المشاركة:
ويعبر عن "الشريك" بـ"الخليط", والخليط: المشارك في حقوق الملك, كالشرب والطريق ونحو ذلك. وقيل: الخليط والمخالط، لا يكون إلا في الشركة. وفي الحديث، أي حديث الشفعة: "الشريك أولى من الخليط، والخليط أولى من الجار", أراد بالشريك: المشارك في الشيوع، والخليط: المشارك في حقوق الملك. ومنه الحديث: "ما كاد من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية"١.
وقد أشير إلى "الخلطاء" في القرآن، ورد: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ٢. والخلطاء: الشركاء الذين خلطوا أموالهم، وقد تغلب الخلطة في الماشية٣.
وقد أشار أهل الأخبار إلى أن تجار قريش صاروا بأجمعهم تجارًا خلطاء٤، جابوا البلاد وضربوا في الأرض إلى قيصر بالروم وإلى النجاشي بالحبشة وإلى المقوقس بمصر. فهم شركاء يكسبون عيشهم بالتجارة بعد أن حرموا من خيرات الأرض في واديهم القفر.
стр. 4832
والخلطاء: الشركاء الذين خلطوا أموالهم، وقد تغلب الخلطة في الماشية١, وذلك أن يتخالطوا في الماشية، فيقدم كل واحد عددًا من الماشية ترعى معًا، ويقال لذلك: "الخلاط". وقد أشير إليه في كتب الحديث٢. وذكر بعض العلماء أن الخليطين: الشريكان لم يقتسما الماشية وتراجعهما بالسوية. وقد يكون الخليطان الرجلين يتخالطان بماشيتهما وإن عرف كل واحد ماشيته، ولا يكونان خليطين حتى يريحا ويسرحا ويسقيا معًا، وتكون فحولهما مختلطة، وإن تفرقا في مراح أو سقي أو فحول فليسا خليطين، ولا يكونان خليطين حتى يحول عليهما حول من يوم اختلطا. وللفقهاء بحث في هذا الموضوع٣.
والتراجع بين الخليطين: أن يكون لأحدهما مثلًا أربعون بقرة وللآخر ثلاثون ومالهما مشترك، فيأخذ العامل عن الأربعين مسنة وعن الثلاثين تبيعًا، فيرجع بأذل المسنة بثلاثة أسباعه على خليطه، وبأذل التبيع بأربعة أسباعه على خليطه؛ لأن كل واحد من السنين واجب على الشيوع، كأن المال ملك واحد٤.
والخلاطة شركة في الواقع، تختلف عن الشركة المعروفة في كونها شركة بالمال، وتلك شركة برأس المال, وكل واحد من الخليطين يتصرف بما عنده من مال، ثم يتراجعان عند الحساب؛ لإخراج ما فيه من ربح أو غرم، وبذلك تختلف الخلاطة عن الشركة٥.
стр. 4833
السفتجة:
وعرفت "السفتجة" بين الجاهليين, وهي كتاب صاحب المال لوكيله أن يدفع مالًا قراضًا يأمن به من خطر الطريق. وقيل: هو قرض استفاد به المقرض سقوط خطر الطريق، بأن يقرض ماله عند الخوف ليرد عليه في موضع أمن. أو أن يعطي رجل مالا لآخر، وللآخر مال في بلد المعطي، فيوفيه إياه فيستفيد
стр. 4834
أمن الطريق وفعله السفتجة، والجمع: السفاتج. وقد كان أهل الجاهلية يعطون مالًا لشخص محتاج إليه، على أن يوفيه في بلده لوكيل صاحب المال أو لمن يثق به، في مقابل نفع يعين، أو قرض لا نفع له. وقد نهى النبي عن قرض يجرُّ نفعًا١.
стр. 4835
الوكالة:
وعرفت الوكالة عند الجاهليين. والوكيل: هو الذي يقوم بأمر الإنسان، سمي به؛ لأن موكله قد وكل إليه القيام بأمره، فهو موكول إليه الأمر١, وحكم الوكيل حكم الأصيل، والتاجر الوكيل في البيع والشراء وفي كل تعامل، هو بمنزلة التاجر الأصيل صاحب المال، وما يعقده من عقود يكون ملزمًا بحق التاجر الأصيل. وقد عرف العلماء الوكالة أنها تفويض شخص أمره إلى آخر فيما يقبل النيابة٢.
ولا يشترط في الوكالة, أن تكون وكالة تجارة، بل يجوز أن تكون وكالة في كل شيء، كأن تكون إشرافًا على أهل أو بيت لحمايته أثناء غياب صاحبه، كما تكون وكالة حراسة أموال والتصرف بها. فقد كاتب "عبدُ الرحمن بن عوف" "أميةَ بن خلف" أن يحفظه في صاغيته بمكة، وأن يحفظ "عبد الرحمن" صاغية "أمية" بالمدينة٣.
وكانوا يوكلون وكلاء عنهم في إجراء العقود والتوقيع على العهود، وعلى شروط السلم، إذا كانوا مخولين. ولما جاء وفد "هوازن" إلى رسول الله، يسأله المنَّة عليه برد أموالهم وسبيهم، سأل رسول الله من كان عنده من أصحابه من الناس من المقاتلين في أمر رد السبي، فتنازلوا عن حقهم فيه طيبةً لرسول الله، فقال رسول الله: "إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع لنا عرفاؤكم أمركم"، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا، وقد طيبوا وأذنوا لرسول الله أن يرد السبي إليهم؛ لتوكيل الناس لهم ذلك٤.
стр. 4836
السمسرة:
والسمسار: المتوسط بين البائع والمشتري لإمضاء البيع, وهو الذي يسميه الناس: الدلال، فإنه يدل المشتري على السلع ويدل البائع على الأثمان. واللفظة من الألفاظ المعربة، وقد ذكرت في شعر للأعشى:
فأصبحت لا أستطيع الكلام ... سوى أن أراجع سمسارها١
والسمسار: الرجل الحاذق المتبصر، وسمسار الأرض: العالم بها، والحاذق المتبصر بأمورها٢. وقد ذهب علماء اللغة إلى أنها لفظة عُرِّبت عن الفارسية، وذهب بعض الباحثين إلى أنها من أصل إرمي٣.
والسمسار الذي يبيع البُرَّ للناس. وفي حديث "قيس بن أبي عروة": "كنا قومًا نسمى السماسرة بالمدينة في عهد رسول الله ﷺ فسمانا النبي ﷺ التجار"٤. والسمسرة: هو أن يتوكل الرجل من الحاضرة للبادية فيبيع لهم ما يجلبونه, قيل: القيم بالأمر الحافظ له٥. ويظهر أنهم كانوا يطلقون لفظة "السمسير" على الوكيل والقيم بالأمر الحافظ له في الأصل، ثم غلب استعمالها فيمن يدخل بين البائع والمشتري. كما استعملوها خاصة فيمن يدخل بين البائع البادي والمشتري الحاضر، أو عكسه٦.
ومن طريقتهم في السمسرة أن يقول صاحب السلعة للسمسار: بع هذا الثوب فما زاد على كذا وكذا فهو لك، فما زاد على ما اتفق عليه يكون أجرة سمسرة. أو أن يقول: بعه بكذا فما كان من ربح فهو لك٧, أو أن يترك السعر للسمسار، يبيعه حسب خبرته وقدرته على السوم، فإن باع الشيء دفع صاحب السلعة له
стр. 4837
أجر سمسرته. وقد يأخذها من المشتري, وقد يأخذها من صاحب السلعة ومن المشتري.
ولا تنحصر السمسرة بالبيع في السوق، ويحمل السمسار السلعة معه يعرضها على من يريد الشراء، فقد تكون السمسرة عن طريق بيع ملك ثابت، مثل دار أو أرض أو بئر، فيراجع السمسار من يرغب في الشراء في بيته أو في أي مكان آخر مناسب، فلا ينادي المتساومين المتنافسين لشراء الملك، وقد يقف عند الدار أو الأرض أو البئر، في يوم يعين ووقت يثبت، ثم ينادي على السعر فيزايد الراغبون في الشراء السعر، حتى يقف على أعلى المتزايدين. ويدخل في هذه المزايدات بيع الحيوان, من نعم وماشية وغير ذلك.
ومن السماسرة من كان يربح ربحًا حسنًا، ولا سيما أولئك الذين كانوا يرعون أمور "الركبان" من الأعراب، ويبيعون لهم على الأمانة والتصريف, ويكونون لهم وكلاء، إذ كانوا يبخسون الأعراب حقهم ويتناولون منهم أكثر مما يجب أخذه عن أتعابهم؛ لجهلهم بمعاملات السوق والبيع والشراء.
стр. 4838
الفصل السابع بعد المئة: المال
مدخل
...
الفصل السابع بعد المائة: المال
المال في اللغة: ما ملكته من كل شيء، وهو في الأصل: ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما يُقتنَى ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر أموالهم. وفي الحديث نُهي عن إضاعة المال، قيل: أراد به الحيوان١. ويشمل المال الصامت وهو العين٢, والورق وسائر المصوغ منها٣, والعرض ويشمل الأمتعة والبضائع والجواهر والمعادن والأخشاب وسائر الأشياء المصنوعة منها، والعقار من مسقف ومن مزروع مثل البساتين والكروم والمراعي والغياض والآجام وما يحويه من العيون والحقوق في مياه الأنهار، والحيوان بأنواعه. ويدخل الرقيق أيضًا في أصناف المال بالنسبة إلى ذلك العهد؛ لأن له قيمة وثمنًا، وهو ثروة لصاحبه وملك، وهو بوجه عام كل ما تملكه مما له ثمن.
و"العين": الدينار والذهب عامة٤, و"الوَرِق": الدراهم المضروبة، وقيل: الفضة، كانت مضروبة أولًا٥. ويلاحظ أن الكلمتين تعبران عن الذهب
стр. 4839
والفضة، وعن الدنانير والدراهم, والدنانير من ذهب، والدراهم من فضة. ويعبر عن الذهب بلفظة "الصفراء" للونه١, وعبروا عن الفضة بـ"البيضاء" وبالأبيض لبياض الفضة، ومنه الحديث: "أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وهما الذهب والفضة"٢.
ويقال للمال: "النشب"، والنشب: المال والعقار، وأكثر ما يستعمل في الأشياء الثابتة التي لا براح بها كالدور والضياع. والمال أكثر ما يستعمل فيما ليس بثابت كالدراهم والدنانير، وربما أوقعوا المال على كل ما يملكه الإنسان، وربما خصصوه بالإبل، والعروض اسم للمال٣.
والذهب والفضة، هما مقياس الثراء عند الحضر, ويكون ذلك بحيازتهم سبائك من ذهب أو فضة، أو مصوغات، أو دنانير ودراهم. و"الثري": الكثير المال -والثروة: كثرة المال٤- وهو الذي يملك الذهب والفضة أو الأموال الأخرى. والغني: ذو الوفر، أي: المال الكثير٥.
وكان الذهب والفضة مقياسي الثراء عند الإنسان قبل أن تضرب النقود وتسكّ السكك، بل بقيا على ذلك حتى بعد ضرب النقود؛ بسبب ندرة الدنانير، وقلة الدراهم، وتفضيل البعض الذهب على الدينار والفضة على الدرهم؛ لهذا نجد أهل الجاهلية يتعاملون بالذهب والفضة وزنًا في تعيين الأسعار وفي شراء الحاجات وفي المهور مع وجود الدنانير والدراهم، بل بقي التعامل بهما في الإسلام أيضًا. ولما أرسل الرسول "شجاع بن وهب الأسدي" إلى "الحارث بن أبي شمر" الغساني، أمر له "الحارث" بمائة مثقال ذهب٦. وأجاز رسولُ الله "مسعودَ بن سعد" الجذامي رسول "فروة بن عمرو الجذامي" إليه، باثنتي عشرة أوقية ونشّ، وذلك خمسمائة درهم, وكان "فروة" عامل قيصر على "عمان" من أرض البلقاء, فأرسل "مسعودًا" إلى الرسول ليخبره بإسلامه، وأرسل معه هدية إلى الرسول٧.
стр. 4840
ونظرًا لوجود أناس كانوا يتلاعبون في نوعية الذهب والفضة، بغش المعدنينِ ومزج معادن خسيسة فيهما، فقد ظهر أناس تخصصوا بفحص الذهب والفضة وبتعيين درجتهما من حيث الجودة والنقاوة، وبتعيين سعر السبائك, وما يباع منهما وفقًا لذلك, ثم تخصص هؤلاء بدراسة النقود، وتعيين درجة نقاوتها وتثبيت وزنها؛ وذلك لوجود الغش فيها بالنسبة لذلك العهد. فإذا اشتروا نقدًا أو باعوه، أو صرفوه بنقد آخر، فحصوه فحصًا دقيقًا وتأكدوا منه قبل الشراء أو التصريف لكي لا يكون مغشوشًا, فصار هؤلاء هم صيارفة النقود، وخبراء السكة في ذلك العهد. وقد كان الصيارفة يجلسون أمام باب "الهيكل" في القدس، يبيعون ويشترون ويصرفون النقود, وقد أشير إليهم في "الأناجيل", ووبَّخهم "المسيح" وقلب موائد صيرفتهم١. وكانوا يصرفون الدنانير بالدراهم, والدراهم بنقود النحاس، والعملات الأجنبية بالعملة الرومانية الدارجة في فلسطين، تمامًا كما يفعل صيارفة هذا اليوم في بلاد الشرق الأدنى.
ويظهر من الأناجيل، أن أولئك الصيارفة كانوا يجلسون عند موائدهم التي يصرفون عليها النقود. أما كبارهم، أي: الأغنياء منهم من أصحاب المال، فقد كانوا يتعاملون بالقروض, يقرضون المال للمحتاج إليه, في مقابل دفع فوائد عنها هي الربا، وفي تشغيل أموالهم في مشاريع تعود عليهم بالأرباح٢.
وقد تاجر أهل الجاهلية في "الصرف"، وهو بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، أو أحدهما بالآخر. وقد أقر الرسول الصرف، إذا كان يدًا بيد، أي: متقابضين في المجلس، ونهى إذا كان نَساءً٣. والصيرفي، والصيرف، والصراف: صراف الدراهم ونقادها من المصارفة, وهو من التصرف على ما يذكره علماء اللغة٤. وقد جاءت لفظة "الصرف" والصيرفة في رأيي من "الصرف" أي: الفضة، فالصرف: الفضة في لغة العرب الجنوبيين. و"الصريف"٥: الفضة
стр. 4841
أيضًا في لغة القرآن الكريم، كما يذكر ذلك علماء اللغة. قال الشاعر:
بني غدانةَ حقًّا لَسْتُم ذهبًا ... ولا صريفًا, ولكن أنتم خزف١
وذلك أنهم كانوا يتعاملون بالفضة في الغالب؛ لكثرتها بالنسبة إلى الذهب، حتى غلب اسمها على هذا التعامل, فقيل: الصرف والصيرفة والصراف، وهو الذي يتعامل بالصرف, فصارت كلمة "الصرف" التي تعني الفضة مرادفة للنقود، كما صارت لفظة "الفلوس" التي هي جمع: "فلس" أصغر عملة من العملات وهي من النحاس، مرادفة للنقود. وفي العبرانية شبه لذلك, فالنقود، أي: العملة "Money" هي "Keseph" في العبرانية، و"Keseph" الفضة، وقد استعملها العبرانيون في معنى العملة؛ لأنهم كانوا يتعاملون بها في حياتهم اليومية، فكانت مشترياتهم وأجورهم ومعاملاتهم بالفضة وبالعملة المعمولة منها، حتى صارت في معنى النقود٢.
ومن تعامل الصيارفة، شراء الدنانير بالدراهم والدراهم بالدنانير؛ بأن يساوم رجلٌ رجلًا على بيع مائة دينار بدراهم، فيتراوض الطرفان على ذلك ويتساوما حتى يتفقا على عدد ما يدفع من الدراهم٣؛ وذلك لاختلاف نوع الدراهم وأوزانها وجودة فضتها, ويكون العكس، بأن يبيع شخص دراهم في مقابل دنانير. وقد يتبايعون على بيع الذهب بالذهب، مضروبًا كان أو غير مضروب، أو بيع الفضة بالفضة. وكانون يتلاعبون في تصريف النقود, ويتحكمون في أسعار صرفها؛ لاحتكارهم الصرافة في الأسواق، ويربحون خاصة من فروق تصريف العملة الأجنبية بالعملة الرائجة في السوق.
وقد عرف الصراف بالحيلة والخداع والغش في الصرف؛ ولهذا السبب لعنوا في الأناجيل، وقلب "المسيح" موائد صيرفتهم, و"الصيرفي": المحتال المتصرف في الأمور والمجرب لها كالصيرف. قال سويد بن أبي كاهل اليشكري:
ولسانًا صيرفيًّا صارمًا ... كحسام السيف ما مس قطع٤
стр. 4842
ولا زال الناس يومنا هذا يطلقون لفظة "صراف" على المحتال الذكي الذي يعرف كيف يتعامل مع الناس.
ومن مصطلحات الصيارفة المذكورة في كتب اللغة "الشوقل", يقال: شوقل الدينار: إذا عايره وصححه ووزنه، واستعملوا الشاقل أيضا في المعايير. ويظهر من مراجعة كتب اللغة، أن علماء اللغة لم يكونوا على علم واضح بأصل لفظة "شقل"، فاكتفوا بقولهم: شقل الدينار: وزنه١. وترد هذه اللفظة في الآرمية كذلك بمعنى الوزن، أي: وزن الدنانير والدراهم٢، وترد بهذا المعنى أيضا في العبرانية. وقد أخذ هذا الوزن من الأوزان البابلية، وقد كانت الأوزان البابلية أساسًا لجميع الأوزان التي استعملت في الشرق الأدنى، بل وفي أوروبا أيضًا, و"الشقل" "Shekel" هو جزء من ستين جزءًا من "المن" Manu""٣. فمن هذا الوزن ورد اصطلاح "شقل" و"شوقل" بمعنى وزن العملة بالميزان في لغات أهل الشرق الأدنى؛ لأنهم كانوا يصححون العملة ويعايرونها بوزنها بالميزان، لتظهر صحة وزنها، فيتبين به الزائف منها من الصحيح.
وقد برع قوم من "الصيارفة" بتنقاد الدراهم، أي: بتمييز الدراهم وإخراج الزائف منها. وقد برع في ذلك نفر من أهل مكة؛ لأنهم تجار يتعاملون في الأسواق ويتعاطون الربا والصيرفة وتبديل العملة.
وكان اليهود من الصيارفة، يتعاطون بيع الذهب والفضة وتبديل النقود والربا, وكان الأعراب يحفظون عندهم ودائعهم، ذهبًا وفضة ونقودًا, ذكر أن رجلًا من قريش استودع "عبد الله بن سلام" ألفًا ومائتي أوقية ذهبًا٤. وذكر علماء التفسير، أن من اليهود من كان يأكل الأمانات ويجحدها فلا يؤديها إلى أصحابها، إلا بالتهديد والقوة، وقد استحل أكل أموال العرب، ذلك أنهم قالوا: لا حرج علينا فيما أصبنا من أموال العرب ولا إثم؛ لأنهم على غير الحق وأنهم مشركون٥.
стр. 4843
وكان الصيارفة يعتبرون النقود الطيبة اللينة نقودًا صحيحة، والنقود الصلبة نقودًا زائفة، فالدرهم القسي هو درهم زائف؛ لذلك كانوا إذا قالوا: "درهم قسي"، عنوا بقولهم درهمًا زائفًا مغشوشًا، فضته صلبة رديئة ليست بلينة. وفي الحديث: "كانت زيوفًا وقسيانًا"١. قال مزرد:
وما زوَّدوني غير سحق عمامة ... وخَمْسِمِئٍ منها قسيّ وزائف٢
стр. 4844
رأس المال:
ورأس المال: أصله, يقال: أقرضني عشرة برءوسها، أي: قرضا لا ربح فيه إلا رأس المال١. وقد أشير إليه في القرآن الكريم في تحريم الربا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُون﴾ ٢. فأوجب الإسلام على المرابين الذين دخلوا فيه التوبة من الربا, وأن يأخذوا رءوس أموالهم التي أعطوها من غير زيادة عليها، مهما كان قدرها، فهذه الزيادة هي الربا٣.
وما يضعه التاجر من مال ليتاجر به، هو رأس ماله الذي يتاجر به. وما يتجمع من مال يقدمه المساهمون في تكوين شركة، هو رأس مال الشركة الذي تشتغل به ليأتي عليها بأرباح توزع على المساهمين، حسب نسب حصصهم في رأس المال، وما يقدم من مال قراضًا، فهو رأس مال، وكل مال يتخذ أساسًا لعمل هو رأس مال ذلك العمل.
стр. 4845
استثمار الأموال:
وقد أبدع أصحاب الأموال بمكة وأجادوا في تشغيل رءوس أموالهم وفي استثمارها،
--
стр. 4846
فزادت ونمت. شغلوها في التجارة، وشغلوها في أعمال نستطيع أن نسميها أعمالًا مصرفية بلغة هذا اليوم، مثل إعطائها للمحتاج إليها بفائض هو "الربا"، أو "مضاربة"، أو مسالفة، وشغلوها باستثمارها بمشاريع زراعية وصناعية وما شابه ذلك، مشاركة أو على ربح ثابت معين، أو مساهمة في الأرباح دون الخسائر. وكان بعض منهم قد ساهم في أعمال عديدة، واستثمر أمواله بها، فإذا خسر في عمل، عوض عن خسارته تلك بربح يأتيه من عمل آخر.
ولم يكتفِ تاجر مكة بالاتجار على حسابه، بل ساهم مع غيره من أهل مكة في تكوين رءوس أموال القوافل، بحيث صارت القوافل تجارة شركاء، أو شركة عامة يساهم فيها من يشاء من أصحاب المال. وساهم تاجرهم أيضًا بتوزيع أمواله على التجار الآخرين؛ ليشاركهم بذلك في أرباحهم، فكان "أبو سفيان" يتاجر بتجارته وعلى حسابه، يذهب بنفسه على رأس قافلته إلى العراق للاتجار بالحيرة، وكان من المساهمين في قوافل قريش كذلك، كما كان يقدم ماله للتجار؛ للاتجار به مع أموالهم، فيشاركهم بذلك في أرباحهم، ويأخذ منهم ما يقع له من نصيب في الأرباح. وكان "العباس" قد وزع مالًا من ماله على التجار لاستثماره، وكان للحجاج بن علاط السُّلمي مال متفرق في تجار أهل مكة١.
وكانوا يتعاملون مع غير تجار قريش كذلك، يقرضونهم المال ويستقرضون الأموال منهم، ويتاجرون على الأرباح والخسائر، ونجد في الأخبار أسماء رجال من الطائف أو من الحيرة أو من أهل اليمن، كانت لهم شراكة مع تجار من تجار مكة, خلطوا أموالهم مع أموال أولئك الغرباء عنهم, فهم "خلطاء"، أي: شركاء, و"الخليط": الشريك٢. فأهل مكة خلطاء فيما بينهم، وخلطاء مع غيرهم أيضا, يتاجرون بأموالهم ويتاجرون بأموال غيرهم كذلك, "وصاروا بأجمعهم تجارًا خلطاء"٣.
стр. 4847
الربا:
وفي جملة وسائل استثمار المال: الربا، وقد كان شائعًا بين أهل الجاهلية،
стр. 4848
كما كان شائعًا معروفًا بين غير العرب. وقد عرفه العلماء بأنه: "الزيادة على رأس المال"١ "وهو في الشرع: الزيادة على أصل المال من غير عقد تبايع"٢, والإرباء: الزيادة على الشيء، والزيادة: هي الربا٣. وكل قرض جر منفعة فهو ربا٤، ويقال له: "اللياط"، وهو الربا الذي كانوا يربونه في الجاهلية إلى أن يأخذوا رءوس أموالهم ويدعوا الفضل عليها٥.
وقد كان أهل الجاهلية يزيدون على الدين شيئا ويؤخرونه, كأن يحل دينك على رجل فتزيده في الأجل ويزيدك في الدين, وقد نهي عنه في الإسلام٦. وهو في الواقع ربا؛ لأنه استغلال ووجود منفعة بغير جهد, ويقال لذلك: المعاومة.
وقد اشتطَّ أهل المال في الاستفادة من المقترضين، فتقاضوا منهم الربا الفاحش، وألحفوا في زيادته، وتشددوا في المطالبة برأس المال ورباه، ولم يمهلوا معسرًا، ولم يتساهلوا في الأداء إلى وقت الميسرة، إلا إذا زادوا في الربا، وأخذوا ربا المال وربا الربا. وكان اليهود من أشهر المرابين في الحجاز، كما اشتهرت بذلك مكة والطائف ونجران، ومواضع المال الأخرى من جزيرة العرب. وكان من عادة هؤلاء أنهم كانوا يحتسبون الربا الذي يستحق في آخر السنة ولا يدفع للمرابي جزءًا من رأس المال، أي: من المبلغ المقترض، فيؤدي الربا للسنة التالية على أساس المبلغ المقترض مع رباه، وإذا أجل دفع ربا هذا المبلغ الجديد المكون من المبلغ الأصل ورباه، أضيف إليه فصار المبلغ المقترض ورباه ثم ربا المبلغين جزءًا من القرض، ويطلب من المدين دفع الربا على هذا الأساس.
والربا هو "نشك" "نشق" "Neshec" في العبرانية, وتعني اللفظة: الزيادة التي تؤخذ عن كل دين يعطى لمدين، سواء كان ذلك الدين نقودًا أو عينًا، بضاعة أو ملكًا، أو أي شيء آخر يستدان من مدين في مقابل زيادة تؤدى عليه عند
стр. 4849
استحقاق الأجل المعين, وقد أشير إليه في التوراة١. وعرفت الزيادة التي تؤخذ على المبلغ بـ"تربيث" أيضًا، أي: ربا, غير أن ربا "النشق"، استعمل في ربا المال، أي: الربا المأخوذ عن النقد من دنانير ودراهم، فهو في مقابل "ربا النسيئة" في الإسلام. وأما "التربيث" فهو الربا المأخوذ عن الطعام مثل: الحنطة والشعير والتمر وما شابه ذلك من طعام, وهو ما يقال له: "ربا الفضل" في الإسلام. وقد تطلق لفظة "نشق" على الربوين: ربا الدنانير والدراهم، وربا الفضل. وقد حرمت التوراة على اليهود تعاطي الربا فيما بينهم، وأحلته بالنسبة للغرباء؛ فجوزت لليهودي أخذه ممن لم يكن على دينهم, ولكنهم لم يتقيدوا بما جاء في التوراة من تحريم الربا عليهم، فتعاطوه فيما بينهم، لا سيما بعد عودتهم من السبي، وصار الربا من أهم المنافع بالنسبة لأرباب المال عندهم٢.
وقد كان الرومان واليونان قد كونوا "بنوكًا" أي: مصارف تعاملت بالمال، وتعاطت قرضه مقابل ربح هو رباه. وقد حدد بنسبة واحد في الشهر، و"١٢" في السنة، وذلك في مقابل الاعتماد "Creditum". وقد تعاطت المعابد أعمال الربا كذلك، ومن هذه معابد "بابل"٣.
وأصل "الربا" هو وجود حاجة لدى إنسان إلى مال، ووجود أناس ذوي مال يريدون استغلال أموالهم وتكثيرها، فيقرضونها إلى المحتاج إليها مقابل زيادة يتفق عليها, تدفع عن المال المقترض للأجل المتفق عليه. ويستغل المرابي في الغالب حاجة الشخص الذي يريد المال، فيشتط عليه ويتعسف في شروطه، ويضطر المدين إلى قبول ما تُملَى عليه من شروط لحاجته إلى المال، وإلى دفع الربح العالي الذي فرضه المرابي عليه. ومن الربا أنهم "كانوا يبيعون البيع إلى أجل، فإذا حل الأجل زادوا في الثمن على أن يؤخروا"٤.
стр. 4850
ويدخل في الربا, الربا في الطعام، وقد كان شائعًا بين أهل العمود والبوادي بصورة خاصة، إذ ليس عندهم دراهم ولا دنانير، فكانوا يأخذون الصاع الواحد مقابل صاع وزيادة، والزيادة رباه، حتى يكون قفزانًا كثيرة, فاستغل المرابون أهل الحاجة وضايقوهم بالطلب. ورد أن أحدهم في الجاهلية يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخر عنه, فهو ربا مثل الربا في النقد١. كما فعلوا ذلك في الدنانير والدراهم، فكان أحدهم يبيع الدينار بدينارين، والدرهم بدرهمين، وفي الذهب والفضة، فكانوا يعطون مثقالًا مقابل مثقالين أو أكثر أو أقل من المثقالين، فالزيادة هي الربا. ومعنى هذا أن الربا كان يعادل المبلغ المقترض، فالدرهم بدرهمين والدينار بدينارين، وهو ربا فاحش، استغل فيه المرابي حاجة المدين إلى المال؛ ولهذا نهي عنه في الإسلام بتحريم كل أنواع الربا في القرآن وفي الحديث, حيث ورد: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين, ولا الدرهم بالدرهمين"٢، و"الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما"٣.
أما رباهم بالذهب والفضة، فكانوا يأخذونه وزنًا فإذا أعادوه زادوا عليه وزن الربا المتفق عليه؛ ولهذا ورد في الحديث: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل, ولا تشفوا بعضها على بعض, ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز"٤. فمنع الرسول الزيادة، وجعل الربا قرضًا يعاد إلى صاحبه وزنًا بوزن، أي: متساويين في الوزن. كما منع الزيادة في البيع، فجعل الزيادة على ثمن البيع، الذي يدفع بأجل ربا؛ لأنه زيادة على المبلغ، واستغلال لحاجة المشتري، وهو بيع غرر.
وورد في الحديث أنهم كانوا يشترون الصاع بالصاعين أو أكثر، كأن يعرض أحدهم سلعة، فيبيعها بسلعة مثلها، ولكن بضعف وزنها أو أكثر، فقد اشترى غلام لمعمر بن عبد الله صاعًا وزيادة من شعير بصاع من قمح، فلما عاد بما اشتراه أمره سيده برده؛ لأنه سمع أن الرسول قال: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل". وورد أن بعضًا من الصحابة كانوا يشترون صاعًا من التمر الجيد بصاعين من الجمع،
стр. 4851
أي: من تمر مختلط من أنواع متفرقة وليس مرغوب فيه، وما يخلط إلا لرداءته. فلما سمع بذلك الرسول، قال: "لا تفعلوا ولكن مثلًا بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا" وكذا الميزان١.
وسبب هذا التوسع في هذا النوع من الربا، أن العرب كانوا أهل تجارة وأهل زراعة ورعي، ولم تكن العملة من دنانير ودراهم، منتشرة بين المزارعين وأهل البوادي، فكانت المقايضة تقوم عندهم مقام العملة. فمن احتاج إلى طعام، أخذ من بائعه أو مالكه أو مكتنزه كيلًا بكيل مثله لأجل معلوم, على أن يعطيه زيادة عليه، يتفق على مقدارها. فيأخذ قفيص تمر بقفيص ونصف أو قفيصين، أو أكثر من ذلك، على نحو ما اتفق عليه، يؤديه له من جنس التمر المسلف ومن جودته، فإذا حل الأجل، ورأى المستحق أن يؤخر دينه، على أن يزيد في المال فعل، وكلما أخره زاد في المال حتى يصير أضعافا مضاعفة، وذلك بسبب الحاجة والفقر. فهذا هو ربا مثل ربا الدنانير والدراهم، نشأ من الحاجة والظروف التي كان عليها أهل الجاهلية في ذلك العهد. ونجد هذا النوع من الربا عند غير العرب من الشعوب أيضًا، وهو ربا الفقراء والمحتاجين في الغالب، أما ربا الدراهم والدنانير فكان ربا التجار، ومن كان يريد تنمية ثروته وزيادة تجارته، فكان يقترض بالربا لهذه الغاية.
والربا المذكور هو الأصل، وأما ربا الدراهم والدنانير أي: ربا العملة، فمتأخر بالنسبة إليه؛ لأن الإنسان مارس التجارة قبل أن تكون لديه دراهم ودنانير، كانت تجارته مبادلة سلع بسلع، وذلك قبل ضرب العملة. فكان الربا ربا سلع ومواد عينية, يقدم المرابي طعامًا إلى تاجر آخر أو إلى محتاج، إلى أجل معين، على أن يزيده في الكمية عند حلول أجل الربا، وفقًا لما اتفق عليه، فإن أخره زاد في المال، وكلما أخره زاد في المال حتى يتضاعف أضعافًا مضاعفة، فهذه أصل الربا الأول. فلما أوجد الإنسان العملة وتعامل بها، وأقبل عليها، ظهرت تجارة جديدة أساسها التعامل بالعملة، وظهر بذلك ربا العملة، الذي غلب على الربا الأول، حتى صار وكأنه هو الربا وحده ولا ربا سواه.
ووجهة نظر المرابين إلى الربا، أنه نوع من أنواع البيوع، وأن الربا مثل
стр. 4852
البيع, ففيه إيجاب وقبول. ولما نزل الأمر بتحريمه عجب المرابون من التحريم، عجبوا كيف أحل البيع وحرم الربا، مع أن الاثنين في نظرهم واحد, وذلك كما يظهر من الآية: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ١, فنظموا البيع والربا في سلك واحد، لإفضائهما إلى الربح، فاستحلوه استحلاله. وكانت شبهتهم أنهم قالوا: لو اشترى الرجل ما لا يساوي إلا درهمًا بدرهمين جاز، فكيف إذا باع درهمًا بدرهمين؟ ٢. فكان التاجر والمرابي عندهم سواء بسواء، فكلاهما يعامل المشتري أو المدين معاملة كسب ونهب، والحصول منهما على أكثر ما يمكن الحصول عليه من ربح ومكسب, والإثراء بأية طريقة كانت. ولهذا عجبوا من تحريم الإسلام للربا، وهو كسب يأتي عن إيجاب وقبول، ومن تحليله للبيع، وهو كسب أيضًا، مبني على إيجاب وقبول.
وقد اشتهر اليهود بمعاطاة "الربا"، وقد أشير إلى ذلك في القرآن الكريم٣. كما عرف به أهل مكة والطائف ونجران وسائر من كان لديه فضل من المال وأراد استغلاله؛ وذلك للظروف الاقتصادية التي كانت سائدة في ذلك العهد, من عدم وجود صناعة يشغل أصحاب المال بها أموالهم، فيكثرونها باستغلالها بإنشاء صناعات أو توسيع حرف، ومن عدم وجود مياه غزيرة وأرضين خصبة تسقي سيحًا بصورة دائمة، حتى يشغل صاحب المال ماله في استغلال الأرض؛ ولهذا عمد أصحاب المال إلى تكثير أموالهم بطريق إقراضه والاستفادة من رباه.
وكان ربا الجاهلية أن الرجل منهم كان يكون له على الرجل مال إلى أجل، فإذا حل الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الذي عليه المال: أَخِّرْ عني دينك وأزيدك على مالك, فيفعلان ذلك, فذلك هو الربا أضعافًا مضاعفة. وروي عن "عطاء" أنه قال: "كانت ثقيف تداين في بني المغيرة في الجاهلية, فإذا حل الأجل قالوا: نزيدكم وتؤخرون"، فكان يكون أضعافا مضاعفة٤. وروي
стр. 4853
أيضا أن الذين كانوا يأكلون الربا من أهل الجاهلية، كان إذا حل مال أحدهم على غريمه يقول الغريم لغريم الحق: "زدني في الأجل وأزيدك في مالك"١. وذكر "أن ربا أهل الجاهلية: يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء, زاده وأخر عنه"٢. وذكر أيضًا أنهم "كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين, فيقول: لك كذا وكذا، وتؤخر عني، فيؤخر عنه"٣, أو أن يقول أحدهم لمدينه إذا حل الدين: إما أن تقضي وإما أن تربي٤. وذكر أن "الربا الذي كانت العرب تعرفه وتفعله إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرضه, على ما يتراضون به", و"أن ربا الجاهلية إنما كان قرضا مؤجلا بزيادة مشروطة، فكانت الزيادة بدلا من الأجل"٥.
وروي عن "ابن زيد" أنه كان يقول: إنما كان الربا في الجاهلية وفي التضعيف وفي السن, يكون للرجل فضل دين فيأتيه إذا حل الأجل، فيقول له: تقضيني أو تزيدني، فإن كان عنده شيء يقضيه قضى وإلا حوله إلى السن التي فوق ذلك. إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السنة الثانية، ثم حقة، ثم جذعة, ثم رباعيا, ثم هكذا إلى فوق. وفي العين يأتيه فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن يكن عنده أضعفه أيضًا، فتكون مائة فيجعلها إلى قابل مائتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمائة يضعفها له كل سنة أو يقضيه, فهذا قوله: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافًا مُضَاعَفَة﴾ ٦.
ومن أغراض الربا وأسبابه الحاجة, الحاجة إلى المال لسد دين أو عجز وللتغلب على فاقة أو ما شاكل ذلك من ضرورات، فيضطر المحتاج إلى اللجوء إلى المرابي ليستدين منه في مقابل زيادة يؤديها إليه عند حلول الأجل. وقد يأخذ المدين المال ليشتغل به فيربح منه، فيؤدي المال ورباه، ويستفيد من الربح الذي حصل عليه
стр. 4854
من تشغيله لذلك المال في تجارة أو في أعمال إنتاجية أخرى. ورد عن "إبراهيم النخعي" أنه قال: "كان هذا في الجاهلية، يعطي أحدهم ذا القرابة المال يكثر به ماله"١. وورد أنهم كانوا يعطون الرجل المال ليكثر به ماله، وذلك عن طريق تشغيله لذلك المال٢.
وقد قسم العلماء الربا إلى نوعين: ربا النسيئة وربا الفضل. أما الأول، فهو الذي كان يتعارفونه في الجاهلية, كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدرا معينا، ثم إذا حل الدين طالب الدائن المدين برأس المال، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل٣. "وفي الحديث: إنما الربا في النسيئة هي البيع إلى أجل معلوم"، يريد أن بيع الربويات بالتأخير من غير تقابض هو الربا، وإن كان بغير زيادة. وكان "ابن عباس" "يرى بيع الربويات متفاضلة مع التقابض جائزًا، وأن الربا مخصوص بالنسيئة"٤. وقد ورد في الحديث: "إنما الربا في النسيئة, وما كان يدًا بيد فلا بأس"٥.
وكان بيع النسيئة بيعًا معروفًا، ولما قدم الرسول المدينة كانوا يتبايعون بهذا البيع, فقال: "ما كان يدًا بيد فلا بأس به, وما كان نسيئة فهو ربا"٦. والنسيئة: التأخير إلى أجل هو الموسم، أو أي أجل يتفق عليه.
وقسم بعض الفقهاء الربا إلى ثلاثة أنواع: ربا الفضل، وهو البيع مع زيادة أحد العوضين على الآخر، وربا اليد، وهو البيع مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما، وربا النساء، وهو البيع لأجل, وكل منها في الإسلام حرام٧.
وعرفوا ربا الفضل، بأنه الربا الذي يباع فيه الشيء بضعفه، مثل أن يباع من الحنطة بمَنَوَيْنِ مثلًا٨، وأن يباع الدرهم بدرهمين. وقد خصص العلماء ربا
стр. 4855
الفضل في ستة أعيان، وهي: الذهب، والفضة، والبُرّ، والشعير، والتمر، والملح، فاتفق الناس على تحريم التفاضل فيها مع اتحاد الجنس، وتنازعوا فيما عداها١. وقد منع هذا الربا في الإسلام, فإذا باع رجل رجلًا دينارًا بدينارين إلى أجل، أو درهمًا بدرهمين، أو كيلة حنطة بكيلتين أو أكثر كما كان يفعل أهل الجاهلية، فالزيادة هي ربا؛ ولذلك نهي عنه في الإسلام٢.
ولما نزل الأمر بتحريم الربا، وذلك في آخر ما نزل من الوحي، وقبل وفاة الرسول بتسع ليالٍ على بعض الروايات٣, صعب ذلك على الأغنياء الذين كانوا يعيشون على الربا ويقولون: إنما البيع مثل الربا٤. وذكر علماء التفسير أن الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٥، إنما نزلت في "العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة كانوا شريكين في الجاهلية، سلفا في الربا إلى أناس من ثقيف من بني عمرو, وهم بنو عمرو بن عمير. فجاء الإسلام، ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله ذروا ما بقي من فضل كان في الجاهلية من الربا"٦. وذكر أيضًا "أن نبي الله ﷺ قال في خطبته يوم الفتح: "ألا إن ربا الجاهلية موضوع كله, وأول ربا أبتدئ به ربا العباس بن عبد المطلب"٧.
ولما جاء وفد "ثقيف" إلى المدينة؛ لمفاوضة الرسول في أمر دخولهم في
стр. 4856
الإسلام، قال "عبد ياليل" وهو لسانهم الناطق باسمهم: "أرأيت الزنى! فإنا قوم عُزَّاب لا بد لنا منه، ولا يصبر أحدنا على العُزبة قال: "هو مما حرم الله"؛ قال: أرأيت الربا! قال: "الربا حرام! " قال: فإن أموالنا كلها ربا! قال: "لكم رءوس أموالكم", قال: أفرأيت الخمر! فإنها عصير أعنابنا ولا بد لنا منها! قال: "فإن الله حرمها! "١.
وكانت ثقيف قد صالحت النبي "على أن ما لهم من ربا على الناس وما كان للناس عليهم من ربا، فهو موضوع, فلما كان الفتح استعمل عتاب بن أسيد على مكة. وكانت بنو عمرو بن عمير بن عوف يأخذون الربا من بني المغيرة, وكانت بنو المغيرة يربون لهم في الجاهلية, فجاء الإسلام ولهم عليهم مال كثير. فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم، فأبى بنو المغيرة أن يعطوهم في الإسلام، ورفعوا ذلك إلى عتاب بن أسيد. فكتب عتاب إلى رسول الله ﷺ فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... ﴾ إلى: ﴿ ... وَلا تُظْلَمُونَ﴾ . فكتب بها رسول الله ﷺ إلى عتاب, وقال: "إن رضوا وإلا فآذنهم بحرب" ٢. وذكر أن "بني عمرو بن عوف"، الذين كانوا يأخذون الربا من "بني المغيرة"، هم: "مسعود وعبد ياليل وحبيب وربيعة بنو عمرو بن عمير. وهم كبار الملاكين والأثرياء في ثقيف"٣.
وأسقط النبي عن أهل نجران كل ربا كان عليهم في الجاهلية، إلا رءوس أموالهم فإنهم يردونها وأسقط عنهم كل دم كانوا يُطلَبون به٤.
وق كان إرغام ثقيف وغيرهم من الذين كانوا يتاجرون بالربا على ترك الربا، والاكتفاء بأخذ رءوس أموالهم إن كان لهم ربا في الجاهلية، خسارة كبيرة لهم، أرغموا عليها إرغامًا، لتحريم القرآن له, وإحلال "القرضة الحسنة" محله. والقرض الحسن، هو إقراض المال للمحتاج إليه من غير اشتراط زيادة عليه حين إعادته، أي: من غير ربا لذلك المال.
стр. 4857
واضطر من كان له فضل ربا من ربا الجاهلية وهو في الإسلام, على تركه والتنازل عنه, وعلى أخذ خالص ماله فقط الذي أقرضه للمدين من غير أي ربح. وفرض الإسلام على هؤلاء الدائنين أيضًا وجوب التساهل مع المدينين وتأجيل الدفع إن كان المدين في عسر وضيق حال, حتى يتحسن حاله فيتمكن من الدفع١.
وقد ذكر الفقهاء أن الربا ربوان: فالحرام كل قرض يؤخذ به أكثر منه أو تجرّ به منفعة فحرام، والذي ليس بحرام أن يهبه الإنسان يستدعي به ما هو أكثر أو يهدي الهدية ليهدى له ما هو أكثر منها٢. وقد دعا بعض العلماء الربا الأول بـ"ربا البيع", وقال عنه: إنه هو الربا المحرم٣.
وأول إشارة وردت في القرآن الكريم إلى الربا، هي الإشارة الواردة في سورة الروم: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ٤, وسورة الروم من السورة المكية. أما المواضع الأخرى التي أشير فيها إلى الربا ففي سورة البقرة٥, وسورة آل عمران٦, وسورة النساء٧، وهي من السور المدنية. ويظهر من دراسة هذه المواضع أن حرمة الربا إنما نزلت في المدينة، أما في مكة فلم يكن قد حرّم، وإنما حث الأغنياء على قرض المال للمحتاج إليه لوجه الله، مساعدة له، ويكون ثوابه عند الله.
وفي سورة "المزمل"، وهي من السور المكية وتعد السورة الثالثة في ترتيب سور القرآن: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ ٨، وفي سورة التغابن: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ٩.
стр. 4858
وهذه السورة هي من السور المكية كذلك, ولم يكن الربا قد حرم في هذا العهد كما ذكرت. فيكون الإسلام قد وضع مبدأ القرضة الحسنة، وهو القرض لله وفي سبيله، بغير زيادة، والتبرع في سبيل الله، في موضع الربا في ذلك الوقت. فلما نزل الأمر بتحريمه، جعلت القرضة الحسنة، من أعمال البر والتقرب إلى الله, وصار كل قرض يؤخذ عليه ربح ربًا محرمًا، يعاقب الله الإنسان يوم القيامة عليه, ولعن آكل الربا ومُؤكله وكاتبه وشاهديه١.
وقد ذكر علماء التفسير في تفسيرهم الآية: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ٢, أن هذا كان في الجاهلية يعطي أحدهم ذا القرابة المال يكثر به ماله, أو أن الرجل يقول للرجل: لأموِّلنك فيعطيه، فهذا لا يربو عند الله؛ لأنه يعطيه لغير الله ليثري ماله، أو أن الرجل يلزق بالرجل، فيخف له ويخدمه ويسافر معه، فيجعل له ربح بعض ماله ليجزيه، وإنما أعطاه التماس عونه ولم يرد وجه الله، أو هو ما يعطي الناس بينهم بعضهم بعضًا، يعطي الرجلُ الرجلَ العطية ليثيبه، يريد أن يعطي أكثر منها٣.
ويذكر العلماء أن رسول الله لما ظهر على مكة وضع يومئذٍ الربا كله، وحتَّم على المرابين أخذ رءوس أموالهم من غير زيادة عليها، وذكر بعض العلماء أن التحريم نزل في ربا "بني عمرو بن عمير بن عوف من ثقيف, وفي بني المغيرة من بني مخزوم"، أو "في العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان، وكانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجداد قال لهما صاحب التمر: لا يبقى لي ما يكفي عيالي إذا أنتما أخذتما حظكما كله، فهل لكما أن تأخذا النصف وأضعف لكما؟ ففعلا، فلما حل الأجل طلبا الزيادة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فنهاهما وأنزل الله تعالى هذه الآية فسمعا وأطاعا وأخذا رءوس أموالهما"٤. وقيل: "نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا, فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. فقال
стр. 4859
رسول الله ﷺ : "ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب" ١.
فنحن إذن أمام أفراد وأمام شركاء كانوا يتعاملون بالربا، أي: قرض المال في مقابل جر مغنم منه, وقد حصل هؤلاء المرابون على أموال طائلة منه. أضف إلى ذلك أنهم كانوا تجارًا، يسافرون إلى الخارج ويربحون من تجارتهم هذه ربحًا حسنًا.
ولضبط المدين الآخذ بالربا، كانوا يكتبون الدين ورباه في صحيفة، يكتب كاتبها اسمه فيها، ويكتب فيها اسم المدين وإقراره بدينه للدائن، وبمقدار الزيادة. والغالب أنهم كانوا لا يذكرون أصل الدين، بل يذكرون الرقم الذي يبلغه هذا المبلغ مع فائضه مضافا إليه، حتى يظهر الفائض وكأنه جزء من رأس المال. ويشهد على صحة العقد شاهدان؛ ولهذا لعن الرسول آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه٢.
وكان "أبو لهب" من أصحاب المال بمكة ومن المرابين, ذكر أنه كان قد لاط "العاصي بن هشام" بأربعة آلاف درهم، فلما وقعت معركة بدر استأجره بها على أن يجزئ عنه بعثه، فلم يخرج "أبو لهب" مع من خرج من رجال قريش. وكان "العاصي" قد أفلس، فلم يتمكن من دفع المبلغ ورباه، فتنازل "أبو لهب" عنه على أن يخرج إلى بدر في مكانه٣. وفي سورة "تبت" إشارة إلى أن "أبا لهب" كان ملَّاكًا ذا مال وقد كسب كثيرًا.
وقد كان أهل يثرب يقترضون المال والطعام من اليهود في مقابل ربا فاحش. فورد أن أنصاريًّا اقترض ثمانين دينارًا من يهودي، وقد أعطاه ربا بلغ خمسين في المائة من المبلغ لسنة واحدة٤. وقد وبخهم القرآن لأخذهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل٥.
стр. 4860
القراض:
وفي جملة وسائل تنمية المال وزيادته: القراض، وهو المضاربة في كلام أهل الحجاز، ويراد به تقديم مال إلى شخص يتجر به على ربح معين. وكان معروفًا بين أهل مكة، فكانوا يضاربون بأموالهم مساهمة منهم في الأرباح, ومنه حديث الزهري: "لا تصلح مقارضة من طُعمته الحرام". فكانوا يعطون المال مضاربة إلى شخص يتجر به، على جزء يأخذه من ربح المال١، وذلك كأن يعطي رب مال رجلًا مالًا يعمل فيه ويأذن له أن يشتري ما يشاء، وأن يبيع بالسعر الذي يشاء، ويدير هذا المال على يديه، وبعد إخراج رأس المال وما صرف على التجارة من أتعاب وأجور وضرائب، يوزع الربح نصفين، أو أثلاثًا: لرب المال الثلثان، وللعامل بحق عمله الثلث، أو حسب ما تعاقدا عليه٢. وقيل: القراض: أن يدفع إليه مالًا ليتجر به والربح بينهما على ما يشترطان, والوضيعة على المال٣.
وذكر أن المضاربة أن تعطي إنسانًا من مالك ما يتجر فيه على أن يكون الربح بينكما، أو يكون له سهم معلوم من الربح. والمضارب صاحب المال والذي يأخذ المال, كلاهما مضارب, ويقال للعامل: ضارب؛ لأنه هو الذي يضرب في الأرض. وجائز أن يكون كل واحد من رب المال ومن العامل يسمى مضاربًا؛ لأن كل واحد منهما يضارب صاحبه، وكذلك المقارض٤.
فنحن إذن أمام نوع من الاتجار بالمال، يقدم فيه صاحب المال مالا إلى شخص آخر ليعمل به رأس مال التجارة، على أن يكون الربح بينهما على نحو ما اتفقا عليه. وقد عرف بالقراض وبالمضاربة.
و"الوضيعة": الخسارة، وفي حديث "شريح" الوضيعة على المال والربح على ما اصطلحا عليه، يعني أن الخسارة من رأس المال٥؛ وذلك لاشتراط بعض الجاهليين أن القراض على جزء من الربح، على ألا يتحمل صاحب المال، أي: المقرض له, أية خسارة إذا خسرت التجارة, وعلى المقترض إرجاع المال كاملًا إلى المقرض.
стр. 4861
التسليف:
وفي جملة وسائل الاستفادة من المال: التسليف. وهو تسليف المال لمزارع أو لأصحاب الإبل والماشية في مقابل شيء يتفق عليه، يدفع بعد البيع أو الحصاد؛ يدفع نقودًا أو عينًا أو إبلًا أو ماشية أو أي شيء آخر يتفق عليه. والسلف: هو أن يعطي مالا في سلعة إلى أجل معلوم بزيادة في السعر الموجود عند السلف، وذلك منفعة للمسلف, وقيل: كل مال قدمته في ثمن سلعة مضمونة اشتريتها للصفقة، فهو سلم وسلف. والسلف: القرض الذي لا منفعة فيه للمقرض غير الأجر والشكر, وعلى المقترض رده كما أخذه١.
وذكر العلماء أن السلف في المعاملات له معنيان: أحدهما القرض الذي لا منفعة للمقرض فيه غير الأجر والشكر وعلى المقترض رده كما أخذه, والعرب تسمي القرض سلفًا. والمعنى الثاني في السلف، هو أن يُعطي مالا في سلعة إلى أجل معلوم بزيادة في السعر الموجود عند السلف، وذلك منفعة للمسلف٢.
ولما قدم النبي المدينة، وجدهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، أي: يعطون الثمن في الحال ويأخذون السلعة في المآل, فقال لهم: "من أسلف فلا يسلف إلا في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم"٣. ويظهر من ذلك أنهم كانوا يسلفون المزارع مالا، ويشترطون عليه أن يعطيهم في مقابل ذلك حاصلًا، أو يبيع زرعه عندهم أو بواسطتهم، وذلك على نحو ما يفعل المزارعون في هذا الوقت, فيكسب المسلف, ويربط المزارع به، بحيث يرغمه على أن يكون مرجعه الوحيد في بيع حاصله. فجوَّز الرسول السلف، على أن يكون بيعًا شرعيًّا صحيحًا: كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم.
و"القرض" الذي لا منفعة للمقرض فيه غير الأجر والشكر، هو ما يقال
стр. 4862
له "قرض حسن" في الإسلام، وهو ما تعطيه لتقضاه، أي: ما يعطي قرضًا، فيُعَاد إلى صاحبه١.
وقامت المعابد في العربية الجنوبية بتسليف المال للمحتاج إليه, ولا أعني بالمال النقود، بل كل شيء له ثمن وقيمة, وكانت تتقاضى فائضًا في مقابل الاستفادة منه. وقد كانت معظم معابد ذلك الوقت تقوم مقام "بنوك التسليف" في هذا اليوم, بتسليف الأموال إلى المحتاج لها؛ لما كان عندها من فائض يأتيها من أملاكها ومن حقوقها المفروضة على أتباعها، فتاجرت في الأسواق, وسلفت الفائض إلى المتسلفين.
ولهذه المعابد بيوت وضعت بها أموال المعبد، وهي خزائن المعابد، وبيوت المال عند المسلمين. وقد كانت في المعابد في الغالب؛ ليكون في وسع أصحاب النذور طرح نذورهم بها, أما الزروع والمواشي التي تكون من حقوق المعبد فتحفظ في المخازن المخصصة لهذه الغاية وفي "حرم" الآلهة المحماة باسمها لرعي ماشيتها. وقد تحدثت عن "الغبغب" الذي كان بمكة في الجزء السادس من هذا الكتاب، وقد كان خزانة للكعبة، وأشرت إلى وجود خزائن لبيوت الأرباب الأخرى. وسدنة الأصنام هم حفاظها وأمناؤها، ولا أستبعد احتمال قيام هؤلاء السدنة بالاتجار باسم المعابد، وبتسليف ما في خزائنها من مال إلى المحتاجين إليه.
وقد عرف الاستلاف من بيت المال في الإسلام. استلف منه بعض الخلفاء والعمال وكبار الرجال لحاجتهم إلى المال أو لتشغيله وللاستفادة منه تجارة أو لاستخدامه في مشاريع زراعية مثل إحياء موات، أو تحويل مجرى ماء إلى غير ذلك من سلف وقروض نص عليها أهل التواريخ والأخبار.
стр. 4863
الإفلاس:
والإفلاس ذهاب المال، وإذا لم يبقَ للتاجر مال١. فقد كان التاجر يصاب بخسارة فادحة، تتغلب على أرباحه وعلى ما عنده من مال، أو تتعرض أمواله
стр. 4864
للنهب، فلا يستطيع إعادة اعتباره، فلا يكون في وسعه دفع ما بذمته من قروض أو رأس مال إلى دائنيه، فيعلن عندئذ عدم تمكنه من دفع ما عليه، ويشهر إفلاسه, وهذا ما يقال له الإفلاس.
والمفلس مسئول عن وفاء ديونه, وعليه إرضاء خصومه بدفع ما بذمته لهم دفعًا كاملًا, أو حسب ما يتفق معهم عليه، أو تقسيطًا. ويكون الشركاء مسئولين عن إفلاسهم أيضًا، وعليهم تحمل المسئولية, كل حسب حصته في الشركة.
стр. 4865
الفصل الثامن بعد المئة: أصحاب المال
مدخل
...
الفصل الثامن بعد المائة: أصحاب المال
وصاحب المال عند أهل الجاهلية، من له تجارة وجمع منها مالًا، أو من له زرع ونخيل، جاء إليه بربح طيب، أو من له إبل، والإبل هي "المال" عند العرب" ومقياس ثراء الإنسان؛ لأنهم لا يعرفون مالًا غيرها، أو من له حرفة رائجة، وذلك بين أهل المدن والقرى، حيث يستطيع صاحبها الحصول منها على ربح طيب إذا عرف كيف يستغل مواهبه في اختيار حرفته, وفي تشغيل الأيدي العاملة لزيادة الإنتاج.
وقد أشار أهل الأخبار إلى رجال جاهليين ومخضرمين كان يملك كل واحد منهم عشرات الألوف من الدراهم، أي: النقود، عدا الإبل والمزارع والأملاك, من هؤلاء: "عبد الله بن جدعان". ويظهر أنه كان واسع الثراء، لم يبلغ أحد مبلغه في كثرة ماله بمكة، حتى ذكر أنه كان يأكل بصحاف من ذهب، ويشرب بآنية من فضة وبكئوس من البلور، وأنه كان قد امتلك قيانًا ليغنين له. وللجرادتين، وهما قينتان من قيانه، شهرة واسعة في كتب الأدب، تغنيان له ولمن يحضر مجلس شرابه ليلًا، وكان بيته دارًا للضيفان.
وكان استعمال الأغنياء لآنية من الفضة والذهب في أكلهم وشربهم معروفًا بمكة, وقد كان ذلك يترك أثرًا في نفوس الفقراء الذين لا يملكون قوتًا لهم؛ ولهذا السبب نُهِيَ عن استعمالها في الإسلام، ونُهِيَ أيضا عن استعمال ثياب الحرير. وقد كانت ثياب الحرير والملابس المقصبة بالذهب، وحلل الديباج من ألبسة
стр. 4866
الأغنياء، الذين كانوا يعتنون بملابسهم وينفقون في شرائها مالًا، وهي تستورد من الخارج؛ من اليمن ومن بلاد الشام والعراق.
ويفهم من القرآن الكريم أن بين الجاهليين من كان يكتنز الذهب والفضة، ولا يعطي مما جمعه للفقراء والمحوجين شيئًا. وقد بشر هؤلاء بعذاب أليم؛ لاكتنازهم المال وعدم إخراج شيء منه من حق مفروض عليهم، لينفق في موضعه ومكانه الذي وضعه الله له١, وأشار إلى أناس حبب إليهم جمع القناطير المقنطرة من الذهب والفضة٢. وكان أغنياؤهم يعيشون عيشة مترفة؛ يحتسون الماء بآنية من ذهب، حتى قيل لأحدهم: "حاسي الذهب" و"شارب الذهب"٣, ويستخدمون الأثاث الفاخر، والمذهبات وهي الأشياء المطلية بالذهب، والبرد المذهبة, والملابس المذهبة، والحلي المصوغة من الذهب، على حين يعيش بعضهم عيشة كفاف، وبعض منهم عيشة فقير معدم.
وقد عرف "عثمان بن عمرو بن كعب"، وهو من "بني تميم بن مرة" بـ"شارب الذهب"؛ لغناه وكثرة ماله، حتى كان يشرب بآنية من ذهب، وقد عد في أجواد قريش٤.
ويظهر من سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ ٥ أن "أبا لهب" كان رجلًا ثريًّا كسب مالًا وذرية ذكورًا. وهو عم من أعمام النبي، واسمه "عبد العزى"، وكان يرى نفسه لكثرة ماله وولده، أنه من رجال قريش وسادتهم، فلا يليق به اتباع ابن أخيه، وهو أصغر منه سنًّا وأقل منه مالًا. يقال: إنه قال للنبي: "ماذا أُعطَى يا محمد إن آمنت بك؟ قال: "كما يعطى المسلمون! " فقال: ما لي عليهم فضل! قال: "وأي شيء تبتغي؟ " قال: تبًّا لهذا من دين, تبًّا أن أكون أنا وهؤلاء سواء"٦.
وقد تحدثت عن "أبي سفيان" في مواضع من هذا الكتاب، وكان تاجرًا
стр. 4867
يجهِّز التجار بماله وأموال قريش إلى الشام وغيرها من أرض العجم، وكان يخرج أحيانا بنفسه١. وقد عهدت إليه قريش بقيادة قوافلها إلى الشام، وبسبب قيادته قافلتها إلى الشام وقعت معركة بدر. ويظهر أنه كان يدفع أمواله إلى كبار تجار قريش ممن كانوا يتاجرون مع الشام والعراق؛ للاتجار بها، فإذا عادوا يصيب من أرباحها.
ويتبين من خبر وقوع ابنه "عمرو" أسيرًا يوم بدر، ومن امتناعه من تخليصه من أسره بتقديم فدية عنه، ومن قوله لمن ألحَّ عليه بإفدائه: "أيجمع عليَّ دمي ومالي! قتلوا حنظلة وأفدي عمرًا، دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم"، أنه كان شحيحًا حمله شحه على تفضيل المال على ابنه, حتى حمله شحه هذا على مخالفة دين قريش، وعرفهم في عهدها ألا تعترض لأحد حاجا أو معتمرا إلا بخير. فلما جاء "سعد بن النعمان بن أكال"، وكان شيخًا مسلمًا كبيرًا, إلى مكة معتمرًا، عدا عليه "أبو سفيان", فحبسه بمكة بابنه "عمرو"، مما حمل الرسول على فك أسر ابنه بـ"سعد بن النعمان بن أكال"٢.
وكان يتاجر بالفضة وبالأدم، والأدم من تجارة قريش المهمة. ويظهر أنه كان يشتري الأدم من الطائف ومن اليمن، ثم ينقله إلى بلاد الشام, وقد أشير إلى أدم قريش، وهو أديم عرف في الأسواق بجودته وبنفاسته.
وكان "العباس بن عبد المطلب" من أثرياء قريش, كانت له ثروة واسعة من نقود ومن ذهب وفضة, وقد استغل ماله في التجارة وفي إقراضه بالربا. قيل عنه: إنه "كان ذا مال كثير متفرّق في قومه"٣, كان يقرضهم ويسلفهم ويشاركهم في تجارتهم. ولما انتهى إلى المدينة قال الرسول له: "يا عباس, افدِ نفسك, وابني أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، وحليفك عروة ابن عمرو بن جحدم, أخا بني الحارث بن فهر؛ فإنك ذو مال ". فقال: يا رسول الله؛ إني كنت مسلمًا، ولكن القوم استكرهوني، فقال: "الله أعلم بإسلامك، إن يكن ما تذكر حقًّا فالله يجزيك به, فأما ظاهر أمرك فقد كان
стр. 4868
علينا، فافدِ نفسك" -وكان رسول الله ﷺ قد أخذ منه عشرين أوقيةً من ذهب- فقال العباس: يا رسول الله، احسبها لي في فدائي، قال: "لا؛ ذاك شيء أعطاناه الله منك"، قال: فإنه ليس لي مال, قال: "فأين المال الذي وضعته بمكة حيث خرجت من عند أم الفضل بنت الحارث، ليس معكما أحد, ثم قلت لها: إن أصبت في سفري هذا, فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا، ولقثم كذا وكذا، ولعبيد الله كذا وكذا! " قال: والذي بعثك بالحق ما علم هذا أحد غيري وغيرها، وإني لأعلم أنك رسول الله، ففدى العباس نفسه وابني أخيه وحليفه"١, وكان ذلك عند وقوعه في الأسر ببدر٢.
وكانت أم العباس غنية على ما يظهر، ذكر أنه ضاع وهو صغير، فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت الحرير، فوجدته فكست البيت الحرير، فهي أول من كساه ذلك٣. وكان له مال في الطائف، فإذا كان الموسم جيء إليه بالزبيب لينتبذه للحجاج، فقد كان المتولي لأمر السقاية بمكة. وذكر أنه كان يملك "مكوكًا" مصوغًا من فضة مموهًا بالذهب, يشرب به٤.
وقد نجح بعضهم في الزراعة نجاحًا باهرًا، وأظهر مقدرة في إحياء الأرض الموات, ومن هؤلاء: "عبد الله بن عامر بن كريز". وكان صغيرا في أيام النبي، وولي "البصرة" في أيام "عثمان", وكان ابن خال "عثمان". وله "النباج" الذي يقال له: نباج ابن عامر، وله "الجحفة"، وله بستان ابن عامر بنخلة على ليلة من مكة، وله أرضوان أخرى، تمكن من معالجتها ومن إظهار الماء فيها، حتى جمع ثروة طائلة من الزراعة٥.
ونجح "عبد الله بن عمرو بن العاص" في الزراعة أيضًا، فقد كان له مال بالطائف على ثلاثة أميال من "وج"، هو كرم فاخر موصوف، "كان يعرش على ألف ألف خشبة شراء كل خشبة درهم", وقد كان يحصل منه على أكوام كبيرة من الزبيب٦.
стр. 4869
وعرف "آل مخزوم" بالثراء في الجاهلية وفي الإسلام. مرَّ "عثمان بن عفان" بمجلس لبني مخزوم، فسلم عليهم، ثم قال: "إنه ليعجبني ما أرى من جمالكم ونعمة الله عليكم". "وزعموا أن قومًا قعدوا يذكرون الأغنياء من قريش، فقال أحدهم: "المغيرة بن عبد الرحمن", فقال له القوم: "وهل لمغيرة من مال؟ " فقال الرجل: أليس له أربع بنات وأربع أخوات؟ وكان المغيرة يقول: لا أزوج كفؤًا إلا بألف دينار! فكان إذا خطب إليه الكفؤ، قال له: قد علمت قولي؟ فيقول له الخاطب: قد علمتُ وقد أحضرت المال, فيزوجه ويقبض المال منه؛ ثم يقول له: اختم عليه بخاتمك، فإذا أدخل زوجته، بعدما يجهزها بما يصلحها، ويخدمه خادمين، ويدخل بيتها نفقة سنة دفع إليها صداقها مختومًا بخاتم زوجها، ثم يقول لها: هذا مالك، وما جهزناك به صلة منا لكِ"١. وهي قصة مهما قيل فيها فإنها تشير إلى ثراء وغنى آل مخزوم.
وعكرمة بن أبي جهل من أغنياء قريش كذلك، ولما ندب "أبو بكر" الناس لغزو الروم، خرج معهم غازيًا، فبصر "أبو بكر" بخباء عظيم، حوله ترابط ثمانية أفراس ورماح وعدة ظاهرة، فجاء إليه، فإذا خباء "عكرمة"، فعرض أبو بكر عليه المعونة، فقال: "أنا غني عنها, معي ألفا دينار، فاصرف معونتك إلى غيري"٢.
وكان "الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس" من تجار مكة، وكان يخرج بتجارته إلى الخارج، فيذهب إلى الحيرة للاتجار بسوقها. ومر "الحكم" بحاتم الطائي فسأله الجوار في أرض طيء حتى يصل إلى "الحيرة", فأجاره ونحر له وأوصله إلى الحيرة.
ومن أغنياء الطائف "مسعود بن معتب الثقفي"، قيل: إنه كان له مال عظيم, وإنه أحد من قيل فيه: إنه المراد من الآية: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ . وكانت له مزارع بها أشجار كروم وفواكه، وله عبيد، وقصر ضخم٣.
ومن رجال الطائف الأغنياء "مسعود بن عمرو بن عمير الثقفي"، كان غنيًّا
стр. 4870
يرابي بماله, ولإخوته ربا عند "بني المغيرة بن عبد الله"، فلما أسلموا طالبوهم، فقالوا: ما نعطي الربا في الإسلام، واختصموا إلى "عتاب بن أسيد"، فكتب به إلى النبي، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١.
ولا توجد لدينا قوائم بمقدار ما كان يملكه الأغنياء في الجاهلية من مال، وأقصد بالمال هنا: النقود من دنانير ودراهم؛ لعدم وصول موارد مدونة فيها مثل هذه القوائم، إلا أن الموارد الإسلامية قد تطرقت إلى ذكر ما قدمه بعض من أسلم من النقود في سبيل الله، وبعض ما قدمه المشركون من أجل الدفاع عن مصالحهم، كما أشارت إلى أمور أخرى وردت فيها أعداد وأرقام، قد ترسم لنا صورة عن أموال بعض الأغنياء عند ظهور الإسلام. فقد ورد في كتب السير والتواريخ مثلًا أن الرسول استسلف من "عبد الله بن أبي ربيعة" أربعين ألف درهم، فأعطاه, واستقرض من "صفوان بن أمية" خمسين ألف درهم فأقرضه, واستقرض من "حويطب بن عبد العُزى" أربعين ألف درهم, فكانت ثلاثة ومائة ألف قسمها بين أهل الضعف، فأصاب الرجل خمسين درهمًا وأقل وأكثر، وبعث من ذلك إلى بني جذيمة٢.
وورد أن "المطلب بن أبي وداعة"، فدى أباه يوم بدر بأربعة آلاف درهم٣, وهو مبلغ يمكن أن يتحدث عما كان لدى آل "أبي وداعة" من مال.
واستعان الأغنياء بخزنة يخزنون لهم أموالهم، ويكتبون لهم حساباتهم، فكان لـ"طلحة بن عبيد الله" خازن يحفظ له ماله، ويشرف على أملاكه ونخله وزروعه٤, والخازن، هو الذي يحافظ على المال وخزنه، والخزانة مكان الخزن٥. وقد كانت الخزائن معروفة عند الجاهليين، وقد أشير إليها في مواضع من القرآن الكريم٦, وكان "بلال المؤذن" خازنًا لأبي بكر، ثم صار خازنًا للرسول،