الأنصاب والأرض التي تحيط بها بدماء البدن١. ويظهر أن أهمية ذلك المكان الدينية كانت قد قلَّت بالتدريج؛ إذ غطت قدسية مكة عليه. ولما جاء الإسلام وأزال الأنصاب والأصنام, ذهبت كل أهمية لمحجة عكاظ, واختفت أهمية السوق معه حتى ماتت على نحو ما ذكرت.
ويتقدم سادات الناس في مثل هذه المناسبات إلى آلهتهم بإطعام الفقراء وإضافة الناس. وكان "خويلد بن فضيل بن عمرو بن كلاب" المعروف بـ"الصعق"؛ لأن صاعقة نزلت عليه فأحرقته، ممن يطعم بعكاظ, وكان من سادات قومه٢. ويترك هذا الكرم أثرًا في نفوس من يحضر السوق، ويكون سببًا للحصول على ثناء ومديح الشعراء لأولئك الكرماء.
والظاهر من روايات أهل الأخبار عن هذه الأسواق، أنها كانت كلها في الأصل مواضع مقدسة، لها أصنام تعبدها القبائل، وتأتي للتقرب إليها في مواسم معينة هي مواسم حجها، فتتحول تلك المواسم إلى أسواق للبيع والشراء. فقد ذكروا أن "بني وبرة" كانوا يفدون إلى "دومة الجندل" للتقرب إلى "ودّ"، وكان سدنته من "بني الفرافصة بن كلب"٣، وأن "بني عبد القيس" كانوا يتقربون إلى صنم لهم اسمه "ذو اللب" وكان بالمشقر، وسدنته "بنو عامر"٤.
ويجب ألا ننظر إلى هذه الأسواق نظرتنا إلى السوق بالمعنى المفهوم من اللفظة في الوقت الحاضر, فقد كانت أسواق الجاهلية أوسع مجالًا من ذلك بكثير. كانت مجامع لأهل اللسان من شعراء ومن خطباء، ومن مرموقين معروفين ومن مغمورين طلاب شهرة، قصدوا هذه الأسواق للحصول على اسم وسمعة، كما هو شأن سوق عكاظ. كما كانت مجتمعات تعقد فيها العقود والمعاهدات والاتفاقات القبلية والعائلية، ومواضع يعلن فيها عن التبني وعن الخلع، أي: خلع الأفراد،
стр. 4797
لجرائم يرتكبونها، وهي ساحات محاكم، يجلس فيها المتخاصمون للاستماع إلى قرار حاكم مهاب محترم، اتفقوا على تحكيمه في نزاعهم. وقد كانت الحكومة في هذه السوق إلى "بني تميم"، وكان آخر من حكم منهم فيها: الأقرع بن حابس التميمي١.
ويروي أهل الأخبار أن فرسان العرب كانوا إذا حضروا موسم عكاظ تقنعوا إلا "أبا سليط" "طرفة بن تميم"، فارس عمرو بن تميم في الجاهلية؛ فإنه كان لا يتقنع ولا يبالي أن تقع عيون الفرسان عليه, وذلك اعتمادًا على نفسه وازدراءً لشأن أعدائه ومن يريد إلحاق الأذى به٢. وقد كانت سوق عكاظ وبقية الأسواق، من أهم المواضع التي تجلب أنظار الفرسان إليها، إذ كان الكثير منهم يتصيدون فرص الأخذ بالثأر بعد انفضاض موسم السوق، أو الحصول على غنائم بمهاجمة التجار ومن يحمل تجارة دسمة أو حمولة ثمينة؛ ولهذا كان لا بد للفرسان ومن يريد الحصول على مغنم أو تنفيذ مأرب ما من التحفظ والاحتراز حذر انكشاف أمره، فيكون عرضة للغدر.
وإذا وقعت في هذه الأسواق خصومات في مثل اختلاف في سعر أو اختلاف في تجارة، فهناك حكَّام يلجأ المتخاصمون إليهم للنظر في خصوماتهم وللنظر في كل خصومات أخرى قد تقع على الحاضرين, فيقوم هؤلاء الحكام بفض ذلك النزاع. وقد اشتهر سادات بني تميم بالنظر في الخصومات التي تقع في الأسواق القريبة منهم أو التي تقع في ديارهم، وكان من أواخر حكامهم "الأقرع بن حابس"٣.
стр. 4798
سوق عكاظ في الإسلام:
كانت سوق عكاظ عامرة مقصودة في الجاهلية، "فلما جاء الإسلام هدم
стр. 4799
ذلك"١. وورد في كتب الحديث: "عن ابن عباس ﵄ قال: كانت عكاظ، ومجنة، وذو المجاز، أسواقًا في الجاهلية. فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها، فأنزل الله: "ليس عليكم جناح في مواسم الحج", قرأ ابن عباس كذا"٢. وورد في تفسير الطبري: "قال ابن عباس: كانت ذو المجاز وعكاظ متجر الناس في الجاهلية, فلما جاء الإسلام تركوا ذلك حتى نزلت: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج""٣. وورد: "كانوا يحجون ولا يتجرون، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ "٤. وتفسير ذلك كما جاء في كتب التفسير والحديث، وكما سبق أن تحدثت عن ذلك في الجزء الخاص بالحياة الدينية عند أهل الجاهلية، أن الجاهليين كانوا يتأثمون من الاتجار في الحج، فلا يحجون ولا يتجرون، وتكون تجارتهم في الأسواق المذكورة قبل الحج أو في مكة بعد الحج، وبقوا على ذلك حتى رفع عنهم الحرج بنزول الوحي: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ٥، فرخَّص لهم في المتجر والركوب والزاد، وأحل الله لهم الاتجار في الحج٦، فصاروا يتبايعون بمكة، فأثر ذلك على الأسواق المذكورة.
وكان تحديد مواقيت الحج, وانتشار الإسلام، ومنع التعرض والتحرش بالناس طيلة أيام السنة، في جملة العوامل التي قللت من أهمية تلك الأسواق، فلم يعد الحجاج في حاجة إلى الذهاب قوافلَ إليها؛ استغلالًا لحرمة الأشهر، بل صاروا يتجهون إلى المواقيت المعينة للحج رأسًا، فيتجرون بمكة ويعودون إلى ديارهم، فقلت بذلك أهمية تلك الأسواق حتى ماتت.
وسبب آخر, هو في نظري أهم من كل ما ذكرت, هو أن هجرة الرسول إلى يثرب، وانتصار الإسلام على مكة، ثم وفاته بيثرب، واتخاذ الخلفاء الثلاثة الأول إياها قاعدة لهم ولبيت مال المسلمين، ثم خروج سادات مكة إليها في
стр. 4800
حياة الرسول، وانتقالهم إلى الأمصار المفتوحة لإدارتها سياسيًّا وعسكريًّا، أو للاشتغال بها بالزراعة والتجارة وبالأعمال الأخرى المربحة، كل هذه العوامل وأمثالها جعلت مكة في الدرجة الثانية بعد "يثرب"، حتى إن من بقي بالمدينة من الصحابة ولم يغادرها كما غادرها غيرهم إلى الأمصار المفتوحة، وجدوا أن من أدب الصحبة ملازمة قبر الرسول، والثوى بها في الحياة وفي الممات، ولم يقيموا بمكة إلا فترات؛ لحج أو لزيارة، فأثر ذلك على وضعها المالي، وأزال مكانها القديم في التجارة، فتغير بذلك كل شيء.
стр. 4801
الفصل الخامس بعد المئة: البيع والشراء
أنواع البيع
...
الفصل الخامس بعد المائة: البيع والشراء
أنواع البيع:
وقد تعرض أهل الأخبار لبعض أنواع البيع وطرقها التي كان يستعملها الجاهليون، وهي لا تختلف في طبيعتها عن طبيعة ما يسمى بـ"الحظ والنصيب" في العهد الحاضر. ونظرًا إلى ما قد كانت تسببه هذه الأنواع من خصومات ومنازعات بين المشتري وبين البائع، من بيعهم شيئًا مجهولًا غير معلوم، وإلى ما في كثير من هذه البيوع من غرر، نهى الإسلام عنها، وجاء ذكرها لذلك في كتب الحديث والفقه.
والبيع والشراء، إما أن يكونا بشروط يشترطها أحدهما أو كلاهما عند عقد الصفقة، ويتم التوافق والتعاقد عليها برضى البائع والمشتري، أي: الطرفين, وإما ألا يكونا بشروط. فإذا اشترط المشتري على البائع شرط حق إرجاع السلعة إليه إن وجد فيها شيئا مخالفا للوصف، ورضي البائع بذلك، فللمشتري حق إرجاع السلعة إليه في حدود معقولة، وقد يعين زمن ذلك الحق وهو ما يحدث في الغالب.
ومن جملة طرق البيع: "بيع الحصاة", وهو بيع ذكر أهل الأخبار أنه كان متبعًا في سوق "دومة الجندل" المنعقدة في أول يوم من شهر ربيع الأول, وقد ذكروا أن هذه المبايعة من بيوع الجاهلية التي أبطلها الإسلام. وتفسير ذلك أن يقول أحد المتبايعين للآخر: ارم هذه الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت فهو لك
стр. 4802
بدرهم، أو أن يبيع أحد المتبايعين من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة، أو أن يقبض على كف من حصى ويقول: لي بعدد ما خرج في القبضة من الشيء المبيع، أو يبيعه سلعة ويقبض على كف من الحصى ويقول: لي بكل حصاة درهم، أو أن يمسك أحدهما حصاة في يده، ويقول: أي وقت سقطت الحصاة وجب البيع، أو أن يتبايعا ويقول أحدهما: إذا نبذت إليك الحصاة فقد وجب البيع، أو أن يعترض القطيع من الغنم فيأخذ الحصاة ويقول: أي شاة أصابتها فهي لك بكذا١، أو هو أن يقول: بعتك من السلع ما تقع عليه حصاتك إذا رميت بها، أو بعتك من الأرض إلى حيث تنتهي حصاتك, أو أي ثوب من هذه وقعت الحصاة التي أرمي بها فهو لي بكذا، فيقول البائع: نعم, فيقع البيع لوجود شروط الإيجاب والقبول٢.
ومن طرق البيع: بيع الملامسة، والمراد بالملامسة: المس باليد، وأن يجعل عقد البيع لمس المبيع. وذكر أن بيع الملامسة: أن تشتري المتاع بأن تلمسه ولا تنظر إليه, وذلك كأن يقول: "لمستَ ثوبي أو لمستُ ثوبك أو إذا لمست المبيع، فقد وجب البيع بيننا بكذا وكذا، ويقال: هو أن يلمس المتاع من وراء الثوب ولا ينظر إليه، ثم يوقع البيع عليه", و"قيل: معناه: أن يجعل اللمسَ باليد قاطعًا للخيار"٣.
وقيل: هو أن يأتي البائع بثوب مطويّ، ثم يطلب من المشتري أن يلمسه، ثم يقول له: "بعتك إياه بثمن كذا, بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك", أو أن يقول له: "إذا لمست هذا الشيء, فهو بيع لك", فيكون اللمس نهاية خيار المشتري. وهو يحل بذلك محل النظر إلى الشيء الذي سيباع وتدقيقه وتمحيصه للوقوف على مقدار جودته أو بما فيه من عيوب. فهو بيع شرطه اللمس ولا خيار
стр. 4803
فيه١. ومن بيع الملامسة، أن يقول الرجل للرجل: أبيعك ثوبي بثوبك ولا ينظر واحد منهما إلى ثوب الآخر، ولكن يلمسه لمسًا٢.
واختلف الفقهاء في تفسير الملامسة على ثلاث صور: إحداها: أن يكتفي باللمس عن النظر ولا خيار له بعده؛ بأن يلمس ثوبًا لم يره ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه. الثانية: أن يجعل اللمس بيعًا، بأن يقول: إذا لمسته فقد بعتكه، اكتفاءً بلمسه عن الصيغة. الثالثة: أن يبيعه شيئًا على أنه متى لمسه لزم البيع وانقطع خيار المجلس وغيره, اكتفاءً بلمسه عن الإلزام بتفرق أو تخاير. وبطلان المبيع المستفاد من النهي؛ لعدم رؤية المبيع، واشتراط نفي الخيار في الأولى ونفي الصيغة في عقد البيع في الثانية، وشرط نفي الخيار في الثالثة٣.
ومن البيوع: بيع المنابذة, وهو أن يجعلا النبذ بيعًا. وهو أن تقول لصاحبك: انبذ إليَّ الثوب أو غيره من المتاع، أو أنبذه إليك، وقد وجب البيع بكذا وكذا, أو هو أن ترمي إليه بالثوب ويرمي إليك بمثله, وهو أن يجعلا النبذ بيعًا بغير صيغة، أو أن يجعلا النبذ قاطعًا للخيار, ويقال له: بيع الإلقاء٤. وقيل: هو أن تقول: إذا نبذت الحصاة إليك, فقد وجب البيع, أو أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه, وينبذ الآخر إليه ثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراضٍ, فيكون النبذ وحده هو البيع٥.
و"النجش": أن يبيع الإنسان بياعة, فتساومه بثمن كثير لينظر إليك ناظر
стр. 4804
فيقع فيها، وكذلك في الأشياء كلها. وقيل: النجش في البيع: أن يزيد الرجل ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها، ولكن ليسمعه غيره فيزيد بزيادته. وقيل: أن تمدح سلعة غيرك ليبيعها، أو أن تنفر الناس عن الشيء إلى غيره. والغاية من كل ذلك هو غش المشتري وجرّ النفع؛ لذلك نهي في الإسلام عنه. و"التناجش" في البيع المنهي عنه، هو التزايد في البيع وغيره١, وأن يقول الرجل للرجل: بيعٌ فيقول: نظر، أي: أنظرني حتى أشتري منك٢. والنجش في الشرع، أن يزيد في ثمن السلعة من غير رغبة ليوقع غيره فيها, فهو بيع غش وخداع٣.
ويقال للنجش: الفلح، قالوا: الفلح: النجش في البيع، وذلك أن يطمئن إليك، فيقول لك: بع لي عبدًا أو متاعًا أو اشتره لي، فتأتي التجار فتشتريه بالغلاء وتبيع بالوكس وتصيب من التاجر، وهو الفلاح. وذكر أنه زيادة المشتري ليزيد غيره فيغريه٤.
ومن طرق البيع أيضًا: البيع ناجزًا بناجز, أي: يدًا بيد٥. ومن بيوعهم قول أحدهم: بعتك هذا الثوب نقدًا بدينار ونسيئةً بدينارين، وقد ورد في الحديث: "لا يجوز شرطان في بيع"، أي: مثل هذا البيع٦.
والبيعُ مُزابنة، وهو بيع التمر في رءوس النخل بالتمر, وبيع الرطب في رءوس النخل بالتمر, أو بيع كل ثمر على شجرة بتمر كيلًا, أو بيع التمر على رءوس النخل بالذهب والفضة. وقد نهي عنه في الإسلام إلا إذا أنضج, ولا يباع منه إلا بالدرهم والدينار؛ وذلك لأنه بيع مجازفة، ولما يقع فيه من الغبن والجهالة٧. ورُوِيَ عن الإمام "مالك" أنه قال: المزابنة: كل جزاف لا يعرف كيله ولا عدده ولا وزنه, بِيعَ بمسمى من مكيل وموزون ومعدود, أو هي
стр. 4805
بيع معلوم بمجهول من جنسه أو بيع مجهول بمجهول من جنسه، أو هي بيع المغابنة في الجنس الذي لا يجوز فيه الغبن؛ لأن البيعين إذا وقفا فيه على الغبن، أراد المغبون أن يفسخ البيع، وأراد الغابن أن يمضيه، فتزابنا فتخاصما فتدافعا١, وتكون المزابنة في النخل غالبًا. وذكر أن سبب ورود النهي عن هذا البيع، هو أنه يؤدي إلى ربا الفضل، إذ الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة من حيث إنه لم يتحقق فيها المساواة المشروطة في الربوي بجنسه٢.
وكان هذا البيع معروفًا عندهم, وذلك أن يبيع رجل ثمر نخله بتمر كيلًا أو بغير كيل، أو أن يبيع كُرْمه بزبيب، فورد النهي عنه في الإسلام. وإنما نهى عن ذلك لجهل المبيع٣, واعتبر هذا البيع نوعًا من أنواع الربا٤.
ومن البيوع الجاهلية: المخاضرة، بيع الثمار خضرًا قبل أن يبدو صلاحها, ويدخل فيه بيع الرطاب والبقول وأشباهها على قول بعض. سمي مخاضرة؛ لأن المتبايعين تبايعا شيئًا أخضر بينهما، مأخوذ من الخضرة٥.
وقد نهي عن "المعاومة" في الإسلام, وهي بيع النخل معاومة, وأن تبيع زرع عامك بما يخرج من قابل, أو أن تبيع ثمر النخل أو الكرم أو الشجر سنتين أو ثلاثًا فما فوق٦, فهو بيع السنين. ولما فيه من غرر ومن بيع لمجهول، لم يصح هذا البيع في الإسلام٧.
و"الطني": شراء الشجر، أو بيع ثمر النخل خاصة٨. ونهي في الإسلام عن بيع صبرة التمر المجهولة القدر، أي: بيع المبيع بالكومة، ولا يعلم مكيلته بالكيل٩.
стр. 4806
ومن ذلك أيضًا البيع المعروف بـ"المجر"، وهو من بياعات الجاهلية. والمجر: بيع ما في بطون الحوامل من الإبل والغنم، وهو أن يباع الشيء بما في بطن الناقة، وأن يباع البعير أو غيره بما في بطن الناقة، ولا يقال لما في البطن مجرا إلا إذا ثقلت الحامل. فالمجر: اسم للحمل الذي في بطن الناقة، وحمل الذي في بطنها١.
ونهى الإسلام عن بيع "حبل الحبلة"، وهو بيع نتاج النتاج، وبيع الأجل، فكان الرجل في الجاهلية يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها، أو بيع حبل الكرم قبل أن يبلغ، ومنه بيع الملاقيح والمضامين. والملاقيح: ما في البطون من الأجنة, والمضامين: ما في أصلاب الفحول، وكانوا يبيعون الجنين في بطن الناقة وما يضربه الفحل في عام أو أعوام. وسبب النهي عنه أنه من بيوع الغرر، وهو بيع مجهول٢.
ومن بيوع أهل الجاهلية: "الغَدَوى"، وذلك أن تبيع الشاة بنتاج ما نزا به الكبش ذلك العام. وقيل: كل ما في بطون الحوامل، وقوم يجعلونه في الشاة خاصة. أو هو أن يباع البعير أو غيره بما يضرب الفحل، أو أن تباع الشاة بما نزا به الكبش, وكان الرجل منهم يشتري بالجمل أو العنز أو الدراهم ما في بطون الحوامل٣.
وأما بيع "الغذى" فهو كالسابق: أن يباع بنتاج ما نزا به الكبش, وقيل: بل يكون الغذى من الإبل والبقر والغنم٤. وأظن أن "الغدى" و"الغذى" شيء واحد, وقد أخطأ بعض النساخ في حرفي الدال أو الذال، فصارت الكلمة كلمتين.
وقد نهي في الحديث عن بيع الملاقيح والمضامين. رُوِيَ عن سعيد بن المسيب
стр. 4807
أنه قال: "لا ربا في الحيوان، وإنما نهي عن الحيوان عن ثلاث؛ عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة"، فالملاقيح: ما في ظهور الجمال، والمضامين: ما في بطون الإناث. وورد العكس، أي: الملاقيح: ما في بطون الإناث، والمضامين: ما في أصلاب الجمال, وكانوا يتبايعون أولاد الشاء في بطون الأمهات وأصلاب الآباء١.
و"الرجع": أن تباع الذكور ويشترى بثمنها الإناث, وقيل: بيع الإبل بعد الارتجاع منها. و"الرجعة: إبل تشتريها الأعراب ليست من نتاجهم, وليست عليها سماتهم", و"الراجعة: الناقة تُباع ويُشترى بثمنها مثلها", والرَّجِيعة: بعير ارتجعته، أي: اشتريته من أجلاب الناس، ليس هو من البلد الذي هو به. وكانوا يربحون من بيع الذكور وشراء الإناث بثمنها؛ لأن الإناث تلد، فيكثر عندهم المال. "قيل لقوم من العرب: بِمَ كثرت أموالكم؟ فقالوا: أوصانا أبونا بالنجع والرجع", فالنجع: طلب الكلأ، والرجع: أن تباع الذكور ويشترى بثمنها الإناث٢, وبذلك يكثرون أموالهم.
وتدخل في البيوعات الجاهلية بيع الرجل ما ليس عنده، وهو يتضمن نوعًا من الغرر، فإنه إذا باعه شيئًا معينًا وليس في ملكه, ثم مضى ليشتريه ويسلمه له كان مترددًا بين الحصول وعدمه، فكان غررًا يشبه القمار فنهى الإسلام عنه٣. وبيع المعدوم لا يدري يحصل أو لا يحصل ولا ثقة لبائعه بحصوله بل يكون المشتري منه على خطر، فإن البائع إذا باع ما ليس في ملكه ولا له قدرة على تسليمه ليذهب ويحصله ويسلمه إلى المشتري كان ذلك شبيهًا بالقمار والمخاطرة من غير حاجة بهما إلى هذا العقد ولا تتوقف مصلحتهما عليه؛ لهذا منع الشارع بيعه، لا لكونه معدومًا بل لكونه غررًا٤.
وقد نهى الإسلام عن بيع الرجل على بيع أخيه وسومه على سومه, فورد أن الرسول نهى عن أن يستام الرجل على سوم أخيه٥. وكان أهل الجاهلية يستامون بعضهم على بعض بما في ذلك استيام الإخوة، فنهى عنه، لما قد يحدث هذا الاستيام من فرقة واختلاف بين الإخوة.
стр. 4808
ونهى الإسلام عن التلقي للركبان، أي: عن تلقي البيوع والسلع حتى تبلغ الأسواق. وقد ورد في الحديث: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقَّاه فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار"؛ وذلك لأن من تلقاهم يكذب في سعر البلد ويشتري بأقل من ثمن المثل وهو تغرير١. وقد نهي عن بيع الحاضر للبادي, وذلك بأن يكون له سمسار ليكسب منه، أو أن يطلب الحاضر من البادي أن يترك متاعه عنده حتى يبيعه بسعر أغلى؛ وذلك لما في هذا البيع من تغرير ومن ضرر يصيب الناس٢.
ونهى الإسلام عن بيوع أخرى من بيوع الجاهلية، منها بيع "الغرر"، ويراد به البيوع التي لا يحيط بكنهها المتبايعان، وهو بيع المخاطرة, وهو الجهل بالثمن أو المثمن أو سلامته أو أجله. ومن ذلك بيع العبد الآبق الذي لا يقدر على تسليمه والفرس الشارد والطير في الهواء وبيع السمك في الماء، وكبيع ضربة الغائص وما تحمل شجرته أو ناقته وما يرضى له به أو يهبه له أو يورثه إياه ونحو ذلك مما لا يعلم حصوله أو لا يقدر على تسليمه أو لا يعرف حقيقة مقداره، فهو بيع شيء مجهول٣. وقد كانت من البيوع الشائعة بين الجاهليين تفنّنًا في الغش، وفي الكسب من أي طريق كان.
وقد عرفوا بيعة الغائص، بأن يقول الغائص في البحر للتاجر: أغوص غوصةً، فما أخرجت فهو لك بكذا، فيتفقان على ذلك. وقد نهي عنه؛ لأنه غرر٤.
ومن البيوع الجاهلية: "الجس"، وهو بيع عُرف بسوق صنعاء. فإذا تعاقد شخصان على سلعة، ووافقا على البيع، جس أحدهما يد الآخر، علامةً على صحة البيع٥.
ومنها: "السرار", فإذا وجب البيع وعند التاجر إلف ممن يريد الشراء ولا يريده، أشركه في الربح٦.
стр. 4809
وهناك نوع من البيوع يقال له: "الجزاف"، وهو أخذ الشيء بالحدس, بلا كيل ولا وزن ولا عدد١.
وقد عرف "بيع المزايدة" عند الجاهليين كذلك٢. وهو أن يعرض ما يراد بيعه للبيع فيتزايد من يريد شراءه على ثمنه، حتى يقف على آخر من يقدم أكبر سعر له٣.
ومن البيوع بيع "العينة"، أن يشتري التاجر بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم ويقبضه ثم يبيعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى، ثم يبيعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن الذي اشتراها به، فهذه عينة, وسميت عينة لحصول النقد لطالب العينة. وذكر أن العينة، إذا باع التاجر من رجل سلعته بثمن معلوم إلى أجل معلوم، ثم اشتراها منه بأقل من ذلك الثمن الذي باعها به, وللفقهاء كلام في هذا البيع٤. وقد كانوا يربحون من "العينة"، قال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام, وكان من سادة قريش: "اغد غدًا إلى السوق، فخذ لي عينة"، فغدا ابنه فتعين من السوق عينة لأبيه, ثم باعها، فأقام أيامًا، ما يبيع في السوق طعاما ولا زيتا غير ابنه من تلك العينة, وربح منها ربحًا طيبًا٥.
وقد كان في جملة البيوع التي نهى عنها الرسول، بيع حاضر لبادٍ، والبادي هو الذي يكون في البادية، مسكنه المضارب والخيام، والحاضر ساكن الحضر، وصورة البيع للبادي أن يقدم غريب من البادية بمتاع ليبيعه بسعر يومه، فيقول له بلدي: اتركه عندي؛ لأبيعه لك على التدريج بأغلى منه, أو أن تشتري السلع من الأعراب الوافدين على القرى وهم في طريقهم إلى السوق وأماكن البيع بأثمان بخسة، ثم عرضها في السوق وإغلاء أثمانها فيها، أو تشرى السلع منهم وهي في السوق, وعرضها مرة أخرى للبيع؛ لكسب الفرق بين السعرين. وقد نهى الإسلام عن هذا البيع؛ لما فيه من احتكار وإضرار بالمصلحة العامة، ليكتسب
стр. 4810
بذلك نفر محدود من الناس. وللفقهاء في هذا لبيع كلام وآراء١.
وقد كان الناس يلجئون إلى أساليب غير حميدة من أساليب التلاعب بالأسعار, وغش المشترين والتحايل بالبيع، كأن يأتي البائع بجماعة من أصحابه يتظاهرون بالشراء وبالتكالب على السلعة لرفع السعر، حتى يدفع الحاضرين على رفع السعر، فيرسو البيع عليهم, وبذلك يغش البائع المشتري. وهو بيع نهي عنه في الإسلام.
ومن البيوع التي تتضمن الغش والخداع بيع التصرية. وكان من عادة العرب إذا أرادوا بيع شاة أو ناقة تركوها أيامًا لا يحلبونها، فيبقى اللبن في ضرعها، فيكبر، فيعرضها البائع للبيع، ويظن المشتري أن كبر ضرعها ووجود اللبن بغزارة فيه، هو بسبب أن تلك الشاة أو الناقة حلوبة، فيشتريها، فيغش. ونظرًا إلى ما في هذا البيع من غش وخداع نهي عنه في الإسلام٢، وجعل خيار البيع ثلاثة أيام، فإن ردها رد معها صاعًا من تمر، وإن شاء أمسكها. ويقال لهذا البيع أيضًا: بيع المصراة٣.
وقد يشتري الشركاء سلعة رخيصة، ثم يتزايدون بينهم حتى يبلغوا غاية ثمنها، فيشتريها من يرسو الثمن عليه ويأخذها, ويقال لذلك: "التقاوي", ولم يرَ الإسلام بأسًا بذلك. وفي حديث ابن سيرين: لم يكن يرى بأسًا بالشركاء يتقاوون المتاع بينهم فينمو ويزيد٤.
ومن البيوع التي نهي عنها في الإسلام "الإعراب", أن يقول الرجل للرجل: إن لم آخذ هذا البيع بكذا، فلك كذا وكذا من مالي٥.
стр. 4811
الخلابة:
ومن البيوع الفاسدة الخلابة. وتقوم على المخادعة، والخلابة: المخادعة. وفي الحديث: "إن بيع المحفلات خلابة، ولا تحل خلابة مسلم", والمحفلات: التي جمع لبنها في ضرعها. وفي حديث النبي، أنه قال لرجل كان يخدع في بيعه: "إذا بايعتَ، فقل: لا خلابة", أي: لا خداع١؛ وذلك لأن بعض الباعة كانوا يخادعون المشتري في بيوعهم.
ومن بيوع أهل الجاهلية: بيع المواصفة، وهو أن تواصف الرجل بالسلعة ليست عندك. وقد أبطل هذا البيع بعض الفقهاء، وأجازه بعض آخر، إذا وافقت السلعة الصفة٢.
وقد يتفق في السلعة الرهط، فلا يجدون بدًّا من أن يشتركوا وهم كارهون. وربما اتفقوا فألقوا الحجارة جميعًا إذا كانوا عددا على أمر بينهم فوكسوا صاحب السلعة إذا طابقوا عليه٣.
ومن بيوع أهل الجاهلية بيعهم الذهب بالذهب, والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح, وقد نهي عنه في الإسلام، إلا سواء بسواء، أي: إلا متساويين، ويدًا بيد. ويسمى هذا البيع "مراطلة" إن كان بالوزن، ومبادلة إن كان بالعدد٤. وأما بيع الذهب بالفضة، والفضة بالذهب، فقد أبيح ذلك في الإسلام كيف شاء المتبايعون، بتفاضل أو بتساوٍ، لأن بيع الذهب بالفضة والعكس يسمى "صرفًا" ويجوز فيه التفاضل، لكن يشترط فيه التقابض يدًا بيد٥.
ويظهر من منع الإسلام لبيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلا أن يكونا متساويين ويدًا بيد، أي: مقبوضين، أن أهل الجاهلية كانوا يبيعون الذهب بذهب
стр. 4812
يزيد عليه حين يؤديه في أجله المحدود، فاعتبر الإسلام ذلك علة من علل الربا، وعلته هنا الثمنية، ولو تبايع الناس بالجلود لنهى عن التفاضل فيها. والعلة في الأربعة الأخرى الادخار للقوت أو ما يصلح للقوت, وعلة الربا هي النقدية أو الطعم أو الاقتيات١.
ومن بيوع أهل الجاهلية بيع حق الانتفاع، مثل أن يبيع بائع لمشترٍ حق الانتفاع من ظهر دابة، بأن يستفيد من ركوب ظهر الدابة التي اشتراها، ولكن الدابة تكون مع ذلك لصاحبها. ومن ذلك اشتراط البائع على المشتري ظهر الدابة إلى مكان معين٢.
وقد كان الباعة الجاهليون يفعلون في أسواقهم ما يفعله باعة أيامنا من صخب في السوق ومن لغط ومن قسم على جودة السلع ورخص أسعارها، يريدون التأثير على المشترين وحملهم على الشراء. وقد لاحظ الرسول ما في هذا الصخب من ضرر، وما في هذا النوع من الدعاية للبضاعة من غش، فنهى عنه٣.
وقد لخصت بعض كتب الحديث والفقه البيوع, وعرفتها على النحو الآتي: البيع المطلق إن كان بيع العين بالثمن، والمقايضة إن كان عينًا بعين، والسلم إن كان بيع الدين بالعين، والصرف إن كان بيع الثمن بالثمن، والمرابحة إن كان بالثمن مع زيادة، والتولية إن لم يكن مع زيادة, والوضيعة إن كان بالنقصان، واللازم إن كان تامًّا، وغير اللازم إن كان بالخيار، والصحيح والباطل والمكروه٤.
والبيع نقدا، وهو خلاف النسيئة, وهو أن يشتري الرجل شيئًا، فيعطي البائع نقدًا معجلًا٥. أما بيع النسيئة، فهو البيع المؤخر، أي: الذي يدفع ثمنه مؤخرًا٦.
وقد اتخذ الإسلام قاعدة عامة في البيوع، هي: بطلان بيع المبيع الذي يقوم على بيع المجهول كمًّا وكيفية وقبل التأكد منه، أي: بيع المجهول؛ لما في ذلك
стр. 4813
من التغرير، أي: الخداع في البيع والغبن، ولما يقع من هذه البيوع من أضرار ولما تحدثه من خصومات ومجادلات ومن تلاعب في الأسعار ومن تأثير ذلك في الناس المنتفعين. فأبطل بيع المبيع قبل القبض، إذ كان الجاهليون يتبايعون بالذهب والطعام وهو مرجأ، يشترون الطعام من الركبان جزافًا، ثم يبيعونه في مكانه، للكسب، فنهى الرسول عن هذا النوع من البيع، حتى يؤووه إلى رحالهم ويحولوه، وفي رواية: ويكتالوه، وأمر الرسول بضرب من يبتاع الطعام جزافًا١، كما نهى عن معظم البيوع المذكورة واعتبرها باطلة، لا تعتبر عقدًا صحيحًا مشروعًا لمن عقده.
والبيوع المذكورة وإن كانت بيوعًا بنيت في الواقع على إيجاب وقبول في البيع وتراضٍ من الطرفين وبموافقة بحصول البيع من المتعاقدين: البائع والمشتري، غير أن هذه البيوع كانت تحدث منازعات أحيانا بين الطرفين، وتنتج ضررًا لذلك نهي عنها في الإسلام, وقيد بعضها بقيود حتى تحدّ من وقوع المخاصمات قدر الإمكان, ومن وقوع الغلط في السلعة، من حيث الجنس والنوع أو من حيث الصفة، ومن وقوع الغبن والتغرير.
стр. 4814
الحكرة:
الحكرة وتعرف أيضا بالاحتكار، ويراد بها: حبس الطعام ليتربص به الغلاء؛ وذلك للحصول على كسب زائد. وقد كان أهل المال من الجاهليين يقصدون الأسواق، فيشترون ما يرون فيه ربحًا في المستقبل من طعام أو ما شابه ذلك من مواد ضرورية، ثم يختزنونها ويبيعونها عند حلول الموسم أو وقوع مجاعة أو فرص مواتية بسعر مرتفع، غير مبالين بما في ذلك من ضرر ومن استغلال لأحوال الناس. وقد ورد النهي عن هذا البيع في الإسلام١.
ومن التجار المتمكنين من كان يشتري حمولة قافلة كاملة، ثم يحتكرها ليبيعها
стр. 4815
وقت الحاجة، أو يدخرها ويبيع منها على التفريق بغية الربح، فلا ينافسه على ربحها أحد١, ويجعل لما اشتراه السعر الذي يشاء.
ومن التجار من كان يتلقى "الركبان" ليشتروا ما معهم من طعام، وذلك قبل وصولهم السوق٢؛ فيتضرر بذلك تجار الأسواق والمستهلكون، أي: المشترون. ومن هذا القبيل، خروج الحضر لاستقبال البدو، أي: الأعراب الذين يقصدون الحواضر؛ لبيع ما عندهم من سلع، فكان أصحاب المال يستقبلونهم قبل وصولهم السوق، وقبل اتصالهم بالتجار ووقوفهم على السعر، فيشترون منهم ما يحملونه من سلع، لبيعها في السوق٣.
стр. 4816
شهود البيع:
وقد كان من الجاهليين من يشهد "شهودًا" على التبايع، أي: يجعل له شهودا يشهدون على صحة المعاملة، ومنهم من كان يكتب التبايع وشروطه بكتاب، حتى لا ينكل أحد المتبايعين عن البيع ويلحق الضرر بالطرف الآخر؛ إذ يكون الكتاب حجة وشاهدًا, وإلى ذلك أشير في القرآن الكريم: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ ١؛ وذلك منعًا لما قد يحدث من خلاف ونزاع بين المتكاتبين، فيرجع عندئذٍ إلى ما هو مكتوب ويعمل بموجبه.
стр. 4817
فسخ البيع:
والبيع عقد فيه إيجاب وقبول، فلا يجوز فسخه والتخلص منه من غير سبب مخل بعقد شرط البيع. أما إذا حصل تراضٍ على فسخ الصفقة فذلك مباح؛ لأنه قد حصل عن رضا وموافقة واختيار، دون إكراه ولا إجبار. ويعبر عن تفاسخ الصفقة بـ"تقايل البيع", يقال: تقايلا بعدما تبايعا أي: تتاركا, وأقلته البيعَ إقالة: فسخه, وعاد المبيع إلى مالكه والثمن إلى المشتري، إذا كان قد ندم أحدهما أو كلاهما١.
стр. 4818
العربون:
و"العربون": ما عقد به البيع١, ويعبر عنه بـ"عربن" في المسند, وتقابل هذه اللفظة لفظة "العربان" في عربية القرآن الكريم٢. وهو ما يقدمه المشتري للبائع لعقد البيع، إذا كان البيع نسيئة، حتى يسلم تمام الذي اتفق عليه. ولهذا لا يكون عربونا إذا تم البيع يدا بيد، أي: إذا دفع الثمن كاملا في مجلس البيع، وتم البيع والاستلام، إذ لا حاجة عندئذ إليه؛ لأن العربون وديعة تقدم للائتمان، لتكون وثيقة للبيع، ولقبول المشتري السلعة، فلا يحق له النكول عن البيع وإلا خسر عربونه، وليكون ضمانًا للبائع على البيع، فإذا نكل المشتري وامتنع عن الشراء خسر عربونه، وصار حقه للبائع بدل النكول. ولهذا يكون العربون في الغالب مبلغًا يرضي البائع، أي: متناسبًا مع قيمة البيع٣.
وكما يكون "العربون" في البيع يكون في الإجارة، وفي العمل. وذلك أن يقدم الرجل رب العمل أو المال إلى الصانع أو التاجر ليرتبط العقد بينهما حتى يتوافيا بعد ذلك٤. فإذا أخلف رب العمل أو المال في وعده وخاس في عهده، صار العربون من حق الصانع أو التاجر.
ويعبر عن العربون بلفظة "ودعت" في المسند, ويراد بها الوديعة٥, والوديعة في عربيتنا: ما استودع. يقال: استودعه مالًا وأودعه إياه: دفعه إليه ليكون عنده وديعة٦. فالوديعة في هذه العربية قد تؤدي معنى العربون، وقد تؤدي معنى الرهن والرهينة، وقد تؤدي معنى الاستيداع مطلقًا، أي: إيداع شيء عند شخص
стр. 4819
وحفظه لديه. وأنا لا أستبعد أن يكون هذا المعنى هو معناها في لغة المسند أيضا.
ويقال للعربون: الأربون كذلك, وهو ما عقد به المبايعة، أو البيعة من الثمن. وفي الحديث: أنه نهى عن بيع العربان، وهو أن يشتري السلعة ويدفع إلى صاحبها شيئًا، على أنه إن أمضى البيع حسب من الثمن، وإن لم يمضِ البيع كان لصاحب السلعة، ولم يرتجعه المشتري. وذكر هو القليل من الثمن أو الأجرة يقدمه الرجل إلى الصانع أو التاجر ليرتبط العقد بينهما حتى يتوافيا بعد ذلك, فكما أنه يكون في البيع يكون في الإجارة. وللعلماء الفقهاء آراء في جواز أو عدم جواز البيع بالعربون١.
و"الكُلأة": النسيئة والعربون، أي: السلفة. وفي الحديث نهي عن الكالئ بالكالئ، يعني: النسيئة بالنسيئة٢.
و"المسكان" العربون كذلك. وجاء في الحديث النهي عن بيع المسكان، وهو أن يشتري شيئًا فيدفع إلى البائع مبلغًا على أنه إن تم البيع احتسب من الثمن، وإن لم يتم كان للبائع ولا يرتجع منه٣.
стр. 4820
الخيار في البيع:
والخيار في البيوع: طلب خير الأمرين: إما الإمضاء وإما البيع أو فسخه١. فقد يرى البائع أو المشتري في السلعة المشتراة رأيًا، لم يكن له حين عقد صفة البيع. وللفقهاء كلام عليه، وهو أنواع عندهم، منها خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار الرؤية وهو شراء ما لم يره على أنه بالخيار إذا رآه، وخيار العيب، وخيار تلقي الركبان، وخيار تفريق الصفقة وتفريقها بتعددها بالابتداء، وخيار العجز عن الثمن، وخيار فقد الوصف المشروط في المبيع، والخيار فيما رآه
стр. 4821
قبل العقد إذا تغير عن صفته، وغير ذلك١. وقد جعل بعضهم الخيار ثلاثة أضرب: خيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار النقيضة٢.
وقد يشترط في البيع ألا يضمن عهدته, ويقال لهذا النوع من البيع: "الملسى", و"الملسى" هي البيعة التي لا يتعلق بها تبعة ولا عهدة. يقال: أبيعك الملسى لا عهدة, أي: تتملس وتنفلت ولا ترجع إليَّ, ويقال في البيع ملسى لا عهدة، أي: قد انملس من الأمر لا له ولا عليه٣.
стр. 4822
صفات البيع:
وإذا تم عقد بيع بين بائع ومشترٍ، يضع أحدهما يده في يد الآخر، دلالة على قبول البيع وتمامه, ومن هنا قيل للتبايع: الصفق. وورد: تصافقوا، أي: تبايعوا١, وبذلك يتم البيع ويكون في عرفهم بيعًا صحيحًا.
وكانت عادتهم أنهم إذا تبايعوا تصافقوا بالأيدي، دلالة على عقد البيع وحصول الرضا به، ووقوع الإيجاب والقبول من البائع والمشتري، ومن هنا قيل للبيعة: صفقة، والصفقة تكون للبائع والمشتري٢. ومتى تم التصافق فلا يجوز لأحدهم النكول عن البيع؛ لأنه عقد عقدًا وأمضى أمرًا، وكان عليه أن يعمل رأيه قبل المصافقة، وإذا كانت البيعة على شيء مجهول، كأن تكون السلعة المباعة قد خبئت في خباء وبيعت مجهولة، ووافق المشتري على شرائها على تلك الحالة، ثم تبين أنها دون الثمن بكثير، فلا حق للمشتري برد البيع؛ لأنه حين شرائه تلك السلعة كان يعلم أنها مخبأة, وأنها تباع بيع الشيء المجهول. وقد رضي بالبيع بالمصافقة، فلا حق له إذن برفض السلعة.
стр. 4823
الدَّيْن:
وقد لعبت الديون دورًا خطيرًا في الحياة العامة في الجاهلية وفي الحياة الاقتصادية بصورة خاصة؛ لاضطرار التجار إلى التعامل بالدين، وكذلك الباعة والمشترون. وتلعب الحاجة الدور الأول في التداين، فلولاها لما استدان مدين.
وقد استدان أصحاب المال بعضهم من بعض أيضًا؛ لتمشية أمورهم المالية، ولتوسيع رأسمالهم بالدين، بتشغيله للحصول على ربح كبير منه. وذلك على نحو ما يفعل التجار في هذا اليوم من التداين من البنوك، لتشغيل ما يستقرضونه منها في أعمال تجارية, تأتي إليهم بأرباح تزيد كثيرًا على مقدار الفائدة التي ستدفع للبنوك.
وقد أشير إلى الدَّيْن في القرآن الكريم. ورد في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ ١, يعني: "يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله إذا تداينتم, يعني: إذا تبايعتم بدين أو اشتريتم به أو تعاطيتم أو أخذتم به إلى أجل مسمى, يقول: إلى وقت معلوم وقَّتموه بينكم. وقد يدخل في ذلك القرض والسلم في كل ما جاز السلم شرى أحل بيعه، يصير دينًا على بائع ما أسلم إليه فيه، ويحتمل بيع الحاضر الجائز بيعه من الأملاك بالأثمان المؤجلة. كل ذلك من الديون المؤجلة إلى أجل مسمى، إذا كانت آجالها معلومة بحد موقوف عليه. كان ابن عباس يقول: نزلت هذه الآية في السلم خاصة"٢.
و"السلم" الذي يشير "ابن عباس" إليه، هو "السلف", وأسلم وأسلف بمعنى واحد٣. والسلف: القرض الذي لا منفعة فيه للمقرض غير الأجر والشكر، وعلى المقترض رده كما أخذه٤.
والدين في تعريف العلماء ما له أجل، وما لا أجل له فقرض, وبينهما وبين
стр. 4824
السلم فروق عرفية١, والقرض: ما تعطيه من المال لتقضاه٢.
وقد كان من الصعب دفع الديون أو استحصالها؛ للأحوال الاقتصادية السيئة التي قد تحيط بالمدين, فإذا أخذ الرجل الدين أكله، فإذا أراد صاحب الدين حقه لواه به، أي: مطله, ومنه المثل: الأخذ سلجان, والقضاء ليان٣.
стр. 4825
المنحة:
والمنحة: العطيَّة. وقد تقع المنحة على الهبة مطلقًا، لا قرضًا ولا عارية، فتكون له, وقد تكون إعارة للاستفادة من منفعة، ثم تعاد. ومن هذا القبيل منحة الأرض؛ فقد تمنح هبة، فتكون لمن وهبت له، يستغل منفعتها، وله أن يبيعها متى شاء؛ لأنها هبة وهبت له، فصارت في حكم ملكه، وقد تستغل إعارة لأجل يتفق عليه، أو بغير أجل، يستردها صاحبها متى شاء وأحب. ومن المنح، منح الإبل؛ للاستفادة من وبرها وألبانها وولدها، والسفر عليها، وإكرائها للقوافل وللأشخاص. والمنحة المعارة مردودة, وقد ورد في الحديث: "المنحة مردودة، والعارية مؤداة"١. وورد أن المنحة عند العرب على معنيين: أحدهما أن يعطي الرجل صاحبه المال هبة أو صلة فتكون له, وأما لمنحة الأخرى، فأن يمنح الرجل أخاه ناقة أو شاة يحلبها زمانًا وأيامًا ثم يردها, وهو تأويل ما ورد في الحديث من قوله: "المنحة مردودة, والعارية مؤداة"٢.
стр. 4826
الفصل السادس بعد المئة: الشركة
مدخل
...
الفصل السادس بعد المائة: الشركة
والشركة في البيع معروفة عند الجاهليين، فقد كان الناس يشتركون في البيع, بالمساهمة بمال الشركة مناصفة أو على نصيب يعين أو بنسب يتفقون عليها، وبالمساهمة بمال يقدم من جهة وبعمل يقوم به الطرف الآخر وفق شروط يتفق عليها المشاركون بالنسبة إلى الربح أو إلى الخسارة. وقد كان من عادة أهل مكة مساهمة معظم أهلها في مال تجارتهم التي يرسلونها إلى اليمن وإلى بلاد الشام؛ ولهذا كانت القافلة التي يرسلونها تكون كبيرة ضخمة، يزيد عدد جمالها على الألف. ومعنى هذا أن المال الذي تحمله القافلة يكون كبيرًا غاليًا؛ وذلك لأن أكثر أهل مكة من الأغنياء والموسرين والمتوسطين قد ساهموا فيه.
ويقال للشريك "الجار", و"الجار": الشريك في العقار والشريك في التجارة١.
وقد يتكاتب الشركاء فيما بينهم، بأن يكتبوا ما اتفقوا عليه في صحيفة تحفظ نسخ منها عند الشركاء. وقد يتكاتبون، وإنما يرضون بالوفاء على ما اتفقوا عليه، معتمدين على إخلاصهم في النية وعزمهم على الوفاء بما اتفقوا عليه بكل أمانة وإخلاص. ونجد في كتب أهل الأخبار أمثلة على تشارك أشخاص للقيام بأعمال تجارية في مختلف أنحاء جزيرة العرب. فهي تبين أن الشركاء كانوا يقدمون من أموالهم كذا وكذا من المال للعمل شركة, فيخلطون المال المقدم من الشركاء
стр. 4827
حتى يصير شيئًا واحدًا، وبعد إخراج رأس المال بعد الحساب، والمؤن, والكلف يقسم الربح نصفين إن كانا شريكين، أو أكثر حسب عدد الشركاء ومقدار ما ساهم به كل واحد من الشركاء في رأس المال. وتوزع الخسائر، إن كانت هنالك خسائر على عدد المساهمين، وبنسب ما ساهم كل واحد من المساهمين في رأس المال١.
وقد ورد في الأخبار أن "نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم" كان في الجاهلية شريكًا "للعباس بن عبد المطلب"، وكانا شريكين متفاوضين في المال متحابين, ولما وقع في الأسر في "بدر"، فداه العباس. وقد كان غنيًّا، أسلم, وأعان رسول الله يوم بدر بثلاثة آلاف رمح٢. وكان "السائب بن أبي السائب صيفي بن عائذ" يشارك الرسول في تجارته، ويتاجران مع بلاد اليمن٣, وذكر أن "السائب بن عبد الله" المخزومي، كان هو شريك الرسول وصاحبه في الجاهلية٤. وورد أن "السائب بن الحارث بن صبرة" كان شريكًا للنبي بمكة٥. ويظهر أن اشتراك الثلاثة في الاسم، صير ثلاثتهم شركاء للرسول في تجارته، والصحيح أن واحدًا منهم كان شريكًا له.
وكان "مرداس بن أبي عامر" والد "العباس بن مرداس" الشاعر، شريكًا لحرب بن أمية والد أبي سفيان٦. وكان "العباس بن أنس" شريكًا لعبد المطلب٧.
وقد شارك "البرَّاء بن عازب" "زيد بن أرقم" بالصرف، وهو بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة. ثم راجعا رسول الله فيه، فقال لهما: "ما كان يدًا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فذروه"٨.
وقد تشارك أهل مكة فيما بينهم في تكوين الشركات، كما تشاركوا مع غيرهم
стр. 4828
في تكوين شركات، أسست لها فروعًا في المحال التي أقام فيها الشركاء الغرباء. فقد شاركوا بعض أهل اليمن، وجعلوا من مواضع شركائهم فروعًا لهم هناك، يبيعون ويشترون شراكة، ويقتسمون الأرباح والخسائر على حسب ما اتفقوا عليه. فشاركوا أهل الحيرة؛ كانوا يرسلون تجارتهم إليهم؛ لبيعها في أسواق الحيرة، ويرسل شركاؤهم من أهل الحيرة بضائعهم إلى مكة؛ لتصريفها بها، ثم يتحاسبون ويقسمون الأرباح أو الخسائر حسب ما اتفقوا عليه. وكان "كعب بن عدي" التنوخي الحيري، شريك "عمر" في التجارة؛ يتاجر معه في البز. وقد أسلم قبيل وفاة الرسول، وكان قد ذهب في وفد من أهل الحيرة إلى المدينة، فعرض الرسول عليهم الإسلام فأسلموا، فلما انصرفوا إلى الحيرة، جاءتهم أنباء وفاة الرسول، فارتاب أصحابه، وقالوا: لو كان نبيًّا لم يمت، وقال كعب: فقد مات الأنبياء قبله، وثبت على الإسلام, ثم خرج إلى المدينة ورأى "أبا بكر"، فلما بعث أبو بكر جيشًا إلى اليمامة ذهب معه، ثم أرسله "عمر" إلى "المقوقس" وقدم الإسكندرية سنة خمس عشرة رسولًا من "عمر" إلى المقوقس, وشهد فتح مصر.
وورد في رواية أخرى، أنه أسلم بعد وفاة الرسول، في خلافة "أبي بكر". وورد في رواية أخرى, أنه كان أحد وفد الحيرة إلى الرسول، وكان شريك النبي في الجاهلية١, وكان عقيدًا أي: حليفًا لعمر٢.
وقد أشرك أهل مكة سادات القبائل معهم في الاتجار؛ تأليفًا لقلوبهم، وحماية لتجارتهم ولقوافلهم من التعرض للسلب والنهب، وكانوا يعطونهم نصيبهم من الأرباح. وهو عمل حكيم جعل سادات القبائل يفدون إلى مكة، ويعقدون العقود مع تجارها للاتجار معهم, وبذلك توسعت تجارة مكة وزادت رءوس أموال قريش.
وقد كان أهل اليمن يتشاركون في الأرض، وهو أن يدفعها صاحبها إلى آخر بالنصف أو الثلث أو نحو ذلك, وقد أشير إلى هذا التشارك في نصوص المسند. وفي حديث معاذ: أنه أجاز بين أهل اليمن الشرك، أي: الاشتراك في الأرض٣.
стр. 4829
أنواع الشركات:
ويقسم الفقهاء الشركة في التجارة إلى شركة عنان وشركة مفاوضة، أو شركة عنان وشركة تفويض١. وجعلها بعضهم أنواعًا أربعة: شركة الأبدان كشركة الحمَّالين والجمَّالين وسائر المحترفة؛ ليكون كسبهما متساويًا أو متفاوتًا مع اتفاق الصنعة واختلافها، وشركة الوجوه، كأن يشترك وجيهان عند الناس ليبتاع كل منهما بمؤجل ويكون المبتاع لهما، فإذا باعا كان الفاضل عن الأثمان بينهما، وشركة المفاوضة، بأن يشترك اثنان, بأن يكون بينهما كسبهما بأموالهما وأبدانهما وعليهما ما يعرض من مغرم. وسميت مفاوضة من: تفاوضا في الحديث؛ شرعا فيه جميعًا، وشركة العنان. وكلها باطلة إلا شركة العنان؛ لخلو الثلاث الأولى من المال المشترك ولكثرة الغرر فيها, بخلاف الأخيرة فهي الصحيحة٢.
فأما "شركة العنان" أو "العنان" "شركة عنان"، فهي أن يخرج كل واحد من الشريكين دنانير أو دراهم مثل ما يخرج صاحبه ويخلطاها، ويأذن كل واحد منهما لصاحبه بأن يتجر فيه؛ فإن ربحا في المالين فبينهما، وإن وُضِعَا فعلى رأس مال كل واحد منهما. وسميت هذه الشركة شركة عنان لمعارضة كل واحد منهما صاحبه بمال مثل ماله, وعمله فيه مثل عمله بيعًا وشراءً. وقد أشير إلى هذه الشركة في شعر ينسب إلى النابغة الجعدي، حيث يقول:
وشاركنا قريشًا في تقاها ... وفي أحسابها شِرك العنان٣
وهناك شركة أخرى عرفت بـ"شركة المفاوضة" "فوضى"، وهي أن يشتركا في كل شيء في أيديهما أو يستفيداه من بَعْدُ، وقيل: هو أن يعارض الرجلُ الرجلَ عند الشراء فيقول له: أشركني معك، وذلك قبل أن يستوجب العتق. ورد: "الشركة شركتان: شركة العنان، وشركة المفاوضة"٤.
стр. 4830
وذكر أن شركة المفاوضة، وهي العامة في كل شيء, وشركة العنان في شيء واحد, يقال: شاركته شركة مفاوضة, وذلك أن يكون مالهما جميعًا من كل شيء يملكانه بينهما. وقيل: شركة المفاوضة أن يشتركا في كل شيء في أيديهما أو يستفيآنه من بعد, يقال: تفاوض الشريكان في المال إذا اشتركا فيه أجمع, والمفاوضة: المساواة. ويقال: متاعهم فوضى بينهم, إذا كانوا فيه شركاء, كما يقال أيضا: فوضى فضا. قال الشاعر:
طعامهم فوضى فضا في رحالهم ... ولا يحسنون السر إلا تناديا١
стр. 4831
المشاركة:
ويعبر عن "الشريك" بـ"الخليط", والخليط: المشارك في حقوق الملك, كالشرب والطريق ونحو ذلك. وقيل: الخليط والمخالط، لا يكون إلا في الشركة. وفي الحديث، أي حديث الشفعة: "الشريك أولى من الخليط، والخليط أولى من الجار", أراد بالشريك: المشارك في الشيوع، والخليط: المشارك في حقوق الملك. ومنه الحديث: "ما كاد من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية"١.
وقد أشير إلى "الخلطاء" في القرآن، ورد: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٢. والخلطاء: الشركاء الذين خلطوا أموالهم، وقد تغلب الخلطة في الماشية٣.
وقد أشار أهل الأخبار إلى أن تجار قريش صاروا بأجمعهم تجارًا خلطاء٤، جابوا البلاد وضربوا في الأرض إلى قيصر بالروم وإلى النجاشي بالحبشة وإلى المقوقس بمصر. فهم شركاء يكسبون عيشهم بالتجارة بعد أن حرموا من خيرات الأرض في واديهم القفر.
стр. 4832
والخلطاء: الشركاء الذين خلطوا أموالهم، وقد تغلب الخلطة في الماشية١, وذلك أن يتخالطوا في الماشية، فيقدم كل واحد عددًا من الماشية ترعى معًا، ويقال لذلك: "الخلاط". وقد أشير إليه في كتب الحديث٢. وذكر بعض العلماء أن الخليطين: الشريكان لم يقتسما الماشية وتراجعهما بالسوية. وقد يكون الخليطان الرجلين يتخالطان بماشيتهما وإن عرف كل واحد ماشيته، ولا يكونان خليطين حتى يريحا ويسرحا ويسقيا معًا، وتكون فحولهما مختلطة، وإن تفرقا في مراح أو سقي أو فحول فليسا خليطين، ولا يكونان خليطين حتى يحول عليهما حول من يوم اختلطا. وللفقهاء بحث في هذا الموضوع٣.
والتراجع بين الخليطين: أن يكون لأحدهما مثلًا أربعون بقرة وللآخر ثلاثون ومالهما مشترك، فيأخذ العامل عن الأربعين مسنة وعن الثلاثين تبيعًا، فيرجع بأذل المسنة بثلاثة أسباعه على خليطه، وبأذل التبيع بأربعة أسباعه على خليطه؛ لأن كل واحد من السنين واجب على الشيوع، كأن المال ملك واحد٤.
والخلاطة شركة في الواقع، تختلف عن الشركة المعروفة في كونها شركة بالمال، وتلك شركة برأس المال, وكل واحد من الخليطين يتصرف بما عنده من مال، ثم يتراجعان عند الحساب؛ لإخراج ما فيه من ربح أو غرم، وبذلك تختلف الخلاطة عن الشركة٥.
стр. 4833
السفتجة:
وعرفت "السفتجة" بين الجاهليين, وهي كتاب صاحب المال لوكيله أن يدفع مالًا قراضًا يأمن به من خطر الطريق. وقيل: هو قرض استفاد به المقرض سقوط خطر الطريق، بأن يقرض ماله عند الخوف ليرد عليه في موضع أمن. أو أن يعطي رجل مالا لآخر، وللآخر مال في بلد المعطي، فيوفيه إياه فيستفيد
стр. 4834
أمن الطريق وفعله السفتجة، والجمع: السفاتج. وقد كان أهل الجاهلية يعطون مالًا لشخص محتاج إليه، على أن يوفيه في بلده لوكيل صاحب المال أو لمن يثق به، في مقابل نفع يعين، أو قرض لا نفع له. وقد نهى النبي عن قرض يجرُّ نفعًا١.
стр. 4835
الوكالة:
وعرفت الوكالة عند الجاهليين. والوكيل: هو الذي يقوم بأمر الإنسان، سمي به؛ لأن موكله قد وكل إليه القيام بأمره، فهو موكول إليه الأمر١, وحكم الوكيل حكم الأصيل، والتاجر الوكيل في البيع والشراء وفي كل تعامل، هو بمنزلة التاجر الأصيل صاحب المال، وما يعقده من عقود يكون ملزمًا بحق التاجر الأصيل. وقد عرف العلماء الوكالة أنها تفويض شخص أمره إلى آخر فيما يقبل النيابة٢.
ولا يشترط في الوكالة, أن تكون وكالة تجارة، بل يجوز أن تكون وكالة في كل شيء، كأن تكون إشرافًا على أهل أو بيت لحمايته أثناء غياب صاحبه، كما تكون وكالة حراسة أموال والتصرف بها. فقد كاتب "عبدُ الرحمن بن عوف" "أميةَ بن خلف" أن يحفظه في صاغيته بمكة، وأن يحفظ "عبد الرحمن" صاغية "أمية" بالمدينة٣.
وكانوا يوكلون وكلاء عنهم في إجراء العقود والتوقيع على العهود، وعلى شروط السلم، إذا كانوا مخولين. ولما جاء وفد "هوازن" إلى رسول الله، يسأله المنَّة عليه برد أموالهم وسبيهم، سأل رسول الله من كان عنده من أصحابه من الناس من المقاتلين في أمر رد السبي، فتنازلوا عن حقهم فيه طيبةً لرسول الله، فقال رسول الله: "إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع لنا عرفاؤكم أمركم"، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا، وقد طيبوا وأذنوا لرسول الله أن يرد السبي إليهم؛ لتوكيل الناس لهم ذلك٤.