← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

أو كيل أو وزن. ويفهم ذلك المعنى من مكان الكلمة وموضعها في الجملة١. وأما وزن الأشياء، أي: تقدير مقدار ثقلها، فيختلف في الغالب باختلاف طبيعة الشيء المراد معرفة وزنه وتقدير ثقله؛ فإذا كان الشيء جافًّا قدر بمعايير خاصة، وإذا كان سائلًا قدر بمعايير أخرى, غير أن هذا التفريق لا يعد قاعدة عامة، وإنما يختلف باختلاف الأماكن والأعراف والعادات. فقد يزن بعض الناس المائعات بمعايير توزن بها الأشياء الجافة عند أناس آخرين، فالسمن مثلًا يوزن ويكال، والتمر يوزن ويكال، وهناك أمثلة عديدة أخرى من هذا القبيل٢. وأما الأوزان، أي: معرفة الخفة أو الثقل للأشياء التي يراد وزنها لمعرفة مقدارها، فقد كانت توزن بوضعها في إحدى كفتي ميزان ووضع الأوزان في الكفة الثانية. وقد كانت للأوزان البابلية شهرة، وعليها كان اعتماد العبرانيين. والميزان الآلة التي يوزن بها, وقد ذكر علماء اللغة أسماء أجزاء الميزان. والميزان الذي كان يستعمله الجاهليون لا يختلف عن الميزان المستعمل عند الشعوب الأخرى. ويقوم الوزن على أساس المعادلة بين الكفتين٣. ويظهر أن الجاهليين كانوا قد أخذوا الأوزان من العراق ومن بلاد الشام، واستعملوها كلها وبأسمائها الأصلية، وذلك بدليل ما نجده في أسماء هذه الأوزان التي استعملوها من مسميات بابلية أو آرمية وفهلوية ويونانية ورومانية. لقد أخذوها بتعاملهم مع أهل العراق ومع أهل بلاد الشام، وأدخلوا مسمياتها إلى لغتهم بعد إدخالهم بعض التحوير والتغيير عليها لتتناسب مع النطق العربي. وقد كان لا بد لهم من استخدام تلك الموازين كلها أو أكثرها على حد سواء؛ لأنهم تعاملوا وتاجروا مع العراق وبلاد الشام منذ القدم. فكان لا بد لهم من التعامل مع كل بلد بموازينه وبمقاييسه، ومن استعمال هذه الأوزان في بلادهم أيضا بحكم ذلك التعامل والاتجار، كما نستعمل اليوم الأوزان والمقاييس الأجنبية في التعامل عندنا بدلًا من الموازين والمقاييس القديمة.

стр. 5077

ومن الأوزان التي يعود أصلها إلى الروم: "الرطل"، وهو "Litra" عند اليونان, والأوقية وتقابل Ounguiya"" "ONCIA" عند البيزنطيين١. و"الدرهم"، وهو وحدة وزن، وقطعة نقد، من "Dhrakhmi"٢, و"قيراط" وهو من ""Keration٣. ومن وحدات القياس التي يعود أصلها إلى الفارسية: "الدانق"، فإنه من "دانك"، وهو سدس الدرهم٤. وأما "المثقال" فمن أصل آرامي، من ""Matqolo٥. والقسطاس: الميزان، ويعبر به عن العدالة، كما يعبر عنها بالميزان٦. ويذكر العلماء أن القسطاس أقوم الموازين٧, و"القسط" مكيال يسع نصف صاع, و"الفرق" ستة أقساط. وذكر بعضهم أن "القسط" أربعمائة وواحد وثمانون درهمًا, والقسط: الحصة من الشيء، والمقدار٨. ويقاس الذهب بالوزن، وكذلك الفضة، فكان التجار يحملون معهم الموازين ليزنوا بها هذين المعدنين. وقد كان "الشاقل" هو وحدة القياس للوزن عند الجاهليين, ويقال في العربية: "شقل الدينار وشوقل الدينار، بمعنى: وزنه وعايره وصححه". وجاء أن الشقل: الوزن, يقال: اشقل لي هذا الدينار، أي: زنه٩. واللفظة من الألفاظ البابلية التي دخلت إلى لغة بني إرم, وإلى العبرانية والعربية١٠. و"الحبَّة" من العيارات المستعملة عند الجاهليين والتي بقيت مستعملة في الإسلام كذلك، ولا تزال تستعمل. أما وزنها فاختُلف فيه باختلاف الأزمنة والأمكنة

стр. 5078

وقد قدرها بعضهم بعُشر الدانق١, وقدرها بعض آخر بسدس ثمن درهم، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءًا من درهم٢. والقيراط، هو نصف دانق. وذكر بعض العلماء أنه جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشره في بعض البلاد في الإسلام، وجزء من أربعة وعشرين في بلاد الشام٣, وهو عند الروم جزء من أربعة وعشرين من أجزاء شيء. وهو من أصل رومي هو ""Keration٤, ويظهر أن وزنه لم يكن ثابتًا، بل اختلف باختلاف البلدان٥. و"المثقال" من الأوزان القديمة عند العرب، وقد وردت لفظة "مثقال" في القرآن الكريم بمعنى مقدار ووزن٦. ويظن بعض المستشرقين أن "المثقال" من أقدم المعايير عند العرب، ويستعمله العطارون والصيارفة وباعة اللؤلؤ والحجارة الثمينة. وهو عبارة عن اثنتين وسبعين شعيرة, وفي بعض الموارد: المثقال: عشرون قيراطًا, وهو يقابل الـ"Solidus" عند الروم على وفق النظام الذي أقره القيصر "قسطنطين" "Costantine", وهو نظام اتبع في بلاد الشام وأقره العرب واستعملوه٧. واللفظة من الألفاظ المعربة عن الآرمية من أصل "متقولو" "Matqolo" على بعض الآراء٨. والأوقية من الأوزان التي كانت مستعملة في الجاهلية. وقد اختلف العلماء في ضبط وزنها وتعيين مقداره؛ فقال بعضهم: هي سبعة مثاقيل، وإنها أربعون درهمًا, وقال بعض آخر: هي أربعون درهمًا. وقد ورد في الحديث: "ليس فيما دون خمس أواقٍ من الوَرِقِ صدقة"٩, وفي حديث النبي، أنه لم يصدق امراة من نسائه أكثر من اثنتي عشرة أوقية ونش. قال مجاهد: الأوقية: أربعون درهمًا،

стр. 5079

والنشُّ عشرون١, وهي تقابل "Uncia" عند الروم. و"البزمة" وزن ثلاثين درهمًا٢. وقد أشير في الحديث إلى "نواة من ذهب"، وقد جعل بعض العلماء النواة زنة، وقال بعض آخر: النواة من العدد عشرون أو عشرة، أو هي الأوقية من الذهب أو أربعة دنانير أو ما زنته خمسة دراهم أو ثلاثة دراهم ونصف أو ثلاثة دراهم وثلث٣. وقد كان الجاهليون يبايعون الذهب والفضة بالأوزان التي ذكرتها مثل: النواة والحبة والشعيرة والمثقال والأوقية. ولما جاء الرسول المدينة وجد أهلها يبايعون اليهود الوقية من الذهب بالدنانير، فقال لهم: "لا تبيعوا الذهب الذهب إلا وزنًا بوزن"٤. وأما الرطل، فإنه في مقابل "Litra" في اليونانية، و"Libra" في اللاتينية, وهو قدر نصف "منّ", وهو من الأوزان المعروفة عند الجاهليين. وذكر أن الرطل الجاهلي هو ضعف الرطل الإسلامي، وقد اختلف وزنه عند المسلمين باختلاف الأماكن والمواضع والناس٥. وذكر بعضهم: الرطل اثنتا عشرة أوقية بأواقي العرب، والأوقية أربعون درهمًا, فذلك أربعمائة وثمانون درهمًا٦. وأما "المن"، "Mna" "Maneh" "MINA" "MnH" "MANA" "منا" و"منو" "Mnu" في البابلية، فإنه خمسة عشر شاقلًا، وعشرون شاقلًا, وخمسة وعشرون شاقلًا، أي: إنه ورد في ثلاثة أوزان, فعرف كل وزن من هذه الأوزان الثلاثة باسم "من"٧. وهو معروف عند قدماء اليونان، وعند السريان٨, وهو من الأوزان المعروفة عند العرب الجاهليين.

стр. 5080

وقد ذكر علماء اللغة أنه كيل أو ميزان وهو رطلان١. والقنطار وزن أربعين أوقية من ذهب، وقيل: ألف ومائتا دينار، وقيل: ألف ومائتا أوقية، وقيل: سبعون ألف دينار، وقيل: ثمانون ألف درهم، وقيل: مائة رطل من ذهب أو فضة. وزعم بعض علماء اللغة أنه سرياني، وزعم آخرون أنه عربي٢. ويظهر أنه لاتيني الأصل, وأنه من أصل "Centenarium Pondus" أي: وزن يساوي مائة ضعف وزن آخر٣. وقد اختلف العلماء في القنطار، وقد ذكر العلماء آراءهم فيه, ويظهر أنهم كانوا قد اختلفوا فيه في الجاهلية كذلك، وسبب ذلك على ما يظهر أنهم استعملوه وزنا، أي معيارا، واستعملوه ثمنا، أي بمقدار ما يعادله بالذهب والفضة، وبالنقد، ثم بالمقايضة، مثل قولهم: إنه ملء ثور ذهبًا أو فضة٤. وقد ذكر في الآية: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ ٥, وفي الآية: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ ٦, وورد: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ ٧. وفي الإشارة إلى القنطار في القرآن الكريم دلالة على استعماله في الحجاز, وربما في أماكن أخرى من جزيرة العرب كذلك. والقناطير جمع قنطار, ومعنى القناطير المقنطرة: المال الكثير من الذهب والفضة، والمال الكثير بعضه على بعض. ويظهر من اختلاف المفسرين وسائر العلماء في مقدار القنطار أن العرب لا تحد القنطار بمقدار معلوم من الوزن, ولكنها تقول: هو قدر ووزن؛ لأن ذلك لو كان محدودًا قدره عندهم, لم يكن بين متقدمي أهل التأويل فيه كل هذا الاختلاف٨. والمُدّ مكيال، وهو رطلان أو رطل وثلث أو ملء كفي الإنسان المعتدل،

стр. 5081

إذا ملأهما ومد يده بهما، وبه سمي مُدًّا١. وقيل: هو ربع الصاع؛ لأن الصاع أربعة أمداد. وقد اختلف في مقدار المد في الإسلام، وقد ورثوا ذلك من الجاهلية، فقد اختلفوا في مقداره أيضا باختلاف مواضعهم٢. والصاع من المكاييل التي كان يستعملها أهل الحجاز عند ظهور الإسلام, وقد عرف خاصة عند أهل المدينة, ويأخذ أربعة أمداد, وهو يأخذ من الحبّ قدر ثلثي الصاع في بعض الأماكن, وكان لأهل المدينة صيعان مختلفة. وورد صاع المدينة أصغر الصيعان, كما ورد في كتب الحديث والفقه، صاع النبي وصاع عمر٣, وقد كالوا به التمر والحبوب٤. وقد اختلف العلماء في مقداره في الإسلام, ومرد ذلك إلى الجاهلية الذين كانوا يختلفون في تقدير الصاع. وذكر المفسرون أن "صواع الملك"، أو "صاع الملك" حسب قراءة "أبي هريرة" كناية عن الصاع الذي يكال به الطعام, وذكر أنه الإناء الذي يكال به الطعام، وإناء يشرب فيه، وكان يشرب منه الملك، وهو من فضة. وكان للعباس في الجاهلية واحد، وهو المكوك الفارسي الذي يلتقي طرفاه، كانت تشرب فيه الأعاجم٥. والقفيز من المكاييل القديمة المستعملة لتقدير كميات الأشياء الجامدة، ويتسع لنحو عشرة "جالونات"، وأصله من المكاييل البابلية. وقد ذكره المؤرخ "أكسينيفون"٦، وهو عند العرب أصغر من القاب ""Cub٧. والوسق من المكاييل التي كان يستعملها العرب قبل الإسلام كذلك. قيل: هو ستون صاعًا, وقيل: هو حمل بعير, وقيل: الوسق مائة وستون منًّا, وقال الزجاج: خمسة أوسق هي خمسة عشر قفيزًا, وكل وسق بالملجم هو ثلاثة أقفزة. وقيل: إن الوسق ستون صاعًا, وهو ثلاثمائة رطل وعشرون رطلًا عند

стр. 5082

أهل الحجاز, وأربعمائة رطل وثمانون رطلًا عند أهل العراق على اختلافهم في مقدار الصاع والمد. والأصل في الوسق الحمل, وقيل: الوسق: العِدْل، وقيل: العدلان، وقيل: هو الحمل عامة١. واستعملوا الحمل كيلًا، وقد رأينا أن بعضهم عرَّف الوسق بأنه عدل أو عدلان، وهو مقدار ما يحمله الحيوان. وبهذا المعنى وردت لفظة "الوقر" وتطلق على حمل البغل أو الحمار أو البعير٢، فهو شيء تقديري غير مضبوط تمامًا. وقد ورد في القرآن الكريم: ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ ٣؛ وذلك تعبيرًا عن حمل بعير، وهو مقدار ما يحمل, كما ورد فيه: ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ في المعنى نفسه٤. ولا يزال العرف جاريًا بين أهل القرى والبادية في البيع "حمولًا"، جمع: "حمل"، وهو حمل "بعير" أو حمار أو غير ذلك من الدواب التي تنقل الشيء الذي يراد بيعه مثل الملح أو "العوسج" أو "العاقول" أو "حطب البادية" أو الزرع إلى الأسواق، فتباع حملا لا وزنا، ويشتريه المشترون على هذه الصفة. وذكر علماء اللغة، أن الكر مكيال لأهل العراق، وقد أشير إليه في كتب الحديث, وذكر أنه ستة أوقار حمار، وهو عند أهل العراق ستون قفيزًا. والقفيز ثمانية مكاكيك, والمكوك صاع ونصف, وهو ثلاث كيلجات. وذكر "الأزهري" أنه اثنا عشر وسقًا، كل وسق ستون صاعًا أو أربعون إردبًّا بحساب أهل مصر٥. وهو "كور" في لغة بني "إرم"، ويعادل عند أهل بابل وقر ستة حمير٦. وذكر علماء اللغة أن "المكوك" طاس يشرب به, أعلاه ضيق ووسطه واسع، والصاع كهيئة المكوك, وكان للعباس مثله في الجاهلية يشرب به. وقد ورد في الحديث أن الرسول كان يتوضأ بمكوك. ويسع صاعًا ونصفًا، أو نصف رطل

стр. 5083

إلى ثماني أواقٍ، أو يسع نصف الويبة، والويبة اثنان وعشرون، أو أربع وعشرون مدًّا بمد النبي، أو هو ثلاث كيلجات، وهو صاع ونصف. والكيلجة تسع منًّا وسبعة أثمان منا, والمنا: رطلان، والرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية أستار وثلث، والأستار أربعة مثاقيل ونصف، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم، والدرهم ستة دوانق، والدانق قيراطان، والقيراط طسوجان، والطسوج حبتان، والحبة سدس ثمن درهم، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءًا من درهم. وذكر أن الكر: ستون قفيزًا، والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف، وهو ثلاث كيلجات١. والكيلة مقياس استعمله العبرانيون والجاهليون؛ وهي "Seah"، و"Saton", في اليونانية "Modius"، وهي تختلف باختلاف اصطلاح الأمم. فالكيلة العبرانية كبيرة بالقياس إلى الكيلة الرومانية، وهي تعادل كيلة وربع كيلة رومانية. وتبلغ ثلث "الأيفة"٢, وتعادل اثنين وعشرين ""Sextari٣, وتستعمل في وزن المواد الجامدة مثل الحبوب. وأما "الأيفة" "Ephah"، فكلمة مأخوذة من اللغة المصرية، ترد كثيرًا في العهد القديم, وهي تعادل ثلاث كيلات "Seah". وتستعمل لقياس المواد الجافة فقط، وتقابل "Atrabe"، و"Metretis" عند اليونان، وهي مجزأة إلى عشرة أجزاء، يقال للجزء الواحد: "العمر" "عومير" "أومير" "Omer"، أو الكومة, ويقال له "عشر" "Issaron" أيضا٤. وتقسم إلى ستة أقسام, كذلك يطلق على كل قسم اسم "سدس"٥. ولعل لأومير "عومير" "Omer"، صلة بـ"الغمر" عند الجاهليين. وهو عندهم قدح صغير يتصافن به القوم في السفر، إذا لم يكن معهم من الماء

стр. 5084

إلا يسيرًا على حصاة يلقونها في إناء ثم يصب فيه من الماء قدر ما يغمر الحصاة فيعطاها كل رجل منهم. وقيل: هو "القعب" الصغير يحمله الراكب معه، يعلقه على رحله, وقيل: الغمر: أصغر الأقداح. قال أعشى باهلة يرثي أخاه المنتشر بن وهب الباهلي: تكفيه حزة فلذان ألم بها ... من الشواء ويروي شربه الغمر والغمر يأخذ كيلجتين أو ثلاثًا، والقعب أعظم منه، وهو يروي الرجل١. و"الكيلجة" مكيال٣. و"الكر" من المكاييل المستعملة عند العبرانيين, وذكر علماء اللغة أن الكُرَّ مكيال لأهل العراق, وقد أشير إليه في كتب الحديث والفقه. ويظهر أنه مكيال للمائعات؛ ورد: إذا كان الماء قدر كرّ لم يحمل القذر, ومكيال للجوامد أيضا. وهو ستة أوقار حمار، وهو عند أهل العراق ستون قفيزًا, والقفيز ثمانية "مكاكيك", والمكوك صاع ونصف، وهو ثلاث كيلجات. وذكر الأزهري أنه اثنا عشر وسقًا، كل وسق ستون صاعًا أو أربعون إردبًّا بحساب أهل مصر٤. واستعمل الجاهليون "الزق", وحدة عامة لوزن المائعات. فورد: "زق خمر" مثلا, ويستعمل خاصة في الخمور٥. وقد عثر على عدد من قطع الأوزان المصنوعة من الحديد وبعضها من برنز، وقد استعملت في وزن الأشياء, وقد تأثر بعضها بالعوارض ولعبت الأيدي ببعض آخر. ونأسف على عدم وقوفنا وقوفًا تامًّا على أسماء الأوزان ومقدار ثقلها؛ لعدم وصول عدد كافٍ منها إلينا عليه كتابة تشير إلى اسمه ومقدار وزنه، ولعل الأيام تجود علينا منها بما يحقق لنا هذه المعرفة. أما "الصُّبرة": فما جمع من الطعام بلا كيل ولا وزن بعضه فوق بعض,

стр. 5085

فهي: الطعام المجتمع كالكومة١. ومن ذلك بيع "الصبرة" من التمر, وقد نهى الإسلام عن هذا النوع من البيع٢. والفالج والفلج مكيال ضخم، وقيل: هو القفيز. وقد ذكر بعض الباحثين أنه سرياني الأصل، وأن أصله "فالغا" فعرب. قال الجعدي يصف الخمر: ألقى فيها فلجان من مسك دا ... رين وفلج من فلفلٍ ضرم ومن هنا يقال للظرف المعدِّ لشرب القهوة وغيرها: "فلجان"، والعامة تقول: فنجان٣. و"الطسق" مكيال أيضا٤, وهو من أصل فارسي، وذكر أنه مكيال لكيل الزيوت وكل أنواع الدهن٥, وهو ضريبة الأرض كذلك، أي: في معنى خراج في الإسلام. كتب عمر إلى "عثمان بن حنيف" في رجلين من أهل المدينة أسلما: ارفع الجزية عن رءوسهما وخذ الطسق من أرضيهما٦. والفرق: مكيال بالمدينة اختلف فيه؛ فقيل: يسع ستة عشر مدًّا، وذلك ثلاثة آصع، أو يسع ستة عشر رطلًا، وهي اثنا عشر مدًّا وثلاثة آصع عند أهل الحجاز, أو هو أربعة أرباع. وقيل: الفرق خمسة أقساط، والقسط نصف صاع, وقيل غير ذلك٧. وذكر أن "الفرق" هو مكيال لأهل اليمن، وقد ذكر في عهد الرسول لقيس بن مالك بن سعد بن لؤي الأرحبي الهمداني، إذ جاء فيه: "وأطعمه ثلاثمائة فرق من خيوان، مائتا زبيب وذرة شطران ومن عمران الجوف مائة فرق بُرّ"٨. وقد ذكر بعض علماء اللغة اسم مكيال من مكاييل أهل اليمن دعوه "الذهب"، ويجمع على: أذهاب٩.

стр. 5086

ومن المكاييل المذكورة في التوراة والمعروفة عند الجاهليين كذلك، والتي تكال بها الأشياء الجافة: "القبضة"، أي: كومة اليد, والكومة كيلة عند الشعوب الأخرى وهي بمعنى "صبرة". ولا يزال البدو يستعملونها، ولكنها ليست من المكاييل الرسمية، بل هي في الواقع كيلة عرفية, وهي تختلف في المقدار والكمية بحسب اتساع قبضة اليد١, وقد كان الجاهليون يكوِّمون ما يريدون بيعه بالتكوم كومًا، ولا زال هذا البيع معروفًا. وقد كان أهل الجاهلية يبيعون قبضة من التمر، أو قبضة من السويق أو الدقيق، وذلك بحسب ما تقبضه اليد، أي: كف منها٢.

стр. 5087

فهرس الجزء الرابع عشر الفصل الثاني بعد المائة القوافل ٥ الفصل الثالث بعد المائة طرق الجاهليين ١٩ الفصل الرابع بعد المائة الأسواق ٥٣ الفصل الخامس بعد المائة البيع والشراء ٧٥ الفصل السادس بعد المائة الشركة ٩٤

стр. 5088

الفصل السابع بعد المائة المال ١٠٣ الفصل الثامن بعد المائة أصحاب المال ١٢٦ الفصل التاسع بعد المائة الطبقة المملوكة ١٤١ الفصل العاشر بعد المائة الإتاوة والمكس والأعشار ١٦٠ الفصل الحادي عشر بعد المائة النقود ١٧٥ الفصل الثاني عشر بعد المائة الصناعة والمعادن والتعدين ١٩٣

стр. 5089

الفصل الثالث عشر بعد المائة حاصلات طبيعية ٢١٨ الفصل الرابع عشر بعد المائة الحرف ٢٣١ الفصل الخامس عشر بعد المائة قياس الأبعاد والمساحات والوزن والكيل ٣٠٨ الفهرست ٣٢٧

стр. 5090

المجلد الخامس عشر الفصل السادس عشر بعد المئة: الفن الجاهلي العمارة ... الفصل السادس عشر بعد المائة: الفن الجاهلي العمارة: لظهور الفن وازدهاره في مكان ما لا بد من توفر تربة خصبة فيه تمونه بالمواد الأولية اللازمة، ولا بد من وجود جو يساعد على نمو بذوره وإنمائها وازدهارها. وجزيرة العرب أرض كما نعلم غلب عليها الجفاف وتحكمت فيها أشعة الشمس المحرقة والسموم الحارة الجافة، وهي ذات جو مشرق صاف صاحٍ في الغالب، ولكنه جاف يابس، لا تبكيه السماء في الغالب إلا بمقدار، فإذا سالت دموعه، انهمرت انهمارًا وتحولت إلى سيول جارفة عارمة سرعان ما تختفي وتزول، بأن تغور في باطن الأرض، وقد تنزل الأمطار نزولًا لا بأس به، فتخضر الأرض وتنبت الأزهار والأعشاب، وتضحك ويضحك الناس معها، وتهيج قرائحهم لفرحهم وطربهم من حصولهم على هذه النعمة الكبرى، التي لا تدوم طويلًا، وهذا أمر يؤسف له، أو قد لا تعود إليهم ثانية إلا بعد أجل، لانحباس البخار مولد المطر، فيلجأ المخلوق إلى خالقه يتوسل إليه أن يغيثه بإنزال الغيث عليه بكل الوسائل التي يتوصل إليها عقله لإقناعه آلهته بإنزال المطر ليغيث الإنسان والحيوان والنبات. ولظهور العمارة وفن النحت والزخرف، لا بد من وجود أحجار صالحة للبناء أو للنحت والحفر، حتى يكون في إمكان المعمار أو النحات تحويلها إلى أبنية أو

стр. 5091

أصنام وتماثيل أو ما شاكل ذلك. وأرض سهلة لا حجر طبيعي فيها لا يمكن أن يظهر فيها بناء أو فن إلا إذا كانت قريبة من مواطن الحجر أو من مواطن الحضارة حيث تستوردها عندئذ من تلك الأماكن. لذا نجد الفن الجاهلي قد تركز وانحصر وبرز في العربية الغربية وفي العربية الجنوبية وفي المواضع القريبة من مواضع الحجر ومن أهل المدر في الغالب. وفي اليمن أنواع من الأحجار الصالحة للبناء وللنحت، كما توفرت فيها، المواد المساعدة الأخرى التي تدخل في إنشاء العمارات مثل الجبس. ولهذا قامت فيها بيوت مرتفعة ذات طوابق متعددة، ولا يزال أهل اليمن وبعض أهل المواضع الأخرى من العربية الجنوبية يبنون البيوت والقصور المرتفعة السامقة، وما كان بوسعهم ذلك لولا وجود المواد الصالحة للبناء، التي تستطيع البقاء ومقاومة الطبيعة أمدًا١. وبفضل المواد المذكورة بقيت أبنية من أبنية الجاهليين اليمانيين إلى الإسلام, بقيت محافظة على نفسها وعلى شكلها العام، ولولا يد الإنسان التي لعبت بها وخربت أكثرها لبقيت أزمنة طويلة أخرى ولا شك. ولو كانت تلك الأبنية قد بنيت بالطابوق أو باللبن وبالمواد المستعملة في البناء في وسط وجنوب العراق، لما تمكنت من البقاء طويلًا؛ لأنها مواد لا تتحمل معاركة الطبيعة زمانًا طويلًا، لذلك تنهار بسرعة إذا لم ترعاها يد الإنسان دومًا بالإصلاح والتعمير٢. وقد ساعدت وفرة الرخام والحجارة الصلدة في اليمن في التعويض عن استعمال الخشب القوي الصلد في البناء فاستعمل المعماريون الأعمدة العالية الجميلة ذوات التيجان في رفع السقوف وفي إقامة الردهات الكبيرة وفي "الطارمات" أمام الأبنية، وفي واجهات المعابد بصورة خاصة، استعملوها بدلًا من الخشب الذي لا يتحمل الثقل كما يتحمله الحجر، والذي لا يعمر طويلًا كما يعمر الحجر. وبفضل هذه الحجارة استطاع المعماريون أن يستفيدوا من الماء بإقامة السدود القوية التي تتحمل ضغط السيول العالي عليها، وهذه ميزة لا نجدها بالطبع في العراق. وقد ساعدت طبيعة اليمن عامل البناء في نحت الحجر وقطعه وصقله وتكييفه بالشكل الذي يريده. وتمكن بذلك من وضع أحجار مصقولة بعضها فوق بعض

стр. 5092

لتكوين أعمدة منها أو جدر معبد أو حيطان سدود أو قصور بحيث يوضع حجر فوق حجر، فيجلس فوقه بصورة يصعب على الإنسان أن يتبين منها مواضع اتصال الحجر بعضه ببعض. ولولا وجود الحجر الجيد لديه لما تمكن من القيام بإنشاء الأبنية الضخمة المؤلفة من جملة طوابق والتي قاومت الدهر، ولكان بناؤه من الطابوق، أي: من اللبن الذي حُجّر بالنار، والطابوق لا يمكن أن يقوم مقام الحجر في البناء، ولا أن يقاوم الطبيعة وأن يعمر طويلًا. ونظرًا لصغر حجمه بالنسبة إلى الحجر، ولضرورة ربطه بعضه ببعض بمادة ماسكة مثل الجبس فإن البناء به لا يمكن أن يكون متينًا، ولا يمكن أن يقاوم الرطوبة والعوامل الجوية الأخرى، فيتآكل ويتداعى، ولا سيما في المواضع السهلة ذات الرطوبة، أو التي تتساقط عليها الأمطار بكثرة، فتكون سيولًا عارمة تكتسح ما تجده أمامها من أبنية مبناة بمادة غير متينة متانة الحجر. وتفيدنا دراسة المباني اليمانية في الزمن الحاضر فائدة كبيرة في تكوين فكرة عن البناء عن أهل اليمن قبل الإسلام. ففي هذا البناء الذي نراه عناصر عديدة لا تزال حيّة باقية، هي من بقايا البناء اليماني الجاهلي. وما قاله "الهمداني" في صفة بعض المباني والقصور الجاهلية التي كانت قائمة في أيامه ثم زالت، ينطبق على أوصاف القصور والمباني القائمة الآن، كما أن في دراسة أسماء أجزاء البناء وما يستعمل فيه فائدة كبيرة في حلِّ كثير من المعضلات الفنية المتعلقة بفن العمارة عند الجاهليين. وقد زال أكثر المباني الجاهلية، ويا للأسف، بسبب اعتداء الإنسان بجهله عليها. فقد حمله كسله وجهله على تدمير تلك الأبنية، لاستعمال حجارتها في بناء بيوت جديدة ولأغراض أخرى. ونجد في الأبنية الحديثة، وأكثرها أبنية رديئة قبيحة بالقياس إلى القصور القديمة، حجارة ضخمة، بعضها مكتوب عليها كتابة كاملة انتزعت من الأبنية الجاهلية، وبعضها ناقص الكتابة لتلف الكتابة المكملة أو لنقلها إلى موضع آخر. ونجد حجارة مكتوبة وقد طليت بالجبس، لإعطاء الجدار الذي دخلت فيه وجهًا أملس. ونجد في الكتب القديمة مثل كتب الهمداني إشارات إلى مثل هذه الأعمال، التي ما تزال جارية مستمرة بالرغم من قرار الحكومات المعنية بمنع هذه الأعمال. وقد حطمت تماثيل جميلة عثر عليها بين الرمال ولا تزال تحطم؛ لأنها في نظر العاثرين عليها أصنام لقوم كفرة، وتماثيل قوم ممسوخين

стр. 5093

غضب الله عليهم، فلا يجوز الاحتفاظ بها، فهشمت وعبث بها، وبذلك خسر العرب كنوزًا فنية وذخائر لا تقدر بثمن، كان في وسعنا الاستفادة منهما في تدوين تأريخ الجاهليين. وقد حطمت ودمرت قصور عظيمة في اليمن، بقيت بعضها قائمة إلى الإسلام، مثل قصر "غمدان" بصنعاء. الذي يبالغ أهل الأخبار في وصف ارتفاعه وضخامته، وقد كان مؤلفًا من طبقات بعضها فوق بعض، ثم هدم وقلّ في الإسلام، أمر الخليفة "عثمان" بهدمه، فزالت معالمه، ولو بقي إلى اليوم لكان من المفاخر١، ومثل المعابد الضخمة، وقصور الأسر الحاكمة، مثل قصر "شمر" بذي ريدان، وأبنية أخرى قوضت لأسباب عديدة، فضاع بذلك علينا تراث مهم. وفعل مثل ذلك في الأبنية الأخرى. ففي العراق مثلًا، هدمت قصور الحيرة وبيوتها، لاتخاذ حجارتها مادة لبناء الكوفة، و"وجد في قراطيس هدم قصور الحيرة التي كانت لآل المنذر، أن المسجد الجامع بالكوفة بني ببعض نقض تلك القصور، وحسبت لأهل الحيرة قيمة ذلك من جزيتهم"٢. وقد أضاعت علينا هذه الأعمال معالم قيّمة من تراث الجاهليين. وقد هدم قصر "يهر" "ذي يهر" ببيت حنبص، وهو أثر جاهلي مهم، بقي قائمًا إلى حوالي سنة "٢٩٥" للهجرة، فأمر بإحراقه "ابن أبي الملاحف" القرمطي، فأحرق، وظلت أخشابه تحترق أربعة أشهر على ما يزعمه الرواة، مبالغة منهم بالطبع٣. ولأهل اليمن عادات جميلة أفادتنا فائدة طيبة، وذلك بوضعهم على الجدر حجارة مكتوبة تحمل اسم الدار أحيانًا واسم صاحبها واسم الإله الذي تبرك صاحب المبنى بتقديمه إليه تيمنًا به، حتى الترميمات والإصلاحات التي يقوم بها أصحاب البناء تدون على هذه الحجارة، ولا سيما الترميمات والإصلاحات التي تدخل على المعابد والمباني العامة، تعين عليها بدقة تامة، فيذكر الموضع الذي ابتدأ به والموضع الذي انتهى منه، ويذكر مقدار ما صرف عليه في بعض الأحيان.

стр. 5094

ومن هذه الكتابات أخذ معظم علمنا بتأريخ اليمن القديم. ويظهر أن أهل الحجاز لم يكونوا على شاكلة أهل اليمن في بناء البيوت الضخمة من الحجارة والمواد البنائية الأخرى التي يعمّر بها البناء عمرًا طويلًا، بدليل ما نشاهده في اليمن وفي مواطن أخرى من الجزيرة العربية من بقايا معابد ومبانٍ ضخمة، وعدم وجود شيء من ذلك في الحجاز، وبدليل ما أورده أهل الأخبار من قصص عن مباني اليمن العادية، وما شاهدوه من بقاياها في أيامهم هناك، وهي تتحدث عن فن عمراني متقدم، على حين خلت أخبارهم من هذا القصص عن الحجاز، بل يظهر منها أن أكثر أبنية مكة ويثرب لم تكن إلا أبنية صغيرة ضيقة، أكثرها من اللبن أو الطين، وقد عرشت بجريد النخل وبالعيدان وبالأخشاب المحتطبة من التلال والجبال. وقد عرفت بيوت أهل الحاجة في مكة بـ"عروش مكة"١. وقد امتازت "يثرب" عن مكة بوجود "الأطم" بها، والأطم، هي قصور تتكون من طابقين في الغالب، أو ثلاثة طوابق، تكون ضخمة نوعًا ما يعيش فيها سادتها، وتكون حصونًا لأهل المدينة يتحصنون بها عند دنو خطر عليهم، ويحمون أموالهم بها. وقد بنيت بالآجر وباللبن أحيانًا، وبالطين أحيانًا أخرى، حيث تجعل الجدر عريضة، لتقف صامدة أمام الدهر وأمام المهاجمين، وتتخذ في أعلى الأطم مواضع يقف عليها المدافعون لرشق المحاصر بالسهام، أو بالحجارة، وبصب الماء الحار أو النار عليه إن قرب من جدار الأطم. وقد اتخذت الأطم في يثرب، لعدم وجود سور حولها يحميها من الأعداء، ولكونها مكشوفة، لا تحميها حواجز طبيعية، يتحصن بها أهل المدينة عند دنو الخطر منهم، فلم يجدوا أمامهم من وسيلة سوى بناء هذه الأطم للدفاع عن أنفسهم، على نحو ما فعل أهل الحيرة في مدينتهم، حيث بنوا القصور. وتوجد في أعالي يثرب إلى فلسطين بقايا حصون وقصور ومواضع قديمة، كانت آهلة عامرة، أما الآن فلم تبق منها غير بقية آثارها، وهي لا تزال مادة "خامًا" لم تكتشف، ولم تدخلها بعثات علمية منتظمة، وتشاهد عندها بعض

стр. 5095

أحجار مكتوبة، بقلم مشتق من المسند، وبلهجات عربية تختلف عن لهجة "ال"، أي: عن العربية التي نزل بها القرآن، مما يدل على أنها كانت في الأصل لقبائل كانت لهجاتها لا هي عربية جنوبية ولا هي عربية من عربية أهل البوادي، ولكنها كانت متأثرة بالثقافة التي تدون بالقلم المسند، ثم تأثرت بلغة الأعراب الذين جاءوها من البوادي وذلك قبيل الإسلام، فنزلت هذه المواضع، وزاحمت أهلها، ثم غلبتهم على أمرهم، فاختفت اللهجات العربية القديمة، وحلت محلها لهجة "ال". وسيجد المنقبون الذين سينقبون في المستقبل في هذه المواضع آثارًا ستحدد لهم الاتجاهات الثقافية والحضارية التي دخلت جزيرة العرب، واللغات التي كانت سائدة فيها. وفي المسند مصطلحات كثيرة خاصة بالبناء وبالآلات والمواد التي تستعمل فيه، وفي أجزاء البناء. واللهجات العربية الجنوبية هي أغنى بمصطلحات البناء من العربية التي نزل بها القرآن الكريم؛ وذلك لأن أهل العربية الجنوبية كانوا حضرًا في الغالب وأهل مدر، حتى إن أعرابهم كانوا يقيمون في أكواخ وعشش ثابتة مستقرة. لهذا كثرت في لغتهم ألفاظ الحضارة التي تقوم على الإقامة والاستقرار. وظهرت عندهم ألفاظ لمواد تستعمل في البناء مثل أنواع الصخور والحجارة، وكيفية قطعها، وأنواع الخشب المستعمل فيه، وآلات القطع أو آلات المعمار وغير ذلك من مصطلحات لا نجد لها مقابلًا في هذه العربية التي نتكلم بها؛ وذلك لأن حضارة البناء التي ظهرت في اليمن وفي بقية العربية الجنوبية للأسباب المذكورة لم يظهر ما يماثلها في المواضع الأخرى من جزيرة العرب، حيث قام عمرانها على المدر بالنسبة للحضر أي: على الأبنية المتخذة من المدر أو من اللبن أو من الآجر. ومثل هذه الأبنية، لا تحتاج إلى مصطلحات وإلى آلات كثيرة، ولما كانت الحاجة هي أم الاختراع في اللغات، لذلك قلَّت مصطلحات العمران في اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، بينما كثرت فيها مصطلحات أهل الوبر ومصطلحات البداوة، في مثل أجزاء الخيمة وما يتعلق بحياة الفرس والجمل. حيث قصرت دونها هنا لغة المسند. وقد درس الآثاريون في الأيام المتأخرة موضوع الفن العربي الجنوبي ووضعوا بحوثًا فيه، استندت على الملاحظات والدراسات التي قاموا بها في مواطن الآثار أو من ملاحظاتهم للقطع الأثرية وللصور التي أخذت لها. وقد وجد بعضهم مثل

стр. 5096

الباحثة "جاكلين بيرين" "Jacqueline Pirenne"، أن الحضارة العربية الجنوبية إنما برزت وظهرت في القرن الخامس قبل الميلاد، برزت بتأثير الحضارة اليونانية –الفارسية عليها. وقد زعمت أن القلم العربي الجنوبي أخذ من القلم اليوناني في ابتداء القرن الخامس قبل الميلاد، وأن عناصر الحضارة العربية الجنوبية، وخاصة الفن منها مثل النحت والعمارة، قد غرفت من مناهل يونانية - فارسية. أما ما قبل هذا الوقت، فلم يكن لشعوب الشرق الأدنى أي أثر حضاري أو ثقافي على أهل العربية الجنوبية١. وقد درست باحثة أخرى موضوع الفن العربي الجنوبي، هي "برتا سيكال" "Berta segal". ذهب اجتهادها بها إلى أن هنالك مؤثرات حضارية خارجية أثرت على الحضارة العربية الجنوبية، وأرجعت هذه المؤثرات إلى أثر يوناني هيلليني، وأثر سوري حثي وأثر فينيقي وإلى عناصر حضارية أخرى. وذكرت أن هذه المؤثرات أثرت على الحضارة العربية الجنوبية، وتولد من هذا المزيج الأجنبي والعربي حضارة العرب الجنوبيين٢. لقد تبين من دراسة الفخار الذي عثر عليه في العربية الجنوبية أنه من صنع محلي ومن تصميم محلي أيضا. وقد تبين أيضًا أنه لا يخلو مع ذلك من المؤثرات الأجنبية التي أثرت عليه، ولا سيما على المظهر الخارجي للفخار في مثل الزخرفة والشكل. فقد أثر الفخار العراقي والسوري على الفخار العربي الجنوبي، ويظهر من الفخار الذي عثر عليه في "هجر بن حميد"، أنه قد تأثر بمؤثرات شمالية سورية وعراقية٣. وتقدمت معارفنا بعض التقدم بالنسبة للفن المعماري عند العرب الجنوبيين. وتوجد

стр. 5097

لدينا فكرة عامة عن فن هندسة المعابد، أخذناها من فحص معابد "حقه" و"مأرب" وتمنع" و"حريضة" و"خور روري". وتقدمت معارفنا أيضًا في موضوع أبنية المقابر والأضرحة عند الجاهليين، وكذلك عن هندسة البيوت. وقد وجد أيضًا أن الفن المعماري قد تأثر بمؤثرات خارجية كذلك: بمؤثرات عراقية وسورية وفينيقية ويونانية ومصرية١. ويظهر الأثر اليوناني على سك العملة عند العرب الجنوبيين. فقد ضرب النقد على شاكلة النقد اليوناني، لا يختلف عنه إلا في وجود الحروف العربية الجنوبية على ذلك النقد. فالنقد العربي الجنوبي، هو تقليد ومحاكاة للنقد اليوناني، الذي ظهر في أيام "البطالمة" و"السلوقيين"، ويكاد يكون قالبًا لها، أضيفت عليه حروف المسند. فالبومة التي تمثل "أثينا"، والتي كانت تضرب على العملة اليونانية، ضربت على النقد العربي الجنوبي، إلى غير ذلك من أمور بحث عنها علماء "النمّيات". ولكننا لا نستطيع أن نقول اليوم: إن معارفنا عن الحضارة العربية الجنوبية قد تقدمت تقدمًا مرضيًا، وأنها صارت واضحة مفهومة، وسوف تبقى معارفنا عن هذه الناحية وعن النواحي الأخرى ناقصة ما دامت أكثر الآثار مدفونة تحت طبقات كثيفة من التربة لم تلمسها الأيدي حتى الآن. لقد تقدمت معارفنا عن هذه النواحي على نحو ما ذكرت بسبب قيام بعض الباحثين المحدثين بالتنقيب في بعض المواضع بصورة جدية علمية وبشيء من التعمق في باطن الأرض، ويمكن أن نتصور ما سيحصل عليه الباحثون من معلومات عن الجاهلية لو سمح لهم في التنقيب بأسلوب جدي علمي في باطن الأرض وفي مواطن الآثار. استعمل اللحيانيون لفظة "بنى" "بنا" للتعبير عن بناء شيء. وذلك كما نفعل نحن في عربيتنا. وتشمل اللفظة بناء كل الأبنية، من بناء بيوت أو قبور أو غير ذلك. وقد وردت في عدد من النصوص٢. ويعبر عن المبنى بالتعبير عن نفسه في العربيات الجنوبية، فيقال "مبنى". وإذا

стр. 5098

أريد التعبير عن تقديم البناء إلى إله أو جماعة، كأن يسمى باسم الإله ويحبس عليه، فيعبر عن ذلك بلفظة "قتدم" أي: قدم بهذا المعنى المفهوم منها في عربيتنا، وبمعنى أهدى١. وأما الفعل فهو "بنى"، وذلك كما في هذه الجملة: "عسى وبنى"٢، أي: "تملك وبنى". و"هبنى"، وذلك كما في هذه الجملة: "هبنا عقبتهن قلت"٣، أي: "بنى قلعة قلت". ويراد بـ"عقبت" "عقبة" القلعة. وللفظة علاقة بكلمة "عقبة" التي نستعملها نحن بمعنى صعوبة وعائق، ونجمعها على "عقبات". واستعمل اللحيانيون لفظة "حفر" بالمعنى المفهوم من اللفظة في عربيتنا. استعملت لكل أنواع الحفر: حفر الأسس أو الآبار أو العيون، أو الحفر على الأحجار والخشب، لغرض النقش والزخرفة، أو لأي هدف آخر٤. ويشق المعماريون أسسًا في الأرض للأبنية الفخمة، كالبيوت المؤلفة من طبقات عدة كالمعابد، لتحمل الأرض ثقل البناء. ويختلف عمق الأساس وعرضه باختلاف سمك الجدار وثقل البناء، ويحفر العمال الأرض بالقدر الذي يعينه البناء، حتى إذا ما بلغوا العمق المقرر، وضعوا المواد اللازمة كالحجارة أو الكلس المخلوط بمواد أخرى، ثم يترك الأساس مدة حتى يجف ويستقر، ثم يقام عليه الجدار. ويقال لهذا الأساس في العربيات الجنوبية: "موثر"، وهي بمعنى "الأس" والأساس والأسس في عربية القرآن الكريم٥. وقد ورد في كتب اللغة، "والوثير": الفراش الواطئ، وكذلك الوثر كل شيء جلست عليه أو نمت عليه فوجدته وطيئًا، فهو وثير٦. وتؤدي لفظة "مبحر" معنى: "أساس" وسناد. فـ"مبحر" كل بناء هو أساسه وسناده في لغة السبئيين٧.

стр. 5099

وترد لفظة "برا" بمعنى بنى وأنشأ وأقام وشقّ وما شابه ذلك١. وترد بعدها لفظة: "هشقر" في الغالب. ومن هذا الأصل لفظة: "مبرام" "مبرا" بمعنى برئ من الدين، وبراءة الذمة٢. وترد لفظة "برأ" في كت اللغة بمعنى الخلق. و "البرية": الخلق، وأصله الهمن، والجمع البرايا والبريّات. والبرى: التراب٣. وأما "هشقر" فمعناها أكمل الشيء، وانتهى منه، وأتمه وغطاه وستره. وهي من أصل: "شقر"، وترد من هذا الأصل لفظة "تشقر" و"شقرم"، بمعنى الأعلى والنهاية. وذلك كما في هذه الجملة: "بتوربم اد شقرم"٤، أي: من الأساس إلى الأعلى، أو إلى النهاية. و"ربب" معناها الأساس٥. أما أعلى البناء ونهايته، أي: تاجه الذي ينتهي عنده، فيقال له: "تفرع". و"تفرع" نهاية الجدار وأعلاه، والمكان الذي ينتهي فيه٦. ومن العبارات الواردة في بعض النصوص المتعلقة بالبناء، هذه العبارة: "بن موثر هو عدي مريمن"، وهي في معنى العبارة: "بن أشرس عد شقرن" التي ترد في النصوص المعينية، ومعناها من "الأساس إلى أعلى"٧. فلفظة "موثر" وكذلك لفظة "أشرس" هما بمعنى الأساس, أي: أساس البناء، و"وعد" حرف جرٍّ بمعنى إلى، و"مريمن" و"شقرن" كلاهما بمعنى أعلى، أي: أعلى البناء. ويقال لتعلية البناء: "تعلى". أما تقوية البناء والجدر وحمايتها من السقوط، فيعبر عنه بـ"تصور"، من أصل "صور" ومعناها وضع أوتدة وأعمدة عند

стр. 5100

الجدار أو البناء للتقوية والإحكام١. وهي بذلك قريبة من معنى "الظئر" في لهجة القرآن الكريم. ويعبر عن إتمام بناء ما أو إكمال شيء آخر بلفظة "تقه" و"قه"، بمعنى "وقه" أي: أكمل وأنجز. وهي مرادفة للفظة: "تفرع"، وللفظة "هوعب" أيضاً. وكلها بمعنى الإنجاز والإكمال والانتهاء من عمل ما. ولفظة "قه" هي من أصل "وقة". وتعني جملة: "إتقه عن"٢. انتهى وقد ذهب "رودوكناكس" إلى أن لفظة "وكن" هي بهذا المعنى, أي: أكمل وأنجز في بعض الأحيان٣. ويعبر عن إصلاح البناء وترميمه بلفظة "هحدث"، وهي فعل ماضي أي: "أحدث"، ومعناها أقام ورمم وأحدث وأنشأ. أما سقوط حائط أو سقف أو ما شابه ذلك، فيعبر عنه بلفظة "تل" و"تلت"، ومن هذا الأصل لفظة "تلو"، أي: الخرائب والتلال، وتقابلها لفظة "خيل" في المعينية، و"ذخبل"٤، أي: تداعى وسقط ووقع. وفي معنى الإصلاح والترميم أيضًا لفظة "غوث" الواردة في الكتابات المعينية٥. وقريب من هذا المعنى معنى "غوث" في لهجة القرآن الكريم، ففي الإغاثة معنى المساعدة والإصلاح وترميم التصدع وإصلاحه. وترد مع هذه اللفظة لفظة أخرى، هي "سعذب"، وهي فعل ماض بمعنى أعاد وأرجع الشيء إلى ما كان عليه٦، من أصل "عذب". وأما حرف السين الداخل على أول اللفظة فإنه في مقام حرف الهاء في السبئية، يدخلان على المصدر فيحولانه إلى فعل ماض. ويقال لمقدم كل بناء: "صلوتن" "الصلوة"٧. وقد وردت اللفظة في كتابات

стр. 5101

دونت لمناسبة إقامة سدود كذلك. ووردت في بعض الكتابات هذه الجملة: "بن ذت هورتن عدي صلوت بين ذن محرمن وميسلن"١، ومعناها: "من هذه الجهة الخلفية إلى الجهة الأمامية أو الصالة الأمامية بين هذا الحرم وموقد النار". ويقال للجهة الخلفية من البناء "هورتن". من أصل: "ورت"، بمعنى وراء. و"و َرَ هـ" في لغة أهل العراق، وذلك كما نرى في هذا النص. وتؤدي لفظة "صلوت" معنى "فناء" أيضًا، وقد تؤدي معنى موضع منعزل أو مكان للصلاة. وقد يراد به فناء يؤدي إلى "مبسل" يقع مقابله تمامًا٢. وللفظة "صلوتن" "صلت" "صلوت" معنى آخر بعيد عن هذا المعنى بعدًا كبيرًا، هو "وثيقة" و"شهادة" و"عقد"، فتكون في معنى "سمع" و"اسمع" التي تطلق على هذا المعنى أيضا في العربيات الجنوبية٣. ويقال للباب "خلف" و"خلفتن" في السبئية. ويراد بـ"خلف" و"خلفتن" "الخلفة" الشباك كذلك٤. وقد كان أصحاب القصور يستعملون الشبابيك كثيرًا في قصورهم، ويزينونها بالرخام الرقيق وبالزخارف لتظهر جميلة خلابة: ويقصد بـ"خلف" و"خلفتن" المنافذ الخلفية كذلك. وتتكون الأبواب من "مصرع"، أو من "مصرعي"، ويراد بذلك "مصراع" واحد أو مصراعان٥. ويعبر عن الباب بـ"الخلف" في عربيتنا كذلك٦. وأما لفظة "مصرع الباب" و"المصرع" و"مصراعا الباب" فمعروفة في عربيتنا كذلك٧. ويعبر عن الباب العظيم، أو الباب المغلق وفيه باب صغير، أو عما يغلق به

стр. 5102

الباب بلفظة "رتج" "رتاج" في اللحيانية١. ولفظة "رتاج" لفظة معروفة في عربيتنا كذلك. ويعبر عن السلالم والدرجات بلفظة "احلين"، تطلق على السلالم من أية مادة مصنوعة، من الحجر أو الخشب٢، كما يعبر عنها بلفظة "علوم" و"علوه" أيضًا؛ لأنها طريق يؤدي إلى أعلى٣. ولفظة "علية"، والجمع "علالي"، هي عند أهل الحجاز بمعنى غرفة أيضاً، والجمع "غرف" و"غرفات". وقد وردت لفظة "غرف" و"غرفات" في القرآن الكريم٤. وعبر عن السقف وسطح البناء بلفظة "ظلتن" و"ظلل", أي: "الظلة"٥ و "الظل". وذلك لاستظلال الإنسان بالسقوف وحمايتها للبيوت والغرف من وهج الشمس. ويعبر عن الشيء المسقوف مثل ذي سقف أو ما شابه ذلك بلفظة "مسقفن"٦، أي: "المسقف"، من أصل "سقف"٧. وردت لفظة "مسقف" بمعنى الموضع المسقوف٨. ويعرف المكان الذي ينفذ منه النور إلى مكان ما "مصبح" في الحضرمية. ويمكن أن نقرأها "مصباح" كذلك. فالمصباح الكوة أو النافذة التي ينفذ منها النور إلى مكان ما. والنور هو "صبحت" في الحضرمية, وذلك كما ورد في هذه الجملة: "صبحت عينو"٩، أي: "نور عينه"١٠.

стр. 5103

وأما الموضع الذي ينفذ النور إليه، ويستقر فيه، وقد يكون مسقوفًا وربما لا يكون مسقوفًا، فيقال له: "منحل"١. وعلى هذا المنحل يكون المصبح, أي: المنفذ الذي ينفذ النور منه٢. ويعبر عن الجدار والسور بلفظة "جنا" في لغة المسند٣. وقد فسر بعض علماء العربيات الجنوبية لفظة "بره" بمعنى مجاز٤. ومن هذا الأصل أخذت كلمة "ابرى"٥، ولعلها تؤدي معنى خارج كذلك. وترد لفظة "أردف" في مصطلحات البناء كذلك٦، وتعني طرف البناء، وطرف كل شيء. وقد استعملت للتعبير عن تحصين جانب القلعة أو الحصن مثلًا، أو تحصين جوانب وأطراف برج ما٧. ويعرف مقدم البناء أو مقدم أي شيء بـ"قدم" وبـ"انف". أما الجهة المضادة للمقدمة فيقال لها: "معذر"، فمعذر أي: بناء أو أي شيء هو الجهة الخلفية لذلك البناء أو لذلك الشيء، كما تطلق هذه اللفظة على الأسوار الخلفية للمدينة٨. ويقال للطابق الأعلى من البناء "علوهو" "علوه"٩، و"علين" "عليان"، لعلوه بالقياس إلى الطابق الذي تحته. أما الطابق الأسفل، فيقال له: "سلفه" "سفلهو"١٠. ويقال للبيت إذا كان فوق البيت: "علية" والجمع "علالي". وتقابل لفظة "علية" لفظة "غرفة" والجمع "غرف" و"غرفات". والغرفة عُليّة من

стр. 5104

البناء. وسميت منازل الجنة "غرفاً"١. ويعبر عن العمل الفني المتقن بلفظة "نكل"، ومن هذا الأصل لفظة "نكلو" و"نكلتو" في الأشورية٢. وقد كان أصحاب الأبنية يذكرون المواد التي استخدموها في الأبنية بكل تفصيل لا يكتفون بذكر أسماء المواد فحسب، بل يذكرون حتى صفاتها. فإذا كان الحجر غير مهندس ولا مصقول ذكروه، وإذا كان مصقولًا ومهندسًا ومقطوعًا عبروا عن ذلك بلفظة "تقرم"٣. ويقال للحجارة الحادة أو الملساء "زلت"، وهي تقابل لفظة "زِلّة" في لهجتنا٤ وهي بمعنى أرض ذات حجارة ملساء أو حادة في اللهجتين المعينية والسبئية كذلك، وتعني لفظة "صلال" ألواحًا من الحجر في اللهجة الحضرمية. وأما الجمع فهو "ازلت"٥. وتؤدي لفظة "زلت" معنى سيلان الزفت أو القار على أرض ما كأرض غرفة مثلًا أو أرض شارع أو حمّام لتبليط الأرض بهذه المواد. وذلك كما يفهم من هذه الجملة: "زلت أوسطهس" أي: "وزفت أو وقير الأواسط"، ويراد بالأواسط وسط الأشياء أو الشيء٦. ويقال للحجارة المكسرة الناتجة عن تكسير الأحجار الأخرى أو عن القلع "جربم" "جرب". ويراد بها الحجارة المقطوعة أيضًا. وتوضع هذه الحجارة في أماكنها على نحو ما قلعت من المقلع، فلا تصقل، ولا تمسها آلات الصقل. أما الحجارة المقلوعة التي تصقلها الأيدي وتنقحها، فتعرف بـ"منهمتم" "منهمة". وتبنى هذه الحجارة مع الحجارة الأخرى، وتوضع بينها مواد البناء التي تلزم تلك الحجارة. والعادة هي أن توضع الحجارة المصقولة المعمولة المهندسة

стр. 5105

في جبهة الجدار لتكسبه منظرًا جميلًا حسنًا، توضع وراءها الحجارة الأخرى المقطوعة؛ وذلك لأن صقل جميع الحجارة التي تدخل في البناء يستنفد وقتًا كبيرًا كما يكلف ثمنًا باهظاً. ويضع المعمار الحجارة بالطبع وضعًا متناسبًا بحيث لا تكون مرتفعة أو منخفضة وتملأ الفرج ومواضع اتصال الحجارة بمواد البناء التي تلزمه وتمسكه بين الحجارة١. وقد توضع الحجارة لـ"جرب" على شكل طبقة واحدة في الجدار أو على هيئة طبقات وصفوف للزينة. ونجد هذه الطريقة في أبنية الحبشة كذلك٢. ومن هذا الأصل جاءت لفظة "جربة" و "جروب" بمعنى المدرجات التي يضعها الفلاحون على الجبل، وذلك لزرعها بأنواع المزروعات، ولا سيما الكروم٣. وكذلك الأسوار التي تحيط بالبساتين. وهناك من يرى أن "منهمتم" من "منهمت" "منهمة" تعني على العكس الحجارة المقلوعة غير المصقولة. و"حجر منهوم" بمعنى مقطوع غير مصقول٤. وهناك لفظة أخرى تطلق على الحجارة المنحوتة المهندسة باليد هي "تقرم" من أصل "تقر"٥. وهناك نوع آخر من الحجر يقال له: "بلق"٦. وقد ذكر علماء اللغة أن "البلق" الرخام وحجارة باليمن تضيء ما وراءها كالزجاج٧. ويعبر عن قطع الحجارة من الصخر وعن صقلها لجعلها صالحة للبناء، بلفظة "اثع" في اللحيانية٨. وأرض اللحيانيين أرض صلدة صخرية، لذلك استخرج اللحيانيون حجر أبنيتهم منها فبنوا بها بيوتهم، كما نحتوا الصخور وجعلوها على هيئة كهوف لكي تكون ملاجئ لهم.

стр. 5106

ويعبر عن تكسير الصخور وثقبها وعمل خرق بها بلفظة "جوبن"، وتعني "الجوب". والجوب هو عمل نقب في الحجر، أو ممر. وأما لفظة "جوب" فجمع "جوبة"، ويراد بها الفراغ بين شيئين١. ويُستعان بفئوس ومطارق في تكسير الحجارة وهندستها وإصلاحها لتتخذ الشكل المطلوب. فتستخدم المطارق الثقيلة في كسر الحجارة. وتكون ذات رءوس مختلفة الأشكال تناسب المهمة التي تؤدى بها. وتستعمل الفئوس في هندسة جوانب الحجارة وصقلها، وهي ذات أشكال مختلفة كذلك، منها ذات رأس حاد نابت يتصل بقاعدة عريضة وتستخدم في نقر الحجارة، ومنها ذات رأسين حادين عريضين، ولها خصر في الوسط وتستخدم في شذب أطراف الحجارة وصقلها. ولا تزال هذه المطارق والفئوس مستعملة في مثل الأعمال التي قام بها الجاهليون. ويعبر عن تزيين الحائط وزخرفته بالحجارة أو بالأخشاب التي يوضع بين حجر الجدار وطابوقه بحيث تبرز للعيان وتوضع في أبعاد متناسقة، يعبر عن ذلك بلفظة "موسم". ومن هنا لفظة "وسم" التي تعني التزيين والتزويق أيضًا٢. فلفظة "موسم" تعني الزخرفة والنقش في البناء٣. وأما الحجارة المصنوعة وما يقال له: "طابوق" في العراق، أي: الحجارة المكونة من الطين المشوي، فيقال لها: "لبتم" "لبت"٤. ويراد بها اللبن كذلك, أي: الطين المجفف. وعادة مزج الحجارة المصنوعة, أي: الطابوق بالحجارة الطبيعية المقلوعة سواء أكانت مصقولة أم غير مصقولة هي عادة معروفة في البناء في الشرق٥. وأما اللبن، أي: الطين المجفف بالهواء وبأشعة الشمس والمصنوع بقوالب ولكنه لم يوضع في النار لإحراقة، فيقال له: "لبن" أيضًا. وقد ورد "لبن شمس" أيضًا٦. ويطلق العبرانيون لفظة لبنة على اللبن، وعلى الطابوق, أي: اللبن المفخور بالنار.

стр. 5107

وقد عثر المنقبون على لبن جاهلي في أماكن متعددة من جزيرة العرب. وقد كان أهل الحجاز يستعملونه في أبنيتهم، لم ينفردوا بالطبع في ذلك وحدهم، بل كان يفعل ذلك كل الجاهليين، وقد بني مسجد الرسول باللبن. وكان الرسول ينقله مع الناقلين وهو مختلف الحجم. بعضه واسع ثخين، وبعضه متوسط أو صغير. ويكثر استعماله في الأمكنة التي تقل فيها الحجارة، وتتقلب على طبيعة أرضها التربة الطينية، فيكون من السهل على أهلها إقامة أبنيتهم باللبن بارتفاعات مختلفة تبعًا لمتانة البناء ورغبة صاحب البناء في الارتفاع. وقد عثر على آثار قلاع وحصون وأسوار بنيت باللبن. ويمكن لمثل هذه الأبنية البقاء مدة طويلة، لجفاف أجواء الشرق الأوسط وقلة الأمطار فيه، ولا سيما إذا كانت ذات أسس وقواعد وجدر ثخينة وفي أماكن جافة بعيدة عن رطوبة الأرض. أما الطابوق، أي: الآجر، فيتكون من طبخ اللبن في الكورة, أي: الأتون، أو بتكديس اللبن طبقات وصفوفًا، ووضع الوقود بينها، فإذا اشتعلت النار يصلد اللبن ويشوى فيكون آجرًا. وطريقة صنع الآجر بإحراق اللبن في الأتون، لا تزال شائعة معروفة في جزيرة العرب. وهي طريقة صنع الطابوق عند الفراعنة والسومريين والأشوريين والبابليين وغيرهم من الشعوب. ولم يكن في استطاعة الفقير بناء بيته باللبن أو بالطابوق، بل كان يشيد بيته بنفسه بالطين، فيقيم جدره بالطين طبقة طبقة، إذا جفت طبقة وضع فوقها طبقة أخرى، وهكذا، ويسقف بيته بالأغصان، وبسعف النخل، ويضع فوقها طبقة من الطين لتخفف عنه وهج الحر في أيام الصيف، وتمنع عنه سقوط المطر عليه عند نزوله. أما الأعرابي فلم يكن له بيت دائم، لا من الآجر ولا من اللبن، بل كان بيته خيمة تنتقل معه حيث يشاء، يستظل بها وينام تحتها، فهي بيته الحقيقي. ويقوّى الطين الذي يصنع منه اللبن أو تقام به جدر البيوت أو تفرش به سقوف البيوت بالتبن، يخلط مقدار مناسب منه بالتراب، ثم يعجن الخليط ويترك مدة حتى يختمر، ثم يستعمل عندئذ، فيكون أقوى وأدوم بقاء من اللبن أو الطوف المصنوعين من التراب الصرف. وهذه الطريقة معروفة أيضًا عند العراقيين والمصريين وعند غيرهم من الشعوب في العهود القديمة ولا تزال مستعملة عند

стр. 5108

حَفَدَتهم. ويعرف التبن بـ"تبن teben"عند العبرانيين١. وتطين جدر البيوت الفقيرة والريفية بالطين، وذلك لتكون مُلْسًا خالية من الثقوب. ويستعمل الطيّانون آلة تسمى المسجة. ويذكر علماء اللغة أنها يمانية، وأنها خشبة يطين بها، وهي المالجة بالفارسية. ويعبر عن تطيين الحائط بلفظة وسج، وذلك إذا مسج الحائط بالطين الرقيق. وقد ذكر علماء اللغة أن السجة والسجة صنمان٢. ويقال للحجارة المربعة، سواء أكانت مقلوعة أم مصنوعة، "ربعتم" "ربعت" "ربعة" أي: "مربعة"٣. وهي تدخل في البناء إما مستقلة، وإما مع أنواع أخرى من الطابوق والحجارة. وقد توضع على مسافات وأبعاد متناسبة ومتناسقة، لتكوّن نوعًا من أنواع الزخرف في الجدر. وقد ذكر "الهمداني" في صدد ذلك هذه الجملة: "المكعب وذلك بكعاب خارجة في معارب حجارته على هيئة الدروق الصغار"٤. وهذا النوع من الزخرفة معروف في اليمن. أما في الحبشة، فقد كانوا يضعون حجارة منحوتة على هيئة رءوس قردة للزينة٥. ويعبر عن إدخال الحجارة بين حجارة أخرى للزينة أو الزخرفة أو ملء الفراغ بين جبهتي جدار بحجارة صغيرة لسدِّ الفراغات "ولج". أما "مولجم" "مولج"، فتعني الموضع الذي وضعت تلك الحجارة فيه٦. والإيلاج هو إدخال شيء في شيء. وأما الحفر على الحجر أو الجدار، بقصد التزيين والزخرفة، فيعبر عنه بلفظة "فتخ"، وتقابل بلفظة "بتاخو Patahu". والحفر والنقش العميق على الحجارة والطابوق من مذاهب التزيين المتبعة في الشرق حتى الآن. وقد ذهب "رودوكناكس" إلى أنها تعني معنى "ولج" كذلك، أي: إدخال الحجارة المحفورة والمنقوشة والمنحوتة بين حجارة جدار ما مثلًا للتزيين والتزويق٧

стр. 5109

وتؤدي لفظة: "فلزتم" "فلزت" "فلزة"، بمعنى: أبعاد وطريق جانبي وإخلاء وحفر ونقب. وقد أريد بها عمل ثقب في جدار في بعض الكتابات١. وكان من عادة أهل اليمن صهر الرصاص وصبه بين حجارة الأعمدة وفي أسسها، وذلك لربطها وتقويتها، ويقال لذلك: "صهرم"٢ من "صهر"، التي تعني جعل الرصاص مائعًا يصب في المكان المراد تقويته أو تثبيته، أو لأي غرض آخر من هذا الصهر. وقد استعملوا الرصاص المصهور في سدِّ "مأرب" كذلك، استعملوه مادة ماسكة تمسك بعض الصخور التي تؤلف الجدر الأمامية وفي مواضع أخرى منه٣. وقد استعمل المهندسون العرب الجنوبيون "القيطران" القار في البناء. استعملوه خاصة في الأماكن الرطبة والتي تسيل عليها المياه وفي الأسس لمنع الرطوبة، كما استخدموه في رصف الشوارع ورصف قيعان السدود. فقد وجدت آثار قيعان بعض السدود وهي مرصوفة ومكسوة بطبقة من القطران. وفي معنى "قطر" ترد لفظة "قثر"، و"قتر" أيضًا". و"القتار" بمعنى الدخان. ومن هذا المعنى جاءت جملة: "قتر اللحم" أي: شُوي وظهرت رائحته. وفي معنى "قطر" لفظة "هيع" أيضًا. ومعناها "سال" و"ماع". ولهذا استعملت في النصوص ذات الصبغة الدينية في القرابين حيث تسيل دماؤها، وفي الري لسيلان الماء، وفي صهر المعادن٤. وفسر بعض الباحثين لفظة "هيع"، بمعنى بنى، أي: أنشأ بناءً، وفي مقابل لفظة "برا" في المسند٥. واستعملت مواد دهنية مستخرجة من زيوت بعض الأشجار في منع الرطوبة أو الماء من التسرب إلى الأسس والجدر والسقوف. والخشب هو "عض"٦ في العربيات الجنوبية. وقد استعمله العرب الجنوبيون

стр. 5110

في تسقيف بيوتهم, ولعمل الأبواب، كما أدخلوها في البناء كذلك لتقويته. أما لفظة "عضن" "العض"، فقد ذهب "رودوكناكس" إلى أن المراد بها نوع خاص من الخشب، نوع ذو رائحة زكية، يستعمل خاصة للحرق في مذابح المعابد١. ويلاحظ من فحص بقايا بعض الأبنية القديمة من عهود ما قبل الإسلام أنها خالية من المواد الماسكة التي توضع عادة بين الحجر لتثبيته بعضه على بعض. ومعنى هذا أن المهندسين المعماريين كانوا قد وضعوا هذه الحجارة بعضها فوق بعض على نحو يجعلها كأنها متداخلة بعضها في بعض فتثبت مدة طويلة وتتماسك وتصبح وكأنها قد لصق بعضها ببعض بمادة من المواد المستعملة في العادة في تثبيت الحجارة مثل الجص أو الكلس أو الطين، ويسمى بـ"الخلب" عند أهل اليمن اليوم٢. يوجد صورة يراد سحبها بالاسكانر من بقايا سد مأرب من كتاب "Qataban and Sheba" "ص٢٢١" والحجارة التي أقصدها هي صخور اقتطعت من الجبال، وأكثرها هي صخور كبيرة, وهي بعد أن تسوّى وتشذب وتهذب يوضع بعضها فوق بعض بحيث تتثبت

стр. 5111

بعامل الثقل وبهذه الطريقة تقام الجُدُر، ويجري ذلك في المباني الضخمة الكبيرة التي تستعمل فيها الصخور. وأما أوجه الجدر من الداخل فقد تملج بمادة كالجص لتجعلها مُلْسًا ناعمة، وبذلك تسد الفرج بين محال اتصال الصخور. واستعملت في مبانٍ أخرى المواد البنائية التي توضع بين الآجر والصخور الصغيرة والحجارة لتثبيتها ولضمان تماسكها. ومن هذه المواد: الجص والطين والكلس، وقد تكحل الفواصل التي بين الأحجار بالكلس وبالجص لسدِّ الفرج بينها وللزينة أيضًا. وأما الجدر الداخلية فتكسى بطبقة لتجعلها جميلة مُلْسًا على نحو ما يفعله أهل اليمن وما يفعله غيرهم في الزمن الحاضر. وقد وجدت البعثات الأثرية التي نقبت في العربية الجنوبية بقايا جدران بيوت، وقد كسيت بطبقة ملساء من الجص, تدل على مهارة البناء في ذلك الوقت. وقد تزخرف المواضع البارزة من الجدار بزخرف يصنع بقوالب خاصة توضع عليها المادة اللينة التي يراد زخرفتها، فإذا جفت رفع القالب عنها، فتظهر بارزة بالحفر التي تكون حولها. وتكسى الجدر الخارجية للبناء بالجص والكلس في بعض الأحيان. فإذا كسيت بالجص، ظهرت بيضًا ترى من مسافات بعيدة، جاء في شعر لعدي بن زيد: شاده مرمرًا وجلله ... كِلْسًا فللطير في ذراه وكسور١ وقد ورد الجص لغة، والعرب تسميه القصة٢. ولم يكتفِ المتفنن العربي الجنوبي بإقامة الأبنية فحسب، بل استخدم الحجارة للتعبير عن شعوره وعن خواطره، ينحتها على الصخور ويبثها على ألواح الحجر. وإذا كان العربي الصحراوي قد عبر عن شعوره وعن خواطره بالشعر ينظمه أبياتًا أو مقاطع أو قصائد، يسر نفسه بها, ويسر الآخرين، فقد عبر العربي الجنوبي عن مشاعره وخواطره بنوع آخر من الشعر، هو الشعر المادي المتمثل في البناء وفي النحت والتصوير بالإضافة إلى الشعر المعروف الذي لم يترك لنا أثرًا مكتوبًا منه ويا للأسف.

стр. 5112

والعربي الجنوبي متفنن بطبعه مذواق، لم يكتف بهندسة الحجارة وصقلها وتزيينها، بل اهتم بالألوان كذلك وبالمظاهر الخارجية للبناء، فاتخذ الحجارة الملونة للبناء، وكوّن منها مناظر متعددة الألوان، محاكاةً للطبيعة، وتأثيرًا على النظر. وبنى جدران قصر غمدان من حجارة ذات ألوان مختلفة، فبنى سافًا بالحجارة البيضاء، وبني سافًا آخر بحجارة سُود، وبنى سافًا ثالثًا بحجر أحمر، وسافًا آخر بحجر أخضر١ وهكذا، وذلك إمعانًا في التفنن وفي التزويق ولا شك، وكسا السقوف والأبواب والأعمدة وبعض الجدران بصفائح الذهب والفضة وبالحجارة الكريمة وبسن العاج والأخشاب الغالية الثمينة، فأكسب البناء روعة وجمالًا وخشوعًا. ونجد ذلك في المعابد وفي القصور٢. واستعمل المعمار العربي الجنوبي الرخام لإكساء أوجه الجدران أو في فرش أرض الغرف والمعابد ليكسبها بهجة وجمالًا، واستعمله ألواحًا رقيقة تزخرف بالصور والنقوش، لتعبر عن مباهج الحياة، كما استعمل ألواحًا رقيقة شفافة منه لتكون مكان الزجاج المستعمل في النوافذ في وقتنا الحاضر. ولا يزال أهل اليمن يستعملون الرخام المرقق في نوافذهم، توارثوا ذلك عن آبائهم وأجدادهم، وهو يعطي النافذة رونقًا وجمالًا لا يتوافران في الزجاج. وتكون النوافذ والشبابيك في جدار الغرفة المطل على صحن الدار. أما الجدر المقامة على الطرقات والأزقة، فتكون خالية منها وذلك لئلا ينفذ منها اللصوص أو الأعداء إلى الدار، وليمنع المارة من التطلع إلى داخل الغرف والبيوت. أما البيوت المرتفعة المكونة من طابقين فأكثر، فقد حليت بالنوافذ، ومن هذه النوافذ ما كان يصنع من الخشب ومنها ما كان يصنع من الحجارة، ولا سيما الرخام. وجعل العربي الجنوبي الطوابق العليا مواضع للدفاع عند الحاجة، ولا سيما في الأماكن المنعزلة النائية، وجعل لمزارعه مواضع مرتفعة مبنية أو من الأخشاب أو على الأشجار لمراقبة من يحاول السرقة وسلب الفلاح ثمار أتعابه. والنافذة ضرورية جدًّا بالنسبة للأبنية العالية التي عرفت بها العربية الجنوبية،

стр. 5113

وذلك للدفاع بواسطتها عن البيوت ولدخول النور والهواء إليها، وقد صنعت من لوح مرقق من الرخام، عملت فيه ثقوب، لدخول الهواء منها. وتعمل الألواح المصنوعة من الرخام ألواحًا رقيقة جدًّا، وقد تكون شفافة كالزجاج، لتنير الغرف. ولا تزال نوافذ بيوت العربية الجنوبية محافظة على طرازها القديم. وقد استخدمت بعض النوافذ الجاهلية في البناء. وقد صنعوا النوافذ من الخشب أيضًا، زخرفوها بزخارف جميلة وأحاطوها بأحجار أو بمرمر لتمسكها ولتعطيها منظرًا جميلًا. يوجد صورة يراد سحبها على الاسكانر. قصر الإمام أحمد بمدينة "تعز"، وترى نوافذ وهي ذات طابع يماني قديم من كتاب: Gunther Pawelke, Jemen "ص٥٧" ويعبر في اللحيانية بلفظة "بت"، أي: "بيت" عن معنيين، عن معنى "بيت"، أي: موضع سكن، وعن معنى معبد. وذلك كما في هذه الجملة: "بنيو بت هصن لذ غبت"١ معناها: "بنوا بيت هصن لذي غابة"،

стр. 5114

و "ذو غابة" هو إله اللحيانيين، أو بتعبير آخر: "بنوا معبد هصن للإله ذي غابة". ويعبر عن البناء والبناية بلفظة "مبنى" في لغة سبأ١. وهي من أصل "بنا" "بنى". وقد ذكر علماء اللغة أسماء الدور بحسب نوع بنائها من حيث المادة أو المساحة أو الارتفاع وغير ذلك. ويقال للدار: المنزل كذلك والدارة والمنزلة والمباءة والمعان والوطن والمغنى والمثوى والمربع٢. والصرح هو كل بناء مرتفع. وأما الأطم والأجم فالحصن. والدار المسكن والبيت، وترد اللفظة في النصوص اللحيانية، قال "ابن الكلبي": "بيوت العرب ستة: قبة من أدم، ومظلة من شعر، وخباء من صوف، وبجاد من وبر، وخيمة من شجر، وقنة من حجر, وسوط من شعر، وهو أصغرها". وقال البغدادي: الخباء بيت يعمل من وبر أو صوف، أو شعر، ويكون على عمود أو ثلاثة، والبيت يكون على ستة أعمدة إلى تسعة. والخيمة في عرف العرب: كل بيت من بيوت الأعراب مستدير، أو ثلاثة أعواد أو أربعة يلقى عليها الثمام ويستظل بها في الحر، أو أعواد تنصب وتجعل لها عوارض وتغلل بالشجر فتكون أبرد من الأخبية. أو عيدان تبنى عليها الخيام، أو ما يبنى من الشجر والسعف يستظل به الرجل إذا أورد إبله الماء. والخيمة عند العرب البيت والمنزل وسميت خيمة٣؛ لأن صاحبها يتخذها كالمنزل الأصلي. وورد أن الخيمة لا تكون إلا من أربعة أعواد, ثم تسقف بالثمام ولا تكون من ثياب، وأما المظلة، فمن الثياب وغيرها٤ و"القبة" من البناء ومن الأدم. وقيل: القبة من الخباء بيت صغير مستدير وهو من بيوت العرب٥. و "المظلة": الكبير من الأخبية، قيل: لا تكون إلا من الثياب، وهي كبيرة ذات رواق، وربما كانت شقة وشقتين وثلاثًا،

стр. 5115

وربما كان لها كفاء، وهو مؤخرها. قال بعض العلماء لا تكون المظلة إلا من الشعر خاصة. إلى غير ذلك من آراء١. والخباء: ما يعمل من صوف أو وبر، وقد يكون من شعر، وقد يكون على عمودين أو ثلاثة، وما فوق ذلك، فهو بيت٢. ويظهر من تضارب آراء العلماء في تعريف الأسماء المذكورة، أنهم أخذوا معانيها من موارد مختلفة من رعاة ومن شبه حضر ومن أعراب، ومن جهات مختلفة، فكان كل مورد يفسر الشيء تفسيرًا يختلف عنه عند مورد آخر، فتضاربت من ثم تلك الآراء. ويقال لصحن الدار: حُرّ الدار وقاعتها وباحتها وساحتها وصرحتها وبحبوحتها. وفي الدار البيت. والمخدع، وهو البيت في البيت، والنفق والسرب، فالبيت تحت البيت ويتألف البيت من غرف. والغرفة في أعلى هي "العلية" والجمع علالي. والخزانة هي التي يحفظ فيها الشيء. والمرقد، هو المضجع٣. وما يحيط بالبناء هو الحائط والجدار. والأُس هو أصل الحائط. والرهص، هو البناء من الطين الموطوء، ينضد بعضه فوق بعض، ويقال للنضدة الواحدة دمص، أما النضدة السفلى، فيقال لها رهص٤. والخط الواحد من الحائط ساف، ويقال للصف الواحد من اللبن أيضًا ساف٥. وإذا أقيم الآجر بعضه فوق بعض، فهو السميط٦. ويقال للحائط حين يبلغ العقد أو الثقيف أو التقبيب، ارتفع الحائط. ويقال للعقد: عقد الأزج وللبيت مغمى إذا سقف بالخشب، وبيت مقبب إذا كان ذا قباب. أما إذا كان على هيئة السنام، فيقال له بيت مسنم. والبرزخ الفرجة بين الأزَجَين في صهوة البيت، والهدف ترس الأزج. وتقوى الجدر بالأوتاد، وذلك برز الوتد في الحائط عند البناء، وقد عثر
следующие страницы →