤلاء الناس أحرار، كان في رزقهم شح، وفي حياتهم عسر، وقوتهم قليل، قاموا بمختلف الأعمال والحرف لإعالة أنفسهم وسد رمقهم.
وقد تمكنت بعض هذه المستوطنات من إنتاج حاصل زراعي سد حاجة أهل المستوطنة، ومن بيع الفائض منه إلى الأعراب. وبينها مستوطنات زرعت الحبوب، مثل الحنطة وصدرتها إلى أماكن أخرى. فقد ذكر أن قرى اليمامة كانت تمون مكة بالحب، وتمون الأعراب بالتمور. وما هذه القرى سوى مستوطنات، ظهرت في البوادي بسبب وجود الماء فيها، وبسبب استنباطه من الأرض بحفر الآبار، فنمت وتوسعت، لاتساع صدر الماء بها، ولتفضل الأرض على من نزل بها بإعطائهم ماءً كافيًا، كفاية تساعد على توسع المستوطنة، فيما لو عمل النازلون بها على استنباطه من باطنها، واستعملوا عقولهم وأيديهم في استغلال التربة للحصول على موارد الرزق منها.
وتحدد الأرض المملوكة بحدود، وقد توضع على أطرافها علامات، لتكون حدودها معلومة، فلا يتجاوز عليها. ويقال للحد بين الدارين، أو بين الأرضين "الجماد"، وقد أشير إلى "الجوامد"، أي الحدود في الحديث. ورد: إذا
стр. 4513
وقعت الجوامد فلا شفعة في الحدود١.
والأرض عامر أو غامر، والعامر المأهول والمزروع والمستغل، والغامر خلاف العامر، وهو الخراب. وقد قسم "عمر" السواد إلى عامر وغامر، أي عامر وخراب. والغامر الأرض ما لم تستخرج حتى تصلح للزراعة والغرس، وقيل: هو ما لم يزرع مما يحتمل الزراعة, وإنما قيل له غامر؛ لأن الماء يبلغه فيغمره٢ ويقال للأرض العامرة: "السوداء"، وأرض سوداء، أرض مغروسة، والأرض في عرف العرب إذا غرست اسودت واخضرت، و"البيضاء" الخراب من الأرض؛ لأن الموات من الأرض يكون أبيض٣.
والبور: الأرض قبل أن تصلح للزرع، وقيل: هي الأرض التي لم تزرع، أو الأرض كلها قبل أن تستخرج حتى تصلح للزرع أو الغرس، وفي كتاب النبي لأكيدر دومة: ولكم البور والمعامى وأغفال الأرض، فالبور الأرض الخراب التي لم تزرع، أو هي التي تجم سنة لتزرع من قابل٤. وذكر أن المعامي الأعلام من الأرض ما لا حد له. والأغفال ما لا يقال على حده من الأرض٥. والمعامى على حد قول بعض العلماء: أغفال الأرض التي لا عمارة بها، أو لا أثر للعمارة بها٦. والغفل: ما لا عمارة فيه من الأرضين، وقيل الموات، وأرض غفل لا علم بها ولا أثر عمارة، وأرض سبسب ميتة لا علامة فيها، وكل ما لا علامة فيه ولا أثر عمارة من الأرضين والطرق ونحوها غفل، وبلاد أغفال لا أعلام فيها يهتدى بها٧. وقد ورد في كتاب الرسول إلى الأكيدر: "أن له الضاحية والبور والمعامي وأغفال الأرض والحلقة والسلاح والحافر والحصن، ولكم الضامنة من النخل والمعين من المعمور"٨.
стр. 4514
والضاحية ما كان خارج السور من النخل، والضاحية البادية، وضواحي قريش النازلون بظواهر مكة١.
والعامر، إما ملك للحكومة، وإما ملك للملوك ولذويهم، وإما ملك للمعبد، أي أوقاف حبست على المعابد، وإما ملك لأسر وأفراد، وذلك بالنسبة للحضر، وفي العربية الجنوبية بصورة خاصة. وأما بالنسبة إلى الأعراب، سكنة البوادي، فأرض القبيلة –كما سبق أن قلت- ملك لها، إلا ما حمى منها، فهو من حق أصحاب الإحماء. فالأرض إذن مشاعة بين أبناء القبيلة، ويدخل في ذلك الماء والكلأ.
وقد عبر في أحد النصوص عن الأرض التي آلت إلى صاحبها بطريق التملك بـ"مقبلت قنيو"، أي الأرض التي أقبلت إلى الشخص بطريق الملكية٢. ومعناها الأرض المقتناة أي الملك. وهي أرض ملكها صاحبها إرثًا من أهله. وذلك تمييزًا لها عن الأرض التي يتملكها صاحبها شراء، وقد عبر عنها بـ"شامتهو"، أي الأرض المشتراة٣.
وتعد كل الأرضين التي لا تملكها الجهات المذكورة ملكًا للدولة. ورقبتها بيد الحكومة، وتسجل باسم الشعب الحاكم. فإذا كانت الحكومة حكومة معين، تسجل الأرض باسم شعب معين، وإذا كانت الأرض في سبأ، تسجل باسم شعب سبأ، وقد توسعت رقعة الأرضين الحكومية بالفتوحات الواسعة التي تمت في عهد الملك "كرب ايل وتر"، وفي عهود الملوك المحاربين مثل "شمر يهرعش" الذين إذا انتصروا على خصومهم جعلوا أرضهم وما يملكونه غنيمة لحكومتهم، تابعة لبيت المال. وذلك على نحو ما فعله المسلمون في الفتوحات من تسجيلهم الأرضين التي فتحوها باسم "بيت مال المسلمين".
وقد تؤجر أرض التاج للقبائل والعشائر بعقد يتفق عليه، تذكر فيه شروطه في الوثائق التي تدون لهذه الغاية، ويتم الدفع بموجبها، فيكون إما عينًا، وإما نقدًا. وقد يقوم سادات القبائل باستغلال الأرضين المؤجرة على حسابهم، وقد
стр. 4515
يؤجرونها أو يؤجرون أجزاءً منها إلى حاشيتهم أو أتباعهم في مقابل جعل يدفع لهم. فيكون دخلهم من هذه الأرض المؤجرة من العوائد التي اتفقوا على استحصالها من المستأجرين الثانويين ومن صغار الفلاحين.
وقد كان الفلاح مغبونًا في الأكثر؛ لأنه بحكم فقره واضطراره إلى استئجار الأرض بشروط صعبة في الغالب، مضطر إلى الاستدانة في أغلب الأحيان، لضمان معيشته في مقابل تعهده بدفع ما استدانه في آخر موسم الحصاد وقطف الثمر فإذا حل الأجل، اضطر إلى دفع ديونه وما ترتب عليها من ربا فاحش، وما عليه من حق للحكومة ولصاحب الأرض، فلا يتبقى لديه ما يكفيه في عامه الجديد، فيضطر إلى تجديد الاستدانة، والغالب أن أصحاب الأرض هم الذين يقومون بتقديم الديون إلى الفلاحين، لربطهم طول حياتهم بالأرض، فلا يتمكن الفلاح من الهروب منها بسبب ثقل ما عليه من الديون، ووجوب دفعها مع فائضها كاملة إنْ أراد تركها، وهو حل لا يتمكن من تنفيذه، فيظل لذلك مرتبطًا مع عائلته بأرض المالك صاحب الديون.
وكانت حكومة سبأ تستغل أرضها الخاضعة للخزينة العامة، أي "أرض السلطان"، إما بإدارتها نفسها وباستغلالها بتشغيل المزارعين بها على حساب الدولة، وإما ببيعها، وإما بتأجيرها في مقابل "أجر" يقال له "اثوبت" في لغتهم١.
وامتلكت المعابد أرضين واسعة شاسعة، استغلتها باسم الآلهة، ودرت عليهم أرباحًا كثيرة. وهي أرضين سجلت باسمها منذ نشأت المعابد وظهرت، فارتبطت بها، وصارت وقفًا عليها. منها ما سجل في عهد "المكربين" أي حكومات رجال الدين في العربية الجنوبية، يوم كان "المكرب" هو رجل الدين والحاكم الدنيوي، فكانت نظرتهم أن الأرض وما عليها ملك للآلهة، ورجال الدين الحكام هم خلفاء الآلهة على الأرض، وهم وحدهم لهم حق الحكم والفصل بين البشر، وما يقرونه حق، وما يخالفونه ويحرمونه فهو باطل. وهم الذين يفصلون بين الحرام وبين الحلال، ويقررون ما يوافق حكم الآلهة وما يخالفه. فهم حكام الشرع والقانون.
стр. 4516
وكانت للمعابد الأخرى أحباس خصصت بها، وحميت للمعبد ولما ينذر له ويحبس عليه من حيوان يرعى فيه، فلا يتطاول عليه أحد، وقد سبق أن تحدثت عن حرم "العزى"، وهو شعب حمته قريش للصنم، يقال له "سقام" في وادي حراض، وقد كان حرمًا آمنًا، لا يجوز قطع شجره ولا الاعتداء على ما يكون فيه من إنسان وحيوان١. وهو قرب مكة بين "المشاش" و"الغمير" فوق ذات عرق، إلى البستان، وقيل بالنخلة الشامية٢. كما كان للبيت الحرام، حرم واسع به شجر وزرع، سبق أن تحدثت عنه.
وقد وجدت في بعض المناطق، مثل أرض قبيلة "بكل" "بكيل"، أملاك واسعة حبست على "المقه"، كانت تديرها وتتصرف بها عشيرة "مرثد"، ووجدت أرضون واسعة في مناطق أخرى، جعلت المعبد من أكبر ملاك الأرض. وقد استغل المعبد بنفسه بعض أملاكه، وأجر بعضًا آخر للأسر المتنفذة ولسادات القبائل، بموجب اتفاقات دونت وحفظت في خزائن المعابد. وقد كان المتنفذون قد استولوا على بعض حبوس المعابد، واستغلوها، ولما كانوا أقوياء، والأوقاف في مناطق نفوذهم، ولا يمكن للمعبد أن ينتزعها منهم، اضطر إلى تأجيرها لهم ببدل إيجار رمزي، ليحافظ بذلك على اسم وقفه، فلا يستبد أولئك السادة به، ويسجلونه ملكًا باسمه. فصارت هذه الأملاك من أملاك المعبد بالاسم، ومن أملاك الملاك الأقوياء بالفعل.
ولا نجد في أخبار أهل الأخبار ما يفيد بوجود حبوس كبيرة وكثيرة، على المعابد في العربية الغربية أو العربية الوسطى أو العربية الشرقية، على نحو ما وجدناه في اليمن، ويعود سبب ذلك في رأيي إلى صغر مساحات الأرضين الخصبة المزروعة في هذه الأقسام، وإلى قلة الماء فيها، مما جعل من الصعب على الناس التخلي عن أرضين كبيرة للمعبد. بل ترينا أخبارهم أن أهل هذه المناطق كانوا لا يتأثمون أحيانًا من التطاول على "حرم" المعابد، فكانوا يقطعون شجره ويستقطعون قطعًا من أرضه لاتخاذها منازل لهم كالذي حدث لـ"حرم" بيت الله.
وقد كان الملوك وكبار الملاك يقطعون أرضهم إقطاعات لاستغلالها. ويعبر عن
стр. 4517
ذلك بلفظة "بضع" في المسند، أي القطعة. وقد يراد بها الأرض المعطاة لجماعة لاستغلالها في الزراعة١.
وفي أواخر عصور الملكية في سبأ، نجد طبقة الأشراف وسادات "الأعراب" "أعربم" والقبائل وقد ازداد نفوذها وقوي سلطانها، فنازعت الملك على صلاحياته في بعض الأحيان. وصار لرؤساء القبائل نفوذ قوي في المملكة، حتى قلصت حكم الـ"مزود" واستأثرت بالأرض، واحتكرتها، فاضطر الملوك إلى النزول عن حقهم في الأرضين إلى أولئك الرؤساء في مقابل اتفاقيات تحدد الواجبات والمبالغ التي يجب على رئيس القبيلة أن يقدمها إلى الملك في مقابل استغلاله للأرض، ويقوم الرئيس بإيجار أرضه لأتباعه المتنفذين في القبيلة أو لأفراد قبيلته الاعتياديين، يتقاضى على ذلك أجرًا يتفق عليه، باهظًا مرهقًا للفلاح المسكين الذي لا يملك في العادة أرضًا، فتحولت العربية الجنوبية بذلك إلى دولة إقطاعية، أرباحها وحاصلها وناتجها وقف وإقطاع لطبقات معينة متنفذة.
وفي جملة تلك الواجبات تقديم عدد يتفق عليه من أتباع من حصل على أرض حكومية للقيام بالخدمات العسكرية، ووجوب الدفاع عن الحكومة عند ظهور خطر عليها. فيقوم المقتطع للأرض بإرسال رجاله على حسابه للدفاع عن الملك. وبذلك صارت جيوش الملك مؤلفة من جنود مرتزقة وجنود أرسلوا إلى القتال إرسالًا بأمر سادتهم تنفيذًا لالتزاماتهم التي ألزموا أنفسهم بها مع الملوك.
ويمكن حصر الأشخاص الذين تمتعوا بنعم الإقطاع وامتيازاته بالملوك وبذويهم، والملك هو الراعي الشرعي للحق العام، وهو الناظر والوصي لأرض الدولة، وهو بهذه الصفة يصطفي لنفسه ولأولاده ولأهله خيرة الأرضين، ثم يليه من بعده رجال الدين الناطقون باسم الآلهة، وهم في نظر الشرع، أي الدين أصحاب الأرض؛ لأن الأرض ملك الآلهة. ثم يليهم قادة الجيش وصفوة الملوك وكبار الحكام، والسادات. سادات الحضر وسادات القبائل. أما السواد، وهم غالبية الناس، فليس منهم من يملك إلا المساحات الصغيرة من الأرض، وإلا البيوت، وأغلب الباقين عالة على غيرهم، يتعيشون باستعمال أيديهم في كسب قوتهم.
стр. 4518
وقد يؤجر سيد القبيلة أو سادات الأرض ما استحوذوا عليه من الحكومة من أرضين إلى أناس غرباء أجراء أم إلى قبائل أخرى، في مقابل شروط يعينها، فيستغلون الأرض بموجبها، ويكونون عندئذ في حمايته وفي رحمته ورعايته، فيعاملون عندئذ وكأنهم فرع من فروع قبيلة صاحب الأرض. وإذا استمر العقد، فقد يدمجهم الزمن في قبيلة سيد الأرض فيعدون منها، وينسبون إليها، مع أنهم غرباء عنها. ومن هنا نرى أن القبائل في العربية الجنوبية، لم تكن على نحو ما نفهمه من معنى القبيلة، من أنها بنوا أب واحد، وأصحاب نسب واحد يصعد حتى يتصل بجد، بل قد تكون من قبائل وعشائر مختلفة ومن جماعات عمل، تمثل مختلف الحرف، انضمت إلى قبيلة كبيرة١، أو إلى ملاك كبير، للعمل في أرضه أو لأداء خدمات له، فلما طال بها المقام اندمجت في القبيلة الكبيرة، أو في قبيلة الملاك الكبير، فعدت منها، أو في آل وأتباع صاحب الأرض، فعدوا من أتباعه، ونسبوا إليه، حتى إذا طال الزمن وتقادم العهد، صار ذلك الرئيس جدًّا لهم، وعد نسبهم منه.
ولما ظهر الإسلام. كان الأقيال وسادات القبائل قد استبدوا بالأمر وتحكموا في رقاب الأرض، وأقطعوها فيما بينهم. ولقب بعضهم كما سبق أن تحدثت عن ذلك أنفسهم بألقاب الملوك. ومن هؤلاء "بنو وليعة" ملوك حضرموت: "حمدة"، و"مخوس"، و"مشرح"، و"أبضعة"٢. و"الحارث بن عبد كلال"، و"نعيم بن عبد كلال"، و"النعمان" قيل ذي دعين "ذي يزن" ومعافر وهمدان٣ وشريح بن عبد كلال، وزرعة ذي رعين٤. و"جيفر بن الجلندي" و"عبد بن الجلندي" وهما من الأزد. وكان "جيفر"، يلقب نفسه بلقب ملك عمان٥. و"ذو الكلاع بن ناكور بن حبيب بن مالك بن حسان بن تبع"، و"ذو عمرو"٦، و"معدي كرب بن أبرهة" صاحب
стр. 4519
خولان١. و"ربيعة بن ذي مرحب" الحضرمي، وآل ذي مرحب، وكانوا يملكون الأموال والنحل والرقيق والآبار والمياه والسواقي والشراجع بحضر موت٢. و"وائل بن حجر"، من كندة حضرموت، وكان يملك الأرضين والحصون والأودية، وكان "الأشعث" وغيره من كندة ينازعونه في واد٣.
ويقال لتقديم الفلاح أو المستأجر لأرض ما، ما عليه من حقوق تجاه الحكومة، التي استأجر الأرض منها، أو صاحب الملك، الذي استأجر أرضه لزراعتها، "دعتم" "دعت"٤، أي "غلة"، تسلم إلى وكلاء الحكومة أو صاحب الأرض عن حقهم المتفق عليه.
وتعرف الأرضون الحكومية التي تعطى باللزمة والإجارة لمن لا يملكها بـ"مقبلت" و"قبلت"، و"مقبل"، ومن أصل "قبل"٥. تعطى في مقابل تعهد يتعهد الملتزم والمؤجر بدفع مبلغ معين أو حصة معينة إلى الملك أو ممثليه من الموظفين أو أصحاب الأرض، وذلك في مقابل استغلاله للأرض. وقد تدون شروط الاتفاق وتثبت ليرجع إليها إذا حدث اختلاف.
وقد صالح الرسول أهل خيبر، على حقن دمائهم، وعلى أن يقوموا على النخل والزرع؛ لأن لهم علمًا بإصلاح الأرض وخدمة الزرع، ولم يكن لرسول الله وأصحابه غلمان يقومون بذلك، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ونخل وشيء ما٦. فبقوا يستغلونها على نصف ما خرج منها، فكان "الخارص" يأتي إليهم عند الموسم يخرص ما يخرج منها، فيأخذ النصف، ويترك النصف الآخر لليهود٧. وصالح الرسول أهل "فدك" على نصف الأرض بتربتها، وعلى نصف النخل٨.
стр. 4520
عقود الوتف:
وقد وصلت إلينا وثائق مهمة تتضمن عقودًا في استغلال الأرضين، عرفت باسم "وتفم" "وتف". وهي عقود تبين أن الحكومة كانت تؤجر الأرض لمن يريدها في مقابل حقوق يقدمها إليها. وتشمل عقود الوتف، العقود التي عقدت بين المعبد والوجهاء وسادات القبائل أيضًا، والعقود التي عقدها كبار أصحاب الأملاك الذين فاضت أملاكهم عن حاجتهم إلى المحتاجين إليها في مقابل شروط اتفق عليها دونت في "الوتف".
وقد عثر على نصوص "وتف" ورد فيها اسم "مرثد". مما يدل على أن "بني مرثد" هؤلاء كانوا يستأجرون الأرضين لاستغلالها، في مقابل تعهدات خاصة يقدمونها إلى أصحاب الأرض. وتتناول معظم هذه العقود "الوتف" استئجار أرضين خاضعة للحكومة وأرضين هي من أوقاف المعابد. وجدت المعابد أن من الصعب عليها إدارتها فأجرتها إلى "بني مرثد" لاستغلالها، وقد قام "بنو مرثد" بتأجير قسم منها إلى غيرهم من العشائر التابعة لهم في مقابل جعل يقدمونه لهم، يزيد على مقدار بدل الإجارة المتفق عليه مع المعبد، وبذلك استفادوا من الفرق بين بدل الإجارتين.
ولدينا جملة نصوص "وتف" يفهم منها أن بعض المتعاقدين من مستأجري أملاك المعبد قد قدموا نذورًا وذبائح إلى الآلهة التي أوقفت عليها الأرض المستأجرة؛ لأنها أعطتهم غلة طيبة وحاصلًا وافرًا طيبًا بعد فقر وجوع. ويظهر من بعضها أن أولئك المستأجرين المتعاقدين كانوا قد تهاونوا في تنفيذ ما ورد في العقد، أو أنهم أخلوا بها عمدًا، فلم ينفذوا ما جاء فيها، واتفق أن نزلت آفات طبيعية بزروعهم، مثل جفاف أتلف معظم حاصلهم، ففشا الجوع بينهم، ففسروا ذلك على أنه غضب حل بهم من آلهتهم، وانتقام نزل بهم من منها. ولهذا كفروا عن ذنوبهم وتابوا عما ارتكبوه من آثام، بعدم تنفيذهم تلك الاتفاقيات، وعاهدوا آلهتهم على ترضيتها وتقديم الذبائح إليها في كل عام بانتظام، إن هي غفرت لهم قبح أعمالهم، وباركت في زروعهم، وهم في مقابل ذلك سيوفون بالعهد، ويؤدون ما فرض عليهم من "الوتف" كاملًا غير منقوص١.