← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

الأغنياء، الذين كانوا يعتنون بملابسهم وينفقون في شرائها مالًا، وهي تستورد من الخارج؛ من اليمن ومن بلاد الشام والعراق. ويفهم من القرآن الكريم أن بين الجاهليين من كان يكتنز الذهب والفضة، ولا يعطي مما جمعه للفقراء والمحوجين شيئًا. وقد بشر هؤلاء بعذاب أليم؛ لاكتنازهم المال وعدم إخراج شيء منه من حق مفروض عليهم، لينفق في موضعه ومكانه الذي وضعه الله له١, وأشار إلى أناس حبب إليهم جمع القناطير المقنطرة من الذهب والفضة٢. وكان أغنياؤهم يعيشون عيشة مترفة؛ يحتسون الماء بآنية من ذهب، حتى قيل لأحدهم: "حاسي الذهب" و"شارب الذهب"٣, ويستخدمون الأثاث الفاخر، والمذهبات وهي الأشياء المطلية بالذهب، والبرد المذهبة, والملابس المذهبة، والحلي المصوغة من الذهب، على حين يعيش بعضهم عيشة كفاف، وبعض منهم عيشة فقير معدم. وقد عرف "عثمان بن عمرو بن كعب"، وهو من "بني تميم بن مرة" بـ"شارب الذهب"؛ لغناه وكثرة ماله، حتى كان يشرب بآنية من ذهب، وقد عد في أجواد قريش٤. ويظهر من سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ ٥ أن "أبا لهب" كان رجلًا ثريًّا كسب مالًا وذرية ذكورًا. وهو عم من أعمام النبي، واسمه "عبد العزى"، وكان يرى نفسه لكثرة ماله وولده، أنه من رجال قريش وسادتهم، فلا يليق به اتباع ابن أخيه، وهو أصغر منه سنًّا وأقل منه مالًا. يقال: إنه قال للنبي: "ماذا أُعطَى يا محمد إن آمنت بك؟ قال: "كما يعطى المسلمون! " فقال: ما لي عليهم فضل! قال: "وأي شيء تبتغي؟ " قال: تبًّا لهذا من دين, تبًّا أن أكون أنا وهؤلاء سواء"٦. وقد تحدثت عن "أبي سفيان" في مواضع من هذا الكتاب، وكان تاجرًا

стр. 4867

يجهِّز التجار بماله وأموال قريش إلى الشام وغيرها من أرض العجم، وكان يخرج أحيانا بنفسه١. وقد عهدت إليه قريش بقيادة قوافلها إلى الشام، وبسبب قيادته قافلتها إلى الشام وقعت معركة بدر. ويظهر أنه كان يدفع أمواله إلى كبار تجار قريش ممن كانوا يتاجرون مع الشام والعراق؛ للاتجار بها، فإذا عادوا يصيب من أرباحها. ويتبين من خبر وقوع ابنه "عمرو" أسيرًا يوم بدر، ومن امتناعه من تخليصه من أسره بتقديم فدية عنه، ومن قوله لمن ألحَّ عليه بإفدائه: "أيجمع عليَّ دمي ومالي! قتلوا حنظلة وأفدي عمرًا، دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم"، أنه كان شحيحًا حمله شحه على تفضيل المال على ابنه, حتى حمله شحه هذا على مخالفة دين قريش، وعرفهم في عهدها ألا تعترض لأحد حاجا أو معتمرا إلا بخير. فلما جاء "سعد بن النعمان بن أكال"، وكان شيخًا مسلمًا كبيرًا, إلى مكة معتمرًا، عدا عليه "أبو سفيان", فحبسه بمكة بابنه "عمرو"، مما حمل الرسول على فك أسر ابنه بـ"سعد بن النعمان بن أكال"٢. وكان يتاجر بالفضة وبالأدم، والأدم من تجارة قريش المهمة. ويظهر أنه كان يشتري الأدم من الطائف ومن اليمن، ثم ينقله إلى بلاد الشام, وقد أشير إلى أدم قريش، وهو أديم عرف في الأسواق بجودته وبنفاسته. وكان "العباس بن عبد المطلب" من أثرياء قريش, كانت له ثروة واسعة من نقود ومن ذهب وفضة, وقد استغل ماله في التجارة وفي إقراضه بالربا. قيل عنه: إنه "كان ذا مال كثير متفرّق في قومه"٣, كان يقرضهم ويسلفهم ويشاركهم في تجارتهم. ولما انتهى إلى المدينة قال الرسول له: "يا عباس, افدِ نفسك, وابني أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، وحليفك عروة ابن عمرو بن جحدم, أخا بني الحارث بن فهر؛ فإنك ذو مال ". فقال: يا رسول الله؛ إني كنت مسلمًا، ولكن القوم استكرهوني، فقال: "الله أعلم بإسلامك، إن يكن ما تذكر حقًّا فالله يجزيك به, فأما ظاهر أمرك فقد كان

стр. 4868

علينا، فافدِ نفسك" -وكان رسول الله ﷺ قد أخذ منه عشرين أوقيةً من ذهب- فقال العباس: يا رسول الله، احسبها لي في فدائي، قال: "لا؛ ذاك شيء أعطاناه الله منك"، قال: فإنه ليس لي مال, قال: "فأين المال الذي وضعته بمكة حيث خرجت من عند أم الفضل بنت الحارث، ليس معكما أحد, ثم قلت لها: إن أصبت في سفري هذا, فللفضل كذا وكذا، ولعبد الله كذا وكذا، ولقثم كذا وكذا، ولعبيد الله كذا وكذا! " قال: والذي بعثك بالحق ما علم هذا أحد غيري وغيرها، وإني لأعلم أنك رسول الله، ففدى العباس نفسه وابني أخيه وحليفه"١, وكان ذلك عند وقوعه في الأسر ببدر٢. وكانت أم العباس غنية على ما يظهر، ذكر أنه ضاع وهو صغير، فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت الحرير، فوجدته فكست البيت الحرير، فهي أول من كساه ذلك٣. وكان له مال في الطائف، فإذا كان الموسم جيء إليه بالزبيب لينتبذه للحجاج، فقد كان المتولي لأمر السقاية بمكة. وذكر أنه كان يملك "مكوكًا" مصوغًا من فضة مموهًا بالذهب, يشرب به٤. وقد نجح بعضهم في الزراعة نجاحًا باهرًا، وأظهر مقدرة في إحياء الأرض الموات, ومن هؤلاء: "عبد الله بن عامر بن كريز". وكان صغيرا في أيام النبي، وولي "البصرة" في أيام "عثمان", وكان ابن خال "عثمان". وله "النباج" الذي يقال له: نباج ابن عامر، وله "الجحفة"، وله بستان ابن عامر بنخلة على ليلة من مكة، وله أرضوان أخرى، تمكن من معالجتها ومن إظهار الماء فيها، حتى جمع ثروة طائلة من الزراعة٥. ونجح "عبد الله بن عمرو بن العاص" في الزراعة أيضًا، فقد كان له مال بالطائف على ثلاثة أميال من "وج"، هو كرم فاخر موصوف، "كان يعرش على ألف ألف خشبة شراء كل خشبة درهم", وقد كان يحصل منه على أكوام كبيرة من الزبيب٦.

стр. 4869

وعرف "آل مخزوم" بالثراء في الجاهلية وفي الإسلام. مرَّ "عثمان بن عفان" بمجلس لبني مخزوم، فسلم عليهم، ثم قال: "إنه ليعجبني ما أرى من جمالكم ونعمة الله عليكم". "وزعموا أن قومًا قعدوا يذكرون الأغنياء من قريش، فقال أحدهم: "المغيرة بن عبد الرحمن", فقال له القوم: "وهل لمغيرة من مال؟ " فقال الرجل: أليس له أربع بنات وأربع أخوات؟ وكان المغيرة يقول: لا أزوج كفؤًا إلا بألف دينار! فكان إذا خطب إليه الكفؤ، قال له: قد علمت قولي؟ فيقول له الخاطب: قد علمتُ وقد أحضرت المال, فيزوجه ويقبض المال منه؛ ثم يقول له: اختم عليه بخاتمك، فإذا أدخل زوجته، بعدما يجهزها بما يصلحها، ويخدمه خادمين، ويدخل بيتها نفقة سنة دفع إليها صداقها مختومًا بخاتم زوجها، ثم يقول لها: هذا مالك، وما جهزناك به صلة منا لكِ"١. وهي قصة مهما قيل فيها فإنها تشير إلى ثراء وغنى آل مخزوم. وعكرمة بن أبي جهل من أغنياء قريش كذلك، ولما ندب "أبو بكر" الناس لغزو الروم، خرج معهم غازيًا، فبصر "أبو بكر" بخباء عظيم، حوله ترابط ثمانية أفراس ورماح وعدة ظاهرة، فجاء إليه، فإذا خباء "عكرمة"، فعرض أبو بكر عليه المعونة، فقال: "أنا غني عنها, معي ألفا دينار، فاصرف معونتك إلى غيري"٢. وكان "الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس" من تجار مكة، وكان يخرج بتجارته إلى الخارج، فيذهب إلى الحيرة للاتجار بسوقها. ومر "الحكم" بحاتم الطائي فسأله الجوار في أرض طيء حتى يصل إلى "الحيرة", فأجاره ونحر له وأوصله إلى الحيرة. ومن أغنياء الطائف "مسعود بن معتب الثقفي"، قيل: إنه كان له مال عظيم, وإنه أحد من قيل فيه: إنه المراد من الآية: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ . وكانت له مزارع بها أشجار كروم وفواكه، وله عبيد، وقصر ضخم٣. ومن رجال الطائف الأغنياء "مسعود بن عمرو بن عمير الثقفي"، كان غنيًّا

стр. 4870

يرابي بماله, ولإخوته ربا عند "بني المغيرة بن عبد الله"، فلما أسلموا طالبوهم، فقالوا: ما نعطي الربا في الإسلام، واختصموا إلى "عتاب بن أسيد"، فكتب به إلى النبي، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١. ولا توجد لدينا قوائم بمقدار ما كان يملكه الأغنياء في الجاهلية من مال، وأقصد بالمال هنا: النقود من دنانير ودراهم؛ لعدم وصول موارد مدونة فيها مثل هذه القوائم، إلا أن الموارد الإسلامية قد تطرقت إلى ذكر ما قدمه بعض من أسلم من النقود في سبيل الله، وبعض ما قدمه المشركون من أجل الدفاع عن مصالحهم، كما أشارت إلى أمور أخرى وردت فيها أعداد وأرقام، قد ترسم لنا صورة عن أموال بعض الأغنياء عند ظهور الإسلام. فقد ورد في كتب السير والتواريخ مثلًا أن الرسول استسلف من "عبد الله بن أبي ربيعة" أربعين ألف درهم، فأعطاه, واستقرض من "صفوان بن أمية" خمسين ألف درهم فأقرضه, واستقرض من "حويطب بن عبد العُزى" أربعين ألف درهم, فكانت ثلاثة ومائة ألف قسمها بين أهل الضعف، فأصاب الرجل خمسين درهمًا وأقل وأكثر، وبعث من ذلك إلى بني جذيمة٢. وورد أن "المطلب بن أبي وداعة"، فدى أباه يوم بدر بأربعة آلاف درهم٣, وهو مبلغ يمكن أن يتحدث عما كان لدى آل "أبي وداعة" من مال. واستعان الأغنياء بخزنة يخزنون لهم أموالهم، ويكتبون لهم حساباتهم، فكان لـ"طلحة بن عبيد الله" خازن يحفظ له ماله، ويشرف على أملاكه ونخله وزروعه٤, والخازن، هو الذي يحافظ على المال وخزنه، والخزانة مكان الخزن٥. وقد كانت الخزائن معروفة عند الجاهليين، وقد أشير إليها في مواضع من القرآن الكريم٦, وكان "بلال المؤذن" خازنًا لأبي بكر، ثم صار خازنًا للرسول،

стр. 4871

لما أعتقه "أبو بكر"، يقوم بحفظ ما يأتي إلى الرسول من بيت المال، ويعطي منه من يأمره بإعطائه منه١. واتخذوا لهم محاسبين يحسبون لهم حسابهم. وتجار لهم قوافل ولهم شركات مساهمة، يساهم فيها كل من أراد من أهل مكة، كان لا بد لهم من استخدام المحاسبين؛ لحساب رءوس أموالهم ومصاريفهم وتقدير أرباحهم وخسائرهم. وقد "استعمل الرسول رجلًا من الأسد على صدقات "بني سليم"، يدعى "ابن اللتيبة"، فلما جاء حاسبه، فقد صح أن رسول الله حاسب. وبكتاب الحساب تحفظ الأموال"٢. وقد ذكر أهل الأخبار أسماء رجال آخرين عيَّنهم الرسول لأخذ صدقات المسلمين ومحاسبتهم عليها. وقد استغل أهل مكة "الطائف"، فكانت لقريش أموال بها يأتونها من مكة فيصلحونها، فلما فتحت مكة وأسلم أهلها طمعت ثقيف فيها، حتى إذا فتحت الطائف أقرت في أيدي المكيين, وصارت الطائف مخلافًا من مخاليف مكة. وممن كان له مال بالطائف "العباس بن عبد المطلب"، كانت له بها أرض, بها كروم، فكان الزبيب يحمل منها فينبذ في السقاية للحجاج٣. والتجارة من أهم موارد الثراء عند الجاهليين، وقد كان أكثر أغنياء مكة تجارًا. وأهم ما يمتاز به ثراء التاجر عن ثراء غيره من الأغنياء، هو أن ثراءه ثراء نقود، وتعامله بالدنانير والدراهم في الغالب، وأن ما يبيعه ويشتريه هو من منتوج ومحصول غيره، فهو وسيط، يكسب ربحه من البيع والشراء، أي: من فرق السعر الذي يكون بين سعر شرائه وسعر بيعه، وقد يخسر بالطبع. أما ثراء الأغنياء المزارعين، فمن بيع حاصلهم، ويزيد كسبهم كلما ارتفع سعر البيع، فتزيد به ثروتهم وتتوسع أرضهم. وأما ثراء سادة القبائل، فمن المال أي: الإبل، ومن الجباية والتعامل مع التجار, ومن الجهود الشخصية التي يبذلونها في الحصول على المال، مثل حفر الآبار واستنباط الماء في الأرض الموات وغير ذلك. ومن وسائل الثراء العثور على "الرِّكاز"٤، دفين أهل الجاهلية، أي: الكنز

стр. 4872

الجاهلي، والمال العادي يوجد مدفونًا. و"الركزة" واحدة الركاز: القطعة من جواهر الأرض المركوزة فيها، وقطع عظام مثل الجلاميد من الذهب والفضة تخرج من الأرض أو من المعدن, وأدخل بعض العلماء المعادن في الركاز. وخصص أهل الحجاز الركاز بالمال المدفون خاصة مما كنزه بنو آدم قبل الإسلام، وأما المعادن فليست بركاز١. وعرف الركاز بـ"السيوب", وذكر أن السيوب المعادن، وذكر أنها عروق من الذهب والفضة تسيب في المعدن، أي: تتكون فيه وتظهر، سميت سيوبًا لانسيابها في الأرض, وذكر أنها المال المدفون في الجاهلية أو المعدن. وقد وردت اللفظة في كتاب الرسول لـ"وائل ابن حجر", إذ ورد: "وفي السيوب الخمس"٢. وقد اعتبر الجاهليون "الركاز" مالًا يأخذه من يعثر عليه، ونصيبًا حلالًا حكمه حكم اللقطة التي لا صاحب لها، أما الإسلام، فقد فرض الخُمس في الركاز, وإنما كان فيه الخمس لكثرة نفعه وسهولة أخذه. فما استخرج من الركاز، فلمستخرجه أربعة أخماس ولبيت المال الخمس٣. ونجد السور المكية الأولى من سور القرآن، تصور أغنياء قريش أناسًا متغطرسين غلاظ الأكباد يرون أنفسهم فوق الناس؛ لغناهم ولمكانتهم بسبب ذلك في قولهم، وكان ضعف حال الرسول بالنسبة لهم، وصغر سنه من أهم العوامل التي دفعت أولئك السادة إلى مقاومته ومقاومة ما جاء به، خاصة في دعوته إنصاف الفقير وإخراج حق الله المكتوب للفقراء من أموالهم صدقة وزكاة، تزكية لأموالهم، وإسعافًا لفقرائهم. قال أبو لهب للرسول: "ماذا أعطى يا محمد إن آمنت بك؟ قال: "كما يعطى المسلمون! " فقال: ما لي عليهم من فضل! قال: "وأي شيء تبتغي؟ " قال: تبًّا لهذا من دين، تبًّا أن أكون أنا وهؤلاء سواء"٤. ويصورهم القرآن الكريم قومًا ألهاهم التكاثر والتفاخر، تفاخروا بأموالهم وبوجاهتهم في قومهم، بل تفاخروا حتى بمن توفي منهم من سادتهم٥. لا يرحمون

стр. 4873

فقيرًا، ولا يعطفون على يتيم، بل كانوا يأكلون أموال اليتامى ويقهرونهم، ولا يعطونهم حقوقهم١. إذا جاءهم سائل انتهروه وطردوه طردًا قبيحًا، وإذا طلب محروم منهم عونًا أبعدوه عنهم, وإذا وزن بائعهم أنقص في الميزان، وإذا كال قصر في الكيل: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٢. ونجد هذه الصور البشعة المعبرة عن جشع بعض الأغنياء في كتب السير والحديث والأخبار أيضا، إذ صورت بعضها بعضهم وقد اعتدى على أموال رجل غريب جاء يتاجر بمكة، فتلقاه تاجر من تجارها، عامله على سلعة له، ثم بايعه، فلما قبضها ماطله الثمن، ثم أكله. هذا "أبو جهل" ابتاع إبلًا لرجل من "إراش" "إراشة" بمكة، فمطله بأثمانها، فأقبل "الإراشي" حتى وقف على نادٍ من قريش، ورسول الله في ناحية من المسجد جالس, فقال: يا معشر قريش, من رجل يؤديني على أبي الحكم بن هشام، فإني رجل غريب ابن سبيل, وقد غلبني على حقي. فقال له أهل ذلك المجلس: أترى ذلك الرجل الجالس -يشيرون إلى رسول الله، وهم يهزءون به لما يعلمون بينه وبين أبي جهل من العداوة- اذهب إليه فإنه يؤديك عليه. فذهب به إلى أبي جهل، وأخذ منه حقه، وأعاده عليه٣. وهذا رجل من "زبيد" قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه "العاصي بن وائل"، وكان ذا قدر بمكة وشرف فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف، فأبوا أن يعينوه على "العاصي بن وائل" وزبروه. فلما رأى الزبيدي الشر, أوفى على أبي قبيس وقريش في أنديتهم، فصاح بأعلى صوته: يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر ومحرم أشعث لم يقضِ عمرته ... يا للرجال وبين الحجر والحجر إن الحرام لمن تمت كرامته ... ولا حرام لثوب الفاجر الغدر

стр. 4874

فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم بن مرة في دار عبد الله بن جدعان، وتعاقدوا وتعاهدوا ليكونن يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يُؤدَّى إليه حقه. وعرف حلفهم هذا بحلف الفضول، ثم مشوا إلى "العاصي بن وائل"، فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه١. فكان حلف الفضول نتيجة لما كان يقع بمكة من اعتداء على حقوق وأموال الغرباء والمستضعفين من الناس. وذكر أن منهم من كان يأكل أجر العامل الأجير، ومنهم من كان يشتط على عبده، فيشغله في أشغال صعبة، ثم يطلب منه أجره، وقد يستقل أجره فيضربه ليحمله على أن يشتغل له أكثر من شغله، ليجيء إليه بمال زائد. ومنهم من كان يحمل إماءه على البغاء ليأخذ أجرهن، كما أشير إلى ذلك في القرآن الكريم، وكما أشرت إلى ذلك في مواضع أخرى من هذا الكتاب. ومنهم من كان لا يبالي للحصول على المال بسلوك أي سبيل يؤدي إليه. وهي صورة تعارض ما نقرؤه في أخبار أهل الأخبار عن تعاطف أغنياء مكة مع فقرائهم، وعن إخراجهم جزءًا من أموالهم لمساعدة البائس والفقير والصعلوك والغريب، حتى صار الفقير عندهم كالكافي وصاروا بأجمعهم تجارًا خلطاء إلى غير ذلك من نعوت وأوصاف٢، وكما جاء في شعر ينسب إلى "مطرود بن كعب الخزاعي"٣, وما ذكروه عن الذادة الذين أخذوا على أنفسهم الذود عن الضعيف والمظلوم. ونجد أناسًا بين الأعراب كانوا يشعرون بما كان يعانيه الفقراء من شدة الفقر، ومن شدة ما أصاب بعضهم من إملاق، ومن اضطرار بعضهم إلى وأد بناته من شدة الفقر، كما أشير إلى ذلك في القرآن الكريم، وهذا مما حمل بعض أصحاب القلوب الرحيمة الشفيقة على ودي البنات، وحمل مئونتهن وبذل الرعاية لهن حتى يكبرن فيتزوجن. وقد ذكر أن من هؤلاء الذين وهبوا الشعور بالمسئولية الإنسانية وبالشفقة والرحمة والحنان: "صعصعة بن ناجية بن عقال"، فقد أحيا الموءودات فبعث الرسول, وعنده مائة جارية وأربع جوارٍ أخذهن من آبائهن لئلا يوأدن٤.

стр. 4875

عادات وأعراف: ويظهر من بعض الأخبار أن الوأد لم يكن عن إملاق فحسب، بل كان لسبب آخر أراه متصلًا بعقيدة ودين. فقد ذكر أن وفد "جعفى"، قال لرسول الله: يا رسول الله! إن أمنا مُليكة بنت الحلو، كانت تفك العاني وتطعم البائس وترحم المسكين، وإنها ماتت وقد وأدت بنية لها صغيرة, فما حالها؟ قال: "الوائدة والموءودة في النار" ١. فلم يكن الوأد هنا بسبب الفقر والإملاق، بل لسبب آخر، قد يكون له صلة بدين أو بعرف اجتماعًا, ويلاحظ أن "جعفى" كانوا يحرمون القلب في الجاهلية ولا يأكلونه. ولما قدم وفدهم إلى يثرب، قال رسول الله: "بلغني أنكم لا تأكلون القلب؟ " قال: نعم. قال: "فإنه لا يكمل إسلامكم إلا بأكله". ودعا له بقلب فشوي، ثم ناوله أحد رجال الوفد، فلما أخذه أرعدت يداه، فقال له رسول الله: "كُلْهُ"، فأكله وقال: على أني أكلت القلب كرهًا ... وترعد حين مسته بناني٢ وقد حمل الأعشى على أولئك الذين ينامون وهم متخمون ملاء البطون، وجيرانهم جياع يتضورون من الجوع، إذ يقول: تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا وفي هذا المعنى يقول بشر بن المغيرة: وكلهم قد نال شبعًا لبطنه ... وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه ولعل هذا الشعور هو الذي حمل "عروة بن الورد" على أن يكون سيد الصعاليك ومجمعهم ومغيثهم، حتى قيل له: "عروة الصعاليك"؛ لأنه كان يجمع الصعاليك في حظيرة فيرزقهم مما يغنمه٣. وفي القرآن الكريم أن "ملأ" نوح، وهم الأعزة أصحاب الحول والطول،

стр. 4876

يقولون لنوح: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ ١، وفيه أنهم قالوا له: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ ٢. وقول ملأ نوح هذا، هو تعبير عن رأي ملأ قريش الذين كانوا يقولون: لو كان محمد رسولا حقا، لكان رجلا من رجال قريش أو الطائف الأغنياء أصحاب المال، فالرئاسة ولو كانت نبوة لا تكون إلا في رجل عظيم: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ٣. وكانوا يسخرون من المسلمين ويستهزئون بهم حينما يرونهم خلف الرسول يدخلون المسجد الحرام، وهم من الأراذل الضعفاء والفقراء، فيضحكون ويقولون: جاءكم ملوك الأرض كسرى وهرقل, فدين يكون أتباعه ومعتنقوه من الرقيق والضعفاء دين ليس له شأن، ولا يمكن أن يكون مقبولًا حتى يكون أتباعه من الأغنياء ملأ القوم. وقضى أغنياء مكة وسادتها لياليهم في مجالسهم ونواديهم، وعادتهم أنهم كانوا يتنادمون، يشربون ويسمعون القيان، ويتنادرون ويسمعون القصص والنكات، ثم يعودون إلى بيوتهم، ونجد في كتب أهل الأخبار أسماء ندماء قريش. وأكثر الأغنياء من التدهن، فالتدهن من النعيم، وهم يتدهنون بالدهون الجيدة المطيبة. ويقال لكثرة التدهن: "التورن"٤, و"التودن": كثرة التدهين والتنعيم٥. وفي مقابل هذه الطبقة الغنية، كان السواد فقيرًا، ومنهم معدمون تمامًا لا يملكون شيئًا، إذا عجزوا عن الحصول على قوت، عمدوا إلى الشجر فأكلوا ورقه أو ثمره إن كان بريًّا لا يملكه أحد، أو إلى الأعشاب فأكلوها -ورد في حديث "عتبة بن غزوان": ما لنا طعام إلا ورق البشام٦- أو إلى "العلهز" فأكلوه. وهو طعام من الدم والوبر كان يتخذ في أيام المجاعة، وذلك أن يخلط الدم بأوبار الإبل ثم يشوى في النار، قيل: وكانوا يخلطون فيه القردان، وذكر أنه الصوف ينقش ويشرب بالدماء ويشوى ويؤكل. ورد في حديث "عكرمة":

стр. 4877

كان طعام أهل الجاهلية العلهز١. أو إلى "القرف"، لحاء الشجر، فأكلوه٢, وأكلوا "الوزين"، وهو الحنظل يؤكل باللبن أيام الحاجة٣. وقد كان الناس يصابون بالشدة والعسر، ويعبر عن ذلك بـ"الحشر", والحشر: إجحاف السنة الشديدة بالمال. وإذا أصابت الناس سنة شديدة فأجحفت بالمال وأهلكت ذوات الأربع قيل: حشرتهم السنة، بمعنى: أصابهم الضرر والجهد٤. وفي العربية ألفاظ عديدة تعبر عن الشدة والضيق والفقر وضنك الحياة وسوء الحال، من ذلك "القشف" والضعف والشظف وغير ذلك٥. وفي كثرة هذه الألفاظ تعبير عن سوء الأحوال وعن تبرم الناس من الحياة ومن شدتها عليهم في ذلك الوقت، حيث كانت حياتهم في عسر وضيق.

стр. 4878

سرقة أموال الآلهة: وقد ورد في نص من نصوص المسند، وعيد بأن ينزل الإله رب السماء "ذسموي" غضبه ولعناته وكل سوء، وأن يلحق البؤس "يباس" بكل "نفس" إنسان لا يبالي بأوامر ذلك الإله، فيسرق "ذ يسرقن" محرمه، ويسرق من أموال محرمه "بقرم" بقرًا أو غير ذلك, كما أشير إلى العقوبات التي ستنزل بذلك الإنسان المتطاول المخالف لأوامر الآلهة١؛ عقوبات العذاب "عذبن" تنزلها الآلهة على أولئك الأشخاص٢. ولهذا النص أهمية كبيرة بالنسبة إلينا؛ لأنه شاهد ناطق على أن الإنسان عند الحاجة وعند تصوره وجود منفعة وفائدة له لا يعبأ بسرقة آلهته وبالسطو على ما في معابدها من أموال وحلال، وأنه لا يتردد من السطو على أوقاف تلك الآلهة

стр. 4879

وأخذ ما فيها, لا فرق في ذلك بين إنسان قديم، كان للدين عليه وعلى مجتمعه نفوذ وسلطان، وبين مجتمع حديث تهذب فيه الإنسان وارتفعت فيه مداركه ومزاياه, فها نحن أمام جماعة سرقت معبد "محرم" إلهها "ذو سموي" رب السماء، ولم تكتفِ بسرقة ذلك المعبد، بل سرقت البقر في الأرض المحبوسة على ذلك الإله. ولهذا أمر رجال ذلك المعبد الناطقين باسم ذلك الإله بكتابة ذلك النص ليقرأه الناس وليروا ما فيه من لعنات ستنزل على من يتجاسر على مخالفة أوامر ذلك الإله، فيسرق معبده ويسرق بقره. ويلاحظ أن التشريع قد اعتبر القبيلة والجماعة وحدة اجتماعية مسئولة أمام الإله عن كل ما اقترفه أفرادها من سرقات وآثام. فإذا سرق أحدهم من معبده أو ألحق أضرارًا بأملاكه، صارت القبيلة مسئولة قانونًا وكلها أمامه، وعليها إنزال عقابها بالفاعل، بالإضافة إلى العقاب الذي يفرضه المعبد عليه. وبإيقاع المسئولية على القبيلة كلها، يكون المعبد قد أمن بذلك من غدر الأفراد المجهولين، ومن تطاول السراق المتسترين على أموال المعابد والآلهة، ومتى وجدت القبيلة أنها مسئولة عن ذلك بالتضامن، فإنها تكن حذرة وعينًا على السراق والمفسدين، لا سيما إذا ما علمت أن الآلهة تغضب عليها فتصيبها بالكوارث، فتقل بذلك حوادث السرقات بالنسبة إلى أموال المعابد والأوقاف. ويجب أن نتذكر هنا القصة التي يرويها أهل الأخبار عن سرقة "كنز الكعبة" وذلك قبل بنيانها بقليل، ووضع السراق ما سرقوه عند "دويك" مولى لبني "مليح بن عمرو" من خزاعة، وقطع أهل مكة يده لذلك. وما ذكروه أيضًا من أن سارقًا سرق من مالها زمن جرهم، فانتزع المال منه١. كذلك يجب أن نتذكر أن سارقًا سرق من بيت "عائشة" شيئًا، فدعت عليه، فقال لها النبي: "لا تسبخي عنه بدعائك عليه"، أي: لا تخففي عنه إثمه الذي استحقه بالسرقة بدعائك عليه٢. سرق بيت رسول الله مع أنه مسلم مؤمن بالله وبرسوله، لم يردعه عن السرقة دينه، وقد تكون الحاجة قد دفعته إلى تلك السرقة. ووصلت إلينا نصوص أخرى يفهم منها أن أشخاصًا استدانوا من أموال المعبد فلم يؤدوها له، وأن قومًا أكلوا حقوق الآلهة المفروضة عليهم من أعشار ونذور،

стр. 4880

وفي بعض منها إقرار من أصحابها بأنهم أكلوا حق الآلهة، أو لم يتمكنوا من الوفاء بديونهم أو بنذورهم لها، فهي تتوسل إليها بأن تغفر لأصحابها ما اقترفوه بسبب ذلك من إثم، وأن تمن عليهم بالصحة والعافية. ويظهر أنهم أصيبوا بسوء ومرت بهم أوقات عصيبة, جعلتهم ينسبون ما حل بهم إلى فعل الآلهة، وإلى غضبها عليهم بسبب أكلهم أموالها وحقوقها، فكتبوا ما كتبوه يستغفرون ويتوبون، يرجون الصفح والعفو، وقد وعد بعضهم بالوفاء بل ما أخذه ولواه.

стр. 4881

دفن الذنوب: ومن عادة العرب في الجاهلية، أن أحدًا منهم إذا جنى جناية، أو نهب شيئًا, أو أكل مالًا، أو غش أحدًا في تجارة، أو أكلها بالباطل، وأراد المجني عليه العفو عما وقع، فالتعويل في الصفح فيها على الدفن. وطريقتهم فيه أن تجتمع أكابر قبيلة الذي يَدْفن الذنب بحضور رجال يثق بهم المدفون له، ويقوم منهم رجل، فيقول للمجني عليه: نريد منك الدفن لفلان، وهو مقر بما أهاجك عليه، ويعدد ذنوبه التي أُخذ بها ولا يبقي منها بقية، ويقر الذي يدفن ذلك القائل على أن هذا جملة ما نقمه على المدفون له، ثم يحفر بيده حفيرة في الأرض، ويقول: قد ألقيت في هذه الحفيرة ذنوب فلان التي نقمتها عليه، ودفنتها له دفني لهذه الحفيرة، ثم يرد تراب الحفيرة إليها حتى يدفنها بيده. ولا يطمئن خاطر المذنب منهم إلا به، إلا أنه لم تجر للعرب فيه عادة بكتابة، بل يُكتفَى بذلك الفعل بمحضر كبار الفريقين، ثم لو كانت دماء أو قتلى عفيت وعفيت بها آثار الطلائب١.

стр. 4882

الفصل التاسع بعد المئة: الطبقة المملوكة مدخل ... الفصل التاسع بعد المائة: الطبقة المملوكة وأدنى الطبقات منزلةً في المجتمع، هي الطبقة التي تحترف الحرف، وطبقة الرقيق، أي: الطبقة المملوكة, التي تساوي الحيوان في كونها مخلوقات حية مملوكة لغيرها، ليس لها في هذه الحياة حرية ولا رأي ولا اختيار. فقدت حريتها بالرق، وصارت ملك سيدها، وهي وما تنتجه ملك للمالك، ويدخل في ذلك نسلها إلى الأبد، إذ إذا منَّ المالك على عبده بفك رقبته، فيصير حرًّا، وتنتقل الحرية إلى نسله كذلك. والرقيق سلعة من سلع السوق، تباع وتشترى كما تباع وتشترى أية سلعة أخرى. وليس لها سعر ثابت معين، إنما يتوقف ثمنها على عمر تلك السلعة وعلى درجتها من الجمال وعلى نوع جنسها وعلى حذق ومهارة ودرجة فطنة وذكاء تلك السلعة الآدمية وعلى الأعمال التي تتمكن من القيام بها. ولم نعثر على نصوص جاهلية فيها أسعار الرقيق، أما أخبار أهل الأخبار، فقد ذكرت في بعض المناسبات أسعار بعض الرقيق، فساعدتنا بذلك على تكوين رأي عن سعر هذه البضاعة الحية عند ظهور الإسلام. فقد ذكرت كتب السير والتواريخ والصحابة، أن "خديجة" ملكت "زيد بن حارثة" اشتراه لها "حكيم بن حزام بن خويلد"، بسوق عكاظ بأربعمائة درهم١. وذكرت أن "أبا بكر" اشترى "بلال بن رباح" مؤذن الرسول

стр. 4883

وهو من الحبش، أي: من الزنوج بخمس أواقٍ، وقيل: بسبع أواقٍ، وقيل: بتسع أواقٍ، ثم أعتقه, وكان خازنًا له١, كما كان خازنًا للرسول٢. وبيع "يعقوب" المدبر والمعروف بـ"القبطي"، من "نعيم النحام" بثمانمائة درهم، وقيل: بسبعمائة أو تسعمائة٣.

стр. 4884

الاتجار بالرقيق: وكان الرقيق إذا ذاك تجارة نشطة مربحة، يكسب صاحبها منها ربحا طيبا، وكان المتاجر بالرقيق يشتري تجارته من الأسواق الخارجية، ثم يأتي بسلعته إلى أسواق جزيرة العرب لبيعها فيها؛ في الأسواق الموسمية وفي الأسواق المحلية الدائمة، مثل: سوق مكة ويثرب والطائف ونجران وغيرها. ففي كل هذه الأسواق وأمثالها طلب شديد على الرقيق؛ لأنه وسيلة من وسائل تأدية الأعمال والإنتاج. وأسواق العراق وبلاد الشام من أهم الأسواق التي موَّنت جزيرة العرب بالرقيق الأبيض, أما السواحل الإفريقية، فقد مونتها بالرقيق الأسود, وهو أرخص ثمنًا من الرقيق الأبيض، وكفاءته محدودة، وقابلياته للعمل معينة، وهو لا يجاري الرقيق الأبيض في كثير من الأمور. والرقيق المملوك: بين الرق, والرق: الملك والعبودية, ورق: صار في عبودية, واسترق المملوك فرق: أدخله في الرق، والرقيق: العبد، والرق: العبودة, سُمي العبيد رقيقًا لأنهم يرقون لمالكهم ويذلون ويخضعون١, و"المملوك": العبد. وقيل الذي سبي ولم يملك أبواه، أو إذا ملك ولم يملك أبواه، فهو عبد مملكة. "وفي الحديث: أن الأشعث بن قيس خاصم أهل نجران إلى عمر في رقابهم وكان قد استعبدهم في الجاهلية، فلما أسلموا أبوا عليه، فقالوا: يا أمير المؤمنين, إنا كنا عبيد مملكة ولم نكن عبيد قن". المملكة: أن يغلب عليهم فيستعبدهم

стр. 4885

وهم في الأصل أحرار. والقنّ: العبد، ويقال: المشتري١. والعبد: المملوك خلاف الحر، و"العِبِديّ": جماعة العبيد الذين ولدوا في العبودية. "وفي حديث عامر بن الطفيل: أنه قال للنبي ﷺ : ما هذه العبدي حولك يا محمد؟ أراد فقراء أهل الصفة، وكانوا يقولون: اتبعه الأرذلون"٢. و"القِن": عبد مملك هو وأبواه، أو هو الخالص العبودة، أو الذي وُلد عندك ولا تستطيع إخراجه عنك٣. ومن الرقيق، رقيق تبع الأرض، فهو دائمًا بها، يُباع معها، ويُشترى بشرائها, ويقال له: "أمتى" في لغة العرب الجنوبيين. وأما "الأدم"، فيمثلون الطبقات الدنيا من عمال يشتغلون بالأرض أو بالحرف، فهم أحرار من حيث التنقل وامتهان الحرف، غير أنهم من الطبقات الدنيا، وكذلك الـ"غبر"، وهم من الفقراء المعدمين، وطبقة "مي" "أمي"، وهم الأوباش غير المثقفين٤. ولعل لفظة "الأمي"، قد جاءت من هذا الأصل. ونظرًا لصغر مساحة الأرضين التي كانت تزرع في الحجاز، فإننا لا نستطيع أن نجد إقطاعًا فيه على نمط الإقطاع الذي نراه في العربية الجنوبية، ولا نجد فيه تذمرًا بين الفلاحين على نحو ما وجدناه في اليمن، كما لا نجد سادة أملاكًا في الحجاز لهم نفوذ واسع، على نحو ما نجده في اليمن من تحكم الأقيال والأذواء وبقية الملاكين في الحكم وفي المجتمع وفي شئون رقيقهم المستخدم في استغلال الأرض. وكل ما نجده أن أشخاصًا كانوا يمتلكون ينابيع أو عيونا أو آبارًا، وقد زرعوا بمائها. وزراعة تعتمد على هذا النوع من الري لا يمكن أن تكون زراعة كثيفة تدر على أصحابها ربحا طائلا؛ لذا فهي لا تحتاج إلى تشغيل عدد كبير من العبيد والأرقاء. وكانت الغزوات والحروب أهم مورد لتجارة الرقيق, وهو مورد قديم معروف. فالغالب المنتصر يأخذ من يقع في قبضته من أسرى، ويعده ملكًا له, وقد كان

стр. 4886

في إمكان الأسرى فك أسرهم بـ"الفداء". أما من لم يتمكن من دفع الفدية منهم، فيعد بحسب القانون ملكًا لآسره أو للدولة بحسب القوانين النافذة، فيجوز في هذه الحالة امتلاك الأسير وتشغيله في الأعمال التي يكلفه إياها سيده، ويجوز له إطلاق حريته وعده حرًّا معتق الرقبة وبيعه في أسواق النخاسة. وقد كان تجار العبيد يفدون إلى هذه الأسواق؛ ليبتاعوا منها العبيد الذين يحتاجون إليهم, ويأخذونهم معهم إلى بلادهم، ليبيعوهم مرة ثانية في أسواق النخاسة لمن هو في حاجة إليهم. والحروب مورد من موارد الرزق للمحاربين الشجعان الذين يتمكنون من أسر من يبرز لهم، والأسر خير للآسر من محارب يقتله، فقتله لا يفيده من الناحية المادية شيئا، سوى ما قد يقع في يديه من أسلابه. أما أسره، فإنه يفيده فائدة مادية، فعلى الأسير ترضيته بدفع فدية مرضية، إن أراد فك أسره وتحرير رقبته، وإلا صار عبدًا مملوكًا لآسره، له أن يمتلكه وله أن يبيعه، والغالب أنه يبيعه في حالة عجزه عن تقديم فدية، أو عجز أهله عنها، كي يتخلص بذلك آسره من أخطار هروبه منه، فيأخذه إلى الأسواق ويبيعه فيها. وقد يقع القريب أسيرًا في يدي قريب له، فيكون مملوكًا له, ولا تسقط صلة الرحم حق التملك. وللأسير فداء نفسه حتى إن كان أخًا لآسره أو عمًّا له١. ولكن الأغلب أن يتوسط الناس بين الآسر وأسيره؛ لفك أسره، وأن تتغلب عاطفة الدم على المطالبة بالمال. ومن أسباب الرق الفقر، ونجد في كتب الحديث والأخبار أن عوائل باعت أولادها من ذكور وإناث، من الفقر. وكان بعض من باع أولاده يشترط أن يكون الولاء لهم, والولاء سبب من أسباب الإرث. جاءت "بريرة" إلى "عائشة"، وكانت مكاتبة، ولم تكن قضت من مكاتبتها شيئا، وكانت كاتبتهم على تسع أواقٍ في كل سنة أوقية، فقالت: يا أم المؤمنين اشتريني فإن أهلي يبيعونني، فأعتقيني. قالت عائشة: نعم. قالت بريرة: إن أهلي لا يبيعونني حتى يشترطوا ولائي. قالت: لا حاجة لي فيك. فسمع ذلك النبي، فقال: "ما شأن بريرة؟ " فذكرت له شأنها، فقال: "اشتريها فأعتقيها, وليشترطوا ما شاءوا ".

стр. 4887

فاشترتها وأعتقتها. فقال النبي: "الولاء لمن أعتق, وإن اشترطوا مائة شرط" ١. وقد وجد الرقيق في كل مكان من جزيرة العرب، لا سيما في المستوطنات الزراعية والقرى ومواضع التجار والتعدين؛ لحاجة هذه المواضع إلى الأيدي العاملة وإلى من يدافع عنها، حتى إنهم كانوا يقذفون بعبيدهم في الحروب للدفاع عنهم. ولما أراد "مجاعة" مصالحة "خالد بن الوليد" على "الصفراء والبيضاء ونصف السبي والحلقة والكراع وحائط من كل قرية ومزرعة"، قال "سلمة بن عمير الحنفي": "لا والله لا نقبل، نبعث إلى أهل القرى والعبيد فنقاتل ولا نقاضي خالدًا، فإن الحصون حصينة والطعام كثير، والشتاء قد حضر"٢, فجعل "سلمة بن عمير" أهل القرى والعبيد في جملة من يتكل عليهم في قتال "خالد". ولما كان القتال بين "خالد" وبين "مسيلمة" واستحرَّ القتل، "قال أهل القرى: نحن أعلم بقتال أهل القرى يا معشر أهل البادية منكم. فقال لهم أهل البادية: إن أهل القرى لا يحسنون القتال، ولا يدرون ما الحرب! فسترون إذا امتزنا من أين يجيء الخلل! فامتازوا"٣. ونجد في رواية أخرى أن "خالدًا" صالح "مجاعة" على "الصفراء والبيضاء والحلقة وكل حائط رضانا في كل ناحية ونصف المملوكين"٤, بدلا من جملة: "ونصف السبي" التي ترد في روايات أخرى, والمملوك العبد ومن دخل في الرق. وهذا مما يدل على وجود عدد كبير من العبيد في اليمامة في ذلك العهد؛ لحاجة أهل اليمامة وهم أهل زرع في الغالب إليهم، لتشغيلهم في الأعمال الزراعية وفي التعدين والحرف. ونجد إشارة إلى الموالي في بعض كتب الرسول إلى سادات القبائل. فلما كتب الرسول عهده لقيس بن سلمة الجعفي، جاء فيه: "كتابٌ من محمد رسول الله لقيس بن سلمة بن شراحيل: إني استعملتك على مران ومواليها، وحريم ومواليها, والكلاب ومواليها"٥, وفي النص على ذكر الموالي في هذا العهد دلالة على أنهم كانوا يكوّنون طبقة ظاهرة في "جعفى".

стр. 4888

وأما "أهل القرى"، فهم المستوطنون الذين أغراهم عثورهم على الماء, على السكن حوله وعلى الاشتغال بالزراعة، كما استقروا حول مواضع المعادن وفي المستوطنات القديمة التي نسبت إلى "طسم وجديس". فهم طبقة خاصة من أهل اليمامة، وهم حضر اليمامة، وأصحاب العمل والثراء ولهم العبيد لحاجتهم إليهم. أما الطبقة الثانية، فأهل البادية, ممن سكن بيوت الوبر، ولم يقم في بيوت من طين, ولم يفلح ولم يزرع، بل كان رزقه على الإبل. وكان لأهل القرى حصونهم، يحتمون بها من الأعراب ومن كل من يريد بهم سوءًا، ولهم مخازنهم يخزنون بها طعامهم، ولهم آبارهم في داخل قراهم وحصونهم، فإذا حُوصِروا كان لديهم الماء، فلا يحتاجون إلى مصالحة المحاصر لهم لعطشهم ولعدم وجود الماء عندهم، وتكون حصونهم عند الحصار قد امتلأت بهم، وقد أغلقوا أبوابها، وقد احتلوا أبراجهم وسطوحها لرمي المحاصر بالسهام وبالماء الحارّ وبالحجارة، وحولها خنادق تمنع العدو من الدنو من حائط الحصن، وقد رفعوا جانب الخندق المقابل للحصن حتى يصعب على من يريد تسلقه وتسوره الوصول إلى الحصن. وبعض هذه الحصون عالية سميكة الجدران، ذكر "الهمداني" أن جدر "الهيصمية"، وهي لبني "صُهيب" من "بني قشير", يركض عليها أربعة من الخيل، وكان من الصعب أن ينال رأسها السهم. وذكر عن "القصر العادي" بالأثل، أنه قصر منيف من عهد "طسم" و"جديس"، أُقيم على حصن من طين ثلاثين ذراعًا دكّة، ثم بني الحصن. ووصف حصونًا كثيرة بعضها من حصون ما قبل الإسلام، بنيت لحماية أهلها من الغارات١. و"القصب" دون الحصون، ذكرها "الهمداني" بقوله: "وبالمذارع وغيرها قصب دون الحصون لطاف, تسمى الثنية"٢. والقصبة: القصر أو جوفه، يقال: كنت في قصبة البلد والقصر والحصن، أي: جوفه. والقصب من البلد: المدينة والقرية٣. وورد في خبر مصالحة "خالد بن الوليد" "بني حنيفة"، أنه صالحهم

стр. 4889

"على الرقيق ولم يصالحهم على أنفسهم"، وأنه أخذ منهم رقيقًا، كان فيه أمة سندية سوداء، لم تكن من بني حنيفة، وإنما كانت من رقيقهم، فصارت إلى "علي بن أبي طالب"١. وفي وجود هذه السندية في اليمامة دلالة على وجود الرقيق المستورد من الهند في جزيرة العرب في الجاهلية، وقد كانت أسواق البحرين وبقية أسواق العربية الشرقية تشتري الرقيق الوارد عليها من الهند، فلا يستبعد وصول رقيق السند وغير السند من بلاد الهند إلى اليمامة وإلى أماكن أخرى من جزيرة العرب قبل الإسلام. ويعرف بائع الرقيق بالنخاس، والنخاسة حرفته، والنخاس في الأصل بياع الدواب٢. وقد كان تجار الرقيق يشترون الرقيق ويزوِّجونه؛ ليجنوا نسله لهم، فيبيعوه في الأسواق. يفعلون ذلك فعل من يربي الخيل أو الإبل أو البقر، لتكثير نسله وبيعه, وبذلك يكثر مال صاحبه. وينسب المولد إلى الأرض التي ولد بها، والتي يكون سيده مقيمًا بها، وإلى قبيلة سيده أيضا، فيقال: هو من مولدي السراة، وهو من مولدي هذيل. ويعرف "العبد" المولود في الرق بالوليد, قال بعض علماء اللغة: الوليد: من يولد في الرق٣, و"المولدة": الجارية المولودة بين العرب كالوليدة. وورد عربية مولدة ورجل مولد: إذا كان عربيا غير محض٤, وترد لفظة "مولد" ومن "مولدي" في تراجم بعض الأشخاص. فقد كان "أبو كبشة" مولى رسول الله من مولدي "مكة"، وقيل: من مولدي أرض دوس٥, وكان "أنسة" مولى الرسول من مولدي "السراة"٦, وكان "أبو مويهبة" وهو من موالي الرسول كذلك، مولدًا من مولدي "مزينة"٧.

стр. 4890

وتطلق لفظة "غلام" على الولد إلى أن يشب، ويطلق على الغلام الذي يكون مملوكًا، أو يخدم غيره, وقد يطلق أيضًا على الكهل١. وكان "شقران"، واسمه "صالح بن عدي", غلامًا للرسول، وكان حبشيًّا٢, وكان "سفينة" غلامًا للرسول، وهو من أصل فارسي٣, وكان "مدعم" غلاما للنبي، وكان من مولدي "حسمى"٤, وهبه له "رفاعة بن زيد الجذامي"، ويظهر أنه كان من الزنج، إذ عرف بالأسود٥. وكان "كركرة"، غلامًا للنبي٦, وكان نوبيًّا، أهداه له "هوذة بن علي الحنفي اليمامي" فأعتقه٧, وكان "رباح" غلاما للرسول٨, وكان أسود، وكان يستأذن عليه، ثم صيره الرسول مكان "يسار" بعد قتله، فكان يقوم بلقاحه, وكان يؤذن له٩. وتطلق لفظة "خادم" و"خادمة" على من يقوم بالخدمة؛ خدمة البيت، أو السفر، وكل خدمة أخرى يطلبها المالك, وفي حديث فاطمة وعلي: "اسألي أباك خادمًا تقيك حر ما أنت فيه"١٠. ويخدم الخدم في البيوت، يقومون بتنظيفها وبالطبخ والخبز وما شاكل ذلك من أعمال. وكان "أنس بن مالك بن النضر" الأنصاري خادمًا لرسول الله, وكان يخرج معه يخدمه، وهبته أمه للنبي١١ ولم يكن عبدا بل كان حرا من الأنصار، نذرت أمه أن تجعله خادما لرسول الله، ووفت بنذرها، وكان كثير المال. ومن خدم رسول الله "سلمى" أم رافع، امرأة أبي رافع١٢، و"خضرة"١٣،

стр. 4891

و"رضوى"١، و"ميمونة بنت سعد"٢, و"مارية" جدة المثنى بن صالح بن مهران، مولى "عمرو بن حريث"٣, و"مارية" المكناة بـ"أم الرباب"٤, و"موهبة"٥.

стр. 4892

الموالي: ويعد المولى في طبقة المملوكين، وللفظة "مولى" معانٍ عديدة، منها المعنى الذي نقصده منها في هذا المكان، وهو "العبد"١. ولا يشترط في المولى أن يكون أعجميا، أي: من أصل غير عربي، فيقع الولاء على العرب كذلك؛ كأن يؤسر، أو يقع في غنيمة قطاع طرق، فيكون ملكًا لهم، يبيعونه في الأسواق، أو يطلبون فداءه من إله، وإلا بيع مع الرقيق. وقد كان بمكة وسائر الأمكنة الأخرى عدد كبير من هؤلاء، ومن جملتهم "زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي"، مولى خديجة بنت خويلد، زوج الرسول، ثم مولى الرسول. فقد كان من كلب, أصابته خيل من "بني القين بن جسر"، وكان قد خرج مع أمه لتزيره أهله، فباعوه بسوق حباشة من أسواق العرب، وهو يومئذ ابن ثمانية أعوام، ثم أعتقه الرسول٢. وكان "ثوبان" مولى رسول الله من العرب من أهل اليمن، وقيل: من السراة، ابتاعه النبي بالمدينة فأعتقه، ويظهر أنه مات ولم يكن يملك شيئًا٣. وكان "فضالة" مولى رسول الله من أهل اليمن٤. وقد يكون للعبد مالكان أو أكثر, كأن يقع في أسر رجلين أو أكثر،

стр. 4893

فيصير عبدًا لهما أو لهم, أو أن يتشارك رجلان أو أكثر في شراء عبد، فيكون مملوكًا لمشتريه, وكان بعضهم يتشاركون في شراء العبيد. وقد يبيع بعضهم حصصهم من العبيد لشركائهم أو لغيرهم، وقد يمنُّ بعض منهم على عبده أو عبيده؛ فيتنازل عن حقه فيه أو فيهم، ويبقى العبد مملوكا للشريك الآخر أو لبقية الشركاء، لحقهم فيه. وكان منهم من يرضى بعتقه على أن يدبر له ما بذمته من حق١. ومن حق سيد العبد بيعه متى شاء، أو إهداؤه إلى من يريد. فهو ملكه، ومن حق المالك أن يفعل بما يملكه ما يشاء ويريد٢. وقد تضخم عدد الموالي بين أهل الحضر وبين أهل المدر، حتى صار لهم شأن يذكر، ولما ظهر الإسلام كان الموالي من العوامل المؤثرة في التوازن السياسي عند الحضر وعند القبائل، حتى ذكروا في العقود لكثرة عددهم وللحقوق المترتبة لسادتهم عليهم، فلما عقد الرسول عقده مع وفد "جعفى" من قبائل اليمن، واستعمل الرسول "قيس بن سلمة" من بني "مرَّان بن جعفى"، كتب له كتابا فيه: "إني استعملتك على مران ومواليها، وحريم ومواليها، والكلاب ومواليها"٣. و"الكلاب": أود، وزبيد، وجزء سعد العشيرة، وزيد الله بن سعد، وعائذ الله بن سعد، وبنو صلاءة من بني الحارث بن كعب. ولما عقد الرسول عهده مع "وفد همدان"، وكتب لقيس بن مالك بن سعد بن لؤي الأرجي كتابا، ولاه فيه على قومه، جاء فيه أنه ولاه "على قومه همدان: أحمورها وغربها وخلائطها ومواليها أن يسمعوا له ويطيعوا"٤. وذكر الموالي مع همدان والأحمور والغرب والخلائط يشير بالطبع إلى أهميتهم وإلى كثرة عددهم في ذلك العهد. والأحمور: هم قُدم، وآل ذي مران، وآل ذي لعوة، وأذواء همدان. والغرب: أرحب، ونِهم، وشاكر، ووادعة، ويام، ومرهبة، ودالان، وخارف، وعذر، وحجور٥.

стр. 4894

ولما كتب الرسول إلى "ربيعة بن ذي مرحب" الحضرمي وآله، يدعوه إلى الإسلام، أشار إلى "رقيقهم" في الكتاب، مما يدل على أن عددهم كان كبيرًا١.

стр. 4895

بيع الولاء: وقد نهى الإسلام عن بيع الولاء وعن هبته. وهو أنه إذا مات "المُعْتَق" ورثه شرعًا "مُعْتِقه" حسب قوانين أهل الجاهلية، وكانت العرب تبيعه وتهبه مع أنه كالنسب فلا يزول بالإزالة. وقد كانوا في الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره، فإذا أعتق رجل عبده، صار له حق ولائه، وله ولورثته حق بيع ذلك الولاء، على نحو ما كان لهم من حق الحصول على إرثه، فنهى الشارع عن ذلك١.

стр. 4896

رزق المملوك: وما يحصل عليه العبد من عمل يديه، يكون لسيده؛ لأنه ملك يمينه، مملوك الرقبة. وإذا شهد غزوًا أو حربًا فلا يسهم له بسهم في الغنائم؛ لكونه مملوكا١, وإذا حارب سيده حارب معه، وإذا أمر بالاشتراك في غزو أو حرب وجبت عليه الطاعة وبذل النفس في القتال، دون أن يصيب من غنائمه أي شيء. وإذا عهد السيد إلى مملوكه القيام بتجارة، فإن التجارة وأرباحها تكون لسيد العبد, وكان الرسول قد أعطى "العباس" عمه عشرين غلامًا، تجروا بماله٢. وكان لـ"تميم الداري" خمسة غلمان يتاجرون بالخمر؛ اسم أحدهم "فتحا"، وكان من بيت المقدس، فلما رآهم الرسول مع "تميم" قال له: "بعني غلمانك لأعتقهم"، فقال له تميم: قد أعتقتهم يا رسول الله. و"فتحا" هو الذي

стр. 4897

أسرج مسجد النبي, وكان يسرج بسعف النخل. فقدم "فتحا" بالقناديل والزيت والحبال وأسرج المسجد، فسماه الرسول "سراجًا"١. وإذا أجاز مالك عبد لعبده الاشتغال بالتجارة، صار من حقه الاتجار حسب ما اتفق عليه. ويقال للعبد المأذون له في التجارة: "المجيز"٢. وقد يقرر السيد ضريبة يفرضها على عبده، يدفعها إليه في كل يوم، وعلى العبد أداؤها له٣, فيشتغل العبد في السوق أو يقوم بأي عمل يتمكن منه لأداء ما فرضه سيده عليه. ونظرًا إلى عدم تمكن بعضهم من الوفاء بما فرض عليه، فقد عمد بعضهم إلى السرقة ليسد مبلغ ما فرض عليه. وفرض بعض منهم على إمائه أن يزنين؛ ليأتين إليهم بما فرضوه عليهن من ضريبة، فقد ذكر علماء التفسير أن "عبد الله بن أبي بن سلول" كان يكره فتياته على البغاء، ليأخذ أجورهن. وروي عن "عبد الله بن عباس" أنه قال: "كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنى, يأخذون أجورهن، فقال الله: لا تكرهوهن على الزنى من أجل المنالة في الدنيا"٤. وفي منع ذلك وتحريمه نزل في القرآن الكريم: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ٥. وتكون المسبية ملكًا لسابيها، له أن يصيبها متى شاء، وله أن يبقيها عنده حتى تموت أو يموت هو، فتنتقل إرثًا لورثته، وله أن يبيعها متى أراد. وكان منهم من يصيب المسبيات، غير أنه يعزل، فلا ينزل فيها، حتى لا يحصل لها الولد المانع من البيع, وذلك لحبهم للأثمان٦. ومن الحرف التي شاعت بين الرقيق الحجامة، وقد كان سادتهم يأخذون أجورهم منها. ومن الحجامين الذين ورد اسمهم في الكتب "سالم الحجام"، وقد حجم الرسول وشرب دم المحجمة التي فيها دم الرسول تبركًا به٧.

стр. 4898

العتق: العتق خلاف الرق، وهو الحرية, يقال: عتق العبد، أي: خرج عن الرق, ويقال: هو مولى عتاقة، ومولى عتيق، إذا كان عبدًا فعتق، فصار مولى لسيده، تربطه به رابطة الولاء، فهو في حمايته ورعايته١. ولما فتح الرسول مكة عفا عن أهلها وأطلقهم فلم يسترقهم، فعرفوا بالطلقاء. "وفي الحديث: الطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف، بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة, وفي رواية: بعضهم أولى ببعض. وفي حديث حنين، خرج ومعه الطلقاء، وهم الذين خلى عنهم يوم فتح مكة وأطلقهم فلم يسترقهم، واحدهم طليق"٢. والطليق: الأسير الذي أُطلق إساره وخُلِّيَ سبيله؛ لمنة أراد الآسر أن يمن بها على أسيره٣. وقد ينجح العبد المعتق في حياته بعد نيله حريته، فيصير من ملاك العبيد. ومن بين الصحابة جماعة كانت من الرقيق في الجاهلية، فلما أسلمت عتقت وتحسن حالها فاشترت لها الرقيق.

стр. 4899

المكاتبة: فالعتق هو فك الرقبة، وعودة الحرية إلى العبد. ومن أبواب فك الرقبة وتحريرها من العبودية المكاتبة، وهو أن يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على كذا منجمًا, إذا أديته فأنت حر، ويبين عدد النجوم، وقسط كل نجم, فإذا أدى العبد ما عليه، صار حرًّا, وقد عرف ذلك في الإسلام أيضا. وقد كان "سيرين" والد "محمد بن سيرين" المشهور، من سبي "عين التمر" فاشتراه "أنس بن مالك" الأنصاري، وكان كثير المال، فأراد "سيرين" فك نفسه من العبودية، وسأل أنسًا المكاتبة, فأبى، فانطلق "سيرين" إلى "عمر"، فأمره أن يكاتبه، وتلا عليه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ . وذكر في رواية أخرى، أن أنسًا كاتبه على عشرين ألف درهم، فأتاه بكتابته، فأبى أن

стр. 4900

يقبلها منه إلا نجومًا، فأتى "عمر" فذكر ذلك له، فقال: أراد أنس الميراث، وكتب إلى أنس: أن اقبلها من الرجل، فقبلها. وورد في صحيفة المكاتبة: هذا ما كاتب أنس غلامه سيرين؛ كاتبه على كذا وكذا ألفًا، وعلى غلامين يعملان مثل عمله١. وكاتب "عبد الله بن عمر" غلامًا له يقال له: شرف, على خمسة وثلاثين ألف درهم، فوضع من آخر كتابته خمسة آلاف٢. وذكر "الدميري" أن "المكاتبة" لفظة إسلامية٣. ولكني أشك في صحة هذا الرأي؛ لأن التكاتب كان معروفا عند الجاهليين، وهو عقد من العقود، يؤدي العبد بموجبه ما فارقه عليه من أداء المال، فإذا أداه استحق العتق، وإن عجز عن أداء نجم يحل عليه، فلسيده تعجيزه٤. ودليل ذلك ما ورد عن المكاتبة في القرآن الكريم من قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ٥. فنسق الآية يدل على وجود التكاتب عند الجاهليين، وإذا وجد، فلا يستبعد استعمالهم لفظة "المكاتبة" قبل الإسلام. أما "التنجيم"، فمن "نجم المال": إذا أداه نجومًا، أي: يؤديه عند انقضاء كل شهر منها نجمًا، حتى إنهم كانوا يؤدون الديات نجوما. قال زهير في ديات جعلت نجومًا على العاقلة: ينجمها قوم لقوم غرامة ... ولم يهريقوا بينهم ملء محجم "وفي حديث سعد: والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة. تنجيم الدين: هو أن يقدر عطاؤه في أوقات معلومة متتابعة مشاهرة أو مساناة, ومنه تنجيم المكاتب"٦. ويظهر من ذلك أنهم كانوا في الجاهلية ينجمون حق العتق، ويكتبون بذلك كتابًا.

стр. 4901

وكان منهم من يوصي بفك رقبة عبد له، أو أمة بعد وفاته. وللفقهاء آراء في بيع "المدبر"، وهو العبد الذي علق سيده عتقه على الموت١.

стр. 4902

سوء حالة العبيد: ونظرًا إلى ما كان يعانيه الرقيق من معاملة غليظة شديدة قاسية، ومن قسوة ينزلها بهم أصحابهم عند صدور أي شيء منهم لا يرضى عنه أصحابهم، فقد فر كثير منهم من ساداتهم، وخرجوا على أمرهم، فأبقوا مع علمهم بما في الإباق من عقوبة صارمة يدخل فيها قتل الآبق. وانضم بعض منهم إلى الخارجين على عرف قبيلتهم؛ من الضلال والصعاليك والخلعاء وألفوا عصابات أخذت تعتدي على المارة وتغزو العشائر، فتصيب منها مغنمًا. وقد تكتل قوم من كنانة ومزينة والحكم القارة ومن اتبعهم من العبيد في جبل تهامة، وأخذوا يغتصبون المارة، وقد كتب إليهم الرسول، أنهم إن آمنوا بالله وبرسوله وعملوا بسنة الإسلام، فعبدهم حر ومولاهم محمد, ومن كان منهم من قبيلة لم يرد إليها، وما كان فيهم من دم أصابوه أو مال أخذوه، فهو لهم، وما كان لهم من دين في الناس رد إليهم١. ويظهر أنهم كانوا قد هددوا الأمن في ذلك الوقت، وقطعوا السبيل؛ مما أدى بالرسول إلى الكتابة إليهم بالدعوة إلى الإسلام وبترك الفتنة. وقد فر بعض الرقيق من ساداتهم، ودخلوا في الإسلام، وقد خاف سادات قريش والطائف من هذه الظاهرة؛ لما قد تتركه من أثر عليهم وعلى أوضاعهم الاقتصادية. والعبيد ركن قويم في نظمهم الاقتصادية، فحسنوا بعض الشيء من أحوال رقيقهم، وشددوا على من شعروا أن في نفسه ميلًا إلى الإسلام. وقد أمر الإسلام بالعطف على الرقيق, ففي القرآن: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ ٢.

стр. 4903

وفي كتب الحديث أحاديث في الحث على إنصاف المماليك، أي: الرقيق؛ منها حديثه: "إن إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم"١, وحث في أحاديث أخرى على إنصاف الجواري والإحسان إليهن، وعتقهن وتزويجهن إن أمكن٢. كما حث العبيد على خدمة سادتهم بإخلاص, ونهى سادة الإماء من إكراههن على الزنى؛ لأخذ أجورهن٣.

стр. 4904

تعرب العبيد والموالي: وقد أشار أهل الأخبار إلى أقوام من العبيد، تعربوا واستقروا فصاروا من العرب. كما أشار الكَتَبَة اليونان واللاتين إلى أقوام من الأعاجم نزلت سواحل جزيرة العرب، لأغراض تجارية وعسكرية، فأقامت بها واستقرت، وتعربت ونسيت أصلها، واتخذت نسبًا عربيًّا. وقد عثر الباحثون والمنقبون المحدثون على بقايا هياكل بشرية، وبقايا عظام بشر، في مواضع متعددة من السواحل والبواطن، تدل على أن أصحابها من الأعاجم ومن الإفريقيين الوافدين على جزيرة العرب، وقد أقاموا واستقروا بها وماتوا فيها, كما سبق أن تحدثت عن ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب. ومن المتعربة قوم عرفوا بـ"الصعافقة". قال أهل الأخبار: إن آباءهم كانوا عبيدًا استعربوا, أو إنهم كانوا قومًا من بقايا الأمم الخالية ضلت أنسابهم. وقد ذكروا أن مساكنهم كانت في اليمامة في موضع يقال له: "صعفوق"، به قناة يجري منها نهر كبير، أو أنهم بالحجاز. وقيل: أن "الصعافقة" خول لبني مروان، أنزلهم اليمامة، ومروان بن أبي حفصة منهم١.

стр. 4905

السخرة: السخرة: تكليف شخص وقهره على ما لا يريده, وسخره تسخيرًا: أذله وكلفه ما لا يريد وقهره وأجبره على عمل بلا أجرة ولا ثمن١. وقد عرفت السخرة في العربية الجنوبية، إذ كانت تلك الحكومات تقوم بإنشاء الأبنية العامة والطرق والجسور والسدود, وبتشييد القصور على طريق "السخرة", وهي طريقة كانت معروفة في كل أنحاء العالم في ذلك الوقت، وكانت معروفة إلى عهد قريب؛ وذلك بأن تطلب إلى الموظفين وإلى المدن والقرى وسادات القبائل تقديم ما يتمكنون من تقديمه من أتباعهم لتشغيلهم قسرًا بأعمال تريد القيام بها, فيقدم كل منهم ما يتمكن من جمعه، ويساقون سوقًا إلى مكان العمل للعمل هناك حتى ينتهي العمل. وتتكلف الحكومة الإنفاق على العمال الذين تكلفهم القيام بالأعمال العامة، تدفع إليهم عطاياهم، وتعرف بـ"شبو"، وتعني "الرزق" عينًا، وذلك بأن تقدم إليهم الطعام اللازم لعيشهم في مقابل اشتغالهم بتلك الأعمال، كما يقوم المعبد بتقديم ذلك إذا كان المعبد هو صاحب العمل٢. وترد لفظة "أشبى" بمعنى أعطى في عربية القرآن الكريم٣، وهو معنى قريب من معنى لفظة "شبو" في لغة المسند. والسخرة عمل مرهق، يقوم به المسخر المسكين دون مقابل، فهو لا يحصل وهو في موقع العمل حتى على أكل بطنه إلا بشق الأنفس، من الإهمال وسرقة القوت وسوء الاستعمال، ثم إنه قد يحبس أياما وأشهرا وهو في هذا الوضع، لا يدفع له شيء ليستعين به في تمشية أموره، أو في إعالة عائلته البعيدة عنه، إذا كان متزوجا، أو معيلا لأهله، وطالما تعرض للمرض، ومنهم من كان يموت من الإرهاق والجوع؛ ولذلك كان الهرب من السخرة شيئا مألوفا، على الرغم من تشديد الحراسة على معسكرات العمل ومواضع تجمع المسخرين، وعلى الرغم من العقوبات الشديدة التي تفرض على الهارب في حالة القبض عليه.
следующие страницы →