← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

و"الإحريض": العصفر، يقال: حرض ثوبه: إذا صبغه بالإحريض١. و"النكع": اللون الأحمر، وزهرة حمراء يصبغ بها, و"النكعة": ثمر النقاوى، وهو نبت أحمر، ومنه الحديث: "كانت عيناه أشد حمرةً من النكعة", وهي صمغة القتاد "القناد"٢. و"الصِّرف": صبغ أحمر تصبغ به شرك النعال٣, و"الك": نبات يصبغ به، وهو صبغ أحمر يصبغ به جلود البقر والمعز وغيرها، و"اللكاء": الجلود المصبوغة بالك٤. وأكثر أصباغهم هي أصباغ أخذت من النبات, وهو شيء طبيعي لسهولة استحصال الأصباغ من النبات، ولتوفره لديهم في الحضر وفي البر. أما الأصباغ المستخرجة من المعادن، فهي أقل بكثير من الأصباغ المستخرجة من النبات؛ لما يحتاج استخراج الأصباغ منها إلى مهارة وحذق وتقدم في الصناعة والعلم.

стр. 4972

العصير: والعصير: هو ما يحلب من الشيء إذا عصرته، وهو العصارة. ويعصر كل ما له دهن أو شراب أو عسل، وأمثاله, و"المعصرة" موضع العصر، والمعصر: ما يعصر فيه العنب، والمعصار: الذي يجعل فيه الشيء فيعصر حتى يتحلب ماؤه. والعواصر: ثلاثة أحجار يعصر بها العنب، يجعلون بعضها فوق بعض١. وتعصر الأشياء للشرب كالخمور والأشربة، أو للتداوي؛ لاستعمال العصير دواء يتداوى به، أو لاستخراج الدهن من المعصور. وقد استعمل المزارعون المعاصر لعصر الأعناب أو لاستخراج الزيوت من البذور, وتسمى "المعصرة" "موهت" في المسند، من أصل "وهت"٢. ومن معاني هذه اللفظة الضغط وشدة الدوس، وهي تستعمل في الحقول كما تستعمل في البيوت وفي محلات الاتجار بالزيوت.

стр. 4973

و"القطران": عصارة الأبهل والأرز، وهو ثمر الصنوبر. يطبخ فيتحلب منه، ثم يهنأ به الإبل١. ويتخذ القطران من الإثرار، وهو شجر يقتدح سريعًا إذا كان يابسًا٢, كما يتخذ من العرعر٣. والزفت، كالقير، وقيل: هو القار، والزفت: المطلى به، وهو غير القير الذي يقير به السفن، إنما هو شيء أسود أيضا يمتن به الزقاق الحمر, وقد نهي في الحديث عن المزيت والمقير. والزفت أيضا دواء, وهو شيء يخرج من الأرض يقع في الأدوية٤. وذكر أهل الأخبار، أنهم كانوا يستخرجون "الزفت" من أعجاز شجر "الأرز" وعروقه، وأنهم كانوا يستصبحون بخشب الأرز, وقد أشير إليه في الحديث٥. وقد استخرجوا الزفت من شجر "التنوب" وغيره من ضروب الصنوبر، وهو قريب من دهن القطران٦.

стр. 4974

الزيوت والدهون: ويستعمل الحضر الزيت في أكلهم وفي تزييت شعرهم وفي أمور أخرى, وهم يحصلون عليه من النبات بعصر لبّ الثمر المتشبع بالزيت. واليمن هي على رأس الأمصار العربية في إنتاج الزيت, زيت الزيتون وغيره، وقد كانت تصدره إلى الحجاز وإلى مواضع أخرى من جزيرة العرب. والزيت في اللغة دهن، وهو عصارة الزيتون١. ويعد التزييت، أي: التدهن بالزيت الجيد المطيب من علائم النعيم والرفاه. و"السليط": الزيت عند عامة العرب وعند أهل اليمن دهن السمسم، وقد ذهب بعضهم إلى العكس. وقيل: هو كل دهن عصر من حبّ, وذكر أن دهن

стр. 4975

السمسم هو السيرج والحل١. و"السيرج" هو "الشّيْرج"٢: دهن السمسم٣، و "الحَل"، هو الشيرج، أي: دهن السمسم٤. ومن الدهن، دهن يستخرجه أهل اليمن من "الكاذى", والكاذى شجر شبه النخل في أقصى بلاد اليمن، وطلعه هو الذي يصنع منه الدهن. وذكر أنهم كانوا يقلعون طلع "الكاذى" قبل أن ينشق، فيلقى في الدهن ويترك حتى يأخذ الدهن ريحه ويطيب٥. ودهن الغار، دهن يستخرج من شجر الغار، وهو شجر الغار، وهو شجر له حمل أصغر من البندق أسود يقشر، له لب يستخرج منه الدهن، وورقه طيب الريح يقع في العطر، ويستعمل ثمره في الأدوية, ويستصبح بدهن الغار٦. واستخرج أهل "الشوع" دهنًا منه، كما يستخرج أهل السمسم دهنًا منه. وذكر أن "الشوع" شجر البان، الواحدة: "شوعة", وهو يريع ويكثر على الجدب وقلة الأمطار، وهو مطلوب مرغوب، فكان الناس يسلفون في ثمره الأموال٧. و"البان"، شجر يستخرج من حبّ ثمره دهن طيب, يستعمل في التدهين, وفي معالجة أمراض عديدة, وقد ذكر في شعر "امرئ القيس"٨. وزيت مقتت، إذا أُغلِيَ بالنار ومعه أفواه الطيب، ودهن مقتت مطيب طبخ فيه الرياحين، أو خلط بأدهان طيبة, والتقتيت جمع الأفاويه كلها في القدر وطبخها٩. واستخرج من موم العسل شمع، وهو ما يستصبح به. ويذكر علماء اللغة أن "الموم" لفظة مولدة جاءت من الفارسية، وأن لفظة "الشمع" لفظة مولدة كذلك١٠. ونظرًا لوجود العسل بكثرة في اليمن وفي "السراة" وفي مواضع أخرى

стр. 4976

من جزيرة العرب في الجاهلية، فلا أستبعد استخدام أهل الجاهليين شمع العسل لصنع الشموع؛ للاستصباح ولأغراض أخرى. والحرض: الأشنان تغسل به الأيدي على أثر الطعام, وشجرته ضخمة وربما استظل بها، ولها حطب وهو الذي يغسل به الناس الثياب, وقد مدح الأشنان النابت بجو الخضارم باليمامة. والحرّاض من يحرقه للقلي، أي: الذي يوقد على الحرض ليتخذ منه "القلي" للصبَّاغين. يحرق الحمض رطبا ثم يرش الماء على رماده فينعقد فيصير قليًّا. قال عدي بن زيد العبادي: مثل نار الحراض يجلو ذرا المز ... ن لمن شامه إذا يستطير١ و"القصيص" نبت ينبت في أصول الكمأة، يجعل غسلًا للرأس. وقد ذكر في شعر عدد من الشعراء، منهم امرؤ القيس والأعشى وعدي بن زيد العبادي٢.

стр. 4977

الصمغ: الصمغ في تعريف علماء العربية: غراء القرظ، وهو الصمغ العربي، ولكل شجر صمغ، وهو نضحه فيسيل منه١. وكانوا يشرطون الشجر ليخرج منه غراءه، أو كانوا يعصرون بعض النبات, فيخرج منه عصير، يستخرجون منه صمغًا. ومن الأشجار التي استخرجوا منها الصمغ "الصاب"، يشرط فيخرج منه غراء، وهو شيء مرّ، ينعقد كالصبر٢. واستخرجوا صمغًا من "القرظ"، وهو شجر معروف في بلاد العرب، استخرجوه من عصارته، استفادوا منه في الطب، دعاه الأطباء الإسلاميون: "أقاقيا"٣. و"الصرب"، صمغ أحمر يستخرج من الطلح، وقيل: هو صمغ الطلح والعرفط، وهي حمر كأنها سبائك تكسر بالحجارة٤.

стр. 4978

والعرب تسمي صمغ العرفط عسلًا لحلاوته، وعسل اللبنى طيب، وهو صمغ ينضح من شجرة يشبه العسل لا حلاوة له، ويتبخر به. وعسل الرمث شيء أبيض يخرج منه كالجمان١. و"الأيدع"، صمغ أحمر يؤتى به من "سقطرى" ويتداوى به, داووا به الجراح. وذكر أن الأيدع صبغ أحمر، وهو خشب البقم. وقيل: هو دم الأخوين, وقيل: الأيدع شجر له حب أحمر يصبغ به أهل البدو ثيابهم, وإن البقم يحمل في السفن من بلاد الهند. وقد اشتهرت جزيرة سقطرى بأحسن أنواع الأيدع والصبر، حتى قيل: صبر سقطرى٢. وذكر أن "دم الأخوين" هو "القاطر المكي"، وهو عصارة حمراء٣. وقد عرفت جزيرة العرب بتصديرها بعض أنواع الصمغ واللثى، وهو شيء يسقط من شجر السمر، أو هو ماء يسيل من الشجر كالصمغ، فإذا جمد، فهو صعرور. وقيل: شيء يسيل من الثمام وغيره، وللعرفط لثى حلو يقال له: المغافير٤, والمغافير: هو صمغ شبيه بالناطف ينضحه العرفط، وقد يكون المغفور للعشر والسلم والثمام والطلح وغير ذلك. وورد أن المغافير: صمغ الرمث والعرفط، وذكر أن المغافير عسل حلو مثل الرب إلا أنه أبيض٥. و"العلك": المضغ، وصمغ الصنوبر والأرزة والفستق والسر والينبوت والبطم، وهو أجودها. يمضغ في الفم؛ للتسلية ولمنع العطش بظهور اللعاب في الفم، ولأغراض طبية٦. وقد اشتهر علك الضرو، المستخرج من شجر الضرو، الذي ينبت باليمن, ويعالج به في الطب٧. و"الكندر" اللبان، وهو ضرب من العلك يستخدم في الطب٨. واللبان شجيرة شوكة لا تسمو أكثر من ذراعين, ولها ورقة مثل ورقة الآس، وثمرة مثل

стр. 4979

ثمرته، ولها حرارة في الفم, وهي من الصمغ. وذكر أن اللبان شجر الصنوبر١, وذكر أن لحب ثمر البان دهنًا طيبًا، وحبه نافع لمعالجة جملة أمراض جلدية وأمراض داخلية٢, وذكر أن "الشوع"، شجر البان، أو ثمره. قيل: إنه يريع ويكثر على الجدب وقلة الأمطار، والناس يسلفون في ثمره الأموال. وأهل الشوع يستعملون دهنه، كما يستعمل أهل السمسم دهن السمسم, وهو جبلي، وقيل: ينبت في السهل والجبل٣. وورد أن الكندر لا يكون إلا بالشحر من اليمن، ومنابت شجره الجبال، وقد استعمل دواء لمعالجة أمراض عديدة٤. والصبر، أنواع فيه العربي والأسقطري، وأجوده "الأسقطري". وهو عصارة شجر، تترك حتى تثخن، ويشمس حتى يجف. وفي اليمن نوع منه أحمر ملمع بصفرة٥. و"الضجاج" مثل شجر "اللبان" يكون في أرض عمان, وهو صمغ أبيض تغسل به الثياب, فينقيها مثل الصابون٦. وذكر أنه ثمر ينبت أو صمغ تغسل به النساء رءوسهن٧. والمقل, يستخرج من شجر يشبه الكندر، طيب الرائحة، وأكثر نباته فيما بين الشحر وعمان، وذكر أن المقل المكي هو صمغ الدوم؛ لأن الدوم هناك يدرك ويصمغ٨. و"الدبس" عسل التمر وعصارته، وهو ما يسيل من الرطب, ويقال له: "الصقر" في لغة أهل يثرب. وذكر أنه ما سال من جلال التمر, وأطلق أيضا على تحلب من الزبيب والعنب٩. و"الصقر" عند أهل البحرين ما سال

стр. 4980

من جلال التمر التي كنزت وسدك بعضها على بعض في بيت مضرج تحتها خواب خضر، فينعصر منها دبس خام كأنه العسل١. والصبيب: عصارة ورق الحناء والعصفر، وقيل: هو العصفر٢.

стр. 4981

الدباغة: والدباغة حرفة الدَّبَّاغ، دبغ الإهاب بما يدبغ به١, والإهاب: الجلد من البقر والغنم والوحش، أو هو ما لم يدبغ٢. وقد استخدم الدباغون في ذلك مواد مختلفة، بعضها بدائية، وعالجوا الجلد قبل دبغه لترقيقه وتنظيفه وصقله. وقد اشتهرت في ذلك جملة مواضع، منها: مدينة "جرش"، وهي من مخاليف اليمن من جهة مكة، وقد نسب إليها الأدم المعروف بـ"أدم جرش"، و"أدم جرشي"، وهي مدينة تسقى بالآبار، يستخرج منها الماء بالدلاء على الإبل، وقد فتحت في حياة النبي في سنة عشر للهجرة صلحًا على الفيء، وأن يتقاسموا العشر ونصف العشر٣, وقد اشتهرت بإبلها كذلك التي نسبت إليها٤. ومنها "صعدة"، في مخلاف خولان، وكانت تسمى في الجاهلية "جماع"، وكان بها قصر قديم ضخم. ذكر "الهمداني" أنها كورة بلاد خولان وموضع الدباغ في الجاهلية، وذلك أنها في موسط بلاد القرظ, وقد اشتهرت أيضا بالنصال٥. ونعتها بأنها "بلد الدباغ في الجاهلية الجهلاء، وهي في موسط بلد القرظ، ربما وقع فيها القرظ من ألف رطل إلى خمسمائة بدينار مطوق على وزن الدرهم القفلة"٦. والأدم من السلع المهمة المشهورة في تجارة أهل الجاهلية, والأديم: الجلد الذي قد تم دباغه, وقيل: الجلد ما كان أو أحمره أو مدبوغه، وقيل: هو بعد

стр. 4982

٢٢٦ الأفيق، وذلك إذا تمّ واحمرّ١. ويدخل في الحرف التي تقوم على تحويل الجلد إلى سلع، مثل الأحذية وصنع القباب التي تضرب للملوك وللسادة وللأشراف أمارة على الرئاسة والسيادة. وتصبغ جلودها بلون أحمر في الغالب, وكانت غالية؛ لذلك لم يستعملها إلا أصحاب الجاه والمال. فكان سادة مكة إذا نزلوا منزلا ضربوا قبابًا من أدم٢، وكان حكام عكاظ والسادات الذين يحضرون السوق، يضربون لهم قبابًا، وأما سائر الناس، فيضربون لهم بيوت الشعر, وبيوت الشعر أرخص ثمنًا من قباب الأدم. وقد اتخذ العرب بيوتًا من جلد عرفت بـ"القشاعة" و"القشوع"، وذكر بعضهم أن "القشاعة" بيت من أدم, وربما اتخذوا من جلود الإبل صوانًا للمتاع٣. وذكر أن البيت من أدم، هو "الطراف", وهو بيت من بيوت الأعراب ليس له كفاء، قال طرفة بن العبد: رأيت بني غبراء لا ينكرونني ... ولا أهل هذاك الطراف الممدد٤ وقد اشتهرت اليمن بدباغة الجلود وبالاستفادة من هذه الجلود في أغراض مختلفة، وبتصدير الجلود إلى أماكن أخرى من جزيرة العرب. ولا تزال اليمن تصنع الجلود على الطريقة القديمة، وتصدرها إلى الخارج. وقد ذكر "ابن المجاور" أن الأديم يدبغ في جميع إقليم اليمن والحجاز، وأنهم يبيعونه طاقات بالعدد، وقد اشتهرت مكة بدبغ الجلود كذلك، جلود الجمال والبقر والغزلان٥. واشتهرت الطائف في دباغة الجلود كذلك, وذُكر أن مدابغها كانت كثيرة، وأن مياهها كانت تنساب إلى الوادي فتنبعث منها روائح كريهة مؤذية٦. وكانوا يدبغون

стр. 4983

بصورة خاصة الأدم الثقيل المليح١. وذكر "الهمداني"، أنها "بلد الدباغ، يدبغ بها الأهب الطائفية المعروكة"٢. وقد ذكر علماء اللغة أسماء مواد كثيرة استعملت في دباغة الجلود، وذكروا أيضًا طرقًا متعددة في كيفية الدبغ وفي أسماء الجلود المدبوغة والمواد التي تصنع من مختلف الجلود٣. والواقع أن اعتماد العرب الجاهليين على الجلود كان كبيرا؛ لأنها كانت متيسرة لديهم، وهي أسهل في العمل من الخشب أو الحديد أو الأشياء الأخرى بالنسبة إلى عمال جزيرة العرب في ذلك العهد. و"القرظ" من أهم ما استعمل في دباغة الأدم، يجلب فيطحن بحجر الطواحين، ثم يستعمل في الدباغة, ومن "العقيق" يجلب القرظ إلى مكة لاستعماله في الدباغة٤. وقد أشار بعض الإخباريين إلى ضخامة حجر الطواحين التي يطحن بها القرظ٥. واستعمل "الغرف" في الدباغة كذلك وعرفت الجلود التي تدبغ به بالجلود الغرفية، ومنها جلود يمانية وجلود بحرانية, وسقاء غرفي دبغ بالغرف, وكذلك مزادة غرفية٦. ومن المواد التي استعين بها في دباغة الجلد: "الدهناء". وهي عشبة حمراء لها ورق عراض يدبغ به٧، و"القرضم" قشر الرمان، ويدبغ به٨, و"الشث" نبت طيب الريح مرّ الطعم يدبغ به، قيل: ينبت في جبال الغور وتهامة ونجد. وذكر بعضهم "الشب" في جملة ما كان يدبغ به٩, و"الأرطى" شجر دبغ به، وعرف الجلد الذي يدبغ به بـ"المأروط" وبـ"الأرطى"، وبـ"أديم مرطى"١٠.

стр. 4984

وعرف الجلد الذي يدبغ بغير "القرظ" بـ"الجلد الحوري"١, و"الأفيق" الجلد الذي لم يتم دباغه، أو الأديم دبغ قبل أن يخرز أو قبل أن يشق. وقيل: هو ما دبغ بغير القرظ والأرطى وغيرهما من أدبغة أهل نجد، وقيل: هو حين يخرج من الدباغ مفروغًا منه، وقيل: رائحته، وقيل: ما يكون من الجلد في الدباغ٢.

стр. 4985

الخمور: وقد اتخذوا من التمور والكروم والشعير والذرة خمورًا، وذكر أن الخمر ما أسكر من عصير العنب خاصة, وتستعمل لفظة "الشراب" في معنى الخمر كذلك. وفي الحديث: "حرمت الخمر وما شرابهم يومئذٍ إلا الفضيخ البسر والتمر"، ونزل تحريم الخمر التي كانت موجودة من هذه الأشياء لا في خمر العنب خاصة١. وأما النبيذ، فهو ما نبذ من عصير ونحوه، كتمر وزبيب وحنطة وشعير وعسل، يقال: نبذت التمر والعنب، إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذًا، وقد ينبذ في وعاء عليه الماء ويترك حتى يفور فيصير مسكرًا. وسواء أكان مسكرًا أم غير مسكر، فإنه يقال له: نبيذ، ويقال للخمر المعتصر من العنب نبيذ، كما يقال للنبيذ خمر٢. ويظهر من كتب الحديث، أن أكثر خمور أهل المدينة هي خليط من البسر والتمر٣, وأن منهم من كان يخلط الزبيب والتمر، أو الرطب والبسر. وكانوا ينتبذونها في الدباء، والمزفت، والحنتم، والنقير، والمقير٤. وذكر أن الخليفة "عمر" حدد المواد التي تعمل منها الخمور بخمسة أشياء: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والعسل, وجعل الخمر ما خامر العقل٥.

стр. 4986

وقد ذكر هذه الأشياء؛ لأنها كانت هي الشائعة المعروفة عند أهل مكة ويثرب في ذلك العهد على ما يظهر، لأن هناك خمورًا عملت من غير هذه الأشياء. وكان لأهل اليمن شراب عرف عندهم بـ"البتع"، وهو من العسل ينبذ حتى يشتد، وذكر أنهم كانوا يطبخون العسل حتى يعقد، فيكون البتع, وشراب عرف بـ"المزر"، وهو من الذرة١. وخطب "أبو موسى الأشعري"، فقال: "خمر المدينة من البسر والتمر، وخمر أهل فارس من العنب، وخمر أهل اليمن البتع وهو من العسل، وخمر الحبش السكركة"٢. وقد ذكر "ابن عمر" الأنبذة، فقال: "البتع نبيذ العسل, والجعة نبيذ الشعير، والمزر من الذرة، والسكر من التمر، والخمر من العنب"٣, وذكر أن المزر نبيذ الذرة والشعير والحنطة والحبوب، وقيل: نبيذ الذرة خاصة٤. ويظهر أن إطلاق المزر على أنبذة الحبوب، هو من باب التجوز والتعميم، وأن الأصل هو نبيذ الذرة. و"الضريّ": الماء من البسر الأحمر والأصفر يصبونه على النبق, فيتخذون منه نبيذًا٥. وقد اشتهرت "دُرْنى" بخمورها المصنوعة من الكروم، وقد ذكرها "الأعشى" في شعره, وكان الأعشى يزورها. وذكر أنها هي "أثافت" التي ذكرها "الأعشى" أيضًا في شعره، فقال: أحب أثافِتَ وقت القطاف ... ووقت عصارة أعنابها وكان كثيرًا ما يزورها، وله بها معصر للخمر يعصر فيه ما أجزل له أهل أثافت من أعنابهم٦. وورد أنها من قرى اليمامة، كما ذكرت ذلك في موضع آخر من هذا الكتاب.

стр. 4987

وأنا لا أستبعد استخدام الجاهليين للماء في إدارة المطاحن، وقد ذكر "الهمداني" أن أهل اليمن بأودية: سربة، وشُراد، وبنا، وماوة، والموفد، وجمع، ويصيد، وأودية رعين، ووادي ضهر، كانوا يديرون مطاحنهم بالماء١, ولم يشر "الهمداني" إلى تأريخ استعمال هذه المطاحن التي تدار بالماء، ولكني لا أستبعد أخذهم هذه الصناعة من الجاهليين. وقد أشير إلى الطحن والمطاحن والطحين في نصوص المسند؛ ورد في بعضها أن الحكومات كانت تتقاضى الإتاوة من الناس إما نقدًا، وإما "ورقًا"، أي: ذهبًا سبائك، وإما "طحنًا" أي: طحينًا، وهو الدقيق, ويقال له "طحنم" و"طحن" في المسند، وإما "دعتم"، أي: بضاعة، بمعنى مواد عينية. فذكر "الطحين" في هذه النصوص، يشير إلى وجود المطاحن بكثرة في اليمن، وربما كانت تصدر الفائض منه إلى الخارج.

стр. 4988

الفصل الرابع عشر بعد المئة: الحرف مدخل ... الفصل الرابع عشر بعد المائة: الحرف من الحرف المتداولة بين الجاهليين النجارة والحدادة والحياكة والنساجة والخياطة والصياغة والدباغة والبناء ونحوها من حرف يحترفها الحضر في الغالب. أما الأعراب فقد كانوا يأنفون من الاشتغال بها، وينظرون إلى المشتغلين بها نظرة احتقار وازدراء؛ لأنها في عرفهم حرف وضيعة، خُلقت للعبد والرقيق والمولى ولا تليق بالحر، حتى إن الشريف منهم وذا الجاه، كان لا يحضر وليمة يدعوه إليها شخص من أصحاب هذه الحرف، استنكافًا وازدراء؛ لأنه ليس في منزلته ومكانته. وقد كان عمل الرسول كبيرًا في نظر رؤساء القوم يومئذ، حينما جوَّز حضور طعام الخياط والصائغ وأمثالهما، وكان يحضر منازلهم، فعد القوم ذلك عملًا غير مألوف ومخالفًا للعرف والتقاليد١. وقد كان أكثر أهل القرى ينظرون إلى الحرف والمحترفين بها نظرة ازدراء كذلك، ويأنفون لذلك من التزاوج معهم، ويعيِّرون من يتزوج من امرأة أبوها قين أو نجار أو دباغ أو خياط، ويلحق هذا التعيير الأبناء كذلك. وينظرون هذه النظرة إلى المشتغلين بزراعة الخضر مثل البقول في الغالب، ولا تزال هذه النظرة معروفة في جزيرة العرب, وفي أماكن أخرى خارج حدود هذه الجزيرة

стр. 4989

كالعراق. وهذه هي مشكلة من جملة المشكلات التي أثرت في الاقتصاد العربي وفي الحياة الاجتماعية، وإن كانت قد أخذت تخف في هذه الأيام. ولم يكن العرب وحدهم ينظرون إلى الحرف والمشتغلين بها نظرة ازدراء، بل كانت شعوب العالم كلها تقريبًا تنظر إلى طبقة أصحاب الحرف مثل هذه النظرة؛ لأن الحرف هي من أعمال الطبقات الدنيا من سواد الناس الرقيق والموالي, أما الحر فلم يخلق لها ولم تخلق له. كذلك كانت نظرة قدماء اليونان إلى هذه الحرف؛ لأنها عندهم من الأعمال التي يقوم بها سواد الناس ورقيقهم١. وهذه الحرف لم يختص بها الجاهليون وحدهم، بل كانت عامة معروفة ومتداولة عند جميع الشعوب لتلك العهود, وهي لبساطتها وبداءتها متشابهة، لا تجد اختلافًا في آلاتها وأدواتها المستعملة عند الشعوب. فأدوات النجار تكاد تكون واحدة، سواء أكانت عند النجار العربي الجاهلي، أم النجار العبراني، أم النجار النبطي, وكذلك قل عن أدوات الحداد والصائغ وغيرهما من الطبقات العاملة التي ترتزق وتعيش على هذه الحرف التي تعتمد على اليد. ونجد في كتب اللغة والأدب وأمثالها ألفاظًا عديدة معربة، استعملها أهل الجاهلية وذلك بتعريبها ونقلها من أصول أعجمية معروفة، فيها الفارسي والآرامي واليوناني واللاتيني والحبشي والنبطي. وهي مما يدخل في باب الآلات والأدوات والمآكل والملابس والبيت والثقافة والعلم، دخلت العربية؛ لأنها كانت مصطلحات متداولة عند أهلها معروفة، أخذها العرب منهم باحتكاكهم وبتأثرهم بهم، وقد صقل بعضها وهذب ووسم بسمة عربية، وأدخل على بعض آخر بعض التعديل ليتناسب مع أسلوب النطق العربي، وقبل بعض آخر على نحو ما كان في أصله واستعمل في العربية, حتى صار في ظن من لا وقوف له على العربية أنه عربي صميم. والألفاظ المعربة التي نعنيها قديمة، دخلت قبل الإسلام بمئات السنين, وقد استعملتها الألسن وتداولتها، وصارت بهذا الاستعمال ألفاظًا عربية مستساغة, ومنها ما هو مستعمل حتى الآن. وجمع هذه الكلمات وضبط معانيها وتبويبها وتصنيفها، عمل مهم نافع أرجو أن يتهيأ له أصحاب العلم والاختصاص، فبها

стр. 4990

نتمكن من الوقوف على الاتصال الفكري الذي كان بين العرب وغيرهم، وبها نتمكن أيضًا من الوقوف على مدى الاتصال ومقدار تغلغله في جزيرة العرب. وبأمثال هذه الدراسة سنتمكن أيضًا من تكوين صورة علمية صحيحة للتأريخ الجاهلي وهي صورة ستغير، ولا شك، كثيرًا من هذه الآراء القديمة عند كثير من الناس عن الجاهليين، تكونت من دراستهم لروايات أهل الأخبار عن العرب قبل الإسلام. ولم يخفَ أمر هذه المعربات عن قدماء علماء اللغة، فقد أدركوا وجودها ودخولها في العربية قبل الإسلام، وألفوا فيها، وأشاروا إليها في معجمات اللغة ووضع بعضهم بحوثًا في معربات القرآن. وهي تفيدنا فائدة كبيرة بالطبع في الوقوف على الصلات الثقافية التي كانت بين العرب والعالم الخارجي قبل الإسلام، وإن كانت تلك البحوث والمؤلفات قد كتبت بطريقة ذلك العهد، استنادًا إلى الروايات دون التثبت منها وتعرف أصولها وتتبع مواردها, بدراسة اللغات الأجنبية ومقارنتها ومطابقتها بالأصل. وهي طريقة أوقعتهم في أغلاط، ولكنها أفادتنا مع ذلك فائدة كبيرة في معرفة هذا الغريب الدخيل، وفي تكوين رأي في الدراسات اللغوية عند علماء اللغة القدامى١. وقد عثر الرحالون والمنقبون على ألواح من الخشب وعلى شبابيك ومواد خشبية أخرى في اليمن وفي حضرموت منقوشة نقشًا بديعًا ومحفورة حفرًا يدل على دقة الصنعة وإتقان في العمل. وهي شاهد على تمكن النجار من مهنته، وعلى قدرته فيها، وعلى حسن استعماله ليده وعلى سيطرته عليها في استخدامها للأدوات النجارية, في صنع النفائس والطرائف من الخشب. والحرف وراثية في الغالب, يتعلمها الابن عن والده، وتنحصر في العائلة فتنتقل من الآباء إلى الأبناء. ولا يسمح لغريب أن يتعلم أسرار الحرفة وأن يقف عليها وخاصة في الحرف المربحة, وفي الحرف التي تحتاج إلى مهارة ودقة وذكاء؛ خوفًا من وقوع المنافسة، وانتقال سر العمل والنجاح إلى شخص غريب, فينافس أصحاب الحرفة في عملهم, وينتزع منهم رزقهم. لذلك حُوفظ على أسرار المهنة، ولم يبح بأسرارها حتى لأقرب الناس إليهم، وفي حالة اكتشاف رجل طريقة جديدة غير

стр. 4991

معروفة في حرفته، فإنه يحتفظ بسره حتى لا يتسرب إلى الغرباء, ومنهم من لا يعلِّم حتى أولاده سر المهنة إلا في حالة شعوره بعجزه عن العمل أو بقرب وفاته ودنو أجله؛ خشية انتقال السر منهم إلى غيرهم، فينافسونهم على رزقهم ومصدر قوتهم من هذا السر. وينضمُّ أصحاب الحرف بعضهم إلى بعض مكوِّنين "صنفًا"، أي: طبقة خاصة، تتعاون فيما بينها تعاون النقابات الحرفية والمهنية في الوقت الحاضر، يتولى رئاستها أبرز رجال "الصنف". وإذا مات أحدهم تعاونوا في تشييعه ودفنه وفي مساعدة أهله ومواساتهم؛ وذلك لحماية رجال الحرفة من كل سوء قد يقع عليها وللمحافظة على حياتهم، ولا يسمح "الصنف" بدخول غريب بينهم؛ لأنهم جماعة ورثت حرفتها، فلا يجوز لغريب مزاحمتهم فيها. ويتجمع رجال بعض الحرف في أماكن معينة، كما هو الحال في الوقت الحاضر، كأن يتجمع الحدادون في منطقة معينة, والصاغة في حي، والصفارون في حي, والنجارون في حي؛ وذلك للتعاون فيما بينهم، وتنسب تلك المحلات إليهم. وقد تشتهر مدينة ما بحرفة من الحرف، فيكون لمنتوجها شهرة واسعة ويباع بأسعار عالية, وقد تشتهر منطقة بجملة صناعات. فقد اشتهرت اليمن بالبرود كما اشتهرت بسيوفها، التي اكتسبت شهرة بعيدة واسعة في كل جزيرة العرب, واشتهرت بعقيقها كذلك وبأنواع أخرى من التجارات. واشتهرت مكة ببعض أنواع العطور, واشتهرت ثقيف بالدباغة والأدم. وقد كانت أجور العمل معروفة عند الجاهليين, فتُدفع للعمال والصناع أجور يومية، كما تدفع لهم أجور مقطوعة عن عمل معين, وليس لهؤلاء العمال من أتعاب عملهم سوى ذلك الأجر المتفق عليه. أما الرقيق, فلا يدفع لهم في العادة أي شيء، سوى ما يقدم لهم من طعام وملبس وحماية, وعليهم في مقابل ذلك الاشتغال بالشغل الذي يوكل إليهم به أسيادهم، ولا حق له بالنسبة لقوانين ذلك الوقت الامتناع عن القيام بالعمل الذي كلفوه به. والأجور قد تكون يومية وقد تكون سنوية وقد تكون مقطوعة, ولا يشترط في الأجر أن يكون نقدًا، فقد يدفع عينة، أي: مالًا مثل طعام، أو كساء؛ لندرة النقد في ذلك الوقت. ومن أمثلة الحرف التي تدفع عنها الأجور، حرفة

стр. 4992

البناء، فيُدفع للعامل أجر يومي في الغالب, والنجارة والحصاد، وتدفع عنها أجور مقطوعة على الأكثر, والرعي وأمثال ذلك من حرف، يقوم بها سواد الناس لإعاشة أنفسهم منها. ويمكن تصنيف وجمع الحرف التي عرفت عند الجاهليين في حرف النجارة، وهي تنجير الخشب وتحويله إلى متاع وأثاث أو إلى عمل البناء أو إلى تماثيل وزخارف وما أشبه ذلك، ثم حرف البناء، وتتناول كل ما يتعلق بالبناء من أعمال، ثم حرف الإعاشة، ثم حرف التعدين والمعادن، ثم حرف الجلود وحرف الملابس وحرف التجميل وحرف أخرى.

стр. 4993

النجارة: والنجارة من الحرف القديمة المهمة في المدن, وقد عثر على نماذج من مصنوعات خشبية في اليمن تدل على حذق النجار وذكائه وتقدمه في مهنته. ويظهر من روايات أهل الأخبار أن أهل مكة والمدينة لم يكونوا على حظ كبير في النجارة؛ ولذلك كانوا يستعينون بالرقيق وبالأجانب في أعمال نجارتهم كاليهود أو الروم, وفي الذي رووه عن تسقيف الكعبة في أيام الرسول وقبل نزول الوحي عليه ما يدل على ندرة النجارين في مكة في تلك الأيام. ويعلل أهل الأخبار ذلك بسبب أنفة العربي من الاشتغال بالحرف, فاعتمد على الأجانب -وأغلبهم من الرقيق- في أداء هذه الحرفة. والنجار، هو الذي ينجر الخشب, فيقوم بنشره وحفره وإصلاحه وعمله على النحو المطلوب وحرفته: النجارة. وفي هذا المعنى: نجارة الخشب١. ومادة النجارة الخشب, وهو نوعان: نوع مستورد من الخارج، إما من الهند وإما من أفريقية، وهو من النوع الجيد الصلب القوي المقاوم, وهو ثمين غالٍ. لهذا استعمل في صنع الأثاث الفاخر الثمين, وفي الأدوات التي تحتاج إلى خشب صلب مقاوم, وفي المعابد والقصور, وفي الأبنية المهمة، ومن أهم أنواعه:

стр. 4994

الساج والأبنوس والعندل, ونوع هو من حاصل أرض جزيرة العرب وناتجها. وهو دون الخشب الأول في المقاومة والجودة، وفي الاستفادة منه في أعمال النجارة؛ لأن معظمه ليس من النوع الناضج الغليظ الصلد القوي، لا يصلح إلا للأعمال النجارية الاعتيادية وللوقود، ما خلا أنواعًا قليلة منه استخرجت من بعض الأماكن مثل "النضار"، وهو خشب غليظ بعض الشيء ينبت شجره في غور الحجاز، وبعض أشجار اليمن والمناطق الجبلية الأخرى١. وترد في كتابات المسند كلمة "عضم" "عض"، ويراد بها "الخشب" في لهجتنا٢. ترد في كتابات البناء بصورة خاصة، أي: الكتابات التي هي عبارة عن وثيقة بناء، إذ كان أرباب الدور والأبنية يذكرون المواد التي استخدموها في البناء، وفي جملة ذلك الخشب, وقد وردت لفظة "العضم" في كتب اللغة بمعنى خشبة ذات أصابع يُذرَى بها الطعام٣. ويشترك العبرانيون مع العرب الجنوبيين في تسمية الخشب بـ"عض"٤. وقد استخدم الخشب في تقوية الجدر، استخدموا الخشب القوي الصلد منه. ولا تزال آثاره باقية ظاهرة فيما تبقى من أبنية الجاهليين، وبعضه قوي لم يَعِثْ به الزمن فسادًا ولم يَفْنِهِ، كما استخدم في صنع السقوف والأبواب وفي تقوية السلالم، وفي صنع الشبابيك وأمثال ذلك من الأعمال التي تدخل في صلب البناء، وتكون جزءًا منه. وقد استورد معظم هذا الخشب الصلد القوي: الساج٥ والأبنوس والصندل٦ من الهند ومن أفريقية؛ لعدم وجوده في جزيرة العرب، ولا تزال آثاره وقطع منه باقية, على الرغم من مرور مئات من السنين عليه. واستخدم الخشب في صنع أثاث البيت وفي كثير من الأدوات المستخدمة في حياة الإنسان. وقد عثر على بعض مصنوعات من الخشب استخدمت أثاثًا، تدل على مهارة صناعها وعلى حسن تصرفهم في صنعها وفي هندستها. ويعبر عن الأثاث في المعينية بلفظة "رثد", وهي في مقابل متاع, وتؤدي أيضًا معنى التنظيم

стр. 4995

والترتيب وتنسيق الأشياء. وفي المسند لفظة أخرى تؤدي هذا المعنى هي لفظة "ربب" ومعناها: السناد والأساس أيضًا١, وبالمعنى المذكور ترد لفظة "رثد" في عربية القرآن الكريم٢. وقد ذكر في القرآن الكريم أسماء بعض الأثاث، مثل: الأرائك٣ والسرر٤ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَة﴾ ، "وسررًا عليها يتكئون"، و ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَة﴾ ، و ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِين﴾ ، و ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَة﴾ ، والكرسي٥. وقد تصنع السرر من سعف النخيل، كما يصنع الكرسي من هذه المادة أيضًا، وتصنع المشاجب من الأعواد المركبة توضع عليها الثياب٦. وإذا بُوعِدَ بين الأشياء المنسوج بها السرير أو غيره من سعف النخل، قيل لذلك: مرمل، فيقال: سرير مرمل، إذا كان قد نسج وجهه بالسعف، وبوعد فيه بين الأشياء المنسوج بها٧. وقصد بالكرسي، الكراسي الكبيرة المرتفعة، وقد استخدم خاصة لجلوس الملوك وفي غرف الاستقبال. وقد أشير إلى الكرسي في القرآن الكريم, فورد: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ . والعرش من الألفاظ الواردة في القرآن الكريم كذلك، وهو من البيت سقفه، ويجمع على عروش، والعرش شبه الهودج أيضًا. وقد يصنع من الخشب، يقوم بصنعته النجار، وقد يكون من حجارة أو غير ذلك. ومن ذلك العرش الذي يتربع عليه الملوك, والعرش: الخيمة من خشب وثمام، والتابوت أيضا أي: سرير الموت والخشب تطوى به البئر٨. والعرش هو السرير الذي ينام عليه, قد يكون له حاجز يمنع النائم من السقوط، وقد لا يكون له حاجز, وهو بهذه التسمية "عرش" عند العبرانيين٩.

стр. 4996

وقام النجار بصنع أواني الطعام أيضًا، ولا سيما الأواني الكبار التي تستعمل في إطعام عدد من الناس في المناسبات، وتدخل بيوت الملوك وسادات القبائل والأغنياء الكرماء في الغالب وفي بعض الظروف والمناسبات، مثل المآتم والأفراح. ومنها "الجفنة"، وهي -كما يقول بعض علماء اللغة- أعظم ما يكون من القصاع، يوضع فيها الطعام؛ ليتناول منه عدد من الناس, وقد افتخر الشاعر "حسان بن ثابت" بـ"الجَفَنَات" دلالة على الكرم والجود١. و"القصعة" وهي تلي الجفنة في السَّعة، يشبع الضخم منها عشرة أشخاص٢, ثم "الصحفة" وتجمع على "صحاف", وقد وردت في شعر معزوٍّ للأعشى: والمكاكيك والصحاف من الفضة ... والضامرات تحت الرجال وتصنع من الفضة كذلك، كما رأينا في هذا البيت المتقدم، وذكر أنها تشبع خمسة أشخاص٣. ويليها في الحجم والسعة "المئكلة"، تشبع الرجلين والثلاثة, ثم الصحيفة، وتشبع الرجل٤. وتصنع بعض هذه الأواني من مواد أخرى كالأدم, أو من المعدن كما قلت في "الصحاف" حيث تصاغ من الذهب والفضة لبيوت الملوك والأمراء والشيوخ والأغنياء. وقام النجار، ولا سيما من تخصص بالقداحة منهم، بعمل القدح النضار، وهو القدح المعمول من النضار. والنضار خشب معروف في الحجاز في أيام الرسول يكون بغور الحجاز، يعمل منه ما رقَّ واتسع وغلظ من الأقداح؛ وذلك لتحمل هذا الخشب ما لا تتحمله الأنواع الأخرى من الخشب المستخرج من الحجاز. وقد كانوا يدفنون هذا الخشب حتى ينضر، ثم يعمل فيكون أمكن لعامله في ترقيقه, وقد كان عند الرسول قدح نضار عريض. ويعبر أيضا عن الأقداح المنحوتة من الخشب بـ"الخشيب"٥.

стр. 4997

كما جهز النجارون أصحاب الحرف الأخرى بالأدوات المساعدة التي تساعدهم في حرفهم، فصنع لأهل الطعام "الروسم" أو "الروشم"، وهو خشبة فيها كتاب منقوش يختم به الطعام لئلا يسرق منه، ويستخدمه الحناطون وأمثالهم من باعة الطعام، وقيل: الطابع التي يطبع به رأس الخابية, واللفظة من الألفاظ المعربة على رأي بعض العلماء١. وصنع للمزارعين "النورج"، وهو المدوس، يداس به الطعام، وقد يصنع من الحديد أيضًا٢, و"الهاون"، وهو المهراس والمنحاز، ويدق به، وقد أدخل في المعربات. وقد يصنع من حجر٣, فيدق اللحم أو الحبوب فيه لسحقها. وصنع النجار "الميتدة"، وهي مطرقة من خشب, يستعملها الأعرابي بصورة خاصة لدق أوتاد خيمته في الأرض. وتعرف بـ"مقبة" "مقابة" عند العبرانيين٤. وصنع النجار أبواب البيوت، ويقال للخشبة التي تدور فيها رجل الباب "النجران", ويقال لأنف الباب الرتاج، ولمترسه القُنَّاح والنجَّاف. وعمل "النجيرة": السقيفة من خشب, ليس فيها قصب ولا غيره٥. وصنع النجار صناديق من خشب؛ لخزن الأشياء فيها، تقفل بقفل. وقد عني بزخرفتها بتلوينها أو بالحفر على أوجهها، وذلك بالنسبة للصناديق الثمينة التي تستعملها الطبقات الراقية. وفي جملة مصنوعات النجار "الحدوج"، مركب من مراكب النساء يشبه المحفة، تركبه نساء الأعراب على الإبل. وذكر أن الحدج مركب ليس برحل ولا هودج تركبه نساء الأعراب٦. والهودج مركب للنساء مقبب وغير مقبب

стр. 4998

يصنع من العصي ثم يجعل فوقه الخشب فيقبب. وذكر أنه محمل له قبَّة تستر بالثياب يركب فيه النساء١. ويستعين النجار بجملة أدوات في صنعته، بعضها من صنع الحداد؛ لأنها من الحديد، مثل الفأس على اختلاف أنواعها والمنشار والمحفرة والمحفار والمنقار والمسحل والمثقب والكلبتان والمسامير والأوتاد وغير ذلك من أدوات تستعمل في قطع الخشب وفي تنظيمه وصقله وهندسته لجعله صالحًا للعمل٢. ونجد في كتب اللغة ألفاظًا عديدة تتعلق بهذا الموضوع. ومن الأدوات التي يستعين بها النجارون في قياس تربيع الخشب "الكُوس", وهي خشبة مثلثة٣. ويستعمل النجار المنشار في قطع الأخشاب والأشجار, ويقال لنحت الخشب النشر كذلك٤. أما المنقار، فهو حديدة كالفأس مستديرة لها خلف ينقر بها، ويقطع بها الحجارة والأرض الصلبة والخشب٥, ولا سيما في نقش الخشب وحفره. والحفرة, وتعرف بالمحفار أيضًا، حديدة يحفر بها الشيء٦، وتستعمل في حفر الخشب لأغراض متعددة، مثل نقشه أو الكتابة عليه. وأما المِحْل، فالمنحت، آلة ينحت بها الخشب كالمبرد٧, والمثقب آلة يثقب بها٨, والكلبتان آلة يستعملها النجار والحداد؛ يستعملها النجار في إخراج المسامير, ويستعملها الحداد في أخذ الحديد المحمي٩. وأما المسامير، فما يشد به١٠. ونجد في "الكتاب المقدس" -في التوراة والإنجيل- أسماء أدوات عديدة استعملها النجار في عمله، منها ما استعمل لقطع الخشب وإعطائه الشكل المطلوب،

стр. 4999

ومنها ما استعمل لنشر الخشب وقصه، ومنها ما استعمل لثقبه باستعمال المثاقب الآلية أو اليدوية التي تعمل الثقوب بالطرق وبطريقة الحفر، كما أشير فيه إلى المسامير١. وقد ذكر في القرآن الكريم ألواح الخشب التي تستعمل في صنع السفن، و"الدسر" وهي المسامير, والسفن في ذلك العهد من صنع النجارين. وآلات النجارة المذكورة في التوراة وفي الأناجيل، معروفة ومستعملة عند الجاهليين, وقد تصنع الدسر من الخشب. وهناك نجارون تخصصوا بصنع القوارب والسفن؛ لاستعمالها في صيد السمك وفي البحار للتجارة البحرية والنقل. ونظرًا لعدم وجود الأنهر الكبيرة والبحيرات في جزيرة العرب، انحصرت حرفة صنع القوارب والسفن في السواحل. ويستورد أهل هذه السواحل الخشب القوي الصلد من أفريقية والهند لصنع السفن الكبيرة التي يكون في مقدورها الابتعاد عن الساحل, والسير إلى الأماكن البعيدة. ولا يستبعد قيام النجار الجاهلي بصنع العربات والمركبات؛ وذلك لاستخدامها في السلم وفي الحرب. فقد كان المصريون والعراقيون وأهل بلاد الشام يستخدمونها، وليس من المعقول عدم وجود علم للجاهليين ولا سيما لأهل اليمن بصنعها وبالاستفادة منها. والعربة هي "عجلة" "ع ج ل هـ" عند العبرانيين وتستخدم في نقل الحاصلات, وقد أشير إليها في التوراة٢. وقد عرفت بـ"م ر ك ب هـ" "مركبة" كذلك، وبـ"مركب" أيضًا، من أصل "ركب" إحدى الألفاظ التي ترد في اللهجات السامية. وهي "مركبة" في عربيتنا و"نركبتو Narkabtu" في الآشورية و"مركبثا Markabtha" في السريانية. وقد تعني الحيوان وحده الذي يركب عليه٣. ويراد بـ"عجلة"، العربة التي تستخدم في نقل الحاصلات الزراعية في الغالب، وقد عثر على صور عربات في الآثار المصرية والآشورية واليونانية والرومانية, وبينها عربات استخدمت في القتال, ولبعضها مظلات لتحمي ركابها من الشمس والمطر. ويسحب العربات الزراعية ثور أو ثوران في الغالب, وقد

стр. 5000

تستخدم الحمير والبغال, أما عربات القتال فتجرها الخيل. وقد كانت دواليب العربات من الخشب، إلا أنها صنعت من الحديد أيضًا. والغالب أن يكون للعربة دولابان، ولكن العربات ذات الأربعة الدواليب كانت معروفة أيضا ومستعملة، ولا سيما في أمور النقل. وقد كان الأكاسرة يستعملونها لنقل عوائلهم، ولها ستائر وسقف١. وذكر علماء العربية أن العجلة: الدولاب٢, وأن "المركب" واحد مراكب البر والبحر٣. والظاهر أن العجلات والمركبات كانت نادرة الوجود في أكثر مواضع جزيرة العرب, إذ لا نجد لها ذكرًا في أخبار الإخباريين عن الجاهليين ولا في كتب اللغة.

стр. 5001

الحدادة: وقد دفعت حاجة الإنسان إلى المعادن لاستخدامها في أمور حربية وزراعية وفي البيت على انصرافه إلى الاشتغال بها لتحويلها إلى أشياء نافعة. فظهرت الحدادة والصياغة وأمثالها، واشتغل بعض الناس بالبحث عن الحديد وعن المعادن الأخرى واستخلاصها من المواد الغريبة المختلطة بها, كما اشتغلوا في خلط المعادن لإيجاد أنواع جديدة منها. وقد وقع ذلك بين أهل الحضر في الغالب، أما أهل الوبر، الأعراب، فلبساطة حياتهم لم يشعروا بحاجة لهم إلى هذه الصناعات، وإذا شعروا بوجود حاجة لهم فيها اشتروها من أهل المدن، واحتقروا الصناعات وأهل الصناعة والمحترفين بالحرف. ويعرف الحدَّاد بـ"القين" كذلك عند الجاهليين١, وهو الذي يعد للزرَّاع الأدوات التي تستعمل في حرث الأرض، مثل: المسحاة والمحراث والمنجل والأدوات

стр. 5002

الأخرى، يصنعها من الحديد، كما أنه يعد للحرف الأخرى ولأهل البيوت كثيرًا من الآلات، يصنعها من الحديد. وكان فضلًا عن ذلك, الخبير الاختصاصي بصنع السلاح على اختلاف أنواعه وتجهيز الحكومات والأفراد بالسلاح الذي يستعمل في الدفاع وفي الهجوم؛ لذلك كانت حرفته مهمة خطيرة، ولا يزال الحداد يعد للناس في جزيرة العرب السلاح؛ كالسيوف والخناجر والدروع والسكاكين والنصال المعدنية وغير ذلك من أدوات كانت تستعمل في الحروب لذلك العهد، وسأفرد لها بحثًا خاصًّا. وذكر بعض علماء اللغة أن القين هو العامل بالحديد, وقال بعض آخر: إن القين الذي يعمل بالحديد ويعمل بالكير، ولا يقال للصائغ قين. وذكر بعض آخر أن القين الحداد، ثم صار كل صائغ عند العرب قينًا, وذكر بعض آخر أن القين هو الذي يصلح الأسنة، إلى غير ذلك من آراء. وكان من بين أصحاب الرسول من كان قينًا، مثل "خباب بن الأرت"١، ذكر أنه كان يشتغل للعاص بن وائل. وكان العاص هذا من الزنادقة، ومثله: عقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة، وأُبيّ بن خلف٢. وكان خبَّاب يضرب السيوف الجياد ويدقها، حتى ضرب به المثل، ونسبت إليه السيوف٣, كما اشتهر بها رجل آخر عرف بـ"ريش المقعد"، أي: النبل, والمقعد اسم رجل كان يريش السهام٤, والنبل: السهام، والنبَّال: صاحب النبال وصانعها، وحرفته النبالة٥. وتحبس في الجعبة، يحملها صاحبها معه، فإذا أراد الرمي، فتحها ليستخرج منها ما يشاء. ومن الحدادين الأعاجم الذين ذكرهم أهل الأخبار، الأزرق بن عقبة أبو عقبة

стр. 5003

الثقفي، غلام الحارث بن كلدة الثقفي، ذكر أنه كان روميًّا حدادًا١. ويرجع في رواية تنسب إلى "ابن الكلبي" مبدأ الحدادة عند العرب إلى "الهالك بن عمرو بن أسد بن خزيمة"، فهو في هذه الرواية أول من عمل الحديد من العرب، وكان حدادًا، فنسب إليه الحداد، فقيل لكل حداد: هالكي. ولذلك قيل لبني أسد: القيون، وقال لبيد: جنوح الهالكيّ على يديه ... مُكِبًّا يجتلي نقب النصالِ٢ وعرف القين الذي يقوم بطبع السيوف وصقلها بـ"الطباع" و"الصقل"٣. وقد عرفت اليمن بإجادتها صنع السيوف وطبعها وصقلها، حتى اشتهرت بذلك في جميع أنحاء جزيرة العرب, واشتهرت السيوف المصنوعة من حديد بيحان بالجودة؛ لجودة حديدها وقوته٤. ومن الأدوات التي يستعملها "الصيقل" في صقل السيوف "المصقلة"، وهي خرزة يصقل بها٥. ويقال: طبع الطبَّاع السيف، أي: صاغه، وكذلك طبع الطباع الدرهم. والطبع عند علماء اللغة هو الختم، والتأثير في شيء ما، وتصوير الشيء بصورة مثل طبع السكة وطبع الدرهم، وهو عندهم أعم من الختم وأخص من النقش٦. ويعتني الحداد باختيار الحديد عند صنعه السيوف الجيدة الثمينة، ويخرج منه خبثه، وينفق جهده في صقل السيف وفي إتقان عمل الحديد الملتهب قبل تبريده، وإلا صار خشنًا قليل الفائدة لا يُشترَى بثمن جيد, ويقال لهذا النوع من السيوف الخشنة: الخشيب. وتستعمل اللفظة في الضد أيضا، فتطلق على السيف الصيقل، وتطلق على السيف الحديث الصنعة كذلك٧. ومن أنواع الحديد الجيد الذي يستخدمه الحداد في صنع المصنوعات الثمينة، "الفالوذ" أي: "الفولاذ", ويقال له "بلدو" Poldo في السريانية و"فلدة"

стр. 5004

"فلداة" في العبرانية, وتصنع منه الأسلحة بصورة خاصة١. وهو معروف في العربية، وعرف بقولهم: "وهو مصاص الحديد, المنقى من خبثه"٢. ويستعين الحداد بأدوات في طرق الحديد وفي تغيير شكله على النحو المطلوب. ومن أهم هذه الأدوات "الكير"، وهو المنفاخ، وهو زقّ ينفخ فيه الحداد، أو جلد غليظ ذو حافات، يستعمل لإثارة النار وإيقادها؛ كي ترتفع درجات حرارتها فتؤثر في الحديد وتجعله لينًا يسهل طرقه وإعطاؤه الشكل المطلوب٣. والكور وهو مجمرة الحداد, وهي مبنية بالطين وبالحجارة، وتوقد فيها النار، ويسلط عليها الكير، ويوضع الحديد على النار ليحمى ويلين٤. ومن أصل "كوّر" "كور" و"كير"، ويراد بها الموضع الذي تحرق فيه القرابين من بخور وذبائح, تهيأ للحرق تقربًا إلى الآلهة٥. ويعرف الكور بـ"كور" عند العبرانيين, وقد وردت اللفظة في التوراة٦. ويطرق القين الحديد المحمى على "السندان"؛ ليحوله إلى الشكل الذي يريده, ويعرف بـ"العلاة" أيضا٧. وقد استغل اليهود أنفة أهل المدينة والعرب الصرحاء من الاشتغال بالحدادة، فاحتكروها لأنفسهم، وربحوا منها ربحا طيبا، وذلك بإنتاجهم الأدوات والآلات الزراعية وبصنعهم الأسلحة اللازمة لكل إنسان لحماية نفسه، مثل صنع السيوف والخناجر والدروع. وقد سلحوا أنفسهم بها، كما باعوا منتوجهم لغيرهم. وتصنع الدروع من الحديد الثقيل، كي تقاوم قراع السيوف٨. وقد تزرد الدروع؛ لتقاوم في الدفاع، ويقال عندئذ: "درع مزرود"٩. والسرد عند علماء اللغة نسج الدرع، وهو تداخل الحلق بعضها في بعض.

стр. 5005

والسرد اسم جامع للدروع وسائر الحلق, وسمي سردًا؛ لأنه يسرد فيثقب طرفا كل حلقة بالمسمار، فذلك الحلق المسرد, والمسرد هو المثقب, وهو السرَّاد١. ويراد بالحلقة السلاح عامًّة، قيل: الدرع خاصة، وإنما ذلك لمكان الدروع ولشدة غنائه. وقد سمى "النعمان" دروعه حلقة٢. وتصنع النصال من الحديد أيضًا, والنصل حديدة السهم والرمح، ويقال: نصل السيف ونصل السكين. وقد ذكر أيضًا أن نصل السيف حديدة السيف ما لم يكن له مقبض, فإذا كان لها مقبض، فهو سيف. وقيل: إنه النصل السهم العريض الطويل، والمشقص على النصف من النصل٣. ومن المجاز: الحداد السجان؛ لأنه يمنع من الخروج, أو لأنه يعالج الحديد من القيود. وفي هذا المعنى ورد: يقول لي الحداد وهو يقودني ... إلى السجن: لا تفزع فما بك من باس والحداد البواب؛ لأنه يمنع من الخروج٤. والعتلة: حديدة كأنها رأس فأس عريضة، في أسفلها خشبة تحفر بها الأرض والحيطان، وليست بمعقفة كالفأس، ولكنها مستقيمة مع الخشبة، أو هي العصا الضخمة من حديد, لها رأس مفلطح، يهدم بها الحائط. وقيل: هي بيرم النجار٥. ومن مصنوعات الحداد "الإبزيم"، وهو حلقة لها لسان يدخل في الخرق في أسفل المحمل، ثم تعض عليها حلقتها، والحلقة جميعها "إبزيم", وقد أدخلها الجواليقي في باب المعربات٦ من الفارسية. ومن مصنوعات الحداد "المقدحة"، الأداة التي استعان بها الإنسان في إيجاد النار, وهي حديدة يقدح بها حجر يوضع عليه مادة قابلة للالتهاب ولأخذ النار، مثل الصوف، فيورى منها النار٧.

стр. 5006

ويهيئ الحداد أقفال الأبواب، وقد يصنعها النجار أيضا. ويُوضَع خلف الباب وتد من حديد لتسميره، فلا يمكن فتحه١، كما يهيئ البيت بما يحتاج إليه من أدوات تستعمل في الطبخ وفي الغسيل وفي الزينة. ويجهز الرجل والمرأة بالأدوات المساعدة للتجميل كـ"المدرى"، وهو شيء يسرح به شعر الرأس محدد الطرف من حديد، وقد يصنع من غيره مثل الخشب, وهو كسنّ من أسنان المشط، أو أغلظ قليلًا، إلا أنه أطول٢. وقد ذكر أصحاب اللغة بعض أسماء الآلات والأدوات التي كان يستعملها الحدادون في حرفتهم، نذكر بعضًا منها، مثل: "القرزم"، و"العلاة", والقرزم: لوح الإسكاف المدور, و"المِطرقة"، و"الفطيس" وهي أكبر من المطرقة، وهي "الميفعة" أيضا, و"المِبرد" الذي يبرد به الحديد، و"البرادة" ما سقط منه٣. وأما "فسالة الحديد" فما تناثر من الحديد عند الضرب إذا طبع، و" المشحذ" مبرد للحديد، أعظمها وأخشنها. وقال بعض اللغويين: المشحذ المسنُّ، و"المفراص" وهو للحديد كالمقراض للثوب، والمنفاخ "المنفاخة" وهو ما ينفخ به الكير، والكير الذي ينفخ فيه٤. وأما المبني من الطين، فهو الكور, و"المشرجع": مطرق لا حروف لنواحيه، ومطرقة مشرجعة: مطولة ولا حروف لنواحيها. أما إذا كان الشيء مربعًا، وقد نحتت حروفه، قيل له: "شرجعة". و"العسقلان"، أصغر مطرقات الصائغ, و"الغُداف": الحديدة التي يدخل في أحد طرفيها الخاتم ويركزها على الجبأة، والخشبة التي بين يديه. أما "الحِملاج"، فمنفاخ الصائغ، وهو حديدة مجوفة ينفخ فيها الصائغ، إذا أراد النفخ في كيره, وله الكلبتان والمثقب٥. وقد وردت في التوراة لفظة "أج ن" "أجن"٦، وهي "إجانة" و"إجان" في العربية, وهي إناء يعجن فيه العجين، أو يوضع فيه سائل أو أية مادة أخرى.

стр. 5007

ولا تزال الكلمة حية معروفة، وتصنع من المعدن في الغالب، ولكنها قد تصنع من خشب في بعض الأحيان. ويستخدم الحداد المطرقة في طرق الحديد المحمى؛ لتحويله إلى الشكل المطلوب, ويقال للمطرقة الكبيرة: "الفطيس"، وتقابلها لفظة "بطيش" Pattish عند العبرانيين١, وقد أشار علماء اللغة إلى "الفطيس"٢. ويستخدم الـ"قدوم"، وهي مطرقة كذلك، تسمى بـ"قردم" "قردوم" عند العبرانيين٣, وذكر علماء العربية أن "القدوم" التي ينحت بها٤. ومن أنواع المطارق مطرقة دُعيت بـ"جرزن" عند العبرانيين، وتستخدم في القطع: في قطع الأشجار والأخشاب التي تستعمل في البناء. ويرى بعض العلماء أنها أخف من "القردم"٥, وبين "جرزن" و"الجرز" اللفظة العربية تقارب وارتباط. وقد ذكر علماء اللغة أن "الجرز" من السلاح، والعمود من الحديد, وأن الجراز بمعنى: قاطع؛ ولذلك قالوا: سيف جراز ومدقة جراز٦. وهي الفاس في العبرانية، ولعلها بهذا المعنى في العربية أيضا, وتستعمل لقطع الأحجار والأخشاب ولتكسيرها٧. والمطارق الحديثة المستعملة في الشرق الأوسط وفي بلاد العرب، لا تزال محافظة على شكلها وهيئتها التي كانت عليها عند الجاهليين وعند غيرهم قبل الإسلام, كما يظهر ذلك من النماذج التي عثر عليها ومن صور المطارق المصورة على بعض الآثار. وبعض هذه المطارق ذات رأسين، وبعضها ذات حافتين, ويختلف شكلها باختلاف المهمة التي تستخدم فيها. واستخدمت المطارق في الحروب كذلك، حملها المحاربون معهم في قتال الأعداء وفي فتح الثغرات في الجدر والأسوار وتحطيم الدبابات والآلات الأخرى المستخدمة في حروب تلك الأيام.

стр. 5008

الصياغة: و"الصائغ": من يحترف الصياغة، وذلك في اللهجة العربية الشمالية، ويشتغل في صياغة الذهب والفضة, وقد كان بين أصحاب الرسول من احترف هذه الحرفة. وقد ورد عن أبي رافع الصائغ, أن عمر بن الخطاب كان يمازحه بقوله: "أكذب الناس الصواغ، يقول اليوم وغدًا"١. وكلام عمر بن الخطاب هذا يدل على أن الصاغة لذلك العهد كانوا يخلفون أيضا في المواعيد، ولا يحافظون على الأوقات. وقد تحدث بعض الكَتَبَة اليونان عن أثاث وحليّ مصنوعة من الذهب والفضة، ذكروا أن السبئيين كانوا يستعملونها في بيوتهم، ولكننا لم نقف على شيء مهم من ذلك، إلا قطعًا متآكلة من المعدن وصلت إلينا، لتتحدث عن عمل الصاغة والحدادين في العربية الجنوبية, وأكثرها من المصنوعات المعمولة من البرنز. فلدينا مصباح من البرنز مصاب ببعض العطب، عثر عليه في "شبوة"، على طرفه جسم "أيل" جميل، صنع وكأنه متهيئ للوثوب. وهناك قطع أخرى تمثل إحداها جملا، وأخرى حصانا، كما عثر على عصي مصنوعة من البرنز، وعلى ألواح من هذا المعدن أيضا, عليها كتابات, وهي محفوظة في المتاحف الأوروبية. وهذا الذي عثر عليه هو شيء قليل بالطبع بالنسبة إلى ما سيعثر عليه، متى سمح للآثاريين بالبحث عن الآثار والكشف عن المطمور في جزيرة العرب، ولا سيما في العربية الجنوبية, حيث تشاهد تلول من الأتربة منتشرة تضم تحتها كنوزًا ثمينة من الآثار. ويقال للذهب: الأنضر، وقد ذكر بعض علماء اللغة أن لفظة الأنضر اسم للذهب والفضة، وكذلك النضار. أما النضرة فإنها السبيكة من الذهب, ونُضار الجوهر الخالص من التبر٢. وقد عرف التبر بأنه الذهب كله، وقيل: هو من الذهب والفضة وجميع جواهر الأرض من النحاس والصفر والشبه والزجاج وغير ذلك مما استخرج من المعدن قبل أن يصاغ ويستعمل. وقيل: التبر هو الذهب المكسور، وقيل: الفتات

стр. 5009

من الذهب والفضة قبل أن يصاغا، فإذا صِيغا فهما ذهب وفضة, وورد التبر ما كان من الذهب غير مضروب فإذا ضرب دنانير فهو عين. وقد يطلق التبر على غير الذهب والفضة من المعدنيات؛ كالنحاس والحديد والرصاص، وأكثر اختصاصه بالذهب, وورد في الحديث: "الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها١". وأما "الجذاذ"، فإنه حجارة فيها ذهب، أي: الحجر الذي يقلع من مناجم الذهب، ثم يسحن بالمساحن لاستخلاص الذهب من المواد الأخرى, والمسحنة: حجر يدق به حجارة الذهب٢. والحلي، ويراد بها ما يزين به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة٣، هي من أهم أعمال الصائغ عند الجاهليين، يقوم بصنعها من الذهب أو الفضة، ويزينها ببعض الحجارة في بعض الأحيان, وقد اشتهر "بنو قينقاع" في منطقة "يثرب" بإجادتهم حرفة الصياغة وإتقانهم لها. ومن هذه الحلي ما يعلق على الصدر، ومنها ما يوضع في الأيدي أو في الأصابع، ومنها ما يوضع حول الساق, وما يعلق في مواضع أخرى من الجسد مثل الأذنين أو الأنف أو على الجبين، كما أن بعضه مما يحلى به الحيوان أو الأشياء النفيسة في البيت. ومن الحلي المشهورة عند الجاهليين القلادة, وتصنع من الذهب أو الفضة في الغالب، وقد تكون من ربط حجارة أو عظام أو خرز بعضها إلى بعض, وتربط حول العنق، وتتدلى على الصدر, على أن القلادة في اللغة لفظة عامة تطلق على أمور كثيرة. وقد كان الجاهليون يضعون قلادة في عنق البدن، مثل عروة مزادة، أو خلق نعل، أو غير ذلك؛ ليعلم أنها هدي. كما كانوا يقلدون الإبل بلحاء شجر الحرم، ويعتصمون بذلك من أعدائهم٤. والأسورة من أدوات الزينة كذلك, وقد استعملها أهل الجاهلية، تضعها المرأة في يديها. ويذكر علماء اللغة أن "السوار" الفظة معربة، عربت من الفارسية وأصلها في الفارسية "ستوار"، فأخذها العرب وعربوها, واشتقوا منها "سوَّرت

стр. 5010

الجارية" و"جارية مسوّرة"١. على أن بعض المحاربين كانوا يستعملون الأسورة، ويتباهون بها في الحروب. وأما "العصمة"، فقيل: إنها القلادة، وقيل: إنها شبه السوار، توضع حول اليد. وأما المعصم، فإنه موضع السوار من اليد أو الساعد٢. وأما القرط، فمن حلي الأذن يعلق بشحمة الأذن٣، سواء أكان درّة أم ثومة من فضة أم معلاقًا من ذهب٤. والخلخال من أدوات الزينة التي تستعملها النساء، يوضع على الساق, يصاغ من الذهب أو الفضة٥. وقد يحشى بالقار، كما تحشى الأسورة أيضا في بعض الأحيان لتبدو غليظة, ويستعمل القير والقار في طلي السفن؛ لمنع الماء من الدخول فيها. والعرب تسمى الخضخاض قارا، وهو قطران وأخلاط تهنأ بها الإبل. وقد ذكر أنه صعد يذاب، فيستخرج منه القار٦. ولا يزال أهل البادية والقرى يتحلون بالخلخال, وللأجراس الصغيرة التي تعلق به رنين خاص ونغمات. وهو من أدوات الزينة المستعملة بين شعوب الشرق الأوسط منذ القديم, وقد أشير إليه في التوراة٧. وقد نهى الإسلام عن تبختر النساء بالخلاخل، وإثارتهن نغماتها؛ لما في ذلك من إثارة للرجال وتأثير عليهم٨. والخاتم من عمل وصنع الصائغ، وهو من حلي الإصبع، ويحلى بالحجارة الكريمة في الغالب، مثل الياقوت والماس والشذر وغير ذلك. ويستعمل الخاتم للختم كذلك, أي: للطبع بدلًا من التوقيع، وذلك بحفر رمز أو كلمة أو عبارة أو اسم صاحب الخاتم على الخاتم، فإذا أريد كتابة كتاب أو تصديق قرار أو وثيقة ختم به على
следующие страницы →