وكان منهم من يوصي بفك رقبة عبد له، أو أمة بعد وفاته. وللفقهاء آراء في بيع "المدبر"، وهو العبد الذي علق سيده عتقه على الموت١.
стр. 4902
سوء حالة العبيد:
ونظرًا إلى ما كان يعانيه الرقيق من معاملة غليظة شديدة قاسية، ومن قسوة ينزلها بهم أصحابهم عند صدور أي شيء منهم لا يرضى عنه أصحابهم، فقد فر كثير منهم من ساداتهم، وخرجوا على أمرهم، فأبقوا مع علمهم بما في الإباق من عقوبة صارمة يدخل فيها قتل الآبق. وانضم بعض منهم إلى الخارجين على عرف قبيلتهم؛ من الضلال والصعاليك والخلعاء وألفوا عصابات أخذت تعتدي على المارة وتغزو العشائر، فتصيب منها مغنمًا. وقد تكتل قوم من كنانة ومزينة والحكم القارة ومن اتبعهم من العبيد في جبل تهامة، وأخذوا يغتصبون المارة، وقد كتب إليهم الرسول، أنهم إن آمنوا بالله وبرسوله وعملوا بسنة الإسلام، فعبدهم حر ومولاهم محمد, ومن كان منهم من قبيلة لم يرد إليها، وما كان فيهم من دم أصابوه أو مال أخذوه، فهو لهم، وما كان لهم من دين في الناس رد إليهم١. ويظهر أنهم كانوا قد هددوا الأمن في ذلك الوقت، وقطعوا السبيل؛ مما أدى بالرسول إلى الكتابة إليهم بالدعوة إلى الإسلام وبترك الفتنة.
وقد فر بعض الرقيق من ساداتهم، ودخلوا في الإسلام، وقد خاف سادات قريش والطائف من هذه الظاهرة؛ لما قد تتركه من أثر عليهم وعلى أوضاعهم الاقتصادية. والعبيد ركن قويم في نظمهم الاقتصادية، فحسنوا بعض الشيء من أحوال رقيقهم، وشددوا على من شعروا أن في نفسه ميلًا إلى الإسلام.
وقد أمر الإسلام بالعطف على الرقيق, ففي القرآن: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ ٢.
стр. 4903
وفي كتب الحديث أحاديث في الحث على إنصاف المماليك، أي: الرقيق؛ منها حديثه: "إن إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم"١, وحث في أحاديث أخرى على إنصاف الجواري والإحسان إليهن، وعتقهن وتزويجهن إن أمكن٢. كما حث العبيد على خدمة سادتهم بإخلاص, ونهى سادة الإماء من إكراههن على الزنى؛ لأخذ أجورهن٣.
стр. 4904
تعرب العبيد والموالي:
وقد أشار أهل الأخبار إلى أقوام من العبيد، تعربوا واستقروا فصاروا من العرب. كما أشار الكَتَبَة اليونان واللاتين إلى أقوام من الأعاجم نزلت سواحل جزيرة العرب، لأغراض تجارية وعسكرية، فأقامت بها واستقرت، وتعربت ونسيت أصلها، واتخذت نسبًا عربيًّا. وقد عثر الباحثون والمنقبون المحدثون على بقايا هياكل بشرية، وبقايا عظام بشر، في مواضع متعددة من السواحل والبواطن، تدل على أن أصحابها من الأعاجم ومن الإفريقيين الوافدين على جزيرة العرب، وقد أقاموا واستقروا بها وماتوا فيها, كما سبق أن تحدثت عن ذلك في الجزء الأول من هذا الكتاب.
ومن المتعربة قوم عرفوا بـ"الصعافقة". قال أهل الأخبار: إن آباءهم كانوا عبيدًا استعربوا, أو إنهم كانوا قومًا من بقايا الأمم الخالية ضلت أنسابهم. وقد ذكروا أن مساكنهم كانت في اليمامة في موضع يقال له: "صعفوق"، به قناة يجري منها نهر كبير، أو أنهم بالحجاز. وقيل: أن "الصعافقة" خول لبني مروان، أنزلهم اليمامة، ومروان بن أبي حفصة منهم١.
стр. 4905
السخرة:
السخرة: تكليف شخص وقهره على ما لا يريده, وسخره تسخيرًا: أذله وكلفه ما لا يريد وقهره وأجبره على عمل بلا أجرة ولا ثمن١. وقد عرفت السخرة في العربية الجنوبية، إذ كانت تلك الحكومات تقوم بإنشاء الأبنية العامة والطرق والجسور والسدود, وبتشييد القصور على طريق "السخرة", وهي طريقة كانت معروفة في كل أنحاء العالم في ذلك الوقت، وكانت معروفة إلى عهد قريب؛ وذلك بأن تطلب إلى الموظفين وإلى المدن والقرى وسادات القبائل تقديم ما يتمكنون من تقديمه من أتباعهم لتشغيلهم قسرًا بأعمال تريد القيام بها, فيقدم كل منهم ما يتمكن من جمعه، ويساقون سوقًا إلى مكان العمل للعمل هناك حتى ينتهي العمل.
وتتكلف الحكومة الإنفاق على العمال الذين تكلفهم القيام بالأعمال العامة، تدفع إليهم عطاياهم، وتعرف بـ"شبو"، وتعني "الرزق" عينًا، وذلك بأن تقدم إليهم الطعام اللازم لعيشهم في مقابل اشتغالهم بتلك الأعمال، كما يقوم المعبد بتقديم ذلك إذا كان المعبد هو صاحب العمل٢. وترد لفظة "أشبى" بمعنى أعطى في عربية القرآن الكريم٣، وهو معنى قريب من معنى لفظة "شبو" في لغة المسند.
والسخرة عمل مرهق، يقوم به المسخر المسكين دون مقابل، فهو لا يحصل وهو في موقع العمل حتى على أكل بطنه إلا بشق الأنفس، من الإهمال وسرقة القوت وسوء الاستعمال، ثم إنه قد يحبس أياما وأشهرا وهو في هذا الوضع، لا يدفع له شيء ليستعين به في تمشية أموره، أو في إعالة عائلته البعيدة عنه، إذا كان متزوجا، أو معيلا لأهله، وطالما تعرض للمرض، ومنهم من كان يموت من الإرهاق والجوع؛ ولذلك كان الهرب من السخرة شيئا مألوفا، على الرغم من تشديد الحراسة على معسكرات العمل ومواضع تجمع المسخرين، وعلى الرغم من العقوبات الشديدة التي تفرض على الهارب في حالة القبض عليه.
стр. 4906
وكانت الحكومات تسرف في استخدام السخرة وتشتطّ، فتنجز بالسخرة كثيرًا من الأعمال التي هي من صميم عملها وواجبها, ولن يتأثر بالسخرة إلا الطبقات الفقيرة التي لا تملك دفاعًا عن نفسها، ولا تجد من يساعدها ويعاونها. أما سادات القبائل ووجوه البلد والأشراف وأصحاب الأرض، فلا تقع السخرة عليهم، وإنما يرسلون ما يطلب منهم من أتباعهم للقيام بالأعمال المطلوبة، وقد يسخرونهم لأداء أعمال خاصة بهم، لا صلة لها ولا علاقة بالأعمال العامة وبالنفع العام. ثم إن مفهوم القيام بالأعمال العامة وبالاشتغال بمشاريع النفع العام، لا يطبق لدى هذه الحكومات ولدى بعض الحكومات حتى في هذه الأيام إلا على هذه الطبقات الفقيرة، فعليها وحدها القيام بهذه الواجبات. ومثل هذه النظرة إلى السواد الأعظم من الأمة، جعل هذا السواد يكره حكوماته، ويكره الحاكمين، ويتهرب من الخدمة ما أمكنه ذلك؛ لأنه لا يشعر بحكومة تعطف عليه، ولا بحاكمين ينظرون إلى مصالحه، وإنما هم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم هم الناس، وأما أبناء الشعب فإنما خُلِقُوا لخدمتهم ليس غير.
ولما قام أبرهة بإصلاح سد "مأرب"، طلب من الأقيال وسادات القبائل وأصحاب الأرض مده بالمسخرين، فأرسلوا إليه ما طلب منهم، واشتغلوا في إصلاح السد وفي العمل على رتق ما صدع منه. فقاموا بنقل الحجارة الصلدة من مواضع مقالع الحجر، وعملوا مسخرين في أعمال البناء، ولم يدفع لهم شيئًا سوى الأكل، وقد بقوا هناك حتى تم العمل، فسمح لهم بالعودة إلى ديارهم.
والمفروض في أخذ المسخرين من المدن والقرى والقبائل، أن يكون ذلك متناسبًا مع عدد السكان، وعدد رجال القبيلة. فالمدينة الكبيرة تقدم عددًا يزيد على ما تقدمه المدينة الصغيرة أو القرية, والقبيلة الكبيرة تقدم عددًا يزيد على عدد ما تقدمه القبيلة الصغيرة، غير أن ذلك لا يطبق بصورة عملية، فالعادة أن تفرض الأعمال الشاقة على الضعفاء والفقراء، ورُبَّ قرية تقدم من المسخرين ما يزيد على ما تقدمه مدينة كبيرة. وهكذا الحال بالنسبة إلى القبائل الضعيفة والقبائل القوية.
стр. 4907
وقد كان الرقيق في أوائل من استجاب إلى الإسلام؛ تخلصًا من رق العبودية، كان العبد إذا استطاع التخلص من سيده ودخل في الإسلام, صار حرًّا طليقًا؛ وهذا مما أغضب سادة قريش وغيرهم من الملَّاك أصحاب العبيد، وجعلهم يقولون: إن محمدًا قد أفسد علينا عبيدنا. ولما حاصر الرسول "الطائف" نزل إليه رقيق من رقيق أهل الطائف، فأسلموا وأعتقوا١، وجعل الرسول ولاء هؤلاء العبيد لسادتهم حين أسلموا٢.
стр. 4908
الفصل العاشر بعد المئة: الاتاوة والمكس والاعشار
مدخل
...
الفصل العاشر بعد المائة: الإتاوة والمكس والأعشار
والإتاوة: الرشوة والعطاء والخراج، يقال: أدى إتاوة أرضه أي: خراجها، وضربت عليهم الإتاوة، أي: الجباية١. وهي ما كان يفرضه الملوك وأصحاب الأرض وسادات القبائل من حقوق على رعاياهم وأتباعهم، ويجبرونهم على أدائها لهم. وهي بالطبع جباية مكروهة، كان الناس يتهربون منها كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ويتهربون من رؤية وجوه عمالها الذين كانوا يكرهونهم كرهًا شديدًا لاشتطاطهم عليهم، وتعسفهم بهم، وأخذهم أكثر مما يجب أخذه في أغلب الأحوال؛ ليأكلوا منها ما يتمكنون من أكله، فقد كانت الجباية من موارد الرزق الحرام والكسب غير المشروع للجباة.
ويقال للخراج والإتاوات: "الطعم"، يقال: فلان تجبى له الطعم، أي: الخراج والإتاوات, ويقال: جعل السلطان ناحية كذا طعمة لفلان، أي: مأكلة له, وفسر بعضهم الطعمة بشبه الرزق وبالمأكلة٢. وفي هذا التفسير تفسير لوجهة نظر الجاهليين والإسلاميين بالنسبة إلى الإتاوة وكل أنواع الجباية، كانوا يرون أنها مأكلة للحكام ورزقًا يأخذونه من أتباعهم؛ ليعتاشوا به مع ما يعتاشون عليه من أرزاق، مثل الاتجار في السوق واستثمار الملك، بينما لا ينال الأتباع منه أي شيء، إلا بتوسل واستعطاف ودعاء ومدح وتمرغ على أعتاب أبواب الحكام.
стр. 4909
و"المكس" هو ما يأخذه الماكس من جباية, من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية، أو الدراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق. والمكوس: هي الضرائب التي كان يأخذها العشارون، والمكس: النقص، وبين المكس والنقص صلة وعلاقة، فتأدية المكس هو نقص يصيب مال المؤدي للمكس. وقد أشير إليه في شعر "جابر بن حني" التغلبي، الذي يقول:
أفي كل أسواق العراق إتاوة ... وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم١
ومعنى هذا أن الناس كانوا يدفعون إتاوة في أسواق العراق، يدفعون عن كل ما يبيعونه مكسًا هو درهم. وهو مكس يزيد بزيادة ثمن البيع، فإذا كان ثمن المباع كثيرًا، زاد مكسه ليتناسب مع الثمن.
وتقابل لفظة "مكس" لفظة "Telos" في اليونانية، و"Toll" في الإنجليزية, ويقال للموضع الذي تمكس البضائع والسلع فيه: Telonion""٢. ويجب أن نميز بين هذه الضريبة وبين لفظة "Tribute" التي هي في مقابل "Mas"؛ لأن المكس ضريبة تؤخذ عن السلع وعن حق مساهمة الحكومة في الأرباح، بينما الثانية ضريبة إجبارية تؤخذ من الناس٣, وقد ترجمت لفظة "Tribute" بـ"جزية" وجباية وإتاوة في اللغة العربية, يقال: جبى الخراج جباية. وورد في شعر للجعدي:
دنانير يجبيها العباد وغلة ... على الأزد من جاه امرئ قد تمهلا٤
ونجد علماء اللغة يجعلون لفظة "الماكس" في مرادف لفظة "العشار", وعرفوا المكس، بأنه ما يأخذه العشار, وهو ماكس، فالعشار هو الماكس. وورد في الحديث: "لا يدخل صاحب مكس الجنة", قيل: صاحب مكس هو العشار٥. والعشار هو قابض العشر، والعشر أخذ واحد من عشرة. فالماكس إذن هو الجابي القابض للمكس، وهو العشر، أي: عشر ما يباع، وقد غلبت عليه
стр. 4910
لفظة "العشار" لأنه يأخذ العشر، عشر أموال الناس، ولأنه يعشرهم. وقد كان "العشر" من أهم سمات الجاهلية ومعالمها، "وفي الحديث: "إن لقيتم عاشرًا فاقتلوه"، أي: إن وجدتم من يأخذ العشر على ما كان يأخذه أهل الجاهلية مقيمًا على دينه، فاقتلوه؛ لكفره أو لاستحلاله لذلك إن كان مسلمًا وأخذه مستحلًّا وتاركًا فرض الله، وهو ربع العشر"١.
فالمكس، إذن هي الضرائب التي تؤخذ عن المبيعات والمشتريات، أي: عن التجارة، يجبيها جباة المكس، أي: العشارون من الأسواق ومن المواضع المخصصة لمرور التجار بها على الحدود، ولا صلة لهذا العمل بعمل جباية الجزية والخراج.
ولفظة "الإتاوة" و"العشر" و"المكس" والجزية من الألفاظ التي لا يشك في كونها كانت معروفة عند الجاهليين. وقد أشرت إلى ورود لفظة "الإتاوة" في شعر "جابر بن حني التغلبي", ووردت في شعر للجعدي, هو:
موالي حلف لا موالي قرابة ... ولكن قطينًا يسألون الأتاويا
أي: هم خدم يسالون الخراج٢. وكانت الكلمة على ما يظهر عامة، بمعنى: ضريبة من غير تعيين.
وأما "الخراج"، فللعلماء في أصلها ومعناها كلام. وقد وردت لفظة "خرجًا" في القرآن الكريم؛ وردت في سورة الكهف: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ ٣, وقد قرأها بعض المفسرين: "خراجًا"، وذهبوا إلى أنها بمعنى الأجر، وقال بعض منهم: إن الخراج عند العرب هو الغلة٤. ووردت في سورة "المؤمنون": ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ٥, وفسر العلماء اللفظتين بمعنى الأجر٦.
стр. 4911
وذهب علماء اللغة إلى أن الخرج بمعنى الإتاوة تؤخذ من أموال الناس كالخراج، وهما واحد لشيء يخرجه القوم في السنة من مالهم بقدر معلوم, وقال بعضهم: الخراج الفيء والخرج الضريبة والجزية. وذكروا أن الخراج الذي وظفه "عمر" على السواد وأرض الفيء، فإن معناه الغلة أيضًا؛ لأنه أمر بمساحة السواد ودفعها إلى الفلاحين الذين كانوا فيه على غلة يؤدونها كل سنة، ولذلك سمي خراجًا، ثم قيل بعد ذلك للبلاد التي فتحت صلحًا. ووظف ما صُولحوا عليه على أراضيهم خراجية؛ لأن تلك الوظيفة أشبهت الخراج الذي ألزم به الفلاحون وهو الغلة, لأن جملة معنى الخراج الغلة. وقيل للجزية التي ضربت على رقاب أهل الذمة خراج؛ لأنه كالغلة الواجبة عليهم، وفي الأساس: ويقال للجزية الخراج، فيقال: أدى خراج أرضه والذمي خراج رأسه, وعن ابن الأعرابي: الخرج على الرءوس والخراج على الأرضين. وقال الرافعي: أصل الخراج ما يضربه السيد على عبده ضريبة يؤديها إليه، فيسمى الحاصل منه خراجًا, وقال القاضي: الخراج اسم ما يخرج من الأرض, ثم استعمل في منافع الأملاك كريع الأرضين وغلة العبيد والحيوانات١.
والخراج، هو "طسقا" "Tasqa" في التلمود، و"Maddata" "مدَّاثا" في الموارد السريانية النصرانية٢, ولفظة "طسقا"، هي من الألفاظ الآرمية الأصل. وتعرف ضريبة الأرض بـ"Halk" و"Halak" وبـ"Minda" "ميندا" وبـ"Midda" في لغة بني إرم, ووردت باسم "طسقا" وبـ"مناثا ذ - ملكا" "Mnata d-Malka" في التلمود، وباسم "طسقا" و"مدثا" "Maddata" في السريانية٣.
ولفظة "طسقا" معروفة في العربية كذلك، فهي عندهم "الطسق"، وتؤدي المعنى ذاته المفهوم منها في التلمود. ذكر علماء العربية أن الطسق، ما يوضع من الخراج المقرر على الجربان, وكتب "عمر" إلى "عثمان بن حنيف" في رجلين من أهل المدينة أسلما: ارفع الجزية عن رءوسهما وخذ الطسق من أرضيهما, وذكر بعض علماء اللغة أنها لفظة معربة أو مولدة٤. فهي ضريبة الأرض, وتقابل
стр. 4912
"فورس" "Phoros" في اللغة اليونانية, وتؤخذ عينًا في الغالب، أي: غلة١.
وأما الجزية، فقد ذكر العلماء أنها خراج الأرض، وما يؤخذ من الذمي. ورد في الحديث: "ليس على مسلم جزية"، وورد: "من أخذ أرضًا بجزيتها"٢، وورد في القرآن الكريم: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٣. وقد ذكر المفسرون أن الجزية: الخراج عن الرقاب٤, ويظهر من الحديث ومن كتب الفقه، أن المراد بها ضريبة الرأس. ولما كتب الرسول إلى "المنذر بن ساوى"، بشأن أتباعه، قال له: "ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية"٥, وقد أمر الرسول عماله بأخذ الجزية من أهل الكتاب، ممن يريد البقاء في دينه. فهي إذن بهذا المعنى, ضريبة تؤخذ من غير المسلمين، في مقابل الزكاة التي تؤخذ من المسلمين.
وضريبة الرءوس معروفة، وهي تؤخذ من المغلوب على أمره، ولا سيما بعد الحروب, فتفرض على المغلوب ضريبة على رأس كل إنسان بالغ؛ ولذلك أنفت تغلب من أدائها، ولم تقبل بتأديتها؛ لأن في أدائها مذلة وصغارًا. وهي ضريبة دائمة، تلازم من فرضت عليه ما دام في حكم من فرضها، وهي تختلف عن الفدية التي تفرض على الأسر لفك أسره، وعن المبلغ الجماعي الذي يفرض على المغلوب في مقابل التصالح معه، وهو ما يعبر عنه في العربية بـ"وصالحهم على كذا وكذا", يؤدونه جزاء العفو عنهم.
وعبر عن الجزية بلفظة "Keraga" في التلمود, وبـKesef Rexa" "Kesef Resha"، أي: ضريبة الرأس في الموارد النصرانية السريانية، وبـ"Belo" "بلو" في لغة بني إرم وبـ""kesap Gulgulta في التلمود أيضا٦. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن لفظة "الجزية" و"جزية" من أصل سرياني هو "Gzita"، وذهب بعض آخر إلى أنها
стр. 4913
من أصل فارسي هو "Gazitak" و"كزيد" بمعنى ضريبة يدفعها الذمي، أي: الذي أمنته الحكومة على حياته وماله وعرضه, وذهب بعض آخر إلى أنها من أصل عربي١. وتقابل هذه الضريبة ما يقال له: "Kensos" في اليونانية، وهي ضريبة كان يأخذها الرومان من اليونان عن رءوسهم، وهي لا تدفع غلة أو سلعة وإنما تؤخذ منهم نقودًا، أي: بالعملة الرومانية٢.
وقد كانت الحكومات العربية الجنوبية تتقاضى العشر أيضًا عن البيوع وتوسعت حكومة "قتبان" في العشر، فجعلته إتاوة كل وارد أو ربح يصيبه الرجل، سواء أكان ذلك من البيع والشراء أم من الإجارة والإرث والزرع وكل عمل آخر٣. ويظهر أن العشر، قد أخذ عن الزرع أيضًا في حكومة "سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت", وأيضًا في حكم الحبش على اليمن. وقد وردت لفظة "عشر" و"عشورت" في كتابات المسند، وتعني العشر الذي نبحث عنه٤.
وأشار "بلينيوس" إلى العشر، فذكر أن العرب الجنوبيين كانوا يعشرون اللبان وما تنتجه بلادهم من بخور، يعشرهم رجال الدين باسم الإله "سن" "سين"٥. ومعنى هذا أن المعبد كان يعشر المتمكنين من أصحاب الحاصل، فيأخذ منهم عشر غلتهم من هذه المواد. وأعتقد أنهم كانوا يعشرون كل مال يدخل إليهم, ولا يقتصر هذا التعشير على المواد المذكورة، أي: على الغلة الزراعية، بل يشمل ذلك كل ربح مهما كان نوعه، جاء عن الزراعة أو التجارة, وهذا التعشير لكل شيء، كان متبعًا عند غير العرب كذلك٦. ونجد "صموئيل" يهدد شعبه بأنه سيعشر زرعه وكرومه وغنمه، ويأخذ جواريه وعبيده وشبانه وبناته، فيجعلهم عبيدًا له، يسخرهم كالحمير إن لم يستجيبوا له، ويسمعوا لما طلبه منهم٧.
стр. 4914
والعشر معروف عند غير العرب أيضًا، وهو يقابل "إش، رو، و" "Isch-ru-u" في الآشورية، أي "عشر"، وهو ما يدفع عن الأموال والذهب عندهم، و"مَعَشير" "Ma asher" في العبرانية، وقد جرى التعشير عندهم قبل أيام موسى، ونص عليه في التوراة. فكانوا يقدمون عشر أموالهم صدقة تزكيهم، يدخل فيه البقر وبقية الماشية، وتوسع "الفريسيون" في ذلك، فأدخلوا في العشر، عشر النعناع والشبث والكمون١.
وقد أشير في نصوص المسند إلى الضرائب التي كان على المتبايعين في الأسواق أداؤها إلى الحكومة, فعلى كل متعامل في السوق دفع "همد" إلى جباة السوق. والـ"همد" ما يؤخذ من المتعاملين في السوق عن اتجارهم بها, فهي ضريبة البيع والشراء٢. وقد حذرت تلك النصوص المخالفين المتهربين من دفع ما عليهم من الـ"همد" بإنزال أقصى العقوبات عليهم بما في ذلك مصادرة أموالهم، إن حاولوا أكل حق الحكومة، والتهرب من دفع حصتها من الربح.
وهناك ضريبة أخرى ذكرت في النصوص كذلك، هي "فرعم"، أي: "فرع". يظهر أنها كانت عندهم تطوعية, لا يجبر الإنسان على أدائها، وإنما هي صدقة يتصدق بها من يشاء.
وقد كانت الحكومات العربية الجنوبية قد عينت جباة يجلسون في الأسواق وعند مدخل الحدود لجمع الضرائب المفروضة على البيع والشراء والاتجار وحق المرور. أما ضرائب غلات الأرض، فلها جباتها، كما كان يلتزمها كبار أصحاب الأرض وأصحاب الأقطاع، فيدفعون للحكومة حصتها من الزرع، وهم يجبون تلك الحصة من صغار المزارعين التابعين لهم أو المستأجرين لأرضهم، فيأخذون منهم كل ما يمكنهم أخذه للاستئثار به، وإعطاء القليل منه إلى الحكومة. وبذلك كان صغار المزارعين والمستأجرين للأرض يلاقون عنتًا شديدًا من الضرائب المفروضة عليهم.
وقد كان المتولون لأمر الأسواق يأخذون عشور التجار, لهم جباة يجوبون السوق؛ ليأخذوا عُشر ما يباع. فكان "الأكيدر" يعشر سوق دومة الجندل،
стр. 4915
وربما يتولاها سادة "كلب"، أو بعض الغساسنة، وكان "قنافة" الكلبي ممن ينافس الأكيدر على دومة, يتولى جباية العشر كذلك. وكذلك كان المتولون لأمر الأسواق الأخرى يأخذون العشر. فالعشر، الجباية المألوفة التي يدفعها التجار عن تجارتهم في كل ما يبيعون ويشترون، وعن مكس السلع التي تنقل لبيعها في الأسواق الخارجية. فقد كان التجار العرب إذا دخلوا حدود بلاد الشام، عشرهم رجال المكس على الحدود, وإذا تاجروا في أسواق بلاد الشام عشرهم العشارون في هذه الأسواق.
وكان "زنباع بن روح" ممن يعشر من يمر به بمشارف الشام١, وهو من "جذام", وكان يعمل للحارث بن أبي شمر الغساني. ذكر أن "عمر" خرج تاجرًا في الجاهلية مع نفر من قريش، فلما وصلوا إلى فلسطين، قيل لهم: إن "زنباع بن روح" يعشر من يمر به، فعمدوا إلى إخفاء ما معهم من ذهب، فلما وجده، أغلظ عليهم في العشر ونال من عمر، فقال "عمر" في ذلك:
متى ألق زنباع بن عمرو ببلدة ... لي النصف منه يقرع السن من ندم
ويعلم أن الحي حي ابن غالبٍ ... مطاعين في الهيجا, مضاريب في الهيم٢
ويقال لعمال العشور والجزية: "الحُشَّار"، وفي حديث وفد ثقيف اشترطوا ألا يعشروا ولا يحشروا، أي: لا يندبون إلى المغازي ولا تضرب عليهم البعوث، وقيل: لا يحشرون إلى عامل الزكاة ليأخذ صدقة أموالهم، بل يأخذها في أماكنهم٣.
وورد في كتاب الرسول لعبد يغوث بن وعلة الحارثي: "ولا عشر ولا حشر"، وورد في كتابه إلى "يزيد بن المحجل الحارثي": "إن لهم نمرة ومساقيها ووادي الرحمن من بين غابتها، وإنه على قومه من بني مالك وعقبة, لا يغزون ولا يحشرون"، وجاء مثل ذلك في كتابه لقيس بن الحصين ذي الغصة: "لا يحشرون ولا يعشرون"٤، ووردت هذه الجملة في كتابه لبني جُعيل من
стр. 4916
بليّ١، وقد فسر "ابن سعد" جملة: "وأنهم لا يحشرون"، بقوله: "لا يحشرون من ماء إلى ماء في الصدقة"، وعبارة: "لا يعشرون" بقوله: "ولا يعشرون -يقول- في السنة إلا مرة", وفسر "السعاية" الواردة في الكتاب بالصدقة٢. وعندي أن الحشر يجب أن يكون في معنى له صلة بالجلاء، أو بالجمع لسخرة وتكليف بقيام عمل إجباري. وقد ورد في كتب اللغة أن الحشر الجلاء؛ ولذلك قيل في بني النضير عندما أجلوا: إنهم أول حشر حشر إلى أرض المحشر، كما قالوا: يوم المحشر وأرض المحشر, والحشر أيضا بمعنى إجحاف السنة الشديدة بالمال٣. فللفظة إذن علاقة بالإجلاء وبالسخرة وبالندبة إلى الحرب أو للقيام بعمل إجباري جماعي, ولا زال أهل العراق يستعملون لفظة "الحشور" في معنى جمع الناس للسخرة، ولأي عمل تريده الحكومة إجبارًا.
و"العشر" كما يتبين من النصوص الجاهلية ومن الموارد الإسلامية، أقدم ضريبة معروفة عند العرب، وهي ضريبة عامة تشمل أرباح التجارة كما تشمل أرباح الزراعة, وقد عرفت في جميع أنحاء جزيرة العرب. وهي في الواقع من أقدم الضرائب المعروفة في التاريخ, فرضتها الحكومات والأديان على الأتباع منذ أقدم العصور.
ولم أقف على وجود "العُشَّار" في مكة أو في يثرب أيام الجاهليين، ولكن هذا لا يعني نفيًا لوجود هذه الضريبة عند أهل المدينتين. ولا أستبعد وجودها عندهم، وذلك أنهم كانوا يأخذونها من المتبايعين في الأسواق لصرفها في الشئون العامة المتعلقة بمجتمعهما، فقد كان لكل سوق في الجاهلية عشارون يجمعون العشر, فلا داعي لاستثناء سوقي مكة والمدينة من العشر.
وقد سبق لي أن ذكرت أن سادات مكة كانوا قد اتفقوا فيما بينهم على أن يقدموا من أموالهم مالًا للرفادة ولتحمل الأشناق ونفقات الدفاع عن المدينة, يدفعها كل إنسان حسب قابليته المالية وإمكانياته. ولعلهم كانوا يأخذون من أرباحهم التي يحصلون عليها من القوافل نصيبًا معلومًا قبل توزيعها على المساهمين؛ ليكون عونًا للمدينة في تمشية أعمالها وفي الدفاع عن شئونها.
стр. 4917
الطعمة:
وترد في كتب أهل الأخبار لفظة "طعمة"، بمعنى المأكلة، ورد أن النعمان بن المنذر جعل لبني لأم من طيء ربع الطريق طعمة لهم لصهر كان لهم عنده, أي: إن النعمان جعل حق الطريق لهم، يجبون من المارة جبايتهم فيأخذونها لهم، ولا يعطونها للملك؛ لأنه كان قد تنازل عن حقه فيها إليهم. يقال: فلان تجبى له الطعم، أي: الخراج والإتاوات١. وكان من عادة الملوك، التنازل عن حق جباية الإتاوة, عن بعض الأرضين أو الطرق لسادات القبائل؛ تأليفًا لقلوبهم، وإسكاتًا لألسنتهم، ولأنهم يعلمون أن نفوذهم على تلك الأرضين أو القبائل لم يكن ثابتا قويا، بل كان بالاسم فقط، وأنهم لا يتمكنون من أخذ جبايتها؛ لذلك كانوا يتظاهرون أمام الناس بالتنازل عن حقهم في تلك الضرائب.
стр. 4918
ضرائب الزراعة:
وعلى أصحاب الأرض والمزارعين دفع نصيب الحكومة من الحاصل, وقد عينت الحكومات موظفين لجباية حصتها، عرفوا بـ"حزرو" في نصوص المسند, وواحدهم: "حزر"١؛ "الحازر" والخارص في لغة القرآن الكريم. ويذكر علماء اللغة أن "الحزرة" من المال خياره. وفي الحديث أن الرسول بعث مصدقًا، فقال له: "لا تأخذ من حزرات أنفس الناس شيئًا، خذ الشارف والبكر" يعني في الصدقة٢.
والخرص: الحزر والحدس والتخمين, هذا هو الأصل في معناه. ومنه خرص التمر والنخل؛ لأن الخرص إنما هو تقدير بظن لا إحاطة, وفاعل ذلك "الخارص", وما يقدر هو خرص الأرض، وخرص النخل, وكان هؤلاء الخراص يذهبون في المواسم إلى البساتين والمزارع لخرصها. وفي الحديث كان النبي يبعث الخراص على نخيل خيبر عند إدراك ثمرها, فيحزرونه رطبًا كذا وتمرًا كذا٣.
стр. 4919
ولا نستطيع أن نأتي بتأريخ ثابت معين عن مبدأ فرض الضرائب الزراعية والضرائب الأخرى في العربية الجنوبية، ولا في أي مكان آخر من جزيرة العرب؛ لعدم ورود نصوص جاهلية عن ذلك. ويظهر أن ما نسميه بالضرائب، كان في بادئ أمره صدقة يدفعها المتمكن عن نفسه وعن أمواله؛ قربة للآلهة وزكاة لنفسه ولأهله ولأمواله، لترضى عنه الآلهة، ولتمن عليه بالصحة والعافية. ومن هذا القبيل النذور، التي كان يكثر منها الإنسان في السابق, فكانت تكوّن موردا حسنا من موارد الحكومة والمعبد. فلما ظهر الملوك، وصارت الحكومة حكومتهم، فرضوا ضرائب إلزامية لتكون واردًا يموّن الملوك وحكومتهم بما يحتاجون إليه من مال ونفقات.
والضرائب عالية في الغالب، بالنسبة إلى المزارعين المالكين لأرضين صغيرة, وللمزارعين الذين يشتغلون بأجور أو يستغلون الأرض بعقود, فعلى هؤلاء دفع عوائد أخرى إلى سادتهم أصحاب الملك، وإلى رجال الدين الذين يطالبون المزارعين بدفع زكاة زرعهم لهم قسرًا، فلا يبقى لدى هؤلاء من غلتهم إلا النزر اليسير الذي لا يكاد يكفيهم. فعاش الفلاح في ضنك من العيش, وهذا مما أثر على الوضع العام للدولة بالطبع.
أما كبار الملاكين وسادات القبائل والأشراف، فلم يكونوا يدفعون إلى حكومتهم إلا جزءًا صغيرًا من دخلهم الذي يحصلون عليه من الزرع؛ فقد كانوا يتحايلون عليها في تقدير غلاتهم، كما كانوا يحملون المزارعين والمستأجرين لأملاكهم وأفراد قبيلتهم العبء الأكبر في دفع الضرائب. فقد كانوا هم الذين يقومون بجمع الغلة وتوزيعها وإفراز حصة الحكومة وحصة المعبد والحقوق الأخرى المترتبة على المزارع. فكانوا يتناولون حصصهم كاملة وزيادة، ويحملون مزارعيهم ومن يشتغل في خدمتهم دفع حصة الحكومة والمعبد، فلا يقع عنهم من باقي الحصة إلا الشيء القليل, يقع ذلك والحكومة عارفة به، ولكنها لا تستطيع أن تفعل شيئًا؛ لنفوذ كبار الملاكين وسادات القبائل وسلطانهم على أتباعهم الموروث من العادة والعرف.
ولضمان تحصيل حصص الحكومة من الزرع، كان جباة الضرائب يأتون المزارع، فيأخذون ما قدروه وخرصوه من خيار الزرع ويتركون الباقي للفلاح. وقد يثبتون حصة الحكومة عند حلول أوان التقدير ويعينونها، فإذا حان وقت
стр. 4920
جمع الحاصل، جاءوا فأخذوا غلة ما عينوه, ويقولون لهذا الذي تأخذه الحكومة من الغلة "رزم"١. يأخذونه وهو بعد على الأرض، قبل نقله إلى موضع التجميع والتخزين.
والمزارع الصغير مغبون في كل شيء، وكذلك الفلاح. كان على المزارعين والفلاحين أن يبدءوا عملهم بالاستدانة من وكلائهم الذين يتوكلون عنهم في تصريف حاصلهم أو من رب الأرض، فيحملونهم ربا الدين ويتحكمون عندئذ في أمورهم، ويحصلون منهم على ربح يؤثر عليهم، حتى إذا انتهى الموسم، أو حال الحول وجد هؤلاء أنفسهم وقد أثقلتهم ديونهم، وتكاثرت عليهم التزاماتهم، وقد صاروا تابعين لأصحاب الأرض، لا يستطيعون ترك أرضهم إلا بعد ترضيتهم وتسوية ديونهم.
وكما يفعل بعض الناس في الزمن الحاضر من التهرب من دفع الضرائب بمختلف الطرق، كذلك يهرب الناس في الجاهلية من دفع الضرائب إلى الحكومات، بالرغم من العقوبات الصارمة التي فرضت على المتهربين والمخالفين, وفي ضمن ذلك الاستيلاء على الحاصل الزراعي كله، وتهديم المذاخر التي قد يخفى فيها الحاصل, وتهديم أملاك صاحبه. ونجد في أحد النصوص أن من يخفي حاصله ولا يدفع ما عليه, ويخفيه في القنن -جمع قنة "قنت"، أي: المخازن- ويتستر عليه، فإنه يصادر عليه ويؤخذ منه، بل يُستولَى على كل ما يعثر عليه في المزرعة ويتلف، ويعاقب بالقتل أيضا٢.
أما بالنسبة إلى الضرائب الزراعية عند أهل العربية الغربية أو أهل المواضع الأخرى من جزيرة العرب، فلا نملك نصوصًا جاهلية عن هذا الموضوع, ولكنا نجد في القرآن الكريم وفي كتب التفسير إشارة إليها. ورد فيه: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ، وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ٣, وورد: ﴿وَهُوَ الَّذِي
стр. 4921
أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ١, وورد: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ٢. ففي الآيات المذكورة, أن أهل الجاهلية كانوا جعلوا لله ولشركائه من ثمراتهم ومالهم نصيبًا، فإذا كان يوم حصاد الزرع أو قطف الثمر، أخرجوا من كل عشرة واحدًا، فهي العشور؛ عشور كل شيء من نخل أو عنب أو حبّ أو فواكه أو قصب. وأما أموالهم، فقد جعلوا بحيرة وسائبة ووصيلة وحاميًا وأنعامًا لا يذكرون اسم الله عليها٣.
ونجد في كتب رسول الله إلى الملوك وسادات القبائل إشارة إلى "العشر"، أي: إلى هذا الحق الذي كانوا قد فرضوه على أنفسهم، ففي كتابه إلى "عبد يغوث بن وعلة الحارثي": "إن له ما أسلم عليه من أرضها وأشيائها -يعني: نخلها- ما أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وأعطى خمس المغانم في الغزو، ولا عشر ولا حشر"٤. وفي كتابه لقيس بن الحصين ذي الغصة، أمانه لبني أبيه بني الحارث ولبني نهد: "إن لهم ذمة الله وذمة رسوله، لا يحشرون ولا يعشرون"٥، وفي كتابه لبني جُعيل: "لهم مثل الذي لهم، وعليهم مثل الذي عليهم، وأنهم لا يحشرون ولا يعشرون"٦. وفي كتابه إلى "العلاء بن الحضرمي": "وابعث معها ما اجتمع عندك من الصدقة والعشور"٧. وفي كتابه لبادية الأسياف ونازلة الأجواف مما حاذت صحار: "ليس عليهم في النخل خراص ولا مكيال مطبق حتى يوضع في الفداء, وعليهم في كل عشرة أوساق وسق"٨، أي: العشر.
стр. 4922
ونجد في كتاب رسول الله لعمرو بن معبد الجهني وبني الحرقة من جهينة وبني الجرمز: "وما كان من الدين مدونة لأحد من المسلمين قضى عليه برأس المال وبطل الربا في الرهن, وأن الصدقة في الثمار العشر"١, فجعل الصدقة بمعنى العشر، أي زكاة الثمار. ونجد العلماء يجعلون الصدقة زكاة، والزكاة صدقة، يفترق الاسم ويتفق المسمى٢، ونجدهم يفرقون بينهما في بعض الأحيان، إذ تكون الصدقة تطوعًا، بينما الزكاة حكمًا مفروضًا، له حدود معلومة على نحو ما حددته كتب الفقه والأحكام.
وقد كان هذا شأن أهل الحجاز، ولا سيما أهل يثرب, يؤدون عشر حاصل زرعهم يوم حصاده وعند الصرام، وبقوا على حالهم هذه حتى فرضت الصدقة المعلومة، أي: الزكاة، فسن العشر ونصف العشر، وترك عشر الجاهلية، على نحو ما نجده في كتب الفقه والأحكام٣. وفي الحديث: "فما سقت الأنهار والغيم العشور، وفيما سقي بالسانية والغروب والدلاء نصف العشر"٤.
وقد أشير إلى "العشر" في كتاب "عمر" إلى "زياد بن حدير"، حيث جاء: "إن أقاموا ستة أشهر فخذ منهم العشر، وإن أقاموا سنة فخذ منهم نصف العشر"٥. وفي كتاب آخر بعث إليه أيضًا, هذا نصه: "لا تعشرهم في السنة إلا مرةً"٦.
وعرف من كان يجمع "الصدقة" في الإسلام بـ"المصدق", وهو آخذ الصدقات، أي: الحقوق من الإبل والغنم يقبضها ويجمعها، والمتصدق: معطيها٧. وقد جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله، فقالوا: إن ناسًا من المُصدّقين
стр. 4923
يأتوننا فيظلموننا، فقال رسول الله: "ارضوا مصدقيكم"١. وقد حث الرسول على إرضاء المصدق٢.
و"الساعي" مثل المصدق، من يستعمل على الصدقات ويتولى استخراجها من أربابها, وفي حديث وائل بن حجر، أن وائلًا يستسعي ويترفل على الأقيال، أي: يستعمل على الصدقات٣. وقد أهمل استعمال لفظة "الساعي" في هذا المعنى فيما بعد، واستعملت في أمور أخرى مثل سعاة البريد. وقيل لمن يتولى أمر الصدقات ويشرف على سعاتها: "عامل الصدقة"، و"عمال الصدقات".
ونجد في كتب اللغة لفظة "السمرج"، في معنى له صلة بالضرائب، يذكر علماء اللغة أنها لفظة فارسية معربة تعني استخراج الخراج في ثلاث مرات، أو اسم يوم ينقد فيه الخراج، ويوم جباية الخراج, أو هو يوم للعجم يستخرجون فيه الخراج في ثلاث مرات٤. وذكر بعض علماء اللغة أن "الشمرج" اسم يوم جباية الخراج للعجم، وقد عربه "رؤبة" بأن جعل "الشين" سينًا٥.
هذا, ونستطيع حصر الضرائب التي كان يدفعها أهل الجاهلية في ثلاثة أصناف: ضرائب الأرض أي: ما يؤخذ عن غلة الأرض، وضرائب الرءوس أي: ما يقال الجزية في الإسلام، وضرائب التجارة والأرباح. وقد كانت تقدم إلى الحكومة أو سادة القبائل على شكل نقود، أو سبائك ذهب أو مصوغات, حيث تحفظ في خزائنهم, وفي خزائن المعابد في حالة الضرائب التي تدفع إلى المعبد٦.
وكانت الجباية بأنواعها من المآكل والمطاعم بالنسبة لبعض من يتولون أمرها، يأكلون ما يتمكنون من أكله، ويسلمون الباقي إلى من عيَّنهم عليها. ونجد في الموارد الإسلامية إشارات إلى الرشوة والمرتشين وآكلي الصدقات وإلى "المصانعة" أي: الرشوة، يقال: صانع الوالي أو الأمير, إذا رشاه٧.
стр. 4924
الفصل الحادي عشر بعد المئة: النقود
...
الفصل الحادي عشر بعد المائة: النقود
وفي الموارد الإسلامية بعض الأخبار عن نقود كانت متداولة في الحجاز عند ظهور الإسلام, وقد سميت تلك النقود بأسمائها، وأشير إلى وزنها ومقدارها. وعثر الباحثون على نماذج من نقود جاهلية تعود إلى عهود مختلفة في مواضع متعددة مختلفة من جزيرة العرب، قدمت لنا بعض المعارف عنها وعن مصادرها. فمن الموارد الإسلامية ومن بعض كتابات المسند التي أشير فيها إلى نقود جاهلية ومن قطع النقود الجاهلية التي عثر عليها المنقبون، جمعنا ما سنقوله عن نقود أهل الجاهلية.
وقد استعمل أهل العربية الجنوبية النقود في معاملاتهم، استعملوا نقودًا سكّت من ذهب، ونقودًا سكّت من فضة، وأخرى سكّت من نحاس ومن معادن أخرى, وقد عثر على نماذج من كل نوع من هذه الأنواع. كما تعاملوا بالنقود الأجنبية كذلك، مثل النقود اليونانية والرومانية والمصرية والحبشية والفارسية, وقد عثر على نماذج من هذه النقود في مواضع متعددة من العربية الجنوبية: في اليمن، وفي حضرموت، وفي مواضع أخرى. وقد زاد تعامل أهل اليمن بالنقود الحبشية والساسانية في أثناء احتلال الحبش والساسانيين لليمن، ولا شك.
وفي بعض المتاحف ودور الآثار وعند بعض هواة جمع النقود والأشياء القديمة، قطع من نقود جاهلية ضربت في العربية الجنوبية، بعضها من ذهب، وبعضها من فضة، وبعض آخر من نحاس، ومنها الكبير، ومنها نقود صغيرة دوّن
стр. 4925
على بعضها اسم الملك الذي ضربت في أيامه، أو الحرف الأول من اسمه، وعلى بعض آخر رموز وصور ألف العرب الجنوبيون ضربها على النقود، مثل صورة "أثينة" أو "البوم" وهي من الطيور التي ألف العرب الجنوبيون إظهار صورتها على النقد، وعلى الحجارة المكتوبة, وعلى جبهات البيوت.
والعملة تطور خطير من التطورات التي أثرت في الحياة الاقتصادية للبشر, أحد اختراعها انقلابًا كبيرًا في النظم الاقتصادية والاجتماعية، ويعد إيجادها من المخترعات الكبرى التي لعبت دورا خطيرا في حياة الإنسان ولا تزال تلعبه. قلصت أعمال المقايضة المرهقة المتعبة، وقضت على التعامل بالوزن في تقدير الأثمان؛ أعني التعامل بوزن الذهب والفضة في تقدير قيم الأشياء، بأن يعطي إنسانٌ إنسانًا قيراطًا من ذهب، أو نصف مثقال، أو مثقالًا مقابل سلعة ثم التساوم على سعرها, أو وزن مثقال من فضة أو أقل من ذلك أو أكثر في مقابل سعة يريدها المشتري, وهو نظام سبق نظام النقد، الذي ولدت منه فكرة العملة. وهو نظام متقدم بالنسبة إلى نظم المقايضة التي سبقته، قلَّص من صعوباتها كثيرًا، وأراح التاجر في التعامل، حتى ولدت فكرة سك العملة، فقلصت منه ومن تعقيداته، لسهولة التعامل بالعملة، ولاكتسابها صفة رسمية وسعرًا ثابتًا مقررًا ووزنًا معينًا حددته الحكومات.
وفي وسعنا إطلاق مصطلح "النقد الطبيعي" على نظام المقايضة، أي: مبدأ مبادلة سلعة بسلعة, فهو في الواقع نظام يستند على مبدأ التسعير وتثمين السلع وبيع سلعة بثمن سلعة أخرى. ولما وجد الإنسان صعوبة كبيرة في التعامل بهذه الطريقة، هداه عقله وتقدمه الفكري إلى ابتداع طريقة التعامل بالذهب والفضة وزنًا؛ فخفف الإنسان بذلك كثيرا من التعقيدات والصعوبات التي كان يجابهها في تعامله بالمقايضة، فكان إذا أراد شراء حاجة عامل صاحبها بمقدار موزون من الذهب أو الفضة، يقدمه إليه في مقابل شرائها, ثم انتقل بعد ذلك إلى طريقة سك العملة. فسهل بذلك معاملاته في البيع والشراء كثيرا، ولا زال هذا النظام سائدًا في كل أنحاء العالم، مع نظام العملة الورقية ونظام التعامل بالصكوك.
وقد تعامل الجاهليون بالطرق الثلاثة المذكورة؛ تعاملوا بالمبادلة، أي: المقايضة، وتعاملوا بوزن الذهب والفضة، وتعاملوا بالعملة. ولما ظهر الإسلام كانت هذه الطرق لا تزال مألوفة عندهم متبعة، فكانوا يبيعون تمرًا بتمر، وشعيرًا بشعير،
стр. 4926
وحنطةً بحنطة, وقد أشير إلى هذه الأنواع في كتب الحديث، وأشرت إليها في باب البيوع. ولم يراع أهل الجاهلية تنوع الصنف في البيع، كأن يبيعوا حنطة من جنس معلوم بحنطة من جنس آخر، بل كانوا يبيعون الحنطة بالحنطة من نفس الجنس والنوع، بوزن مختلف لوجود تباين في الجودة أو تراب أو حبوب غريبة في إحدى الحنطتين. كما تعاملوا بتنوع السلع، مثل بيع حنطة بشعير وبالعكس، وبيع تمر بصوف أو بجلود، وما شاكل ذلك لوجود حاجة ولقلة النقد.
وتعاملوا بوزن الذهب والفضة، فاشتروا الرقيق بأواقٍ يحددونها من ذهب أو من فضة، وباعوا التجارة بأواقي الذهب والفضة, تعاملوا بالأواقي وبأقل منها وبأكثر حسب قيم الأشياء ودرجة تثمينها١. ونجد ذكر هذا التعامل في كتب الحديث والفقه؛ لما له من دور خطير في معاملات الناس في الجاهلية وفي والإسلام.
و"النقد" في مصطلح علماء العربية: تمييز الجيد من الرديء. قال الشاعر:
تنفي يداها الحصى في كل هاجرة ... نفي الدنانير تنقاد الصياريف
والنقد: إعطاء النقد, ونقد الثمن: أعطاه نقدا معجلا٢. ويظهر أن الجاهليين كانوا يطلقون لفظة "النقد" على العملة، وعلى التعامل بها من أخذ وقبض وتمييز الجيد من الرديء منها.
و"السِّكة": حديدة منقوشة كتب عليها، يضرب عليها الدنانير والدراهم. ومنه الحديث أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس, أراد بها الدرهم والدينار المضروبين. سمى كل واحد منهما سكة؛ لأنه طبع بالحديدة المعلمة له٣.
ونجد في كتب الحديث رواية تذكر أن أول من ضرب الدينار تبع، وهو
стр. 4927
"أسعد بن كرب"، وأن أول من ضرب الفلوس وأدارها في أيدي الناس: "نمروذ بن كنعان"١.
وقد وردت في كتابات سبئية وقتبانية إشارات إلى نقود سبئية وقتبانية كانت مستعملة في تلك الأيام, ويرجع بعض العلماء تأريخ أقدمها إلى حوالي سنة "٤٠٠" قبل الميلاد٢. وقد ورد ذكر بعضها مع أسماء ملوك سبئيين وقتبانيين، في تدوين عقود زراعية أو ضرائب في الغالب، وقد ذكرت حين الإشارة إلى دفع مبلغ أو إلى تحديد غرامات, ولكن ورود أسمائها في تلك العقود وفي الأوامر الملكية لأولئك الملوك لا يدل على أنها سكت في أيامهم وضربت في عهدهم، فقد يجوز أن تكون قد ضربت قبل أيامهم بأمد طويل أو قصير، وأنها كانت مستعملة قبل أيامهم وفي أيامهم في الأسواق؛ ولذلك أشير إليها في تلك الكتابات.
ونجد في أحد وجهي بعض النقود رأس رجل ظهرت ملامح وجهه إلى العنق، يحيط به غصنا شجر على هيئة دائرة، وقد تدلى شعر الرأس إلى العنق، وظهرت عليه تموُّجات الشعر على هيئة خصل محفورة, وأما صورة الأوجه، فهي جانبية اتجاهها نحو اليمين في الغالب. ولولا وجود بعض حروف المسند عليها لحسبتها من النقود المضروبة عند اليونان, ونجد في الوجه الآخر من النقد صورة البوم في الغالب؛ جسمها جانبي، أي قد امتد نحو الجانب. أما الوجه، فقد صور وكأنه ينظر إليك، وقد برزت عيناه بصورة واضحة ظاهرة حتى بدتا في شكل لا يتناسب أحيانًا مع حجم الوجه. ومن ينظر إلى هذا الوجه يخيل إليه أنه ينظر إلى رأس بومتين, لا بومة واحدة٣.
وتحمل بعض النقود إشارات ورموزًا لها صلة بديانة العرب الجنوبيين قبل الإسلام. ومن ذلك الهلال، إشارة إلى الإله القمر٤, والهلال وفي داخله
стр. 4928
أو في مقابله كوكب ذو رءوس تلتقي بنقطة في الوسط، وأحيانا على هيئة قرص دون رءوس, يمكن اعتبارهما أساس الكوكب والهلال "النجمة والهلال" المستعملين في بعض الأعلام الإسلامية واللذين يشاهدان على قبب المساجد ويعتبران عند المسلمين وعند الغربيين شعارا للإسلام. وهما في الأصل من شعائر الوثنيين الجاهليين, وقد يكون الكوكب ذو الرءوس أو القرص رمزًا يشير إلى الشمس.
وللعلماء الباحثين في النقود العربية الجنوبية آراء في الحروف المقطعة المضروبة على النقود, وفي الحروف المتصلة المربوطة بعضها ببعض في بعض الأحيان على هيئة الطغراء. وذهب بعضهم إلى أن هذه الحروف هي الأحرف الأولى لأسماء الملوك الذين ضربت تلك النقود في أيامهم, وذهب آخرون إلى أنها أسماء المواضع التي ضربت فيها تلك النقود, وذهب آخرون إلى أنها رموز للآلهة، وقد ضربت تبركًا باسمها. ومهما يكن من شيء، فبين الباحثين في النقود العربية الجنوبية اختلاف في هذا الموضوع، لم يتوصلوا فيه إلى حل متفق عليه١.
ومن الملوك الذين ضربت بعض النقود في أيامهم، ملك ذكر لقبه وحده، وهو "ينف" "ينوف"، دون اسمه الأول الذي يعرف به, وإذ قد تلقب جملة ملوك بهذا اللقب، فمن الصعب البتّ في تعيين الملك صاحب هذا النقد٢, وملك ذكر اسمه الأول، وهو "شمر"، والظاهر أنه "شمر يهرعش" ملك سبأ وذي ريدان٣, و"كرب آل وتر يهنعم" وهو ابن الملك "ذمر على بين", و"عمدن يهقبض"، و"عمدن بين"، وملوك آخرون٤.
وقد وردت لفظة "بلط" في نصوص المسند، ترجمت بـ"نقد" وبـ"Coin" في الإنجليزية٥. و"أبلط" في عربيتنا بمعنى لصق بالأرض وافتقر، وذهب ماله، وأفلس, والبلطة: المفلس٦.
وقد ذكر "نزيه مؤيد العظم"، أن أهل اليمن يطلقون على النقود لفظة
стр. 4929
"ظلط"١، ولعل لهذه اللفظة صلة ببعض أسماء النقود اليمانية قبل الإسلام.
وهناك لفظة أخرى وردت في نصوص المسند، هي "خبصتم"، "خبصت", ويرى "رودو كناكس" أنها اسم نقد أقل سعرًا وثمنًا من سعر نقد الذهب، وأنه لم يكن من الذهب ولا من الفضة بل من المعادن الأخرى٢.
ووردت لفظة "رضيم" "رضى" بعد العدد خمسة في نص سبئي، ذكرت مع العدد في أمر يشير إلى غرامة تفرض على المقصر والمتماهل في العمل، فحمل ذلك بعض الباحثين على الذهاب إلى أنها تسمية لنوع من النقد الذي كان مستعملا آنئذ. ولكن هناك من يرى أن اللفظة ليست تسمية وسمة لنوع من أنواع النقود، وإنما هي صفة لها، بمعنى مرضية ومرضٍ وبمعنى تامة وافية صحيحة، غير مزيفة ولا منقوصة في الوزن٣.
وإذا كنا لا نستعمل اليوم في لغتنا الألفاظ والتعابير التي تدل على صحة النقود وسلامتها من الغش والتزوير كثيرًا، فإن القدماء ولا سيما صيارفتهم وأصحاب المال كانوا يستعملونها في معاملاتهم اليومية وفي عقودهم التي كانوا يدونونها؛ لأن سك العملة وضربها لم يكن يومئذ متقنا ولا مضبوطا من حيث المادة أو الوزن. وكان من السهل تقليد العملة وغشها والتلاعب بوزنها؛ ولذلك كان ثمنها عرضة للتغير والتلاعب بالسعر في بعض الأحيان. كما كان من السهل غش الناس بإعطائهم العملات المزيفة، حتى حفظت كتب الماضين أمثلة عديدة على ذلك، وكتب القدماء فصولًا في كشف الغش في النقود وفي معاقبة المسئولين عنه.
ومن الألفاظ التي استعملها أهل العربية الجنوبية للتعبير عن صحة العملة وسلامتها من الغش والتي دونوها في كتاباتهم، لفظة "مصعم" "مصع"، بمعنى نصع وخلص، أي: خالصة من كل غش، صحيحة لا شائبة فيها. ولفظة "رضيم" المتقدمة، ولفظة "خبصتم" "خبصت" من هذه التعابير على رأي بعض الباحثين٤.
стр. 4930
ويلاحظ وجود أثر للسكة اليونانية على السكة العربية الجنوبية, وقد وجد شبه أيضا بين بعض النقود العربية الجنوبية ونقود الساسانيين. ونظرًا إلى وجود صلات تجارية بين اليونان والساسانيين والعرب الجنوبيين، فلا يستبعد تأثر دور ضرب السكة في اليمن وفي حضرموت بطريقة ضرب النقود عند اليونان والساسانيين١. ومن أهم ملامح تأثر ضرب النقود بنقود اليونان، هو وجود صورة "البوم" رمز "أثينة" مطبوعًا على النقود، على نحو ما طبعت على النقود اليونانية، حتى صار من الصعب التفريق بينهما، فكأنما أخذ عمال ضرب النقود قالبًا للنقد اليوناني، ثم حفروا عليه حروف المسند وضربوه٢. ثم صور الملوك، وكراسي جلوسهم عليها، والصولجان الذي بأيديهم، فكل هذه نقلت نقلا عن النقود اليونانية.
ولا بد أن تكون في اليمن دور لضرب النقود سكّت فيها عملتهم. وإني لآسف إذ لم أقف على كتابات جاهلية فيها ما يفيدنا عن كيفية ضرب النقود عند العرب الجنوبيين أو عند غيرهم وأوزانها وأنواعها، وما شابه ذلك من أمور تتعلق بها، وليس لنا من أمل في زيادة علمنا بها غير الترقب والانتظار، فلعل يقظة العرب تولي تأريخ العرب القديم ما يستحقه من عناية ورعاية وبحث، فيجدُّون في تتبع مواطن الآثار الغنية المطمورة لاستخراج دفائنها التأريخية الثمينة التي تظهر لنا أمورًا كثيرة من تأريخ تلك الأيام.
وقد عثر في بصرى وفي مواضع من المنطقة التي عرفت بـ"المقاطعة العربية" "الكورة العربية" على نقود معظمها من نقود الرومان واليونان، كما عثر على نقود نبطية. ويذهب بعض الباحثين في النمّيات، أن الملك "الحارث الثالث" "٨٧ - ٦٢ق. م."، هو أول ملك نبطي أمر بضرب النقود، أخذ السكة من اليونان أثناء استيلائه على دمشق. وقد عثر على نقد من فئة "دينار" طبع عليه رمز يمثل اتفاق الحارث و"سكاورس" وصورة جمل وشجرة. وعثر على نقود أمر "الحارث" هذا بضربها، تشبه النقود التي ضربها "ديمتريوس
стр. 4931
الثاني" "الثالث" "Demetrius Eukairos III" بمدينة "دمشق" شبهًا كبيرًا؛ ولهذا يرى الباحثون أنها تقليد ومحاكاة لها. ولم يصل إلينا نقد من نقوده يحمل كتابة مدونة بالنبطية١.
وجاد "عبادة" الثالث من ملوك النبط علينا بقطع من النقود، يرى الملك على أحد وجهيها ومعه صورة امرأة يظن أنها صورة أمه، وأنها تشير إلى مبدأ حكمه إذ كان قاصرًا، فكانت أمه تدير الملك باسمه نيابة عنه، وذلك بالنسبة إلى النقود التي ضربت في أوائل أيام الحكم, وأما في النقود المتأخرة، فإنها صورة زوجته، التي كانت تساعده وتؤازره٢. وتشاهد صورة نسر واقف قابض على جناحيه في الوجه الثاني من أحد النقود، وعلى طرفي الصورة كتابة، وصورة رأس رجل في القطعتين المرقمتين "٧" و"٨" يرى أنها رأس الملك وعلى طرفي الصورة كتابات نبطية وتأريخ الضرب.
وتعد النقود التي ضربت في أيام "الحارث" الرابع من خير ما ضرب من النقود في أيام النبط، ولم يعثر على نقد له ضرب في مدينة "دمشق" في المدة التي استولى فيها على تلك المدينة، وقد ضرب بعضها باسم الملك وباسم زوجته "خلدو" "خلد"، زوجته الأولى. وصورت صورة زوجته هذه على النقد، وضرب بعضها باسمه وباسم زوجته الأخرى "شقيلة" وطبعت صورتها على النقد كذلك, وضرب بعض آخر باسم الملك وحده. وهي مختلفة: بعضها من الفضة، وبعض آخر من البرنز، وعلى عدد منها تأريخ الضرب٣.
وضرب اسم "شقيلة" الثانية ملكة النبط مع اسم الملك "ملكو" "مالك" الثاني في نقد وصل إلينا, وقد وصفت في النقود بأنها أخته. أما القطع التي وصلت إلينا، فبعضها مصنوع من الفضة وبعض آخر من البرنز، وعلى نقوده شيء من التبديل والتغيير عن النقد الذي ضرب في أيام "الحارث" الرابع٤.
وتُبُورك في بعض النقود مثل نقود "بصرى" بضرب صور الآلهة أو نعوتها
стр. 4932
أو رموزها على النقود، فقد ضرب نعت الإله "دو شرى" "ذو الشرى" على نقد ضرب في "بصرى". كما أشير إلى هذا الإله في نقد ضرب بـ"بصرى" بتصوير منظر من مناظر الاحتفالات السنوية التي كانت تقام في كل عام إكرامًا له، وتعرف بـ"Actia Dusaria"١. أما آلهة المدينة التي ضربت صورتها على بعض النقود، فتشبه صورتها صورة "عشتاروت" "عشتروت" المعروفة بفلسطين وفينيقية, ويظهر أنها "اللات"٢. وتشبه في بعض النقود صورة "أثينة"، وقد دعيت بـ"Tyche"، و"أثينة" هي "اللات" عند أهل حوران٣.
وعثر في جزيرة "فيلكا" على نقود يونانية من بينها درهم ضرب في عهد الملك "أنطيوخس" الثالث من ملوك السلوقيين، ويعود تأريخ هذا الدرهم إلى حوالي السنة "٢١٢" قبل الميلاد. وتبين أن بعض الدراهم قد ضرب في "جرها" "Gerhha" "الجرعاء"، كما عثر على نقود ضربت من النحاس، تبين أن قطعة منها ضربت في عهد "سلوقيوس" الأول, ضربها باسم الملك "الإسكندر" الأكبر, وأن قطعتين منها ضربتا في أيام "أنطيوخس" الثالث. فهي تعاصر الدراهم المذكورة٤.
أما أهل الحجاز، فقد تعاملوا بالنقود الرومية والساسانية: تعاملوا بالدنانير، وتعاملوا بالدراهم، وتعاملوا بالدانق, وتعاملوا بنقود أهل اليمن، ولعلهم كانوا يتعاملون بنقود أهل الحبشة كذلك. فقد كان أهل مكة خاصة تجارًا يتاجرون مع اليمن ويتاجرون مع العراق وبلاد الشام والحبشة, وتجارتهم هذه تجعلهم يستعملون مختلف النقود.
ولم يرد في الأخبار ما يفيد قيام أهل العربية الغربية أو أي مكان آخر في جزيرة العرب بضرب النقود الجاهلية فيها، لكن ذلك لا يمنع من احتمال عثور النقابين في المستقبل على نقود محلية, ضربت في مكة أو في الطائف أو في يثرب أو في مكان آخر ولو على نطاق ضيق محدود.
стр. 4933
وكان تعامل أهل مكة بالدنانير، ترد إليهم من بلاد الشام، ولا سيما دنانير هرقل, وبالدراهم الفارسية البغلية، "فكانوا لا يتبايعون إلا على أنها تبر, وكان المثقال عندهم معروف الوزن، وزنه: اثنان وعشرون قيراطًا إلا كسرًا، ووزن العشرة الدراهم، سبعة مثاقيل، فكان الرطل اثنتي عشرة أوقية, وكل أوقية أربعون درهمًا, فأقر رسول الله" ذلك ومن جاء بعده إلى أيام "عبد الملك بن مروان"، فأمر أن تضرب الدراهم على خمسة عشر قيراطًا من قراريط الدينار١. وذكر أن الدنانير التي كانت ترد مكة في الجاهلية رومية، والدراهم كسروية٢.
وقد اشتهرت دنانير "هرقل"، وعرفت بـ"الهرقلية"، حتى إنها كانت تسمى الدنانير عامةً "الهرقلية"٣. والظاهر أن ذلك بسبب كونها مجلوَّة مطبوعة طبعًا حديثًا، لم تطمس آثارها ولم يمض زمن طويل عليها، أو لأن العرب حصلت في عهده على أكثر دنانيرها، فنسبتها إليه.
والدينار عملة من الذهب، عرف علماء اللغة أنها من الألفاظ المعربة، ولكنهم لم يتأكدوا من أصلها، فذهبوا إلى أنها من أصل فارسي٤, وهي معربة من أصل يوناني هو "ديناريوس" "Dinarius" مختصر"Dinarius" Aureus" "Aureus Denarius"" كما جاء ذلك في تأريخ "بلينيوس"٥. والظاهر أن العرب استعملوا التسمية التي كانت شائعة في بلاد الشام، منذ عهد إصلاح "قسطنطين" الأول "٣٠٩ - ٣١٩م" لنظام النقد, فأطلقوا على العملة الذهب لفظة دينار. وقد كان أهل الشام قد اقتصروا على لفظة "Dinarius" منذ ذلك العهد٦.
وقد ورد ذكر الدينار في القرآن الكريم: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ ٧,
стр. 4934
والقنطار وزن. وتأويل الكلام: أن من أهل الكتاب الذي إن تأمنه على عظيم من المال كثير يؤده إليك ولا يخنك فيه, ومنهم الذي إن تأمنه على دينار يخنك فيه، فلا يؤده إليك إلا بالتقاضي والمطالبة١.
ويعرف "الدينار" بـ"العين", والعين الذهب عامة٢، فكأنهم سموا عينًا، لأنه من ذهب.
وقد فكر المسلمون قبل "عبد الملك بن مروان" في موضوع النقود، وفي ضرورة تحويلها إلى نقد إسلامي, وكان "عمر" في جملة من فكر في ذلك. إنه أراد أن يجعل الدراهم من جلود الإبل، فلما استشار ذوي الخبرة، لم يقروه على رأيه فأمسك٣, وذكر أنه أمر بضرب الدراهم، فضربت سنة ثماني عشرة من الهجرة٤, وضرب "عثمان" الدراهم كذلك. ثم إن معاوية ضرب الدراهم السود، وضرب أيضا دنانير عليها تمثال متقلد سيفًا٥, وضرب "زياد" النقد كذلك. ولما قام عبد الله بن الزبير بمكة ضرب دراهم مدورة, وكان أول من ضرب الدراهم المستديرة. وضرب "مصعب بن الزبير" دراهم بالعراق، ثم غيرها "الحجاج"، حتى استقر الأمر لعبد الملك، فعرب النقد على نحو ما هو معلوم٦.
وقد بقي العرب يتعاملون بالدنانير الرومية إلى أيام عبد الملك، حيث أمر بضرب الدنانير، فضربت بدمشق, وقد نعت الدينار الجديد بـ"أحرش" إذ كانت فيه خشونة لجدته. ومنه الحديث أن رجلًا أخذ من رجل آخر دنانير حرشًا، وهي الجياد الخشنة الحديثة العهد بالسكة التي عليها خشونة النقش٧.
ومن أسماء الدينار "السِّكِّي"٨.
стр. 4935
وقد ذكر علماء اللغة أن لفظة الدرهم فارسية الأصل، وقد عربت، وقالوا في جمعها: دراهم ودراهيم١, وهو نقد من الفضة. وقد عرف بـ"درم" Diram في الفارسية وبـ"درخمة" "درخما" Drachma في اليونانية. والظاهر أن العرب أخذوا بالتسمية الفارسية, وقد استعملوا في تعاملهم دراهم الفرس ودراهم اليونان.
وأشير إلى الدراهم في الآية: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ ٢. ويذكر المفسرون أنه كان من عادة الجاهليين التعامل بوزن الدراهم بالأواقي إن زاد عددها على وزن أوقية، وكان وزن الأوقية أربعين درهمًا. فما نقص عن هذا المقدار، جرى التعامل عليه بالعدد، وما زاد عليه جرى التعامل عليه بالوزن٣.
وكانت الدراهم مختلفة كبارًا وصغارًا، فكانوا يضربونها مثقالًا، وهو وزن عشرين قيراطًا، ويضربون عشرة قراريط، وهي أنصاف المثاقيل. وكان أهل الجاهلية يتعاملون بها حسب وزنها, وهي دراهم الأعاجم٤.
وقد قسم العلماء الدراهم التي كان يستعملها الجاهليون من أهل مكة وغيرهم إلى نوعين: الدراهم السود الوافية، والدراهم الطبرية العتق, والوافية هي البغلية, وكان لهم دراهم تسمى "جوراقية". والدرهم الطبري: ثمانية دوانق، والدرهم البغلي: أربعة دوانق، وقيل العكس. والدرهم الجوراقي: أربعة دراهم ونصف٥.
وورد أن الدراهم كانت في أيام الفرس مضروبة على ثلاثة أوزان: منها درهم على وزن المثقال عشرين قيراطًا، ودرهم وزنه عشرة قراريط، ودرهم وزنه اثنا عشر قيراطًا٦.
стр. 4936
وعرفت دراهم الأكاسرة بـ"دراهم الأسجاد", قيل: إنها عرفت بذلك؛ لأنها كانت عليها صور يسجدون لها، وقيل: كانت عليها صورة كسرى، فمن أبصرها سجد لها، أي: طأطأ رأسه لها وأظهر الخضوع. وإياها عنى الأسود بن يعفر النهشلي في رواية من الروايات بقوله:
من خمر ذي نطف أغنّ منطق ... وافى بها كدراهم الأسجاد١
وذكر في رواية أخرى، أن الأسجاد: اليهود والنصارى، أو معناه: الجزية٢.
وكان الفرس عند فساد أمورهم فسدت نقودهم من العين والورق غير خالصة، إلا أنها كانت تقوم في المعاملات مقام الخالصة وكان غشها عفوًا لعدم تأثيره بينهم إلى أن ضربت الدراهم الإسلامية فتميز المغشوش من الخالص٣.
وورد أنه كانت باليمن دراهم صغار، في الدرهم منها دانقان ونصف٤, وورد أن الدرهم اليمني كان دانقًا٥. ويظهر أنه كان من أيام الحميريين، بدليل تسمية "الماوردي" لهذه الدراهم بدراهم حميرية، وكانت كما يقول قليلة٦.
وعلى هذا يكون أهل مكة قد تعاملوا في الجاهلية بعملة الروم, وبعملة الفرس، وهي الدراهم على الأكثر، وبعملة اليمن، وأشار بعض العلماء إلى عملة مغربية، لم يذكروا عنها شيئا٧.
وذكر أن "عمر بن الخطاب"، أمر بضرب الدراهم على نقش الكسروية، وشكلها بأعيانها، غير أنه زاد في بعضها: "الحمد لله"، وفي بعضها: "محمد رسول الله"، وفي بعضها: "لا إله إلا الله وحده". وكان ذلك سنة ثماني عشرة من الهجرة, وفي آخر مدة عمر وزن كل عشرة دراهم ستة مثاقيل. فلما بويع "عثمان" ضرب في خلافته دراهم نقشها: "الله أكبر".
стр. 4937
وفي عهد "معاوية"، ضرب الدراهم السود الناقصة من ستة دوانق، فتكون خمسة عشر قيراطًا، تنقص حبة أو حبتين. وضرب منها "زياد"، وجعل وزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وكتب عليها، فكانت تجري مجرى الدراهم. ولما قام "عبد الله بن الزبير" بمكة ضرب دراهم مدورة، وكان أول من ضرب الدراهم المستديرة، وكان ما ضرب منها قبل ذلك ممسوحًا غليظًا قصيرًا، فدورها عبد الله. وضرب مصعب بن الزبير دراهم بالعراق، وجعل كل عشرة منها سبعة مثاقيل, فلما استوثق الأمر لعبد الملك بن مروان، ضرب الدنانير والدراهم في سنة ست وسبعين من الهجرة١.
وجاء في رواية أخرى أن أصحاب رسول الله كانوا يتعاملون بدراهم العجم، فكان إذا زافت عليهم أتوا بها السوق، فقالوا: من يبيعنا بهذه؟ وذاك أنه لم يضرب النبي، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا معاوية٢. وإن أول من ضرب المنقوشة عبد الملك بن مروان٣, ونجد بين العلماء اختلافًا في أول من أمر بضرب الدنانير والدراهم في الإسلام.
وذكر بعض أهل الأخبار، أنه كانت لقريش أوزان في الجاهلية، فدخل الإسلام فأقرت على ما كانت عليه. كانت قريش تزن الفضة بوزن تسميه درهمًا، وتزن الذهب بوزن تسميه دينارًا، فكل عشرة من أوزان الدراهم سبعة أوزان من الدنانير. وكان لهم وزن الشعيرة وهو واحد من الستين من وزن الدرهم، وكانت لهم الأوقية وزن أربعين درهمًا، والنش وزن عشرين درهمًا، وكانت لهم النواة وهي وزن خمسة دراهم، فكانوا يتبايعون بالتبر على هذه الأوزان, وقد أقرهم الرسول على ذلك٤. وكانوا يحتفظون بالأوزان المقررة، حتى إذا حدث اختلاف على الوزن، رجعوا إلى الوزن المقرر المعتبر. وكان "أبو وداعة بن ضبيرة السهمي" يمتلك وزن مثقال في الجاهلية، يوزن به٥.
стр. 4938
وقد كانوا يثلمون أطراف الدينار والدرهم، أو يقطعونهما قطعًا، فيتعاملون بالقطع حسب الوزن، ويفعلون ذلك غشًّا، كما كانوا يكسرون النقود؛ للتأكد من صحة معدنها، أو لتحويل الدنانير إلى تبر١. وقد نهي في الإسلام عن التلاعب بالعملة، مثل قرضهم أطراف الدراهم والدنانير بالمقراض؛ لغرض الاستفادة من تلك القراضة، إذ يجمعونها فيسبكونها، فيخرجون بذلك النقد المقروض عن سعره٢.
والدرهم إذا عدل المثقال، فهو درهم وافٍ، وهو الذي لا يزيد ولا ينقص بل وَفََّى بزنته٣.
وأطلق علماء اللغة على الدرهم لفظة "الوَرِق"، وعلى الموسر المالك للدراهم المورق، وسموا الفضة وَرِقًا٤, وقد وردت اللفظة في نصوص المسند، وكأنها نوع من أنواع العملات، أو وزن. فورد "خمسي ورقم"، أي: "خمسين ورق"٥، و"عشر ورقم"، أي: "عشر ورقٍ"، فكأن لفظة "ورق" هنا اسم علم لنوع معين من العملة، أو وزن معين وعيار كان معروفًا عندهم. وذهب بعض العلماء إلى أن الورق: الذهب, وهذا التفسير ينطبق مع ما ذهب إليه المستشرقون من أن لفظة "ورق" في المسند، تعني ذهبًا. ولو فسرناها بهذا المعنى أيضا، فإن ذلك لا يمنع من أن يكون المراد من "ورقم" عملة خاصة ضربت من ذهب, وأرجح أن المراد منها عملة خاصة عرفت بهذه التسمية.
وذكر بعض العلماء أن الورق: المال، ورجل وَرَّاق: كثير المال, والدراهم بعينها والفضة٦.
стр. 4939
وأطلق أهل الحجاز على الدرهم والدينار لفظة "الناض"، وذلك إذا تحول عينًا بعد أن كان متاعًا. وفي حديث "عمر" كان يأخذ الزكاة من ناض المال، وهو ما كان ذهبًا أو فضةً، عينًا أو ورقًا, وقالوا: إن النض هو الدرهم الصامت١. أما إذا كان الدرهم رديئًا، فيعبرون عنه بلفظة "بهرج" و"قسيّ", فيقولون: درهم بهرج، أي: رديء، وكل مردود عند العرب بهرج ونبهرج. وذكر بعض العلماء أن اللفظة فارسية من "نبهرة"، وأنها بمعنى الباطل والرديء، والدرهم البهرج الذي لا يباع به لرداءته والذي فضته رديئة, وكل رديء من الدراهم وكل مردود عند العرب بهرج٢.
وتعرف الدراهم بـ"قطاع" بلغة هذيل٣.
ودرهم زائف مغشوش، مردود لغش فيه, يقال: درهم زيف وزائف, وزاف فلان الدراهم: جعلها زيوفًا٤, ودراهم فسول: دراهم زائفة، وأفسل عليه دراهمه: إذا زيفها. "ومنه حديث حذيفة أنه اشترى ناقة من رجلين وشرط لهما من النقد رضاهما، فأخرج لهما كيسًا فأفسلا عليه، ثم أخرج كيسًا فأفسلا عليه، أي: أرذلا وزيفا منها. وأصلها من الفسل وهو الرديء الرذل من كل شيء"٥. وكان "عبد الله بن مسعود" يكسر الزيوف وهو على بيت المال٦.
ويعبر عن الدراهم الموزونة بـ"دراهم مجربة"٧؛ لأنها مجربة. وقد ظهر من التجربة أنها صحيحة غير منقوصة.
وقد ورد في الأخبار، أن خمسمائة الدرهم، كانت تعادل في أيام النبي اثنتي عشرة أوقية ونشًّا٨, وأن الدرهم سبعة دوانيق، وكل عشرة دراهم سبعة
стр. 4940
مثاقيل١. و"النش" نصف أوقية، وهو عشرون درهمًا؛ لأنهم يسمون الأربعين درهمًا أوقية، ويسمون العشرين نشًّا، ويسمون الخمسة نواة٢.
وقد ذكر علماء اللغة نقدًا دعوه "النُّمّي"، وقالوا: إنه الدرهم الذي فيه رصاص أو نحاس، وقال بعض آخر: إنه الفلس من الرصاص بالروميَّة، وكانت بالحيرة على عهد النعمان بن المنذر٣. قال النابغة أو أوس بن حجر:
وقارفت وهي لم تجرب وباع لها ... من الفصافص بالنمي سفسير٤
و"الدانق" من الأوزان ومن النقد. وهو "داناق" أيضًا، من أصل فارسي هو "دانك" في الفهلوية، ومن Dang و"دانك" Danak في الفارسية، وهو "دنك" Dank في الآرمية٥. وهو يعادل سدس الدينار أو سدس درهم, وكان معروفا عند أهل مكة في الجاهلية٦.
أما "الفلس"، فلفظة لاتينية يونانية الأصل، عربت من أصل Follis اللاتيني، ويراد بها نقود مسكوكة من النحاس, وقد استعملها العرب في تعاملهم واحتفظوا بالأصل الأجنبي. وقد كان الفلس في أيام القيصر "أنستاس الأول" "أنسطاسيوس الأول" "٤٩١ - ٥١٨م" زهاء ثلاثين جرامًا، ووسم بالحرف M, وظهرت بعد ذلك فلوس بأوزان تقل عن هذه. ولما ضرب المسلمون النقد، كانت الفلوس في جملة ما ضرب من نقد٧.