← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

وكانت للمعابد الأخرى أحباس خصصت بها، وحميت للمعبد ولما ينذر له ويحبس عليه من حيوان يرعى فيه، فلا يتطاول عليه أحد، وقد سبق أن تحدثت عن حرم "العزى"، وهو شعب حمته قريش للصنم، يقال له "سقام" في وادي حراض، وقد كان حرمًا آمنًا، لا يجوز قطع شجره ولا الاعتداء على ما يكون فيه من إنسان وحيوان١. وهو قرب مكة بين "المشاش" و"الغمير" فوق ذات عرق، إلى البستان، وقيل بالنخلة الشامية٢. كما كان للبيت الحرام، حرم واسع به شجر وزرع، سبق أن تحدثت عنه. وقد وجدت في بعض المناطق، مثل أرض قبيلة "بكل" "بكيل"، أملاك واسعة حبست على "المقه"، كانت تديرها وتتصرف بها عشيرة "مرثد"، ووجدت أرضون واسعة في مناطق أخرى، جعلت المعبد من أكبر ملاك الأرض. وقد استغل المعبد بنفسه بعض أملاكه، وأجر بعضًا آخر للأسر المتنفذة ولسادات القبائل، بموجب اتفاقات دونت وحفظت في خزائن المعابد. وقد كان المتنفذون قد استولوا على بعض حبوس المعابد، واستغلوها، ولما كانوا أقوياء، والأوقاف في مناطق نفوذهم، ولا يمكن للمعبد أن ينتزعها منهم، اضطر إلى تأجيرها لهم ببدل إيجار رمزي، ليحافظ بذلك على اسم وقفه، فلا يستبد أولئك السادة به، ويسجلونه ملكًا باسمه. فصارت هذه الأملاك من أملاك المعبد بالاسم، ومن أملاك الملاك الأقوياء بالفعل. ولا نجد في أخبار أهل الأخبار ما يفيد بوجود حبوس كبيرة وكثيرة، على المعابد في العربية الغربية أو العربية الوسطى أو العربية الشرقية، على نحو ما وجدناه في اليمن، ويعود سبب ذلك في رأيي إلى صغر مساحات الأرضين الخصبة المزروعة في هذه الأقسام، وإلى قلة الماء فيها، مما جعل من الصعب على الناس التخلي عن أرضين كبيرة للمعبد. بل ترينا أخبارهم أن أهل هذه المناطق كانوا لا يتأثمون أحيانًا من التطاول على "حرم" المعابد، فكانوا يقطعون شجره ويستقطعون قطعًا من أرضه لاتخاذها منازل لهم كالذي حدث لـ"حرم" بيت الله. وقد كان الملوك وكبار الملاك يقطعون أرضهم إقطاعات لاستغلالها. ويعبر عن

стр. 4517

ذلك بلفظة "بضع" في المسند، أي القطعة. وقد يراد بها الأرض المعطاة لجماعة لاستغلالها في الزراعة١. وفي أواخر عصور الملكية في سبأ، نجد طبقة الأشراف وسادات "الأعراب" "أعربم" والقبائل وقد ازداد نفوذها وقوي سلطانها، فنازعت الملك على صلاحياته في بعض الأحيان. وصار لرؤساء القبائل نفوذ قوي في المملكة، حتى قلصت حكم الـ"مزود" واستأثرت بالأرض، واحتكرتها، فاضطر الملوك إلى النزول عن حقهم في الأرضين إلى أولئك الرؤساء في مقابل اتفاقيات تحدد الواجبات والمبالغ التي يجب على رئيس القبيلة أن يقدمها إلى الملك في مقابل استغلاله للأرض، ويقوم الرئيس بإيجار أرضه لأتباعه المتنفذين في القبيلة أو لأفراد قبيلته الاعتياديين، يتقاضى على ذلك أجرًا يتفق عليه، باهظًا مرهقًا للفلاح المسكين الذي لا يملك في العادة أرضًا، فتحولت العربية الجنوبية بذلك إلى دولة إقطاعية، أرباحها وحاصلها وناتجها وقف وإقطاع لطبقات معينة متنفذة. وفي جملة تلك الواجبات تقديم عدد يتفق عليه من أتباع من حصل على أرض حكومية للقيام بالخدمات العسكرية، ووجوب الدفاع عن الحكومة عند ظهور خطر عليها. فيقوم المقتطع للأرض بإرسال رجاله على حسابه للدفاع عن الملك. وبذلك صارت جيوش الملك مؤلفة من جنود مرتزقة وجنود أرسلوا إلى القتال إرسالًا بأمر سادتهم تنفيذًا لالتزاماتهم التي ألزموا أنفسهم بها مع الملوك. ويمكن حصر الأشخاص الذين تمتعوا بنعم الإقطاع وامتيازاته بالملوك وبذويهم، والملك هو الراعي الشرعي للحق العام، وهو الناظر والوصي لأرض الدولة، وهو بهذه الصفة يصطفي لنفسه ولأولاده ولأهله خيرة الأرضين، ثم يليه من بعده رجال الدين الناطقون باسم الآلهة، وهم في نظر الشرع، أي الدين أصحاب الأرض؛ لأن الأرض ملك الآلهة. ثم يليهم قادة الجيش وصفوة الملوك وكبار الحكام، والسادات. سادات الحضر وسادات القبائل. أما السواد، وهم غالبية الناس، فليس منهم من يملك إلا المساحات الصغيرة من الأرض، وإلا البيوت، وأغلب الباقين عالة على غيرهم، يتعيشون باستعمال أيديهم في كسب قوتهم.

стр. 4518

وقد يؤجر سيد القبيلة أو سادات الأرض ما استحوذوا عليه من الحكومة من أرضين إلى أناس غرباء أجراء أم إلى قبائل أخرى، في مقابل شروط يعينها، فيستغلون الأرض بموجبها، ويكونون عندئذ في حمايته وفي رحمته ورعايته، فيعاملون عندئذ وكأنهم فرع من فروع قبيلة صاحب الأرض. وإذا استمر العقد، فقد يدمجهم الزمن في قبيلة سيد الأرض فيعدون منها، وينسبون إليها، مع أنهم غرباء عنها. ومن هنا نرى أن القبائل في العربية الجنوبية، لم تكن على نحو ما نفهمه من معنى القبيلة، من أنها بنوا أب واحد، وأصحاب نسب واحد يصعد حتى يتصل بجد، بل قد تكون من قبائل وعشائر مختلفة ومن جماعات عمل، تمثل مختلف الحرف، انضمت إلى قبيلة كبيرة١، أو إلى ملاك كبير، للعمل في أرضه أو لأداء خدمات له، فلما طال بها المقام اندمجت في القبيلة الكبيرة، أو في قبيلة الملاك الكبير، فعدت منها، أو في آل وأتباع صاحب الأرض، فعدوا من أتباعه، ونسبوا إليه، حتى إذا طال الزمن وتقادم العهد، صار ذلك الرئيس جدًّا لهم، وعد نسبهم منه. ولما ظهر الإسلام. كان الأقيال وسادات القبائل قد استبدوا بالأمر وتحكموا في رقاب الأرض، وأقطعوها فيما بينهم. ولقب بعضهم كما سبق أن تحدثت عن ذلك أنفسهم بألقاب الملوك. ومن هؤلاء "بنو وليعة" ملوك حضرموت: "حمدة"، و"مخوس"، و"مشرح"، و"أبضعة"٢. و"الحارث بن عبد كلال"، و"نعيم بن عبد كلال"، و"النعمان" قيل ذي دعين "ذي يزن" ومعافر وهمدان٣ وشريح بن عبد كلال، وزرعة ذي رعين٤. و"جيفر بن الجلندي" و"عبد بن الجلندي" وهما من الأزد. وكان "جيفر"، يلقب نفسه بلقب ملك عمان٥. و"ذو الكلاع بن ناكور بن حبيب بن مالك بن حسان بن تبع"، و"ذو عمرو"٦، و"معدي كرب بن أبرهة" صاحب

стр. 4519

خولان١. و"ربيعة بن ذي مرحب" الحضرمي، وآل ذي مرحب، وكانوا يملكون الأموال والنحل والرقيق والآبار والمياه والسواقي والشراجع بحضر موت٢. و"وائل بن حجر"، من كندة حضرموت، وكان يملك الأرضين والحصون والأودية، وكان "الأشعث" وغيره من كندة ينازعونه في واد٣. ويقال لتقديم الفلاح أو المستأجر لأرض ما، ما عليه من حقوق تجاه الحكومة، التي استأجر الأرض منها، أو صاحب الملك، الذي استأجر أرضه لزراعتها، "دعتم" "دعت"٤، أي "غلة"، تسلم إلى وكلاء الحكومة أو صاحب الأرض عن حقهم المتفق عليه. وتعرف الأرضون الحكومية التي تعطى باللزمة والإجارة لمن لا يملكها بـ"مقبلت" و"قبلت"، و"مقبل"، ومن أصل "قبل"٥. تعطى في مقابل تعهد يتعهد الملتزم والمؤجر بدفع مبلغ معين أو حصة معينة إلى الملك أو ممثليه من الموظفين أو أصحاب الأرض، وذلك في مقابل استغلاله للأرض. وقد تدون شروط الاتفاق وتثبت ليرجع إليها إذا حدث اختلاف. وقد صالح الرسول أهل خيبر، على حقن دمائهم، وعلى أن يقوموا على النخل والزرع؛ لأن لهم علمًا بإصلاح الأرض وخدمة الزرع، ولم يكن لرسول الله وأصحابه غلمان يقومون بذلك، فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ونخل وشيء ما٦. فبقوا يستغلونها على نصف ما خرج منها، فكان "الخارص" يأتي إليهم عند الموسم يخرص ما يخرج منها، فيأخذ النصف، ويترك النصف الآخر لليهود٧. وصالح الرسول أهل "فدك" على نصف الأرض بتربتها، وعلى نصف النخل٨.

стр. 4520

عقود الوتف: وقد وصلت إلينا وثائق مهمة تتضمن عقودًا في استغلال الأرضين، عرفت باسم "وتفم" "وتف". وهي عقود تبين أن الحكومة كانت تؤجر الأرض لمن يريدها في مقابل حقوق يقدمها إليها. وتشمل عقود الوتف، العقود التي عقدت بين المعبد والوجهاء وسادات القبائل أيضًا، والعقود التي عقدها كبار أصحاب الأملاك الذين فاضت أملاكهم عن حاجتهم إلى المحتاجين إليها في مقابل شروط اتفق عليها دونت في "الوتف". وقد عثر على نصوص "وتف" ورد فيها اسم "مرثد". مما يدل على أن "بني مرثد" هؤلاء كانوا يستأجرون الأرضين لاستغلالها، في مقابل تعهدات خاصة يقدمونها إلى أصحاب الأرض. وتتناول معظم هذه العقود "الوتف" استئجار أرضين خاضعة للحكومة وأرضين هي من أوقاف المعابد. وجدت المعابد أن من الصعب عليها إدارتها فأجرتها إلى "بني مرثد" لاستغلالها، وقد قام "بنو مرثد" بتأجير قسم منها إلى غيرهم من العشائر التابعة لهم في مقابل جعل يقدمونه لهم، يزيد على مقدار بدل الإجارة المتفق عليه مع المعبد، وبذلك استفادوا من الفرق بين بدل الإجارتين. ولدينا جملة نصوص "وتف" يفهم منها أن بعض المتعاقدين من مستأجري أملاك المعبد قد قدموا نذورًا وذبائح إلى الآلهة التي أوقفت عليها الأرض المستأجرة؛ لأنها أعطتهم غلة طيبة وحاصلًا وافرًا طيبًا بعد فقر وجوع. ويظهر من بعضها أن أولئك المستأجرين المتعاقدين كانوا قد تهاونوا في تنفيذ ما ورد في العقد، أو أنهم أخلوا بها عمدًا، فلم ينفذوا ما جاء فيها، واتفق أن نزلت آفات طبيعية بزروعهم، مثل جفاف أتلف معظم حاصلهم، ففشا الجوع بينهم، ففسروا ذلك على أنه غضب حل بهم من آلهتهم، وانتقام نزل بهم من منها. ولهذا كفروا عن ذنوبهم وتابوا عما ارتكبوه من آثام، بعدم تنفيذهم تلك الاتفاقيات، وعاهدوا آلهتهم على ترضيتها وتقديم الذبائح إليها في كل عام بانتظام، إن هي غفرت لهم قبح أعمالهم، وباركت في زروعهم، وهم في مقابل ذلك سيوفون بالعهد، ويؤدون ما فرض عليهم من "الوتف" كاملًا غير منقوص١.

стр. 4521

وقد استغلت الأرض في العربية الجنوبية، ولا سيما في اليمن استغلالًا حسنًا بالنسبة إلى باقي أنحاء جزيرة العرب، وذلك لسقوط المطر الموسمي بها بكميات مناسبة للزراعة، ولوجود موارد طبيعية للمياه بكثرة فيها بالقياس إلى المواضع الأخرى من جزيرة العرب، ثم لوجود فجوات ومنخفضات بين الجبال والهضاب ساعدت على خزن مياه الأمطار بها، كما ساعدت على إقامة السدود في أفواه الأودية لحصر المياه في المنخفضات ومنعها من السيلان في البحر. وبسبب هذه الميزات ظهر في اليمن اقتصاد زراعي وحاصل زراعي، أمكن استغلاله في الداخل وتصدير الفائض منه إلى الخارج.

стр. 4522

الإقطاع: الإقطاع في الإسلام يكون تمليكًا ويكون غير تمليك. والقطائع إنما تجوز في عفو البلاد التي لا ملك لأحد فيها ولا عمارة فيها لأحد، وفيما ليس بمملوك كبطون الأودية والجبال والموات، فيقطع الإمام المستقطع منها قدر ما يتهيأ له عمارته بإجراء الماء إليه أو باستخراج عين منه، أو بتحجر عليه للبناء فيه. ومن الإقطاع إقطاع أرفاق لا تمليك كالمقاعدة بالأسواق التي هي طرق المسلمين، فمن قعد في موضع منها كان له بقدر ما يصلح له ما كان مقيمًا فيه، فإذا فارقه لم يكن له منع غيره منه، كأبنية العرب وفساطيطهم، فإذا انتجعوا لم يملكوا بها حيث نزلوا منها، ومنها إقطاع السكنى. وفي الحديث: لما قدم النبي المدينة أقطع الناس الدور، معناه أنزلهم في دور الأنصار يسكنونها معهم، ثم يتحولون عنها. ومنه الحديث، أنه أقطع الزبير نخلًا، يشبه أنه إنما أعطاه ذلك من الخمس الذي هو سهمه؛ لأن النخل مال ظاهر العين حاضر النفع، فلا يجوز إقطاعه، وأما إقطاع الموات، فهو تمليك١. وهو ضربان: إقطاع تمليك. وإقطاع استغلال. فأما إقطاع التمليك فتنقسم فيه الأرض المقطعة ثلاثة أقسام: موات وعامر ومعادن. فأما الموات، فعلى ضربين أحدهما ما لم يزل أمواتًا على قديم الدهر فلم تجر فيه عمارة ولا يثبت

стр. 4523

عليه ملك، فهذا الذي يجوز للسلطان أن يقطعه من يحييه ومن يعمره، والضرب الثاني من الموات ما كان عامرًا، فصار مواتًا عاطلًا. وذلك ضربان: أحدهما ما كان جاهليًّا، فهو كالموات الذي لم يثبت فيه عمارة، ويجوز إقطاعه. والضرب الثاني ما كان إسلاميًّا جرى عليه ملك المسلمين ثم خرب حتى صار مواتًا عاطلًا وقد اختلف فيه الفقهاء. وأما العامر فضربان: أحدهما ما تعين مالكه فلا نظر للسلطان فيه، والضرب الثاني من العامر ما لم يتعين مالكوه ولم يتميز مستحقوه، وهو على ثلاثة أقسام: تكلم فيها الفقهاء. وأما إقطاع الاستغلال فعلى ضربين: عشر وخراج. فأما العشر: فإقطاعه لا يجوز. وأما الخراج، فيختلف حكم إقطاعه باختلاف حال مقطعه، وله ثلاثة أحوال، ذكرت في كتب الفقه. وأما إقطاع المعادن، فهو ضربان، ظاهرة وباطنة، فأما الظاهرة، كمعادن الكحل والملح والقار والنفط، وهو كالماء الذي لا يجوز إقطاعه والناس فيه سواء يأخذه من ورد إليه. وأما المعادن الباطنية، ففي جواز إقطاعها قولان: أحدهما لا يجوز كالمعادن الظاهرة، وكل الناس فيها شرع. والقول الثاني: يجوز إقطاعها. وفي حكمه قولان: أحدهما أنه إقطاع تمليك يصير به المقطع مالكًا لرقبة المعدن كسائر أمواله في حال عمله وبعد قطعه يجوز له بيعه في حياته وينتقل إلى ورثته بعد موته. والقول الثاني أنه إقطاع أرفاق لا يملك فيه رقبة المعدن ويملك به الارتفاق بالعمل فيه مدة مقامه عليه، وليس لأحد أن ينازعه فيه ما أقام على العمل، فإذا تركه زال حكم الإقطاع عنه وعاد إلى حال الإباحة. فإذا أحيا مواتًا بالإقطاع أو غير إقطاع فظهر فيه بالإحياء معدن ظاهر أو باطن ملكه المحيي على التأييد كما يملك ما استنبطه من العيون واحتفره من الآبار١. وما الإقطاع عند أهل الجاهلية، فكان معروفًا عندهم، وقد أشير إليه في نصوص المسند. وقد كان إقطاع تمليك، وإقطاع استغلال. فأما إقطاع التمليك، فيشمل الموات والعامر والمعادن. وقد أقطع الحكام في كل هذه الأقسام الثلاثة. فكان الملوك، يهبون الموات أو العامر إلى من يريدون

стр. 4524

من أقربائهم أو قواد جيوشهم أو سادات القبائل، أو كبار الموظفين ومن يرضون عنه. يعطونهم أرضًا مواتًا لا أصحاب لها، أو أرضًا عامرة لها أصحاب وملاك فقد كانوا يحاربون، فإذا انتصروا اصطفوا لأنفسهم ما أحبوا من أرض مملوكة للدولة أو للأشخاص، فسجلوه ملكًا باسمهم، وأعطوا ما شاءوا إلى خاصتهم وذوي رحمهم وقواد جيشهم، ملكًا لهم، يملكون رقبته وكل ما عليه من شجر ونبات وماء ومعادن ورقيق وأناس، لا ينازعهم في ذلك منازع، لهم حق بيعه إن شاءوا، أو حق إيجاره، أو إعطائه لأي شخص آخر لاستغلاله، وإن وجدت فيه معادن، فهي لهم أيضًا. وقد يغضب ملك أو أي حاكم متفرد بأمره على من هو من تبعته، فينتزع منه ملكه، ويستولي عليه وعلى كل ما عليه، وقد يقطعه كله أو جزءًا منه أحد خاصته، أو يقطعه إقطاعًا، لجملة أشخاص هبة أي تمليكًا، أو غير تمليك، أي عارية، رقبته للحاكم ومنفعته لمن أقطع له إلى أجل معين أو إلى أجل غير محدود، يكون له ولورثته حق الانتفاع منه. والحاكم الذي يقطع الإقطاع لمن يشاء ويهب الأرض لمن يحب، لا يعجز عن استعادة ما أقطعه تمليكًا أو استغلالًا متى أحب، فهو الآمر بأمره والناهي، لا يعارضه معارض، متى أراد الاستيلاء على أرض أو على إقطاع أقطعه أحدًا، أمر بالاستيلاء عليه، فيطاع أمره وينفذ ما دام قويًّا له الحول والطول. ولا يعني الإقطاع عند الجاهليين وجوب وجود العبيد أو الأقنان في الأرض لاستغلالها ولإعمارها، فقد يتعامل الإقطاعي، مع أجراء أو أحرار يتفقون معه على استثمارها في مقابل حقوق يدفعونها له. أما إذا كان متمكنًا غنيًّا له خدم ورقيق وأتباع، فقد يستخدمهم في خدمة ملكه بأجر ملكه بأجر أو بغير أجر، حسب مبلغ هيمنته عليهم ومقدار نفوذه بين قومه وأهله. وقد عرف إقطاع المعادن عند الجاهليين، ما ظهر من المعادن، وما بطن. ويظهر أن أهل اليمن لم يكونوا يفرقون في الإقطاع بين النوعين من المعدن. فكانوا يقطعون المعادن الظاهرة، مثل الذهب والملح، كما كانوا يقطعون المعادن الباطنة، أي المعادن التي يكون جوهرها مستكنًا فيها، لا يوصل إليه إلا بالعمل، كمعادن الذهب والفضة والصفر والحديد، فهذه معادن باطنة سواء احتاج المأخوذ

стр. 4525

منها إلى سبك وتخليص أو لم يحتج، في حين أن المعادن الظاهرة، ظاهرة على سطح الأرض، ولا يبذل لإخراجها ما يبذل في إخراج المعادن الباطنة. أما الإسلام، فقد جعل حكم المعادن الظاهرة حكم الماء العد من ورده أخذه، لا يجوز إقطاعه والناس فيه سواء يأخذه من ورد إليه١. وفي كتب السير والتأريخ أن الرسول أقطع بعض سادات القبائل ورؤساء الوفود إقطاعًا، وأمر فكتبت لهم كتب التملك. فأعطى "الزبير بن العوام" "ركض فرسه من موات النقيع "البقيع"، فأجراه، ثم رمى بسوطه رغبة في الزيادة. فقال رسول الله ﷺ : "أعطوه منتهى سوطه"٢. وفي حديث "أسماء" بنت "أبي بكر"، أنه أقطع الزبير أرضًا من أموال بني النضير ذات نخل وشجر٣. وقد سأل "الأبيض بن حمال" رسول الله، أن يستقطعه ملح مأرب، فأقطعه. "فقال الأفرع بن حابس التميمي، يا رسول الله إني وردت هذا الملح في الجاهلية، وهو بأرض ليس فيها غيره، من ورده أخذه، وهو مثل الماء العد بالأرض. فاستقال الأبيض في قطيعة الملح. فقد أقلتك على أن تجعله مني صدقة. فقال النبي ﵊: هو منك صدقة، وهو مثل الماء العد من ورده أخذه"٤. و"الأبيض بن حمال"، سبأي من أهل مأرب، وكان من سادة قومه. وفد على أبي بكر، لما انتقض عليه عمال اليمن، فأقره أبو بكر على ما صالح عليه النبي، من الصدقة، ثم انتقض ذلك بعد أبي بكر وصار إلى الصدقة. وكان مصابًا بـ"حزازة" في وجهه، وهي القوباء، فالتقمت أنفه٥. وأقطع الرسول "بلال بن الحارث، المعادن القبلية جلسيها وغوريها وحيث

стр. 4526

يصلح الزرع من قدس، ولم يقطعه حق مسلم"١. وذكر أن المراد من الجلسي والغوري: أعلاها وأسفلها، وذكر أن الجلسي بلاد نجد والغوري بلاد تهامة٢. وذكر أن "القبلية"، ناحية من ساحل البحر، بينها وبين المدينة خمسة أيام، وقيل: ناحية من نواحي الفرع بين نخلة والمدينة، وهي التي أقطعها الرسول، بلال بن الحارث. وورد أيضًا: "معادن القلبة"٣. ولم يذكر العلماء أسماء المعادن التي كانت في هذه الأرض. وقد باع بنو "بلال" "عمر بن عبد العزيز" أرضًا منها، فظهر فيها معدن أو معدنان، فجاءوا إليه، وقالوا: إنما بعناك أرض حرث ولم نبعك المعادن. فقال "عمر" لقيمه: أنظر ما خرج منها وما أنقفت وقاصهم بالنفقة ورد عليهم الفضل٤. وأقطع الرسول "وائل بن حجر" أرضًا بحضرموت٥. وكان أبوه من أقيال اليمن، وفد على النبي واستقطعه أرضًا فأقطعه إياها وكتب له عهدًا٦. وأقطع "زيد الخيل" الشاعر الفارس لما وفد عليه في سنة تسع من الهجرة أرضين. هي "فيد" وكتب له بذلك٧. فلم وصل موضع "قردة"، توفي بها فدفن هناك، وأقام عليه "قبيصة بن الأسود بن عامر" المناحة سنة٨. وأقطع الرسول "حمزة بن النعمان بن هوذة" "جمرة" العذري، أرضًا من وادي القرى، وكان سيد "بني عذرة"٩، وكان "جمرة" أول من قدم بصدقة "بني عذرة" إلى النبي، وقدم في وفد قومه. وقد نزل أرضه التي أقطعها الرسول له إلى أن مات١٠. وأقطع الرسول "ساعدة التميمي العنبري"

стр. 4527

بئرًا في الملاة١. وأقطع "مجاعة بن مرارة" الحنفي اليمامي، وكان من رؤساء "بني حنيفة" أرضًا باليمامة يقال لها "العورة"، وكتب له بذلك كتابًا٢ وكانت خصبة منتجة ذات ماء. وأقطع الخلفاء القطائع كذلك، فأقطع "أبو بكر" "الزبير" ما بين "الجرف" إلى "قناة". وأقطع "عمر" "الزبير" "العقيق"، وأقطع "خوات بن جبير" الأنصاري أرضًا تتصل بالعقيق، فعرفت بقطيعة خوات، فباعها، وأقطع "عليا" "ينبع"٣.

стр. 4528

الحمى: وتفرد العزيز من أهل الجاهلية بالحمى لنفسه، كالذي كان يفعله "كليب بن وائل"، فإنه كان يوافي بكلب على نشاز من الأرض، ثم يستعديه ويحمي ما انتهى إليه عواؤه من كل الجهات، وتشارك الناس فيما عداه حتى كان ذلك سبب قتله١. والحمى، موضع فيه كلأ يحمى من الناس أن يرعى. وذكر أن الشريف من العرب في الجاهلية إذا نزل بلدًا في عشيرته استعوى كلبًا فحمى لخاصته مدى عواء الكلب، لا يشركه فيه غيره، فلم يرعه معه أحد، وكان شريك القوم في سائر المراتع حوله٢. وقد نهى النبي أن يحمي على الناس حمى كما كانوا في الجاهلية يفعلون إلا ما يحمى لخيل المسلمين وركابهم التي ترصد للجهاد ويحمل عليها في سبيل الله، وابل الزكاة كما حمى عمر "النقيع" لنعم الصدقة والخيل المعدة في سبيل الله٣. وكان الرسول قد حماه، وهو موضع على عشرين فرسخًا من المدينة، وقدره

стр. 4529

ميل في ثمانية أميال١. وقد جعل بعض العلماء هذا النقيع: نقيع الخضمات، وجعله بعضهم غرز النقيع. وذهب بعضهم مذهبًا آخر في تعيين موضع المكان٢. وقد حمى عمر "السرف" "الشرف" أيضًا٣. وفي الشرف حمى "ضربة"، وضرية بئر وفي الشرف الربذة، وهي الحمى الأيمن. وفي الحديث أن عمر حمى الشرف والربذة٤. ويقال لحمى الربذة "حمى الحناكية" في الوقت الحاضر. وهناك حمى آخر، يسمى "حمى النير"٥. وذكر أن بالنير قبر "كليب وائل"، الذي تنسب إليه بدعة الإحماء، وهو قريب من "ضرية"٦. ومن أشهر الأحماء وأكبرها في جزيرة العرب، حمى "ضرية". يذكر أهل الأخبار أنه سمي بـ"ضرية بنت ربيعة بن نزار". وقد حماه "عمر" لإبل الصدقة وظهر الغزاة، وكان ستة أميال من كل ناحية من نواحي ضرية، وضرية في وسطها٧. وحمى "فيد"، ذكر أنه فلاة في الأرض بين "أسد"، و"طيء"، في الجاهلية. فلما قدم "زيد الخيل" على رسول الله أقطعه "فيد"٨. وقد أشير إلى هذا الحمى في الشعر٩. و"فيد" قلعة وبليدة بطريق مكة، في نصفها من الكوفة في وسطها حصن عليه باب حديد وعليها سور دائر، كان الناس يودعون فيها فواضل أزوادهم إلى حين رجوعهم، وما ثقل من أمتعتهم، وهي قر أجأ وسلمى جبلي طيء. وقد ذكرت في شعر لزهير١٠، وفي شعر للبيد بن

стр. 4530

ربيعة١، وفي شعر لآخرين٢. وقد زعم بعض أهل الأخبار أنها سميت بـ"فيد بن حام" أول من نزلها٣. وقد يشير هذا الزعم إلى وجود جالية من العبيد في هذا المكان، عهد إليها زراعة الأرض. وذكر أنها عرفت بكعكها حتى ضرب به المثل: وتلك فيد قرية والمثل ... في كعك فيد سائر لا يجهل٤ وقد أعطى الرسول "بني قرة بن عبد الله بن أبي نجيح" النبهانيين المظلة كلها أرضها وماءها وسهلها وجبلها حمى يرعون فيه مواشيهم٥. ولا تزال عادة الإحماء متبعة حتى الآن. فـ"سجا" مثلًا وهو ماء يعد في حمى الأمير "فيصل آل سعود" خص به إبله وخيله٦. وقد عرف الإحماء عند العرب الجنوبيين، وقد ذكر "الحمى" بلفظة "محمت" و"محميم" في نصوص المسند. أي "المحماة" و"المحمى"، ومعناها الأرض المحماة، أي "الحمى"٧. وذكر علماء اللغة أن "الحمى" "المحجر". والمحجر: "الحديقة"، والمرعى المنخفض والموضع فيه رعي كثير وماء، وما حول القرية، ومنه محاجر أقيال اليمن، أي ملوكها، وهي الإحماء. كان لكل واحد منهم حمى لا يرعاه غيره. وذكر أن محجر القيل من أقيال اليمن حوزته وناحيته التي لا يدخل عليه فيها غيره٨. وورد أن "بني عمرو بن معاوية" لما امتنعوا عن دفع الصدقات خرجوا على "المحاجر"، وهي أحماء حموها، فنزلوا بها وتحصنوا، وقاوموا منها

стр. 4531

جيش المسلمين١. ويظهر أن المحاجر، هي أبنية حصينة من حجارة، اتخذت في أملاك أهل المحاجر، للدفاع عنها أيام الخطر. ولم يستعمل الحمى كما يظهر من كتب الحديث والفقه في غير الرعي، رعي الكلأ الذي ينبت فيه. ولم أعثر حتى الآن على نص يفيد أنهم استعملوه لأغراض زراعية. ويظهر أن لفظة "الحمى" قد خصصت بهذا النوع من المراعي، لتمييزها عن المراعي العامة التي يتساوى فيها الجميع في حقوق الرعي، فهي مراعي مشاعة لا يجوز منع إبل أحد من الرعي فيها، وتساهم في الرعي فيها إبل السادة أصحاب الأحماء.

стр. 4532

الموات: والأرض الموات التي لا مالك لها ولا ينتفع بها ولا ماء بها، والموتان من الأرض ما لم يستخرج ولا اعتمر، وأرض ميتة وموات من ذلك١. وقد يستصلح الموات ويعمر، ويكون من خيرة الأرضين المثمرة، فتكون رقبته بيد مصلحه؛ لأنه أحياه بعد أن كان مواتًا، وصرف عليه مالاً وجهدًا، فيكون له. ويكون إحياء الموات، بجمع التراب المحيط به حتى يصير حاجزًا بينه وبين غيره، أو سوق الماء إليه إن كان يبسًا وحبسه عنه إن كان بطائح أو مغمورًا بماء، أو بحرثه لزرعه أو لتعديله وتسويته لإعداده للزراعة أو للسكن أو لأي انتفاع آخر، أو بحفر آبار فيه لاسقائه أو لزرعه، أو للاستفادة من البئر، ببيع مائها، فتكون البئر ملكًا لصاحبها، ليس لأحد محاججته فيها، فقد صرف عليها وأنفق جهدًا في استنباط الماء منها. وفي التأريخ الجاهلي أمثلة عديدة لآبار حفرها أصحابها في أرض موات، فصارت ملكًا لهم، وصارت الأرض المحيطة بها ملكًا له قدر وصول الماء إليها.

стр. 4533

إحياء الموات: وقد أثبت إقدام سادات القبائل وأعزة أهل القرى على إحياء الموات، باستنباط

стр. 4534

الماء من جوف التربة وبالاستفادة من ماء السماء المنهمر قربًا، على أن من السهل تحويل الغامر من الأرض إلى أرض عامرة حية منتجة، وإلى تكوين قرى ومستوطنات في المفاوز والبوادي، كما وقع ذلك في اليمامة وفي الحجاز وفي مواضع أخرى، حيث حفر رجال آبارًا واستنبطوا عيونًا، أحيت الأرض بعد موت، وأولدت قرى عليها. غير أن عقلية البداوة، وأعني بها الروح الفردية ونزعة الغزو بسبب الجهل والفقر، وعدم وجود حكومة تحمي الأمن وتدافع عن هذه المستوطنات وعن مشاريع الأفراد، تشعر أن من واجبها البحث عن الماء في كل مكان، قد كانت من أهم العوائق في عدم إحياء الأرض وإنباتها، وفي تأخر سكان جزيرة العرب وفي تفقيرهم فكان على من يحيي أرضًا حماية ما أحياه بنفسه والدفاع عنه بأهله وبماله وبنفوذه وقوته، وإلا عرض نفسه وما أحياه للخطر، وهذا عمل مجهد شاق، جعل أكثر المتمكنين يحجمون عنه، ولا يقبلون عليه، ولم يقبل عليه إلى المجازف القوي المتمكن من القيام به بما له من جاه ونفوذ. وأهم ما تعرض له إحياء الموات من خطر، هو خطر الغزو ومحاولات الاستيلاء عليه. وحماقة البحث عن العامر لأخذه أو لأخذ ما يوجد فيه بدلًا من إحياء موات وتعميره. وذلك لما قلته من وجود الفقر وفقدان الأمن والحماية، فتحول قسم كبير من العامر بسبب هذا المرض إلى غامر، إذ خربت مصادر الحياة فيه وهو المياه وطمرت، فماتت، وماتت المستوطنات التي كانت عليها بسبب ذلك.

стр. 4535

الماء والكلأ والنار: الماء إذا كان عامًا، فإنه لا يمتلك. والماء العام مثل عيون الماء التي لا تكون في حيازة مالك، بل تكون مشاعة بين الجميع، لا يملكها أحد من أهل الحي، وليس لرقبتها مالك، فماؤها للجميع. مثل أن تكون العين في قرية أو في مدينة أو في أرض قبيلة، فلكل إنسان حق الانتفاع منها، لا يمنعه أحد منها، ولا يستوفى بدل عن ذلك الماء. وقد ورد أن الناس شركاء في الماء، ماء الأرض وماء السماء، إذا كانا في أرض عامة، أي مشاعة، ينتفع منها كل إنسان١.

стр. 4536

وإذا كان الكلأ في أرض عامة، فإنه يكون أيضًا ملكًا للجميع، أي مشاعًا بينهم. فلا يجوز لأي أحد منع آخر من الاستفادة منه؛ لأنه مشترك بين الجميع، فلا يكون أحد أخص به من أحد، ولو أقام عليه وبنى عليه. وباستثناء الأحماء فإن الكلأ النابت في موطن قبيلة هو لكل أبناء القبيلة، ليس لأحد صد أحد عنه إلا إذا كان غريبًا عن القبيلة دخل أرضها بغير إذن من أبنائها وهو ليس في حماية أحد منها. فالكلأ في البادية لا يعود لمالك فرد، وإنما هو ملك القبيلة، أبناء القبيلة فيه شركاء، يرعون فيه سواء١. وقد ورد في الحديث، أنه قال: الناس شركاء في ثلاث: الكلأ والماء والنار. ومعنى النار الحطب الذي يستوقد به، فيقلع من عفو البلاد. وكذلك الماء الذي ينبع، والكلأ الذي منبته غير مملوك والناس فيه مستوون. وذهب بعضهم إلى أن الماء ماء السماء والعيون والأنهار التي لا مالك لها، وأراد بالكلأ المباح الذي لا يخص به أحد، وأراد بالنار الشجر الذي يحتطبه الناس من المباح فيوقدونه٢. فكل هذه الموارد الثلاثة، موارد مشاعة للجميع، يشترك في الانتفاع بها كل الناس. وهو مذهب أهل الجاهلية أيضًا، ما لم يبسط أحد من الملوك أو سادة القبائل سلطانه عليها، وبعلن أنها في حمايته، إذ تكون حينئذ ملكًا له.

стр. 4537

الأرض ملك الآلهة: الأرض كما سبق أن بينت ملك للآلهة. وكل شيء على هذه الأرض هو ملك لها كذلك. والناس أنفسهم عبيد لها "ادم"١. ورأيهم هذا يطابق رأي الإسلام بالنسبة إلى الملك. فالله في الإسلام مالك الملك، وهو مالك كل شيء. والمال مال الله والناس عبيد له. وعندهم أن ممثلي السلطة الإلهية على هذه الأرض هم الذين ينظمون الملك ويقيمون العدل بين الناس ويحقون الحق كما تأمرهم الآلهة به. وكما شرعته لهم وأوصت به. فهم في ذلك مثل الإسلام أيضًا في أن أولي الأمر

стр. 4538

أي "السلطان" يحكمون بين الناس بالقسط والعدل وبما أنزله الله على رسوله من أحكام وأوامر ونواه فهم ظل الله وخلفاء رسول الله على العباد. هذا هو المبدأ العام بالنسبة إلى الملكية والتملك عند العرب الجنوبيين. ويتمثل هذا الرأي في عقود التملك "شامت" "شمت" بالشراء المدونة باللهجات العربية الجنوبية، حيث يذكر المتعاقدون أنهم باعوا أو تملكوا ملكًا مثل أرض أو دار أو بستان أو غير ذلك، بموافقة "الإله الفلاني"، وبرضاه. وأنهم أجروا ذلك وفقًا لأوامره ونواهيه يكتبون ذلك على حجر يضعونه على حد الملك أو باب الدار، ليكون بمثابة شهادة تمليك. أو صك بيع أو شراء وسند "طابور"، أي سند تملك كما يعبر عن ذلك في لغة أهل العراق في الوقت الحاضر. وحكم أن الملك ملك الآلهة، لا يعني أن الملكية هي مجرد انتفاع إلى أجل يحدد أو لا يحدد. أو أن من حق السلطان انتزاع الملك من صاحبه والاستيلاء عليه أو إعطائه لآخر باعتباره ممثل سلطة الآلهة على الأرض، بل الملكية تملك دائم، لا يجوز لأحد منازعة صاحب الملك على ملكه؛ لأن انتزاع الملك من صاحبه ومن دون رضاه تعسف وظلم. ولا ترضى الآلهة بظلم أحد، حتى وإن صدر ذلك الظلم من "السلطان" أي الملك أو من خوله الملك الحكم نيابة عنه. وقد خولت القوانين المالك الذي يغتصب ملكه حق مقاضاة المغتصب عند ذوي الرأي، "أولي الأمر" وعند المعابد وإن كان ذلك المغتصب ملكًا. صحيح أن بعض الملوك ظلموا الناس، بمصادرة أملاكهم وأموالهم، وبالاستيلاء على كل ما ملكه أفراد رعيتهم من دون دفع تعويض عنه. غير أن هذا عمل شاذ، وقد وقع لظروف شاذة، كأن يكون الشخص الذي صودر ملكه من أعداء الملك أو قد قام بعمل معاد للحكومة، أو قاوم "أولي الأمر" بطريقة من الطرق، أو خالف أوامر المعبد وأحكام دينه إلى غير ذلك من أمور. فهذه أمور شاذة لا تكون قاعدة حكمية عامة؛ لأن الأصل القانوني هو: أن الملكية حق مقدس لا يجوز مسه ولا الاعتداء عليه؛ لأن الآلهة لا ترضى بذلك، وهي تنتقم من المعتدين مهما كانوا. والملك هو كل ما تملكه يمينك ويكون في حوزتك احتواءً قادرًا على الاستبداد به. وكل ما صار في ملكك إما شراءً وإما إرثًا أو لقطة لم يظهر مالكها ولم ينازعه عليها منازع ولم يعارض في تملكه لها قانون، وأما هبة أو ما شاكل ذلك.

стр. 4539

وذلك بالنسبة إلى الملك الدائم الذي لا يمكن انتزاعه من صاحبه؛ لأن الآلهة أمرت به وأقرته. خلاف الملكية المؤقتة، التي تمنح الإنسان حق التصرف بالملك ولكن لأجل وبشروط تعين وتثبت لا يجوز تخطيها والعمل بخلافها. مثل التملك بعقد، أي بشروط وبعبر عن ذلك بـ"شامت" "شمت". ويكون ذلك شراءً، أو بعقد خاص أو بإيجار١. ولا نجد في الحجاز أو نجد أو العربية الشرقية ملاكًا مزارعين كبارًا على نحو ما نجده في اليمن أو في بقية العربية الجنوبية، وذلك لصغر مساحة الأرضين المسقاة بالمطر أو بالمياه الأرضية في هذه البلاد. نتيجة شح الأرض وبخلها على الناس بالماء. ولهذا لم يظهر في الحجان أو في نجد أو أرض العروض مزارعون كبار، لهم عدد كبير من الفلاحين والرقيق يستغلونهم في استغلال الأرض. ومع ذلك فإننا لا نجد حتى في اليمن أو في العربية الجنوبية أناسًا أصحاب أرضين واسعة أي من نسميهم اليوم بـ"إقطاعيين" على نحو ما نجده في أرض السواد، أي العراق، حيث كان الإقطاعيون يملكون مساحات واسعة من الأرض، تسقيها الأنهار دون كبير عناء، ويعمل فيها الفلاحون بأجور بخسة ورقيق الأرض والخول فتأتي لأصحابها بالمال والثراء.

стр. 4540

الخليط: ويعرف المشارك في حقوق الملك كالشرب والطريق ونحو ذلك بـ"الخليط". والخليط الشريك المشارك في الشيوع. وقد حدثت خصومات في موضوع هذه الشركة. وقد بحث فيها الإسلام. جاء في الحديث: "ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية". وورد أيضًا: "الشريك أولى من الخليط. والخليط أولى من الجار". وأراد بالشريك المشارك في الشيوع١.

стр. 4541

الفصل السادس والتسعون: الإرواء مدخل ... الفصل السادس والتسعون: الإرواء تعطي الديانات السامية الماء أهمية كبيرة. وقد أثابت الأشخاص الذين يتقربون إلى آلهتهم بتقديم الماء إلى العطاشى، وفرضت عليهم تقديم الماء إلى العطشان لإغاثته وإنقاذه من الهلاك. وفي الأسفار القديمة أمثلة عديدة على ذلك، كما أشادت تلك الأديان بقيمة الماء في الحياة. ولا بد أن تكون للوثنية العربية النظرة ذاتها التي نراها في الأديان الأخرى بالنسبة إلى الماء، بأن أعطته شيئًا من التقديس والأهمية، وجعلت له مكانة في عقائدها، وذلك قياسًا على ما قلته من تقديس الأديان الأخرى له. وإن كنا نجهل ذلك لعدم ورود شيء عن ذلك في المسند. ولكن عدم ورود شيء من ذلك في المسند لا يكون دليلًا على عدم تقديس العرب الجاهليين له؛ لأن نصوص المسند لم تختم بعد، وما وصل إلينا ليس إلا شيئًا قليلًا بالنسبة إلى ما قد يعثر عليه في المستقبل ولا شك. وفي الأخبار المروية عن الجاهليين وغيرهم من تقديس بعض الآبار والعيون، والتبرك بشرب الماء منها، دليل على نظرة التقديس التي نظرتها الشعوب السامية وغيرها إلى الماء. فالماء هو الحياة. وفي القرآن الكريم: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ١. ولا بد أن تكون هذه النظرة التقديسية هي التي حملت الجاهليين

стр. 4542

على تقديس بئر زمزم. ولا يقدر أهمية البئر حق قدرها إلا قطان هذا البلد الكائن في واد غير ذي زرع وماء، ولولا زمزم والآبار الأخرى التي احتفرها أهله، والآبار والعيون الواقعة في أطرافه، يحملون منها الماء إلى بلدهم حملًا، لهلك أهله، أو هجروه. ولا يدرك المرء قيمة الماء إلا إذا كان في صحراء فقرة لا ماء فيها ثم نفد ماؤه. ولهذا كان الغيث رحمة عظمى للأعراب، يغيثهم بعد أن يتعرضوا للجدب والهلاك. ولا غرابة بعد ذلك، إذا رأينا العرب تقول في دعائها على الإنسان: ما له أحر الله صدره، أي أعطشه. وفي الدعاء: سلط الله عليه الحرة تحت القرة! يريد العطش مع البرد، ورماه الله بالحرة والقرة، أي بالعطش والبرد. وقالوا: أحر الرجل، فهو محر: عطشت إبله١. وأي شيء أعظم مصيبة وخطرًا على الإنسان من العطش في أرض حارة! وتعد بقاع جزيرة العرب من الأرضين الجافة، فالأمطار فيها، ولا سيما أقسامها البعيدة عن البحر شحيحة، والأنهار الكبيرة معدومة فيها، والعيون قليلة أيضًا، وجوها جاف لا نكاد نستثني منها إلى سواحلها، وهذا لجفاف صير القسم الأكبر من أرضها صحاري قاحلة تكسوها طبقة غليظة من الرمال في بعض الأماكن مثل الربع الخالي، كما جعلها غير قابلة للزرع. على أن من الممكن أن تبعث الحياة في مناطق واسعة شاسعة من هذه الأرضين، فتجعل أرضين منتجة مخصبة نافعة، إذا اتبعت الأساليب العلمية في معالجة الأرض، وفي استنباط الماء، وفي السيطرة على الأمطار والسيول التي تنشأ منها في بعض الأحيان وتغور في الرمال دون أن يستفاد منها، بإقامة السدود والحياض الصناعية التي تخزن فيها إلى وقت الحاجة، وذلك كما فعل الجاهليون في بعض الأماكن، وخاصة في العربية الجنوبية، من إقامة سدود تحجز السيول وتحبسها، فإذا انقطعت الأمطار وحل الجفاف استفيد منها في الإرواء. ونجد في بطون الكتب أسماء مواضع عديدة كبيرة كانت ذات عيون ومياه وآبار ونخيل وأناس عند ظهور الإسلام٢. وهي اليوم صحاري خالية أو مواضع صغيرة لا أهمية لها. وذلك بسبب إهمال الإنسان لها واعتدائه عليها، وتحول

стр. 4543

الطرق التجارية عنها. ويظهر أن لاشتراك القبائل في الفتوح، ونزولها في العراق وفي بلاد الشأم والأماكن الغنية الأخرى بعد دخول هذه الأماكن في الإسلام أثرًا في هجرة الناس عن مواضع العيون والآبار في الحجاز وفي بقية جزيرة العرب، لقلة خيراتها وحاصلاتها وعدم تعلق الفلاح بالأرض في تلك الأماكن. أما في الوطن الجديد الذي حمله الفتح إليه، فقد وجد فيه خيرًا كثيرًا وأرضًا وماءً وجوًّا ألطف وأرق من الجو الذي كان يعيش فيه، وبذلك خسرت جزيرة العرب عددًا كبيرًا من سكانها، ممن فضل الهجرة على القعود. ومن يقرأ كتاب "صفة بلاد اليمن ومكة وبعض الحجاز" وكتبًا أخرى من هذا القبيل، يعجب من التدهور الذي أصاب الزراعة في جزيرة العرب بعد الإسلام، إذ يجد أسماء مواضع عديدة كانت تكفي نفسها، أو تصدر الحاصل الزراعي إلى الأسواق المجاورة، ثم قل حاصلها كثيرًا بإهمال الزراعة. وإعراض الناس عنها، حتى بعض النواحي القريبة من مكة والمجاورة لها، كانت مشهورة بالخضر والفواكه والأزهار والرياحين، ثم فقدت شهرتها من بعد. وذكر "ابن المجاور" أن موضع "الزهران" كان معروفًا بزراعة "الزعفران"، وكان الموظفون يجبون جباية لا بأس بها منه ومن الزرع والضرع وسقي الأنهار. "فلما دار الدهر، نقص جميع ما ذكرناه، لاختلاف النيات مع قلة الأمانات"١. وفي هذا الكتاب أمثلة عديدة على هذا التدهور المؤسف الذي حل بالزرع وبالماء وبالأيدي العاملة المشتغلة بإصلاح الأرض، والذي كان من جملة أسبابه ما قلته من هجرة المتمولين والمثرين والسادة الكبار من الحجاز وبقية جزيرة العرب إلى العراق وبلاد الشأم، لوجود مجال واسع للإثراء، لا مثيل له في جزيرة العرب. وللعرب مصطلحات كثيرة في الإرواء وفي سقيهم وسقي إبلهم، لارتباط حياتهم بالماء، ولأثر الحر والعطش والجفاف فيهم وفي أموالهم، وفي جملة هذه المصطلحات "الشريعة"، "مورد الشاربة التي يشرعها الناس فيشربون منها ويستقون. وربما شرعوها دوابهم، فشرعت تشرب منها. والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء عدًّا لا انقطاع له، ويكون ظاهرًا معينًا لا يستقى بالرشاء. وإذا كان من السماء والأمطار، فهو الكرع. وقد أكرعوه إبلهم فكرعت فيه وسقوها بالكرع. وهو مذكور في موضعه كالمشرعة"٢. وتقابل هذه اللفظة لفظة "مشترعن" في

стр. 4544

لغة المسند، أي "المشترع"، والمشرعة١. وقد تخصص أناس باستنباط المياه وتقدير حفر الآبار، كما تخصص آخرون بالسيطرة عليها وحصرها بالسدود. وسمى علماء اللغة المقدر لمجاري المياه "القناقن" وهو مثل المهندس في هذا الفن٢. وذكر بعضهم أن "القناقن" البصير بحفر المياه واستخراجها، والمهندس الذي يعرف موضع الماء تحت الأرض، أو هو الذي يسمع فيعرف مقدار الماء في البئر قريبًا أو بعيدًا٣. وقد قسم بعض العلماء المياه المستخرجة إلى ثلاثة أقسام: مياه أنهار، ومياه آبار، ومياه عيون. وقسموا مياه الأنهار إلى ثلاثة أقسام: أنها كبار لم يحفرها الآدميون، وأنها صغار، لم يحتفرها إنسان، وأنهار احتفرها الناس. فتكون ملكًا لمن احتفرها، لا حق لغيرهم في الانتفاع منها. وأما الآبار، فآبار تحفر للسابلة، فيكون ماؤها مشتركًا، وآبار تحفر للارتفاق بمائها. كالبادية إذا انتجعوا أرضًا وحفروا فيها بئرًا لشربهم وشرب مواشيهم. كانوا أحق بمائها ما أقاموا عليها في نجعهم، فإذا ارتحلوا عنها صارت البئر سابلة. وآبار مملوكة. وتكون ملكًا لمالكها لا ينازعه عليها منازع. وقسموا العيون إلى ثلاثة أقسام: عيون لم يستنبطها الآدميون. وعيون استنبطها إنسان، فتكون ملكًا لمن استنبطها، ويملك معها حريمها. وعيون يستنبطها الرجل في ملكه، فتكون ملكًا له٤. واليمن مثل سائر أقسام جزيرة العرب، خالية من الأنهار الكبيرة كدجلة والفرات والنيل، وخلوها من أمثال هذه الأنهار أثرت كثيرًا –ولا شك- في وضع الزراعة فيها. ولكن الطبيعة عوضتها بعض التعويض عن هذه الخسارة، فصار حالها أحسن كثيرًا من حال الأقسام الشرقية أو الوسطى من جزيرة العرب. فجعلت لها رياحًا تحمل إليها الأمطار في مواسم معروفة، وجعلت لها أمكنة ملائمة لخزن هذه الأمطار الهاطلة، استبدت بها أيدي الإنسان، وتحكمت فيها بأن جعلت

стр. 4545

لها أبوابًا ومنافذ، وسدودًا في بعض المواضع، وتمكنت بذلك من خزن هذه الأمطار للاستفادة منها في أيام الحاجة. ثم جعلت لها تربة حسنة طيبة أريضة تنبت كل ما يبذر فيها، وتنبت ما يتساقط عليها من بذور متطايرة مع الهواء، حتى شاع صيتها وانتشر خبرها بين الناس، فعرفت باليمن الخضراء. وقد ساعدت هذه الأمطار أهل اليمن كثيرًا في تطوير أحوالهم من النواحي الاجتماعية، فمال كثير منهم إلى الاستقرار وإلى الاشتغال بالزراعة والتعيش منها. وساعد ذلك على سكناهم في المدر وفي القرى والمدن، على عكس ما يحدث في الأرضين التي غلبت عليها الطبيعة الصحراوية لانحباس المطر عنها، وهي حالة اضطرت أصحابها إلى التنقل فيها من مكان إلى مكان طلبًا للكلأ والماء، وجعلت من أصحابها أناسًا فقراء، يعيشون عيشة شظف وضنك وفقر، مع ما وهبتهم الطبيعة من ذكاء مفرط واستعداد للتطور إن تهيأت لهم الظروف الملائمة وساعدتهم الأحوال. والأمطار قليلة بصورة عامة في جزيرة العرب، فلم تعتمد الزراعة فيها على الأمطار كما تعتمد في البلاد الأوروبية، وإنما تعتمد على الجعافر والحسي والعيون والآبار. ولهذا السبب انحصرت الزراعة في الأماكن التي توجد فيها هذه الموارد المائية. ويختلف عمق الآبار باختلاف المواقع، وباختلاف سطوح المياه الجوفية عن سطح الأرض. ولما كانت بعض الآبار عميقة جدًّا بسبب بعد سطح مائها عن سطح الأرض، لم يستفد منها في الزراعة كثيرًا، وإنما استفيد منها في شرب الإنسان والحيوان فقط. وفي العربية الغربية مواضع عديدة كانت ذات ماء، ورد اسمها في كتب اللغة وفي كتب "الجغرافيا" والبلدان والرحلات. تكونت من سقوط الأمطار على الجبال والمرتفعات. وبعضها ماء عذب، وبعض منها ماء مج أو مالح، وقد استفيد منها في السقي وفي الزرع. ويظهر من دراسة ما ذكره العلماء عنها، أنه قد كان في الإمكان الاستفادة منها واستغلالها لأغراض زراعية، لو كان لأهل هذه الأرضين علم بكيفية السيطرة على الماء، وكيفية استنباطه من باطن الأرض، وكيفية الهيمنة عليه بحفر مجار له. فقد كانت لبني الحارث بن بهثة بن سليم. عيون ماء في صخور، لم يتمكنوا من الانتفاع بها؛ لأنهم لم يتمكنوا أن يجروها

стр. 4546

إلى حيث ينتفعون بها١. وكان في "يليل" عين كبيرة تخرج من جوف رمل من أعذب ما يكون من العيون وأكثرها ماء، لم يزرعوا عليها إلا في مواضع يسيرة؛ لأنها تجري في رمل٢، ولم يكن علم على ما يظهر في كيفية استخراج هذا الماء من ذلك الرمل. وكان في إمكانهم مسك مسايل الماء من الجري نحو البحر، وحبسها في أحباس، بصنع سدود لها، لو كان لهم علم ومال وحكومة كبيرة تكون عندها المؤهلات والإمكانيات لعمل السدود، للاستفادة من مياه بعض المنابع التي كانت تجري طيلة أيام السنة، فتحول بينها وبين الذهاب عبثًا على البحر، فتحيي بذلك أرضين مواتًا وعدم وجود حكومات كبيرة تقوم بمثل هذه الأعمال بضبط الأمن. وإشاعة الاستقرار، هو من أهم العوامل التي كانت سببًا في عدم الاستفادة من المياه وفي تأخر الزراعة في جزيرة العرب، فلو كانت هنالك حكومات كبيرة، لكان في وسعها الاستفادة من المياه الظاهرة والباطنة ومن مياه السماء، فتحيي بذلك أرضين كثيرة خصبة، وتحمي الزرع من عبث العابثين وتشيع الأمن والطمأنينة في النفوس فيقبل الناس على الزرع والعناية بالضرع. وقد ذكر "عرام" اسم موضع دعاه "ذا مجر"، ذكر أنه غدير كبير في بطن وادي قوران، وبأعلاه ماء يقال له "لقف"، وهو آبار كثيرة، عذبة المياه، ليس عليها مزارع ولا نخل، لغلظ موضعها وخشونته، وفوق ذلك ماء يقال له "شسي" ماء آبار عذاب٣. وذكر اسم جبل يقال له "مغار" في جوفه أحساء، منها حسي يقال له "الهدار" يفور بماء كثير، لم يستفد منها فائدة تذكر٤، فكانت المياه تذهب عبثًا إلى سباخ لعدم وجود من يتغلب عليها بعقله وبعلمه وبماله ويستروضها لتخدمه في إحياء الأرض وفي إعاشته وإعاشة ماشيته. أما العربية الشرقية والعربية الوسطى، فإنهما أقل مياهًا من العربية الغربية، لقلة ما يسقط عليهما من الأمطار. ولذلك صارت مواضع الماء فيها متباعدة، والمسافات التي يجب أن يقطعها المسافرون من موضع إلى موضع أطول من المسافات التي تقطع بين منازل العربية الغربية، لتباعد مواضع المياه. ومن أهم موارد الماء

стр. 4547

في العربية الشرقية نهر "محلم" بهجر البحرين. ذكر بعض أهل الأخبار أنه في أرض العرب بمنزلة نهر بلخ في أرض العجم، وأن "تبعًا" نزل عليه فهاله. وأن مياهه الجوفية متصلة بسيح الأطلس الذي يكون مخرج مائه من عين الناقة١. إن قلة الأمطار أو شحها وانحباسها في بعض السنين وعدم وجود الماء في أكثر أنحاء جزيرة العرب، أثر أثرًا كبيرًا في حياة أهلها الاجتماعية، فحول قسمًا كبيرًا منهم إلى بدو رحل، يتنقلون من مكان إلى مكان طلبًا للكلأ والماء، هدفهم في هذه الحياة الحصول على الكلأ والماء. والكلأ والماء هما العز والجاه والثراء وأغلى شيء في هذه الدنيا، فقاتل بعضهم بعضًا من أجل الحصول عليهما، وقطعوا مسافات شاسعة بحثًا عنهما. ولم يتمكن الروم والرومان من منعهما من دخول بلاد الشأم بحثًا عن الكلأ والماء، ولم يتمكن الساسانيون من منعهم من الوصول على هذه الثروة العظيمة كذلك. هذه الثروة التي سببت اقتتال القبائل فيما بينها من أجل الحصول عليها. ولحماية الماء ولا سيما مياه الآبار من اعتداء الطبيعة أو الإنسان عليه أقاموا أبنية فوقه، في أيام الجاهلية وفي الإسلام. وقد أشار العلماء إلى قباب بنيت فوق المياه، فقد اتخذ أهل بطن "السيدان" قبابًا على كل ماء به، ومياهه تسمى الجرور والجراير، لبعد قعرها؛ ولأنها لا تخرج إلا بالغروب والسواني لبعد الماء فيها عن سطح الأرض٢.

стр. 4548

انحباس المطر: يؤدي انحباس المطر إلى كوارث ومصائب تترك أثرًا كبيرًا في أحوال السكان. تهلك أموالهم وهي كل ما عندهم في هذه الحياة، وقد يموت الكثير منهم من العطش والجوع. ولهذا عمد الناس في جزيرة العرب، كما عمد غيرهم إلى استرضاء آلهتهم بالتقرب إليها بتقديم الهدايا والقرابين، وبالتوسل إليها لإنزال المطر، وبالصلاة لها صلاة خاصة يقال لها صلاة الاستسقاء، هي صلاة أقرتها الأديان السماوية أيضًا،

стр. 4549

لم يرد في نصوص المسند ويا للأسف شيئًا عنها، غير أننا نملك نصًّا جاء فيه أن شخصًا قدم قرابين إلى الإله "عثتر" وإلى معابده كلها؛ لأنه من على سبأ وأتباعهم، فأرسل عليهم "سقي خرف ودثا"١، أي "مطر الخريف ومطر الربيع". ومعنى ذلك أن القوم كانوا قد توسلوا إلى هذا الإله ليرسل عليهم الغيث الذي انحبس عنهم في موسميه المعروفين في اليمن، ونذروا له نذرًا إن استجاب لهم، وقد استجاب لدعوتهم فأرسله عليهم، فقدمت إليه تلك الذبائح والقرابين. وقد تحدثت في أثناء كلامي على الحياة الدينية عن عادة أهل الجاهلية في الاستمطار، وعن هذه النار التي كانوا يولعونها والتي يسمونها "نار الاستمطار". وهي عادة قد تكون مألوفة بين أهل مكة وأهل الحجاز، وهي من العادات التي أبطلها الإسلام، إذ أحل محلها صلاة الاستسقاء٢. وقد تهطل الأمطار أحيانًا هطولًا شديدًا مؤذيًا، فتكون سيولًا عارمة تجرف الزروع والبيوت والمواشي وتنكب الناس بعيشهم الضيق الذي هم فيه. ونجد في كتب أهل الأخبار إشارات إلى سيول عديدة حدثت في الجاهلية والإسلام، في الحجاز واليمن وفي أمكنة أخرى، فأصابت الناس بأضرار كبيرة، حيث تنحدر بشكل سريع وشديد وبقوة كبيرة من الجبال والهضاب والمرتفعات إلى الأودية والسهول فتغمرها بالمياه، وفي كتب الأخبار أن السيول قد أصابت مكة مرارًا في الجاهلية وفي الإسلام. وهي في جملة المصائب والكوارث التي تنزل بالناس، فلا عجب إذا ما رأينا المثل العربي يقول: "سال بهم السيل، وجاش بنا البحر، أي وقعوا في أمر شديد، ووقعنا نحن في أشد منه؛ لأن الذي يجيش به البحر أسوأ حالًا ممن يسيل به السيل"٣. ولفظة "سقى" من الألفاظ الواردة في المسند، بمعنى "مطر" و"إرواء"

стр. 4550

و"سقي"١. ولفظة "مسقت" و"مسقيت" بمعنى "مسقى" و"مسقية". ووردت لفظة الإرواء في النصوص العربية الجنوبية كذلك: وردت في نص معيني على هذه الصورة "رويم" "روي" بمعنى "إرواء"٢، وذلك كما في هذه الجملة: "رويم لا نخلهمى"، أي "لإرواء نخيلهم"٣، وفي هذا المعنى جملة: "رويم وسقيتم لنخلهمو"٤، أي "إرواء وإسقاء نخيلهم". و"المكر" سقي الأرض، وأرض ممكورة، مسقاة، ومكر أرضه، سقاها٥.

стр. 4551

أنواع السقي: ويسقى الزرع في جزيرة العرب، إنا بالسيح، والسيح الماء الجاري الظاهر على وجه الأرض١. ويقال له: "المسقوي"٢. وأما بماء المطر، أي بما تسقيه السماء، ويقال له: "المظمى"٣، وإما من الآبار، أي بالدلاء، وقد تستخدم النواعير في رفع الماء من الأنهار إلى السواقي لتجري إلى المزارع، أي بالطرق الفنية التي يستخدمها الإنسان في تسخير الماء في خدمته. ويقال لما سقته السماء من النخل "العثري". وقيل "العثري" هو من الزرع ما سقي بماء السماء والمطر وأجري إليه الماء من المسايل، وقيل النخيل التي تشرب بعروقها من ماء المطر٤. وفي هذا المعنى "العذي"، والعذي أيضًا الموضع الذي ينبت في الشتاء والصيف من غير نبع ما، وقيل العذي: الزرع الذي لا يسقيه إلا المطر٥. وقد اتخذت المرتفعات وذرى الجبال قرى ومزارع، صارت زراعها أعذاء، لا تسقى٦. و"عمد" الأرض التي تسقى بماء السماء في لغة المسند٧. ونقرأ لفظة "أعذاء" في كتب من وصف جزيرة العرب ومواضعها وزروعها٨، وقد قصدوا بها زروع نبتت على ماء السماء.

стр. 4552

المطر: ويقال للمطر في المسند "ذ ن م م" "ذنمم"، وقد وردت هذه اللفظة في عدد من النصوص١، ويقال له "دثن" أيضًا٢. وهي "الدث" في عربية القرآن الكريم، يقال دثت السماء إذا نزل منها الدث، والدث هو المطر الضعيف٣. ويراد بـ"دثن" "الدث" في المسند، المطر الذي يتساقط بعد الحر الشديد وفي نهاية القيط. ويقال للمطر الغيث كذلك. وذكر بعض علماء اللغة أن الغيث هو المطر الخاص بالخير الكثير النافع، ومن المجاز: الغيث بمعنى الكلأ ينبت بماء السماء، وكذا السحاب. ورأى بعض العلماء أن الغيث اسم المطر كله. وأما السبل، فالمطر أيضًا، أو المطر بين السحاب والأرض حين يخرج من السحاب ولم يصل إلى الأرض ومثله العثانين. وأما الودق، فالمطر أيضًا. ومنه النزل والرجع في كلام هذيل. وكذلك الخرج والقطر والخدر. وقيل: النصر، الغيث. والذهاب اسم المطر كله ضعيفه وشديده٤. و"الديمة"، مطر يدوم أي يطول زمانه أيامًا. وأرض مديمة، أصابتها الديم، والمدام المطر الدائم٥. و"الديمن" و"الديم"، هو الزرع الذي يسقى بماء المطر، في اصطلاح أهل العراق اليوم. وإذا بكر الغيث في أول الوسمي، قيل له "باكور"٦. أما آخر أمطار السنة

стр. 4553

الذي يأتي في وقت الخراف، أي أواخر الخريف١، فإنه "خرفن" في نصوص المسند، أي "الخراف". ويقال للمطر الذي ينزل في فصل الخريف: "الخريف"، ويقال له: "الخرفي" كذلك، أو هو أول المطر في أول الشتاء، وهو الذي يأتي عند صرام النخل، ثم الذي يليه الوسمي. وهو عند دخول الشتاء، ثم يليه الربيع، ثم يليه الصيف، ثم الحميم، وقال بعض علماء اللغة: أول المطر الوسمي، ثم الشتوي، ثم الدفيء، ثم الصيف، ثم الحميم، ثم الخريف، ولذلك جعلت السنة ستة أزمنة. وقال أبو حنيفة: ليس الخريف في الأصل باسم للفصل، وإنما هو اسم مطر القيظ، ثم سمي الزمن به. والحجاز كله يمطر بالخريف، ونجد لا تمطر به٢. والمزن السحاب. وقد وردت اللفظة في القرآن الكريم. ويقول علماء اللغة أن المزن جمع مزنة، وهي السحاب الأبيض. وقد كان جل اعتماد أهل جزيرة العرب في الشرب، وفي الإرواء على ماء المطر. كما نجد ذلك في الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ ٣. ولارتباط حياة العرب بالمطر، كثرت الألفاظ المتعلقة به في لغتهم. ففي معاجم اللغة ألفاظ كثيرة في معنى المطر وفي أمور تتعلق به، في مثل السحاب، وأنواعه وأسماء قطعه، وما شاكل ذلك من ألفاظ وأسماء، تمثل لك مدى عناية العرب بالمطر، لشدة حاجتهم إليه. وللعرب علامات إذا ظهرت دلت عندهم على أنها أمارات الغيث وعلاماته، منها الهالة التي تكون حول القمر، إن كانت كثيفة مظلمة، كانت من دلائل المطر، ولا سيما إن كانت مضاعفة. ومنها "الندأة"، وهي الحمرة التي تكون عند مغرب الشمس أيام الغيوث. والمبشرات، وهي عدة علامات تتوالى، تدل عندهم على نزول الغيث. ومنها الرعد والبرق، ومنها أن ترى القمر أو الكواكب في الصحو يحيط بها لون يخالف لون السماء، وكذلك إن رأيت القمر في الغيم

стр. 4554

وإن كان قزعًا كأنه تحيط به خطوط كخطوط قوس المزن، وهي القسطانية. وبعض الرواة يجعل قوس الغيم أيضًا بدأة١. وهم يعتبرون الغيث نعمة ورحمة، ولهذا كانوا يفرحون بنزوله ويستبشرون، لا سيما إذا كان نزوله بعد قحط وجدب. ويهنأ أحدهم الآخر بانصبابه لما سيصيبهم جميعًا من خير عميم. ولكنه قد يصير نقمة إذا نزل سيلًا مدرارًا، يكتسح كل شيء يجده أمامه، وقد تمتلئ به بطون الأودية، فتغرق سيولها القرى والمستوطنات. مثل ما كانت تصاب به مكة من السيول. فمكة في واد على طرفيه جبال، إذا نزلت عليها الأمطار سالت إلى باطن الوادي، فتؤذي البلدة والحرم، وقد أقيمت الردم لمنع السيول من إغراق الحرم، والبيوت، غير أن السيول تكون قاهرة جبارة في بعض الأحيان، فلا يقف أمامها ردم ولا سكر. وقد أشار أهل الأخبار إلى المهم من هذه السيول٢. وقد هددت السيول يثرب بالغرق أيضًا، مع أنها ليست في واد، وذلك من سيل "مهزور". وقد أقام "عثمان" ردمًا لمنع سيل هذا الوادي من إغراق المدينة٣.

стр. 4555

الاستفادة من مياه الأمطار: وقد اضطر سكان جزيرة العرب أن يلجئوا إلى الوسائل الصناعية للاستفادة من المياه، وذلك لقلتها وشحها، سواء أكانت مياه أمطار أم مياه أرض، متدفقة من أجواف الأرض على هيئة عيون أو جعافر. وفي جملة ما اتخذوه إقامة السدود في الأرضين التي تساعد طبيعتها على إقامة السدود، وحفر الآبار للاستفادة منها في السقي وفي الزراعة بمقياس يتناسب بالطبع مع كميات مياه الآبار. وقد اتخذ أهل المواضع المرتفعة مثل الأماكن الجبلية التي يصعب نقل الماء إليها كل الوسائل الممكنة للمحافظة على ماء المطر والسيطرة عليه وجمعه لئلا يذهب
следующие страницы →