وكان أهل العربية الغربية يحفرون حفرًا، يجعلونها كالبئر، يلقون بها الجيف وما شاكلها. وذكر أن "الجباجب"، حفر بمنى كان يلقى بها الكروش، كروش الأضاحي في أيام الحج، أو كان يجمع فيها دم البدن والهدايا، والعرب تعظمها وتفخر بها١. وقد ورد أن الرسول كان يشرب من بئر "بضاعة" وأنه بصق فيها وبرك٢. وأن خيل رسول الله كانت تسقى منها، وأن أهل المدينة كانوا يغسلون مرضاهم بمائها، لاعتقادهم أنه يشفي من المرض٣. ولعل قصة رمي الجيف والمنتن بها من القصص الموضوع المصنوع، أو أن ذلك حدث فيما بعد، حين أهمل شأنها، فلم يعد الناس يستقون منها، فاتخذت موضعًا يرمى فيه الجيف.
ومن بقية الآبار "البقع" وقيل هي السقيا التي بنقب بني دينار، وبئر "جنب"، وبئر "جاسم"، بئر أبي الهيثم بن التيهان براتج٤، وبئر "العبيرة، بئر "بني أمية بن زيد"، وقد شرب منها الرسول وسماها "اليسيرة"٥. وبئر "رومة" بالعقيق، وكانت لرجل من مزينة يسقى عليها بأجر، فقال رسول الله: نم صدقة المسلم هذه من رجل يبتاعها من المزني فيتصدق بها٦. وكان المزني، قد ضرب خيمة إلى جنب البئر، يأخذ أجوز الدلاء، وله جرار بها ماء بارد، مر الرسول به مرة فشرب منها ماءً باردًا، فقال: هذا العذب الزلال٧.
ويرد في كتب السير مصطلح "بئر السقيا"، و"بيوت السقيا"، و"السقيا" ورد أن الرسول كان يشرب من بيوت السقيا٨، وورد أن خدمه كانوا يحملون قدور الماء إلى نسائه من "بئر السقيا"، وأنه شرب حين خرج إلى "بدر" من "بئر السقيا"٩. وقد ذكر بعض العلماء، أن "بيوت السقيا" موضع في
стр. 4587
بلاد "عذرة"، يقال له "سقيا الجزل"، قريب من وادي القرى١. وهناك بئر قيل لها "السقيا" بنقب بني ديار، ورد ذكرها في الحديث٢. وهناك مواضع أخرى عرفت بـ"السقيا"، و"سقيا"، منها سقيا غفار، و"السقيا الجزل"، "سقيا يزيد"، والسقيا للعنبر٣.
وقد ذكر أن الرسول قد شرب من الآبار المذكورة، وبصق فيها وبرك٤، ليبارك في مائها.
ولأبي عبيدة، معمر بن المثنى كتاب في الآبار، جمع فيه ما ورد ذكره من الآبار٥.
وقد اتخذ النبط وغيرهم من القبائل آبارًا لشربهم ولشرب مواشيهم، لها فتحات تسد بالحجارة، فلا يمكن لأحد غريب الوقوف عليها، فإذا داهمهم عدو، أو أرادوا النقلة إلى أماكن أخرى، سدوا بها فتحاتها، ووضعوا فوقها من التراب ما يخفي معالمها. وقد أشار إليها الكتبة اليونان واللاتين.
ولا تزال بعض الآبار القديمة مستعملة ينتفع بمائها وهناك آبار طمرت، أو جفت مياهها، وقد عثر عند أفواهها على كتابات تشير إليها وإلى أسماء أصحابها. وهناك آبار أخرى عديدة عثر عليها في مواضع متعددة من جزيرة العرب، وبعضها عميقة جدًّا، وهي كلها "عادية" من أيام الجاهلية. والبئر العادية البئر القديمة التي لا يعرف لها مالك.
وقد استغلت بعض الآبار الجاهلية المندثرة، بتنظيفها وتطهيرها واستغلالها. ذكر "فؤاد حمزة" أن آبارًا عديدة جاهلية نظفت وأصلحت، فعادت إليها الحياة، واستغلت مياهها في إحياء الأرضين التي كانت خصبة مثمرة ثم تحولت إلى موات٦. ولا يزال الناس يستغلون في اليمن وفي غير اليمن بعض الآبار القديمة للشرب، وذلك لصعوبة استخراج مياهها للزراعة لعمقها، واقتصار الناس هناك في استخراج
стр. 4588
الماء على الدلاء١. ويظهر من وجود بعض الآبار "العادية" في البراري أن تلك المواضع كانت في محلات مأهولة، ثم تركها أهلها فعميت، وبقيت آثارها تتحدث عن وجود سكن قديم في هذه المواضع. وفي اليمامة آبار عديدة عادية، لا تزال على وضعها، وهي من آبار ما قبل الإسلام. وأشار العلماء إلى مياه عادية، فقد ذكروا أن "لبينة" ماءة عادية، أي من المياه القديمة التي يعود عهدها إلى الجاهلية٢.
وقد عثر المنقبون على نصوص جاهلية مدونة بالمسند، تتعلق بتملك الآبار وبحفرها وبإصلاحها. وقد أرخ بعض منها بأيام ملك، أو برجل عظيم كان معروفًا مشهورًا في زمانه، أو بحادث وقع لهم ذي بال. وقد أمدتنا هذه النصوص ببعض المعلومات عن الآبار وعن أصحابها وأسماء المواضع التي حفرت بها.
ويكون نضوب الماء من البئر، أو تحول مائها العذب إلى ماء ملح، نكبة بالنسبة لأهل البئر، ففي تبدل طعم الماء هذا خسارة كبيرة لأهل الماء، وعليهم البحث عن مورد آخر لسد رمقهم، وإطفاء ظمأ أموالهم، وحفر بئر أخرى في مكان آخر. ونقرأ في كتب أهل الأخبار واللغة أمثلة كثيرة عن هذا التبدل الذي حدث في طعم الماء، وسببه، هو انحباس المطر، وتحول مجاري المياه العذبة الجوفية من مكان إلى مكان، مما يسبب نضوب ماء الآبار والعيون التي كانت على المجاري القديمة، أو تقليل كمياته، فتظهر عندئذ ملوحة التربة، وقد تتغلب على طعم الماء العذب، فتحوله إلى ماء ملح٣.
وقد هجرت مستوطنات عديدة بسبب وقوع هذه الظواهر المحزنة في موارد مياهها كانت تستمد مياهها من حوض ماء جوفي، فلما قلت المياه فيهما، أو تحولت إلى موضع آخر، لعوامل "جيولوجية"، تأثرت المنطقة التي فيها الماء، بهذا التحول، واضطر سكانها إلى تركها، نتيجة انقطاع موارد المياه عنها، أو تبدل طعمها، تبدلًا لا يطاق.
стр. 4589
العيون:
ويقال لينبوع الماء "العين". وعيون الماء معروفة مشهورة في مواضع كثيرة من جزيرة العرب، وهي مواضع الخصب والنماء والزرع. ويستفاد منها في سقي المزارع وإرواء الأشجار المغروزة في هذه الأماكن، على أن كثرة مياه بعض العيون قد صار سببًا في انتشار الأوبئة مثل "الملاريا" كما في واحة خيبر ذات العيون العديدة. ويقال لمجاري الماء من العيون القصّب، وقيل قصبة كل مخرج ماء. ويقال للعين التي لا ينقطع ماؤها عين حشد. أما إذا كانت العين كثيرة الماء فيقال لها عين غزيرة، وعين زغربة، وعين غدقة، وعين ثرة، وكذلك ثرثارة١. وقد ذكر العلماء أسماء عيون عديدة كانت ذات مياه عذبة، هي رحمة للناس تنقذ حياتهم وحياة ماشيتهم من العطش والحر الشديد، وقد أقيمت حولها قرى، مثل "ينبع"، قرية وحصن، ذكر أنها كانت ذات عيون كثيرة، زرعت عليها نخيل وزروع٢.
وبعض العيون عيون معدنية، بعضها بارد، وبعضها حار يستشفى فيه. ويقال للعين الحارة: الحمة٣. وذكر علماء اللغة أن الحمة كل عين فيها ماء حار ينبع يستشفى بالغسل منه. وقد أشير إليها في الحديث٤. وكان أهل الجاهلية يستشفون بالاغتسال في العيون الحارة، وخاصة عند إصابتهم بأمراض الجلد.
والعيون: هي مما استنبطته الطبيعة في الغالب، فلا يد للإنسان في وجودها، وهي تكون عامة لأهل المنطقة التي تقع فيها، يشربون منها سواء، وقد تكون مما استنبطه الآدميون، فتكون ملكًا لمستنبطها ولورثته من بعده، لهم تملكها ولهم حق بيعها، تسقي ملكهم لا ينازعهم عليها منازع، وإذا سال ماء العين فيعبر عن ذلك بلفظة "ثج"، أي سال٥.
ونقرأ في كتب الأخبار واللغة لفظة "الغمر" علمًا لمواضع فيها مياه غزيرة، قد تكون آبارًا وقد تكون عيونًا. ومنها "الغمر"، بئر قديمة بمكة حفرها بنو سهم، و"غمر ذي كندة" بينه وبين مكة يومان، و"الغمر" باليمامة، موضع ماء٦. وأما لفظة "الركايا"، فتعني الآبار٧.
стр. 4590
الكراف:
وترد لفظة "كرفن"، أي "الكرف"، و"الكريف"، في النصوص المتعلقة بالإرواء والإسقاء والزراعة. وقد فسرها بعض العلماء بـ"صهريج". وفسر "الهمداني" لفظة "كريف" بقوله: "كريف جوبة عظيمة في صفا يكون فيها الماء السنة وأكثر"١. والكرف صهاريج، نقرت في الصخر، ومنها كريف "درداع"، وهو كريف "وحاظة" واسمها "سباع"، ذكر أن مساحته "٦٠٠" ذراع في مثلها، وكريف "الوفيت"، منقور في الصخر الأسود، عمقه في الأرض خمسون ذراعًا، وعرضه عشرون، وطوله خمسون. محجوز على جوانبه يمنع السقوط فيه٢.
ويقال للموضع الذي يجتمع فيه ماء كثير، أو للماء الجاري الدائم الذي له مادة لا تنقطع كماء العين والبئر "العد". وقد وردت اللفظة في كتب الحديث. وقد نهى الرسول عن اقطاع "الأعداد"٣. وقد ذكر علماء اللغة أن من معاني العد: الماء القديم الذي لا ينتزح، وأنه الماء الكثير بلغة تميم، والماء القليل بلغة بكر بن وائل، والركي في لهجة بني كلاب، ومن الماء العد: كاظمة، جاهلي إسلامي، لم ينزح قط. وفي الحديث نزلوا أعداد مياه الحديبية، أي ذوات المادة كالعيون والآبار٤.
стр. 4591
القنى:
والقناة كظيمة تحفر في الأرض تجري بها المياه، وهي الآبار التي تحفر في
стр. 4592
الأرض متتابعة ليستخرج ماؤها ويسيح على وجه الأرض١. ويكثر وجودها في العربية الجنوبية، ولا تزال آثارها باقية، وقد استفيد من بعضها في الشرب والسقي. والقنا والفقر، واحد٢، و"الفقرة" الحفرة في الأرض٣.
стр. 4593
التلاع:
وقد تنحدر المياه من عيون في الإسناد والنجاف والجبال حتى تنصب في الأودية وفي الأماكن المنحدرة، مكونة تلاعًا. و"التلعة" مسيل الماء من أعلى الوادي إلى أسفله. والتلاع مجاري أعلى الأرض إلى بطون الأودية. وتلعة الجبل أن الماء يجيء فيخد فيه ويحفره حتى يخلص منه. وربما جاءت التلعة من أبعد من خمسة فراسخ إلى الوادي، فإذا جرت من الجبال فوقعت في الصحاري حفرت فيها كهيأة الخندق، وإذا عظمت التلعة حتى تكون مثل نصف الوادي أو ثلثيه، فهي ميثاء. وقد تجري التلاع عند سقوط المطر وتكوين السيول، فيجري الماء بسرعة جارفة، تجرف ما قد يقف أمامها من مانع. ولذلك كانوا يخافون نزول التلعة، خشية خطر مجيء السيل فيجرف من قد يكون فيها. وللعرب أمثلة في التلاع، منها: "لا يمنع ذنب تلعة"، يضرب للذليل الحقير، و"لا أثق بسيل تلعتك"، يقال لمن لا يوثق به، "ما أخاف إلى من سيل تلعتي"، أي من بني عمي وأقاربي؛ لأن من نزل التلعة، وهي مسيل الماء، فهو على خطر إن جاء السيل جرف به١. ومما يدل على غرق أناس في هذه التلاع.
ويقال لمسيل ما بين التلعتين "المذنب"، وذنب التلعة. والمذنب مسيل في الحضيض ليس بخد واسع. وأذناب الأودية ومذانبها أسافلها. وقال بعض علماء اللغة: المذنب: مسيل ما في الحضيض والتلعة في السند، والجدول يسيل عن الروضة بمائها إلى غيرها، فيتفرق ماؤها فيها، والتي يسيل عليها الماء مذنب أيضًا. قال امرؤ القيس:
стр. 4594
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... وماء الندى يجري على كل مذنب١
وإذا انحدر المطر إلى موضع واطئ، قيل إنشل، وانشل السيل وانسل ابتدأ في الاندفاع قبل أن يشتد٢.
و"الوشل": ماء يخرج من شاهقة، فيسقط إلى منحدر٣. وتوجد الأوشال في الجبال، وفي الشواهق وذكر علماء اللغة أن الوشل الماء القليل يتحلب من جبل أو صخرة، يقطر منه قليلًا قليلًا، أو الماء الكثير، فهو من الأضداد. وفي تهامة جبل يقال له الوشل فيه مياه كثيرة. وقد يقال للقطرات التي تنزل من سقف كهف أو لحف جبل فتجتمع في أسلفه الوشل٤.
стр. 4595
التحكم في الماء:
وللسيطرة على المياه، ولا سيما مياه الأمطار، عمد أهل الجاهلية إلى اتخاذ مختلف الوسائل في التحكم فيها. بعضها بدائية وبعضها راقية تدل على براعة وعلم وفن. منها اتخاذ السدود للهيمنة على الماء، وخزنه للاستفادة منه عند الحاجة، وتوجيهه الجهة التي يريدونها. وقد أظهر العرب الجنوبيون مقدرة كبيرة في الاستفادة من الأمطار ومن مياه الينابيع والأنهار لاستعمالها في الإرواء والشرب والسقي. وتحكم مهندس الإرواء عندهم في الماء وسيطر عليه، لكيلا يذهب هباء، فاستخدم لضبطه الأبواب والفتحات والحواجز والرحاب، ونوع في المجاري وفي مسايل المياه، ليستفيد من الماء قدر إمكانه فلا يفلت منه شيء.
ولم يكن من السهل على حكومات ذلك الزمن السيطرة على مياه السيول والاستفادة منها، فكانت تذهب سدى، بعد أن كانت تصيب الأرض والناس بالأضرار وحين تنحدر هذه السيول من النجاد والجبال والأمكنة المرتفعة، تتحول الأودية فجأة وبسرعة أنهارًا عريضة كبيرة، تسيل مياهها مندفعة هدارة، لكنها لا تلبث
стр. 4596
طويلًا، بل تزول وتذهب وتجف الأودية ولا يبقى فيها من الماء شيء، إذ يسيل إلى البحر أو يغور في التربة. وقد اجتهد الجاهليون أن يستفيدوا من هذه السيول فأقاموا السدود على قدر إمكانهم كما فعلوا في سد مأرب وفي سدود أخرى كما يظهر من الآثار، ولكن قدرتهم الفنية والمالية لم تكن من الاتساع والقوة بحيث تساعدهم على السيطرة على السيول.
وقد عثر على آثار سدود في مختلف أنحاء جزيرة العرب. وقد أنشئت في المواضع التي يزورها الغيث وتنهمل عليها الأمطار. وقد تقام لضبط مياه النهيرات والينابيع، لجمعها، ثم إعادة توزيعها. وبعض هذه السدود المندثرة هو اليوم في مناطق صحراوية لا ماء فيها لا بشر، مما يشير إلى أنها كانت مأهولة، ثم عفى على أهلها الدهر، فأهملت وتهدمت.
وبعض هذه السدود، سدود بسيطة، صنعت من تراب أو من تراب وحجارة لمنع ماء المطر من الذهاب عبثًا, فيسد طريقه ويحبس في منخفض أو حوض ليستفاد منه. وقد أمر الرسول بسد ماء السماء في موضع ليستفاد من الماء، فعرف بـ"سد". ويطل جبل "شوران" على السد١. وأمر "معاوية" بسد الوادي الذي يمر بحرة المدينة، فحبس سيله بسد، عرف بسد معاوية فهو يحتبس فيه الماء، يرده الناس بمواشيهم يسقونها٢. ويمر على طرف "قدوم" ويصب في "أحد"٣. و"قدوم" جبل على ستة أميال من المدينة٤.
وتتخذ "المُسُك" لمسك الماء وحبسه، تمنعه من الذهاب عبثًا. كأن تمنعه من أن ينصب في البحر٥.
ويقال للسد "عرمن" في العربيات الجنوبية، أي "العرم". فلفظة "العرم" تعني السد عند اليمانيين القدماء، ولم تكن علمًا على سد معين. أعني سد مأرب. وقد وردت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ ٦.
стр. 4597
وفي هذه الآية إشارة إلى حادث انفجار سد مأرب كما يذهب إلى ذلك المفسرون.
وتولت الحكومات في اليمن إنشاء السدود وحفر القنوات والسواقي، وأنفقت على الأعمال من أموالها، وقدمت المواد الغذائية وبعض الأجور إلى العمال. وكانت تطلب إلى سادات القبائل والقرى تقديم الرجال للعمل وتقوم هي بإعاشتهم طوال أيام عملهم، كالذي ورد في نص "أبرهة" عامل الحبشة على اليمن، فقد كان يقدم الطعام إلى العمال لقاء اشتغالهم ببناء السد. وقد ذكر مقدار ما قدمه وما صرفه عليهم من طحين وبر وتمر ولحم وقد يشغل العمال سخرة، فلا تدفع الحكومة أو سيد القبيلة أو الموضع إليهم شيئًا. وقد كانت السخرة شائعة في ذلك العهد، لا في اليمن حسب، بل في العالم القديم كله، فيسخر العمال بتكسير الحجارة واقتلاعها من المحاجر ونقلها إلى الأماكن التي يراد إقامة السدود أو منشآت البناء فيها أو غير ذلك، ثم بإصلاحها وببقية أعمال البناء اللازمة، إلى أن تنجز، وعندئذ يسمح لهم بالانصراف إلى حيث يشاؤون.
وفي الحالات الاضطرارية يحشر الناس حشرًا، كما في الفيضانات المفاجئة التي تنشأ عن السيول. فتحشر الحكومة ورؤساء المدن والعشائر كل من يجدونه أمامهم للعمل على إنشاء الحواجز والسدود وفتح المجاري لمرور المياه لإنقاذ الأرواح والأموال من الكوارث والأضرار.
وقد تتولى المعابد هذه الأعمال، فتصرف عليها من واردها، تعد ذلك هبة أو دينًا تتقاضاه من أصحاب الأرض ومن المستأجرين في المدن والقرى، كما يتولاها أيضًا رؤساء القبائل، بأن يكلفوا القبيلة القيام بذلك العمل، مقابل تعهدهم بتقديم الطعام للمشتغلين به، وقد يكلفونهم ذلك سخرة مستخدمين حق القوة التي يتمتعون بها إن كانوا رؤساء أقوياء.
وفي كتب أهل اللغة والأخبار تعابير عديدة عن سيل السيول، وأثرها في الأرض وجرفها التربة وما عليها، وتفتيتها أشفار الأودية والأماكن التي تنحدر منها وكيفية قلعها الأشجار والصخور١. يظهر منها كلها أن أثر السيول كان شديدًا مؤذيًا، وهو ما زال على أذاه إلى هذا اليوم.
стр. 4598
المسايل:
وللسيطرة على المياه، ولا سيما مياه الأمطار، عمد العرب الجنوبيون إلى الوسائل الصناعية الفنية في التحكم فيها، فأنشأوا المجاري الصناعية لترجي فيها المياه وتسيل فلا تذهب عبثًا ولا تجري في القنوات إلا بقدر. ومن هذه المجاري ما يقال له "ماخذ" و"ماخذت" في لغة المسند. أي "مأخذ" و"مأخذة". ويراد بالمأخذ المجرى المحفور المعمق لمرور المياه إلى الحقول والبساتين أو المعابد١.
ويقال للقناة أي الممر الذي تمر منه المياه "عبرن" في اللهجات العربية الجنوبية، أي المعبر. ذلك؛ لأن المياه تعبرها وتجري فيها وتسيل منها إلى الأماكن التي كان يقصد وصولها إليها٢. وترد بكثرة في النصوص المتعلقة بتنظيم الإرواء وفي النصوص المتعلقة بشؤون الزراعة. وأما لفظة "امررن" فتعني "المرور"، والإمرار و"الممرات"، وقد وردت في النصوص الزراعية بمعنى الممرات المائية التي تجري فيها المياه، فهي بمعنى سواقٍ لإسقاء الأرض٣. وأما الممر الواحد أو الوادي، فيقال له "سرن"٤.
وترد كثيرًا في النصوص المتعلقة بشؤون الإرواء لفظة "حرت". وورودها فيها يدل على وجود علاقة لها بالإسقاء والإرواء. ويظهر أن لهذه اللفظة صلة بلفظة "خر" العربية التي تعني ما خده السيل من الأرض، والشق، فيقال خر الماء الأرض خرًّا إذا شقها، والهوى من علو إلى أسفل. وإذا تدهدى الشيء من علو٥. وهي بهذا المعنى وبمعنى ثقب وفتحة في لغة بني إرم وفي العبرانية المتأخرة، وتؤدي لفظة "خرو" Harru معنى قناة في الأشورية. وهذا يدل على أن للفظة "حرت" معنى قناة أو فتحة تفتح في السد، أو في مجرى ماء، لإسالة الماء من الفتحة إلى القناة أو المجرى المخصص بجري الماء٦.
وقد عثر السياح الذين زاروا اليمن ودرسوا آثار السدود على "حرات"
стр. 4599
كثيرة تتخلل جانبي السد. وهي عبارة عن فتحات مستديرة، تختلف أقطار فتحتها بحسب كميات المياه المراد إمرارها منها إلى "القنوات". وهذه الفتحات هي الحرات "حررتن". والفتحة الواحدة هي "حرت" "حرة"١. ويعبر عن أحداث فتحة أو ثغرة في جدار أو جبل أو في صخرة لإسالة الماء منها أو فتح شيء ما، بلفظة "بلق". وتؤدي لفظة "مخض" معنى "بلق" أيضًا، فهي أيضًا بمعنى إحداث ثغرة أو فتحة، غير أنها تستعمل للتعبير عن معان أخرى مثل فتح الطرق وشقها في الجبال في الغالب، أو إحداث طريق فوق "منقلن". ويراد بالمنقل معنى "نقيل" أي ممر.
ولما كانت العربية الجنوبية ذات جبال ومرتفعات، تصطدم بها الرياح المتشبعة بالأبخرة، فتتساقط مطرًا، عمل المهندسون على الاستفادة من هذه الأمطار بالتحكم فيها وبتوجيهها الجهة التي يريدونها، وذلك بإحداث فتحات في الصخور وعمل قنوات وأنفاق لإكراه الماء على المرور منها إلى المواضع التي يريدون خزنها فيها للاستفادة منها عند الحاجة، ولتكوين مسايل كبيرة تتجمع فيها المياه فتجري كالأنهار.
وتؤدي لفظة "قلح" معنى سال وجرى وصب، ولها معان أخرى ذات صلة بالحركة. وبهذا المعنى ترد لفظة "سفح" كذلك٢. ولسفح في عربيتنا معنى قريب من معناها في المسند، فمن معاني السفح، عرض الجبل حيث يسفح فيه الماء، وسفح بمعنى سال وأراق وصب٣. وهي معان لها صلة بجريان الماء.
وأما لفظة "منفخت" "منفخة"، و"منفخ"، من أصل "نفخ"، فإنها تعني فتح الماء وإسالته، وذلك بفتح الفتحات الماسكة له ليسيل منها إلى المجاري المخصصة بمسيله. وهي في معنى لفظة "منفس" التي هي من أصل "نفس". ويراد بها خروج الماء وجريانه من الفتحات الحابسة له وارتفاعه نتيجة لفتح الماء. وهي من ألفاظ الإرواء الواردة في الكتابات العربية الجنوبية٤. ويستعمل العراقيون جملة "تنفس الشط" بمعنى ارتفع ماء النهر وزاد، وذلك
стр. 4600
في أيام الفيضان. و"تنفس الموج" و"تنفس دجلة". فالمنفخ والمنفس إذن في معنى واحد، ويطلقان على عملية رفع مستوى الماء بزيادة كمياته من الفتحات التي تضبطه وتسيطر عليه، لأجل رفع مستواه في الأنهار أو في المجاري والسواقي لإرواء الأرضين في يسر وسهولة، ولا سيما الأرضين المرتفعة بعض الارتفاع.
ويقال لمجرى الماء الصغير المتفرع من مجرى أوسع منه "مسبا". وذهب بعض الباحثين إلى أن المراد بهذه اللفظة الصهريج. وقد عرف علماء اللغة "المسبا" بأنه الطريق في الجبل١.
أما السواقي ومجاري الماء الصغيرة التي تستعمل في إسقاء المزارع والحدائق، فيقال لها "مسقيت"، أي "مسقية", "ساقية"٢. وذهب "رودوكناكس" إلى أن لفظة "مسفحة" "المسفحة"، تعني الساقية أيضًا٣.
ويعبر عن خروج الماء وسيلانه ونزوله بلفظة "فجر"٤. و"الفجر" في عربيتنا تفجير الماء، يقال انفجر الماء وتفجر: سال وانبعث. والمفجر والمفجرة منفجر الماء من الحوض وغيره. وفجرة الوادي، متسعه الذي ينفجر إليه الماء٥. و"الشرج" مسيل ماء من الحرة إلى الوادي، ومنفسح الوادي٦، فلها علاقة بمسير الماء وسيلانه. وبهذا المعنى وردت لفظة "سفح" في المسند٧.
стр. 4601
المصانع:
وللاستفادة من ماء المطر استعملوا المصانع، جمع مصنعة. مساكات لماء السماء، يحتفرها الناس فيملؤونها ماء السماء يشربونها. والمصنعة كالحوض أو شبه
стр. 4602
الصهريج، وذكر أن الحبس مثل المصنعة١. وذكر أن المصانع مساكات لماء المطر يحتفرها الناس، وأن العرب تسمي القرى مصانع، تقول هو من أهل المصانع، أي القرى والحضر، والمصانع أيضًا المباني من القصور والآبار وغيرها والحصون. والصنع، مصنعة الماء، وهي خشبة يحبس بها الماء وتمسكه حينًا، وسمت العرب أحباس الماء الأصناع، وبهذا المعنى: الصناع والصناعة٢. و"الرصف" السد المبني للماء٣. ويكون من حجارة مرصوف بعضها إلى بعض في مسيل فيجتمع فيها المطر٤.
стр. 4603
السكر:
ويعبر في لهجة أهل الحجاز بلفظة "سكر" و"سكر الأنهار" عن سد الماء وحبسه، وذلك لضبط الماء، فلا يتسرب إلى المزرعة أو إلى مكان فيغرقه، أو لحبس الماء للاستفادة منه في الإسقاء١. وقد يكون السكر ثابتًا دائمًا، مبنيًّا له فتحات تغلق وتفتح وقت الحاجة إليه، وقد تكون مؤقتة تزال وتسد بحسب الحاجة، وتكون هذه في السواقي والنهيرات. وتؤدي لفظة "حبس الماء" معنى سده ومنعه من السيلان والجري، وذلك بواسطة السكر والحاجز المقام. وتؤدي لفظة "السكر"، أيضًا معنى سد النهر و"العرم" أي السد، والمسناة٢.
стр. 4604
الأحباس:
و"الحبس" خشبة أو حجارة تبنى في مجرى الماء لتحبسه، كي يشرب القوم ويسقوا أموالهم. والجمع أحباس. وقيل ما سد به مجرى الوادي في أي
стр. 4605
موضع حبس. وقيل الحبس كالمصنعة تجعل للماء١. و"العرمة" سد يعترض به الوادي ليحتبس به الماء، والأحباس تبنى في أوساط الأودية٢. و"الرجيع" محبس الماء، و"الخرنق" مصنعة الماء، والسرج والقرى والحافشة. وهذه مسايل الماء٣. و"الخربق" مصنعة الماء واسم حوض٤. و"الردم" السد٥. و"الحواجر" و"الحاجر" ما يمسك الماء من شفة الوادي ويحيط به٦. ومن الأحباس: حبس ضعاضع. جبيل عنده حبس كبير يجتمع عنده الماء. وهو حجارة مجتمعة وضعت بعضها على بعض٧.
وتكون على السواقي ومسايل الماء والسدود، مسايل جانبية، تفتح عند الحاجة لمرور الماء منها إلى المزارع، تخرج من المسيل الأعظم يمنة ويسرة، يقال لها: "النواشط". وطريق ناشط، إذا كان ينشط من الطريق الأعظم يمنة ويسرة٨.
وقد كان نضوب الماء من الآبار والغدران ومواضع الماء الأخرى من المشكلات التي جابهت الجاهليين. ومن المشكلات التي ما برح سكان جزيرة العرب يواجهونها اليوم أن بعض الآبار يغور ماؤها، فيضطر الناس إلى ترك أماكنهم، أو قد يتبدل طعم الماء، فلا يكون مستساغًا للشرب ولا مجديًا في الزراعة. وحفر الآبار في مواضع متقاربة يؤدي إلى انخفاض مستوى الماء أو نضوبه في كثير من الأحيان، وقد أدى إهمال الناس للآبار إلى تراكم الأتربة فيها، وانهيار جدرانها، ونضوب الماء منها، وارتحال الناس عنها.
стр. 4606
السدود:
السد في اللغة الحاجز، والوادي فيه حجارة وصخور يبقى الماء فيه زمانًا.
стр. 4607
وقد كان الجاهليون يقيمون حواجز عند مخارج السيول، لحبس الماء في المنخفضات لتكوين أحواض لحفظ الماء فيها، للاستفادة من مائها عند انقطاع السيول وظهور الجفاف. ولما كان بناء سد ضخم بحجارة وبجدر مرتفعة طويلة، عمل يحتاج إلى مهارة وخبرة وإلى مال، وإلى وجود حكومة كبيرة متمكنة من الناحية المادية، وهي شروط لم تكن متوفرة في معظم أنحاء جزيرة العرب، ما خلا اليمن، صارت السدود في معظم أنحاء جزيرة العرب سدودًا صغيرة بدائية في أغلب الأحيان، هي مجرد حواجز من تراب أو من صخور كدست بعضها فوق بعض لحبس الماء في المنخفض ومنعه من الجريان. وقد شاهد السياح آثار سدود جاهلية في أنحاء جزيرة العرب، ووصفوها، وذكروا أن من الممكن الاستفادة من بعض تلك السدود ومن مواقعها، وأشادوا بمقدرة من شيدها وأقامها وبقابلياته الهندسية وبفطنته في حسن اختيار المواقع، بالرغم من ضعف القدرة الفنية وبدائية الأساليب التي استعملت في ذلك الزمن١.
ومن السدود: "السد" ماء سماء في "حزم بني عوال"، جبيل لغطفان أمر الرسول بسده. وسد "أبي جراب" أسفل من عقبة منى دون القبور عن يمين الذاهب إلى منى، منسوب إلى "أبي جراب عبد الله بن محمد بن عبد الحاراث بن أمية الأصغر"، وسد قناة٢، وسد "العياد"، وقد أقيم في موضع يبعد عن الطائف زهاء ستة أميال، كتب عليه بالخط الكوفي المحفور على الحجر: "هذا سد عبد الله بن معاوية أمير المؤمنين. بناه عبد الله بن إبراهيم". وكان ذلك سنة "٥٨" للهجرة. وقد أقيم بالحجارة وحدها، فلم يضع مهندسه، عبد الله بن إبراهيم مادةً من مواد البناء مثل الملاط أو الطين وما شابه ذلك بين الحجارة لتثبيتها وضمها بعضها إلى بعض حتى تتماسك، فتكون كأنها قطعة واحدة. وهي طريقة معروفة في اليمن، استعملها المهندسون الجاهليون كما يظهر ذلك من فحص الخرائب العتيقة الباقية من الأبنية والسدود الجاهلية. ولا يزال هذا السد في حالة ممتازة يتحدث عن نفسه وعن قدرة المهندس الذي أقامه في هذا المكان.
стр. 4608
سد مأرب:
واستبد سد مأرب من بين سائر سدود جزيرة العرب بالاسم والذكر، ونال مكانة كبيرة في كتب التفسير والسير والأخبار. ولذكر القرآن لـ"سيل العرم"، نصيب كبير في توجيه أنظار علماء التفسير واللغة والأخبار إليه، وفي خلود اسمه إلى الآن. وقد روى أهل الأخبار قصصًا عنه وعن كيفية خرابه، وتشتت شمل سبأ بسببه، ونزوحهم إلى مواضع بعيدة عن ديارهم القديمة.
ويعد سد "مأرب" من أهم السدود التي أقيمت في اليمن وفي جزيرة العرب. وقد بني من أجل السيطرة على مياه الأمطار والسيول التي تتدفق منها لوقاية المزارع والقرى منها، وللاحتفاظ بهذه السيول للاستفادة منها إذا انقطعت الأمطار، وإرواء مناطق واسعة من الأرضين، جيدة التربة، خصبة مثمرة، لكن بها حاجة شديدة إلى الماء، وما كان في الإمكان إنباتها لولا السيطرة على السيول وإنشاء هذا السد.
وتأتي السيول إلى السد من أماكن عديدة، من "ذمار"، و"جهران"، و"الحدي"، و"حولان"، وبلاد مراد، وقيفة، وعروش، وجوانب ردمان، وشرعة، وكومان وغيرها، وذلك إذا أمطرت السماء وتجمعت فيها السيول وانحدرت. حتى تنتهي إلى وادي "أذنة"، فتسير فيه المياه حتى تنتهي إلى مضيق بين جبلين، يقال لكل منهما "بلق"، ويسميهما "الهمداني" مأزمي مأرب، تسير المياه فيه حتى تدخل منخفضًا من الأرض واسعًا، هو حوض هذا السد. تدخر مياه الأمطار فيه. وله سدود وأبواب لحجز المياه وحبسها، أو لتصريفها حسب الحاجة. فتمر من أبواب تفتح وتغلق، لتمر المياه منها في قنوات توزع إلى الأماكن التي يراد توجيه الماء إليها١.
ولا توجد لدينا نصوص عن أول رجل أقام هذا السد، وعن العهد الذي تم فيه البناء. وكل ما لدينا اليوم عن وقت بنائه لأول مرة هو لذلك حدس وتخمين.
стр. 4609
ويرى "كلاسر" أن عهده يعود إلى السنة السبعمئة قبل الميلاد١. وقد بقي قائمًا يؤدي واجبه إلى حوالي السنة "٥٧٥" بعد الميلاد٢. ويظهر من بعض الكتابات المحفورة على جدرانه بالمسند أن جملة تحسينات وتعميرات أدخلت عليه في أوقات مختلفة قبل الميلاد وبعدها، وآخرها هو إصلاح أبرهة له الذي تم على أثر تصدعه سنة ٥٤٢ للميلاد. ويظهر أن تصدعًا آخر وقع للسد في أيام طفولة الرسول، وذلك في حوالي السنة "٥٧٥" للميلاد، لم يكن من الممكن التغلب عليه، بسبب التدهور الاقتصادي الذي حدث في هذا العهد في اليمن وارتباك الأوضاع السياسية واضطراب الأمن وانتشار الثورات في كل مكان وتدخل الأجانب في شؤون البلاد فتصدع قسم كبير منه، ولم يهتم أحد من الحاكمين في إعادته إلى أصله بإصلاحه وترميمه، وتحولت بذلك الأرضين الخصبة التي كانت تروى بمائه والتي كانت واسعة إلى أرضين موات، غطتها الطبيعة بطبقة من الرمال والأتربة وألبستها أكسية الصحراء الحزينة، حدادًا على فراقها لذلك السد العتيد.
وتعود أقدم الكتابات الباقية إلى أيام "المكربين". وتأتي كتابة "سمه علي ينف" "سمهعلي ينوف" مكرب سبأ على الرأس. ويظهر منها أن هذا المكرب قد أقام سد "رحاب"، وقد اشتغل به ابنه "يثع أمر بين" وقواه، كما بنى سدًّا آخر عند "حبابض"، ويقع في المنطقة الشمالية من سد مأرب٣.
وقام المكرب "كرب ال بين بن يثع امر"، ببناء جزء من السد وتقوية أجزائه الأخرى. كما قام الملوك بإضافة أجزاء جديدة إليه، وتقوية الأجزاء القديمة منه. ومن هؤلاء الملك "ذمر علي ذرح" ملك سبأ، والملك "يدع ال وتر" "يدع ايل وتر"٤.
كذلك أصلح الملك "شمر يهرعش" هذا السد، ورممه الملك "شرحبيل يعفر" في سنة "٤٤٩" للميلاد. ولكن المياه جرفت أقسامًا منه سنة "٤٥٠" للميلاد، أي
стр. 4610
بعد سنة من الترميمات، فاضطر إلى إعادة إصلاحه وتقويته١.
وقد أقام المهندسون في الجهة الضيقة التي تسيل منها السيول إلى المجاري ثم إلى حوض واسع سدًّا قويًّا طوله نحو من "٥٧٧" مترًا ونصف المتر، عرف بـ"رحاب" في المسند. أقيم في المنطقة التي تضيق فيها الشقة بين جزءي جبل "بلق"، حيث يمر بينهما واد يفصل بين الجزءين المعروفين بـ"بلق القبلي" و"بلق الأوسط". فسد الوادي بذلك وتحكم السد بمسير ماء السيول. وصار يجري من خلال فتحة، هي باب يتحكم الإنسان فيها كيف يشاء إلى "وادي أذنة" "وادي ذنة"، حيث يملأ الحوض٢. وينتهي الحوض بسدين آخرين أقيما لتنظيم تصريف الماء المخزون عند الحاجة وتوجيهه إلى الأرضين المحتاجة إليه، بهما منافذ هي أبواب تفتح وتغلق للتحكم في توزيع الماء.
وقد استخدمت في بناء السد والحواجز حجارة اقتطعت من الصخور، وعولجت بمهارة وحذق حتى توضع بعضها فوق بعض، وتثبت وتتماسك وتكون وكأنها قطعة صلدة واحدة. ونحتت الصخور، بحيث صارت تتداخل بعض في بعض، بأن يدخل رأس من صخرة في فتحة مقابلة لها، فتكون كالمفتاح في القفل، وبذلك تتماسك هذه الصخور، وترتبط ارتباطًا وثيقًا، وتكون كأنها صخرة واحدة. وقد وجد أن بعض الأحجار قد ربطت بعضها ببعض بقطع من قضبان اسطوانية من المعدن المكون من الرصاص والنحاس يبلغ طول الواحد منها حوالي "١٦"، سنتمترًا، وقطرها حوالي الثلاثة سنتمترات ونصف. وذلك بصب المعدن في ثقب الحجر، فإذا جمد وصار على شكل "مسمار" يوضع الحجر المطابق الذي صمم ليكون فوقه في موضعه بإدخال "المسمار" في الثقب المعمول في الجهة السفلى من ذلك الحجر، وبذلك يرتبط الحجران بعضهما ببعض برباط قوي محكم. وقد اتخذت هذه الطريقة لشد أزر السد، وليكون في إمكانه الوقوف أمام ضغط الماء وخطر وقوع الزلازل٣. أما المادة التي استعملت في البناء لربط الأحجار بعضها ببعض فهي من أحسن أنواع الجبس Gips، وقد تصلب هذه الجبس الذي طليت
стр. 4611
به واجهات السد أيضًا حتى صار كأصلب أنواع السمنت١.
وقد أقام المهندسون أبوابًا لدخول المياه منها وخروجها، كما أنشأوا فتحات لتقسيم المياه وتوزيعها على المجاري والسواقي تفتح وتقفل بحسب حاجة المزارع والأماكن إلى المياه. ولا يزال بعض جدر السد قائمًا، وآثار السواقي والمجاري التي كانت تجري فيها المياه من الحوض باقية، وهي تدل على مهارة منهدسي الري في ذلك العهد وعلى براعتهم في كيفية الاستفادة من الأرض ومن الطبيعة لخدمة الإنسان.
وبنيت في اليمن سدود أخرى، منها "قصعان"، و"ربوان"، وهو سد قتاب، وشحران، وطمحان، وسد عباد، وسد لحج، وهو سد عرايس، وسد سحر، وسد ذي شهال، وسد ذي رعين، وسد نقاطة، وسد نضار وهران، وسد الشعباني، وسد النواسي، وسد الخانق بصعدة، وسد ريعان، وسد سيان، وسد شبام، وسد دعان وغيرها٢. وذكر "الهمداني" أن في مخلاف "يحضب العلو" ثمانين سدًّا٣.
وسد "الخانق" سد ينسب إلى "نوال بن عتيك" مولى سيف بن ذي يزن، ومظهره في "الخنفرين" من رحبان. وقد خربه "إبراهيم بن موسى العلوي" بعد هدم صعدة٤.
وهناك آثار سدود جاهلية أخرى أقيمت في مواضع متعددة من العربية الجنوبية. منها آثار سد قتباني أقيم عند موضع "هجر بن حميد" بوادي بيحان. وقد درسه ووصفه "بوون"٥. كان يسقي بمائه منطقة واسعة من أرض مملكة قتبان.
стр. 4612
وآثار سد "مرخة"١، وآثار سد آخر أقيم عند "شبوة"، وسد آخر عند "الحريضة"، تفرعت منه شبكة من القنوات والمجاري لإيصال الماء إلى المزارع والأرضين الخصبة التي تعيش عليها.
وقد ظهرت من الصور "الفوتغرافية"، التي أخذت من الجو لبعض مواضع من جزيرة العرب آثار شبكات للإرواء تتصل بأحواض مياه وسدود أقيمت لخزن مياه الأمطار فيها للاستفادة منها وقت الحاجة، ففي "وادي عديم" آثار جدر سدود وقنوات ومجاري مياه متصلة بعضها ببعض تمتد إلى مسافات بعيدة كانت تمدها بإكسير الحياة. وكذلك تشاهد آثار الإرواء عند "حصن العر" و"ثوبة" في القسم الجنوبي من "وادي حضر موت". وقد نحتت الصخور عند "نجران" لعمل ممر منها للماء ليذهب إلى حوض واسع أحيط بسد وجدار حيث يمكن خزن مئة مليون "غالون" من الماء فيه٢.
стр. 4613
توزيع الماء:
وقد يوزع الماء الجاري من العيون والأنهار، بالنصيب. بأن تعين أوقات تفتح فيها المياه على مزرعة ما، فإذا انتهى الوقت سد الماء، وحول إلى مزرعة أخرى، وذلك لقلة الماء وعدم كفايته في اسقاء المزارع كلها دفعة واحدة، فيوزع بالحصص، في أوقات تثبت وتعين. وقد تقع الخصومات من جراء التجاوز وعدم التقيد بضبط الأوقات، كما يحدث في أيامنا في كثير من الأماكن الزراعية. ونجد في كتب الأخبار أمثلة عديدة من أمثلة هذه النزاع. ويقال للنصيب من السقي "سقي"١ أي الحظ من الشرب٢.
стр. 4614
حقوق الري:
وللجاهليين أعراف محلية قامت مقام القوانين في الاستفادة من الماء. والمياه عندهم، أما مياه طبيعية لا دخل ليد الإنسان في استنباطها، مثل مياه الأمطار والعيون والأنهار. وإما مياه وجدت باستنباط الإنسان لها، باستخدام ماله ويده في تذليلها، كمياه الآبار والعيون التي يفجرها الإنسان ومياه الصهاريج والكهاريس والمياه التي تتجمع من إقامة السدود وما شاكل ذلك مما للإنسان يد وعمل في الاستفادة منها.
وطبيعي أن تختلف هذه الأعراف باختلاف مواضع جزيرة العرب. فالمياه في العربية الجنوبية من أمطار ومن مياه مستخرجة أو نابعة هي أكثر بكثير من مياه أي منطقة أخرى من جزيرة العرب. ولهذا نجد لها ذكرًا في الكتابات العربية الجنوبية، حيث نجد فيها إشارات إلى أحكام وإلى كيفية السقي وحقوق أصحاب الأرض في الماء وحقوق المستأجرين للأرض في الماء وإلى خصومات وقعت بينهم في موضوع حقوق التصرف بالماء.
ولدينا في الوقت الحاضر كتابات، هي قوانين صدرت من حكومات العربية الجنوبية في تنظيم حقوق السقي والاستفادة من الماء ومن حق الانتفاع من الآبار، كما تعرضت لموضوع حقوق شراء الأرض، وكيفية بيعها وما إلى ذلك مما يتعلق بالري والزراعة.
وأما في الحجاز، فقد استخدمت الآبار المحفورة، يحفرها أهلها ليستفيدوا من مياهها في الشرب وفي إسقاء الزرع والمواشي، وقد يكرونها لغيرهم مقابل كراء يعين. لهذا وضعوا أعرافًا خاصة بالنسبة إلى الاستفادة من حقوق ملكية الآبار.
стр. 4615
الخصومات بسبب الماء:
وطالما وقعت مشاحنات وخصومات بين أصحاب المزارع بسبب اشتراكهم في الماء، في مثل الشراج والجعافر والأنهار وأمثالها، إذ كان يستأثر بعضهم به، ولا يدع الماء يسيل إلى غيره إلا بعد أن يسقي زرعه سقيًا كاملًا، وكان أصحاب
стр. 4616
المزارع الذين تقع مزارعهم في أعالي منابع الماء يستأثرون به، بتوجيهه إلى مزارعهم، أو بوضع سكر يحبس الماء عن البساتين الواقعة خلف السكر، فيذهب الماء إلى مزارعهم ولا ينال المزارع الأخرى إلا القليل منه ونجد مثل هذه الخصومات في العربية الجنوبية وفي منطقة يثرب وفي مواضع الحسي وعيون الماء. وقد خاصم أنصاري "الزبير بن العوام" عند النبي في شراج الحرة، وهي مسايل الماء التي يسقون بها النخل، فقضى النبي، أن يسقى الأعلى ثم الأسفل١.
стр. 4617
الفصل السابع والتسعون: معاملات زراعية
المحاقلة
...
الفصل السابع والتسعون: معاملات زراعية
وقد تطرقت كتب الحديث والفقه إلى ذكر معاملات زراعية، كان المزارعون في الجاهلية يمارسونها. وهي عبارة عن عقود ومواثيق كانوا يأخذونها على أنفسهم بالقيام بأعمال زراعية معينة، مثل: المحاقلة، والمخابرة، والمزارعة، والمساقاة.
المحاقلة:
ولم ترد في نصوص المسند معلومات مسهبة عن المحاقلة عند العرب الجنوبيين. ولكن في استطاعتنا أن نقول إنها لم تكن تختلف في أسلوبها عن المحاقلة عند أهل الحجاز قبيل الإسلام. والمحاقلة عندهم اكتراء الأرض بالحنطة أو الذهب أو شيء آخر، والمزارعة على نصيب معلوم يتفق عليه بالثلث أو الربع أو أقل من ذلك أو أكثر، أو على الأوسق من التمر والشعير، أو على الدينار والدرهم١. ويقال للمحاقلة "نحقل" في المسند٢.
стр. 4618
والمخابرة هي المؤاكرة، وهي المزارعة على نصيب معلوم مما يزرع في الأرض١. وقيل: المخابرة المزارعة على النصف ونحوه، أي الثلث والمزارعة على نصيب معين كالثلث والربع وغيرهما وقيل المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض٢. والمؤاكرة المزارعة على نصيب معلوم مما يزرع. وهي المخابرة٣. وفي الحديث كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسًا حتى أخبر رافع أن رسول الله نهى عنها. وقد اختلف علماء اللغة في أصل اللفظة، فقال بعضهم: هي من خبرت الأرض خبرًا كثر خبارها، وقال بعض آخر من خيبر؛ لأن النبي أقرها في أيدي أهلها على النصف من محصولها، فقيل خابرهم، أي عاملهم في خيبر٤. و"الخبر" في قول علماء اللغة الزرع، ومن هذه اللفظة يجب أن يكون أصل المخابرة. ويظهر من اختلاف العلماء في تعريف المراد من لفظة المخابرة، التي تعني المزارعة أنهم لما أرادوا وضع حد لمعناها، وجدوا المخابرين أي المزارعين أنماطًا وأشتاتًا في تثبيت حصص المخابرة ونصيبها، فحفظ كل ما سمعه، وظن أن ما وعاه وسمعه هو المخابرة، فجاءت تعاريفهم من ثم على هذا النحو. ولو أخذناها ودققناها، وجدنا أنها كلها شيء واحد، هو: المخابرة المزارعة على نصيب معلوم مما يزرع في الأرض. أما تثبيت الأنصبة، فلا دخل له بالتعريف؛ لأنه مجرد تعامل أشخاص واتفاق أفراد، منهم من كان يزيد في النصيب ومنهم من كان ينقص منه، حسب الحاجة، على نحو ما يقع في كل تعامل مثل البيع والشراء.
والمزارعة المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها ويكون البذر من مالكها٥. فإن كان من العامل، فهي مخابرة٦.
وقد كانوا يتعاملون مع المزارعين أو الأجراء على "القصارة". وهي ما يبقى في المنخل بعد الانتخال، أو ما بقي في السنبل من الحب، مما لا يتخلص بعدما
стр. 4619
يداس، أو ما يبقى على الأرض من حب بعد التذرية١. فيشترط بعضهم أن تكون القصارى للمذري، وقد لا يوافق على ذلك صاحب الزرع، فتكون له. وقد يحدث الاختلاف بين صاحب الزرع وبين المذري، بسبب اتهامه للمذري، باستغلال الشرط، والإفراط في إسقاط الحب على الأرض للاستفادة منه.
وذكر أن أحدهم كان يشترط في المزارعة ثلاثة جداول والقصارة، أي ما سقى الربيع. وقد نهى النبي عن ذلك٢. والجدول النهر الصغير، ونهر الحوض ونحو ذلك من الأنهار الصغار٣.
ولما جاء المهاجرون إلى يثرب، وكان بينهم قوم يحسنون الزراعة، وكانوا يريدون عملًا يعتاشون منه، حاقلوا أصحاب الأرض على زرع أرضهم في مقابل نصيب معلوم، كانوا يتفقون عليه. وقد نجح بعض منهم في استغلال الأرض، وكسبوا منها. غير أن قسمًا منهم اختصموا مع الملاك، بسبب توزيع الحاصل أو الماء، فكان الرسول يتداخل بنفسه لحسم الخلاف. وقد صار الصحابة من أهل مكة بين تاجر وبين زراع، ورد في حديث "أبي هريرة": "لم يشغلني عن النبي غرس الودي، أي صغار النخل"٤. وورد أن الأنصار قالوا للمهاجرين: تكفونا المؤونة في النخل بتعهده بالسقي والتربية ونشرككم في الثمرة، واتفقوا على ذلك٥.
وقد نهى الإسلام عن المحاقلة والمزارعة والمؤاكرة، وذلك لما كان يقع بسببها من خلاف بين المالك والفلاح، وما كان يقع من ظلم في القسمة أو اختلاف على توزيع الحاصل. فلما جاء الرسول إلى "يثرب"، ورأى هذه الخصومات، نهى عن إيجار الأرض وكرائها بقوله: "من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها، فإن لم يفعل فليمسك أرضه"٦. وفي رواية أخرى أنه لم "يحرم المزارعة، ولكن قال أن يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ شيئًا معلومًا،
стр. 4620
لأنهم كانوا يتنازعون في كراء الأرض حتى أفضى بهم إلى التقاتل بسبب كون الخراج واحدًا لأحدهما على صاحبه، فرأى أن المنحة خير لم من المزارعة التي توقع بينهم مثل ذلك"١.
وقد ذكر العلماء أن هذا النهي إنما وقع بسبب المنازعات التي كانت تقع فيما بين الطرفين المتعاقدين لاتفاقهما على شيء مجهول، وذكروا مثلًا آخر على ذلك هو كري المزارع على الأربعاء وبشيء من التبن. والربيع هو النهر الصغير. فتقع المنازعة ويبقى المزارع أو رب الأرض بلا شيء٢. وقد كانوا يتعاقدون على ما ينبت على ربيع الساقي، أي النهر الذي يسقي الزرع. فيقع اختلاف بين المزارع والمالك، أو بين صاحب الماء والمزارع٣. أما إذا كان الاتفاق على شيء واضح معلوم، في مثل استئجار الأرض البيضاء من السنة إلى السنة، أو في آجال يتفق عليها بالذهب والفضة، أي بالدنانير والدراهم، فقد جاز كذلك كما ورد في كتب الحديث٤.
стр. 4621
المساقاة:
وكما مارس أصحاب الأملاك والمزارعون الجاهليون طريقة المحاقلة والمزارعة، مارسوا "المساقاة" كذلك. وتكون بالاتفاق بين طرفين على قيام أحدهم بتوجيه الماء إلى صاحب أرض أو ملتزم لها أو غير ذلك، وهو محتاج إلى ماء مقابل تعهد يقدمه الطرف الثاني إلى صاحب الماء بعوض، مثل جزء من حاصل أو عين وما شابه ذلك، مقابل ذلك الماء. وذكر أن المساقاة، أن يستعمل رجلًا في نخيل أو كرم ليقوم بإصلاحها مقابل أن يكون له سهم معلوم مما تغله. وأهل العراق يسمونها معاملة١ وذكر العلماء أن أهل المدينة كانوا يقولون للمساقاة المعاملة،
стр. 4622
وللمزارعة المخابرة، وللإجارة بيع، وللمضاربة مقارضة، وأن لهم لغات اختصوا بها١.
وقد يخصص الماء كله بالزرع، أي يكرى كله لمؤجره، وقد يكرى لما يسد حاجة الزرع، أي لإرواء الزرع الذي اتفق على إسقائه بالماء، في كل وقت، في النهار أو في الليل، وفي أي لحظة يشاء المستأجر لذلك الماء. وقد يكون على حظ من الماء، مثل ربع يوم أو ليلة، أو يوم معين، أو وقت يثبت. ويقال لهذا الماء "ربيع"، أي حظ٢.
وطالما وقعت الخصومات بين المزارعين بسبب اختلافهم على الماء. فالماء هو رأس مال المزارع، فإذا انقطع عن زرعه، تأثر زرعه، وتعرض للهلاك، وزرعه هو رأس ماله وحياته. ومن هذا القبيل الخصومات التي تقع بسبب اشتراك جملة مزارعين في مورد ماء واحد، ومحاولة كل واحد منهم الحصول على أكبر مقدار من الماء، أو أخذه قبل غيره. والخصومات التي تقع من سيل الماء في الشرائج. والجداول التي تمر في عدة مزارع والينابيع والعيون التي تروي جملة أحواط ومحاقل. وقد أشير إلى جملة أنواع من هذه الخصومات في كتب الحديث٣.
ومن عادة أهل "يثرب" أنهم كانوا يكرون الأرض، لأجل قصير أو لأجل طويل. فإذا كان الأجل طويلاً فربما غرسوا شجرًا، على نصيب معلوم من الثمر، وذلك؛ لأن أكثرهم لم يكونوا يملكون كثيرًا من الذهب والفضة، فكانوا يتعاملون على الشطر مما تغله الأرض. ولما جاء المهاجرون زارعوا الأنصار بالشكر على الثلث والربع، حتى ما كان بالمدينة بيت هجرة، إلا وزرع على الشطر٤. أو على التبن أو على أوسق من تمر أو بر أو غير ذلك. وكرى بعضهم أرضه بالدراهم والدنانير وبالفضة وبالذهب. وقد أشير إلى ذلك في كتب الحديث٥.
стр. 4623
إكراء الأرض:
وإكراء الأرض، بمعنى إيجار أرض ما لمدة معينة محدودة، أو بدون حد بشروط وفي مقابل بدل. ويقال لهذا البدل الذي يدفع عن ثمرة استغلال الأرض أو أي كراء "اثوبت"، أي "الثواب" "ثواب". ثواب أجر الانتفاع من الشيء الذي أجر. وقد يكون هذا الشيء أرضًا وقد يكون دارًا وقد يكون حيوانًا. فورد في بعض النصوص العربية الجنوبية أن أختين استأجرتا أرضًا على ساحل نهر "عبرت"، وبقرًا لتقوما بإيجارها إلى الفلاحين لاسغلالها بزرعها، وبتنمية البقر بشروط معينة، تنتهي بأجل نص عليه، في مقابل بدل إيجار "اثوبت" يدفع إلى أصحاب المال. وقد أشير في الكتابة إلى أن الإله "المقه"، قد وافق على العقد وباركه١. ومعنى ذلك أن العقد عقد شرعي وقد سجل رسميًّا وصار عقدًا معترفًا به قانونًا من الحكومة ومن المعبد.
ويراد بلفظة "عبرت"، لفظة "عبرة" و"العبرة" في لغتنا. والعبرة شاطئ النهر وناحيته، قال النابغة الذبياني يمدح النعمان بن المنذر:
وما الفرات إذا جاشت غواربه ... ترمي أواذيه العبرين بالزبد
يومًا بأطيب منه سيب نافلة ... ولا يحول عطاء اليوم دون غد٢
وورد في أحد النصوص، أن ناسًا "ادم"، استأجروا أرضًا من الآلهة، على أن يدفعوا أجرها سنة بعد سنة، وحسبما اتفقوا عليه مع الآلهة٣، مما يدل على أن هذه الأرض المؤجرة هي من أوقاف المعبد. وقد أجرها أولئك الناس، من رجال الدين الذين بيدهم أمر حبوس الآلهة.
ومن حق المؤجر، أي المالك إبطال العقد، إذا أخل المستأجر بشرط العقد أو أظهر كسلًا وتباطؤًا أو عدم مبالاة في استغلال الشيء المؤجر٤. ويعني هذا أن
стр. 4624
الاتفاق كان على دفع نصيب معين من الغلة أو من ثمرة العمل. وبما أن هذا النصيب متوقف على مقدار الجهد الذي يبذل في استغلال الملك المؤجر، بحيث إذا زاد، زاد نصيب المؤجر عن إيجار ملكه، وإذا قل، قل نصيبه أيضًا، ومن حيث أن من مصلحة المؤجر أن يزداد وارد "اثوبت" ملكه، لذلك صار من حقه إبطال العقد، إذا رأى تهاونًا في تطبيق ما جاء فيه.
وقد كان أهل الحجاز، يكرون أرضهم، يكرونها بالثلث والربع والطعام المسمى وبالذهب وبالورق. وكانوا يدفعون الأرض على من يزرعها ببذر من عنده على أن يكون لمالك الأرض ما ينبت على مسايل الماء ورؤوس الجداول أو هذه القطعة والباقي للعامل. وقد نهى رسول الله عن أكثر أنواع هذه الكراء، ذكر أنه قال: " من كانت له أرض فليزرعها، فإن لم يزرعها فليمنحها أخاه، فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها "١.
стр. 4625
بيوع زراعية:
وتضطر الظروف الاقتصادية المزارعين إلى بيع الثمار وخضر البقول قبل بدو صلاحها، وقد يفعلون ذلك تخلصًا من معاملات جني الثمر وحراسته من اللصوص، وحمله إلى الأسواق، وأمثال ذلك من معاملات تحتاج إلى مال وجهد. ويقال لذلك "المخاضرة". وقد عرفت بأنها بيع الثمار قبل بدو صلاحها، سميت بذلك؛ لأن المتبايعين تبايعًا شيئًا أخضر بينهما، مأخوذ من الخضرة، ويدخل في ذلك بيع الرطاب والبقول وأشباهها١ فكان صاحب الأشجار والمزرعة يبيع ثمار زرعه لغيره، فيبيع الثمار قبل أن تطعم، ويبيع الزرع قبل أن يشتد ويفرك منه. وقد نشأت عن هذا البيع خصومات ومنازعات بسبب وقوع عاهات في الحاصل، تفسد على المبتاع ربحه، فيطلب عندئذ من البائع استرجاع ما دفعه له كله أو بعضه، وتقع عندئذ الخصومات. وقد بقيت سنتهم على ذلك حتى مجيء الرسول إلى المدينة، فكانوا يأتونه للمقاضاة، فوقع النهي منه على هذا النوع من البيوع،