أنواع السقي:
ويسقى الزرع في جزيرة العرب، إنا بالسيح، والسيح الماء الجاري الظاهر على وجه الأرض١. ويقال له: "المسقوي"٢. وأما بماء المطر، أي بما تسقيه السماء، ويقال له: "المظمى"٣، وإما من الآبار، أي بالدلاء، وقد تستخدم النواعير في رفع الماء من الأنهار إلى السواقي لتجري إلى المزارع، أي بالطرق الفنية التي يستخدمها الإنسان في تسخير الماء في خدمته.
ويقال لما سقته السماء من النخل "العثري". وقيل "العثري" هو من الزرع ما سقي بماء السماء والمطر وأجري إليه الماء من المسايل، وقيل النخيل التي تشرب بعروقها من ماء المطر٤. وفي هذا المعنى "العذي"، والعذي أيضًا الموضع الذي ينبت في الشتاء والصيف من غير نبع ما، وقيل العذي: الزرع الذي لا يسقيه إلا المطر٥. وقد اتخذت المرتفعات وذرى الجبال قرى ومزارع، صارت زراعها أعذاء، لا تسقى٦. و"عمد" الأرض التي تسقى بماء السماء في لغة المسند٧. ونقرأ لفظة "أعذاء" في كتب من وصف جزيرة العرب ومواضعها وزروعها٨، وقد قصدوا بها زروع نبتت على ماء السماء.
стр. 4552
المطر:
ويقال للمطر في المسند "ذ ن م م" "ذنمم"، وقد وردت هذه اللفظة في عدد من النصوص١، ويقال له "دثن" أيضًا٢. وهي "الدث" في عربية القرآن الكريم، يقال دثت السماء إذا نزل منها الدث، والدث هو المطر الضعيف٣. ويراد بـ"دثن" "الدث" في المسند، المطر الذي يتساقط بعد الحر الشديد وفي نهاية القيط.
ويقال للمطر الغيث كذلك. وذكر بعض علماء اللغة أن الغيث هو المطر الخاص بالخير الكثير النافع، ومن المجاز: الغيث بمعنى الكلأ ينبت بماء السماء، وكذا السحاب. ورأى بعض العلماء أن الغيث اسم المطر كله. وأما السبل، فالمطر أيضًا، أو المطر بين السحاب والأرض حين يخرج من السحاب ولم يصل إلى الأرض ومثله العثانين. وأما الودق، فالمطر أيضًا. ومنه النزل والرجع في كلام هذيل. وكذلك الخرج والقطر والخدر. وقيل: النصر، الغيث. والذهاب اسم المطر كله ضعيفه وشديده٤. و"الديمة"، مطر يدوم أي يطول زمانه أيامًا. وأرض مديمة، أصابتها الديم، والمدام المطر الدائم٥. و"الديمن" و"الديم"، هو الزرع الذي يسقى بماء المطر، في اصطلاح أهل العراق اليوم.
وإذا بكر الغيث في أول الوسمي، قيل له "باكور"٦. أما آخر أمطار السنة
стр. 4553
الذي يأتي في وقت الخراف، أي أواخر الخريف١، فإنه "خرفن" في نصوص المسند، أي "الخراف".
ويقال للمطر الذي ينزل في فصل الخريف: "الخريف"، ويقال له: "الخرفي" كذلك، أو هو أول المطر في أول الشتاء، وهو الذي يأتي عند صرام النخل، ثم الذي يليه الوسمي. وهو عند دخول الشتاء، ثم يليه الربيع، ثم يليه الصيف، ثم الحميم، وقال بعض علماء اللغة: أول المطر الوسمي، ثم الشتوي، ثم الدفيء، ثم الصيف، ثم الحميم، ثم الخريف، ولذلك جعلت السنة ستة أزمنة. وقال أبو حنيفة: ليس الخريف في الأصل باسم للفصل، وإنما هو اسم مطر القيظ، ثم سمي الزمن به. والحجاز كله يمطر بالخريف، ونجد لا تمطر به٢.
والمزن السحاب. وقد وردت اللفظة في القرآن الكريم. ويقول علماء اللغة أن المزن جمع مزنة، وهي السحاب الأبيض. وقد كان جل اعتماد أهل جزيرة العرب في الشرب، وفي الإرواء على ماء المطر. كما نجد ذلك في الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ ٣.
ولارتباط حياة العرب بالمطر، كثرت الألفاظ المتعلقة به في لغتهم. ففي معاجم اللغة ألفاظ كثيرة في معنى المطر وفي أمور تتعلق به، في مثل السحاب، وأنواعه وأسماء قطعه، وما شاكل ذلك من ألفاظ وأسماء، تمثل لك مدى عناية العرب بالمطر، لشدة حاجتهم إليه.
وللعرب علامات إذا ظهرت دلت عندهم على أنها أمارات الغيث وعلاماته، منها الهالة التي تكون حول القمر، إن كانت كثيفة مظلمة، كانت من دلائل المطر، ولا سيما إن كانت مضاعفة. ومنها "الندأة"، وهي الحمرة التي تكون عند مغرب الشمس أيام الغيوث. والمبشرات، وهي عدة علامات تتوالى، تدل عندهم على نزول الغيث. ومنها الرعد والبرق، ومنها أن ترى القمر أو الكواكب في الصحو يحيط بها لون يخالف لون السماء، وكذلك إن رأيت القمر في الغيم
стр. 4554
وإن كان قزعًا كأنه تحيط به خطوط كخطوط قوس المزن، وهي القسطانية. وبعض الرواة يجعل قوس الغيم أيضًا بدأة١.
وهم يعتبرون الغيث نعمة ورحمة، ولهذا كانوا يفرحون بنزوله ويستبشرون، لا سيما إذا كان نزوله بعد قحط وجدب. ويهنأ أحدهم الآخر بانصبابه لما سيصيبهم جميعًا من خير عميم. ولكنه قد يصير نقمة إذا نزل سيلًا مدرارًا، يكتسح كل شيء يجده أمامه، وقد تمتلئ به بطون الأودية، فتغرق سيولها القرى والمستوطنات. مثل ما كانت تصاب به مكة من السيول. فمكة في واد على طرفيه جبال، إذا نزلت عليها الأمطار سالت إلى باطن الوادي، فتؤذي البلدة والحرم، وقد أقيمت الردم لمنع السيول من إغراق الحرم، والبيوت، غير أن السيول تكون قاهرة جبارة في بعض الأحيان، فلا يقف أمامها ردم ولا سكر. وقد أشار أهل الأخبار إلى المهم من هذه السيول٢.
وقد هددت السيول يثرب بالغرق أيضًا، مع أنها ليست في واد، وذلك من سيل "مهزور". وقد أقام "عثمان" ردمًا لمنع سيل هذا الوادي من إغراق المدينة٣.
стр. 4555
الاستفادة من مياه الأمطار:
وقد اضطر سكان جزيرة العرب أن يلجئوا إلى الوسائل الصناعية للاستفادة من المياه، وذلك لقلتها وشحها، سواء أكانت مياه أمطار أم مياه أرض، متدفقة من أجواف الأرض على هيئة عيون أو جعافر. وفي جملة ما اتخذوه إقامة السدود في الأرضين التي تساعد طبيعتها على إقامة السدود، وحفر الآبار للاستفادة منها في السقي وفي الزراعة بمقياس يتناسب بالطبع مع كميات مياه الآبار.
وقد اتخذ أهل المواضع المرتفعة مثل الأماكن الجبلية التي يصعب نقل الماء إليها كل الوسائل الممكنة للمحافظة على ماء المطر والسيطرة عليه وجمعه لئلا يذهب
стр. 4556
سدى، فحفروا الصهاريج العميقة في البيوت وفي أماكن أخرى ليسيل إليها، وسلطوا مياه الميازيب على أماكن تسيل منها إلى هذه الصهاريج. ولا يزال بعض الميازيب الجاهلية في حالة جيدة يستعمل في الأغراض التي صنع من أجلها. وهي مصنوعة من الصخور، وبعضها من المرمر الأبيض الجميل. وفي مسجد "حصن غيمان"، صهريج جاهلي قديم، يستعمل لخزن المياه. وهناك صهاريج عديدة في هذا الموضع، كلها من أيام الجاهلية. وبعضها مفتوح على هيأة حوض، وأكثره من النوع المغطى والمنقور في الصخر. وقد تساقطت سقوف بعض هذه الصهاريج أو أصيبت بتلف في بعض أقسامها وظهرت هيآتها للعيان، فعرفت أشكالها وأعماقها، ولبعضها ممرات توصل بعضها ببعض، فتجعلها كأنها شبكة تربط مساحة واحدة تملأ بالماء تحت سطح الأرض. ولهذه الصهاريج فتحات تستخرج منها المياه للإرواء١.
ولهذه الصهاريج أهمية خاصة في أيام الحروب، إذ تمنع العدو من قطع الماء عن المحاصرين، وبذلك يستطيعون البقاء مدة طويلة يدافعون عن أماكنهم خلف الأسوار.
وقد استخدمت الصهاريج لخزن الماء، حتى البيوت استخدمتها لذلك، فكان إذا وقع الغيث سال إلى هذه الصهاريج فخزنته. وقد اتخذ أهل المدن الصهاريج الكبيرة لتموين الناس بالماء، وبنوا الصهاريج في المعابد ليستفيد منها المتعبدون القادمون إليها ورجال الدين.
وقد عثر على صهاريج عديدة في حضرموت وفي اليمن، عرفت عند الحضرميين بـ"نقب". وهي عبارة عن حفر نقرت في الصخور وفي المواضع الحجرية وفي مواضع أخرى، يبلغ قطر أفواهها وفتحاتها زهاء المتر في الغالب. أما أعماقها فهي مختلفة وكذلك أقطارها السفلى أي من جهة قواعدها، فقد عثر على بعضها، وأعماقها تتراوح من ثلاثة أمتار إلى أربعة، وأقطارها السفلى تتراوح من خمسة أمتار إلى ستة. ويقال لعملية الحفر "نقب" كما في هذه الجملة: "نقبو نقب"٢ أي "نقبوا نقبًا"، ومعناها "حفروا نقبًا"، و"حفروا صهريجًا".
стр. 4557
وتوصل هذه الصهاريج بمجاري تحت الأرض قد يبلغ أطوالها جملة كيلومترات لإيصال الماء منها إلى مواضع السكن أو الزرع. وتكون الصهاريج مرتفعة عن مسايل المياه الأرضية، ليسيل منها الماء إلى الجهات التي تريدها. ويكون معينها هو ماء المطر١. ويظهر أن طريقة توزيع الماء من النقاب بمسايل للمياه أرضية كانت شائعة قبل الإسلام في المدن والقرى المرتفعة البعيدة عن الغيول والنهيرات والآبار والتي تتساقط فيها الأمطار، فلجأت إلى هذه الطريقة الفنية لحبس مياه الأمطار للاستفادة منها في الشرب والاستعمال وفي الزراعة أيضًا.
стр. 4558
الذهب:
ويقال لموضع تجمع مياه الأمطار ومسيلها "ذهبن"، أي "الذهب". ويستخدم هذا الماء المتجمع لإسقاء الحيوان وللشرب ولإسقاء الزرع، قال "الهمداني": "والذهب.. يمتلئ من السيل، فإذا امتلأ نف فيه الطهف والدخن، فنضب الماء، ثار نبته"١. وقد كانوا يستفيدون من أمثال هذه "الذهب" بتسويرها وحصر الماء فيها ثم توجيهها إلى الأحواض الكبرى للاستفادة منها عند انحباس الأمطار.
وكانت أشراج الحرة بيثرب من مسايل الماء، فإذا هطلت الأمطار انحدرت إليها وامتلأت بها فتسيل إلى الأرضين المزروعة ترويها بالماء٢. وقد تحبس الشراج فتكون أحواضًا يستفاد منها في السقي والزرع.
وهناك حفر تتجمع فيها المياه فيستفاد منها في الشرب. وقد ذكر علماء اللغة ألفاظًا عديدة تتعلق بالحفر على اختلاف أنواعها، وفي جملتها الحفر التي تتجمع فيها المياه. وذلك لكثرتها ولأهميتها في حياتهم العملية، إذ كانت على ضآلة بعضها ووسخ مائها، غوثًا للمسافرين العطاشى الذين هم ودوابهم في آخر رمق من الحياة. فهي تكون في مثل هذه الظروف هبة ولقطة لا تقدر بثمن.
ومن مواضع تجمع الماء في الحفر الأوقة، وهي حفرة يجتمع فيها الماء، وجمعها
стр. 4559
أوق١. والوجيل والموجل، حفرة يستنقع فيها الماء يمانية٢. والمرهة، حفيرة يجتمع فيها ماء السماء٣. والهوقة، وهي حفرة كبيرة يجتمع فيها الماء، وتألفها الطير٤. و"الركية" البئر. وقد كانوا يتبردون بها في أيام الحر٥. و"المركو"، الحوض الكبير وقيل الحويض الصغير يسويه الرجل بيديه على رأس البئر إذا أعوزه إناء يسقي فيه بعيرًا أو بعيرين٦.
والنقر، الغائر في الأرضين، وهي موارد الماء في جزيرة العرب. إذا احتفرت، ظهر الماء بسهولة في آبارها، وقد تظهر البرك فيها. ومن هذه النقر، موضع "معدن النقرة"، منزل لحاج العراق بين أضاخ وماوان. فيه بركة، وثلاث آبار، بئر تعرف بالمهدي، وبئران تعرفان بالرشيد، يظهر أنها حفرت في أيام الخليفتين: المهدي والرشيد، وآبار صغار للأعراب. وعندها تفترق الطرق، فمن أراد مكة نزل المغيثة، ومن أراد المدينة أخذ نحو العسيلة، ذكر أن هذا الموضع إنما سمي نقرة؛ لأن النقرة كل أرض متصوبة في هبطة فهي نقرة٧.
стр. 4560
الحياض:
وقد ترك الجاهليون حياضًا واسعة كانوا أنشأوها في مواضع كثيرة من اليمن وبقية العربية الجنوبية لخزن الماء فيها للاستفادة منها أيام الجفاف. فإذا ما تساقطت الأمطار، سالت إلى هذه الحياض، وبعضها عميق واسع لا تنضب منها مياهها طوال السنة. وقد أحيطت هذه الحياض بجدران متينة من الصخور صفت ورتبت على هيأة مدرجات، حتى إذا انخفض الماء أمكن لمن يريد الاستسقاء منها أن
стр. 4561
ينزل على هذه الدرجات حتى يبلغ الماء ولا يزال بعض هذه الحياض موجودًا يستعمله الناس. وقد وصف السواح الذين زاروا اليمن بعضها وتحدثوا عنها وعن أبعادها وعن طرق بنائها وهندستها١.
ولمنع تسرب الماء من الحوض، يسد ما بين الحجارة من منافذ بالمدرة المعجونة، وتطلى أوجه الجدر بمادة تغطيها مثل الصهريج لمنع تسرب الماء وخروجه إلى الخارج، كما يبلط قاع الحوض ويطلى كذلك. وتوضع حجارة تنصب حول الحوض، ويسد ما بينها بالمدرة، ويقال لذلك النصيبة. ويمدر الحوض إذا طين وسد خصاص ما بين حجارته، كما يعبر عن ذلك بلفظة اللوط. ويوضع الإباد حول الحوض، أي التراب، لدعمه وتقويمه. وقد ترفع جدر الحوض فوق الأرض، وتعمل فيه صنابير لخروج الماء فيها، وقد تنشأ فيها حنفيات لأخذ الماء منها، تعمل من المعدن أو الحجارة٢.
وقد عثر على ميازيب ومثاعب حجر نحتت نحتًا جميلًا، وضعت في جدران الأحواض، ليسيل منها الماء٣. وقد صنعت مواضع مسايل بعضها على هيأة رؤوس حيوانات فتحت أفواهها، ومن هذه الأفواه المفتوحة يتساقط الماء. ولا يزال بعضها في هيأة حسنة ومستعملة حتى الآن. واستعملت بعضها في السطوح لسيلان الأمطار منها، كما عثر على صخور منحوتة نحتًا جميلا جدا كانت تكون الواجهة الظاهرة من جدران الحياض، وقد نحت بعضها على شكل صور حيوانات بارزة أو أوجه حيوانات، ونحت بعضها على صور أوراق نبات وأغصان أعناب أو عناقيد أعناب وما شابه ذلك من أجزاء النبات.
وثعب الماء سال، ومنه اشتق مثعب المطر. والثعب مسيل الوادي، ومنه مثاعب المدينة، أي مسايل مائها. والمثعب المرزاب٤.
وتعمل الأحواض لشرب الإبل وغيرها. وقد يوضع في وسطها حجر، يكون مقياسًا للماء، يقال له "القداس" إذا غمره الماء رويت الإبل، أو هو حجر يطرح في حوض الإبل، يقدر عليه الماء، يقتسمونه بينهم. وقيل هو حصاة،
стр. 4562
توضع في الماء قدر الري للإبل، أو يقسم بها الماء في المفاوز١.
وفي كتب اللغة ألفاظ عديدة أطلقت على الحوض، بحسب شكله واتساعه وعمقه منها الحوض المركو. أما المقراة، فالحوض العظيم، وأما الجرموز، فالحوض الصغير، وقيل هو حوض مرتفع الأعضاد. والنضيج الحوض، وخصه بعضهم بالحوض الصغير. والجابية الحوض كذلك. وأما الشربة فالحوض يجعل حول النخلة يملأ ماء، فيكون ري النخلة. والحضج الحوض٢.
ويقال لموضع تجمع الماء، والمكان الذي يخزن فيه فيكون على هيأة بحيرة صغيرة أو حوض "بحرت"، "البحرة"٣. ولا يزال أهل الشأم يطلقون لفظة "بحرة" على حوض الماء الذي يقيمونه في أفناء دورهم، للتمتع بمنظره وبمنظر الماء الذي يتدفق منه. وقد يضعون الأسماك فيه. وقد وردت اللفظة في هذه الجملة: "وصرح ثبرن وبحرت بموثب احلين"٤، ومعناها: "وأعلى حصن ثبر، والبحرة الكائنة في أسفل السلالم". ويظهر أن أصحاب الحصن كانوا قد أقاموا "بحرة" عند قاعدة السلالم التي ترتقي إلى الحصن، وذلك من أجل نقل الماء منها إلى أعلى للاستفادة منه، ولإحمائه وسكبه على المحاصرين في أثناء الحصار٥.
والمقرى والمقراة كل ما اجتمع فيه الماء من حوض وغيره، وخصه بعضهم بالحوض. وذكر بعضهم، أن المقراة المسيل، وهو الموضع الذي يجتمع فيه ماء المطر من كل جانب. وقيل المقراة شبه حوض ضخم يقرى فيه من البئر، ثم يفرغ في المقراة. وقري الماء مسيله من التلاع، أو مجرى الماء في الروض٦.
ويقال للموضع الذي يستنقع فيه الماء، أي يجتمع: "النقيع"، فإذا نضب الماء نبت فيه الكلأ٧. و"المنقع" الموضع الذي يستنقع فيه الماء، أي
стр. 4563
يجتمع١. و"الحيل" الماء المتنقع في بطن واد٢.
ويقال لموضع تجمع المياه في خزانات صغيرة لخزنها فيها وتوزيعها على السواقي "مزف". تأتي المياه إليها من خزانات أخرى أكبر منها, فتخزن فيها لإعادة توزيعها. والفعل هو "زف" من "زفف". وتطلق لفظة "زف" على مواد عمل ما. وأما العمل نفسه فيقال له "فعل"٣.
وقد أشير في نص إلى وجود "هور" أمام "محفد"، أي حصن: "بقنو هور محفدهمو ذ معينن"٤، ومعناها: "أمام هور محفدهم "حصنهم" ذي المعين". وهو "هور" في هذه الجملة هو "الهور" في عربيتنا، وهو "بحيرة تغيض فيها مياه. فتتسع ويكثر ماؤها"، ويجمع على أهوار٥. أما في النص، فلا يراد به هذا المتسع الواسع من الماء، بل يراد به حوض أو متجمع من الماء أوسع من البحرة، كان أمام الحصن٦.
وقد وردت لفظة "بركتن" أي البركة في اللهجات العربية الجنوبية كذلك، ووردت لفظة أخرى هي "عسن" يظهر أنها تعني بركة كبيرة أو صهريج ماء تحت الأرض، أو جملة برك تتصل بمأخذ أو مآخذ، تتجمع فيها المياه٧. وقد ذكر علماء اللغة أن البركة مثل الحوض يحفر في الأرض لا يجعل له أعضاد فوق صعيد الأرض. ويسمي العرب الصهاريج التي سويت بالآجر وصرجت بالنورة في طريق مكة ومناهلها بركًا. ورب بركة تكون ألف ذراع وأقل وأكثر. وأما الحياض التي تسوى لماء السماء، ولا تطوى بالآجر، فهي الأصناع واحدها صنع٨.
وقد طليت جدران البرك الجاهلية بمادة متماسكة قوية، ترى اليوم وكأنها قد فرغ منها من عهد قريب. فلم تتشقق ولم تصب بتلف إلا قليلًا. فيها فتحات عملت لمرور الماء منها إلى السواقي. وقد استعمل مثل هذه البرك لخزن الماء وللإرواء
стр. 4564
في الوقت نفسه. وتمكن الاستفادة منها إذا ما نظفت من المواد الزائدة التي تراكمت فيها وأدخلت عليها بعض الإصلاحات١.
و"الأضاة" الغدير، والماء المستنقع من سيل أو غيره٢. والغدير مستنقع الماء، ماء المطر صغيرًا كان أو كبيرًا، غير أنه لا يبقى إلى القيظ إلا ما يتخذه الناس من عد ووجد أو وقط أو صهريج أو حائر. والعد الماء الدائم الذي لا انقطاع له. ولا يسمى الماء الذي يجمع في غدير أو صهريج أو صنع عدا؛ لأن العد ما يدوم مثل ماء العين والركية٣. ويعبر عن "الغدير" بـ"النهي"، وقيل النهي الغدير حيث يتحير السيل فيوسع. وكل موضع يجتمع فيه الماء أو الذي له حاجز ينهى الماء أن يفيض منه٤.
وفي كتب اللغة ألفاظ عديدة أطلقت على النهيرات والسواقي المتفرعة منها. ومنها الشراج، جمع شرج، وهي مسايل الماء من الحزن إلى السهل. والأربعاء، وهي مسايل ومساقي يسقى منها النخيل والبساتين، ويزرع على جانبيها٥. وأما "الجعافر"، فقيل: "الجعفر" النهر، وقيل هو النهر الصغير، وقيل هو النهر الكبير الواسع: وقيل النهر الملآن، أو فوق الجدول٦.
ويقال للجدول الربيع في عربية القرآن الكريم، ويجمع على "أربعاء"٧. وأهل المدينة يغرسون الشجر على جانبيه. ويقال له أيضًا "السعيد". ويراد به النهير الذي يسقي المزرعة، وقد ورد في الحديث: "كنا نزارع على السعيد"٨، و"الجدول" النهر الصغير٩. ويقال لأوائل الجداول "أقبال الجداول"١٠. وأما السواقي بين الزروع، فتسمى "دبار"١١.
стр. 4565
ويطلق أهل اليمن على ساقية الماء والجدول الصغير "الغيل"، وهي من الألفاظ القديمة المستعملة في الري. وفي اليمن جملة أغيال، يقل ماؤها عند انحباس المطر، ويزداد عند هطوله في مواسمه. ويشرب أهل صنعاء من مياه الغيل المسمى "الغيل الأسود"، ويزرعون عليه١. وذكر علماء اللغة أن الغيل الماء الجاري على وجه الأرض، وقال بعضهم ما جري من المياه في الأنهار والسواقي. وأما الذي يجري بين الشجر، فهو "الغلل". "وفي الحديث ما سقي بالغيل ففيه العشر، وما سقي بالدلو، ففيه نصف العشر"٢.
стр. 4566
في جزيرة العرب، حضارة تمثل مرحلة متقدمة بالنسبة إلى الحياة الأعرابية، عمادها الزراعة وتربية الحيوان. وهي تثبت للمرء بجلاء أن سبب انتشار الأعرابية في جزيرة العرب، هو الجفاف الذي غلب عليها وندرة وجود الماء بها، وأن الماء لو توفر بها، لكان نصيبها في الحضارة مثل نصيب غيرها من البلاد التي تقدمت في أيامها وازدهرت، فلما ظهر الماء في هذه المواضع، ظهر السكن والاستقرار، ولو رزق العرب سكان جزيرة العرب ما رزق غيرهم من جو طيب، ومن أرض خصبة ذات أنهار وماء، كان شأنهم غير هذا الشأن ولا شك.
ويقال للوادي "العقيق". وذكر أن العقيق كل مسيل شقه ماء السيل فأنهره ووسعه١. أي في معنى وادي. والأعقة من مواضع الخصب والزرع في جزيرة العرب، إذ تكون المياه فيها قريبة من سطح الأرض. منها عقيق اليمامة، وهو واد واسع مما يلي العرمة، تتدفق فيه شعاب "العارض"، وفيه عيون عذبة الماء، وموضع بتهامة، وموضع بنجد، يقال له عقيق القنان، تجري إليه مياه قلل نجد وجباله، والعقيق، ستة مواضع أخر، وهي أودية شقتها السيل عادية منها عقيقان في بلاد بني عامر من ناحية اليمن. ومن الأودية المشهورة: وادي العتيق بالحجاز٢. و"العرمة" أرض صلبة تتاخم الدهناء ويقابلها عارض اليمامة٣.
والأودية هي من أخصب المواضع في جزيرة العرب، حتى إن كانت جافة في معظم أيام السنة، وذلك لخصب تربتها، ولقرب الماء فيها من سطح الأرض، ولوجود العيون والبرك في بعض منها. وهي قبلة أنظار الأعراب والرعاة بعد نزول الغيث وامتلائها بالسيول، إذ يظهر فيها الكلأ: وتبقى في حفرها المياه، فتكون بركًا للشرب.
وقد زرع أهل وادي "مهزور" على مياهه، ويستمد هذا الوادي ماءه من السيل، وكذلك وادي "مذينيب". ومن "مهزور" إلى "مذينيب" شعبة يصب فيها٤. ويسيلان بماء المطر خاصة، و"مهزور" هو وادي "بني قريظة"، وقد كان يحدث اختلاف فيما بين المزارعين في حقوقهم في الماء، ولا سيما في
стр. 4567
أيام انحباس المطر أو أيام نزوله بشح، واستغلال أهل الأرضين العالية للماء، مما يسبب انقطاعه عن الأرضين الواطئة الواقعة على مسايله. وقد كان "مهزور" يهدد المدينة بالغرق عند سقوط الأمطار بشدة وتكوينها سيولًا طاغية، ولما هدد المدينة بالغرق في خلافة "عثمان" اتخذ له ردمًا١. وقد هدد المدينة مرارًا بالغرق، ولما كاد أن يغرقها سنة "١٥٦هـ" حفرت الحكومة له منسوبًا، غاص منه الماء إلى وادي بطحان٢. وقد قضى الرسول في سيل "مهزور" أن لأهل النخل إلى العقبين، ولأهل الزرع إلى الشراكين، ثم يرسلون الماء إلى من هو أسفل منهم٣.
و"بطحان" هو أحد أودية المدينة الثلاثة، وهي العقيق وبطحان وقناة٤.
стр. 4568
الأنهار:
وليس في جزيرة العرب أنهار كبيرة بالمعنى المعروف من لفظة نهر، مثل نهر دجلة أو الفرات أو النيل، بل فيها أنها صغيرة أو جعافر. وهي لذلك لم تستفد من نعم الأنهار الكبيرة التي نعمت بها البلاد الأخرى، ولم تسعد بسبب ذلك بظهور المجتمعات الكبيرة بها، ولا بظهور الحضارة فيها؛ لأن الحضارة الراقية لا تكون ولا تنمو إلا في المجتمعات الكبيرة، حيث تتوفر بها بذور الحضارة والثقافة، ولا تظهر هذه البذور مع وجود الجفاف وفقدان الماء أو قلته.
ومن الأنهار الصغيرة التي نجدها في اليمن نهر الخارد. وكان السهل الذي عاش فيه المعينيون، وبنوا فيه عاصمتهم يسقى بهذا النهر، وتنبت فيه مختلف النباتات والزروع، وكان يصل إلى مقربة من العاصمة وربما تجاوزها إلى مواضع أخرى ولا تزال هذه المنقطة تعد من المناطق الزراعية الجيدة، وقد تحول قسم منها بسبب الجفاف الذي حل بها إلى مناطق تعلوها كثبان رملية، ومناطق قاحلة، بعد ما كانت من أجود الأرضين لأهل معين١.
стр. 4569
ومن أنهار اليمن الأخرى، مور هو من أغزر أنهار اليمن ماءً وأكبرها، وهو بالقرب من وادي "صبيا". ينبع من جبال الهضبة إلى جنوبي صعدة، وتصب فيه أودية من "عمران" و"حجة"، ويمر من جبال "حجة" وجبال "حجور" في اتجاه البحر الأحمر حيث يصب به شمال "اللحية". وتجري الأقسام الشرقية من هذا النهر في أكثر أيام السنة١.
وسردد، واد متسع بتهامة اليمن، مشتمل على قرى ومدن وضياع٢. ويتألف من فروع تنبع من جبال "كوكبان" ومن جبال حضور وحراز، ويصب في البحر الأحمر شمال "الحديدة"٣. ووادي سهام واد ينبع من جبال خولان وآنس، مارًا بجنوبي جبال حراز، ثم يصب في البحر الأحمر جنوبي الحديدة٤. وبه مياه حارة٥. ووادي "أذنة" من أودية سبأ، وهو الذي كان يمون سد مأرب بالماء. ومن أودية اليمن الأخرى: رزان، و"رمع" "رماع"، وهو متصل بوادي سهام ووادي مور، مشتمل على عدة قرى٦. وشرس، و"ريمة" و"زبيد". وتعرف هذه الأنهار بـ"وادي" في اصطلاح أهل اليمن٧.
و"الدبل" الجدول من جداول الأنهار. وإنما سميت الجداول دبولًا؛ لأنها تدبل، أي تصلح وتجهز وتنقى. ومنه الحديث أنه غدا إلى النطاة، وهي من حصون خيبر، وقد دل على مشارب كانوا يسقون منها دبول. كانوا ينزلون إليها بالليل فيتروون من الماء، فقطعها، فلم يلبثوا إلا قليلًا حتى أعطوا بأيديهم٨.
وتكرى الأنهار وموارد المياه الأخرى، لاستخراج الطمي منها ولتعميقها حتى
стр. 4570
لا يسيل الماء على حافات مورد الماء١. وكانوا يكرونها بالمساحي، ويرمون الطمي على الجانبين.
وإذا جرى الماء على وجه الأرض قيل له "السيح". وباليمامة ثلاثة أودية بأقصى العرض، عرف كل واحد منها بسيح، ونسب إلى أهله أو مكانه٢. وقد أشار "الهمداني" إلى "السيح يجري تحت النخل والآبار"٣. وقصد به الماء الجوفي. وأشار إلى "سيح الغمر"٤. وإلى سيح دعاه سبح بن مربع، ذكر أنه كان غزيرًا ثم انقطع بضعف أهله٥. وذكر اسم سيح آخر دعاه سيح قشير، ويسمى أيضًا بسيح إسحاق٦.
стр. 4571
الحسي:
وينتفع من الأحساء والرحاب في الزراعة، وذلك باستنباط مياهها الجوفية المنحسرة عن قشرة الأرض بمسافة غير بعيدة، والتي قد تظهر على سطح الأرض وتسيل. والحسي سهل من الأرض يستنقع فيه الماء أو غلظ فوقه رمل يجمع ماء المطر. وفي جزيرة العرب أحساء كثيرة، منها أحساء بني سعد بحذاء هجر بالبحرين، وأحساء خرشاف، بسيف البحرين، وأحساء بني وهب، على خمسة أميال من المرتمى فيه بركة، وتسعة آبار كبار وصغار بين القرعاء وواقصة على طريق الحاج، والأحساء ماء لغنى، والأحساء ماء باليمامة، وأيضًا ماءة لجديلة طيء بأجأ١. والأحساء التي على الخليج، هي من أهم هذه الحسي في الوقت الحاضر. وهي وحدة إدارية في المملكة العربية السعودية، بها عيون تفيض ماءً، تروي بساتين النخيل والأشجار الأخرى.
و"البثر" يشبه الأحساء، يجري تحت الحصى على مقدار ذراع أو ذراعين
стр. 4572
ودون الذراع، وربما أثارته الدواب بحوافرها١. والباثر من الماء البادي من غير حفر. والبثر أرض سهلة رخوة. وذكر بعض علماء اللغة أن البثور الأحساء وهي الكرار٢. وذكر بعضهم أن "الكرار" البثر، أو الحسي، أو موضع يجمع فيه الماء الآجن٣.
وقد تنبع العيون في مواضع رملية، فلا تمكن الناس من الاستفادة من الماء فائدة كبيرة تخرج من جوف رمل من أعذب ما يكون من العيون وأكثرها ماءً، تجري في رمل فلا تمكن الزراعين عليها إلا في مواضع يسيرة من أحناء الرمل، فيها نخيل، وتتخذ البقول والبطيخ. وتسمى هذه العيون "البحير"٤.
وتكون تربة الرحبة خصبة، ولهذا صارت مواطن صالحة للزراعة لو استنبطت مياهها التي في جوف الأرض القريبة من السطح، لأفادت في توطين الأعراب. والرحبة في تعريف علماء اللغة "من الوادي مسيل مائه من جانبيه فيه. جمعه رحاب. وهي مواضع متواطئة يستنقع الماء فيها، وهي أسرع الأرض نباتًا، تكون عند منتهى الوادي وفي وسطه، وقد تكون في المكان المشرف يستنقع فيها الماء وما حولها مشرف عليها، ولا تكون الرحاب في الرمل، وتكون في بطون الأرض وفي ظواهرها"٥. والرحبة الأرض الواسعة المنبات. ومن الرحاب المشهورة: "الرحبة" حذاء القادسية، وواد قرب صنعاء، وناحية بين المدينة وبلاد الشأم قرب وادي القرى، ورحب باليمامة، تعرف برحبة الهدار، وصحراء بها أيضًا فيها ماء وقرى٦. وقد وجدت كتابات جاهلية في بعض هذه الرحاب، تشير إلى سكن أناس فيها ونزولهم هناك قبل الإسلام.
والنقرة الوهدة المستديرة في الأرض ليست بكبيرة يستنقع فيها الماء٧.
و"الحفر" الموضع فيه ركايا محفورة، يستقى منها الماء. منها "حفر ضبة"، وهي ركايا بناحية "الشواجن" بعيدة القعر عذبة الماء٨. والشواجن، واد
стр. 4573
كبير بديار ضبة في بطنه أطواء كثيرة، منها الصاف واللهابة وثبرة، ومياهها عذبة١. ومنها "حفر سعد بن زيد مناة بن تميم"، بحذاء "العرمة" وراء الدهناء يستقي منها بالسانية٢.
و"القلت" النقرة في الجبل تمسك الماء، وقيل كل نقرة في أرض يستنقع فيها الماء. وإذا سالت السيول ملأت القلات. وفي الحديث ذكر لقلات السيل٣. ومثلها "الوقب". وهي نقرة في الجبل أو في الصخر يجتمع فيها الماء كالوقبة، أو هي نحو البئر في الصفا تكون قامة أو قامتين يستنقع فيها ماء السماء٤.
стр. 4574
الآبار:
وفي الأماكن التي تكون المياه الجوفية فيها غير بعيدة عن سطح الأرض، ويكون من السهولة حفر الآبار فيها، يحفر الناس آبارًا في بيوتهم وفي أملاكهم للشرب والزرع إن كانت عذبة وللتنظيف والاستعمال. ويستعان بالخدم وبالسقائين في جلب مياه الشرب من الآبار العذبة والعيون والنهيرات. كما حفروا الآبار في الحصون. وقد كانت في حصن الهجوم بئر عظيمة عميقة، عذبة الماء، وقد بني الحصن من حجارة ضخمة ذكر أن طول الحجر منها سبع أذرع في عرض ثلاثة أذرع، وأقام أصحابه عليه الأسوار والأبراج. وقد فتح في أيام الرسول١.
و"البئر" هي "بار" في كتابات المسند. والجمع "ابار" أي "آبار". وقد وصلت إلينا نصوص عديدة في حفر آبار أو في شرائها وبيعها، وفي تعميرها، وإصلاحها. وهي ثروة ورأس مال كبير في جزيرة العرب، تحيي الأرض وتميتها، وتفني الناس وتميتهم، ولذلك كانوا إذا حفروا بئرًا أو إذا ظهرت لهم مياه عذبة غزيرة، يقدمون إلى آلهتهم الشكر والحمد والنذور. وقد أقامت الآبار الكبيرة العميقة العذبة مدنًا. وأماتت مدنًا بسبب نضوب مياهها وجفافها، وهي على هذه الأهمية الخطيرة إلى الآن.
стр. 4575
وللأهمية المذكورة للآبار في حياة العرب، كثرت في لغتهم المصطلحات الخاصة بها، من أسماء لأنواع الآبار ومن مصطلحات للحفر ولوسائل الحفر، ومن ألفاظ للمواد التي تستعمل في بناء البئر وفي استخراج الماء منها، ومن كلمات تشير إلى أبعاد البئر، ومقدار ما فيها من ماء، وأبعاد أفواهها. ومن أسماء البئر "الطوى" و"الطوية"، إذا بنيت بالحجارة١. و"الجب"، البئر، وقيل البئر الكثيرة الماء البعيدة القعر، ولا تكون جبًّا حتى تكون مما وجد، لا مما حفره الناس٢. و"القليب" البئر ما كانت. وقيل: البئر قبل أن تطوى، فإن طويت فهي الطوي، أو العادية القديمة منها التي لا يعلم لها رب ولا حافر يكون في البراري٣. وقد عرفت بـ"الرس" كذلك٤.
ومن أنواع الآبار التي ذكرها علماء اللغة: الشبكة، ويراد بالشبكة الآبار المتقاربة والأرض الكثيرة الآبار. وأما "الفقر"، فهي ركايا تحفر ثم ينفذ بعضها إلى بعض حتى يجتمع ماؤها في ركي. وإذا اجتمعت ركايا ثلاث فما زاد إلى ما بلغ من العدة قيل له "فقير"، ولا يقال ذلك لأقل من ثلاث. وورد أن الفقير فم القناة، والمكان السهل تحفر فيه ركايا متناسقة، وفم القناة التي تجري تحت الأرض، ومخرج الماء منها٥. وأما "الكظامة"، فإنها بئر إلى جنبها بئر بينهما مجرى في بطن الأرض. وقيل: كل ما سددت من مجرى ماء أو باب أو طريق، فهو كظم، والذي يسد به الكظامة. وقيل: هي آبار متناسقة تحفر ويباعد ما بينها، ثم يخرق ما بين كل نهرين بقناة تؤدي الماء من الأولى إلى التي تليها تحت الأرض فتجتمع مياهها جارية ثم تخرج عند منتهاها فتسيح على وجه الأرض٦.
و"الجفر" البئر التي ليست بمطوية، وتجمع على جفار. وأما "الجد", فالبئر الجيدة الموضع من الكلأ، والجمع أحداد، والملك البئر ينفرد بها الرجل،
стр. 4576
والبود البئر كذلك١. والسهبرة من أسماء الركايا٢. و"القليب" البئر ما كانت، والبئر قبل أن تطوى، فإذا طويت فهي "الطوي"، أو العادية منها التي لا يعلم لها رب ولا حافر يكون في البراري٣. و"الطوي" البئر المطوية بالحجارة٤.
ومن المواضع التي عرفت بأطوائها موضع "الأطواء" باليمامة، قرب "قر قرى"، ذو نخل وزرع كثير٥.
وقد تكون الآبار ذات مياه غزيرة كبيرة، تخص المدينة بأسرها، أو القبيلة بأسرها، وقد تكون ملك أسرة تستغلها الأسرة لحسابها، أو ملك فرد يستفيد منها مباشرة أو يبيع مياهها للناس، لإسقاء الأرضين أو الماشية. وقد تباع لأشخاص آخرين، وقد تؤجر. وطالما كانت الآبار مصدر نزاع خطير بين القبائل وسببًا في إثارة الحروب.
و"العد" البئر لها مادة من الأرض، فهي كثيرة الماء دومًا ولا تنزح. وأما "المفهاق" فإنها البئر الكثيرة الماء، و"الغروب" الدلاء، واحدها "غرب" وهي التي تجرها الإبل، و"الاسجل" الواسع من الدلاء بمائها، والغلل الماء الجاري يجري تحت النخيل، و"اليعبوب" النهر الجاري وتسلسله مضيه في جريته. و"الخسف" البئر ذات الماء الكثير٦.
وقد اشتهرت بعض الآبار بغزارة مياهها، ذكر "الهمداني" أن "بئر النقير" بناحية البحرين "على عشر قبم لا تنكش، ويجتمع عليها كثير من وراد العرب وربما سقى عليها عشرة آلاف بعير"٧. وهناك آبار أخرى عرفت بغزارة مياهها.
وقد يحفرون سلسلة آبار يخرق أسافلها، ليفرغ بعضها في بعض من موضع الماء. مثل "الهباءة". وكانوا يزرعون عليها الحنطة والشعير وما أشبه٨.
стр. 4577
ولم يكن من السهل في ذلك الزمن حفر الآبار، لعدم توفر الآلات والأدوات الفنية. فإن حفر البئر على عمق بعيد الغور كما تتطلبه الأماكن المرتفعة يحتاج إلى آلات كثيرة وإلى علم وتدبير وفن وذكاء في محافظة جدران البئر من الانهيار على الحفارين، وعلى الماء بعد الانتهاء من الحفر، فتندثر ويذهب المجهود في حفرها عبثًا. هذا ولا بد لمهندس الآبار من معرفة بطبيعة الأرض ومظنة وجود الماء فيها أو عدمه ومدى عمقه، فلا يعقل إقدام شخص على حفر بئر في أرض لا يعرف من أمرها شيئًا. وحفر البئر في النجاد عمل مكلف باهظ، فلا بد إذن من تخصص أناس بهندسة الآبار، ليقوموا بهذا العمل الذي لا يمكن القيام به ما لم يسنده علم وفهم.
وقد تخصص أناس بحفر الآبار واختيار المواضع التي يحتمل وجود المياه العذبة بها. ولهم في ذلك علم ودراية وخبرة. وكانوا إذا قربوا من الماء احتفروا بئرًا صغيرة في وسط البئر بقدر ما يجدون طعم الماء، فإن كان عذبًا حفروا بقيتها، ولذلك يقال "التعاقب" و"الاعتقام"١. فالاعتقام "إذن عملية تجريبية لاختبار طعم ماء البئر وتجربته من حيث العذوبة والملوحة وعليها تتوقف عملية الحفر.
ومتى حفرت البئر ووصل إلى الماء، قيل: أمهت البئر، وأموهت، وأمهيت، ويقال ابتأرت بئرًا، أي حفرتها. ويقال أيضًا: حفرت البئر حتى نهرت، أي بلغت الماء. وإذا بلغ الحفارون الأرض الغليظة قيل: بلغت الكدية. وإذا وصلوا موضعًا صعبًا فصعب الحفر، قيل: بلغ مسكة البئر. ويقال أجبلت، أي انتهيت إلى جبل. ويقال الصلود، وهي الأرض التي تحفر فيغلب جبلها الحافر. فيصلد الحفر على الحافر لصعوبة الأرض. وإذا حفر الحفارون حتى يبلغوا الطين، فيقال عندئذ: أثلجت، فإذا بلغ الماء، قيل: أنبط ونبط. والنبط أول ما يظهر من ماء البئر حين تحفر. وإن بلغ الرمل، قيل: أسهب، وإن انتهى إلى سبخة، قيل: أسبخت. ويقال: تأثل البئر إذا حفرت البئر، وهزمت البئر حفرتها٢.
ويتحايل الحفارون في الحفر إذا فوجئوا بصخرة أو أرض صلدة، تمنعهم من
стр. 4578
الاستمرار في الحفر. خاصة إذا كانوا قد بلغوا عمقًا بعيدًا في باطن الأرض. وقد كلفهم الحفر صرف مال كثير، فإذا تركوه أصيب صاحب البئر بخسارة، لذلك يتحايل الحفارون على الأرض بالتعاريج في الحفر، يمنة ويسرة، للعثور على موضع ينزلون منه إلى موضع وجود الماء، ويقولون لذلك: "التلجيف". ويراد به الحفر في جوانب البئر١.
وقد تنقر آبار صغيرة ضيقة الرؤوس في نجفة صلبة، لئلا تهشم، ويقال لمثل هذه الآبار المناقر. وأما المنقر، فيراد بها البئر التي يكثر فيها الماء٢. وفي بعض المناطق الصخرية والجبلية آبار منقورة تتجمع فيها مياه جوفية تنحدر إليها من المواضع المرتفعة أو من مياه الأمطار التي تتساقط على المواضع المرتفعة فتسيل إلى أفواه تلك الآبار وتدخل إليها وتتجمع فيها، فيستفيد منها الناس.
وفي جملة الألفاظ الواردة في الكتابات العربية الجنوبية والمستعملة في حفر الآبار وتوسيعها وتعميقها، لفظة "حفر"، وهي بالمعنى المفهوم منها في عربيتنا. ولفظة "سنبط"، ويقصد بها معنى "استنبط"، من "نبط" ويراد بها ظهور الماء واستخراجه من باطن الأرض وأما لفظة "سبحر"، فتعني "استبحر"، من أصل بحر، بمعنى التعميق. ولا يزال حفرة الآبار في العراق يستعملون لفظة تبحير البئر بمعنى تعميقها٣. وفسرت لفظة "ضفر"، بمعنى الدعم بالحجارة، أي كسوة جدار البئر بالحجارة٤.
وللمحافظة على البئر من الانهيار بسبب رخاوة جدرانها وتساقط المياه الممتوحة منها، عمدوا إلى ربرها من قعرها إلى أعلاها بالحجارة، ويعبر عن هذا الجدار بلفظة "كولم" "كول" في المسند. وبـ"جول" في عربيتنا. ورد في كتب اللغة: "الجول: جدار البئر"٥. ويقال لمثل هذه البئر "المزبورة" أي المطوية
стр. 4579
بالزبر. وأما "المعروشة"، فالتي تطوى قدر قامة من أسفلها بالحجارة، ثم يطوى سائرها بالخشب وحده, وذلك الخشب هو العرش، فإن كانت كلها بالحجارة، فهي مطوية، وليست معروشة. وهناك تعابير أخرى تشير إلى تبطين البئر وكساء جدرانها بمواد مقوية تمنعها أن تنهار. فإذا بنيت البئر بالحجارة، قيل بئر مضروسة وضريس، وهو أن يسد ما بين خصاص طيها بحجر، وكذلك سائر البناء. ويقال الأعقاب للخزف الذي يدخل بين الآجر في الطي لكي يشتد. والوسب خشب يطوى به أسفل البئر إذا خافوا أن تنهال، والجمع الوسوب١. والحامية الحجارة تطوى بها البئر٢.
وهناك ألفاظ عديدة ذكرها علماء اللغة للآبار التي تكثر مياهها أو تقل. فورد: بئر غزيرة بمعنى كثيرة الماء، وورد بئر ميهة وماهة إذا كثر ماؤها، والعيلم البئر الكثيرة الماء. والخسيف التي تحفر في حجارة فلا ينقطع ماؤها كثرة، وهي التي خسفت إلى الماء الواتن تحت الأرض، ويقال بئر سجر ومسجورة بمعنى مملوءة، وبئر ذات غيث أي مادة. والقيلذم، البئر الكثيرة الماء، وبئر مقيضة كثيرة الماء قد قيضت عن الجبال. والبئر الماكدة التي يثبت ماؤها على قرن واحد لا يتغير، وإن كثر منها، وأن وضع عليها قرنان أو أكثر، غير أن ذلك إنما يكون على قدر ما يوضع عليها من القرون بقدر مائها، وبئر مكود وماكدة لا تنقطع مادتها، والهزائم الآبار الكثيرة الماء، وبئر زغربة كثيرة الماء، وبئر ذمة وذميم وذميمة كثيرة الماء كذلك، والنقيع البئر الكثيرة الماء٣.
ويقال حبض ماء البئر، وذلك إذا انحدر ونقص، ونكزت البئر أي قل ماؤها، وبئر نزح ماء فيها، وبئر مكول وهي التي يقل ماؤها فيستجم حتى يجتمع الماء في أسفلها، واسم ذلك الماء المكلة، وبئر قطعة وبئر ذمة قليلة الماء، وبئر ضهول قليلة الماء، والخليقة البئر التي لا ماء فيها، وقيل هي الحفيرة في الأرض المخلوقة، والضغيط بئر تحفر إلى جنبها بئر أخرى فيقل ماؤها، وبئر فروع قليلة الماء وهي كالضنون سميت بذلك؛ لأنها تقرع قرعًا كلما فني ماؤها،
стр. 4580
وبئر رشوح وبروض وبضوض قليلة الماء١.
وتستخرج المياه من الآبار بالدلاء، تربط بالحبال إلى الأعمدة المثبتة فوق البئر. ويقال للعمود "عمد" "عامود" والجمع "عُمُد" و"أعمد"٢. وأما "الدلو" وهو الوعاء أو القربة المصنوعة من الجلد في الغالب، فيقال له "علبت" و"علبم" في المسند٣، تمتلئ بالماء حين دخولها في ماء البئر، فتسحب وهي مملوءة به، فإذا بلغت موضع سكب الماء سحبت إلى ذلك المكان لتفريغ مائها فيه، فيسناب إلى "مسقيت" أي "مسقية"، بمعنى الساقية لإروارء المزرعة، أو لإيصاله إلى المدينة أو البيوت.
وأما الآلة التي تعلق عليها الدلاء والمتصلة بالأعمدة فتعرف بـ"اعزر" في المسند٤. ويقال للدولاب الذي يستقى عليه: المنجنون، وذلك في عربيتنا٥.
ويقال لتفريغ الركية وأخذ ما فيها من ماء "حبض" في لغة المسند. وهي بهذا المعنى أيضًا في عربية القرآن الكريم. والاحباض أن يذهب ماء الركية فلا يعود، و"أحبض الركية" احباضًا، فلم يترك فيها ماء٦.
ولا بد للدلاء من حبال قوية متينة تتحمل الاحتكاك بينها وبين البكرة وتساعدها في حمل الدلو. وهذه الحبال تتخذ من مواد مختلفة، تفتل وتبرم، والعادة أن يقوى الحبل بحملة حبال تبرم بعضها فوق بعض وتشد شدًّا قويًّا لئلا تتهرأ بسرعة فينقطع. وقد يتكون الحبل الواجد من مجموع عشرة حبال. أما مادة الحبل فالليف والخوص والجلود ولا سيما جلود الإبل والابق والمصاص، وهو نبات، ولحاء الشجر والقنب، ومشاقة "السلب"، وهو ضرب من الشجر ينبت متسلقًا فيطول. ويؤخذ فيحل ثم يشقق فتخرج منه مشاقة بيضاء كالليف يتخذ منها أجود ما يكون من الحبال. وقد تصنع من القطن ومن ليف جوز الهند٧.
стр. 4581
ولفتل الحبال تستعمل المغازل والمبارم، لغزل الألياف وبرمها بعضها فوق بعض، كما تستعمل بعض المواد المقوية للألياف مثل الزيوت لتحافظ على قوة الحبل وعلى تماسكه فتبقيه طريًّا، فلا ينقطع بسهولة. وقد تخصص أشخاص بصناعة الحبال وعاشوا عليها، وقد كانت ذات أهمية بالنسبة لذلك الزمن.
ويقال للدلو العظيمة: "الغرب". ويتخذ من مسك ثور، والغرب الراوية١, و"السانية" الغرب وأداته، والناقة إذا سقت الأرض، وسنيت الدابة، إذا استقى عليها، والقوم يسنون لأنفسهم إذا استقوا٢. والسناية والسناوة السقي، وهو سان. والساني، يقع على الرجل والجمل والبقر، كما أن السانية على الجمل والناقة. والمسنوية، البئر التي يسنى منها، وركية مسنوية، إذا كانت بعيدة الرشاء لا يستقى منها إلا بالسانية من الإبل٣.
وتستخدم الثيران والجمال والحمير والبغال في متح الماء بالدلاء من الآبار الكبيرة الواسعة لسقي المزارع والبساتين والناس، ويشرف على ذلك العبيد أو الفلاحون أو أصحاب البئر. أما الآبار الصغيرة الخاصة بشرب الناس، فيستخرج الماء منها الإنسان، وتصب الدلاء المياه في أحواض أعدت لذلك، لها منفذ يسيل منه الماء إلى السواقي.
وقد تحمى البئر من الأدران ومن الأتربة ومن أخذ الماء منها، بإقامة بناء فوقها على هيأة غرفة، فإذا أقيم ذلك على البئر عرف بـ"منشا" في المسند. وقد تؤدي هذه اللفظة معنى أخذ الماء وتوجيهه إلى الجهة المراد إرسال الماء إليها بمجرى يأخذ ماءه من "فنوت"٤. وفسرت لفظة "ثقول" بمعنى تعليق. وتعليق شيء فوق
بئر، أو إنشاء سقف فوقها لحماية البئر ولتعليق الأدوات التي يمتح بها الماء من البئر عليها، وذلك كما في هذه الجملة: "ابارسم وثقولسم"، ومعناها: "وكل آبارهم وسقوفها" أو "كل آبارهم والأعمدة المقامة فوقها للاستقاء بها"٥.
стр. 4582
وتتعرض الآبار لسقوط الأتربة والرمال فيها، وقد تنهار جدرانها فينضب ماؤها، ولا تمكن الاستفادة منها إلى بنزحها. ويقال لنزح البئر جهرت البئر واجتهرت، أي نزحت. وقيل المجهورة المعمورة منها عذبة كانت أو ملحة١. ولا بد من نزح هذه الآبار دائمًا، إذا أريد بقاء الماء فيها، وإلا ذهب ماؤها وانتفت فائدتها، فتترك وتهمل.
وتنظف الآبار بنزول الرجال فيها فيشد الرجل وسطه بالحبل، ويترك طرفه في يد رجل، أو مشدودًا بشيء ثابت قوي. ويقال لهذا الحبل "الجعار"٢. وذكر أن "الجعار" حبل يشد به المستقي وسطه إذا نزل في البئر لئلا يقع فيها، وطرفه في يد رجل، فإن سقط مده به. وقيل هو حبل يشده الساقي إلى وتد ثم يشده في حقوه٣. وتعمل في جدر الآبار في العادة مواضع للأقدام متقابلة يضع النازل في البئر رجليه عليها، تمكنه من النزول لمتح البئر، واستخراج ما قد يتساقط فيها من أتربة ورمال، أو لحفر قاعها لزيادة الماء فيها.
ويعبر عن انهيار البئر وسقوطها بألفاظ، مثل: "صقعت"، وانقاصت، وانقاضت، وانهارت، وتنقضت، وتجوخت، وانقارت. والهدم ما تهدم من نواحي البئر في جوفها، وانخسفت البئر، تهدمت٤.
وتنظف الآبار بالجبجبة، تملأ بالأتربة وبالطين وبالأوساخ المتراكمة في قاع البئر وترفع، وتصنع من جلود وأدم، وهي نوع من الزبيل. ويستعمل في التنظيف "الثوج" كذلك، وهو زبيل، يعمل من خوص، يحمل فيه التراب وغير ذلك. ويستعمل القفير كذلك، وهو الزبيل بلغة أهل اليمن، ومن أسماء الزبيل أيضًا "الصن" وهو زبيل كبير، والحفص زبيل صغير من أدم، والعرق نوع من أنواع الزبيل. ويقال للخشبتين اللتين تدخلان في عروتي الزبيل إذا أخرج به التراب من البئر "المسمعان". وقيل المسمع العروة التي تكون في وسط المزادة٥.
стр. 4583
وتسحب الزبيل بحبال أعلى لاستخلاص ما فيها من تراب وطين ووسخ حتى تنظف.
ومن الألفاظ المعبرة عن تنقية البئر ونزولها وتنظيفها من الأوساخ والأتربة قولهم: نثلت البئر، أي أخرج ترابها، واسم ذلك التراب النثيلة والنثالة والثلة والنبيثة. ويقال نبيثة النهر كذلك. وأما خمامة البئر، فيراد بها ما كنس منها. ويقال جهرت البئر، بمعنى أخرجت ما فيها من الحمأة. وأما الشأو، فما يخرج من ترابها، وقد شأوت البئر نقيتها، ويقال للذي يخرج به المشآة، ويقال أخرجت من البئر شأوًا أو شأوين، وهو ملء الزبيل من التراب. وجششت البئر أجشها جشًا، أي كنستها. ونكشت البئر، أخرجت ما فيها من الحمأة والجيئة والطين١.
وقد يتغير طعم مياه الآبار وألوانها لعوامل عديدة. وهناك مصطلحات عديدة ذكرها علماء اللغة للدلالة على فساد ماء البئر ونتنه. مثل: المسيط والضغيط، والحمأة الطين الأسود المنتن، وقد يحمئ ماء البئر فيكدر وتخالطه الحمأة فتتغير رائحته. وتنزع حمأة الآبار وتنظف ليمكن الاستفادة منها٢. والجيئة والجيأة: البئر المنتنة٣.
وقد كان أهل المدن والقرى يشربون من العيون ومن موارد المياه الطبيعية الأخرى إن كانت في قراهم عندها أو على مقربة منها، كما كانوا يحتفرون الآبار في بيوتهم أو في خارجها للاستفادة من مياهها، فإن كانت. عذبة فرحوا بها وشربوا منها. وكانت قريش قبل جمع قصي إياها وقبل دخولها مكة تشرب من حياض ومصانع على رؤوس الجبال، ومن بئر حفرها "لؤي بن غالب" خارج الحرم تدعى "اليسيرة"، ومن بئر حفرها "مرة بن كعب" تدعى "الروي"، وهي ما يلي "عوقة" ثم حفر "كلاب بن مرة" خم ورم، و"الجفر" بظاهر مكة٤. وورد أن الذي حفر بئر "خم" هو "عبد شمس بن عبد مناف"، حفرها بمكة٥. وأن الذي حفر بئر "رم" هو "مرة بن كعب" أو "كلاب بن مرة" حفرها بمكة٦. وذكر أن "الجفر" بئر بمكة كانت لبني تميم بن
стр. 4584
مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي١.
ثم إن "قصي بن كلاب" حفر بئرًا سماها "العجول" واتخذ سقاية، ثم إنه سقط في العجول بعد ممات "قصي" رجل فعطلت٢. وورد أن الذي احتفرها "قصي" أو "عبد شمس"٣. وحفر "هاشم بن عبد مناف" "بذر"، وهي البئر التي عند حطم الخندمة على فم شعب أبي طالب، وهي لبني عبد الدار٤. وحفر "هاشم" أيضًا "سجلة"، وقد دخلت في المسجد٥. وحفر "عبد شمس بن عبد مناف" "الطوى" وهي بأعلى مكة، و"الجفر"، وحفر "ميمون بن الحضرمي" "بثرة"، وهي آخر بئر حفرت في الجاهلية بمكة. وعندها قبر "المنصور". وورد أن "عبد شمس" حفر أيضًا بئرين وسماهما "خم" و"رم"، على ما سمى "كلاب بن مرة" بئريه٦. فأما "خم" فهي عند "الردم". وأما "رم"، فعند دار "خديمة بنت خويلد"٧.
وحفرت بنو أسد بئر "شفية"٨. وحفر "بنو عبد الدار" "أم أحراد"، وقد أشير إليها في الحديث٩. وحفر "ينو جمح" "السنبلة". وذكر أن الذي حفرها "بنو جمح" و"بنو عامر"١٠. وحفر "بنو سهم" "الغمر"، وهي بئر "العاص بن وائل". وحفرت "بنو عدي" "الحفير". وحفرت "بنو مخزوم" "السقيا"، و"بنو تيم" "الثريا"، وهي بئر "عبد الله بن جدعان". وحفرت "بنو عامر بن لؤي" "النقيع"، وكانت لجبير بن مطعم بئر، وهي بئر بني نوفل، وكان عقيل بن أبي طالب، حفر في الجاهلية بئرًا،
стр. 4585
وهناك آبار أخرى غيرها، ذكرها "البلاذري" في كتابه "فتوح البلدان"١.
وقد اشتهرت بعض الآبار وعرفت، ولا تزال معروفة نقرأ أسماءها في الكتب، ومن أشهرها "بئر زمزم"، ذات الشهرة البعيدة، بسبب مكانتها من الكعبة، وبئر "طوى". وهي بئر حفرها عبد شمس بن مناف٢. وبئر "ذروان"، وهي لبني زريق، جاء ذكرها في حديث سحر النبي٣. و"بئر رومة"، وهي ليهودي كان يبيع الماء منها للناس، وقد حصل على مال كثير منها، وكان إذا غاب، قفل عليها بقفل، فلا يستطيع أحد أخذ الماء منها. فشكا المسلمون ذلك إلى الرسول، فقال: "ومن يشتريها ويمنحها للمسلمين ويكون نصيبه كنصيب أحدهم. فله الجنة". فاشتراها "عثمان" بخمسة وثلاثين ألف درهم، فوقفها٤.
وبيثرب وأطرافها آبار عديدة، كان يستقي منها أهلها للشرب، منها بئر "غرس". ويظهر أنها كانت من أجود وأحسن آبار يثرب. وقد ورد ذكرها في الحديث، حيث ورد: نعم البئر بئر غرس، هي من عيون الجنة. وغسل رسول الله منها٥. وذكر أنها كانت بقباء، وأنه برك فيها٦. ويستقى منها على حمار٧. ومنها بئر "مالك بن النضر بن ضمضم"، وهي التي يقال لها بئر "أبي أنس"٨. ولما نزل الرسول منزل "أبي أيوب"، كان أبو أيوب يخدمه ويستعذب له هذه البئر٩. ولما صار الرسول إلى منزله، كان خدمه يحملون قدور الماء إلى بيوت نسائه من بئر السقيا، ومن بئر غرس١٠.
وبئر "بضاعة" بئر معروفة بالمدينة، قطر رأسها ستة أذرع، وهي في بستان، وكان أهل يثرب يطرحون فيها خرق الحيض ولحوم الكلاب والمنتن١١.
стр. 4586
وكان أهل العربية الغربية يحفرون حفرًا، يجعلونها كالبئر، يلقون بها الجيف وما شاكلها. وذكر أن "الجباجب"، حفر بمنى كان يلقى بها الكروش، كروش الأضاحي في أيام الحج، أو كان يجمع فيها دم البدن والهدايا، والعرب تعظمها وتفخر بها١. وقد ورد أن الرسول كان يشرب من بئر "بضاعة" وأنه بصق فيها وبرك٢. وأن خيل رسول الله كانت تسقى منها، وأن أهل المدينة كانوا يغسلون مرضاهم بمائها، لاعتقادهم أنه يشفي من المرض٣. ولعل قصة رمي الجيف والمنتن بها من القصص الموضوع المصنوع، أو أن ذلك حدث فيما بعد، حين أهمل شأنها، فلم يعد الناس يستقون منها، فاتخذت موضعًا يرمى فيه الجيف.
ومن بقية الآبار "البقع" وقيل هي السقيا التي بنقب بني دينار، وبئر "جنب"، وبئر "جاسم"، بئر أبي الهيثم بن التيهان براتج٤، وبئر "العبيرة، بئر "بني أمية بن زيد"، وقد شرب منها الرسول وسماها "اليسيرة"٥. وبئر "رومة" بالعقيق، وكانت لرجل من مزينة يسقى عليها بأجر، فقال رسول الله: نم صدقة المسلم هذه من رجل يبتاعها من المزني فيتصدق بها٦. وكان المزني، قد ضرب خيمة إلى جنب البئر، يأخذ أجوز الدلاء، وله جرار بها ماء بارد، مر الرسول به مرة فشرب منها ماءً باردًا، فقال: هذا العذب الزلال٧.
ويرد في كتب السير مصطلح "بئر السقيا"، و"بيوت السقيا"، و"السقيا" ورد أن الرسول كان يشرب من بيوت السقيا٨، وورد أن خدمه كانوا يحملون قدور الماء إلى نسائه من "بئر السقيا"، وأنه شرب حين خرج إلى "بدر" من "بئر السقيا"٩. وقد ذكر بعض العلماء، أن "بيوت السقيا" موضع في
стр. 4587
بلاد "عذرة"، يقال له "سقيا الجزل"، قريب من وادي القرى١. وهناك بئر قيل لها "السقيا" بنقب بني ديار، ورد ذكرها في الحديث٢. وهناك مواضع أخرى عرفت بـ"السقيا"، و"سقيا"، منها سقيا غفار، و"السقيا الجزل"، "سقيا يزيد"، والسقيا للعنبر٣.
وقد ذكر أن الرسول قد شرب من الآبار المذكورة، وبصق فيها وبرك٤، ليبارك في مائها.
ولأبي عبيدة، معمر بن المثنى كتاب في الآبار، جمع فيه ما ورد ذكره من الآبار٥.
وقد اتخذ النبط وغيرهم من القبائل آبارًا لشربهم ولشرب مواشيهم، لها فتحات تسد بالحجارة، فلا يمكن لأحد غريب الوقوف عليها، فإذا داهمهم عدو، أو أرادوا النقلة إلى أماكن أخرى، سدوا بها فتحاتها، ووضعوا فوقها من التراب ما يخفي معالمها. وقد أشار إليها الكتبة اليونان واللاتين.
ولا تزال بعض الآبار القديمة مستعملة ينتفع بمائها وهناك آبار طمرت، أو جفت مياهها، وقد عثر عند أفواهها على كتابات تشير إليها وإلى أسماء أصحابها. وهناك آبار أخرى عديدة عثر عليها في مواضع متعددة من جزيرة العرب، وبعضها عميقة جدًّا، وهي كلها "عادية" من أيام الجاهلية. والبئر العادية البئر القديمة التي لا يعرف لها مالك.
وقد استغلت بعض الآبار الجاهلية المندثرة، بتنظيفها وتطهيرها واستغلالها. ذكر "فؤاد حمزة" أن آبارًا عديدة جاهلية نظفت وأصلحت، فعادت إليها الحياة، واستغلت مياهها في إحياء الأرضين التي كانت خصبة مثمرة ثم تحولت إلى موات٦. ولا يزال الناس يستغلون في اليمن وفي غير اليمن بعض الآبار القديمة للشرب، وذلك لصعوبة استخراج مياهها للزراعة لعمقها، واقتصار الناس هناك في استخراج
стр. 4588
الماء على الدلاء١. ويظهر من وجود بعض الآبار "العادية" في البراري أن تلك المواضع كانت في محلات مأهولة، ثم تركها أهلها فعميت، وبقيت آثارها تتحدث عن وجود سكن قديم في هذه المواضع. وفي اليمامة آبار عديدة عادية، لا تزال على وضعها، وهي من آبار ما قبل الإسلام. وأشار العلماء إلى مياه عادية، فقد ذكروا أن "لبينة" ماءة عادية، أي من المياه القديمة التي يعود عهدها إلى الجاهلية٢.
وقد عثر المنقبون على نصوص جاهلية مدونة بالمسند، تتعلق بتملك الآبار وبحفرها وبإصلاحها. وقد أرخ بعض منها بأيام ملك، أو برجل عظيم كان معروفًا مشهورًا في زمانه، أو بحادث وقع لهم ذي بال. وقد أمدتنا هذه النصوص ببعض المعلومات عن الآبار وعن أصحابها وأسماء المواضع التي حفرت بها.
ويكون نضوب الماء من البئر، أو تحول مائها العذب إلى ماء ملح، نكبة بالنسبة لأهل البئر، ففي تبدل طعم الماء هذا خسارة كبيرة لأهل الماء، وعليهم البحث عن مورد آخر لسد رمقهم، وإطفاء ظمأ أموالهم، وحفر بئر أخرى في مكان آخر. ونقرأ في كتب أهل الأخبار واللغة أمثلة كثيرة عن هذا التبدل الذي حدث في طعم الماء، وسببه، هو انحباس المطر، وتحول مجاري المياه العذبة الجوفية من مكان إلى مكان، مما يسبب نضوب ماء الآبار والعيون التي كانت على المجاري القديمة، أو تقليل كمياته، فتظهر عندئذ ملوحة التربة، وقد تتغلب على طعم الماء العذب، فتحوله إلى ماء ملح٣.
وقد هجرت مستوطنات عديدة بسبب وقوع هذه الظواهر المحزنة في موارد مياهها كانت تستمد مياهها من حوض ماء جوفي، فلما قلت المياه فيهما، أو تحولت إلى موضع آخر، لعوامل "جيولوجية"، تأثرت المنطقة التي فيها الماء، بهذا التحول، واضطر سكانها إلى تركها، نتيجة انقطاع موارد المياه عنها، أو تبدل طعمها، تبدلًا لا يطاق.
стр. 4589
العيون:
ويقال لينبوع الماء "العين". وعيون الماء معروفة مشهورة في مواضع كثيرة من جزيرة العرب، وهي مواضع الخصب والنماء والزرع. ويستفاد منها في سقي المزارع وإرواء الأشجار المغروزة في هذه الأماكن، على أن كثرة مياه بعض العيون قد صار سببًا في انتشار الأوبئة مثل "الملاريا" كما في واحة خيبر ذات العيون العديدة. ويقال لمجاري الماء من العيون القصّب، وقيل قصبة كل مخرج ماء. ويقال للعين التي لا ينقطع ماؤها عين حشد. أما إذا كانت العين كثيرة الماء فيقال لها عين غزيرة، وعين زغربة، وعين غدقة، وعين ثرة، وكذلك ثرثارة١. وقد ذكر العلماء أسماء عيون عديدة كانت ذات مياه عذبة، هي رحمة للناس تنقذ حياتهم وحياة ماشيتهم من العطش والحر الشديد، وقد أقيمت حولها قرى، مثل "ينبع"، قرية وحصن، ذكر أنها كانت ذات عيون كثيرة، زرعت عليها نخيل وزروع٢.
وبعض العيون عيون معدنية، بعضها بارد، وبعضها حار يستشفى فيه. ويقال للعين الحارة: الحمة٣. وذكر علماء اللغة أن الحمة كل عين فيها ماء حار ينبع يستشفى بالغسل منه. وقد أشير إليها في الحديث٤. وكان أهل الجاهلية يستشفون بالاغتسال في العيون الحارة، وخاصة عند إصابتهم بأمراض الجلد.
والعيون: هي مما استنبطته الطبيعة في الغالب، فلا يد للإنسان في وجودها، وهي تكون عامة لأهل المنطقة التي تقع فيها، يشربون منها سواء، وقد تكون مما استنبطه الآدميون، فتكون ملكًا لمستنبطها ولورثته من بعده، لهم تملكها ولهم حق بيعها، تسقي ملكهم لا ينازعهم عليها منازع، وإذا سال ماء العين فيعبر عن ذلك بلفظة "ثج"، أي سال٥.
ونقرأ في كتب الأخبار واللغة لفظة "الغمر" علمًا لمواضع فيها مياه غزيرة، قد تكون آبارًا وقد تكون عيونًا. ومنها "الغمر"، بئر قديمة بمكة حفرها بنو سهم، و"غمر ذي كندة" بينه وبين مكة يومان، و"الغمر" باليمامة، موضع ماء٦. وأما لفظة "الركايا"، فتعني الآبار٧.
стр. 4590
الكراف:
وترد لفظة "كرفن"، أي "الكرف"، و"الكريف"، في النصوص المتعلقة بالإرواء والإسقاء والزراعة. وقد فسرها بعض العلماء بـ"صهريج". وفسر "الهمداني" لفظة "كريف" بقوله: "كريف جوبة عظيمة في صفا يكون فيها الماء السنة وأكثر"١. والكرف صهاريج، نقرت في الصخر، ومنها كريف "درداع"، وهو كريف "وحاظة" واسمها "سباع"، ذكر أن مساحته "٦٠٠" ذراع في مثلها، وكريف "الوفيت"، منقور في الصخر الأسود، عمقه في الأرض خمسون ذراعًا، وعرضه عشرون، وطوله خمسون. محجوز على جوانبه يمنع السقوط فيه٢.
ويقال للموضع الذي يجتمع فيه ماء كثير، أو للماء الجاري الدائم الذي له مادة لا تنقطع كماء العين والبئر "العد". وقد وردت اللفظة في كتب الحديث. وقد نهى الرسول عن اقطاع "الأعداد"٣. وقد ذكر علماء اللغة أن من معاني العد: الماء القديم الذي لا ينتزح، وأنه الماء الكثير بلغة تميم، والماء القليل بلغة بكر بن وائل، والركي في لهجة بني كلاب، ومن الماء العد: كاظمة، جاهلي إسلامي، لم ينزح قط. وفي الحديث نزلوا أعداد مياه الحديبية، أي ذوات المادة كالعيون والآبار٤.