← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

ويهيئ الحداد أقفال الأبواب، وقد يصنعها النجار أيضا. ويُوضَع خلف الباب وتد من حديد لتسميره، فلا يمكن فتحه١، كما يهيئ البيت بما يحتاج إليه من أدوات تستعمل في الطبخ وفي الغسيل وفي الزينة. ويجهز الرجل والمرأة بالأدوات المساعدة للتجميل كـ"المدرى"، وهو شيء يسرح به شعر الرأس محدد الطرف من حديد، وقد يصنع من غيره مثل الخشب, وهو كسنّ من أسنان المشط، أو أغلظ قليلًا، إلا أنه أطول٢. وقد ذكر أصحاب اللغة بعض أسماء الآلات والأدوات التي كان يستعملها الحدادون في حرفتهم، نذكر بعضًا منها، مثل: "القرزم"، و"العلاة", والقرزم: لوح الإسكاف المدور, و"المِطرقة"، و"الفطيس" وهي أكبر من المطرقة، وهي "الميفعة" أيضا, و"المِبرد" الذي يبرد به الحديد، و"البرادة" ما سقط منه٣. وأما "فسالة الحديد" فما تناثر من الحديد عند الضرب إذا طبع، و" المشحذ" مبرد للحديد، أعظمها وأخشنها. وقال بعض اللغويين: المشحذ المسنُّ، و"المفراص" وهو للحديد كالمقراض للثوب، والمنفاخ "المنفاخة" وهو ما ينفخ به الكير، والكير الذي ينفخ فيه٤. وأما المبني من الطين، فهو الكور, و"المشرجع": مطرق لا حروف لنواحيه، ومطرقة مشرجعة: مطولة ولا حروف لنواحيها. أما إذا كان الشيء مربعًا، وقد نحتت حروفه، قيل له: "شرجعة". و"العسقلان"، أصغر مطرقات الصائغ, و"الغُداف": الحديدة التي يدخل في أحد طرفيها الخاتم ويركزها على الجبأة، والخشبة التي بين يديه. أما "الحِملاج"، فمنفاخ الصائغ، وهو حديدة مجوفة ينفخ فيها الصائغ، إذا أراد النفخ في كيره, وله الكلبتان والمثقب٥. وقد وردت في التوراة لفظة "أج ن" "أجن"٦، وهي "إجانة" و"إجان" في العربية, وهي إناء يعجن فيه العجين، أو يوضع فيه سائل أو أية مادة أخرى.

стр. 5007

ولا تزال الكلمة حية معروفة، وتصنع من المعدن في الغالب، ولكنها قد تصنع من خشب في بعض الأحيان. ويستخدم الحداد المطرقة في طرق الحديد المحمى؛ لتحويله إلى الشكل المطلوب, ويقال للمطرقة الكبيرة: "الفطيس"، وتقابلها لفظة "بطيش" Pattish عند العبرانيين١, وقد أشار علماء اللغة إلى "الفطيس"٢. ويستخدم الـ"قدوم"، وهي مطرقة كذلك، تسمى بـ"قردم" "قردوم" عند العبرانيين٣, وذكر علماء العربية أن "القدوم" التي ينحت بها٤. ومن أنواع المطارق مطرقة دُعيت بـ"جرزن" عند العبرانيين، وتستخدم في القطع: في قطع الأشجار والأخشاب التي تستعمل في البناء. ويرى بعض العلماء أنها أخف من "القردم"٥, وبين "جرزن" و"الجرز" اللفظة العربية تقارب وارتباط. وقد ذكر علماء اللغة أن "الجرز" من السلاح، والعمود من الحديد, وأن الجراز بمعنى: قاطع؛ ولذلك قالوا: سيف جراز ومدقة جراز٦. وهي الفاس في العبرانية، ولعلها بهذا المعنى في العربية أيضا, وتستعمل لقطع الأحجار والأخشاب ولتكسيرها٧. والمطارق الحديثة المستعملة في الشرق الأوسط وفي بلاد العرب، لا تزال محافظة على شكلها وهيئتها التي كانت عليها عند الجاهليين وعند غيرهم قبل الإسلام, كما يظهر ذلك من النماذج التي عثر عليها ومن صور المطارق المصورة على بعض الآثار. وبعض هذه المطارق ذات رأسين، وبعضها ذات حافتين, ويختلف شكلها باختلاف المهمة التي تستخدم فيها. واستخدمت المطارق في الحروب كذلك، حملها المحاربون معهم في قتال الأعداء وفي فتح الثغرات في الجدر والأسوار وتحطيم الدبابات والآلات الأخرى المستخدمة في حروب تلك الأيام.

стр. 5008

الصياغة: و"الصائغ": من يحترف الصياغة، وذلك في اللهجة العربية الشمالية، ويشتغل في صياغة الذهب والفضة, وقد كان بين أصحاب الرسول من احترف هذه الحرفة. وقد ورد عن أبي رافع الصائغ, أن عمر بن الخطاب كان يمازحه بقوله: "أكذب الناس الصواغ، يقول اليوم وغدًا"١. وكلام عمر بن الخطاب هذا يدل على أن الصاغة لذلك العهد كانوا يخلفون أيضا في المواعيد، ولا يحافظون على الأوقات. وقد تحدث بعض الكَتَبَة اليونان عن أثاث وحليّ مصنوعة من الذهب والفضة، ذكروا أن السبئيين كانوا يستعملونها في بيوتهم، ولكننا لم نقف على شيء مهم من ذلك، إلا قطعًا متآكلة من المعدن وصلت إلينا، لتتحدث عن عمل الصاغة والحدادين في العربية الجنوبية, وأكثرها من المصنوعات المعمولة من البرنز. فلدينا مصباح من البرنز مصاب ببعض العطب، عثر عليه في "شبوة"، على طرفه جسم "أيل" جميل، صنع وكأنه متهيئ للوثوب. وهناك قطع أخرى تمثل إحداها جملا، وأخرى حصانا، كما عثر على عصي مصنوعة من البرنز، وعلى ألواح من هذا المعدن أيضا, عليها كتابات, وهي محفوظة في المتاحف الأوروبية. وهذا الذي عثر عليه هو شيء قليل بالطبع بالنسبة إلى ما سيعثر عليه، متى سمح للآثاريين بالبحث عن الآثار والكشف عن المطمور في جزيرة العرب، ولا سيما في العربية الجنوبية, حيث تشاهد تلول من الأتربة منتشرة تضم تحتها كنوزًا ثمينة من الآثار. ويقال للذهب: الأنضر، وقد ذكر بعض علماء اللغة أن لفظة الأنضر اسم للذهب والفضة، وكذلك النضار. أما النضرة فإنها السبيكة من الذهب, ونُضار الجوهر الخالص من التبر٢. وقد عرف التبر بأنه الذهب كله، وقيل: هو من الذهب والفضة وجميع جواهر الأرض من النحاس والصفر والشبه والزجاج وغير ذلك مما استخرج من المعدن قبل أن يصاغ ويستعمل. وقيل: التبر هو الذهب المكسور، وقيل: الفتات

стр. 5009

من الذهب والفضة قبل أن يصاغا، فإذا صِيغا فهما ذهب وفضة, وورد التبر ما كان من الذهب غير مضروب فإذا ضرب دنانير فهو عين. وقد يطلق التبر على غير الذهب والفضة من المعدنيات؛ كالنحاس والحديد والرصاص، وأكثر اختصاصه بالذهب, وورد في الحديث: "الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها١". وأما "الجذاذ"، فإنه حجارة فيها ذهب، أي: الحجر الذي يقلع من مناجم الذهب، ثم يسحن بالمساحن لاستخلاص الذهب من المواد الأخرى, والمسحنة: حجر يدق به حجارة الذهب٢. والحلي، ويراد بها ما يزين به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة٣، هي من أهم أعمال الصائغ عند الجاهليين، يقوم بصنعها من الذهب أو الفضة، ويزينها ببعض الحجارة في بعض الأحيان, وقد اشتهر "بنو قينقاع" في منطقة "يثرب" بإجادتهم حرفة الصياغة وإتقانهم لها. ومن هذه الحلي ما يعلق على الصدر، ومنها ما يوضع في الأيدي أو في الأصابع، ومنها ما يوضع حول الساق, وما يعلق في مواضع أخرى من الجسد مثل الأذنين أو الأنف أو على الجبين، كما أن بعضه مما يحلى به الحيوان أو الأشياء النفيسة في البيت. ومن الحلي المشهورة عند الجاهليين القلادة, وتصنع من الذهب أو الفضة في الغالب، وقد تكون من ربط حجارة أو عظام أو خرز بعضها إلى بعض, وتربط حول العنق، وتتدلى على الصدر, على أن القلادة في اللغة لفظة عامة تطلق على أمور كثيرة. وقد كان الجاهليون يضعون قلادة في عنق البدن، مثل عروة مزادة، أو خلق نعل، أو غير ذلك؛ ليعلم أنها هدي. كما كانوا يقلدون الإبل بلحاء شجر الحرم، ويعتصمون بذلك من أعدائهم٤. والأسورة من أدوات الزينة كذلك, وقد استعملها أهل الجاهلية، تضعها المرأة في يديها. ويذكر علماء اللغة أن "السوار" الفظة معربة، عربت من الفارسية وأصلها في الفارسية "ستوار"، فأخذها العرب وعربوها, واشتقوا منها "سوَّرت

стр. 5010

الجارية" و"جارية مسوّرة"١. على أن بعض المحاربين كانوا يستعملون الأسورة، ويتباهون بها في الحروب. وأما "العصمة"، فقيل: إنها القلادة، وقيل: إنها شبه السوار، توضع حول اليد. وأما المعصم، فإنه موضع السوار من اليد أو الساعد٢. وأما القرط، فمن حلي الأذن يعلق بشحمة الأذن٣، سواء أكان درّة أم ثومة من فضة أم معلاقًا من ذهب٤. والخلخال من أدوات الزينة التي تستعملها النساء، يوضع على الساق, يصاغ من الذهب أو الفضة٥. وقد يحشى بالقار، كما تحشى الأسورة أيضا في بعض الأحيان لتبدو غليظة, ويستعمل القير والقار في طلي السفن؛ لمنع الماء من الدخول فيها. والعرب تسمى الخضخاض قارا، وهو قطران وأخلاط تهنأ بها الإبل. وقد ذكر أنه صعد يذاب، فيستخرج منه القار٦. ولا يزال أهل البادية والقرى يتحلون بالخلخال, وللأجراس الصغيرة التي تعلق به رنين خاص ونغمات. وهو من أدوات الزينة المستعملة بين شعوب الشرق الأوسط منذ القديم, وقد أشير إليه في التوراة٧. وقد نهى الإسلام عن تبختر النساء بالخلاخل، وإثارتهن نغماتها؛ لما في ذلك من إثارة للرجال وتأثير عليهم٨. والخاتم من عمل وصنع الصائغ، وهو من حلي الإصبع، ويحلى بالحجارة الكريمة في الغالب، مثل الياقوت والماس والشذر وغير ذلك. ويستعمل الخاتم للختم كذلك, أي: للطبع بدلًا من التوقيع، وذلك بحفر رمز أو كلمة أو عبارة أو اسم صاحب الخاتم على الخاتم، فإذا أريد كتابة كتاب أو تصديق قرار أو وثيقة ختم به على

стр. 5011

الشيء المراد ختمه، فيقوم إذ ذاك مقام التوقيع والاعتراف بصحة المذكور. ويقال لما يوضع على الطينة وما يختم على اللبنة الخاتم كذلك١؛ ولذلك عد الخاتم عند الشعوب القديمة رمزًا للتفويض والتصديق والملك. وختم الملك يدل على إرادة الملك ورضائه وأمره؛ ولذلك قيل: خاتم الملك٢. وقد يصنع الخاتم من الشبه أو الصفر أو الحديد، ويعمل على صور وأشكال متعددة متنوعة. وقد كان خاتم رسول الله من حديد ملوي، عليه فضة٣. وفي المتاحف وعند الناس عدد كبير من الأختام، عثر عليها في مواضع متعددة من جزيرة العرب. وهي تكون عند علماء الآثار دراسة خاصة؛ لما كان لها من أهمية عند الشعوب القديمة, ولما في بعضها من دقة في الصنعة ومن تفنن وإبداع. وبعض هذه الأختام مستورد من الخارج وبعضه متأثر بالأختام الأجنبية، مثل: الأختام العراقية أو الأختام اليونانية أو الفارسية. ويقوم الصائغ بعمل الزينة للرأس، ومنها التيجان, وقد كان ملوك الحيرة يضعون التيجان على رءوسهم. وقد ورد في شعر لمالك بن نويرة أن تاج النعمان بن المنذر كان من الزبرجد والياقوت والذهب٤. ومن حلي النساء الفتخ والخُرص والسخاب والحلق, وقد حلي بها الأولاد كذلك٥, وكذلك المسكة من ذهب والسلسلة والأطواق والأجراس والجلاجل. ويراد بالفتخ الخواتيم الضخام, يكون في اليد والرجل، بفص وبغير فص. وقيل: الخاتم أيًّا كان، أو حلقة من فضة٦. وأما المسكة، فسوار من ذبل أو عاج، فإذا كانت من غيرهما أضيفت إلى ما هي منه٧, وتوضع السلسلة في العنق، وأما الأجراس فتوضع في الأرجل٨.

стр. 5012

ومن الحلي: "الحُبلة": ضرب من الحلي يصاغ على شكل ثمرة "الحبلة", يوضع في القلائد في الجاهلية١. ويقال للنقوش والزينة المزوقة والتصاوير المموهة بالذهب "الزخرف". وذكر علماء اللغة أن "الزخرف" الذهب, وهو الأصل، ثم قيل لكل زينة زخرف، وكذلك كل شيء مُوّه به. وقد ورد في كتب الحديث والأخبار أن الكعبة كانت قد زينت بالزخرف، أي: بنقوش وتصاوير، وكانت بالذهب. فلما كان يوم الفتح، لم يدخل الرسول الكعبة، حتى أمر بالزخرف فنحي، وبالأصنام فكسرت، فدخل بعد ذلك الكعبة٢. وقد ألف أهل مكة وغيرهم استعمال الآنية المصنوعة من الذهب والفضة، فاستعملوا الأكواب والأباريق والكئوس والقوارير والأواني, وبعضها عليه صور مرسومة أو محفورة. وقد أشير في القرآن الكريم إلى هذه الأواني، وذكرت في كتب الفقه، وقد ورد النهي عن الشرب بأواني الذهب في الحديث٣، وفي ذلك دليل على وجودها واستعمالها عند العرب قبل الإسلام. وقد ذكر علماء اللغة أن من الأواني المستعملة من الفضة الجام٤، وعرفوا الكوب بأنه كوز لا عروة له، أو هو المستدير الرأس الذي لا خرطوم له. وقد ذكر في شعر عدي بن زيد العبادي٥، وفي شعر نفر آخر من الشعراء الجاهليين ممن ألفوا الحضارة. وورود "أكواب" جمع "كوب" في القرآن الكريم، دليل على استعمال أهل مكة للأكواب. واللفظة من الألفاظ المعربة عن اليونانية, وتقابل لفظة Cup في الإنجليزية. وقد أخذت من هذا الأصل اليوناني. والكوب، هو في معنى "كوس" عند العبرانيين، أي: كأس في عربيتنا. وتصنع الكئوس من المعدن، كما تعمل من الطين, وعُمِلَتْ كئوس الملوك وكبار

стр. 5013

الأغنياء من الذهب والفضة. ولبعضها يد أو علَّاقة ليحمل الكأس بها١, وقد ذكرت لفظة "كأس" في القرآن الكريم. واستعمل أهل مكة الأباريق المصنوعة من الذهب والفضة كذلك. وقد ذهب علماء اللغة إلى أن لفظة "إبريق" لفظة معربة، أصلها فارسي هو: "آب رى". وقد وردت لفظة "الأباريق" في القرآن، كما وردت لفظة "إبريق" في شعر منسوب إلى عدي بن زيد العبادي٢. وأخذ تجار مكة من الفارسية بعض الألفاظ الحضارية التي لها علاقة بالصياغة، بحكم اتصالهم بالعراق، مثل لفظة "زركش"، وهي من أصل فارسي معناه: الراسم والناقش على الذهب٣. وصاغ الصياغ خرزًا من الفضة، جعلوه على أمثال اللؤلؤ، وعرف عندهم باسم "الجمان", وقد وردت لفظة "جمانة" في شعر منسوب للبيد. وذكر الجواليقي أن اللفظة معربة من أصل فارسي، وأنها تكلمت بها العرب قديمًا٤. ويصنع الصائغ إطارات للمرائي، جمع المرآة، وهي ما تراءيت فيه، وما ترى فيه صور الأشياء٥. وقد يصنع الصائغ المرآة على هيئة سبيكة مصقولة من الفضة, إذا نظر إليها بان وجه الإنسان. وقد ذكر العلماء نوعًا من المرائي دعوه "السجنجل"، وقد وردت هذه اللفظة في معلقة امرئ القيس، وذكر العلماء أن اللفظة معربة من أصل رومي٦. وقام الصائغ بعمل كل ما طلب منه، فعمل قبيعة السيف من الذهب والفضة وزين السيوف بالذهب والفضة. بل صنع بعضهم أنوفًا من ذهب لمن أُصيبت

стр. 5014

أنوفهم. فذكر أن صائغًا صنع أنفًا من ذهب لعرفجة بن سعد، وكان قد أصيب أنفه يوم الطلاب في الجاهلية١. وزينت الدروع والدرق بالذهب كذلك, ووجد الصائغ عملًا مهمًّا له في المعابد، إذ أمدها بزخارف مموهة بالذهب وضعت على أبوابها, وعلى الأماكن المقدسة فيها. كما أمدها بالتماثيل المصنوعة من الإبريز وبالقناديل والمصابيح المصنوعة من الذهب والفضة. ومن أدوات الصاغة المهمة التي يستعملونها في صناعتهم "الحماليج"، وهي المنافيخ، وتستخدم في إيقاد النار وفي زيادة لهبها؛ كي تتمكن من صهر المعدن أو جعله لينًا, ليحوله الصائغ على الشكل الذي يريده٢. ومن الأدوات المصنوعة من الحديد ومن النحاس والبرنز أيضًا "التور"٣ و"الطست"٤ و"الطاجن"٥، وهي أوانٍ يوضع فيها الماء في الغالب. وذكر بعض علماء اللغة أنها كلها ألفاظ معربة من الفارسية٦. وقد عرف التور بأنه إناء من الأواني، وقيل: إنه إناء من صفر أو حجارة كالإجانة, وقد يتوضأ منه٧. ومن الأدوات التي يصنعها النحاسون "القمقم", ذكر بعض علماء اللغة أنه الجرة أو ما يستقى به من نحاس٨. واللفظة ما تزال حية معروفة في العراق،

стр. 5015

تطلق على وعاء يوضع فيه ماء الورد، يسكب منه في المآتم خاصةً. وقد اشتهرت بعض مواضع اليمن بالمعادن، وتُعرَف الأرضون المحتوية على خاماتها بـ"مَعْدِن" عند أهل الأخبار. ويذكر بعد هذه اللفظة اسم المكان الذي يوجد فيه المعدن ثم نوعه، فقد ورد مثلًا "معدن عشم" و"معدن ضنكان"، وقد اشتهرا بالذهب, وذكر أن ذهبهما من النوع الجيد الجليل. أما "معدن القفاعة" ففيه ذهب كذلك، لكنه دون ذهب المعدنين المذكورين، وهو خير من ذهب "معدن بني محيد"١. وقد استغل الناس مناجم الذهب والفضة والحديد، وعثر عند بعضها على أدوات استخدمت في إذابة المعدن؛ لاستخلاصه من المواد الغريبة العالقة به. وقد ذكر "فؤاد حمزة" في كلامه على جبل "تَهْلَل" بجوار السودة في عسير، وبه معدن الحديد٢، أنه عثر فيها على آثار عشرات النقر لإذابة المعادن. وقد كانوا يضعون خام الحديد المستخرج من منجمه في هذه النقر ومعه الخشب والأغصان التي توقد لإيجاد النار الكافية لإذابة المعدن, واستخلاصه من المواد الغريبة المختلطة في خامه. فإذا ذاب المعدن وخلص من المواد الغريبة التي كانت ممتزجة به، عُولِج معالجةً خاصةً لتنقيته ولاستخراج فحمه والمواد الأخرى التي تجعله هشًّا قابلًا للكسر والثلم بسهولة. وقد يعالج جملة مرات إن أريد استعماله في أمور تستدعي استعمال حديد نقي صافٍ, في مثل السيوف الجيدة التي بجب صنعها من هذا الحديد. واستعمل الأتون أيضا في إذابة المعادن لتنقيتها وإذابتها ولإحالتها إلى الشكل المطلوب. وتوقد النيران في أسفل الأتون؛ لتذيب المعدن وتحيله إلى سائل يسيل من فتحة تقع في جانبه ليحوله المعدن إلى الشكل الذي يريده. ويخرج الدخان من فتحة تكون في نهاية موقد النار، وتقوم هذه المدخنة بتهوية الموقد في الوقت نفسه. وطريقة إذابة المعادن وتنقيتها هذه، معروفة عند الرومان واليونان والفرس والعبرانيين, ويطلق العبرانيون على الأتون، لفظة "أتون" كذلك٣. وأشير إلى معادن أخرى في اليمن، منها: الفضة، وقد وجد في "معدن

стр. 5016

الرصاص"، موضع بين "فهم" من همدان، بين خولان العالية ومراد، ومعها الرصاص، وعليه كان اعتماد أهل اليمن. وكان في الموضع قرية تسمى "قرية الرصاص"، وأهلها من العرنيين, وقد ارتدوا، فقتلهم رسول الله١. وعرف الرصاص الخالص بالآنك٢, وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنها من أصل آرمي هو "أنكو" Anko٣. ومن المعادن: الجزع، واليفران، والعقيق, وهو في مواضع عديدة من اليمن، بعضه بعدن أبيض، وبعضه بأرض وادعة بين صعدة والحجاز، وفي نجران وبيحان٤. والنحاس، هو "نحشت" في العبرانية, ويعرف بـ"صبرو" Siparu في البابلية. ومن هذه اللفظة "الصفر"، المستعملة في العراق بمعنى نحاس٥. وذكر علماء اللغة أن النحاس ضرب من الصفر والآنية شديدة الحمرة٦, وذكروا أن الصفر: النحاس الجيد، وقيل: ضرب من النحاس, والصفار: صانع الصفر٧. وقد عرف المشتغلون بالمعادن طريقة خلط المعادن، فاستعملوها في أغراض شتى. فخلطوا بين الفضة والرصاص أو النحاس في صنع النمي، وهي الفلوس, وكانت في الحيرة على عهد النعمان بن المنذر٨. وخلطوا الحديد بمعادن أخرى؛ ليتناسب مع طبيعة الأشياء التي يراد صنعها منه, ويكون خلط المعادن بنسب مقدرة معلومة؛ كي تؤدي الغاية المرجوة منه. ومن هذه المعادن: الشبه, وقد ذكر علماء اللغة أنه ضرب من النحاس, يلقى عليه دواء فيصفر٩. وفي العبرية لفظة "فولاذ"، وتعني معنى Steel في الإنجليزية، أي: نوعًا خاصًّا من أنواع الحديد, وتقابل لفظة "فلدو" "بلدو" في السريانية و"فلداة"

стр. 5017

في العبرانية. ويظهر أن الفولاذ كان معروفًا عند الشعوب القديمة قبل الميلاد١. ولم يختلف أهل اليمن القدماء عن أهل اليمن المحدثين في طرقهم البدائية في استخراج المعادن واستخلاصها من خاماتها، ولا يزال أهل اليمن يضرمون النار في الحجارة المحتوية على المعدن، فيسيل المعدن بتأثير الحرارة، فإذا سال سكب عليه الماء، فيبرد، وتتكون قطع منه، يستعان بها في صنع ما يحتاجون إليه من آلات وأدوات. ولا يزال كثير من سكان جزيرة العرب يمارسون الصناعات على الطريقة القديمة، يعتمدون فيها على الأيدي وعلى الآلات البدائية التي ورثوها من الماضي، فيدبغون الأدم على طريقتهم الموروثة، ويصنعون سرج الخيل وهوادج الإبل، والأحذية، وينسجون الأنسجة من صوف الأغنام أو الماعز أو الوبر، للملابس، ولبيوتهم التي تنتقل بتنقلهم. والعِطارة من الحرف القديمة المعروفة، وقد ذكرت في التوراة٢. والعطَّار وإن كان اسمه قد جاء من العطر بسبب تعاطيه بيع الطيب والعطور، يبيع أيضا مختلف الأعشاب والعقاقير والأدوية. فهو صيدلي في الواقع، وإليه تأتي وصفة الطبيب تعيّن الأعشاب والعقاقير التي يحتاجها المريض. وقد كان العطارون يبيعون في مكة ويثرب وأماكن أخرى أنواع العطور والطيوب، وفي جملتها المسك. وقد ضرب الرسول المثل "بصاحب المسك" أي: العطار، إذ جعله مثال الجليس الصالح٣ للرجل. ويبيع العطارون عدة أشياء تستعمل في الطب وفي الطعام، مثل الزعفران والكركم وهو أصغر، وذكر أنه "الهُرد"، وهو عروق يصبغ بها٤. ومثل "المصطكا"، وهو علك رومي، ويدخل في الأدوية أيضًا٥. وقد يحمل العطارون آلتهم معهم، يضعونها في خريطة من أدم، يطلقون عليها "القفدانة" و"القفدان". وهي لفظة فارسية معربة، وتطلق على المكحلة كذلك, كما يقول بعض علماء اللغة٦.

стр. 5018

حرف الإعاشة: وأعني بها الحرف التي تهيئ الأكل للإنسان من تقديم أكل وشراب وما يتعلق بهما من أعمال مساعدة في تهيئة ذلك, فيدخل فيها طحن الحبوب والطبخ والخبز والأواني التي يوضع فيها الطعام وما شابه ذلك من أمور. ولا بد للإنسان من سحق الحبوب وطحنها؛ ليكون في إمكانه أكلها والاستفادة منها. لذلك فقد يدقها دقا بين حجرين أو بآلات صلبة، ثم يلهم الحبوب المدقوقة لهمًا أو يحمصها على النار أو يمزجها بمادة أخرى؛ لتكون طيبة المذاق, مستساغة في الطعم. وقد يطحنها طحنًا، أي: يحولها إلى دقيق بواسطة الرحى، وهي حجران من حيث الأساس, أحدهما ثابت وهو الأسفل، والآخر متحرك وهو الحجر الأعلى وهو أصغر قليلًا من الحجر الأسفل، به فتحة توضع الحبوب بها فتنزل منها إلى سطح الحجر الثاني، فتقع بواسطة حركة الحجر الأعلى بين الحجرين وتداس فتسحق، وبواسطة استمرار الحركة وثقل الحجر الأعلى تتحول الحبوب إلى طحين يخرج من بين الحجرين إلى الخارج, حيث يسقط في حفرة أمامية عملت لتجميع الطحين بها، وذلك فيما إذا كان الحجر الأسفل مبنيًّا على قاعدة، أما إذا كان متحركًا فيسقط الطحين على أطراف الرحى على قماش أو أي شيء يوضع تحت الحجر الثاني، ثم يجمع الطحين. وهذا النوع من الرحى هو من النوع المحسن الذي يمثل تقدمًا في صناعة طحن الحبوب. وقد عثر على نوع هو أبسط من الرحى المتقدمة، فهو عبارة عن حجر مائل نوعًا ما، أحد طرفيه مرتفع عن الطرف الآخر، يوضع الحب عليه ثم يسحق بحجر أسطواني الشكل في الغالب, يمسك بالأيدي من مقبض نحت منه على كل طرف من طرفيه, ثم يحرك على الحبوب لسحقها، وقد يقبض بطرفي الحجر ثم يحرك نحو الأسفل فالأعلى حتى تسحق تلك الحبوب وتتحول إلى طحين.

стр. 5019

ولا أستبعد استعمال العرب الجنوبيين للطواحين الكبيرة التي تدار بالماء، وذلك بالإضافة إلى الطواحين التي تديرها الحيوانات؛ وذلك لبيع الطحين في الأسواق. وقد كان الناس يستعملون الرحى في الغالب للحصول على الطحين، فلم يكد يخلو بيت منها؛ ولذلك كانت صناعة الرحى من الصناعات النافقة المربحة في ذلك الزمان. والطحن من الأعمال التي تخصص بها النساء، وتقوم به الخادمات في البيوت الكبيرة. وقد توضع جملة رحى في البيت الكبير, حيث تخبز كميات وافرة من العجين لإعاشة أفراد البيت. ولمكانة الرحى عند القوم يومئذ، تخصص أناس بإصلاح الحجر لتحويله إلى رحى صالحة لطحن الحبوب أو لعمل الزيوت. وليس يصلح كل حجر لأن يكون حجر رحى؛ ولهذا فعلى الخبير بالرحى اختيار الحجر الصالح، ثم عليه إصلاحه ليكتسب الاستدارة وعمل ثقب فيه ونقرة وغير ذلك مما يتعلق بهذا العمل. وتكون حجارة الرحى مختلفة في الحجم، باختلاف العمل الذي يوكل إليها أداؤه, فبعض الرحى كبيرة ثقيلة ذات قطر واسع، وتستخدم في طحن بعض المواد الصلبة مثل العفص ومواد الدباغة الأخرى والمواد التي تستخدم في إنتاج الزيت والطحين, ويستخدم الحيوان لإدارة مثل هذه الرحى. وقد عثر على حجارة رحى ضخمة استخدمها العرب قبل الإسلام في تلك الأغراض. وبائع الحنطة يقال له: الحنَّاط، يعيش من الاتجار بالحنطة، وقد يبيع معها الشعير والحبوب الأخرى. وقد ورد ذكر "الحناطين"، في كتب الحديث١. والخبز في العادة هو من الأعمال البيتية, أي: من الأعمال التي تتم في البيت، حيث تقوم الزوجة بخبزه، ويقوم الرقيق أي: الخدم بخبزه في البيوت الكبيرة الغنية. وهو من اختصاص النساء. وقد احترف بعض الناس الخبازة، وعرف واحدهم بـ"الخباز"، إذ يصنع الخبز المصنوع من الحنطة أو المصنوع من الشعير أو من الذرة ومن الأرز. والخبز على أنواع، فيه الغليظ وفيه الطري وفيه الناشف، وفيه ما يضاف إليه

стр. 5020

السكر. وقد ذكر أن من الخبز الغليظ ما يقال له "جرذق" و"جردق" و"الجردقة"، واللفظة فارسية معربة وأصلها "كردة"١. والخبز المصنوع من الحنطة، هو أجود أنواع الخبز وأغلاها؛ ولذلك يعتبر خبزها خبز الأغنياء وخبز الطبقة المتمكنة, أما خبز الأعراب والفقراء وأهل القرى فهو الخبز المصنوع من الشعير أو من الذرة. ويقتات فلاحو بلاد الشام واليمن بخبز الذرة؛ لوجوده بكثرة عندهم، ولرخص ثمن الذرة بالنسبة إلى القمح. كما يقتات بعضهم بالخبز المصنوع من "الدخن"، وهو من الحبوب القديمة وقد أشير إليه في التوراة٢. ومن أنواع الخبز "المرقق"، أي: الرقاق، وقد ورد ذكره في كتب الحديث٣، ويقال له "المرقوق" في بلاد الشام، ويعرف بـ"رقيقيم" أي: "الرقيق" عند العبرانيين٤, ولا زال معروفًا مستعملًا. ويكون ناشفًا رقيقًا يمكن حفظه وخزنه مدة طويلة؛ ولذلك يدخر للشتاء وللأسفار. ويرقق خبز الرقاق بآلة تسمى: المرقاق٥. والخبز الجيد هو الخبز المصنوع من الطحين المنقى الصافي من قشرة الحبوب، وذلك بنخل الطحين في منخل فيسقط لب الطحين ويعزل عن القشرة التي تبقى في المنخل، حيث يستعمل لأغراض أخرى كعلف للحيوان، أو لتنظيف الأواني, وما شابه ذلك من أعمال. و"الكعك"، هو نوع من الخبز اليابس, ويحمل في الأسفار أيضًا، حيث يبقى مدة طويلة محافظًا على طعمه ونكهته. وقد ذكره بعض اللغويين في المعربات٦. والسميذ، نوع من أنواع الخبز اليابس كذلك. وقد يحلى الخبز، بوضع مادة حلوة فيه، وقد يعجن بالدهن أو الزيت،

стр. 5021

وقد توضع فيه بعض المواد لإعطائه نكهة خاصة، أو يوضع عليه السمسم أو غيره، كما نفعل اليوم. ويخبز الخبز عند الحضر وأهل الريف في "التنور". و"التنور" من الألفاظ الواردة في عدد من اللغات السامية؛ فهو "تنورو" Tanuru في الآشورية١, و"تنور" في العبرانية٢, والتنور العربي هو نفس البابلي القديم نفسه٣. وقد عيّر "حسان بن ثابت" رهط "النجاشي" الشاعر, بأنهم لم يكونوا أهل حرب ولا طعان ولا فرسان، وإنما هم قوم لا يعرفون غير الأكل والجلوس حول التنانير، يأكلون ما يخبز فيها٤. وعاش بعض الناس على بيع الحليب واللبن والزبدة والجبن. أما "اللبن"، فإنه الحليب المثخن، أي: الحليب الغليظ, غلظ بتسخينه وبإضافة خميرة إليه. وأما الزبدة، فتستخرج من خض الحليب وتحريكه، فتتجمع مادة دهنه وتكون الزبدة. وأما الجبن، فإنه من أكل أهل القرى والمدن في الغالب, أما الأعراب، فلم يستعملوه بكثرة، ولا زالوا على هذه العادة. وقد يستعمل بعضهم اللبن المجفف، فبعد تحويلهم الحليب إلى لبن، يجففون اللبن، ويستعملونه عند الحاجة. وقد ذكر الجبن في التوراة بـ"جبينة" من أصل "جبن" أحد الألفاظ السامية القديمة٥. ويعيش أناس من الجِزارة، فكانوا يبيعون اللحم ويتكسبون بهذه الحرفة، كما كانوا يقومون بالجزارة للناس في مقابل أجر يتقاضونه، قد يكون نصيبًا يدفع إليهم من الذبيحة، وقد يكون شيئًا آخر يحصل التراضي عليه٦. ولكن العادة أن يقوم الذبَّاحون بذبح الذبائح لأهل البيوت مقابل دفع شيء إليهم من الذبيحة أو بعض الأشياء التي يحتاجون إليها، وقد يقوم بالذبح أصحاب البيوت أو الخدم أو الطباخون, وذلك في العوائل الكبيرة؛ ولهذا فحرفة الجزارة لم تكن من الحرف

стр. 5022

الشائعة، لا سيما وأن سواد الناس لم يكن في إمكانهم تناول اللحوم في كل يوم؛ لغلائها بالنسبة لهم، بل كانوا يعيشون على الخبز وبعض الإدام الرخيص؛ ولهذا صار الخبز المادة الأساسية في معيشة الإنسان، ومن هنا قيل له "العيش"، وقيل للطعام: "العيش". كما كان اللبن أساسًا لمعيشتهم، وقد يتأدمون بالتمر مع الخبز١. وأحسن اللحوم عند العرب لحوم الإبل، لا يفضلون شيئًا عليها، ومنهم من كان يستطيب أكل الضب٢, وهم في أكل لحم الجمل على عكس يهود الذين يحرمون أكل لحوم الجمل. أما لحوم الغنم والماعز، فإنها تكون عند أهل القرى والمدن، حيث يبيعها الجزارون, وقد يأكون لحوم الخيل. وفي الأدب العربي قصص عن ذبح فرس لضيف قادم، حين لا يكون لدى المضيف من حيوان سوى الفرس. وقد يأكون الحمر الوحشية، والحيوانات الأخرى حيث يصطادونها, أما الدجاج, فإنه من مآكل أهل القرى والمدن حيث تربى عندهم ويبيعونها في السوق. وكان مأكولهم في غالب الأزمان لحوم الصيد والسويق والألبان، وكان الغالب من أهل باديتهم لا يعاف شيئًا من المأكل لقلتها عندهم. وكان الاصطياد ديدنًا لهم وسيرة فاشية, حتى كان ذلك أحد المكاسب التي عليها معاشهم؛ لاضطرارهم إلى النقلة في الغالب وتشاغلهم بالحروب وغزو بعضهم بعضًا، ولضيق ذات يدهم، فكانوا يتغلبون على كل ذلك بالاصطياد وبمطاردة الحيوانات بكل طريقة ممكنة لأكل لحومها٣. والطِّباخة من الحرف التي كانت معروفة عند الجاهلين, وقد ورد في كتب اللغة والأخبار وكتب الحديث أسماء بعض الأطعمة التي كان يستعملها أهل الجاهلية وبينها أسماء أطعمة معربة، اقتبسها العرب من الفارسية والآرمية واليونانية. ومن هذه الأطعمة المعربة، "الخرديق" "الخردق"، وهو طعام شبيه بالحساء أو

стр. 5023

"الخزيرة"١, وقيل: المرفة بالشحم. ذكر العلماء أنها من أصل فارسي، هو "خورديك"٢, و"الحشنكان"٣. وتقوم المرأة صاحبة البيت بالطبخ، أما إذا كانت الأسرة غنية موسرة، فتستخدم طبَّاخات للطبخ, وقد يقوم "طباخ" بذلك. وفي الولائم الكبيرة حيث يدعى عدد كبير من الناس، يصعب على الطبَّاخات الطبخ بالقدور الكبيرة؛ ولهذا يقوم الرجال بذلك. وقد استخدم أصحاب المال والثراء طباخين أعاجم لطبخ الأطعمة لهم؛ وذلك لإتقانهم عمل الطبخ, ولتفننهم فيه، ولمعرفتهم بأنواع المآكل الأعجمية التي لا يعرفها العرب. وقد ذكر أن "عبد الله بن جدعان" جاء بطباخ فارسي من العراق ليطبخ له مأكولات لا يعرفها أهل مكة وقد أعجبته، ومنها الفالوذج، وهو من مأكولات الفرس. وتستعمل القدور في طبخ الأكل, والعادة أن تكون هذه القدور من معدن؛ مثل نحاس أو حديد, ولكنها قد تصنع من الحجارة المنحوتة أو طين مشوي بالنار، أي: قدور من فخار. وتستخدم المقلاة للقلي، فيقلى فيها أو في القدر ما يراد قليه من لحم أو غير ذلك. وقد يسلق اللحم أو الخضر سلقًا، ويعبر عن ذلك في العبرانية بلفظة "سلق" كذلك, أما "المرق"، فيقال له "مرق" في العبرانية كذلك. وقد يهيأ الطعام بطريقة الشوي على النار، بأن يشوى اللحم أو السمك على النار، ويعبر عن ذلك بالشواء؛ يعلق اللحم أو السمك بعود أو أعواد أو بعمود من حديد، ثم يقرب من اللهيب أو الجمر حتى ينضج اللحم أو السمك فيرفع للأكل. وقيل للقدر: "البرمة" بلغة أهل مكة, والجمع "بِرَام". وقد وردت لفظة "قدور" في القرآن الكريم: "وجفان كالجوابي وقدور راسيات"٤ والمفرد: قدر, و"القدير" ما يطبخ في القدر, وقيل: ما طبخ من اللحم بتوابل، فإن لم يكن ذا توابل فهو طبيخ. والقدَّار: الطباخ، وقيل: الجزَّار، وقيل: الجَزَّار

стр. 5024

هو الذي يلي جزر الجزور وطبخها. قال مُهلهل: إنا لنضرب بالصوارم هامها ... ضرب القدار نقيعة القدَّام١ وعرفت البرمة بقولهم: البرمة: قدر من حجارة, والجمع: برم وبرام. وهي في الأصل المتخذة من الحجر المعروف بالحجاز واليمن٢. ويطلق على الحجارة التي تنصب عليها القدر الأثافي، واحدتها: أثفية، وعلى المسافة بين أثافي القدر التي يجتمع فيها الحجر "الرَّبعة"٣. وطعام ابن البادية طعام محدود؛ لضيق أرضه وسذاجة حياته. أما الحضر، ولا سيما أصحاب الحضارة ومن كان منهم على اتصال بالروم والفرس، فكانت أطعمتهم متعددة متنوعة، فيها تفنن ومهارة في الطبخ. وقد يبقى الأعرابي مدة لا يذوق فيها طعامًا مطبوخًا باللحم؛ لأن اللحم نادر في البادية، إلا إذا جاء ضيف فنحر له، أو وقع له صيد. ولهذا أكل بعضهم الضباء والأرانب والحيوانات الأخرى التي تقع أيديهم عليها؛ لحاجتهم إلى اللحوم، وأكلوا الجراد. والأغلب شيُّ لحوم الصيد؛ لسهولة ذلك. أما الحضر وسادات القبائل وذوو اليسار، فكانوا يطبخون. وقد وردت أسماء بعض أطعمتهم في الشعر وفي الحديث النبوي، ومنها الثريد, وهو لحم مقطع يغلى في الماء، وقد يوضع البصل معه أو مادة أخرى، وبعد نضجه يثرد خبز ويلقى اللحم والمرق عليه، فيسمى الأكل ثريدًا. وقد كان من الأكل الطيب المحبوب, وقد ذكر في كتب الحديث, ويقدم في الولائم وللضيوف. والخبز ممدوح عند العرب؛ ولذلك مدح هاشم حين هشم الخبز, والثريد عام في الأشراف، يقدمونه للناس، ويرون أكل الخبز سببًا في صفاء العقل؛ ولهذا ذكروا أن كسرى مدحه، حينما سمع حديث هوذة بن علي الحنفي معه. فلما رأى رجاحة عقل هوذة وحسن ذكائه، قال له: "ما غذاؤك ببلدك؟ قال: الخبز. فقال كسرى: هذا عقل الخبز، لا عقل اللبن والتمر. ويقال: إن عبد الله بن حبيب العنبري كان يعاف التمر، ولا يرغب في اللبن، ولا يأكل

стр. 5025

إلا الخبز، فقيل في المثل: "أقرى من آكل الخبز", وكان من الأجواد١. وفي كتاب الأغاني: أن كسرى قال كلامه المذكور المتقدم إلى غيلان بن سلمة، وهو من ثقيف، وكان قد جاء مع أبي سفيان في تجارة إلى العراق. وقد خاف أبو سفيان من الفرس ومن احتمال مصادرتهم أموال تجارتهم، فتقدم غيلان ودخل مع الداخلين إلى بلاط كسرى، وتحدث معه، فأعجب كسرى به، وأخذ يسائله حتى سرّ منه، فاشترى منه تجارته، وقال له ذلك القول المذكور، وكساه، وبعث له معه من الفرس من بنى له أُطمًا بالطائف، فكان أول أُطم بني بها"٢. وفي المآدب الكبيرة يكون "الثريد"، هو الطعام الرئيسي. ويهيأ بسلق قطع اللحم الملقاة في الماء، وقد يضاف إليه البصل والحمص، فإذا سلق اللحم ونضج وتولد منه مرق، ألقي مع مرقه على الخبز المثرود في قصع وصحاف، ليأكله المدعوّون. والثريد من الأطعمة المحببة إلى نفوس أهل مكة والحجاز, وقد قدم "أبرهة" الثريد إلى الجنود والفعلة الذين أتموا سد مأرب، وذلك يوم الاحتفال بانتهاء العمل. وقد يقابل ذلك ما يقال له "سلوق" و"سليقوت" عند العبرانيين٣. وقد أشير إلى الثريد في قصة ذهاب "هاشم بن عبد مناف" إلى بلاد الشام، والتقائه بهرقل، وتثريده لمن معه ولأهل مكة. ولازدراء العرب ممن يزرعون البقول والخضر، أحجم الناس عن زراعتها، فقلَّ وجودها في مطابخ أهل الحضر. أما أهل البادية، فإن مآكلهم تكاد تكون خلوًّا من الخضر المطبوخة؛ لندرة الخضر في البادية، ولأنها تحتاج إلى لحم، وهو نادر في البادية أيضًا. ثم إن الطبخ المعقد لا يناسب الحياة في الصحراء؛ لهذا كان المطبخ الجاهلي، مطبخًا يكاد يكون مستغنيًا عن الخضرة المطبوخة باللحوم. لا يستثنى من ذلك إلا السادة المتصلون بالروم وبالفرس وأهل اليمن، والأغنياء من أهل المدن والقرى، فقد كان في إمكانهم الحصول عليها، ومن هنا استعملوها في الطبخ، يطبخونها مع اللحم.

стр. 5026

لذا صار عماد الأكل الجاهلي والتمر واللبن والسمن والدقيق المصنوع من البر أو الشعير والشحوم والعسل، وذلك عند أهل الحضر في الغالب، والجراد والأقط. وإذا دققنا في قائمة المأكولات الجاهلية، رأينا موادها لا تتعدى هذه الأشياء، وهي تختلف باختلاف خلط هذه المواد وباختلاف مزجها وطبخها, ولكنها كلها لا تخرج عن حدود الأشياء المذكورة. ونجد في قائمة مأكولات أهل الجاهلية أكلات تقوم على استعمال الدقيق في الطبخ, من ذلك الحساء: وهو طبيخ يتخذ من دقيق وماء ودهن, وقد يحلَّى ويكون رقيقًا يحسى١. وقد يستعمل الدقيق مع الحليب، بأن يطبخ، ومن ذلك الحريرة: الحساء من الدسم والدقيق، وقيل: هو الدقيق الذي يطبخ بلبن؛ وقيل: الحريرة من الدقيق, والخزيرة من النخال٢. وقد عرفت قريش بإكثارها من أكل أكلة عرفت بـ"سخينة"، ولاكثار قريش من أكلها عيّرت بها حتى قيل لها: "سخينة". والسخينة: أكلة ارتفعت عن الحساء وثقلت عن أن تُحسى، وهي طعام يتخذ من الدقيق دون العصيدة في الرقة وفوق الحساء، وذكر أنها دقيق يلقى على ماء أو لبن فيطبخ, ثم يؤكل بتمر أو يحسى، وقيل: تعمل من دقيق وسمن. وذكر أن الناس يأكلون السخينة في شدة الدهر وغلاء السعر وعجف المال٣. ويذكر أهل الأخبار أن أول من لقب قريشًا بـ"سخينة" "خداش بن زهير"، حيث يقول: يا شدة ما شددنا غير كاذبة ... على سخينة لولا الليل والحرمُ فذهب ذلك على أفواه الناس حتى كان من التمازح به ما كان بين معاوية بن أبي سفيان وبين الأحنف بن قيس التميمي، حين قال له: ما الشيء الملفّف في البجاد؟ فقال له: السخينة يا أمير المؤمنين، أراد معاوية قول الشاعر:

стр. 5027

إذا ما مات ميت من تميم ... فسرَّك أن يعيش فجيء بزاد بخبز، أو بلحم، أو بتمر ... أو الشيء الملفف في البجاد يريد: وطب اللبن، وأراد الأحنف قول خداش بن زهير: يا شدة ما شددنا.. البيت. وحتى قال رسول الله ﷺ لكعب بن مالك الأنصاري: "أترى الله نسي قولك؟ يعني: زعمت سخينة أن سَتَغلب ربها ... وليغلبنّ مغالب الغلاب١". وورد في بعض الروايات أن البيت المتقدم هو من شعر حسان بن ثابت٢. ومن المآكل التي يأكلها أصحاب العيال إذا غلب عليهم الدهر: النفيتة، وهي الحريقة، أن يذر الدقيق على ماء أو لبن حليب حتى تنفت، ويتحسى من نفتها، وهي أغلظ من السخينة. وقد قيل عنها: حساء بين الغليظة والرقيقة٣. والحريقة اسم مرادف للنفيتة٤. ومن المآكل الحدرقة, وهي دقيق يلقى على ماء أو على لبن فيطبخ, ثم يؤكل بتمر أو يحسى وهو الحساء، فهي مثل السخينة والنفيتة والخزيرة والحريرة. وقيل: الحريرة أرق منها٥, و"النجيرة": العصيدة, وهي لبن وطحين يخلطان٦. ومنها "الصحيرة"، وهي اللبن يغلى ثم يذر عليه الدقيق, ومنها "العكيسة", وهي لبن يصب عليه الإهالة وهي الشحم المذاب. ومنها "الغريقة"، وهي حلبة تضم إلى اللبن والتمر وتقدم إلى المريض والنفساء، ومنها "الرغيدة" وهي اللبن الحليب يغلى ثم يذر عليه الدقيق حتى يختلط فيلعق٧. ومن مآكلهم: "الأصية"، وهي دقيق يعجن بلبن وتمر، ومنها "الرهية"، وهي برّ يطحن بين حجرين ويصب عليه لبن. ومنها "الوليقة" وهو طعام

стр. 5028

يتخذ من دقيق وسمن ولبن، ومنها "الخزيفة"، وهي شحمة تذاب ويصب عليها ماء يطرح عليه دقيق فيلبك به، ومنها "الرغيغة"، وهي حسو من دقيق وماء وليست في رقة السخينة، و"الربيكة"، وهي طعام يتخذ من بر وتمر وسمن. ومنها "التلبينة"، وهي حُثالة تتخذ من دقيق أو نخالة ويجعل فيها عسل. ومنها "الوشيقة"، وهي أن يُغلى اللحم ثم يرفع, و"العثيمة": طعام يطبخ ويجعل فيه جراد وهو الغشيمة" أيضا, و"البغيث" و"الغليث": الطعام المخلوط بالشعير١. و"العريقة"، وهي شيء يعمل من اللبن, و"البكيلة": السمن يخلط بالأقِط، وقيل: الدقيق يخلط بالسويق, ثم يبل بماء أو بسمن أو بزيت٢. ومن مآكلهم "الخزيرة"، وهي أن ينصب القدر بلحم يقطع صغارًا على ماء كثير، فإذا نضج ذر عليه الدقيق, فإن لم يكن لحم، فهو عصيدة. وينسب صنعها إلى سويد بن هرمي؛ ولذلك قال شاعرهم لبني مخزوم: وعلمتم أكل الحزير وأنتم ... على عدواء الدهر صم صلاب٣ وعرفت الخزيرة: أنها اللحم الغابُ يؤخذ فيقطع صغارًا في القدر, ثم يطبخ بالماء الكثير والملح، فإذا أميت طبخًا ذرَّ عليه الدقيق فعصد به, ثم أدم بأي إدام شيء، ولا تكون الخزيرة إلا وفيها لحم، فإذا لم يكن فيها لحم فهي عصيدة. وقيل: الخزيرة مرقة، وهي أن تصفى بلالة النخالة ثم تطبخ، وقيل: الخزيرة والخزير: الحساء من الدسم والدقيق, وقيل: الحساء من الدسم٤. وصنع أهل مكة طعامًا, عدَّ عندهم من رقيق العيش، هو لباب البرّ بصغار المعزى٥. وهناك أكلات أخرى بسيطة، مثل أكل تمر مع لبن، أو الزبد مع الرطب،

стр. 5029

أو خلط لبن بلبن آخر ذكر أسماءها علماء اللغة١, لا أرى حاجة إلى ذكرها؛ لعدم وجود أهمية لها وعلاقة كبيرة بهذا الموضوع. وقد استورد الحضر بعض مآكلهم من الخارج؛ لاستساغتهم واستحسانهم، فقد قيل: إن عبد الله بن جدعان سيد قريش كان قد زار العراق، ودخل قصر كسرى وأكل عنده, وكان في جملة ما أكل "الفالوذج"، فتعجب منه، وسأل عنه، فوصف له. ويقال: إنه ابتاع غلامًا يصنعه، وأخذه معه إلى مكة، وصار يأكله وأمر بوضع موائده بالأبطح إلى باب البيت؛ ليأكله الناس. وكان ممن أكله أمية بن أبي الصلت، فقال فيه شعرًا ومدح صاحبه لجوده وكرمه٢: إلى ردح من الشِّيزى عليها ... لبُاب البُرِّ يُلبكُ بالشِّهاد والردح: الجفنة العظيمة، والشيزى: خشب أسود تتخذ منه القصاع، واللباب: الخالص، والشهاد: العسل٣. وقد نسب "البرقوقي" ذلك البيت إلى "ابن الزبعرى" عبد الله, وهو من الشعراء الذين عرفوا بهجائهم للرسول وبدفاعهم عن المشركين٤. وكان عبد الله بن جُدعان من أغنى أغنياء قريش، جمع مالًا عظيمًا، ولكنه كان على خلاف عادة التجار الأغنياء كريمًا جوادًا متأنقًا ينفق على طعامه وشرابه. كسا بيته بأحسن ما كان في ذلك العهد، كانت أواني شربه من ذهب، وفيه ورد في المثل: أقرى من حاسي الذهب٥. ويقال: إن ابن جدعان هذا كان في ابتداء أمره صعلوكًا تَربَ اليدين، شريرًا فاقطًا، لا يزال يجني الجنايات فيعقل عنه أبوه وقومه، حتى أبغضته عشيرته، ونفاه أبوه، وحلف لا يُئويه أبدًا، فخرج في شعاب مكة تائهًا حائرًا، فرأى شقًّا في جبل، فدخل فيه ليستريح، وإذا به يعثر على مقبرة فيها جثث عليها

стр. 5030

ثياب قد بليت، صارت كالهباء حين لمسها، ووجد كنزًا حمله معه إلى والده ليسترضيه، فرضي عنه، ومن هناك جاء غناه١. ويقال: إنه كان نخاسًا٢. وروي أنه مذ هذا الحادث صار يطعم الناس ويفعل المعروف، وصنع له جفنة كبيرة جدًّا يأكل منها القائم والراكب لعظمها، ووضع له جفانًا في ردحة بيته ليأكل منها من يقصده. وورد أن الرسول ربما كان يحضر طعامه، وقد رأى جفنته، واستظل بها لضخامتها٣. ولمكانته هذه ولمنزلته في قومه وبين الناس، آمنت به العرب، ووثقت به، فكانت تدفع أسلحتها إليه، حتى تفرغ من التسوق من سوق عكاظ ومن الحج، فإذا أرادت الرجوع، دفع إليها أسلحتها٤. وقد عرف السكر عند الجاهليين، ويقال له: المبرت بلغة حميرة٥, ولا يستبعد صنعه في جزيرة العرب أو استيراده من الهند أو من أماكن أخرى. وقد ذكر "ديوسقوريدس" Dioscurides أن في الهند وفي اليمن مادةً تشبه الملح في المنظر، تستخرج من سائل كالعسل٦، وفي هذا الوصف ما ينطبق على السكر.

стр. 5031

حرف أخرى: ومن الحرف الحِلاقة والحجامة. ويجمع الحلاق في الغالب بين حلاقة الشعر والحجامة, ويستعمل الحلاق الموسى والمقص في الحلاقة، ويتخذ المرآة لإراءة المحلوق شعره وكيفية قصه، وكذلك يتخذ أدوات زينة وطيب لتطييب الشخص؛ إذ الحلاقة نوع من أنواع الزينة كذلك. وكانت حلاقة الرأس مختلفة، لا تجري على طريقة واحدة؛ فللقبائل عادات مختلفة في طريقة حلاقة الشعر وقصه، كما أن الأعراب يختلفون عن أهل المدن في تنظيم شعر رءوسهم وحلاقته, وهم يدهنون

стр. 5032

شعورهم ويتركونها تتدلى في الغالب، وقد يجعلونها ضفائر وجدائل تتدلى على الأكتاف. واعتماد الحجام على الموسى يشرط به جروحًا خفيفة يمص منها الدم بكأس من الزجاج توضع فوق الشرط، ثم يسحب الحجام الهواء من الفتحة الضيقة المتصلة بقناة داخل الكأس، فيخرج الدم إلى داخل الكأس, وقد كانت الحجامة من وسائل التداوي في ذلك الزمن. كذلك عد "الفصد"، وهو إخراج الدم من عرق في اليد، نوعًا من أنواع المداواة, ويقال للقائم به: "الفصاد", وقد يقوم بذلك الأطباء. واستعمل نوع من الديدان في امتصاص الدم كذلك, وذلك كنوع من أنواع المعالجات الطبية, ولا تزال هذه الطريقة معروفة عند الأعراب وأهل القرى والمدن. وقد حجم الرسولَ رجلٌ اسمه "أبو طيبة"، وأعطاه أجره عليه١, ويستعمل الفصاد المبضع في الفصد٢. وعاش بعض الناس على بيع الحطب، فكانوا يجمعونه من البادية ومن الجبال ويأتون به إلى المدن والقرى مثل مكة ويثرب فيبيعونه, يقوم بذلك "الحَطَّابة"٣. وقد نعتت امرأة أبي لهب في القرآن الكريم بـ"حمالة الحطب"؛ وذلك على سبيل الازدراء والتحقير. ويشد الحطب ويربط بحبل، ويوضع على ظهر الدابة، وقد يحمله الأشخاص لبيعه, والأغلب أن تبيع النساء العاقول والحطب. والرتم من الحطب الذي يعطي نارًا شديدة ذات لهب، يبيعه الحطابون لأهل المدن، ويقال له: "روتيم" في العبرانية. ويتخذ منه فحم، وذلك بإطفاء ناره قبل احتراقه, فيتولد من ذلك الفحم٤. ومن أنواع الحطب الأطد، وهو: "أطد" في العبرانية أيضا, والعوسج، والحدق, ويقال له "حدق" في العبرانية كذلك، والسمر، وهو "شمير" عند العبرانيين٥. وقد كان أكثر من يتعاطى الطبخ والخبازة والجزارة من العبيد. وقد تخصص

стр. 5033

بعضهم بعمل واحد من الحرفة الواحدة، مثل بيع نوع واحد من الطبيخ، فذكر أن رسول الله دعا إليه مرة عبدًا، كان يبيع الخرديق١. و"القدَّار" هو "الجزار"٢. والموقد، هو الموضع الذي توقد فيه النار، ويعرف بـ"ميقدة" عند العبرانيين٣. وقد كان عرب بلاد الشام والعراق يتخذون المواقد للاصطلاء بها في أيام الشتاء، كما يستعمله الطباخ موضعًا للطبخ، يضع القدور عليه ويشعل فيه النار. وقد عاش أناس على كراء الحمير والإبل للمحتاجين إلى ذلك، ويقال لذلك: البرطسة٤, ولمكتريها للناس: المبرطس٥. وقد احترف بعض الناس حرفة صنع الحصر والسلال والقلل والسرر. صنعوها من الخوص ومن سعف النخيل؛ لوجودها بكثرة, وصنعها بعضهم من القصب وذلك في الأماكن التي تكثر فيها المياه والرطوبة. ولا تزال هذه الحرف قائمة معروفة, وتصنع بعضها بنسج الخوص أو الألياف كما هو الحال بالنسبة إلى "الحصر": جمع حصير, المنسوج الذي يبسط في البيوت. وذكر أن الحصير: سقيفة تصنع من بردي وأسلٍ ثم تفرش٦. ويستخدم "السفط" في حفظ الأوراق والأشياء الثمينة, ويصنع من القصب والخيزران ومن الخوض أيضا، حيث يصفُّ صفًّا. و"القفة": نوع من السلال أيضًا. وتكون مختلفة الأحجام, وتستخدم في أغراض متعددة، ومنها نقل الطين، وتعرف عند أهل العراق بـ"قفة طين"، أو لنقل الأحجار, وتصنع من المعدن أو من الأغصان. وأشير إليها بـ"kophinoi" و""kophinos" "Cophinus في الأناجيل، من اليونانية حيث تسمى بـ"Kophinoi"

стр. 5034

"kophinos" واللاتينية، حيث تسمى بـ""Cophinus١. ولعل بين لفظة "قفة" والتسمية اليونانية اللاتينية صلة, ومن لفظة "kophinos" أخذت لفظة "Coffen" أي: تابوت. ويلاحظ أن بين هذه اللفظة ولفظة "كفن" العربية، صلة كبيرة كذلك٢. وذكر علماء اللغة أن القفة: الزّبيل، ويسمونها القفعة ويجعلون لها معاليق يعلقونها بها من آخرة الرحل، يلقي الراكب فيها زاده وتمره، وهي مدورة. وعرفت أنها شبه زبيل صغير من خوص يجتنى فيه الرطب وتضع فيها النساء الغزل٣. وعرف الزبيل والزنبيل بالجراب، وقيل: الوعاء يحمل فيه، والقفة٤. وأما السلة المصنوعة من الخوص، فيقال لها: "العلاقة" في العراق في الوقت الحاضر. وتكون صغيرة ومتوسطة, أما الكبيرة فيقال لها: "الكوشر" و"الزنبيل"، ويستعملهما الحمالون في حمل الأشياء للناس. وتستعمل السلال المصنوعة من الأعواد ومن أغصان الشجر الطرية في حفظ الأطعمة والمطبوخات؛ لدخول الهواء إليها، ولمنع الطيور والكلاب والقطط من الوصول إليها. وتكون مثل هذه السلال مرتفعة ذات قاعدة أصغر من الوجه العريض الذي يوضع على العرض. وقد وردت في التوراة والإنجيل وفي الكتب اليونانية واللاتينية وفي الآثار المصرية أسماء سلال صنعت في ذلك العهد, تفيدنا في تكوين فكرة عن السلال عند الجاهليين. وقد صنعت بعض تلك السلال من القصب ومن التبن ومن الخوص ومن الأعواد، وهي مختلفة في الأحجام والسعة. ففي التوراة لفظة هي: "س ل" "سل"، وهي "السلة" عندنا, والجمع: "سلال", وتصنع في بلاد العرب من الخوص أو من الأغصان الطرية, وتستعمل في نقل الخبز واللحوم والخضر والأشياء الأخرى٥.

стр. 5035

وهي مثل الكيس أحيانًا، يمكن ضمها بعضها إلى بعض وتكون لها يد تحمل بها. وهي في مقابل "الطبق" عند العراقيين, غير أن الطبق ثابت يصنع من أغصان بعض الأشجار مثل الرمان، حيث تكون لينة لا تنكسر. ويكون بأحجام متعددة؛ منه ما هو صغير الحجم، ومنه ما هو وسط, ومنه ما هو كبير يستعمل لنقل الخضر والفواكه من البساتين والحقول إلى مواضع البيع, ومنه ما يستعمله القصابون المتجولون لبيع اللحم. والسرير: المضطجع والذي يجلس عليه١. وكانت أكثر الأسرة مصنوعة من الجريد؛ وذلك لتوفر الجريد في كل أنحاء جزيرة العرب، وقلة الخشب فيها. ولبست العباءة كذلك, تلبس فوق الملابس, وقد ذكر أن رسول الله كان يلبس العباء٢. والبيطرة من الحرف المعروفة عند الجاهليين. وقد كانوا يستعملون الأدوية والكيّ في مداواة الحيوان, كما يستعملون بعض الآلات في معالجتها، مثل "المبزغ" وهو مثل مشرط الحجام٣.

стр. 5036

حرف الجلد: والدباغة حرفة مهمة اشتهرت بها أماكن متعددة من جزيرة العرب، ولا سيما بعض القرى والمدن مثل الطائف وجرش ومواضع متعددة في اليمن وفي العربية الجنوبية. وهي صناعة تقوم على أساس إصلاح الجلد وإبعاد الصوف والشعر عنه؛ للاستفادة منه في أغراض نافعة. وقد استخدم الدباغون مواد مساعدة تعين على نتف الصوف والشعر من الجلد بسهولة، وبدون أذى له أو للجلد، مثل مادة الجير أو مواد أخرى، كما استخدموا مواد تساعد على حفظ الجلد ومنعه من التلف لدبغه، مثل العفص وغيره من مواد نباتية دابغة. وقد أنف كثير من الناس من هذه الصناعة وتجنبوها؛ لما ينشأ عنها من روائح كريهة ولاستعمال

стр. 5037

الدباغين بها موادَّ تعد نجسة في نظر بعض الأديان. كما منعوا إقامة المدابغ في الأماكن المأهولة المعمورة، وحرصوا على عزلها وحصرها في الأماكن البعيدة عن أحياء السكنى, ولا سيما سكنى الطبقات المتنفذة الغنية. ويقوم الدباغون ببيع ما يدبغونه إلى التجار, وقد يحمل إلى أسواق بعيدة لاستخدامه في أغراض عديدة، كتحويله إلى قرب يخزن فيها الماء أو يحمل, أو أوعية تحفظ فيها الخمور والسمن والسويق والطيب، أو أحذية وسيور وغير ذلك من الحاجات, وقد يحوله الدباغون أنفسهم إلى هذه الأشياء المذكورة. كما تخصص أناس بحرف تحويل الجلود إلى مواد نافعة يستعملها الإنسان في حياته اليومية، كالمواد المتقدمة والدلاء وأمثال ذلك من أدوات. والقرب في ذلك الوقت مهمة جدًّا في حياة الإنسان؛ فقد كانت مخازن متحركة يخزن فيها أشياء كثيرة ضرورية. فكانت أوعية لحمل الماء في الحضر وفي السفر، كما كانت الأوعية الرئيسة لحفظ الخمور والأنبذة والزيوت والدهون والشحوم والدبس والمواد الغذائية الأخرى, يحتاج إليها الأعرابي في حله وفي ترحاله والحضري في مستقره وفي سفره. كان المصريون واليونان والرومان والعبرانيون يحفظون الخمور والأنبذة في أوعية القرب, وقد أشار إلى ذلك بعض الكتبة القدماء. ويعالج إهاب القرب معالجة خاصة ليعطي الشراب نكهة طيبة، ولئلا يتأثر الشراب من رائحة الجلد١. وذكر علماء اللغة أن "القربة": الوطب من اللبن، وقد تكون للماء، وقيل: هي المخروزة من جانب واحد٢. وأما "الجِراب" فوعاء من إهاب الشاء لا يُوعى فيه إلا يابس٣. فهو وعاء من الجلد -إذن- خُصص لحفظ الأشياء الجافة كالدقيق وما أشبه لحفظه. كما يقال لوعاء الزاد: المزود٤. وتدخل المصارين، وهي أمعاء الحيوانات المذبوحة، في جملة الأعمال التي

стр. 5038

يقوم بها الدباغون، إذ يتعهدونها بالرعاية والعناية والإصلاح، فينظفونها مما بها من أوساخ ويصلحونها ويعالجونها، ثم يبيعونها إلى التجار أو يحوِّلونها إلى مواد نافعة مفيدة، مثل اتخاذها أوتارًا لآلات موسيقية أو للأقواس لرمي السهام، أي: لأغراض حربية. وكلما كانت العناية شديدة بمعالجة هذه الأمعاء، كانت الأوتار ذات قابلية كبيرة على الشد والتوتر، وبذلك يكون مجال رمي السهام بالأقواس كبيرًا، وفائدة القوس في القتال عظيمة. وقد كان القواسون, أي: الرماة بالقوس، قوة ذات أهمية في مصير حرب ما في ذلك العهد. وتدخل الجلود في أغراض حربية كذلك؛ فقد استخدمت لحماية الجسم من ضربات السيوف ومن تساقط السهام عليه، كما استخدمت في صنع الدروع والخوذ الواقية للرأس، وفي حماية الدبابات والمنجنيقات بتغليفها بجلود ثخينة مقاومة, وتعالج بمواد خاصة تكسبها مقاومة خاصة أمام تساقط النار أو الماء الحار أو الزيوت الساخنة عليها، وقد تعمل ستائر منها يحتمي الجنود المشغلون لها تحتها من المواد المقذوفة عليهم. وهناك استعمالات أخرى للجلود أدت للجيوش خدمات كبرى في الحروب؛ فالقرب مادة ضرورية في الحرب؛ لأنها أوعية ومخازن للماء، والماء مادة ضرورية للانتصار في الحروب, والراوية وهي المزادة من ثلاثة جلود، هي مادة ضرورية في الحرب وفي غير الحرب لما تحمله من ماء١. وصنعت الدرق من الجلود، وهي الحجفة تتخذ من جلود ليس فيها خشب ولها عقب٢, ويراد بالحجفة التروس من جلود خاصة، وقيل: من جلود الإبل مقورة بلا خشب ولا عقب, وقد كانت معروفة عند الأحباش خاصة٣. ويراد بالتروس كل الأسلحة التي يتوقى المحارب بها, والتراسة صنعة التروس، وأما الصانع فهو التراس٤. وتفرغ أناس لاحتراف أنواع خاصة من أعمال الجلود، فصرف بعضهم نفسه إلى صناعة القرب والدلاء وأدوات السقي، وتخصص قوم بعمل السروج ونحوها من الأدوات التي تستعمل في الحيوان, مثل اللجام و"الرسن"، كما تخصص آخرون

стр. 5039

بصنع الأحذية. وذكر بعض العلماء أن بعض هذه الأدوات المصنوعة مثل "الرسن"١ هي من الألفاظ المعربة، وأن "الرسن" لفظة فارسية الأصل، وقد عربت في الجاهلية. وتصنع "القباب" من الأدم خاصة٢, وقد تكون كبيرة، ولكنها ذات أحجام مختلفة. ومن الأدوات المصنوعة من الجلد "الجلبان"، وهي شبه جراب من الأدم، يوضع فيه السيف مغمودًا، ويطرح فيه الراكب سوطه وأداته، ويعلقه بآخر الرحل وواسطته٣, والغرز وهو ركاب الرحل الذي تركب به الإبل، ويصنع من الجلد؛ فإذا كان من خشب أو حديد فهو ركاب٤, والسقاء وهو ظرف الماء إذا كان من جلد٥، ويكون في الغالب من جلد رقيق٦, والركوة دلو صغير يشرب فيه، ويصطحب في الأسفار٧, والكنانة وهي الجعبة التي يكون فيها النشاب٨، والقفَّاز ويعمل لليدين وقد يحشى بالقطن وتكون له أزرار يزر بها على الساعدين من البرد, وقد كان يستعمله النساء٩. وأما "الأرندج" و"اليرندج" فذكر الجواليقي أنها لفظة معربة، وأن أصلها "رندة"، وهي كلمة فارسية، ويراد بها الجلد الأسود المدبوغ بالعفص حتى يسود. وقد وردت لفظة "أرندج" في شعر منسوب إلى الأعشى١٠. وتصنع الهمايين من الجلود أيضا, وقد اشتهرت همايين عجر. واللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية١١, ويراد بالهميان الكيسُ تجعل فيه النفقة ويشد على الوسط.

стр. 5040

وتحلى الجاهليون بحلي مصنوعة من الجلد أيضا. ومن هذه الحلي الجمانة, وهي سفينة من أدم ينسج، وفيها خرز من كل لون، تتوشحه المرأة١. ويصنع الخوان من الجلد في بعض الأحيان، ويراد به ما يؤكل عليه الطعام، وهو من الألفاظ المعربة٢. وأما الصُّفن، فخريطة الراعي، يكون فيها طعامه وزاده وما يحتاج إليه, وقيل: هو مثل الركوة٣. و"العياب": هي أوعية من الأدم، ويقال للواحد منها: "عيبة"، يوضع فيها المتاع والثياب، وتطلق أيضًا على الزبيل الذي ينقل فيه الزرع المحصود إلى الجرين٤. و"الشن": الوعاء المعمول من أدم، فإذا يبس فهو شن, وفي المثل: "وافق شن طبقه"؛ يضرب لكل اثنين أو أمرين جمعتهما حالة واحدة اتصف بها كل منهما، وهناك قصص عن أصل هذا المثل٥. واستعمل النصارى واليهود "الزنار"، يشدونه في وسطهم على القميص أو الثوب أو المسوح الذي يلبسونه، ويتدلى أحد طرفيه إلى قريب من القدمين. ويصنع من الجلد أو الحرير أو القطن أو الوبر أو شعر الماعز, وقد يشد على الوسط عدة مرات. وقد يوضع فيه محل لحفظ منديل فيه، أو محبرة وحبر إذا كان صاحبه من الرهبان أو الكتاب، وقد يوضع خنجر أو سلاح حاد فيه, وهو يشبه في فائدته الحزام في الوقت الحاضر. وإذا اشتغل الفلاح أو الأعرابي أو غيرهما بعمل ما رفع الطرف الأسفل من قميصه إلى الزنار أو الحزام؛ ليسهل عليه العمل، وقد يضع في عُبّه أي: القسم الواقع فوق الزناد من جهة الصدر أشياء عديدة يحملها معه مثل خبزه وطعامه أو نقوده أو أشياء أخرى يحتاج إليها في ترحاله٦. وقد كان الجاهليون يستفيدون من جلود السمك أيضًا، يصنعون منها أشياء متعددة. فالسفن مثلًا وهو جلد الأطوم، وهي سمكة في البحر ذات جلد خشن

стр. 5041

يستخرج منه السياط والسهام، ويكون على قوائم السيوف١. واستخدم الجاهليون كذلك فراء مختلف الحيوانات في الأيام الباردة، ومن أنواع الفراء نوع يدعى "سبنجونة"، وهي من جلود الثعالب، وهي من الألفاظ المعربة٢، ونوع آخر يدعى "الفنك"، وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الفنك دابة يفترى جلدها، وذكر أيضًا أن الفنك جلد يلبس٣. ومن أنواع الفراء "المساتق" وواحدتها: "المُستُقة". وقد ورد ذكرها في كتب الحديث، حيث قيل: إن الرسول كان يلبس "مستقة"، كما ذكر أن عمر كان يصلي وعليه "مستقة". وذكر الجواليقي أنها لفظة معربة عن الفارسية، وأنها "مشتة" بالفارسية, وقيل: إنها فراء طوال الأكمام٤، وذكر أنها جبة واسعة٥. ويقوم صانع الأحذية بصنع الأحذية، مثل النعال والخف و"القفش" أو "الكفش" ويراد به الخف أو الخف القصير، واللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية٦. ومن أنواع النعال، النعال السبتية التي لا شعر لها، وتصنع من جلود البقر المدبوغة بالقرظ٧, و"السبت": كل جلد مدبوغ أو المدبوغ بالقرظ، ومنه تصنع النعال السبتية٨. ويقال للخف: "الموزج" أيضًا، وقد ذكر الاسم في كتب الحديث, وكذلك "الموق". وذكر أن "الموق: الخف الغليظ يلبس فوق الخف", وقد ذكر الجواليقي أن أصل الموزج فارسي هو "موزة" "موزجان" وأدخل الموق أيضا في باب المعربات٩, والجمع: "أمواق". ويظهر من بيت شعر لـ"النمر بن

стр. 5042

ثولب"، أن العباديين وهم نصارى الحيرة, كانوا يمشون بالأسواق١. وهناك نوع آخر من أنواع الخفاف، يقال لها "القسوبية" و"القساب"٢، و"النعل" هو لباس الرجل المستعمل عند الجاهليين وعند الساميين, وهو "نعلِم" أي "نعل" في العبرانية. ولا يزال النعل مستعملًا حتى اليوم؛ يستعمل في البيت وفي خارجه، وهو يحمي باطن القدمين من حر الأرض في الصيف ومن الحجارة والمواد المؤذية التي تكون على وجه الأرض, وقد يستعمل نعلًا من خشب، يستعمله أهل القرى وأهل المدن في البيوت. والعرب تمدح برقة النعال وتجعلها من لباس الملوك، وتقدم النعال على سائر أنواع الأحذية٣. ومن أنواع النعال: "النعال السبتية", وهي المصنوعة من الجلد المدبوغ بالقرظ, وخص بعضهم جلود البقر مدبوغة كانت أم غير مدبوغة. وقيل: نعال سبتية: لا شعر عليها، وذكر أنها نعال أهل النعمة والسعة٤. وعرفت "حضرموت" بنعالها، فقيل: "نعل حضرمي" و"الحضرمي". وعرفت بأنها النعال المخصرة التي تضيق من جانبيها، كأنها ناقصة الخصرين٥. وقد تفنن في تزيين وزخرفة الجلود, فذهَّبوها ورسموا عليها صورًا، وضغطوا عليها بآلات لإبراز بعض الصور عليها. ومن الجلود المذهبة: "المذاهب"، وهي جلود كانت تُذهَّب، تجعل فيها خطوط مذهبة، فيرى بعضها في أثر بعض، فكأنها متتابعة. وقيل: سيور تُموَّه بالذهب٦. والجلود التي يستعملها الإسكافي هي: جلود البقر والجمال والغنم والماعز, وقد تستعمل جلود الثعابين والسمك إذا كانت كبيرة سميكة، وذلك بعد إصلاحها ودبغها. ويستعمل الإسكافي والنحَّات الإزميل, وقد ذكر علماء اللغة أن الإزميل حديدة تجعل في طرف رمح الصيد لصيد البقر: بقر الوحش, والمطرقة٧, وهي من الألفاظ المعربة, وأصلها "زميلي" "Zmili" في اليونانية٨.

стр. 5043

الحياكة والنسيج والثياب: والحياكة والنسيج، من الحرف التي لا ينظر إلى صاحبها نظرة احترام وتقدير في المجتمع العربي القديم. ويقوم بالغزل النساء في الغالب, والحياكة والنسج في الحضر في الغالب. وقد ذكر أهل اللغة أسماء بعض آلات الحياكة والنسج، مثل "الحف" وهي الآلة التي تلمظ بها اللحمة أي: تلقم وتصفق ليلتقمها السدى. وقيل: الحفة: المنوال، وهو الخشبة التي يلف عليها الحائك الثوب، وقيل: الحف: المنسج١. و"الوشيعة" وهي المنسج، وهي قصبة في طرفها قرن يدخل الغزل في جوفها، وتسمى السهم, وقيل: لفيقة من غزل، وتسمى القصبة التي يجعل النساج فيها لحمة الثوب للنسج٢, و"المشيعة": ما يلف عليه الغزل٣. و"الثناية" التي يثنى عليها الثوب, و"العدل" خشبة لها أسنان، مثل أسنان المنشار، يقسم بها السدى ليعتدل, و"الصيصية" عود من طرفاء، كلما رمي بالسهم فألحمه، أقبل بالصيصة فأدبر بها، وقيل: إنها شوكة الحائك التي يسوي بها السداة واللحمة٤. و"النير" لحمة الثوب، وقيل: الخشبة المعترضة التي فيها الغزل, وقد تنسج الثياب على نيرين، ويكون بذلك أصفق وأبقى٥. و"الصنار": رأس المغزل٦, وأما "المداد" فالعصا في طرفها صنارتان يمدد

стр. 5044

بهما الثوب١. و"الكُفة" الخشبة المعترضة في أسفل السدى٢, و"الحماران" يوضعان تحتها ليرفع السدى من الأرض, و"المثلث" قصبات ثلاث, و"المبرم" و"البريم": الحبل الذي جمع بين مفتولين ففتلا حبلًا واحدًا. و"المبرم" من الثياب المفتول الغزل طاقين؛ ولذلك أطلقت اللفظة على نوع خاص من الثياب. و"الدعائم": خشبات تنصب ويمد عليها السدى, و"الشفشقة": قصبة تشق وتوضع في السدى عرضًا؛ ليتمكن به من السقي. و"الكحّمة": ما يلحم به، وأداة الحائك المنصوبة تسمى "المنوال"، وهو "النول" أيضًا٣. وأما المادة التي يغزل منها ويحاك وينسج، فهي الصوف بأنواعه، وشعر الماعز والوبر والقطن والشاش والبز والكتان والحرير. وأما التي يغزل بها، فهي "المغزل"٤, ومنه نوع بسيط يحمل باليد, وهو قديم جدًّا معروف في العصور المتقدمة قبل الإسلام، ولا يزال معروفًا ومستعملًا في الزمن الحاضر, ومنه ما هو سريع بعض السرعة. وهو على هيئة دولاب يدار بالأرض، فيكون سريعًا بالغزل بعض السرعة بالنسبة إلى اليد، ويكون مجال الغزل فيه أوسع من مجال الغزل بالمغزل اليدوي البسيط. ويلف الغزل على آلة تسمى "الهراوة"، وذلك تمهيدًا لتقديمها إلى "النساج" لنسجها٥. ويقال للمغزل: "المُردن" أيضًا, وقيل: "المردن": المغزل الذي يغزل به الردن, والردن: الغزل. وقيل: الغزل يفتل إلى قدام، وقيل: هو الغزل المنكوس، وثوب مردون: منسوج بالغزل المردون٦. والغزل هو من أعمال النساء في الغالب، فهي تمسك المغزل وتغزل به, وقد يقوم الرجال بالغزل أيضًا. وهناك أنواع من المغازل وهي متشابهة من حيث

стр. 5045

الأساس والتصميم. وقد عثر على أنواع منها في مواضع من جزيرة العرب. وفي التوراة وصف لكيفية إعداد الصوف وشعر الماعز للغزل. فقد كان على الغزَّال تنظيف الصوف والمادة المراد غزلها قبل غزلها، وذلك بنثر المادة وتنظيفها من المواد الغريبة المختلطة بها. وقد تضرب بعصا أو بآلهة خاصة، على نحو ما يفعله "النداف" في الوقت الحاضر؛ لتلطيف المادة المراد غزلها وجعلها سهلة للغزل, وقد تغسل بالماء ثم تنشف ثم تنظف. فإذا وجد أن المادة المراد غزلها صارت نقية صالحة للغزل، غزلت. وقد عثر على صور لعمال كانوا يقومون بغسل المواد قبل غزلها على نهر النيل، وقد صورت على جدران مقابر قدماء المصريين١. وأهل الجاهلية مثل من تقدم أيضًا في تنظيف الصوف وشعر الماعز والوبر والكتان وسائر المواد الأخرى المراد غزلها، كانوا ينظفونها ويمشطونها بأمشاط خاصة؛ لإخراج ما قد يعلق بها فيها من مواد غريبة، ويعالجونها معالجة خاصة, فإذا نظفت وخلصت من الشوائب، غزلت. وقد كانوا يدقون الكتان لتهترئ أليافه وتتشقق فتنفصل، ثم يمشط بالممشقة، حتى يخلص وتبقى فتاته وقشوره، ويؤخذ الكتان لغزله ونسجه. أما الفتات والقشور، فهي المشاقة، وتستعمل في حشو الخفتان وللقبس٢. ويقال لمشاقة الكتان وللخشن من ليف الكتان والقنب: "أسطبة"٣. ويظهر أنها من أصل يوناني هو ""Stippi٤. ويهيئ الفتال "السلك"، وهو الخيط, وقد يكون من حرير أو قطن أو كتان. وإذا وضع في الخيط الخرز واللؤلؤ، فيقال لذلك عندئذ: "السمط"٥. ومن اللوازم المستعملة في البيوت وفي الحياة اليومية والتجارية، الحبال، يستعملونها من لحاء الشجر في بعض الأحيان، يؤخذ فيدق ويفتل منه حبل، ويقال لذلك:
следующие страницы →