← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

وعرفت دراهم الأكاسرة بـ"دراهم الأسجاد", قيل: إنها عرفت بذلك؛ لأنها كانت عليها صور يسجدون لها، وقيل: كانت عليها صورة كسرى، فمن أبصرها سجد لها، أي: طأطأ رأسه لها وأظهر الخضوع. وإياها عنى الأسود بن يعفر النهشلي في رواية من الروايات بقوله: من خمر ذي نطف أغنّ منطق ... وافى بها كدراهم الأسجاد١ وذكر في رواية أخرى، أن الأسجاد: اليهود والنصارى، أو معناه: الجزية٢. وكان الفرس عند فساد أمورهم فسدت نقودهم من العين والورق غير خالصة، إلا أنها كانت تقوم في المعاملات مقام الخالصة وكان غشها عفوًا لعدم تأثيره بينهم إلى أن ضربت الدراهم الإسلامية فتميز المغشوش من الخالص٣. وورد أنه كانت باليمن دراهم صغار، في الدرهم منها دانقان ونصف٤, وورد أن الدرهم اليمني كان دانقًا٥. ويظهر أنه كان من أيام الحميريين، بدليل تسمية "الماوردي" لهذه الدراهم بدراهم حميرية، وكانت كما يقول قليلة٦. وعلى هذا يكون أهل مكة قد تعاملوا في الجاهلية بعملة الروم, وبعملة الفرس، وهي الدراهم على الأكثر، وبعملة اليمن، وأشار بعض العلماء إلى عملة مغربية، لم يذكروا عنها شيئا٧. وذكر أن "عمر بن الخطاب"، أمر بضرب الدراهم على نقش الكسروية، وشكلها بأعيانها، غير أنه زاد في بعضها: "الحمد لله"، وفي بعضها: "محمد رسول الله"، وفي بعضها: "لا إله إلا الله وحده". وكان ذلك سنة ثماني عشرة من الهجرة, وفي آخر مدة عمر وزن كل عشرة دراهم ستة مثاقيل. فلما بويع "عثمان" ضرب في خلافته دراهم نقشها: "الله أكبر".

стр. 4937

وفي عهد "معاوية"، ضرب الدراهم السود الناقصة من ستة دوانق، فتكون خمسة عشر قيراطًا، تنقص حبة أو حبتين. وضرب منها "زياد"، وجعل وزن كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، وكتب عليها، فكانت تجري مجرى الدراهم. ولما قام "عبد الله بن الزبير" بمكة ضرب دراهم مدورة، وكان أول من ضرب الدراهم المستديرة، وكان ما ضرب منها قبل ذلك ممسوحًا غليظًا قصيرًا، فدورها عبد الله. وضرب مصعب بن الزبير دراهم بالعراق، وجعل كل عشرة منها سبعة مثاقيل, فلما استوثق الأمر لعبد الملك بن مروان، ضرب الدنانير والدراهم في سنة ست وسبعين من الهجرة١. وجاء في رواية أخرى أن أصحاب رسول الله كانوا يتعاملون بدراهم العجم، فكان إذا زافت عليهم أتوا بها السوق، فقالوا: من يبيعنا بهذه؟ وذاك أنه لم يضرب النبي، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا معاوية٢. وإن أول من ضرب المنقوشة عبد الملك بن مروان٣, ونجد بين العلماء اختلافًا في أول من أمر بضرب الدنانير والدراهم في الإسلام. وذكر بعض أهل الأخبار، أنه كانت لقريش أوزان في الجاهلية، فدخل الإسلام فأقرت على ما كانت عليه. كانت قريش تزن الفضة بوزن تسميه درهمًا، وتزن الذهب بوزن تسميه دينارًا، فكل عشرة من أوزان الدراهم سبعة أوزان من الدنانير. وكان لهم وزن الشعيرة وهو واحد من الستين من وزن الدرهم، وكانت لهم الأوقية وزن أربعين درهمًا، والنش وزن عشرين درهمًا، وكانت لهم النواة وهي وزن خمسة دراهم، فكانوا يتبايعون بالتبر على هذه الأوزان, وقد أقرهم الرسول على ذلك٤. وكانوا يحتفظون بالأوزان المقررة، حتى إذا حدث اختلاف على الوزن، رجعوا إلى الوزن المقرر المعتبر. وكان "أبو وداعة بن ضبيرة السهمي" يمتلك وزن مثقال في الجاهلية، يوزن به٥.

стр. 4938

وقد كانوا يثلمون أطراف الدينار والدرهم، أو يقطعونهما قطعًا، فيتعاملون بالقطع حسب الوزن، ويفعلون ذلك غشًّا، كما كانوا يكسرون النقود؛ للتأكد من صحة معدنها، أو لتحويل الدنانير إلى تبر١. وقد نهي في الإسلام عن التلاعب بالعملة، مثل قرضهم أطراف الدراهم والدنانير بالمقراض؛ لغرض الاستفادة من تلك القراضة، إذ يجمعونها فيسبكونها، فيخرجون بذلك النقد المقروض عن سعره٢. والدرهم إذا عدل المثقال، فهو درهم وافٍ، وهو الذي لا يزيد ولا ينقص بل وَفََّى بزنته٣. وأطلق علماء اللغة على الدرهم لفظة "الوَرِق"، وعلى الموسر المالك للدراهم المورق، وسموا الفضة وَرِقًا٤, وقد وردت اللفظة في نصوص المسند، وكأنها نوع من أنواع العملات، أو وزن. فورد "خمسي ورقم"، أي: "خمسين ورق"٥، و"عشر ورقم"، أي: "عشر ورقٍ"، فكأن لفظة "ورق" هنا اسم علم لنوع معين من العملة، أو وزن معين وعيار كان معروفًا عندهم. وذهب بعض العلماء إلى أن الورق: الذهب, وهذا التفسير ينطبق مع ما ذهب إليه المستشرقون من أن لفظة "ورق" في المسند، تعني ذهبًا. ولو فسرناها بهذا المعنى أيضا، فإن ذلك لا يمنع من أن يكون المراد من "ورقم" عملة خاصة ضربت من ذهب, وأرجح أن المراد منها عملة خاصة عرفت بهذه التسمية. وذكر بعض العلماء أن الورق: المال، ورجل وَرَّاق: كثير المال, والدراهم بعينها والفضة٦.

стр. 4939

وأطلق أهل الحجاز على الدرهم والدينار لفظة "الناض"، وذلك إذا تحول عينًا بعد أن كان متاعًا. وفي حديث "عمر" كان يأخذ الزكاة من ناض المال، وهو ما كان ذهبًا أو فضةً، عينًا أو ورقًا, وقالوا: إن النض هو الدرهم الصامت١. أما إذا كان الدرهم رديئًا، فيعبرون عنه بلفظة "بهرج" و"قسيّ", فيقولون: درهم بهرج، أي: رديء، وكل مردود عند العرب بهرج ونبهرج. وذكر بعض العلماء أن اللفظة فارسية من "نبهرة"، وأنها بمعنى الباطل والرديء، والدرهم البهرج الذي لا يباع به لرداءته والذي فضته رديئة, وكل رديء من الدراهم وكل مردود عند العرب بهرج٢. وتعرف الدراهم بـ"قطاع" بلغة هذيل٣. ودرهم زائف مغشوش، مردود لغش فيه, يقال: درهم زيف وزائف, وزاف فلان الدراهم: جعلها زيوفًا٤, ودراهم فسول: دراهم زائفة، وأفسل عليه دراهمه: إذا زيفها. "ومنه حديث حذيفة أنه اشترى ناقة من رجلين وشرط لهما من النقد رضاهما، فأخرج لهما كيسًا فأفسلا عليه، ثم أخرج كيسًا فأفسلا عليه، أي: أرذلا وزيفا منها. وأصلها من الفسل وهو الرديء الرذل من كل شيء"٥. وكان "عبد الله بن مسعود" يكسر الزيوف وهو على بيت المال٦. ويعبر عن الدراهم الموزونة بـ"دراهم مجربة"٧؛ لأنها مجربة. وقد ظهر من التجربة أنها صحيحة غير منقوصة. وقد ورد في الأخبار، أن خمسمائة الدرهم، كانت تعادل في أيام النبي اثنتي عشرة أوقية ونشًّا٨, وأن الدرهم سبعة دوانيق، وكل عشرة دراهم سبعة

стр. 4940

مثاقيل١. و"النش" نصف أوقية، وهو عشرون درهمًا؛ لأنهم يسمون الأربعين درهمًا أوقية، ويسمون العشرين نشًّا، ويسمون الخمسة نواة٢. وقد ذكر علماء اللغة نقدًا دعوه "النُّمّي"، وقالوا: إنه الدرهم الذي فيه رصاص أو نحاس، وقال بعض آخر: إنه الفلس من الرصاص بالروميَّة، وكانت بالحيرة على عهد النعمان بن المنذر٣. قال النابغة أو أوس بن حجر: وقارفت وهي لم تجرب وباع لها ... من الفصافص بالنمي سفسير٤ و"الدانق" من الأوزان ومن النقد. وهو "داناق" أيضًا، من أصل فارسي هو "دانك" في الفهلوية، ومن Dang و"دانك" Danak في الفارسية، وهو "دنك" Dank في الآرمية٥. وهو يعادل سدس الدينار أو سدس درهم, وكان معروفا عند أهل مكة في الجاهلية٦. أما "الفلس"، فلفظة لاتينية يونانية الأصل، عربت من أصل Follis اللاتيني، ويراد بها نقود مسكوكة من النحاس, وقد استعملها العرب في تعاملهم واحتفظوا بالأصل الأجنبي. وقد كان الفلس في أيام القيصر "أنستاس الأول" "أنسطاسيوس الأول" "٤٩١ - ٥١٨م" زهاء ثلاثين جرامًا، ووسم بالحرف M, وظهرت بعد ذلك فلوس بأوزان تقل عن هذه. ولما ضرب المسلمون النقد، كانت الفلوس في جملة ما ضرب من نقد٧.

стр. 4941

وذكر بعض أهل الأخبار أن "القيراط" جزء من الدينار أو الدرهم. وقد ذكر "القيراط" في الحديث؛ في حديث رعي الرسول غنم قريش وفي أحاديث أخرى١. وذكر بعض العلماء أن العرب لم تكن تعرف القيراط الذي هو من النقد٢. وذكر "ابن الأثير" أن القيراط جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشرة، ويظهر أن منهم من كان يستعمله وزنًا، ومنهم من جعله جزءًا من الدنانير والدراهم٣.

стр. 4942

الفصل الثاني عشر بعد المئة: الصناعة والمعادن والتعدين مدخل ... الفصل الثاني عشر بعد المائة: الصناعة والمعادن والتعدين الصناعة حرفة الصانع وعمله الصنعة. ورجل صنع: حاذق في الصنعة، وعماد الصانع على يديه، يستعملها في صنع الأشياء، كما يعتمد على ذكائه في تحويل الأشياء إلى أشياء أخرى أهم منها أو أي شيء آخر يريده، أو يطلب منه. وهو بالطبع من أهم العناصر المنتجة اللازمة في الحياة الاقتصادية، فهو محور الإنتاج، وعلى قدر إنتاج أمة يقاس غناها ومقدار تقدمها في الحياة وتكون منزلتها بين الشعوب. فبالصناعة يتم تحويل المواد الخام الفائضة عن الحاجة، إلى مواد أخرى أفيد منها، تستهلك في الأسواق المحلية، أو تُبَاع في الأسواق الخارجية. والحرفة: الطعمة والصناعة التي يرتزق منها، وهي جهة الكسب. وكل ما اشتغل الإنسان به وضري به، أي أمر كان, فإنه عند العرب يسمى "صنعة" و"حرفة", يقولون: صنعة فلان أن يعمل كذا، وحرفة فلان أن يفعل كذا، يريدون دأبه وديدنه. ذكر أن "علي بن أبي طالب" قال: "إني لأرى الرجل فيعجبني، فأقول: هل له حرفة؟ فإن قالوا: لا, سقط من عيني"١. و"المهنة" عند العرب: الحذق بالخدمة والعمل, وامتهنه: استعمله للمهنة

стр. 4943

وابتذله، والماهن: العبد والخادم١, والمهنة: العمل، والعامل: هو الذي يقوم بعمل ما، والعَمَلَة: العاملون بأيديهم، وهم الذين يرتزقون بعمل أيديهم, والعمالة: رزق العامل الذي جُعل له على ما قلد من العمل. ومن العملة: العاملون في طين، أو في حفر، أو في بناء, أو غير ذلك, وعامله معاملة: سامه بعمل, والاعتمال الذين يقومون بما تحتاج إليه من عمارة وزراعة وتلقيح وحراسة ونحو ذلك, وما يعطاه العامل من أجر العمل هو "العملة"٢. وأغلب العَمَلة فقراء لا يملكون شيئًا، رزقهم بعملهم، فإذا مرض أحدهم أو أصيب بعاهة انقطع رزقه. ثم إن أجورهم قليلة وأرزاقهم من عملهم شحيحة؛ ولذلك كانت حياتهم ضنكًا, عليهم العمل قدر الإمكان لإعاشة أنفسهم وذويهم، والمشي على أرجلهم بحثًا عن عمل؛ ولهذا فلا عجب إذا ما عرفوا بـ"بني عمل". و"بنو عمل": المشاة على أرجلهم من المسافرين, الذين وصفهم أحد الأعراب, فقال: يحث بكرًا كلما نص ذمل ... قد احتذى من الدماء وانتعل ونقب الأشعر منه والأظل ... حتى أتى ظل الأراك فاعتزل وذكر الله وصلى ونزل ... بمنزل ينزله بنو عمل لا ضفف يشغله ولا ثقل٣ والحرفة، أي: العمل باليد, من الأمور المستهجنة عند الأعراب، وعند أكثر العرب أيضًا، فلا يليق بالعربي الشريف الحر أن يكون صانعًا؛ لأن الصناعة من حرف العبيد والخدم والأعاجم والمستضعفين من الناس. وقد سبق أن تحدثت عن مكانة الصناع في المجتمع، وعن ازدراء الناس لهم، على الرغم من احتياجهم إليهم، وكونهم الطبقة المنتجة المثمرة في المجتمع، وأن أيديهم هي التي تصنع ما يحتاج الإنسان إليه من حاجات، ومدحهم الرجل الصنع اليد بقولهم: "رجل صنع اليدين", أي: حاذق ماهر في الصنعة, مجيد, من قوم صنعي الأيدي،

стр. 4944

حتى إنهم كانوا إذا وصفوا إنسانًا بالبلاغة، قالوا: رجل صنع اللسان, ولسان صنع. قال الشاعر حسان بن ثابت: أَهدى لَهُم مِدحَتي قَلبٌ يُؤازِرُهُ ... فيما أَرَادَ لِسانٌ حائِكٌ صَنَعُ١ ولا تقوم صناعة، إلا في مكان تتوفر فيه إمكانياتها من استقرار وأمن، ومن وجود حاجة إليها، ومن توفر المواد الأولية فيها، والمواد الخام اللازمة لها, ومعنى هذا وجود مكان حضري. أما البداوة، فحاجاتها إلى الإنتاج قليلة؛ لسذاجة الحياة وبساطتها فيها؛ ولهذا تكون الصناعة فيها بسيطة بساطة تتناسب مع بساطة ذلك المجتمع البدوي، ومع درجة بداوته؛ ولهذا تفاوتت مستويات الصناعة البدوية بتفاوت مستوى البداوة، وبتفاوت درجة حاجاتها إلى الأشياء. فالبداوة المنعزلة عن الحضارة، التي قلَّ اتصال أبنائها بالحضر وبالعالم الخارجي، وشحت خيراتها ومواردها الأولية، لا يمكن أن تظهر فيها صناعة متطورة، ولا يعقل نمو عمل مزدهر فيها؛ لانعدام الموارد الطبيعية المغذية للعامل وللسادة أصحاب المال، ولعدم وجود حاجة إليها مع تلك البداوة القانعة بالبساطة في الحياة. ومن هنا نجد أن الصناعة، لم تتطور، إلا في المجتمعات المتطورة التي توفرت فيها إمكانيات التصنيع، وشعرت بضرورة الاستفادة من الثروات الطبيعية المتوفرة لديها بتصنيعها، أي: بتحويلها إلى موارد أخرى يحتاج إليها، وتوفرت فيها الوسائل اللازمة لظهور الصناعة. والمجتمعات البدوية مهما كانت من البداوة أو البدائية، فإنها لا تخلو من وجود صناعات بها؛ صناعات بدائية، هي من ناتج حاجات ذلك المجتمع، وناتجها يتناسب بالطبع مع حالة تلك البداوة. ولا يصح نفي وجود الصناعة بها. وقد لعب الرقيق والموالي دورًا كبيرًا في أعمال الحرف والزراعة في جزيرة العرب, إذ استخدموا في التعدين وفي الزرع. وقد ذكر "الهمداني" أنه كان بمعدن "شمام" ألوف من المجوس الذين يعملون المعدن، حتى إنه كان لهم بيتا نار يعبدان في ذلك المكان٢, وذكر أنه كان بـ"جهران" قوم من وضيع

стр. 4945

تبع، أي: من الطبقة الوضيعة، وكذلك بـ"قتاب"، حيث نسبوا إلى "تبع" قوله: فسكنت العراقَ خيار قومي ... وسَكَنت النبيط قرى قتاب١ وكان بمدينة العقيق، وهي معدن، مائتا يهودي٢, ولم يذكر "الهمداني" متى كانوا هناك ولا سبب وجودهم بهذا الموضع؛ للاتجار أو للعمل بالمعدن. وقد نتج من هجرة الأجراء والصناع إلى القرى والمدن اختلاط في السكان، لا يحدث مثله عند أهل الوبر, وهو مما جلب ازدراء الأعراب على الحضر، فكان سكان "ذمار" جمعًا من حمير ومن أنفار من الأبناء, وكان أهل "جهران" من بطون حمير، وقوم من وضيع تبع٣. وقد استعمل الهمداني لفظة "أخلاط" للتعبير عن اختلاط سكان موضع ما، ووجود عناصر متباعدة فيه لا ترجع إلى قبيلة واحدة٤. واستعمل لفظة "خليط" كذلك٥؛ لأن مدن اليمن وقراها كانت خليطًا من بطون ترجع إلى عشائر مختلفة, وهي سمة الحياة الحضرية، حيث يفد الناس إلى مواضع الحضارة من مختلف البطون والعشائر. وقد استعمل "الهداني" لفظة "لخوم العرب" في معنى بطون العرب، وكذلك لفظة "طخوم" في المعنى ذاته٦. وذلك في أثناء حديثه عن المواضع التي اختلط فيها السكان؛ لوجود فرص العمل بها والرزق الوافر الجزيل.

стр. 4946

الإجارة: والأجر والأجرة يقال فيما كان عن عقد وما يجري مجرى العقد٧. والإجارة:

стр. 4947

ما أعطيت من أجر في عمل١, وهي شرعًا: عقد على منفعة مقصودة معلومة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم٢, وهي واسعة تشمل نواحي متعددة من فروع الاستئجار. والأجير: من يشتغل لغيره في مقابل أجر يدفع له, والأجرة: الكراء, وهو ما يعطى الأجير في مقابل العمل٣. منهم من يشتغل في الحرف، مثل النجارة والحدادة والبناء وأمثال ذلك، ومنهم من يشتغل في الزراعة، ومنهم من يستأجر لأداء أعمال لأجل، مثل خدمة القوافل، أو حراسة زرع, وما شابه ذلك، فإذا انتهى الأجل انتهى العمل. وما يدفع إلى الأجير في مقابل عمله، يتوقف على الشروط التي اتفق صاحب الأرض مع الأجير عليها. فقد يكون الأجر نقدًا، ويقال لذلك: "ورقم" "ورق" في لغة المسند, وهو في القليل؛ لقلة النقد آنذاك. وقد يكون حصة، أي: نصيبًا يتفق عليه مع الملاك يؤخذ من الحاصل، وقد يكون مقايضة، بأن يدفع للأجير ما يحتاج إليه في حياته من ملبس, أو غذاء، أو حيوان، وأمثال ذلك، في مقابل جهده وتعبه. ومن ذلك استئجار الإنسان للقيام بتنفيذ عقد يحدد ويبين ويتفق عليه، كأن يقوم برعي النعم والماشية مقابل مبلغ من مال أو شيء آخر يتفق عليه، كالذي رُوِيَ من أن الرسول رعى غنم قريش على قراريط٤, أو استئجار شخص أو أشخاص للعمل في سفينة أو في أرض أو لإرشاد قافلة أو نفر إلى طريق للوصول إلى موضع٥, أو استئجار رجل ليعمل عملًا يحدد بأجل، أي بوقت، كأن يحدد بالساعات أو النهار أو الليل كالحراسة, أو أيامًا أو شهورًا أو سنة أو أكثر أو بغير أجل موقوت٦, أو استئجار رجل للقيام بعمل محدد معين كالغزو٧، أو الحمل، أي أن يحمل حملًا ينقله إلى موضع يعين له, أو ينقله من مكان إلى مكان٨.

стр. 4948

ومن ذلك استئجار النبي "عبد الله بن أريقط" من "بني الديل"، ثم من "بني عدي" ليكون هاديًا له لطريق يوصله إلى يثرب، فساحل به وبأبي بكر وبعامر بن فهيرة، حتى بلغ يثرب. وكان قد ساحل؛ لأن أهل مكة كانوا يتبعون طريق "بدر" إلى المدينة، فأراد التخلص بذلك من تعقيبهم له١. واستئجار المقاتلين للقتال عنهم, فقد كان أحدهم يعتذر عن المشاركة بنفسه في القتال لوجود أسباب مانعة، فيرسل غيره للقتال عنه، يدفع إليه أجرًا عن ذلك٢. و"الكروة" و"الكراء": أجرة المستأجر, والمكاري: هو الذي يكري دابته لغيره في مقابل "كروة"٣, والمكارون: هم الذين يكرون دوابهم، وتدخل الإبل فيها، فقد كان من أصحاب الإبل من يكاري إبله للتجار ولغيرهم, تنقلهم إلى مسافات بعيدة أو قريبة. ويستخدم الملاكون وسادة الأرض الأجراء -ممن لا أرض لهم, ولا مال لديهم يحصلون به على أرض يستغلونها- في الاشتغال بأرضهم وبمزارعهم لإصلاحها وزرعها وبنائها, ويعرف هؤلاء بـ"ملجا" في بعض نصوص المسند, واللفظة من أصل "لجا" التي هي لجأ في عربيتنا. ويقيم اللاجئ في ملجئه ويتمتع بحماية صاحبه وسيده ما دام فيه، يزرع ويبني لسيده في مقابل هذه الحماية التي يتمتع بها, والحماية التي تحميه من أي ظلم أو اعتداء٤. ويعبر عن الأجراء الذين يستخدمهم الملَّاكون في زراعة الأرض واستغلالها مقابل أجر يدفع لهم بلفظة "أجرم" في المسند٥, أي: أجير وأجراء. والأجراء جماعة كبيرة، تنقلت من ملك إلى ملك، ومن خدمة سيد إلى خدمة سيد آخر؛ لتخدم ملاكًا في مقابل أجر يتفق عليه، وعقد يبرم بين المالك والأجير، فإذا انتهى العقد أو العمل، أو رأى المالك انتفاء الحاجة إلى خدمة الأجير، أنهى عمله. وقد كان الأجراء طبقة بائسة لا تملك شيئًا غير عمل يدها؛ ولهذا كانت مضطرة بحكم فقرها هذا إلى التنقل من مكان إلى مكان للحصول على عمل تقتات

стр. 4949

منه؛ فكانت من جملة المشكلات الاجتماعية التي تعرضت لها حكومات جزيرة العرب في ذلك العهد. وجاء في أحد النصوص المعينية: "كل معنم حرم وأجرم"، أي: "كل معين أحرار وأجراء", ويقصد بـ"كل معين" كل شعب معين١؛ فقسم هذا النص شعب معين إلى أحرار، وإلى أجراء, وهم أكثر حرية من "الأدم"، أي: "العبيد" والرقيق؛ لأنهم يشتغلون بأجر وبعقود يتفقون عليها، فإذا انتهى العقد أو حصل خلاف، جاز للأجير الانتقال إلى موضع آخر، أو إلى صاحب محل آخر للعمل لديه، على حين لا يجوز للعبد فعل ذلك؛ لأنه ملك يمين. ومن أجراء الزراعة أجراء "المحاينة"، يؤدون خدماتهم موسم الحصاد، وينالون أجرهم في مقابل حصاد الحصاد، حسب ما اتفق عليه. فهم يحصدون الزرع وينقلونه مع سنبله إلى موضع تجميعه٢, ويكون ذلك في المزارع الكبيرة التي تحتاج إلى أعداد كبيرة من حُصَّاد الزرع. واليمن، هي في مقدمة أجزاء جزيرة العرب في الصناعة، ولا نكاد نجد في جزيرة العرب مكانًا يسبقها فيها. وهي الأولى في الإنتاج أيضا, وقد عرفت منتجاتها في كل موضع من بلاد العرب. وهي المكان الوحيد فيها، الذي زادت صادراته فيه على وارداته، وكان مستواه المعاشي فيه أعلى من المستوى المعاشي لبقية أجزاء جزيرة العرب, وكان مستهلكًا ومنتجًا، لحاجته إلى الاستهلاك. ثم هو المكان الوحيد، الذي نجد فيه التمايز الطبقي، والعنعنات الطبقية واضحة ظاهرة؛ لتباين الظروف المعاشية التي عاشت فيها طبقات المجتمع؛ فأسياد أغنياء، وطبقات وسط، وطبقات فقيرة معدمة لا تجد رزقها إلا بشق الأنفس. ولم تبرز صناعة اليمن في نوع واحد أو في صنف معين، بل برزت في كل نوع من أنواعها المعروفة في ذلك العهد، والتي دعت الحاجة إلى ظهورها، والتي وجدت موادها الأولية فيها, مثل صناعة الحديد, واستخراج المعادن وتحويلها إلى مصنوعات، والتجارة, والحياكة، والدباغة، والأصباغ والصموغ، وغير ذلك من صناعات اشتهرت اليمن بها وارتبط اسمها بها.

стр. 4950

و"الذهب" هو "ذهبن" في لغة المسند، أي: "الذهب", ويقال له: التبر أيضًا. وذكر أن "التبر" الذي في المعدن، والذي لم يضرب ولم يصنع١, ومن أسمائه "العسجد". وقيل: العسجد اسم جامع يطلق على الجوهر كله كالدر والياقوت٢. وذهب "إبريز" بمعنى خالص, و"العقيان": الذهب الخالص، أو الذهب الذي لا يستذاب من الحجارة، وإنما هو ذهب ينبت نباتًا٣. مما يدل على أنهم يقصدون وجود حبيبات منه خالصة في معادنه، يجمعونها, فيحصلون عليه من غير نار ولا إذابة حجر. وكانوا يطحنون أحجار الذهب، ويذرون تراب المعدن؛ لاستخلاص الذهب منه, يقال: "ذريت تراب المعدن: طلبت ذهبه"٤. ويقال لتراب الذهب: "السحالة", وهي أيضًا قشر البر والشعير والأرز٥. وكانوا يضعون المعدن في التنور ليميع، ثم يجعلونه في "الكوج"؛ ليتخلص المعدن وينقى من الشوائب٦. وقد ذكر الجغرافيون العرب أسماء مواضع عرفت بوجود خام الذهب بها، مثل موضع "بيشة" أو "بيش"، وقد كان الناس يجمعون التبر منه، ويستخلصون منه الذهب٧, و"ضنكان" وكان به معدن غزير من التبر٨, والمنطقة التي بين القنفذة ومرسى "حلج"٩. وورد أن بـ"بيش" عدة معادن١٠, وذكر "الهمداني" أن بقرية "بنات حرب" شيئًا من الذهب١١, وأن معدن "صعاد"، وهو من ديار "عقيل" هو أغزر معدن في جزيرة العرب، وهو الذي ذكره

стр. 4951

الرسول في قوله: "مُطِرَتْ أرضُ عقيل ذهبًا " , مما يدل على أنه كان معدن ذهب١. وقد ذكر بعض العلماء أن العرب تسمي معدن الذهب "خُزَيْبَة"٢. ومن معادن الذهب، معدن "القُفاعة"٣، ومعدن "الأحسن"، "الحسن" وهو معدن لبني كلاب، من أول عمل المدينة وأدنى عمل المدينة إلى اليمامة٤, ومعدن "المؤخرة"، وهو من مياه "بني الأضبط" من بني كلاب, وهو معدن ذهب وجزع أبيض٥، و"ثخب"، وهو جبل بنجد لبني كلاب، عنده معدن ذهب ومعدن جزع٦، و"القَشْراء"٧، و"خُصْلة"، ومعدن "خصلة" بحذائها، وكان به ذهب٨، ومعدن "شيبان"، وبه معادن الذهب والفضة والصفر٩، ومعدن "موزر" بضرية من ديار كلاب١٠، و"ناضحة" بين اليمامة ومكة١١, ومعدن "الهردة"١٢، ومعدن "المخلفة", وهو معدن ذهب جيد بأرض حجور. وقد وصفه الهمداني، وذكر ما كان يستخرج منه من الذهب١٣, وقد ضبط معدن الهردة بـ"الهروة" في موضع آخر من "تاج العروس"، وقال: إنه عند "الحوأب" وبه معدن ذهب١٤، ومعدن

стр. 4952

"الهجيرة"١, ومعدن "الحراضة"، ويقع بين "ينبع" والمروة معادن للذهب٢, ومعدن "الحُفير" بناحية "عماية" وهو معدن ذهب غزير، ومعدن "الحسن"، ومعدن "الثنية", ثنية "حصن بن عصام الباهلي"، ومعدن تياس، ذهب مخف بتياس٣, و"العقيق" وهو من معادن الذهب٤, وهو مدينة كان فيها مائتا يهودي ونخل كثير وآبار٥, ومعدن الضبيب، عن يسار الضبيب٦. ويظهر أن منجم "مهد الذهب"، هو المنجم الذي كان لبني سُليم، فعرف باسمهم وقيل له: "معدن بني سليم" "معدن سُلَيم"، وقد أقطعه الرسول "بلال بن الحارث"٧. وقد عثرت شركة التعدين السعودية العربية على أدوات فيها استعملها الأولون قبل الإسلام في استخراج الذهب واستخلاصه من شوائبه، مثل: رحى وأدوات تنظيف ومدقات ومصابيح، وشاهدت آثار القوم في حفر العروق التي تكون الذهب. وقد عرف معدن "بني سليم" بـ"فران" "قران"، وقد نسب إلى "فران بن بلي" دخلوا في "بني سليم"، ويأخذ عليه طريق الكوفة إلى مكة٨. وتعرف "الفضة"، في نصوص المسند بـ"صرفن" "الصرف", والفضة من المعادن المشهورة المعروفة في اليمن, و"الصريف": الفضة الخالصة٩. وقد كانت جزيرة العرب في جملة الأسواق التي موَّنت العبرانيين بهذا المعدن١٠. ومن المواضع التي عرفت بالفضة "عوسجة" في بلاد هذيل, فقد كان

стр. 4953

معدنًا للفضة١, ومعدن "شمام" معدن فضة ومعدن نحاس وصفر، "وكان به ألوف من المجوس الذين يعملون المعدن، وكان به بيتا نار يعبدان٢"، ومعدن "شيبان"٣، ومعدن "اليحموم". وقد ذكر "الهمداني" أن بـ"قرية المعدن" معدن فضة، فضة لا نظير لها في الغزر، وبقربه معدن الرضراض٤، وهو معدن فضة كذلك، لا نظير له٥. وذكر صاحب كتاب بلاد العرب أن "خزبة" معدن من معادن اليمامة، وكانت جبالها إنما هي فضة، ثم مسخت معادنها فصارت شيئًا آخر؛ إذ صيرت إلى "الكوج" التي كانت تخلص فيه، وتخلصت تصدعت كتصدع الزجاج، لا ينتفع بها٦. و"اللجين": الفضة٧، و"الوذيلة": القطعة من الفضة، وقيل: السبيكة منها، وقيل: القطعة من الفضة المجلوة، ولعل ذلك هو الذي حمل الطائيين على تسمية المرآة "الوذيلة"؛ لأن المرآة في ذلك الوقت صفيحة من المعدن مجلوة، ينظر فيها٨. وقد كانت السلطات الحاكمة تأخذ "الخمس" من معادن "الفرع"، و"نجران"، و"ذي المروة"، و"وادي القرى"٩. مما يدل على أن الناس كانوا يستغلون مناجم هذه الأرضين في الإسلام. ويظهر أن ما كان يستخرجه أهل الجاهلية من الذهب والفضة من معادنهما لم يكن بمقياس واسع, وبكميات كبيرة تصلح للتصدير إلى الخارج، بدليل أننا لم نعثر على خبر عنه لا في كتابات المسند ولا في روايات أهل الأخبار، ثم إنهم لو كانوا يستخرجون المعدنين المذكورين بكميات وافرة، لاستمروا على الاستخراج ولحسنوا كيفية استخلاص المعدنين المذكورين من معدنهما إلى ظهور الإسلام،

стр. 4954

ولأشير إلى ذلك حتمًا في الموارد الإسلامية، ولما سكتت هذه الموارد عن الإشارة إليهما. وقد استخدم أهل اليمن الرصاص في كثير من الأعمال، منها صبه في أسس الأعمدة, وبين مواضع اتصال الحجارة؛ لترتبط بعضها ببعض, وقد عثر المنقبون على بقايا منه في مواضع متعددة من الأماكن الأثرية باليمن. والرصاص ضربان: أسود وهو الأسرب والأبار، والأبيض وهو القلعي. وقد عرف بالآنك، والأسرب، والأسرف، والصرفان, وشيء مرصص مطلي به, وكانوا يطلون الأواني به، ويشربون بها١. وذكر أن "الآنك" هو الأسرب، وهو الرصاص القلعي، أو أبيضه، أو أسوده، أو خالصه، وذكر أن الآنك بمعنى الخالص، وأنهم كانوا يقولون: هذا رصاص آنك، بمعنى: هذا رصاص خالص٢, وقال بعض العلماء: الآنك هو القزدير "القصدير". وورد في الحديث: "من استمع إلى مغنية صبَّ الله الآنك في أذنيه يوم القيامة"٣. والأسرب، الآنك، وهو الرصاص، واللفظة من المعربات، عربت من أصل فارسي٤. والأسرف، لفظة معربة أيضًا، تعني الآنك، من أصل فارسي، هو "سرب"٥, و"الصرفان" هو الرصاص القلعي، وقيل: النحاس٦. وأرى أن الرصاص القلعي، هو رصاص استخرج من "القلعة" موضع باليمن، بوادي "ظهر" به معدن حديد، وإليه نسبت السيوف القلعية, زعموا أن "الجن" تغلبت عليه٧. وللحديد معدن في "رُغافة" باليمن على مرحلة من صعدة٨. وفي "قساس" -ذكر أنه جبل بديار بني نمير، وقيل: بني أسد- فيه معدن حديد. وذكر أهل الأخبار اسم موضع آخر عُرف بوجود معدن الحديد فيه، قالوا: إنه بأرمينية منه

стр. 4955

السيوف القساسية١. وذكر "الهمداني" أن باليمن معادن حديد غير معمولة بنقم وغمدان٢. ولعل كثرة الحديد باليمن، واشتهارها به، جعل أهل الأخبار يروون أن أول من عمل السنان من حديد هو "ذو يزن" "ديرون الحميري"٣، وإنما كانت أسنة العرب من صياصي البقر٤. وقد اشتهرت اليمن بسيوفها، فالسيوف اليمانية هي من السيوف الجيدة التي اكتسبت سمعة طيبة عند الجاهليين. و"النحاس" الصفر، وقيل: ما سقط من شرار الصفر، أو الحديد إذا طرق٥. والصفر: النحاس الجيد، وقيل: هو ضرب من النحاس، وقيل: هو ما صفر منه, والصفر: الذهب أيضا٦. واستعملت لفظة "هاع" بمعنى: سال وذاب, في نصوص المسند. استعملت لمناسبة صب الرصاص الذائب في أساس الأبنية وبين فواصل أحجار الأعمدة؛ لتشدها شدًّا محكمًا. والكبريت من المعادن الموجودة في اليمن, و"ذَمار" هي مركزه ومنها يجلب إلى سائر أعمال اليمن٧. وذكر أنهم كانوا يكبرتون أباعرهم؛ يطلونها بالكبريت مخلوطًا بالدسم والخضخاض، وهو ضرب من النفط أسود رقيق لا خثورة فيه، وليس بالقطران؛ لأنه عصارة شجر أسود خاثر. وكانوا يستحمون في العيون التي يجري منها الماء مشوبًا به، ولها رائحة الكبريت٨. و"الجزع" من الأحجار التي تستعمل في الفصوص التي توضع في الأختام.

стр. 4956

وقد تحفر عليها كتابة أو صور١. وقد عثر على فصوص من هذا النوع في مواضع عديدة من الآثار, في اليمن وفي العربية الجنوبية والغربية وفلسطين. وذكر علماء اللغة أن الجزع: الخرز اليماني الصيني، وزاد بعضهم: الصيني، فيه سواد وبياض, تشبه به الأعين. قيل: إنه سمي جزعًا؛ لأنه مجزع، أي: مقطع بألوان مختلفة, وقد أشير إليه في شعر امرئ القيس٢. ومن الجزع: الجزع السماوي، وهو العشاري من وادي عشار٣. وقد اشتهرت "ظفار" بالجزع, فقيل: "جزع ظفار"٤. قيل: إنه من "ظفار الحقل"، قرب صنعاء على مرحلتين منها، وقيل: إنه منسوب إلى "ظفار أسد" مدينة باليمن٥, وكان لعائشة عقد من جزع ظفار٦. واستخرج أيضا من جبل شبام٧, ومن معادنه معدن ضهر، ومعدن سعوان، ومعدن عذيقة، مخلاف خولان٨. ومن الجزع الموشى والمُسيّر، وهو في مواضع من اليمن، منها النقمى٩. وعرفت اليمن بالعقيق، تتخذ منه الفصوص, يؤتى به من اليمن من معدن له على مرحلة من "صنعاء" يقال له: "مقرأ "مقرى", وهو أجود من عقيق غيرها١٠. ويوجد عقيق آخر يستورد من الشحر, وقد تختم

стр. 4957

به١, وذكر أنه يستخرج من جبل شبام٢, ومن "الهام"، ومن "ألهان"، ومن "شهارة"، ومن قساس٣. وذكر "الهمداني" أن العقيق الأحمر، والعقيق الأصفر العتيقين من ألهان٤. وقد عرف معدن "بقران" بالأحجار التي تستخرج منها الفصوص البقرانية, وهو في مخلاف بني نجيد من اليمن٥. وذكر "الهمداني" أن "البقران" ألوان، ويبلغ المثلث بها مالًا، إذ يشترى بأسعار عالية، وهو أن يكون وجهه أحمر، فوق عرق أبيض، فوق عرق أسود. ويوجد البقران بجبل أنس، وهو ينسب إلى أنس بن ألهان بن مالك٦. ومن الأحجار الأخرى: الفصوص السعوانية من سعوان، وادٍ إلى جنب صنعاء، وهو فص أسود فيه عرق أبيض، ومعدنه بشُهارة، وعيشان من بلد حاشد إلى جنب هنوم، وظليمة والجمش من شرف همدان. والعشاري، وهو الحجر السماوي٧. ومن الفصوص الثمينة: "الدهنج" كالزمرد، حصى أخضر تتخذ منه الفصوص، وأجوده: "العدسي"٨. ومن معادنه حرة بني سليم٩، وحرة النار١٠. ومن الجواهر الأخرى: "الزمرد"١١, والزبرجد١٢، و"الشذر": قطع من الذهب تلقط من معدنه بلا إذابة الحجارة، ومما يصاغ من الذهب فرائد يفصل بها اللؤلؤ والجوهر، وقيل: خرز يفصل بها، أو اللؤلؤ الصغار١٣. و"الجسمت" معدن يستخرج من "الصفراء"، على ثلاثة أيام من المدينة،

стр. 4958

وهو في جملة ما يقال له: "القوارير"١. والبلور، ويستخرج من البراري من بين الحصى، ومن "ضهر"، و"سعوان"، ومن "عذيقة" مخلاف خولان، ومن وادي عشار، ومن ألهان، وشهارة٢. و"الدرة": اللؤلؤة العظيمة، وما أعظم من اللؤلؤ٣, ويستخرج اللؤلؤ من الخليج، وقد اشتهرت البحرين به منذ أيام ما قبل الإسلام. وأما "الياقوت"، فأجوده الأحمر الرماني، وقد استورد من سرنديب "سيلان"٤. والزاج، مشهور في اليمن، ويقال له: الشب اليماني، وهو من الأدوية٥. و"الشب": حجارة يتخذ منها الزاج وما أشبهه، وأجوده ما جلب من اليمن، وهو شب أبيض له بصيص شديد، وقد استعمل في دباغة الجلود, وقد أشير إليه في الحديث. وذكر بعض العلماء أن الزاج كثير الأصناف، وهو غير الشب، وينبعثان من معدن واحد، والشب من المعادن الأربعة التي لم تكمل صورتها، وهي: الزاج والملح والنوشاذر والشب, والشب يشبه الزاج وفيه بعض حموضة، وأما الزاج فحموضته أكثر، والشب أنواع٦. وقد ذكروا أنه ماء يقطر، فيجمد قبل أن يصل إلى الأرض، فيصير هذا الشب اليماني. ومن معدنه "إسبيل"، جبل من ديار عنس من مذحج، بقربه مقطر الشب٧، ومعدن الأشعر. ويظهر من أقوال أهل الأخبار أنهم كانوا يستخرجونه من "غرض" الجبال، وهي شقوق تكون في الجبل، يحفرون بها، ويستخرجون منها الشب٨. ويطلق العرب على الموضع الذي يستخرجون المعدن منه "المعدن". وقد عرفوا "المعدِن"٩ بأنه منبت الجواهر من ذهب ونحوه، ومكان كل شيء يكون فيه أصله ومبدؤه، نحو معدن الذهب والفضة والأشياء. ومنه حديث بلال بن الحارث

стр. 4959

أن الرسول أقطعه معادن القبيلة جلسيها وغوريها, وهي المواضع التي تستخرج منها جواهر الأرض١. وهي ناحية من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام، وقيل: ناحية من نواحي الفرع، بين نخلة والمدينة٢. ومن المعادن: معدن الغاف٣، ومعدن النقرة، منزل لحاج العراق بين إضاخ وماوان، وبها سوق, وبها بركة وثلاثة آبار وآبار صغار للأعراب تنزح عند كثرة الناس، وعندها تفترق الطريق؛ فمن أراد مكة نزل المغيثة، ومن أراد المدينة أخذ نحو العسيلة فنزلها٤. و"العصيان" من معادن بلاد العرب٥. ومن المعادن التي لم يخصص أهل الأخبار نوع معدنها: معدن "البئر"٦، ومعدن النميرة٧ "التميرة"، ومعدن "حليت"٨، ومعدن "الخربة"٩، ومعدن "خزبة"١٠، ومعدن "خصلة"١١، ومعدن "الشبيكة"١٢, ومعدن "الشجرتين"١٣، ومعدن "عراقيب"١٤، ومعدن "ذي العوسج"١٥، ومعدن "العيصان"١٦ لبني نمير، ومعدن "عيهم"١٧، ومعدن "قساس"، وقد كشف فيه حديثًا معدن الحديد١٨، ومعدن "الكوكبة"، ويظهر أنه كان

стр. 4960

من معادن الفضة١، ومعدن المزبدة٢، ومعدن "النقيب"٣، ومعدن "منضح"، وهو اسم معدن جاهلي بالحجاز عند جوبة ماء عظيمة يجتمع فيها الماء٤، ومعدن اللقط٥، ومعدن "ماوان"، وهو معدن مشهور٦، ومعدن "النصب" من معادن القبلية٧، ومعدن "النقرة"٨, وبـ"بيش", وهو مخلاف من مخاليف مكة, عدة معادن٩, ومعدن شمام، و"بحران"، وهو بناحية الفرع من الحجاز, به معدن للحجاج بن علاط البهري، له ذكر في سرية "عبد الله بن جحش"١٠، و"حوراء" بناحية المدينة وبها معدن البرام١١, ومعدن "فران"، وينسب إلى "فران بن بليّ بن عمرو"١٢, ومعدن "المحجة" بين العمق وبين أفيعة١٣, ومعدن هبود لبني نمير١٤. والملح من المواد التي تاجر بها الجاهليون, وتوجد معادنه في مواضع متعددة من جزيرة العرب. وقد كان بعضهم يستحضره من المياه المالحة، ومنهم من كان يستخرجه من مناجم تُحفَر، فيستخرج منها. وقد ذكر "الهمداني" أسماء مواضع وجدت فيها معادن الملح١٥, وقد أشير في "المسند" إلى الملح وإلى الاتجار به، وإلى وجود كيَّالين كانوا يكيلونه ويرسلونه إلى الأسواق لبيعه فيها. ومن أشهر مواضع الملح في اليمن: جبل الملح في بلاد مأرب، وهو ملح صافٍ كالبلور، وكان النبي قد أقطعه "الأبيض بن جمال"١٦.

стр. 4961

وقد استغل التجار "مكر" في العربية الجنوبية تجارة الملح، فأخذوا يستغلون مناجمه، ويحملونه منها قوافل إلى الأسواق. ونظرًا إلى سعة هذه التجارة وإلى كثرة الملح المستخرج، ظهرت جماعة عرفت بـ"زلا" "سلا" في لغة المسند، تخصصت بكيل الملح وتعبئته في الجوالق؛ لإرساله إلى الأسواق١.

стр. 4962

الأحجار: واستُفِيدَ من الأحجار في البناء، ولا سيما في العربية الجنوبية، إذ كان الحجر مادة البناء عندهم. ويقطع من المقالع قطعًا بعضها ضخمة استخدمت في بناء الأبنية المهمة مثل: قصور الملوك والمعابد والسدود وبيوت السادات. ولتثبيت الأحجار ولصقها بعضها فوق بعض، استخدم "الجص"، ويقال له: "القص" بلغة أهل الحجاز, واللفظة معربة على ما يذكره علماء اللغة١. و"النورة" حجر يحرق ويستخدم في البناء، و"البورق"، وهو حجر يحرق أيضا، ويستعمل لتبييض الجدران، ومواد أخرى تشبه "السمنت" في قوتها وفي صلابتها وفي تثبيت الأحجار بعضها فوق بعض. ويقال لبعض أنواع الأحجار "المُسنى"، وتعمل منها نصب السكاكين٢. و"الشزب"، حجر يعمل منه ألواح وصفائح وقوائم سيوف ونصب سكاكين ومداهن وقحفة٣, و"الهيصمي" وهو حجر يشاكل الرخام، إلا أنه أشد بياضًا يخرط منه كثير من الآنية٤. وقد نحت النحاتون من بعض الحجارة قدورًا للطبخ، عرفت عندهم بـ"البُرمة". وقيل: البرمة: قدر نحت من حجارة أو عمل من حديد أو نحاس, و"المبرم": صانعها أو من يقتلع حجارتها من الجبال فيسويها وينحتها, وقيل للمعدن الذي تقتلع منه هذه الحجارة: "معدن البرم" و"معدن البرام"٥. ومن هذه المعادن

стр. 4963

"قدقد"، جبل به معدن البرام١. وكانوا يحفرون المعادن ويدخلون المنجم لاستخراج المعدن منه, وقد ينهار المعدن على حافره فيقتله. وإلى ذلك أشير في الحديث: "المعدن جبار, والبئر جبار, والعجماء جبار"؛ ومعناه: أن تنفلت البهيمة العجماء فتصيب في انفلاتها إنسانًا أو شيئًا، فجرحها هدر، وكذلك البئر العادية يسقط فيها إنسان فيهلك، فدمه هدر, والمعدن إذا انهار على حافره فقتله, فدمه هدر, ومعناه: إذا انهار على من يعمل فيه فهلك، لم يؤخذ به مستأجره٢.

стр. 4964

النسيج والحياكة: وقد اشتهرت اليمن عند ظهور الإسلام بالنسيج والحياكة, وهي قد أصدرت أنواعًا عديدة من الأقمشة والثياب إلى مختلف أنحاء جزيرة العرب اكتسبت شهرة بعيدة في كل مكان؛ لجودة صنعها ونفاسة مادتها. ومن ثياب أهل اليمن الناعمة الثياب التي تعرف باسم "الخال"، وهو ثوب ناعم وضرب من البرود، وقيل: برد أرضه حمراء فيها خطوط سود١. و"الوصائل"، وهي ثياب يمانية حمر أو ثياب حمر مخططة، أو برود حمر فيها خطوط خضر٢. والعصب، وهي ضرب من البرود وضرب من الثياب، يعصب غزلها، أي: يدرج ثم يحاك، وليس من برود الرقم, وقيل: العصب: برود يمانية يعصب غزلها، أي: يجمع ويشدّ ثم يصبغ وينسج, فيأتي موشى لبقاء ما عصب فيه أبيض، لم يأخذه صبغ, وقيل: برود مخططة. وورد أن "عمر بن الخطاب" أراد أن ينهى عن عصب اليمن, وقال: نبئت أنه يصبغ بالبول، ثم قال: نهينا عن التعمق. ويدل هذا الخبر, إن صح، على أن البرود العصب هي البرود المشدودة المصبوغة بالعصب، ولا ينبت العصب والورس إلا في اليمن. وهو يدل أيضا, على أن العصب

стр. 4965

صبغة تستخرج من نبات العصب، تصبغ بها البرود ونحوها من الأشياء١. والممرجل "الممرحل": ثياب من الوشي فيها صور المراجل٢, ويظهر أنها المراجل، جمع "المرجل", والمرجل "المرحل" برد يماني. ومن أمثالهم: حديثًا كان بردك مرجليًّا، أي: إنما كسيت المراجل حديثًا، وكنت تلبس العباء. ويظهر أنها كانت موشاة وكانت من ألبسة المترفين، ففي الحديث: "حتى يبني الناس بيوتًا يوشونها وشي المراحل"، يعني تلك الثياب، ويقال لها أيضا: المراجل بالجيم٣. وذكر أن "المرحل"، برد فيه تصاوير رحل وما ضاهاه٣. وقد صورت بعض ثياب أهل الجاهلية ونمقت، ومنها ثياب صلبت، أي: نقشت بالصلبان. وقد نهى الرسول عن لبس هذه الثياب، وذكر أنه نهى عن الصلاة بالثوب المصلب٤. والمقطعات من الثياب كل ما يفصل ويخاط من قمص وجباب وسراويلات وغيرها، وما لا يقطع منها كالأردية والأزر والمطارف والرياط التي لم تقطع وإنما يتعطف بها مرة ويتلفع بها أخرى. وقيل: القصار من الثياب، وبرود عليها وشي٥. والحبرة، وهي ضرب من ضروب البرود كذلك، وهي البرود الموشاة المخططة, وقيل: ضرب من برود اليمن منمر. وذكر أن الحبير الثوب الجديد الناعم, وفي حديث أبي ذر: الحمد لله الذي أطعمنا الخمير وألبسنا الحبير٦. وفيه دلالة على أن "الحبير" من ألبسة المتمكنين، وليس في وسع الفقراء اقتناؤها. والمعاجر، من ضروب الثياب المصنوعة في اليمن, والمعجر ثوب تعجر به المرأة، أصغر من الرداء وأكبر من المقنعة, وقيل: ثوب يمني يلتحف به ويرتدي٧. و"السيراء"، وهي ثياب مخططة، ونوع من البرود، فيه خطوط صفر،

стр. 4966

أو يخالطه الحرير والذهب الخالص، وقيل: ثوب مسير فيه خطوط تعمل من القز كالسيور، أو خطوط من الذهب, وهي من حلل الأغنياء والكبراء. روي أن "أكيدر" أهدى إلى الرسول حلة سيراء، وفي حديث عمر: رأى حلة سيراء تباع١. والثياب السحولية: أثواب كرسف من ثياب "سحول" موضع اليمن تنسج به الثياب السحولية، وتحمل منه إلى سائر الأنحاء, وهي ثياب قطن بيض. قال طرفة: وبالسفح آيات كأن رسومها ... يمان وشته ربذة وسحول٢ وذكر أن السحل ثوب أبيض رقيق من القطن، أو من الكرسف من ثياب اليمن. والسحيل: الخيط غير مفتول، والغزل الذي لم يبرم، فأما الثوب، فإنه لا يسمى سحيلًا ولكن يقال له: السحل، وقيل: السحيل: الخيط غير مفتول، ومن الثياب ما كان غزله طاقًا واحدًا, والمبرم المفتول الغزل طاقين. و"المتأم" ما كان سداه ولحمته طاقين ليس بمبرم ولا مسحل, والسحل والسحيل: الحبل الذي على قوة واحدة، والمبرم: الذي على طاقين. وذكر أن السحيل من الحبل الذي يفتل فتلًا واحدًا كما يفتل الخياط سلكه، والمبرم أن يجمع بين نسيجتين فيفتلا حبلًا واحدًا٣. ولما توفي الرسول، كفن في ثلاثة أثواب سحولية، ويروى في ثوبين سحوليين٤. وقد اشتهرت عدن بصنع البرود كذلك, ورد في الحديث أن الرسول كان قد استعمل هذه البرود٥, وقد عرفت بـ"العدني" وبـ"العدنيات". وهي ثياب كريمة نسبت إلى عدن، واشتهرت برياطها، فقيل: "رياط عدنيات"٦.

стр. 4967

وقد اشتهرت قطر بنوع من الثياب يقال لها: الثياب القطرية، كما اشتهرت بنوع من النجائب, هي "النجائب القطريات"١, وذكر أنها برود من غليظ القطن، أو هي برود خمر لها أعلام فيها بعض الخشونة. وجاء في الحديث أن الرسول توشَّح بثوب قطري٢. واشتهرت "هجر" بثيابها كذلك، واعتبرت من الملابس الفاخرة التي تستحق الإهداء. ولما أرسل الرسول "سليط بن عمرو العامري" إلى "هوذة بن علي الحنفي"، أجاز هوذة "سليطًا" بجائزة, وكساه أثوابًا من نسج هجر٣. وقد اشتهرت برود وثياب اليمن بجودة النسج وبحسن الصنعة والدقة, كما امتازت بألوانها وبوشيها، والوشي: النمنمة والنقش٤. ومنها المرحل، وهو برد فيه تصاوير رحل، والمرط المرحلة، ومنه الحديث: "كان يصلي وعليه من هذه المرحلات"، يعني: المرط المرحلة٥. ومن برود اليمن المعروفة "الخمس"، ويقال لها أيضًا: الخميس. ذكر أنه إنما قيل للثوب خميس؛ لأن أول من عمله ملك باليمن يقال له الخمْس، أمر بعمل هذه الثياب فنسبت إليه٦. و"الفوف" من برود اليمن، وهي ثياب رقاق موشاة٧. ولأهل المعافر ثياب جيدة، وهم يستعملون "السكينية" في رءوسهم، وهم من حمير، وملوكهم "آل الكرندي"٨. واشتهرت "صحار"، قصبة عمان مما يلي الجبل، بثياب عرفت بها، فقيل لها: "ثوب صحاري"، وثياب صحارية. وفي الحديث: "أن رسول الله كفن في ثوبين صحاريين"٩. وقد اشتهرت "الحيرة" بنوع من الأنماط، تزين به الرحال، حتى عرف

стр. 4968

بها، فقيل: "الحاري"١. والنمط: ظهارة فراش ما، أو ضرب من البسط، أو ثوب صوف يطرح على الهودج، له خمل رقيق. وقيل: ضرب من الثياب المصبغة، ولا تكاد العرب تقول: نمط، إلا لما كان ذا لون من حمرة أو خضرة أو صفرة، فأما البياض فلا يقال: أنماط٢. وقد اشتهرت صناعة البسط في جزيرة العرب, وهناك أنواع عديدة منها تنسب إلى مواضع متعددة. وهي تصنع من الأصواف ومن شعر المعز, ويشتغل بنسجها النساء والرجال, وقد اشتهر بعضها باسم "العبقري" و"العباقري", وفي الحديث: "أنه كان يسجد على عبقري"، وهي هذه البسط التي فيها الأصباغ والنقوش. وذكر بعض العلماء أن "عبقرة" موضع باليمن أو بالجزيرة يوشى فيه الثياب والبسط، ثيابه في غاية الحسن والجودة، فصارت مثلًا لكل منسوب إلى شيء رفيع٣. وقد اشتهرت اليمن بكثرة المشتغلين من أهلها بالحياكة، وعرفت بها بقية العربية الجنوبية. وقد قيل في انتقاص أهل اليمن وفي النيل منهم؛ أنهم بين حائك برد وسائس قرد, ونسوة حوائك، يشتغلن بالحياكة. ورد في شعر ذي الرمة قوله يصف محلة: كأن عليها سحق لفق تأنقت ... بها حضرميات الأكف الحوائك٤ وأشير إلى الحياكة في نصوص المسند، إذ كانت صناعة النسيج من أهم الصناعات في اليمن, وقد عرف "الحائك" عندهم بـ"أنم"٥. وكان أهل مكة يقصدون اليمن، فيشترون منها الألبسة اللطيفة الجيدة ويحملونها إلى الأسواق لبيعها، ومنها أسواق بلاد الشام. وقد نشأت من الألياف والخوص وعيدان بعض الأشجار صناعة، فاستفيد من خوص الدوم في صنع أحفاش النساء، والدوم شجر المقل، واحدته دومة٦.

стр. 4969

واستفيد من لحاء الخزم في صنع الحبال، ويقال لصانعها: "الخزام"١، وسفّ الخوص على هيئة سفرة، ويقال لذلك: السمهة٢. وصنعت الحصر من بردى وأسل ومن الخوص٣, وقيل للحصير المنسوج من سقف النخل: "الفحل", وأما الحصير المنسوج من الدوم، فيقال له: "الطليل"٤. والبارية: الحصير, قال بعضهم: الحصير المنسوج من القصب٥. وتاجر أهل اليمن بـ"الخضاب"، ويكون ذلك بالحناء، وإذا كان بغير الحناء قيل: صبغ شعره. وذكر أهل الأخبار أن "عبد المطلب" أول من خضب بالسواد من العرب، وكل ما غير لونه فهو مخضوب٦. وكانوا يخضبون به الأطراف كذلك٧, واختضبوا بـ"الوسمة" كذلك٨, وكانوا إذا أرادوا الحصول على لون أسود قاتم، ليبدو الشعر به أسود، خلطوا الحناء بالوسمة. والحناء ورق نبات، وكذلك الوسمة، يدقان حتى يصيرا كالطحين الناعم جدًّا، أو يطحنان, ثم يعجن الطحين بالماء فيخضب به. ويخلطون بالحناء دقيق ورق البشام فيسود الشعر٩.

стр. 4970

الفصل الثالث عشر بعد المئة: حاصلات طبيعية الصبغ ... الفصل الثالث عشر بعد المائة: حاصلات طبيعية الصبغ: والصبغ ما يُلوَّن به, وقد استخرج أهل الجاهلية الأصباغ من بعض النبات؛ لاستعمالها في الصناعة أو في البناء وفي صبغ الأنسجة. واشتهرت مواضع من جزيرة العرب بحذقها في الصباغة، وبإتقانها استخراج الصبغ من النبات وبعض المعادن. وقد كانت سلعة مطلوبة رائجة؛ لأنها جيدة ثابتة لا تتغير بسرعة. وقد عصفر الجاهليون ثيابهم بالعصفر. وهو نبات ينبت بأرض العرب، سلافته الجريال، صبغ أحمر١, وبزره "القرطم"، الذي يصبغ به منه٢, وصبغوا بـ"الفرصاد", وهو صبغ أحمر, وبـ"الفوّة"، عروق يصبغ بها. وقيل: هي عروق حمر دقاق لها نبت يسمو في رأسه حب أحمر شديد الحمرة كثير الماء يكتب بمائه وينقش. قال الأسود بن يعفر: جرت بها الريح أذيالًا مظاهرة ... كما تجرّ ثياب الفوة العرس واستعملت "الفوة" دواءً لمعالجة الجلد٤.

стр. 4971

و"الإحريض": العصفر، يقال: حرض ثوبه: إذا صبغه بالإحريض١. و"النكع": اللون الأحمر، وزهرة حمراء يصبغ بها, و"النكعة": ثمر النقاوى، وهو نبت أحمر، ومنه الحديث: "كانت عيناه أشد حمرةً من النكعة", وهي صمغة القتاد "القناد"٢. و"الصِّرف": صبغ أحمر تصبغ به شرك النعال٣, و"الك": نبات يصبغ به، وهو صبغ أحمر يصبغ به جلود البقر والمعز وغيرها، و"اللكاء": الجلود المصبوغة بالك٤. وأكثر أصباغهم هي أصباغ أخذت من النبات, وهو شيء طبيعي لسهولة استحصال الأصباغ من النبات، ولتوفره لديهم في الحضر وفي البر. أما الأصباغ المستخرجة من المعادن، فهي أقل بكثير من الأصباغ المستخرجة من النبات؛ لما يحتاج استخراج الأصباغ منها إلى مهارة وحذق وتقدم في الصناعة والعلم.

стр. 4972

العصير: والعصير: هو ما يحلب من الشيء إذا عصرته، وهو العصارة. ويعصر كل ما له دهن أو شراب أو عسل، وأمثاله, و"المعصرة" موضع العصر، والمعصر: ما يعصر فيه العنب، والمعصار: الذي يجعل فيه الشيء فيعصر حتى يتحلب ماؤه. والعواصر: ثلاثة أحجار يعصر بها العنب، يجعلون بعضها فوق بعض١. وتعصر الأشياء للشرب كالخمور والأشربة، أو للتداوي؛ لاستعمال العصير دواء يتداوى به، أو لاستخراج الدهن من المعصور. وقد استعمل المزارعون المعاصر لعصر الأعناب أو لاستخراج الزيوت من البذور, وتسمى "المعصرة" "موهت" في المسند، من أصل "وهت"٢. ومن معاني هذه اللفظة الضغط وشدة الدوس، وهي تستعمل في الحقول كما تستعمل في البيوت وفي محلات الاتجار بالزيوت.

стр. 4973

و"القطران": عصارة الأبهل والأرز، وهو ثمر الصنوبر. يطبخ فيتحلب منه، ثم يهنأ به الإبل١. ويتخذ القطران من الإثرار، وهو شجر يقتدح سريعًا إذا كان يابسًا٢, كما يتخذ من العرعر٣. والزفت، كالقير، وقيل: هو القار، والزفت: المطلى به، وهو غير القير الذي يقير به السفن، إنما هو شيء أسود أيضا يمتن به الزقاق الحمر, وقد نهي في الحديث عن المزيت والمقير. والزفت أيضا دواء, وهو شيء يخرج من الأرض يقع في الأدوية٤. وذكر أهل الأخبار، أنهم كانوا يستخرجون "الزفت" من أعجاز شجر "الأرز" وعروقه، وأنهم كانوا يستصبحون بخشب الأرز, وقد أشير إليه في الحديث٥. وقد استخرجوا الزفت من شجر "التنوب" وغيره من ضروب الصنوبر، وهو قريب من دهن القطران٦.

стр. 4974

الزيوت والدهون: ويستعمل الحضر الزيت في أكلهم وفي تزييت شعرهم وفي أمور أخرى, وهم يحصلون عليه من النبات بعصر لبّ الثمر المتشبع بالزيت. واليمن هي على رأس الأمصار العربية في إنتاج الزيت, زيت الزيتون وغيره، وقد كانت تصدره إلى الحجاز وإلى مواضع أخرى من جزيرة العرب. والزيت في اللغة دهن، وهو عصارة الزيتون١. ويعد التزييت، أي: التدهن بالزيت الجيد المطيب من علائم النعيم والرفاه. و"السليط": الزيت عند عامة العرب وعند أهل اليمن دهن السمسم، وقد ذهب بعضهم إلى العكس. وقيل: هو كل دهن عصر من حبّ, وذكر أن دهن

стр. 4975

السمسم هو السيرج والحل١. و"السيرج" هو "الشّيْرج"٢: دهن السمسم٣، و "الحَل"، هو الشيرج، أي: دهن السمسم٤. ومن الدهن، دهن يستخرجه أهل اليمن من "الكاذى", والكاذى شجر شبه النخل في أقصى بلاد اليمن، وطلعه هو الذي يصنع منه الدهن. وذكر أنهم كانوا يقلعون طلع "الكاذى" قبل أن ينشق، فيلقى في الدهن ويترك حتى يأخذ الدهن ريحه ويطيب٥. ودهن الغار، دهن يستخرج من شجر الغار، وهو شجر الغار، وهو شجر له حمل أصغر من البندق أسود يقشر، له لب يستخرج منه الدهن، وورقه طيب الريح يقع في العطر، ويستعمل ثمره في الأدوية, ويستصبح بدهن الغار٦. واستخرج أهل "الشوع" دهنًا منه، كما يستخرج أهل السمسم دهنًا منه. وذكر أن "الشوع" شجر البان، الواحدة: "شوعة", وهو يريع ويكثر على الجدب وقلة الأمطار، وهو مطلوب مرغوب، فكان الناس يسلفون في ثمره الأموال٧. و"البان"، شجر يستخرج من حبّ ثمره دهن طيب, يستعمل في التدهين, وفي معالجة أمراض عديدة, وقد ذكر في شعر "امرئ القيس"٨. وزيت مقتت، إذا أُغلِيَ بالنار ومعه أفواه الطيب، ودهن مقتت مطيب طبخ فيه الرياحين، أو خلط بأدهان طيبة, والتقتيت جمع الأفاويه كلها في القدر وطبخها٩. واستخرج من موم العسل شمع، وهو ما يستصبح به. ويذكر علماء اللغة أن "الموم" لفظة مولدة جاءت من الفارسية، وأن لفظة "الشمع" لفظة مولدة كذلك١٠. ونظرًا لوجود العسل بكثرة في اليمن وفي "السراة" وفي مواضع أخرى
следующие страницы →