← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

يستخرج منه السياط والسهام، ويكون على قوائم السيوف١. واستخدم الجاهليون كذلك فراء مختلف الحيوانات في الأيام الباردة، ومن أنواع الفراء نوع يدعى "سبنجونة"، وهي من جلود الثعالب، وهي من الألفاظ المعربة٢، ونوع آخر يدعى "الفنك"، وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الفنك دابة يفترى جلدها، وذكر أيضًا أن الفنك جلد يلبس٣. ومن أنواع الفراء "المساتق" وواحدتها: "المُستُقة". وقد ورد ذكرها في كتب الحديث، حيث قيل: إن الرسول كان يلبس "مستقة"، كما ذكر أن عمر كان يصلي وعليه "مستقة". وذكر الجواليقي أنها لفظة معربة عن الفارسية، وأنها "مشتة" بالفارسية, وقيل: إنها فراء طوال الأكمام٤، وذكر أنها جبة واسعة٥. ويقوم صانع الأحذية بصنع الأحذية، مثل النعال والخف و"القفش" أو "الكفش" ويراد به الخف أو الخف القصير، واللفظة من الألفاظ المعربة عن الفارسية٦. ومن أنواع النعال، النعال السبتية التي لا شعر لها، وتصنع من جلود البقر المدبوغة بالقرظ٧, و"السبت": كل جلد مدبوغ أو المدبوغ بالقرظ، ومنه تصنع النعال السبتية٨. ويقال للخف: "الموزج" أيضًا، وقد ذكر الاسم في كتب الحديث, وكذلك "الموق". وذكر أن "الموق: الخف الغليظ يلبس فوق الخف", وقد ذكر الجواليقي أن أصل الموزج فارسي هو "موزة" "موزجان" وأدخل الموق أيضا في باب المعربات٩, والجمع: "أمواق". ويظهر من بيت شعر لـ"النمر بن

стр. 5042

ثولب"، أن العباديين وهم نصارى الحيرة, كانوا يمشون بالأسواق١. وهناك نوع آخر من أنواع الخفاف، يقال لها "القسوبية" و"القساب"٢، و"النعل" هو لباس الرجل المستعمل عند الجاهليين وعند الساميين, وهو "نعلِم" أي "نعل" في العبرانية. ولا يزال النعل مستعملًا حتى اليوم؛ يستعمل في البيت وفي خارجه، وهو يحمي باطن القدمين من حر الأرض في الصيف ومن الحجارة والمواد المؤذية التي تكون على وجه الأرض, وقد يستعمل نعلًا من خشب، يستعمله أهل القرى وأهل المدن في البيوت. والعرب تمدح برقة النعال وتجعلها من لباس الملوك، وتقدم النعال على سائر أنواع الأحذية٣. ومن أنواع النعال: "النعال السبتية", وهي المصنوعة من الجلد المدبوغ بالقرظ, وخص بعضهم جلود البقر مدبوغة كانت أم غير مدبوغة. وقيل: نعال سبتية: لا شعر عليها، وذكر أنها نعال أهل النعمة والسعة٤. وعرفت "حضرموت" بنعالها، فقيل: "نعل حضرمي" و"الحضرمي". وعرفت بأنها النعال المخصرة التي تضيق من جانبيها، كأنها ناقصة الخصرين٥. وقد تفنن في تزيين وزخرفة الجلود, فذهَّبوها ورسموا عليها صورًا، وضغطوا عليها بآلات لإبراز بعض الصور عليها. ومن الجلود المذهبة: "المذاهب"، وهي جلود كانت تُذهَّب، تجعل فيها خطوط مذهبة، فيرى بعضها في أثر بعض، فكأنها متتابعة. وقيل: سيور تُموَّه بالذهب٦. والجلود التي يستعملها الإسكافي هي: جلود البقر والجمال والغنم والماعز, وقد تستعمل جلود الثعابين والسمك إذا كانت كبيرة سميكة، وذلك بعد إصلاحها ودبغها. ويستعمل الإسكافي والنحَّات الإزميل, وقد ذكر علماء اللغة أن الإزميل حديدة تجعل في طرف رمح الصيد لصيد البقر: بقر الوحش, والمطرقة٧, وهي من الألفاظ المعربة, وأصلها "زميلي" "Zmili" في اليونانية٨.

стр. 5043

الحياكة والنسيج والثياب: والحياكة والنسيج، من الحرف التي لا ينظر إلى صاحبها نظرة احترام وتقدير في المجتمع العربي القديم. ويقوم بالغزل النساء في الغالب, والحياكة والنسج في الحضر في الغالب. وقد ذكر أهل اللغة أسماء بعض آلات الحياكة والنسج، مثل "الحف" وهي الآلة التي تلمظ بها اللحمة أي: تلقم وتصفق ليلتقمها السدى. وقيل: الحفة: المنوال، وهو الخشبة التي يلف عليها الحائك الثوب، وقيل: الحف: المنسج١. و"الوشيعة" وهي المنسج، وهي قصبة في طرفها قرن يدخل الغزل في جوفها، وتسمى السهم, وقيل: لفيقة من غزل، وتسمى القصبة التي يجعل النساج فيها لحمة الثوب للنسج٢, و"المشيعة": ما يلف عليه الغزل٣. و"الثناية" التي يثنى عليها الثوب, و"العدل" خشبة لها أسنان، مثل أسنان المنشار، يقسم بها السدى ليعتدل, و"الصيصية" عود من طرفاء، كلما رمي بالسهم فألحمه، أقبل بالصيصة فأدبر بها، وقيل: إنها شوكة الحائك التي يسوي بها السداة واللحمة٤. و"النير" لحمة الثوب، وقيل: الخشبة المعترضة التي فيها الغزل, وقد تنسج الثياب على نيرين، ويكون بذلك أصفق وأبقى٥. و"الصنار": رأس المغزل٦, وأما "المداد" فالعصا في طرفها صنارتان يمدد

стр. 5044

بهما الثوب١. و"الكُفة" الخشبة المعترضة في أسفل السدى٢, و"الحماران" يوضعان تحتها ليرفع السدى من الأرض, و"المثلث" قصبات ثلاث, و"المبرم" و"البريم": الحبل الذي جمع بين مفتولين ففتلا حبلًا واحدًا. و"المبرم" من الثياب المفتول الغزل طاقين؛ ولذلك أطلقت اللفظة على نوع خاص من الثياب. و"الدعائم": خشبات تنصب ويمد عليها السدى, و"الشفشقة": قصبة تشق وتوضع في السدى عرضًا؛ ليتمكن به من السقي. و"الكحّمة": ما يلحم به، وأداة الحائك المنصوبة تسمى "المنوال"، وهو "النول" أيضًا٣. وأما المادة التي يغزل منها ويحاك وينسج، فهي الصوف بأنواعه، وشعر الماعز والوبر والقطن والشاش والبز والكتان والحرير. وأما التي يغزل بها، فهي "المغزل"٤, ومنه نوع بسيط يحمل باليد, وهو قديم جدًّا معروف في العصور المتقدمة قبل الإسلام، ولا يزال معروفًا ومستعملًا في الزمن الحاضر, ومنه ما هو سريع بعض السرعة. وهو على هيئة دولاب يدار بالأرض، فيكون سريعًا بالغزل بعض السرعة بالنسبة إلى اليد، ويكون مجال الغزل فيه أوسع من مجال الغزل بالمغزل اليدوي البسيط. ويلف الغزل على آلة تسمى "الهراوة"، وذلك تمهيدًا لتقديمها إلى "النساج" لنسجها٥. ويقال للمغزل: "المُردن" أيضًا, وقيل: "المردن": المغزل الذي يغزل به الردن, والردن: الغزل. وقيل: الغزل يفتل إلى قدام، وقيل: هو الغزل المنكوس، وثوب مردون: منسوج بالغزل المردون٦. والغزل هو من أعمال النساء في الغالب، فهي تمسك المغزل وتغزل به, وقد يقوم الرجال بالغزل أيضًا. وهناك أنواع من المغازل وهي متشابهة من حيث

стр. 5045

الأساس والتصميم. وقد عثر على أنواع منها في مواضع من جزيرة العرب. وفي التوراة وصف لكيفية إعداد الصوف وشعر الماعز للغزل. فقد كان على الغزَّال تنظيف الصوف والمادة المراد غزلها قبل غزلها، وذلك بنثر المادة وتنظيفها من المواد الغريبة المختلطة بها. وقد تضرب بعصا أو بآلهة خاصة، على نحو ما يفعله "النداف" في الوقت الحاضر؛ لتلطيف المادة المراد غزلها وجعلها سهلة للغزل, وقد تغسل بالماء ثم تنشف ثم تنظف. فإذا وجد أن المادة المراد غزلها صارت نقية صالحة للغزل، غزلت. وقد عثر على صور لعمال كانوا يقومون بغسل المواد قبل غزلها على نهر النيل، وقد صورت على جدران مقابر قدماء المصريين١. وأهل الجاهلية مثل من تقدم أيضًا في تنظيف الصوف وشعر الماعز والوبر والكتان وسائر المواد الأخرى المراد غزلها، كانوا ينظفونها ويمشطونها بأمشاط خاصة؛ لإخراج ما قد يعلق بها فيها من مواد غريبة، ويعالجونها معالجة خاصة, فإذا نظفت وخلصت من الشوائب، غزلت. وقد كانوا يدقون الكتان لتهترئ أليافه وتتشقق فتنفصل، ثم يمشط بالممشقة، حتى يخلص وتبقى فتاته وقشوره، ويؤخذ الكتان لغزله ونسجه. أما الفتات والقشور، فهي المشاقة، وتستعمل في حشو الخفتان وللقبس٢. ويقال لمشاقة الكتان وللخشن من ليف الكتان والقنب: "أسطبة"٣. ويظهر أنها من أصل يوناني هو ""Stippi٤. ويهيئ الفتال "السلك"، وهو الخيط, وقد يكون من حرير أو قطن أو كتان. وإذا وضع في الخيط الخرز واللؤلؤ، فيقال لذلك عندئذ: "السمط"٥. ومن اللوازم المستعملة في البيوت وفي الحياة اليومية والتجارية، الحبال، يستعملونها من لحاء الشجر في بعض الأحيان، يؤخذ فيدق ويفتل منه حبل، ويقال لذلك:

стр. 5046

"القَرَن"١، أو من شعر الماعز, أو من الأصواف، أو من مختلف الألياف المستخرجة من النبات، أو من الخوص. أما الخيوط، فإنها أدق من الحبل، وتصنع من الكتان أو القطن أو الصوف أو الحرير، ويخيط بها. وأما "الأطنب" و"الطنب"، فإنها حبال الخيمة، تستخدم لربط الخيمة, وأما "الوتر"، فيصنع من أمعاء الحيوانات، وتوضع في الأقواس لرمي السهم، وتستخدم في الآلات الموسيقية كذلك. وتستخدم الحبال رُبُطًا يربط بها؛ يربط بها الأسرى والمساجين والحيوانات٢. والصوف مادة مهمة في صنع البسط والسجاجيد, وأكثر صوف جزيرة العرب من النوع الخشن, الذي يصلح لصنع السجاد, وتصنع منه الخيام كذلك. والمستعمل في صنع الخيام هو من شعر الماعز في الغالب, أما أصواف الأغنام، فتستعمل في الغزول والأنسجة اللطيفة التي تحتاج إلى صوف ناعم ودقيق. ولا يزال أهل البادية يصنعون خيامهم الشهيرة ذات اللون الأسود من شعر الماعز٣, وقد كان عماد العبرانيين في نسجهم على الصوف وشعر الماعز والكتان٤. وقد عرف البساط الضخم المنسوج من الوبر أو الصوف بـ"الأراخ"٥، ويقال للفسطاط: "البلق"٦. وقد اشتهرت اليمن بالغزل والنسيج، وعرفت بإنتاج بعض البرد التي اختصت بها حتى عرفت بـ"البرد اليمانية", وهي من الأنواع الغالية الثمينة التي لا يشتريها في العادة إلا المترفون والمرفهون. وقد جعل النبي في جملة ما يدفعه أهل الجزية الثياب عوضًا عن النقد, إن لم يكن في قدرة من فرضت عليه الجزية دفعها نقدًا٧, كما عرفت بصنع "الحلل" الغالية. اشتهرت بجميع أنواع الغزل والنسيج، غزل القطن والصوف والحرير، وبأنسجة الصوف والقطن والحرير. وقد كان من عادة رؤساء اليمن لبس الملابس الثمينة والحلل الغالية المصنوعة في بلادهم،

стр. 5047

كما كانوا يصدرونها إلى الخارج لبيعها في مختلف أسواق بلاد العرب وفي العراق وبلاد الشام. وعرفت دور النسيج في اللهجات العربية الجنوبية بـ"تعمت". وقد ورد في كتب اللغة: "عمت الصوف والوبر: لف بعضه على بعض مستطيلًا ومستديرًا حلقة فغزله". وورد: "يعمت الغزل"١. وقد ازدهرت صناعة غزل القطن ونسجه في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية في القرن السادس للميلاد٢, فصارت صناعة الغزل والنسيج من أهم الموارد التي يتعيش عليها عدد كبير من الشعب, والتي تكون موردًا كبيرًا من موارد الدولة. وقد كان للملوك مغازل ودور نسيج تعمل لحسابهم ولهم، وقد عرفت دور النسيج الملكية بـ"تعمت ملكن"٣، أي: "المنسج الملكي" و"دار النسيج الملكية". وهناك لفظة أخرى في المسند للموضع الذي ينسج فيه وتغزل فيه الغزول، هي لفظة: "ح ل ل ت" "حللت", ويرى "رودو كناكس" أنها "حلالة", وأما النساج، فيقال له: "أنم" في المسند٤، وهو للمفرد والجمع٥. وعندي أن المراد بـ"ح ل ل ت" "حللت": الحلة, والحلة عند علماء اللغة: إزار ورداء، بُردٌ أو غيره. وقيل: الحلل: الوشي والحبر والخز، وقيل: كل ثوب جيد جديد تلبسه غليظ أو رقيق، وقيل: كل ثوب له بطانة، وعند الأعراب من ثلاثة أثواب: القميص والإزار والرداء٦. فيراد بها الموضع الذي تعمل فيه الحلل.

стр. 5048

وقد كانت بعض الحكومات تحتكر صناعة بعض أنواع النسيج، وذلك بصنع أنواع فاخرة منه لاستعمال الملوك، أو للإنعام به على الأمراء والكبراء ورجال الدين كالذي كان في مصر, ويوسم بسمة المعمل وبشعار الحكومة أو الحاكم؛ ليكون في علم الناس أنه من صنع الحكومة. وقد تبيعه الحكومة للناس, وتعد هذه الأنواع من النسيج من أفخر ما تنتجه المناسج، ويعرض في السوق. وقد كان الملوك والكهنة والأغنياء المتأنقون بملابسهم، يرتدون أنسجة دقيقة مصنوعة صنعا خاصا بأيدٍ ماهرة متقنة لعملها، لا تصنع إلا الأنسجة الثمينة الغالية. ومن هذه الأقمشة ما كان يصنع من الكتان الخالص أو الصوف الناعم الرقيق، ومنه ما كان يصنع من الحرير الخالص أو المخلوط بمادة أخرى. وقد يقصب القماش بالذهب، يوشى به، كألبسة الملوك ورجال الدين الكبار الذين كانوا يرتدون ملابس موشاة ومطرقة في أثناء أدائهم الصلوات وإقامة الشعائر الدينية. وقد كان الملوك والكهان يستوردون الأقمشة الجيدة من أماكن أخرى اشتهرت بإتقانها وإجادتها صنع الأقمشة الجيدة، مثل بابل وبلاد الشام والهند ومصر وفارس وغيرها, لمثل هذه الأغرض١. وقد اشتهرت منسوجات اليمن في كل مكان من جزيرة العرب، بجودتها وأناقتها، وظلت محافظة على سمعتها هذه إلى الإسلام، فكان أغنياء الحجاز وغيرها من جزيرة العرب يفتخرون بحصولهم عليها ويلبسونها خاصة في أعيادهم ومواسمهم. وكانت البرد المعروفة بـ"الحبر"، وهي برد موشاة مخططة، تعد من أثمن البرد اليمانية في القرن السادس والسابع الميلاديين، ولما قدم وفد نجران على الرسول كانوا يتوشحون بها. ولما توفي الرسول، ووضع مسجًّى في ناحية من البيت، وضعت عليه الحبرة٢. ويقال للثوب الجديد الناعم: "الحبير". وذكر أيضا أن الحبير البرد الموشى المخطط، وأن الحبرة ضرب من برود اليمن منمر، وبائعها حبري لا حبار٣. وتعد "ثياب الحبرة" من الثياب الغالية الجيدة التي يلبسها الأغنياء والسادات،

стр. 5049

فلما قدم وفد نجران على النبي بالمدينة "فدخلوا المسجد عليهم ثياب الحبرة، وأردية مكفوفة بالحرير"١. واشتهرت اليمن بـ"المراجل"، وهي ضرب من البرود٢. وذكر بعض علماء اللغة أن البرد المُرجل، فيه صور كصور الرجال, وورد: ثوب مرجل بمعنى معلم٣، وبرد مرحل أي: برد فيه تصاوير رحل, على تفسير بعض علماء اللغة. وورد المرحلات يعني المرط المرحلة، وهي الموشاة، وقد أشير إليها في كتب الحديث٤. و"القيصران" وهو ضرب من الثياب الموشاة٥, والعصب ضرب آخر من البرود اليمانية يعصب غزله ثم يصبغ ثم يحاك وينسج، فيأتي موشى لبقاء ما عصب فيه أبيض لم يأخذه صبغ. وقيل: هي برود مخططة٦, ويقال: ثوب مبرج, إذا كان ثوبًا ذا تصاوير٧. وقد عرفت "البُرد"، أنها أكسية يلتحف بها، وقيل: إذا جعل الصوف شقة وله هدب. وقيل: البرد من برود العصب والوشي، وأما البردة، فكساء مربع أسود فيه صغر تلبسه الأعراب، وإن البرد ثوب فيه خطوط وخص بعضهم به الوشي٨. واشتهر بلد المعافر بنوع من البرد والثياب، حتى قيل له: برد معافري وثوب معافري٩. وأما "الشرعبية" فضرب من البرود١٠, وذكر أنها من الثياب الحارية, وإليها أشير في شعر امرئ القيس: فلما دخلناها أضفنا ظهورنا ... إلى كل حاري حديد مشطب١١

стр. 5050

وعرفت "صنعاء" بوشيها وبأنواع أخرى من النسيج١. وعرفت اليمن بنوع من البرود سمي "عَصْبًا" لأن غزله يعصب، أي: يدرج، ثم يصبغ. وذكر أنها خاصة باليمن؛ لأنها تصبغ بالعصب, ولا ينبت العصب والورس إلا باليمن٢. وقيل: العصب برود مخططة، اشتهرت بها اليمن٣. والمسندة والمسندية وأثواب سند: نوع من البرود اليمانية٤. والثياب القدمية منسوبة إلى موضع باليمن٥. وثوب "أكباس" "أكباش" من برود اليمن٦. وهناك ضرب من البرود قيل له: "القطرية" والمفرد: "قطري". وكان الرسول متوشحًا بثوب قطري, كما كان على عائشة درع قطري ثمنه خمسة دراهم، وذكر أن البرود القطرية حُمر لها أعلام فيها بعض الخشونة، وأنها تأتي من "قطر" بسيف البحرين٧. وعرفت الأنسجة اليمانية المصنوعة من الكتان في كل مكان من جزيرة العرب, وقد كانت لباس الأغنياء والوجهاء. وتعطي أنسجة الكتان برودة خاصة في الصيف؛ ولهذا كانت رائجة في كل مكان. وقد كانت مصر ذات شهرة خاصة في تصدير أنسجة الكتان، فقد كان كتانها لطيفًا ناعمًا؛ ولهذا بيع بثمن مرتفع. وذكر علماء العربية أن الكتان لفظة عربية النجار، سمي بذلك لأنه يُخيس ويلقى بعضه على بعض حتى يكتن٨. و"البرجد"، كناية عن كساء ضخم مخطط, وقد ذكر في شعر طرفة٩. وذكر أنه كساء من صوف أحمر١٠. والعباءة، هي مقابل "س م ل هـ" "سملة" "شملة" عند العبرانيين

стр. 5051

و"Himation" عند اليونان١، وتلبس فوق الألبسة. ويكون بعضها ثقيلًا يصنع من الوبر أو الصوف، ويستعمل في الشتاء خاصة وفي الأوقات الباردة، وبعضها خفيفًا، يصنع من الصوف أو من شعر الماعز, وتستعمل في الأوقات التي لا يكون فيها البرد شديدا وفي أيام الصيف. وقد يستلقى عليها الإنسان، فتكون بمثابة فراش له. وقد تصنع العباءة من قطعتين من القماش، وقد تصنع من قطعة واحدة, وهي أحسنها وأغلاها. وتكون عباءة الأغنياء والرؤساء من قماش جيد منسوج نسجا خاصا, محلاة في الغالب من ناحية العنق والصدر والجهة العليا من اليدين بخيوط من الحرير أو الذهب يروفها "الروَّاف"، بأشكال متعددة, فيختلف سعرها لذلك باختلاف الجهد الذي بذله الرواف في تطريزها وفي زخرفتها. وتصنع أحسن العباءات من الوبر٢, وقد تفنن فيها، وتخصصت بعض الأماكن بنسجها. ولا تزال هذه الصناعة باقية تدرُّ على أصحابها ربحًا يتعيشون منه، كما تصنع من أوبار الجمال أشياء أخرى عديدة. على أن القرن العشرين قد علّم سكان الجزيرة تصدير الوبر إلى الخارج, إلى المعامل الحديثة لاستعماله مع الأصواف في صناعة الغزل والنسيج. والشملة: كساء دون القطيفة يشتمل به كالمشمل. والمشملة عند العرب مئزر من صوف أو شعر يؤتزر به، فإذا لفق لفقين، فهي مشملة يشتمل بها الرجل إذا نام بالليل. وقيل: المشملة والمشمل: كساء له خمل متفرق يلتحف به دون القطيفة, واشتمل الثوبَ: أداره على جسده كله حتى لا تخرج منه يده٣. وقد ذكر أن الجاهليين كانوا يستوردون الجبب والأردية والأقمصة والأقمشة من بلاد العرب والشام، وكانت غالية الثمن وذات قيمة عندهم؛ لحسن صنعتها وإتقان قماشها. وقد كانت للرسول جبة من صنع بلاد الشام٤، وكان له طيلسان مدبج، أي: منقوش الأطراف بالديباج٥. وفي جملة ما استورد من مصر من ألبسة

стр. 5052

وثياب، القباطي وهي ثياب بيض دقيقة رقيقة تتخذ بمصر١, والقسيّ وهي ثياب منسوجة من كتان وإبريسم مضلعة، تصدر من مصر، من قرية تسمى القسي فنسبت إليها. وقد بقيت مصر تصدر القباطي حتى في الإسلام. وذكر علماء اللغة أن القباطي والثياب القبطية منسوبة إلى القبط، أهل مصر الخلص من ولد القبط بن حام بن نوح على رأي بعض النسابين، أو من ولد قبط بن مصر بن فوط بن حام على رأي فريق آخر. وذكر أن لفظة قبطية وردت في شعر لزهير, هو هذا البيت: لِياح كأن بالأتحمية مسبع ... إزارًا وفي قبطية متجلبب٢ وورد ذكرها في بيت شعر آخر ينسب له أيضًا, هو٣: ليأتينك مني منطق قذع ... باق، كما دنس القبطية الودكُ وقد ورد ذكرها في كتب الحديث، فقد ذكر أن الرسول كسا "أسامة" قبطية٤. وأشير إلى ثياب بيض قيل لها: "القبطرى". وزعم بعض علماء اللغة أن في الكلمة غلطًا، وأن الراء زائدة٥. وعرفت بعض الثياب بـ"الأنماط"، جمع: "نمط"، وهي الثياب المصبغة, وفي حديث "ابن عمر" أنه كان يجلل بدنه بالأنماط. وذكر أن الأنماط ضرب من البسط, له خمل رقيق٦.

стр. 5053

ويقال للنمط الزوج كذلك, وقيل: الزوج: الديباج واللون١. وأما السبج، فالسبجة درع عرض بدنه عظمة الذراع، وله كُمّ صغير نحو الشبر، تلبسه ربات البيوت. وقيل: هي بردة من صوف فيها سواد وبياض, وقيل: ثوب له جيب ولا كمَّين له، يلبسه الطيَّانون. وقيل: هي مدرعة كمها من غيرها, وقيل: كساء أسود، أو القميص. وهي لفظة معربة أصلها بالفارسية "شبي", وذكر أن "السباج" ثياب من جلود٢. وقد كانت بعض الثياب المستوردة من بلاد الشام ومصر ومن الأرضين التي تسودها أكثرية نصرانية -ترد وعليها صلبان منسوجة. فلما جاء الإسلام، وأمر بطمس الصلبان، وكان الرسول إذا رأى الصليب في ثوب قضبه وقطع موضعه أو نقشه٣. وإذا كان الحرير المعروف بـ"الخسرواني"، معروفًا حقًّا عند الجاهليين، فإنه يدل على أنه كان مستوردًا من العراق، بدلالة اسمه عليه. ويذكر علماء اللغة أنه منسوب إلى الأكاسرة، وأنه حرير رقيق حسن الصنعة٤. ولفظة "حرير" من الألفاظ المستعملة في العربية، غير أن من الصعب تعيين أصلها. وقد ذكر "سترابون" أن اليونان أخذوا الحرير من الهنود؛ ولذلك أطلقوا عليه لفظة أخذوها من اسم أحد الشعوب الهندية, أما العبرانيون فقد أطلقوا عليه لفظة "مسى"٥. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن لفظة "سريقوم" "Sericum" الواردة في النصوص الكلاسيكية تعني الحرير الخام, ووردت في العبرانية لفظة "دمشق" "Demeshek"، يرى بعض العلماء أنها تعني حريرًا دمشقيًّا،

стр. 5054

أي: معمولًا بدمشق. وذهب آخرون إلى أن اللفظة محرفة من لفظة "دمقس" الواردة في العربية, ويراد بها نوع من الحرير أو الحرير الخام١. والديباج من الثياب المعمولة من الحرير, واللفظة من الألفاظ الفارسية المعربة٢. ومن الثياب والأقمشة التي تحمل اسمًا معربًا "الدخدار", وهو كما يقول "الجواليقي" "تخت دار" بالفارسية. وذكر أنه ورد في هذا البيت المنسوب إلى عدي بن زيد العبادي: تلوح المشرفية في ذراه ... ويجلو صفح دخدار قشيب٣ وأشير إلى "الديباجة" في شعر "حسان بن ثابت"، ويراد بها الثياب المتخذة من الإبريسم٤. وقد وردت في القرآن الكريم لفظة "سندس"، وذهب العلماء إلى أن المراد بها رقيق الديباج. وذكر بعضهم أنه ضرب من "البزيون" يتخذ من المرعزاء، واللفظة من الألفاظ المعربة٥. وأما الإستبرق، فإنه ما خشن من الديباج على رأي بعض العلماء, وأصله من الفارسية، فهو من المعربات٦. وكان الأغنياء وسادات القبائل يلبسون الألبسة المنسوجة من الحرير، وهي ثمينة غالية، يستوردونها من الخارج، وينسج بعض منها في اليمن. وقد نهى

стр. 5055

الإسلام عن لبس الحرير؛ لما في ذلك من ترف يميت الرجولة, ومن تشبُّه بمترفي العجم، ومن تأثير يتركه استعماله في نفوس الفقراء. ومن أنواع الثياب الجيدة المصنوعة من القز الأبيض "الدمقس"، وهو ناعم, وذكر علماء اللغة أن اللفظة من الألفاظ المعربة القديمة الواردة في شعر لامرئ القيس١. ويرى بعض الباحثين أن الدمقس تحريف "مدقس" وهو الحرير الأبيض، وأن أصلها يوناني هو: ""Metaxa٢. ويعرف الحرير الجيد بالسَّرق، وقيل: السرق: شقق الحرير أو الأبيض أو الحرير عامة. وذهب بعض العلماء إلى أنها من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وأن أصلها سَرَه أي: جيد. وقد ورد في الحديث: "إنك في سرقة من حرير"، أي: قطعة من جيد الحرير٣. ويقال للسرق: "سريكون" "Sirikon" "Sericum" في اليونانية٤, ويراد بها الحرير عامة, ومن هذا الأصل جاءت لفظة "السرق" على ما أرى. ويعرف الحرير بـ"مشى" و"دمشق" في العبرانية, وقد ذهب بعض علماء التوراة أن للفظة "دمشق" صلة بدمشق الموضع المعروف, ودمشق من المواضع المشهورة منذ القديم بنسج الحرير. وذهب آخرون أنها من أصل "دمقس"، تحرف فصار "دمشق" ولا علاقة لها بدمشق, وأما لفظة "حرير"، فتعرف بـ"Sericum" عند اليونان واللاتين كما ذكرت. أما لفظة "حرير" المستعملة في العربية، فإن من الصعب تعيين أصلها والوقت الذي ظهرت فيه٥. والخز: ثياب تنسج من صوف وإبريسم، وقيل: إنه الثياب المعمولة من

стр. 5056

الإبريسم١, وقيل: إنه الحرير٢. وذكر علماء اللغة أن "اللاذ" ثياب من حرير تنسج بالصين، وأن "الإضريج" الخز الأصفر، وأن المطرف ثوب مربع من خزّ له أعلام٣. وربما كان "الديبوذ" و"الديابوذ" من الثياب التي وصلت إلى الحجاز, من الاتصال التجاري بالعراق. واللفظة من المعربات؛ ذكر الجواليقي أنها من الألفاظ الفارسية الأصل، وأن المراد بها ثوب ذو نيرين، وأورد شعرًا للأعشى جاءت فيه هذه اللفظة٤. وقد وردت في القرآن الكريم لفظة "سرابيل" جمع: "سربل". وذكر علماء اللغة أن "السربال" القميص من أي جنس كان٥, ووردت السربال في شعر منسوب إلى الأعشى: مقلص أسفل السربال معتمر٦ وفي هذا المعنى لفظة "سروال" والجمع: "سراويل", والسربال هو "سربالين" "س ر ب ل ي ن" في العبرانية٧. وهو أيضا "السروال" في العربية و"الشروال" من أصل فارسي. وقريب من السربال والسروال "اللباس" الطويل المستعمل عند أهل القرى والفلاحين وبين كثير من أهل المدن في الوقت الحاضر, يشد عند

стр. 5057

الخصر ثم يعرض وينتهي بفتحتين ضيقتين لدخول الرجلين منهما. ولا زال "الشروال" مستعملًا بين الإيرانيين والأكراد وفي بلاد الشام, وقد ذكر علماء اللغة أن السروال لفظة معربة من أصل فارسي. وورد في حديث أبي هريرة: "أنه كره السراويل المخرفجة" أي: "الواسعة الطويلة"١, وقد اشتهر الفرس بلبس السراويل. والظاهر أن الرسول كره السراويل الواسعة الطويلة؛ لأنها كانت من سنة الأعاجم, فأراد عدم التشبه بهم. وأما القميص، فقد يقال له: "الدرع" والسربال٢. وأما "القز" "القهز"، فهما ثياب صوف كالمرعزي وربما خالطها الحرير٣. وأما "الزازفية"، فثياب بيض من كتان٤. وأما "الخنف" فما غلظ من الثياب٥. ومن الأكسية "الجودياء"، وقد ذكر بعض علماء اللغة أنها لفظة معربة عن أصل فارسي أو نبطي، وذكروا أن الأعشى تصرف بها في شعره فجعلها "أجياد"٦. وهناك نوع من أنواع القمصان أو البرد المنسوجة من الصوف فيها سواد وبياض, يقال لها: "سبيج" "السبيج" و"السبجة" و"السبيجة". وقد ذكر الجواليقي أنها من الألفاظ المعربة٧. والطيلسان من الألفاظ المعربة، ويراد بها: ثوب يلبس على الكتف، أو ثوب يحيط بالبدن ينسج للبس، خالٍ من التفصيل والخياطة. وذكر أيضا أنه كساء مدور أخضر, لا أسفل له، لحمته أو سداه من صوف٨. وقد اشتهرت

стр. 5058

الفرس بلبسه، ويسمى عندهم بـ"تالسان"، حتى استعمل العرب جملة: "يابن الطيلسان" أي: يابن الأعجمي في الشتم، وذلك من تطلسهم به١. والساج: الطيلسان الضخم الغليظ، وقيل: هو الطيلسان المقوَّر ينسج كذلك، وقيل: هو طيلسان أخضر. وفي حديث ابن عباس، أن النبي، كان يلبس في الحرب من القلانس ما يكون من السيجان الخضر، جمع: ساج، وهو الطيلسان الأخضر، وذكر "ابن الأعرابي" السيجان: الطيالسة السود٢. و"الشوذر" من الألفاظ المعربة القديمة على رأي بعض العلماء، ويراد بها الملحفة والإزار٣. وقد اشتهرت اليمن بصنع الأزر، واشتهرت بهذه الصناعة مواضع أخرى. وقد كان العراق يصدر الأزر إلى جزيرة العرب, واشتهرت أزره عند العبرانيين, فأطلقوا عليها "أزرت شنعار" "أزرت شنعر"، أي: "أزر شنعار", ويريدون بشنعار ما يقال له أرض بابل. وهو من نسيج جيد مبروم, وقد عرفت بـ"لُبلتي برمة" "Lubulti birme"، وعرف النساج الذي اختص بهذا النوع من الأزر بـ"أشبر برمي" ""Ushbar Birmi٤. و"القهز" و"القهزى": ثياب بيض يخلطها حرير, وهي من الألفاظ المعربة. وذكر بعض علماء اللغة أن الأصل الفارسي هو "كهزانة"٥. والخميصة: ثوب أسود معلم من خز أو صوف, وأما الأنبجانية فكساء له خمل، وقيل: الغليظ من الصوف. والفروج: القباء له فرج من وراء أو من أمام, وأما المِرط فالكساء يُتغطَّى به٦. ومن أنواع الثياب "القباء", وقد ذكر بعض العلماء أن اللفظة فارسية الأصل معربة٧.

стр. 5059

و"النرمق": ثياب لينة بيض، وهي من الألفاظ المعربة عن الفارسية، وأصلها "نرمة"١. وأما "النمرق" و"النمرقة"، فالوسادة أو الميثرة والطنفسة٢. ولاحتياج الإنسان إلى الملابس في كل زمن، كانت حرفة الغزل والحياكة يحترفها كثير من الناس وتعيش عليها أسر عديدة. ويمكن عدها من أهم الحرف في ذلك العهد، وعد العمال المشتغلين بها أكثر من عمال الحرف الأخرى عددًا, ولم يكن المتعاطون لهذه الحرف هم أصحاب معامل النسيج، ولكن أصحابها الأغنياء والمتمولون. أما المشتغلون بها, فعمال يشتغلون فيها بأجر يتقاضونه، ومنهم من كان رقيقًا مملوكًا يعمل لحساب سيده ومالكه، في مقابل قيامه بأوده, والقليل من العمال من كان يملك مصانع نسيج، تعمل له وتدرُّ الربح عليه. بل كان الملوك يشاركون الشعب في امتلاك دور النسيج وينافسونهم في الإنتاج. وفي نصوص المسند إشارات عديدة إلى دور الحياكة والنسيج الملكية، وإلى إنتاجها واشتغالها, ولا يستبعد احتكارهم لها أو احتكار صناعة بعض الأنواع من النسيج وبيع الأقمشة, وقد علمنا في الجزء السابق من هذا الكتاب أن البطالمة كانوا قد احتكروا بيع أنواع معينة من النسيج وصناعتها. وقد ظل احتكار حكومات مصر لأنواع معينة من النسيج معروفًا إلى الإسلام، تنسجها في معاملها ولا تسمح للأهلين بإنتاجها، كما فعل ذلك غير المصريين أيضًا. فصناعة النسيج صناعة مهمة ذات أرباح وفوائد، وهي من أهم الصناعات في المجتمع. ولأرباحها هذه ولكونها موردًا مهمًّا، فكرت بعض الدول في احتكارها؛ للحصول على أرباحها، كما تفعل الدول في الزمن الحاضر في احتكار بعض الصناعات والمناجم وبعض المصالح العامة مثل: سكك الحديد أو التليفون والبرق وغير ذلك؛ لتكون موردًا يموِّن الدولة بالمال. ومن أسماء القطن "الطوط"، وقيل: الطوط: قطن البردي. وورد في شعر لأمية بن أبي الصلت: والطوط نزرعه أغن جراؤه ... فيه اللباس لكل حول يعضد٣

стр. 5060

ولم يقتصر عمل الحائك على حياكة الأقمشة ونسجها وحدها، بل شمل عمله كل شيء يحاك، مثل: البسط والطنافس والسجاجيد و"الدرانك" التي هي نحو من الطنافس والبسط, ويذكر علماء اللغة أن اللفظة من المعربات. وذكر بعض العلماء أن "الدرنوك" و"الدرموك" ضرب من الستور والفرش، يكون فيها الصفرة والخضرة، وقال بعض آخر: إنه ضرب من الثياب له خمل قصير كخمل المناديل، وبه شبه فروة البعير, وورد أنه الطنفسة والبسط ذات الحمل, وقد تكون كبيرة تفرش البيت١. والأنماط، وهي ضرب من البسط٢، وضرب من الثياب المصبغة، وثياب من صوف تطرح على الهودج٣, والنساجة وهي ضرب من الملاحف المنسوجة٤. والقطيفة وهي دثار مخمل, وقيل: هي كساء مربع غليظ له خمل ووبر٥, والوسادة وهي المخدة٦. والنمرقة وهي الوسادة، وقيل: الصغيرة منها، أو هي الميثرة، وتوضع على الرحل كالمرفقة، غير أن مؤخرها أعظم من مقدمها, ولها أربعة سيور تشد بآخرة الرحل٧. وهناك حرفة أخرى لها علاقة بالنساجة والحياكة، هي الخياطة٨. وحرفة الخياط تحويل الأقمشة إلى كسوة، وصنع الثياب والعمائم بتفصيل القماش وقصه ثم خياطته على وفق القياس المطلوب. وهي حرفة تروج في المدن, أما في البادية، فتقوم المرأة بعمل الضروريات، ويلتجئ الرجال إلى القرى والمدن في شراء ما يحتاجون إليه من ثياب. ونجد بين أسماء الثياب ما هو معرب، مما يدل على أنه منقول مستورد، وأن الخياطين الجاهليين قد رأوه فقلدوا صنعه. كذلك نجد بين أسماء أجزاء الثوب أسماء معربة. فذكر علماء اللغة أن "الدخريص" و"التخريص" من المصطلحات المعربة، وأن أصلها فارسي، وهي تعني "البنيقة" و"اللبنة". وقد وردت "الدخارص" في شعر منسوب إلى الأعشى٩.

стр. 5061

ويعبر عن "الخياط" بلفظة "درز"، و"بنو درز" الخيَّاطون والحاكة١. و"الخِياط": الإبرة٢, والإبرة: هي التي يخاط بها، وذلك بإدخال الخيط في سمّها, أي: في ثقب الإبرة، وتخييط ما يراد تخييطه بها, والخياطة صناعة الخائط٣. ويقال للذي يسوي الإبر: الأبَّار٤, و"السم": الثقب، ومنه "سم الخياط"، أي: سم الإبرة٥. ومن أسماء الخياط: "القراريّ". قال الأعشى: يشق الأمور ويجتابها ... كشق القراري ثوب الردن٦ ويعبر عن خياطة الخياط الثوب خياطة متباعدة بـ"شمج" و"شمرج"، وذلك بأن يباعد بين الغرز. و"الشمرج": الرقيق من الثياب وغيرها٧. ويعبر عن الخيط بلفظة "السلك" و"السلكة"٨. والثوب: اللباس٩، وهو ما يلبس١٠؛ ولذلك فهما من الكلمات العامة التي تطلق على أشياء عديدة. وقد اشتهرت بعض الثياب بكونها ثيابًا رقاقًا، منها "السبوب" والسب: الشقة البيضاء، وكذلك الخمار. و"الشف"، وهو الثوب الرقيق، و"اللهلة" و"النهنة": الثوب الرقيق النسج, وثوب هلهل وهلهال: رقيق النسج، وهو المتدارك النسج١١. والمواد التي يستعين بها الخياط في صنع الثياب والأكسية هي الأنسجة المصنوعة من القطن أو الحرير أو الكتان أو الأصواف أو الشاش أو البز أو الكرباس.

стр. 5062

ولفظة "قطن" من الألفاظ التي يصعب تعيين أصلها, وقد ذهب كثير من الباحثين إلى أنها من أصل هندي. وفي التوراة لفظة "كربس" "Karpas"، أي: الكرباس، فسرها علماء التوراة بمعنى "قطن", ولفظة "كرباس" معروفة في العربية, وهي من الألفاظ المعربة المعروفة عند الجاهليين, وترد في لغة بني إرم وفي العبرانية واليونانية واللاتينية. وقد ذهب بعض العلماء أنها من أصل سنسكريتي وأنها تعني شجرة القطن, وقد ذكرت اللفظة في تأريخ "هيرودوتس"، وعرفها اليونان الذين كانوا في حملة الإسكندر الكبير, ودعوها "Carbasus" و"Carbasina". وقد أشار إلى القطن "هيرودوتس" و"سترابو" وصاحب مؤلف "Periplus maris Erythr" و"لوقان" "Lucan" و"Quintus Curtius" وأشاروا إلى صلتها بالهند١. واللفظة من الألفاظ الواردة في الفارسية أيضًا, وذهب علماء العربية إلى أن الكرباس ثوب من القطن الأبيض, معرب عن الفارسية٢. وفي حديث عمر: "وعليه قميص من كرابيس" جمع: كرباس, وهو القطن٣. ومن أسماء القطن الخرفع والخرنع, وذكر أن "الطوط" هو قطن البردي٤. والبز عند علماء العربية: الثياب، وقيل: ضرب من الثياب، وقيل: البز من الثياب: أمتعة البزاز، والبزاز: بائع البَز وحرفته البزازة, والبِزَّة: الهيئة والشارة واللبسة٥, وذكر أن "البز" ضرب من برود اليمن٦. واللباس والألبسة والملبس: كل ما يلبس٧, والكسوة: اللباس أيضا, والكساء: واحد الأكسية٨. وقد عرفت لفظة الكسوة في العربيات الجنوبية كذلك؛ إذ وردت في بعض النصوص: "كسوت" "كشوا" "كشوي"٩. وذكر علماء العربية أن الكساء الذي لا بطانة له، يقال له: "كساء سمط"١٠.

стр. 5063

وفي العبرانية لفظة "بجد" وتقابل "بجاد" و"بجد" في العربية، وتعني: اللباس عامة من دون تمييز. أما لفظة "لبوش"، فهي من أصل "لبس"، وهي في معنى "لبوس" و"لبس" في العربية١, والبجاد عند العبرانيين من الألبسة التي تستعملها الطبقات الراقية٢. وذكر علماء العربية أن البجاد: كساء مخطط من أكسية الأعراب, وقيل: إذا غزل الصوف بسرة ونسج بالصيصة، فهو بجاد. ويقال للشقة من البجد: قليح وجمعه "قلح", وقيل: البجاد: الكساء٣, وقيل: إنه من وبر الإبل وصوف الغنم مخيطة٤. ومن أنواع الأكسية "المشملة": كساء يشتمل به دون القطيفة, وذكر المشمل: كساء له خمل متفرق يلتحف به دون القطيفة. وورد في الحديث: "ولا تشتمل اشتمال اليهود"، وهو افتعال من الشملة، وهو كساء يتغطى به ويتلفف فيه، والمنهي عنه هو التجلل بالثوب وإسباله من غير أن يعرف طرفه٥. وهو "سملة" "simlah" و"salmah" عند العبرانيين. و"البرنس": كل ثوب رأسه منه ملتزق به دُرَّاعة كان أو ممطرًا أو جُبّة, وذكر أن "البرنس" قلنسوة طويلة، وكان النساك يلبسونها في صدر الإسلام. وهو من "البرس"، القطن٦, وعرف بهذه التسمية أيضا عند العبرانيين٧. والملاءة: الريطة، وهي الملحفة والإزار٨. وذكر أن الريطة: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن لفقين، وقيل: الريطة: كل ملاءة غير ذات لفقين كلها نسج واحد، وقيل: هو كل ثوب لين دقيق, والرائطة: المنديل٩.

стр. 5064

والإزار: الملحفة، والمئزرة: الإزار١, والرداء: الذي يلبس، والجمع: أردية٢. وذكر أن المئزر من الصوف أو الشعر يؤتزر به، فإذا أنفق فهو "شملة" يشتمل بها الرجل إذا نام بالليل٣. والردن: الكُمّ, يقال: قميص واسع الردن. وذكر أن الردن مقدم كمّ القميص، وقيل: هو أسفله، وقيل: هو الكم كله٤. ويصنع الخياط الهمايين جمع: "الهميان"، ويراد به الحزام وبه كيس تجعل فيه النفقة ويشد على الوسط. وقد يصنع من الجلود أيضًا، وهو من الألفاظ المعربة من الفارسية٥. أما "الكيس"، فهو لحفظ ولخزن ولحمل الأشياء, ويعرف بـ"كيس" في العبرانية كذلك، وقد يصنع من الجلد. وأما "الخريطة"، فإنها "خريط" في العبرانية, وتحفظ فيها الأشياء الثمينة، وقد تحلى وتزخرف. وأما "الصرة"، وهي "صرور" في العبرانية؛ فلصر الأشياء٦. ولا تزال هذه الأسماء مستعملة معروفة. والجاهليون مثل عرب الإسلام في اختلاف ملابسهم، فقد كان ملابسهم تختلف باختلاف منازلهم ودرجاتهم. فللشرفاء والوجهاء أهل المدن والقرى لبس خاص يميزهم عن الطبقات الدنيا من الناس, وللتجار لبس خاص بهم. أما الأعراب، فكانوا يتميزون أيضًا بطريقة لبسهم عن أهل المدن والقرى, ثم إنهم عمومًا كانوا يختلفون في ألبستهم باختلاف أمكنتهم وبحسب درجة اتصالهم واختلاطهم بالأعاجم. فقد كان عرب العراق قد تأثروا بألبسة الفرس وبألبسة بني إرم، فأخذوا منهم, وتأثر عرب بلاد الشام بالروم، فأخذوا منهم بعض ملابسهم،

стр. 5065

حتى أسماءها، احتفظوا بها، وقد حفظتها لنا كتب الإسلاميين, وبعضها لا تزال حية نستعملها هذا اليوم. ولا تختلف ألبسة الرأس المعروفة عند الجاهليين عن ألبسة الرأس المستعملة بين الأعراب وفي قرى جزيرة العرب, فقد اقتضت طبيعة الصحراء أن يحمي الجاهلي رأسه بألبسة واقية تقيه من أذى أشعة الشمس المحرقة, ومن الرمال التي تذرها العواصف في العيون وفي الأنوف. فأوجد لنفسه ألبسة رأس مناسبة له ولبساطة حياته, فستر رأسه بقطعة قماش مربعة الشكل في الغالب، تمتد على أطرافه ليتلثم بها وقت ظهور العواصف وارتفاع الرمال، أو وقت ظهور السموم، فيحمي نفسه منها ومن العطش، كما يحمي مؤخر رأسه من أشعة الشمس، ولتحميه من البرد في الشتاء كذلك. ويضع فوق هذه القطعة عقالًا، يصنع من الصوف أو من شعر الماعز أو الوبر؛ ليمسك قطعة القماش فلا تسقط. وتعرف قطعة القماش هذه بالكوفية وبـ"الكفية" في الوقت الحاضر، ويقال لها وللعقال: "الكفية والعقال" و"الكوفية والعقال" في اصطلاح المحدثين. أما عرب بلاد الشام، فقد كانوا يضعون لبادًا فوق رأسهم, مصنوعًا من مادة مضغوطة من الصوف أو الوبر، يشبه ما يسمى بـ"العرقجين" في العراق "العرقية"، يلف حوله بقماش مختلف الألوان، قد يمتد أحد طرفيه؛ ليستعمل لثامًا للوجه وسترًا للرقبة، وهو زي الفلاحين والرعاة. والعمامة من لباس الرأس عند الجاهليين. "والعرب تقول للرجل إذا سُوّد: قد عمم. وكانوا إذا سوّدوا رجلًا عمموه عمامة حمراء, وكانت الفرس تتوج ملوكها فيقال له: متوج"١. ويقال لها: "السبائب" كذلك, والعمامة: "السُّب"٢. وعادة صبغ الثياب، من العادات المعروفة عند العرب قبل الإسلام. وكانوا يستعملون في ذلك أصباغًا مختلفة، كالقرف وهو قشور الشجر, والجذور يستخرجون ما فيها من مادة ملونة لصبغ ما يضعونه فيها من ملابس، والأصباغ المستخرجة من بعض النباتات٣. ولألوان العمائم أو الملابس دخل في المناسبات الاجتماعية، فكانوا يستعملون للحرب مثلا نوعا خاصا من العمائم ذوات ألوان خاصة، تعبر

стр. 5066

عن المواقع، ويستعملون في الأحزان نوعًا خاصًّا من العمائم والثياب، وفي الفرح ملابس خاصة، وهكذا، كما كانوا يقومون بتجميرها في بعض الأحوال. ويقوم بصبغ الثياب وقصرها الصباغون، يصبغون الملابس كما يصبغون الأقمشة قبل تفصيلها وخياطتها. وذكر أن الكهان كانوا لا يلبسون المصبغ١، ولعلهم كانوا يفعلون ذلك بسبب اعتقادهم أن تابع الكاهن ينفر من الصبغ. وفي جملة الأصباغ المعروفة والشائعة عند الجاهليين: العصفر، وهو نبت أصفر يستخرج منه صبغ أصفر، تصبغ به الثياب والأقمشة وأمثالها, ومن هذه الصبغة جاءت لفظة "المعصفرات"، ويراد بها الثياب المصبوغة بالعصفر٢. والورس وهو صبغ أصفر يؤخذ من نبت طيب الرائحة, تصبغ به الملابس، فيقال: ملحفة مورسة، إذا كانت مصبغة بالورس٣. وقد جاء النهي عن لبس الثياب المعصفرة في الإسلام٤. والثوب الأحمر، هو الثوب المصبوغ بلون أحمر، أما "الكرك"، فالثوب الأحمر كذلك. و"ثوب مشرق": ثوب بين الحمرة والبياض، و"ثوب قتمة" و"مقتوم": ثوب سواده ليس بشديد، و"ثوب مفروك": مصبوغ بالزعفران، وزبرقت الثوب زبرقةً: صفرته. وقد سمي "الزبرقان بن بدر" بذلك؛ لصفرة عمامته٥. ويظهر أن الصباغين كانوا يمطلون بالمواعيد ويخلفون؛ لذلك ضرب بهم وبالصياغين المثل في الخلف. وورد في الحديث: "أكذب الناس الصباغون والصوَّاغون"٦. ويستعمل شعر الماعز في الغالب لصنع الخيام، وذلك للأعراب وللتجار والمسافرين وغيرهم. والاتجار بالخيام من التجارات التي كانت رائجة يومئذٍ, ويستعمل شيوخ القبائل والرؤساء والملوك خيامًا خاصة مصنوعة من أقمشة غليظة, تتحمل المطر والعوارض الطبيعية الأخرى، ولها أسعار غالية عالية، تختلف باختلاف حجمها

стр. 5067

ونوع القماش المصنوعة منه. ولبعضها قواطع تجزئ الخيمة إلى أقسام تكون شبه غرف يسكن فيها, ويستعمل بعضها مضارب يعقد فيها ديوان الرئيس، وبعضها معابد توضع فيها الأصنام والأشياء المقدسة التي تنتقل مع القبيلة، يحملها الكهنة معهم. وقد أشير إلى هذه الأصنام المتنقلة مع القبائل في الأخبار التي سجلها الآشوريون عن حروبهم مع الأعراب، كما كان العبرانيون يصنعون خيامًا واسعة تكون مقدسة لخدمة الرب. ومن الخيم الكبار "الفسطاط", ويطلق على الأبنية كذلك١. والبساط: ما بسط. وقد اشتهرت أنواع خاصة من البسط بين الجاهليين, منها بسط عبقر؛ والبساط العبقري من الأبسطة الجيدة، ومن عادة العرب أنهم إذا استحسنوا شيئًا أو عجبوا من شدته ومضائه نسبوه إلى "عبقر". وعبقر عندهم أرض من أرض الجن, وورد "ثياب عبقرية" نسبة إلى عبقر, حتى قالوا: "ظلم عبقري" أي: شديد فاحش٢. ومن أنواع البسط: "النخ", وهو بساط طوله أكثر من عرضه، وهو فارسي معرب، وجمعه: نخاخ٣. وللعرب طرق في هيئة لبسهم وفي كيفية وضعها على أبدانهم، ولا سيما أهل الحضر منهم, كما كانوا يكيفون لبسهم حسب المناسبات في مثل الغارات والحروب والسفر. ومن ضروب لبسهم ما يقال له: "الاضطباع"، ويقال له: "التأبط"، وهو أن يدخل الثوب من تحت يده اليمنى, فيلقيه على منكبه الأيسر٤. ومن ضروب اللبس: "التفضل" وهو التوشح: أن يخالف اللابس بين أطراف ثوبه على عاتقه, وأما "الفضلة" فالثياب التي تبتذل للنوم؛ لأنها فضلت عن ثياب الصرف٥. وعرف التوشح: أن يتوشح بالثوب، ثم يخرج طرفه الذي ألقاه على عاتقه الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقد طرفيهما على صدره. وقيل: التوشح بالرداء مثل التأبط والاضطباع، وهو أن يدخل الثوب من تحت يده اليمنى فيلقيه على منكبه الأيسر، كما يفعل المحرم٦. وأما "الاشتمال"، فهو إدارة الإنسان الثوب على جسده كله حتى لا تخرج

стр. 5068

منه يده. ورُوِيَ أن النبي نهى عن اشتمال الصّمّاء, والشملة الصّمّاء: التي ليس تحتها قميص ولا سراويل، وذكر أن اشتمال الصماء هو أن يشتمل بالثوب حتى يجلل به جسده ولا يرفع منه جانبًا، فيكون فيه فرجة تخرج منها يده، وهو التلفع، وربما اضطجع فيه على هذه الحالة. وذكر الفقهاء: أن الاشتمال هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه, فتبدو منه فرجة١. و"السند": ضرب من ضروب اللبس عند العرب، وهو أن يلبس قميصًا طويلًا تحت قميص أقصر منه, كما أن السند ضروب من البرود، وضرب من الثياب. وذكر أن السناد هي الحمراء من جباب البرود٢. وإذا نام الشخص وأدخل رأسه في ثوبه قيل لذلك: الكبس والكباس٣, و"الكمكمة": التغطي بالثياب٤. وقد عرف الجاهليون "الكلل". و"الكلة": الستر الرقيق يخاط كالبيت, يُتوقَّى فيه من البق٥. ويعبر عن الستر بـ"السجف"، وهو قماش يستر به. والسجافة: السدافة، أي: الحجاب, وكل باب ستر بسترين مقرونين فكل شق منه: سجف. وقيل: لا يسمى سجفًا إلا أن يكون مشقوق الوسط كالمصراعين٦.

стр. 5069

الفصل الخامس عشر بعد المئة: قياس الابعاد والمساحات والكيل ... الفصل الخامس عشر بعد المائة: قياس الأبعاد والمساحات والكيل وقد استعمل الجاهليون قياس الأبعاد والوزن والكيل في معاملاتهم, وهي متقاربة بين الشعوب السامية؛ لاختلاط هذه الشعوب بعضها ببعض، ولمستوى تلك الشعوب في الأيام الماضية، ودرجتها في الثقافة بالنسبة إلى تلك العهود. هذا, ونجد الأوزان والمكاييل قد تطورت شيئًا فشيئًا، تطورت بالتدريج من أحوال بدائية حسية يدركها الإنسان البدائي، إلى أن اتخذت أشكالًا تستند على أسس علمية. ويستعمل الوزن لقياس الكميات, أما المسافات والأبعاد، فتقاس بالطبع بمقاييس تستند إلى أساس تقدير الأبعاد. ويختلف أهل الجاهلية في الكيل والوزن، اختلاف الناس في هذا اليوم. منهم من يوزن الشيء، ومنهم من يكيله كيلًا. كان أهل المدينة يكيلون التمر، وهو يوزن في كثير من أهل الأمصار, وإن السمن عندهم وزن، وهو كيل في كثير من الأمصار١, وقد يباع الشيء عددًا، بينما يباع وزنًا عند قوم آخرين. والذي يعرف به أصل الكيل والوزن، أن كل ما لزمه اسم المختوم والقفيز والمكوك والمدّ والصاع فهو كيل, وكل ما لزمه اسم الأرطال والأواقي والأمناء فهو وزن. ودرهم أهل مكة ستة دوانيق، ودراهم الإسلام المعدلة كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل٢.

стр. 5070

وقد كان الجاهليون يستعملون المكاييل في الغالب لقياس الجوامد والمائعات على حد سواء. وذلك كما يتبين من دراسة أسماء المعايير بالقياس إلى المعايير المستعملة عند الرومان واليونان, وكما يتبين من مراجعة معجمات اللغة، حيث تذكر المقياس في قياس الجوامد أحيانًا وفي قياس المائعات أحيانًا أخرى, وكما يتبين من عدم تفريق بعض اللغويين بين الوزن والكيل. وقد جاءت في كتب الحديث والفقه وكتب اللغة أسماء بعض العيارات والموازين التي كان يستعملها العرب قبل الإسلام. ويظهر من هذه الكتب أن هذه العيارات والموازين كانت تختلف باختلاف المواضع، وإن اتفقت في الأسماء؛ فبين مكة والمدينة مثلًا اختلاف في تقدير العيارات. كذلك اختلف العرب في وزن الأشياء في بعض الأحيان، فقد ذكر أن أهل المدينة كانوا يكيلون التمر، وهو يوزن في كثير من الأمصار, ثم إن بعض المواد تكال وتوزن، فالسمن يكال في بعض الأماكن، ويوزن في أماكن أخرى، ويكال ويوزن في آنٍ واحدٍ في أماكن غيرها١. وقد ورد في الحديث: "الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة"٢. والكيل والوزن سواء في معرفة المقادير, وتعني لفظة "كال" معنى وزن. وقد ورد عن النبي أنه قال: "المكيال مكيال أهل المدينة, والميزان ميزان أهل مكة"٣, وورد: الكيل: كيل الطعام، يقال: كلتُ الطعام: إذا توليت ذلك له. وورد في القرآن الكريم: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ٤, وذلك إن كان مخصوصًا بالكيل، فحثَّ على تحري العدل. وقد وردت لفظة: "الكيل" و"كيل" و"المكيال" و"كلتم" و"اكتالوا" و"نكتل" في مواضع من القرآن الكريم٥. ويعبر عن الوزن وعن قياس الأبعاد بلفظة: "كل" "كال" أي: "كالَ"

стр. 5071

في المسند, والوحدة "كلت" أي: "كيلة"١, أما في عربيتنا فقد استعملت في الوزن والكيل٢. وجاء الكيل: كيل الطعام٣, وورد: كال البئر، أي: قدر ما فيها من ماء٤, والاسم "الكيلة"، والكيل، والمكيل، والمكيال، والمكيلة: ما كِيلَ به حديدًا كان أو خشبًا, وكان الدراهم والدنانير: وزنها. وفي معنى "كلت" ترد لفظة "سفرت" "سفرة", وتستعمل خاصة في قياسات الأبعاد، مثل البعد بين مكانين، أي: المسافات والأطوال, فهي بمعنى مرحلة أي: وحدة قياسية للبعد٥, ومعدل ما يسافره الإنسان أو تقطعه القافلة في اليوم، أي: السفرة التي تتمكن منها القافلة في اليوم، فسفرت هي سفرة في لغتنا، أي: مرحلة. وتعد قياسات الأبعاد والموازين والمكاييل البابلية من أهم وأدق المكاييل والأوزان عند الشعوب الشرقية؛ فقد استند البابليون في قياساتهم هذه إلى أسس علمية. وهم في ذلك أدق من قدماء المصريين، ومن اليهود٦. والعادة قياس الأبعاد الصغيرة والمسافات القصيرة بمقاييس تتناسب مع هذه الأبعاد, وذلك باستعمال مقاييس صغيرة مثل: الإصبع والشبر والذراع، صارت أساسًا للمقاييس التي تقاس بها المسافات البعيدة، مثل المسافات بين مراحل السفر أو الأبعاد بين المدن والقرى وما شاكل ذلك. إذ لا بد من اتخاذ وحدة قياسية كبيرة في قياس الأبعاد الطويلة؛ لسهولة الضبط والحفظ، ولهذا اصطلحت الأمم على اتخاذ وحدات كبيرة في قياسات المراحل والأبعاد، سمتها. وقاس الجاهليون مساحات الأرضين الزراعية, بمقدار البذور المنثورة وبمقدار ما يحرثه ثور واحد أو حيوان في نهار, ويراد بذلك متوسط عمل محراث واحد في الأرض. فتقدر مساحة أرض بمقدار كميات البذور التي تنثر في الأرض، وتذكر عندئذٍ مقدار كيلات البذور المنثورة، ويدل عددها على مساحة الأرض.

стр. 5072

ولو تعمقنا في دراسة قياس المسافات، فإننا نجد أن الإنسان قد استعان بأجزاء جسمه في بادئ الأمر في القياسات، فاستعان بالإصبع، واعتبره وحدة قياسية صغيرة لقياس البعد، استعمل عرضه كما استعمل طوله. واستعمل "الكف" قياسًا للأبعاد كذلك, وهو أربع أصابع عند العبرانيين١, واستعمل "الشبر" للأبعاد التي تزيد على الكف, والشبر هو مسافة ما بين طرف الإبهام وطرف الخنصر، ويساوي ثلاث كفوف, ويعدل من ثمانية قراريط إلى أحد عشر قيراطًا. واستعملت "الذراع" وجعلوها تعادل شبرين, وتقدر بنحو قدم إلى قدمين. ثم "الخطوة" وتعادل ذراعين أو ثلاث أقدام أو اثنتي عشرة كفًّا. ثم "القامة"، وتعادل خطوتين أو أربع أذرع أو ستة أقدام. ثم "القصبة", وتعادل قامة ونصف قامة، أو ستة أذرع, وتعادل تسع أقدام أو ستًّا وثلاثين كفًّا٢. والكف -عند العرب-: اليد، أو منها إلى الكوع٣. والشبر: ما بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر، ويكال به, ومنه "الشبر": كيل الثوب بالشبر، يشبره شبرًا٤. والذراع من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى, وقيل: الذراع والساعد واحد, يقال: ذرع الثوب وغيره: قاسه بالذراع, وهو ما يذرع به من حديد أو قضيب٥. و"الباع": قدر مد اليدين وما بينهما من البدن، ويستعمل في قياس الأعماق، مثل الآبار، وأعماق الماء٦. والخطوة ما بين القومين٧, والقامة عند العرب: مقدار هيئة رجل، والبكرة بأداتها، وقيل: البكرة التي يستقى بها الماء من البئر٨. والقامة: مقياس أيضًا تقاس به الأعماق٩.

стр. 5073

وذكر الذراع في القرآن الكريم في آية: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ ١. ويعبر به عن المذروع، أي: الممسوح بالذارع٢. وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الذراع من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى٣, وذكر بعض العلماء أن الذراع والساعد واحد. وأما المذارعة فالبيع بالذراع٤, ويقال: ذراع من الثوب والأرض٥. فتستعمل المذارعة -إذن- في الأموال المنقولة التي لها اتساع مثل: الثياب والأقمشة والخشب وما شابه ذلك، كما تستعمل في ذرع الأرض. وقد اختلف الذراع الجاهلي عن الذراع في الإسلام٦. والقصبة من أصل "Kas - Pu" في البابلية، ومعناه: "ساعتان"، أي: مسيرة تقطع في ساعتين. وورد "Kas - Pu Kakkari" في النصوص البابلية، ويراد بالجملة ما يقابل "قصبة أرض" أو "ميل أرض"٧. وقد كان أهل مصر في الإسلام يمسحون أرضهم بقصبة طولها خمسة أذرع بالتجاري، فمتى بلغت المساحة أربعمائة قصبة، فاسمها: الفدان٨. و"الغلوة"، وكانت مقياسًا يونانيًّا، وتعادل نحو "١٤٥" خطوة، أو ثُمن ميل, وتسمى "فرسخًا" أيضًا٩. وذكر علماء اللغة أن "الغلوة" قدر رمية بسهم، وتستعمل في سباق الخيل١٠, وقيل: هي قدر ثلاثمائة ذراع إلى أربعمائة ذراع. وذكر بعض علماء اللغة، أن الفرسخ التام خمس وعشرون غلوة١١. وقد ذكر بعض علماء اللغة أن الفرسخ ساعة من النهار, وقال بعض آخر: إنه المسافة المعلومة، وهو ثلاثة أميال هاشمية أو ستة أو اثنا عشر ألف ذراع أو عشرة آلاف ذراع. واللفظة من الكلمات المعربة، وهي "Frasong" "فرسنك"

стр. 5074

في الفهلوية. وقد أشير إلى هذا المقياس الفارسي في بعض مؤلفات الكتبة اليونان مثل "هيرودوتس" و"كسينوفون" "Xenophon", وهو "Farsong" في الفارسية الحديثة, PRasakha في لغة بني إرم١. وأما "الميل"، فمقياس روماني. وقد اختلف في طوله، فقيل: إنه ثلث الفرسخ، وقيل: إنه ثلاثة آلاف ذراع أو أربعة آلاف، وقيل: أربعة آلاف خطوة، كل خطوة ثلاثة أقدام, وقيل: إنه سدس الفرسخ, وهو من الألفاظ المعربة من أصل ""Miloin٢. وذكر علماء اللغة أن الميل هو المنار يبنى للمسافر في أنشاز الأرض، وأنه أيضا الأعلام المبنية على الطرق لهداية الناس٣. وقد استخدم الجاهليون مصطلحات خاصة في تقدير المسافات والأبعاد، ولا سيما في الأسفار. فاستعملوا مصطلح "مسيرة ساعة" ومسيرة ليلة ومسيرة نهار ومسيرة قافلة وأمثال ذلك, وقصدوا بذلك معدل ما يقطعه الإنسان والقافلة في المدد المذكورة. واستعملوا "البريد" في تقدير الأبعاد والمسافات، و"البريد": فرسخان، كل فرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع أو أربعة فراسخ، وهو اثنا عشر ميلًا. وفي الحديث: "لا تقصر الصلاة في أقل من أربعة برد" وهي ستة عشر فرسخًا, وفي كتب الفقه: السفر الذي يجوز فيه القصر أربعة برد، وهي ثمانية وأربعون ميلًا بالأميال الهاشمية في طريق مكة٤. وقاس الجاهليون المساحات، مثل مساحات البيت أو الملك كالأرضين, بالذراع إن كانت غير كبيرة, أما إذا كانت كبيرة، فقد قيست بمقدار متوسط ما يحرثه "الفدان" في اليوم. وذكر علماء اللغة أن "الفدان" الثوران اللذان يقرنان فيحرث عليهما، وأن الفدان المزرعة٥, والآلة، ومقدار محدود من الأرض اصطلح الناس على تحديد مقداره٦.

стр. 5075

وتقاس الأرض بالجريب أيضا, قال علماء اللغة: الجريب من الأرض: مقدار معلوم الذراع والمساحة، وهو عشرة أقفزة، كل قفيز منها عشرة أعشراء، فالعشير جزء من مائة جزء من الجريب, وقيل: الجريب: المزرعة، وقدر ما يزرع فيه من الأرض. وقد استعمل للطعام ولتقدير غلة الأرض، أي: وحدة قياس للأرضين، ومكيلة في آن واحد١. وقال بعض العلماء: إنه يختلف باختلاف البلدان٢. ومن وحدات القياس في اليمن: "أم ب" "أمت", وقد ذكرت هذه الوحدة في نصوص المسند, وتقاس بها الأبعاد طولًا وعرضًا٣. وذكر علماء اللغة أن "الأمت" الحزر والتقدير، يقال: كم أمت ما بينك وبين الكوفة؟، أي: قدر، وأمت القوم أمتًا: إذا حزرتهم٤. فللمعنى إذن صلة بالمعنى المفهوم من اللفظة في لغة المسند. والشوحط من وحدات قياس الأبعاد كذلك, فورد: "سدثي شو حطم"، أي: ستون شوحطًا, وقد ذكر هذا المقياس في كتابات المعينيين٥. ولعله قصبة أو خشبة، حدد طولها، واعتبرت كالمتر و"الياردة" وحدة أساسية لقياس الأبعاد. و"الشوحط" في كتب اللغة: ضرب من شجر الجبال تتخذ منه القسي، أو ضرب من النبع تتخذ منه القياس٦. فلا يستبعد وجود صلة بين الشوحط اليماني وهذا الشوحط، وهو اتخاذ قضب الشوحط مقياسًا معينًا محددًا؛ لقياس الأبعاد. وترد في بعض كتابات المسند لفظة "ممد" مع العدد، كأنها استعملت للتعبير عن قياس. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنها لا تعبر عن وحدة قياسية قائمة بذاتها، كما تعبر لفظة قدم أو ذراع، بل هي تعبر عن معنى عام، هو مسافة

стр. 5076

أو كيل أو وزن. ويفهم ذلك المعنى من مكان الكلمة وموضعها في الجملة١. وأما وزن الأشياء، أي: تقدير مقدار ثقلها، فيختلف في الغالب باختلاف طبيعة الشيء المراد معرفة وزنه وتقدير ثقله؛ فإذا كان الشيء جافًّا قدر بمعايير خاصة، وإذا كان سائلًا قدر بمعايير أخرى, غير أن هذا التفريق لا يعد قاعدة عامة، وإنما يختلف باختلاف الأماكن والأعراف والعادات. فقد يزن بعض الناس المائعات بمعايير توزن بها الأشياء الجافة عند أناس آخرين، فالسمن مثلًا يوزن ويكال، والتمر يوزن ويكال، وهناك أمثلة عديدة أخرى من هذا القبيل٢. وأما الأوزان، أي: معرفة الخفة أو الثقل للأشياء التي يراد وزنها لمعرفة مقدارها، فقد كانت توزن بوضعها في إحدى كفتي ميزان ووضع الأوزان في الكفة الثانية. وقد كانت للأوزان البابلية شهرة، وعليها كان اعتماد العبرانيين. والميزان الآلة التي يوزن بها, وقد ذكر علماء اللغة أسماء أجزاء الميزان. والميزان الذي كان يستعمله الجاهليون لا يختلف عن الميزان المستعمل عند الشعوب الأخرى. ويقوم الوزن على أساس المعادلة بين الكفتين٣. ويظهر أن الجاهليين كانوا قد أخذوا الأوزان من العراق ومن بلاد الشام، واستعملوها كلها وبأسمائها الأصلية، وذلك بدليل ما نجده في أسماء هذه الأوزان التي استعملوها من مسميات بابلية أو آرمية وفهلوية ويونانية ورومانية. لقد أخذوها بتعاملهم مع أهل العراق ومع أهل بلاد الشام، وأدخلوا مسمياتها إلى لغتهم بعد إدخالهم بعض التحوير والتغيير عليها لتتناسب مع النطق العربي. وقد كان لا بد لهم من استخدام تلك الموازين كلها أو أكثرها على حد سواء؛ لأنهم تعاملوا وتاجروا مع العراق وبلاد الشام منذ القدم. فكان لا بد لهم من التعامل مع كل بلد بموازينه وبمقاييسه، ومن استعمال هذه الأوزان في بلادهم أيضا بحكم ذلك التعامل والاتجار، كما نستعمل اليوم الأوزان والمقاييس الأجنبية في التعامل عندنا بدلًا من الموازين والمقاييس القديمة.

стр. 5077

ومن الأوزان التي يعود أصلها إلى الروم: "الرطل"، وهو "Litra" عند اليونان, والأوقية وتقابل Ounguiya"" "ONCIA" عند البيزنطيين١. و"الدرهم"، وهو وحدة وزن، وقطعة نقد، من "Dhrakhmi"٢, و"قيراط" وهو من ""Keration٣. ومن وحدات القياس التي يعود أصلها إلى الفارسية: "الدانق"، فإنه من "دانك"، وهو سدس الدرهم٤. وأما "المثقال" فمن أصل آرامي، من ""Matqolo٥. والقسطاس: الميزان، ويعبر به عن العدالة، كما يعبر عنها بالميزان٦. ويذكر العلماء أن القسطاس أقوم الموازين٧, و"القسط" مكيال يسع نصف صاع, و"الفرق" ستة أقساط. وذكر بعضهم أن "القسط" أربعمائة وواحد وثمانون درهمًا, والقسط: الحصة من الشيء، والمقدار٨. ويقاس الذهب بالوزن، وكذلك الفضة، فكان التجار يحملون معهم الموازين ليزنوا بها هذين المعدنين. وقد كان "الشاقل" هو وحدة القياس للوزن عند الجاهليين, ويقال في العربية: "شقل الدينار وشوقل الدينار، بمعنى: وزنه وعايره وصححه". وجاء أن الشقل: الوزن, يقال: اشقل لي هذا الدينار، أي: زنه٩. واللفظة من الألفاظ البابلية التي دخلت إلى لغة بني إرم, وإلى العبرانية والعربية١٠. و"الحبَّة" من العيارات المستعملة عند الجاهليين والتي بقيت مستعملة في الإسلام كذلك، ولا تزال تستعمل. أما وزنها فاختُلف فيه باختلاف الأزمنة والأمكنة

стр. 5078

وقد قدرها بعضهم بعُشر الدانق١, وقدرها بعض آخر بسدس ثمن درهم، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءًا من درهم٢. والقيراط، هو نصف دانق. وذكر بعض العلماء أنه جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشره في بعض البلاد في الإسلام، وجزء من أربعة وعشرين في بلاد الشام٣, وهو عند الروم جزء من أربعة وعشرين من أجزاء شيء. وهو من أصل رومي هو ""Keration٤, ويظهر أن وزنه لم يكن ثابتًا، بل اختلف باختلاف البلدان٥. و"المثقال" من الأوزان القديمة عند العرب، وقد وردت لفظة "مثقال" في القرآن الكريم بمعنى مقدار ووزن٦. ويظن بعض المستشرقين أن "المثقال" من أقدم المعايير عند العرب، ويستعمله العطارون والصيارفة وباعة اللؤلؤ والحجارة الثمينة. وهو عبارة عن اثنتين وسبعين شعيرة, وفي بعض الموارد: المثقال: عشرون قيراطًا, وهو يقابل الـ"Solidus" عند الروم على وفق النظام الذي أقره القيصر "قسطنطين" "Costantine", وهو نظام اتبع في بلاد الشام وأقره العرب واستعملوه٧. واللفظة من الألفاظ المعربة عن الآرمية من أصل "متقولو" "Matqolo" على بعض الآراء٨. والأوقية من الأوزان التي كانت مستعملة في الجاهلية. وقد اختلف العلماء في ضبط وزنها وتعيين مقداره؛ فقال بعضهم: هي سبعة مثاقيل، وإنها أربعون درهمًا, وقال بعض آخر: هي أربعون درهمًا. وقد ورد في الحديث: "ليس فيما دون خمس أواقٍ من الوَرِقِ صدقة"٩, وفي حديث النبي، أنه لم يصدق امراة من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية ونش. قال مجاهد: الأوقية: أربعون درهمًا،

стр. 5079

والنشُّ عشرون١, وهي تقابل "Uncia" عند الروم. و"البزمة" وزن ثلاثين درهمًا٢. وقد أشير في الحديث إلى "نواة من ذهب"، وقد جعل بعض العلماء النواة زنة، وقال بعض آخر: النواة من العدد عشرون أو عشرة، أو هي الأوقية من الذهب أو أربعة دنانير أو ما زنته خمسة دراهم أو ثلاثة دراهم ونصف أو ثلاثة دراهم وثلث٣. وقد كان الجاهليون يبايعون الذهب والفضة بالأوزان التي ذكرتها مثل: النواة والحبة والشعيرة والمثقال والأوقية. ولما جاء الرسول المدينة وجد أهلها يبايعون اليهود الوقية من الذهب بالدنانير، فقال لهم: "لا تبيعوا الذهب الذهب إلا وزنًا بوزن"٤. وأما الرطل، فإنه في مقابل "Litra" في اليونانية، و"Libra" في اللاتينية, وهو قدر نصف "منّ", وهو من الأوزان المعروفة عند الجاهليين. وذكر أن الرطل الجاهلي هو ضعف الرطل الإسلامي، وقد اختلف وزنه عند المسلمين باختلاف الأماكن والمواضع والناس٥. وذكر بعضهم: الرطل اثنتا عشرة أوقية بأواقي العرب، والأوقية أربعون درهمًا, فذلك أربعمائة وثمانون درهمًا٦. وأما "المن"، "Mna" "Maneh" "MINA" "MnH" "MANA" "منا" و"منو" "Mnu" في البابلية، فإنه خمسة عشر شاقلًا، وعشرون شاقلًا, وخمسة وعشرون شاقلًا، أي: إنه ورد في ثلاثة أوزان, فعرف كل وزن من هذه الأوزان الثلاثة باسم "من"٧. وهو معروف عند قدماء اليونان، وعند السريان٨, وهو من الأوزان المعروفة عند العرب الجاهليين.

стр. 5080

وقد ذكر علماء اللغة أنه كيل أو ميزان وهو رطلان١. والقنطار وزن أربعين أوقية من ذهب، وقيل: ألف ومائتا دينار، وقيل: ألف ومائتا أوقية، وقيل: سبعون ألف دينار، وقيل: ثمانون ألف درهم، وقيل: مائة رطل من ذهب أو فضة. وزعم بعض علماء اللغة أنه سرياني، وزعم آخرون أنه عربي٢. ويظهر أنه لاتيني الأصل, وأنه من أصل "Centenarium Pondus" أي: وزن يساوي مائة ضعف وزن آخر٣. وقد اختلف العلماء في القنطار، وقد ذكر العلماء آراءهم فيه, ويظهر أنهم كانوا قد اختلفوا فيه في الجاهلية كذلك، وسبب ذلك على ما يظهر أنهم استعملوه وزنا، أي معيارا، واستعملوه ثمنا، أي بمقدار ما يعادله بالذهب والفضة، وبالنقد، ثم بالمقايضة، مثل قولهم: إنه ملء ثور ذهبًا أو فضة٤. وقد ذكر في الآية: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ ٥, وفي الآية: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ ٦, وورد: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ ٧. وفي الإشارة إلى القنطار في القرآن الكريم دلالة على استعماله في الحجاز, وربما في أماكن أخرى من جزيرة العرب كذلك. والقناطير جمع قنطار, ومعنى القناطير المقنطرة: المال الكثير من الذهب والفضة، والمال الكثير بعضه على بعض. ويظهر من اختلاف المفسرين وسائر العلماء في مقدار القنطار أن العرب لا تحد القنطار بمقدار معلوم من الوزن, ولكنها تقول: هو قدر ووزن؛ لأن ذلك لو كان محدودًا قدره عندهم, لم يكن بين متقدمي أهل التأويل فيه كل هذا الاختلاف٨. والمُدّ مكيال، وهو رطلان أو رطل وثلث أو ملء كفي الإنسان المعتدل،
следующие страницы →