النقطة في موضع يجب ألا توضع فيه، أو بوقوع سهو في عدد النقط.
وقد راعى الكتاب استعمال الخطوط العمودية للفصل بين الكلمات مراعاة تامة؛ لأنها هي العلامة الوحيدة التي ترشد القارئ إلى انتهاء لفظة وابتداء لفظة جديدة، ولم يخطر ببالهم وضع فراغ بين نهاية كلمة وابتداء كلمة جديدة، أو لأنهم لأمر ما لم يستعملوا هذا الفراغ خشية حصول التباس قد يفسد على القارئ قراءته، وقليلًًا ما خالف كتابهم هذه الطريقة فأغفلوا وضع هذه الأعمدة الفاصلة. ولم يستعمل كتّابهم علامة ما دالة على انتهاء جملة وابتداء جملة أخرى جديدة أو انتهاء فصل وابتداء فصل جديد، كذلك لم يستعملوا ما نستعمله نحن في الزمن الحاضر من علامات فواصل لأداء معاني خاصة يقتضيها الكلام وعلامات استفهام؛ لأن هذه الأشياء من الأمور المتأخرة التي أدخلت على الكتابات الغربية، ولم تكن معروفة عند الأقدمين.
وحروف المسند حروف غير مشكلة، فليس فوقها أو تحتها حركات كما هي الحال في عربيتنا حين نرغب في تحريك الحروف. وهي غير منقطة كذلك فلا نقط فوق بعض الحروف أو تحتها لتمييزها عن غيرها من الحروف المشابهة لها كما هي الحال في أبجديتنا أيضًا، ولم يرمز عن الحركات بحروف أو برموز تستعمل مع الحروف الصامتة داخل الكلمة ليتمكن بها القارئ من النطق بالكلمة النطق الصحيح كما حدث ذلك في الأبجديات اللاتينية، وفي الأبجديات الأخرى التي سارت على نهجها وسبيلها، ولم يرمزوا عن حرف المد بشيء ولا عن السكون أو التشديد. وهذا مما جعلنا في حيرة من النطق بكلماتهم نطقًا صحيحًا مضبوطاً، وجعل القارئ الحديث يذهب مذاهب مختلفة في كيفية ضبط الكلمة وفي كيفية النطق بها. فلفظة مؤلفة من حروف صامتة وحدها، لا يمكن أن ينطق بها النطق الصحيح المضبوط ولا يمكن معرفة معانيها بسهولة، وقد ولدّت هذه الطريقة مشكلات كثيرة لنا من حيث التوصل إلى معرفة نحو تلك اللهجات وصرفها١.
ولا توجد في المسند علامة لتشديد الحرف، وقد يكتب الحرف مرتين كما هي الحال في الأبحديات الأوروبية للدلالة على أن الحرف مشددٌ، ويكون ذلك في الكتابات المعينية٢.
стр. 5287
واقتصار الكتَّاب على استعمال الحروف الصامتة وحدها، جعل من العسير علينا البت في كيفية النطق بالكلمات والتعرف بسهولة على مواضع الكلم من الإعراب.
ولولا الاستعانة باللهجات العربية الباقية المستعملة في اليمن، وبلغة القرآن الكريم، وبالمعجمات، وباللغة الحبشية، لكان من الصعب على القارئين للكتابات العربية الجنوبية التوصل إلى فهم معانيها وإلى قراءتها قراءة مضبوطة أو قريبة من القراءة الصحيحة، والتوصل إلى استخراج القواعد منها. فبفضل هذه المواد المساعدة، تمكنا من الوصول إلى ما توصلنا إليه عن تلك اللهجات المكتوبة بالقلم المسند١.
ومن جملة المسائل التي جعلت فهم النصوص العربية الجنوبية أمرًا صعبًا على الباحث في بعض الأحيان، اشتمالها على اصطلاحات غير موجودة في العربية، وعلى كلمات غير موجودة في اللغات السامية الأخرى, ثم إن بعضها قد كتب كتابة موجزة صيرتها غامضة غير مفهومة، ولهذا اضطر علماء العربيات الجنوبية إلى تلخيص معناها على وجه التقريب٢.
ومما يؤسف عليه كثيرًا أن كتبة المسند لم يتركوا لنا كتابة تشير إلى ترتيب حروف الهجاء عندهم، وأسمائها التي كانت تعرف بها عند قرّائهم وكتّابهم. وعدم وصول كتابة بهذا الموضوع منهم إلينا، خسارة كبيرة، إذ أصبح من الصعب التحدث عن كيفية ظهور الخط بين العرب الجنوبيين وعن صلاته بالخطوط الأخرى، وبنا أشد الحاجة إلى معرفة كيفية توصل الإنسان إلى هذا الاختراع العظيم الذي غيَّر تأريخ البشرية وأحدث فيها انقلابًا لا يدركه المرء إلا إذا تصور البشرية وهي جاهلة لا تحسن قراءة ولا كتابة، فما الذي كان يمكن أن نعرفه لولا وجود هذه العلامات الصغيرة المحدودة التي نسميها حروفًا والتي نكتب بها وندوّن بها كل ما يجول في خواطرنا من آراء دون أن نعرف عظم قيمة هذه العلامات التي ميزت الإنسان عن الحيوان، ورفعته عنه إلى أعلى الدرجات!
ولو قدر للعلماء الحصول على ألواح فيها الأبجديات مرتبة بحسب الطريقة التي تسير عليها الشعوب القديمة في تعلمها. وخاصة إذا كانت مقرونة بأسمائها التي كانت تعرف بها، لصار في وسع العلماء التوصل إلى نتيجة علمية مقبولة
стр. 5288
بشأن نشأة الخط وتطوره. فإن في استطاعتهم عند ذاك الحكم –من نظرهم إلى أقدم هذه الكتابات وإلى أصول كلمات المسميات –عل أقدم مكان ظهرت فيه تلك الكتابة، وعلى تعيين اسم الشعب الذي كان له شرف هذا الاختراع. وهو اختراع لم يظهر بالطبع فجأة إلى العالم، أي: إنه لم يكن من ابتكار رجل واحد فاجأ الناس به، بل هو اختراع مرت عليه قرون حتى بلغ ما بلغه من شكل الحروف. مرّ في مراحل كثيرة بدائية في بادئ الأمر، ثم انتقل من تلك الأشكال إلى أشكال أرقى منها، حتى اهتدى عقل الإنسان إلى معرفة الحروف. ولم يتوصل بالطبع إلى هذه المرحلة بسهولة، إذ يقتضي ذلك وجود علم عند الإنسان عن تكون الكلمات من حروف، وهو لم يتوصل إلى هذا العلم إلا بعد تعب استمر قرونًا، وبتعاون كتّاب مختلف الشعوب لتحليل كلمات الإنسان إلى عناصرها الأولى، وعناصرها الأولى هي هذه الحروف.
وقد كان من الضروري وضع أسماء للحروف، ليميز بها حرف عن حرف آخر. وقد وضع مخترعو الحروف تلك الأسماء، وهي أسماء لا تزال البشرية تعيدها مع شيء من الاختصار والتحريف، وقد يمكن التوصل من تلك الأسماء إلى أسماء تلك الشعوب القديمة التي ساهمت وعملت في ترقية ذلك الاختراع العظيم. فإن لتلك الأسماء علاقة وصلة بمسميات مادية، وبالإمكان تشخيص مواطن تلك المسميات بالرجوع إلى الأماكن التي عرفت واشتهرت بها، ومن ثم نتوصل إلى تعيين تلك الشعوب على وجه التقريب.
وتختلف أشكال حروف المسند اختلافًا كبيرًا عن حروفنا المألوفة التي نكتب بها. ولما كانت هذه الحروف حروفًا منفصلة غير متصلة كما هي الحال في حروفنا، فهي لذلك في أثناء كتابة الكلمات لا تتصل ببعضها ولا يلتقي فيها حرف بحرف آخر. ولهذا السبب كان شكل الحرف في المسند لا يتبدل ولا يتغير بتغير موضعه في الكلمة، بل يحافظ على وضعه في أول الكلمة أو في وسطها أو في آخرها، إلا في بعض الأحيان حين يكتبون من اليسار نحو اليمين، فيغيرون اتجاه الحرف بأن يجعلوه نحو اليمين.
وقد يتحد حرف النون الساكن مع الحرف الذي يليه ويسقط من الكتابة، ففي كلمة "بنت" أسقط الكتّاب حرف النون من الكلمة، واكتفوا بهذا الشكل:
"بت", أي: بالحرفين الباء والتاء١.
стр. 5289
وإلى القارئ أشكال حروف المسند مرتبةً على ترتيب حروف الهجاء التي نسير عليها في زمننا:
стр. 5290
ولا توجد في المسند تاء قصيرة، أي: التاء التي نكتبها تاء قصيرة في أواخر الكلم. فالتاء هي تاء طويلة أبدًا، وردت في أول الكلمة، أو في وسطها، أو في آخرها، فلفظة "سنة" تكتب "سنت"، و"عمرة"، اسم امرأة يكتب "عمرت"، وهكذا.
стр. 5291
وهناك كتابات برزت حروفها, وذلك أن كاتبها خطها على الحجر أولًا, ثم حفر ما حولها وفي باطنها بمزبر صلد, أو يسكن أو بآلة حادة, فظهرت الكتابة بارزة, وقد استخدمت مثل هذه الكتابات لتوضع على أبواب المعابد وعلى واجهات الدور وفي المناسبات التذكارية, كما فعل الإسلاميون في كتاباتهم التخليدية التي وضعوها على واجهات القصور والمساجد والأبنية المهمة, أما الكتابات المحفورة فقد استخدمت في الأعمال الاعتيادية في الغالب, وهي أسهل في الكتابة من الكتابة البارزة, ولا تحتاج إلى وقت طويل يصرفه الكاتب على الحفر لإبراز الحروف:
وأما الفاصل الذي يفصل بين الكلمات, فهو على هذا الشكل:
ويعبر عن العدد من الواحد إلى الأربعة بخطوط عمودية, فيرمز الخط العمودي الواحد عن "الواحد", ويرمز الخطان العموديان المتوازيان عن الرقم "٢", وإذا أرادوا كتابة الرقم "٣" وضعوا ثلاثة خطوط عمودية متوازية للدلالة عليه. أما الرقم "٤", فيمثل بأربعة خطوط عمودية متوازية. وأما الرقم "٥" فيرمز عنه بالحرف "خ" الذي هو الحرف الأول من كلمة "خمس". وإذا أرادوا الإشارة إلى الرقم "٦" وضعوا خطًّا عموديًّا على الجانب الأيسر لحرف "الخاء" الذي يرمز عن الخمسة, ومن هذا الحرف والخط العمودي الكائن مكانه في موضع العشرات بالقياس إلى حسابنا يتكوّن الرقم "٦". وإذا أرادوا الرقم "٧" وضعوا خطين عموديين على الجانب الأيسر للحرف خمسة, فيعبر عن هذا المجموع المكون من الخاء ومن الخطين العموديين المستقيمين عن الرقم "٧". وإذا أرادوا الرقم "٨", وضعوا على الجانب الأيسر من الحرف خاء ثلاثة خطوط تشير إلى الرقم "٣", فيتكون بذلك من حرف الخاء الذي يرمز عن الخمسة ومن الثلاثة, المجموع ثمانية, وهو الرقم المطلوب. أما الرقم "٩", فيتكون من مجموع رقم "٥" الذي يرمز عنه الخاء ومن الرقم "٤" الذي تمثله خطوط عمودية أربعة. وأما الرقم عشرة, فيرمز عنه بحرف العين الذي يمثل الحرف الأول من كلمة عشرة, وأما الرقم "١٠٠" فيرمز عنه بالحرف الأول من الكلمة مائة, أي: بحرف الميم. وأما الرقم "١٠٠٠" فرمز عنه بالحرف ألف, أي: بالحرف الأول من الكلمة أيضًا, فيلاحظ
стр. 5292
من هنا أن العرب الجنوبيين استعملوا الحروف الأولى من أسماء بعض الأرقام عوضًا عن الأرقام نفسها, ولم يتبعوا الطرق التي نتبعها اليوم في كتابة أمثال هذه الأعداد.
والظاهر أن استعمالهم حرف الخاء مقام العدد "٥", جعلهم يحارون بعض الحيرة في التعبير عن العدد "٥٠" الذي يبدأ مثل العدد "٥" بحرف الخاء, فتخصيص هذا الحرف بالعدد "٥" جعل من غير الممكن تخصيصه بالعدد "٥٠" كذلك. ولما كان من الصعب كتابة الـ"٥" عشر مرات للتعبير عن العدد "٥٠" الذي هو حاصل جمع عشر خمسات خاصة لأن هذا العدد يتضاعف ويتكرر, فكروا في حل آخر يحل لهم هذه المشكلة. مشكلة إيجاد حرف أو علامة ترمز عن الرقم "٥٠" هو نصف الـ"١٠٠" كما هو معلوم. ولما كان حرف الميم يرمز عن المائة, والمائة هي حاصل جمع خمسين مع خمسين, فيكون حرف الميم هو حاصل جمع خمسين مع خمسين. ولما كان حرف الميم في المسند هو على شكل خط عمودي يرتكز عليه مثلثان قاعدتهما ملتصقة على ذلك العمود, فإن كل مثلث من ذينك المثلثين يعبر في الواقع عن الرقم "٥٠", فهداهم تفكيرهم هذا إلى رفع المثلث الأسفل ليبقى مثلث واحد هو المثلث الأعلى مرتكزًا على الخط العمودي, ليعبر عن قيمته المتبقية وهي خمسون, وصار هذا الرمز الذي هو نصف حرف الميم رمزًا عندهم للعدد "٥٠". وبذلك أوجدوا لهم حلًّا لتلك المشكلة التي لا بد أنها شغلت بال كتابهم مدة من الزمن.
وأما الأعداد التي تلي العشرة فيبدأ بها بحرف العين أولًا ومعناه عشرة, ثم تليه بقية الزيادة أي مقدار زيادة ذلك العدد عن العشرة. فإذا أرادوا الرقم "١١" مثلًا بدأوا بحرف العين, ثم وضعوا بعده أي على يساره خطًّا عموديًّا واحدًا بمعنى واحد, ويكون المجموع أحد عشر. أما إذا أرادوا الرقم "١٢", فإنهم يضعون مستقيمين عموديين على يسار حرف العين ليدل ذلك على عشرة زائد اثنين وهو اثنا عشر. وإذا أرادوا "١٣" وضعوا ثلاثة خطوط عمودية, ليكون مجموعها مع العشرة أربعة عشرة. أما إذا أرادوا "١٥", فإنهم يكتبون حرف العين ثم يضعون من بعده وعلى جهة يساره حرف الخاء الذي هو بمعنى خمسة. وإذا أرادوا "١٦" وضعوا بعد حرف العين ما يرمز عن الستة, وهكذا بقية الأعداد
стр. 5293
إلى العدد "١٩". أما العدد "٢٠" فإنهم يكنون عنه بكتابة حرف العين مرتين، ومعنى ذلك عشرة مضافًا إليها عدد عشرة والجمع عشرون، وإذا أرادوا الرقم "٢١" كتبوا حرف العين مرتين ليرمز عن العشرين ثم وضعوا خطًّا عموديًّا واحدًا على جهة يساره ليرمز عن الرقم "١"، فيكون المجموع عشرين وواحدًا، وهكذا يكتبون بقية الأعداد ابتداء بالعشرين أي: بحرفي العين مضافًا العدد المقصود حتى الرقم "٣٠" فيضعون له ثلاثة أحرف من حرف العين. أما الـ"٤٠" فيضعون له أربعة أحرف من حرف العين، ثم يستمرون على طريقتهم في العدد بعد الأربعين على الطريقة المألوفة في الابتداء بالعدد العشرات، ثم كتابة الرقم المقصود الذي هو دون العشرة من بعده إلى الرقم التاسع والأربعين. فإذا أرادوا الرقم "٥٠" وضعوا الرمز الخاص الذي تحدثت عنه، وهو نصف حرف الميم. أما الرقم "٦٠" فيرمز عنه بهذا الرمز, أي: نصف حرف الميم مضافًا إليه الحرف عين رمز العشرة ليشير إلى مجموع العددين وهو ستون. أما الرقم "٧٠" فيتكون من هذا الرمز مضافًا إليه حرفان للعين. وأما الرقم "٨٠" فيكون بإضافة ثلاثة أحرف عين على الجهة اليسرى للرقم "٥٠". وأما الرقم "٩٠"فيتكون من رمز "٥٠" مع إضافة أربعة أحرف عين إليه.
وتكتب الأرقام ما بعد المائة إلى الألف على الترتيب الآتي: يكتب الحرف رمز المائة في الأول، ثم يوضع الرقم الذي يلي المائة على جهة يساره على النحو الذي شرحته إلى حد الرقم "١٩٩" فإذا أرادوا كتابة "٢٠٠" كتبوا حرفي ميم، وإذا أرادوا "٣٠٠" وضعوا ثلاثة أحرف من حروف الميم، وإذا أرادوا "٤٠٠" وضعوا أربعة أحرف من حروف الميم, وإذا أرادوا "٥٠٠" وضعوا خمسة أحرف من حروف الميم، وهكذا تزاد كتابة الميم بزيادة عدد المئات حتى تصل إلى تسع، ويكون الرقم عندئذ تسع مائة. أما الألف فيرمز عنه بحرف الألف كما ذكرت.
وطريقة التعبير عن الأعداد في حالة الآحاد وفي العشرات وفي المئات هي طريقة واضحة مفهومة بعض الفهم كما رأينا، إذ عبر عن الأرقام من واحد إلى أربعة بخطوط مستقيمة، وعبر عن الخمسة بحرف الحاء تزاد عليه خطوط بزيادة الأرقام المطلوبة، حتى تصل إلى الرقم "١٠"، فيعبر عنه بحرف عين. وفي باب العشرات يقدم حرف العين الذي هو عشرة على الأرقام المقصودة التي هي دون العشرة، وتتبع هذه الطريقة إلى المائة. أما في حالة المئات إلى الألف فيبتدئ العدد بالمئات،
стр. 5294
ثم تليه العشرات، فالآحاد، فهو في نفس المبدأ الذي وضعه علماء الرياضيات عندهم للعشرات، أي: على قاعدة تفضيل العدد الأكبر من ناحية العدّ على العدد الأصغر، فقدموا العشرات على الآحاد، وقدموا المئات على العشرات، ثم الآحاد. أما في حالة الأعداد الألوف، فلم يتقيد كتّاب حسابهم بهذه القاعدة، بل ساروا على طرق أخرى، فكتبوا حروف الألف بعد الأعداد الألوف التي أرادوا كتابتها. فللتعبير عن ألفين وضعوا حرفي ألف، وهما مجموع ألف مع ألف أخرى، وللتعبير عن ثلاثة آلالف وضعوا ثلاثة أحرف ألف، وهكذا ساروا في كتابة بقية الأعداد الآلاف. غير أنهم ساروا على طريقة أخرى في كتابة العدد ستة عشر ألفًا مثلًا. فوضعوا ستة أحرف ألف، ووضعوا إلى الجانب الأيسر من الحرف الألف الأخير الحرف عين رمز العشرة، وقد رمزت العشرة هنا عن العدد "١٠٠٠٠"، ورمزت الحروف الستة عن "٦٠٠٠"، ومن مجموع الستة آلاف والعشرة آلاف يتكون العدد "١٦٠٠٠". وفي كتابة العدد "٣١٠٠٠" كتبوا حرفًا واحدًا من حروف الألف ليدل على الرقم ألف, ووضعوا على الجهة اليسرى منه ثلاثة أحرف عين وتعني ثلاثين ألفًا. ومن الألف والثلاثين ألفًا يتكون العدد "٣١٠٠٠". أما في حالة كتابة الرقم "٤٠٠٠٠"، فقد اكتفوا بكتابة أربعة أحرف من حروف العين، مع أن هذه الأحرف تعني مجموع أربع عشرات، أي: أربعين، بينما أرادوا بهذه الأحرف العدد "٤٠٠٠٠" في هذا الموضع. أما في رقم "٤٥٠٠٠"، فقد كتبوا خمسة أحرف من حروف الألف أولًا، ثم وضعوا أربعة أحرف من العين في أيسر آخر ألف، والمجموع هو خمسة آلاف وأربعون ألفًا. وفي الرقم "٦٣٠٠٠" وضعوا ثلاثة أحرف من "الألف" لتعني ثلاثة آلاف، ووضعوا نصف حرف ميم وهو رمز الخمسين، وفي أيسره حرف العين رمز العشرة، وبذلك عبروا عن الستين. ولورود هذا الرقم بعد عدد آلاف قصدوا به ستين ألفًا. ومن مجموع ثلاثة آلاف والستين ألفًا، يتكون العدد ثلاثة وستون ألفًا. وقد اكتفوا في كتابة الرقم "١٥٠٠٠٠" بكتابة الرمز الخمسين وهو نصف حرف ميم، ووضعوا إلى الأيسر منه حرف ميم رمز المائة، وقصدوا بذلك خمسين ومائة ألف. ولو كانوا قد كتبوا حرف الميم أولًا، ثم وضعوا نصف حرف الميم إلى يساره، لكان حاصل جمع العددين خمسين ومائة. وبتقديم نصف حرف الميم وبتغيير إتجاه مثلثي حرف الميم ومثلث نصف حرف الميم يجعله نحو اليمين،
стр. 5295
عبروا عن الرقم "١٥٠٠٠٠". أما في كتابتهم الرقم ٢٠٠٠٠٠، فقد كتبوا ميمين، وقد عبر كل ميم في هذا الموضع عن مائة ألف.
ويرى بعض المتخصصين بقراءة النصوص العربية الجنوبية أن كتّاب المسند لم يتركوا كتابة حروف الألف التي تشير إلى الأعداد الآلاف إلا إذا كان العدد مدورًا، وآلافًا خالية من الأرقام الآحاد، كما رأينا في الرقم "٤٠٠٠٠"، و"١٥٠٠٠٠"، و"٢٠٠٠٠٠"١.
وقد سار كتّاب المسند على قاعدة كتابة الرقم لفظًا، أي: كتابة مقداره بالكلمات، وتدوين المقدار المكتوب بعد الرقم، وقد حملهم على اتباع هذه الطريقة خوفهم من الوقوع في الخطأ في قراءة الأرقام والرموز التي خصصوها بالأرقام، كما أنهم اصطلحوا على رسم مستطيل تتخلله خطوط تجعله على هيئة شباك تقريبًا، يوضع في أيمن الرقم، أي: قبل ابتدائه، ومستطيل آخر يوضع في يسراه أي: في نهاية الرقم تمامًا للدلالة على أن ما هو مكتوب بين هذين الرقمين هو عدد، وبذلك تسهل قراءته.
ولم يصل إلينا أن كتّاب المسند استخدموا علامات خاصة بكسور الأعداد، كالأنصاف أو الأرباع أو الأثلاث أو الأخماس أو ما شاكل ذلك، أو أنهم استعملوا علامات خاصة للجمع أو الطرح أو القسمة أو الضرب أو علامات للتربيع أو للجذور وأمثال ذلك من العلامات المستعملة في معلو الرياضيات. وقد عبروا عن كسور الأعداد بذكر ألفاظها. وإذا لم تصل إلينا كتابات في موضوعات رياضية، فلا نستطيع أن نجزم في موضوع أمثال هذه العلامات عند العرب الجنوبيين. فلعل الأيام تكشف لنا عن كتابات رياضية ترينا أن رياضي العرب الجنوبيين كانوا أرقى كثيرًا مما نظن الآن.
وللوقوف على صور الأعداد عند العرب الجنوبيين أدون نماذج من الأرقام، مقرونة بما يقابلها من الأرقام التي نستعملها عندنا في الحساب:
стр. 5296
وأما الفواصل التي تشير إلى الأرقام وتوضع في أول الرقم وعند منتهاه، فهي على هذا الشكل:
ومادة الكتابة عند العرب الجنوبيين، هي الحجارة والصخر والخشب والمعادن، يكتبون عليها بالحفر، ولم أسمع أن أحدًا من الآثاريين حتى الآن عثر على كتابات بالمسند مدوّنة بالحبر على القراطيس والجلود والرق أو على ورق البردي على نحو ما كان يفعله المصريون وغيرهم. والظاهر أنهم لم يكونوا يتبعون طريقة كتّاب بابل في الكتابة على ألواح الطين التي تجفف بعد ذلك بالشمس أو بالنار، فتكون كتابة ثابتة مدوّنة على مادة صلبة؛ لأن الباحثين لم يعثروا على كتابات بالمسند مدوّنة على هذه الطريقة.
غير أن عدم وصول كتابات بالمسند مدونة على القراطيس أو الجلود، لا يعني أن العرب الجنوبيين لم يكونوا يعرفون الكتابة عليها وعلى مواد مشابهة لها، إذ لا يعقل عدم وقوف العرب الجنوبيين على استعمال الجلود والقراطيس وعظام الحيوانات مادة للكتابة، وقد كان استعمالها في العالم يومئذ شائعًا معروفًا. ومردُّ السبب في عدم وصول شيء من الكتابات المدونة على تلك المواد، إلى قابلية هذه المواد للتلف، وحاجتها إلى العناية الشديدة، بدليل عدم وصول شيء ما من الكتابات المدونة على الجلود وعلى جريد النخل وعلى اللخاف والعظام والقراطيس من صدر الإسلام ومن أيام الرسول خاصة مع أهميتها وقدسيتها. وليس في استطاعة أحد أن ينكر أن القرآن الكريم قد كتب على هذه المواد المذكورة، وأن الرسول قد أمر فكتبت له عدة كتب وعقود ومواثيق، ولكن بادت أصولها.
والبحث في أصل المسند مثله في أصل الخط، ما زال موضع جدل بين العلماء الباحثين في العربيات الجنوبية. فمنهم من يرجع أصله إلى الخط الفينيقي, ومنهم من يرجعه إلى كتابات سيناء حيث عثر فيها على كتابات قديمة جدًّا يعدها الباحثون أقدم عهدًا من الكتابات العربية الجنوبية، وقد وجد بين بعض حروف هذه الكتابات وحروف المسند شبه جعلهم يذهبون إلى اشتقاق المسند من خطوط سيناء١.
стр. 5297
ومنهم من يذهب إلى اشتقاق المسند من الخط الكنعاني، للتشابه بين بعض حروف الخطين. وللتوصل إلى معرفة منشأ الخط المسند، لا بد من تعيين تأريخ لأقدم كتابة مدونة بالمسند، ولم يتفق العلماء على تأريخ ثابت معين. إنما يرجع بعضهم تأريخ أقدم الكتابات إلى سنة ١٥٠٠ أو ١٣٠٠ قبل الميلاد، على حين لم يرتفع آخرون بتأريخ أقدم كتابة عثر عليها بالمسند إلى أكثر من ٧٠٠ أو ٨٠٠ قبل الميلاد. ولضبط هذا التأريخ أهمية جد عظيمة في البحث عن أصل منشأ ذلك الخط. ثم إنه لا بد في تعيين أصل الخط المسند من النص على أسماء الحروف نصًّا ليس في أمره شك، ثم لا بد أيضًا من النص على نظام ترتيب حروف المسند عند العرب الجنوبيين. وكل هذه الأمور غير متفق عليها، وإذن فليس من الممكن في مثل هذه الظروف التوصل إلى حل علمي يوافق عليه جميع الباحثين في العربيات الجنوبية.
وإذا كان أغلب الكتابات في موضوع واحد، هو التقرب إلى الآلهة بهدايا وبنذور، كان أسلوبها يكاد يكون واحدًا، فهي تبدأ عادة باسم المهدي أو بأسماء المهدين، ثم يعقب ذلك فعل يشير إلى التقديم مثل: استعمال فعل قدم أو أهدى وما شاكل ذلك من أفعال مناسبة، ثم اسم الإله أو أسماء الآلهة التي قدمت لها الهدايا، يليها بيان السبب الذي من أجله قدمت، مثل: شفاء من مرض أو وفاء لنذر، أو طلبًا من الإله أو الآلهة أن تطيل عمر المهدي، أو تشفيه من مرضه، أو لتحل له مشكلًا وقع فيه أو مشكلات تحيط به.
стр. 5298
القلم اللحياني:
ومن القلم المسند اشتق القلم اللحياني، والقلم الثمودي، والقلم الصفوي؛ وذلك لأن القلم المسند متقدم في الوجود على هذه الأقلام، فلا يمكن أن يكون قد أخذ منها. ثم إن المناطق التي وجدت فيها الكتابات اللحيانية والكتابات الثمودية، كانت في حكم المعينيين والسبئيين، بدليل عثور العلماء على كتابات معينية فيها. وهذه الكتابات أقدم عهدًا من الكتابات اللحيانية والثمودية، ولذلك ذهب الباحثون في اللحيانيات والثموديات إلى اشتقاق خطها من الخط المسند.
ولم ينقل أهل أعالي الحجاز القلم المسند نقلًا تامًّا، بل عدّلوا بعض حروفه
стр. 5299
وغيّروا فيها بعض التغيير، فظهر من ذلك القلمِ القلمُ اللحياني والقلم الثمودي، غير أننا نجد أن كتابات القلم اللحياني تختلف بعض الاختلاف. وقد قسّمها "ورنر كاسكل" إلى نوعين: كتابات لحيانية متقدمة، وكتابات لحيانية متأخرة. وقد بني تقسيمه هذا على أساس قدم الكتابات وتأخرها في التأريخ. والواقع أننا نجد الكتّاب قد تحرروا في كتابة حروفهم في جميع العهود، في العهد المتقدم وفي العهد المتأخر، بحيث لم يتركوا لنا مجالًا للأخذ بهذا التقسيم. فنراهم وقد كتبوا بعض الحروف بأوضاع قد تزيد على الخمسة. غير أننا إذا ما تصفحنا هذه الحروف المختلفة الأشكال، لا نجدها تختلف اختلافًا بينًا، إنما يرجع هذا الاختلاف في الواقع إلى ضعف وقوة يد الكاتب الذي حفر تلك الكتابات على الحجارة أو الخشب أو المواد الأخرى التي حفر الكتابة فيها. فمنهم من كان قويًّا في حفره للحروف، ومنهم من كان ضعيفًا، فبان هذا الاختلاف في هيئات رسم الحروف. ومن هنا أرى أن اختلاف صور الحروف، لا يدل حتمًا على تطور الخط، بقدر ما يدل على مهارة أو ضعف الكاتب في الكتابة.
والقلم اللحياني مثل المسند خالٍ من الشكل، وخالٍ من الرموز أو الحروف التي تشير إلى المدّ أو التشديد أو الإشباع أو الإشمام أو الإمالة وما شابه ذلك. وقد أوجد هذا النقص لقراء الكتابات اللحيانية مشكلات كثيرة في فهمها وفي ضبط الكلمات والأسماء فيها. فلفظة "زد" مثلًا المكتوبة بحرفين، قد تقرأ على أشكال مختلفة، قد تقرأ "زَد" و"زِد" و"زُد" و"زاد" و"زيَدْ" و"زود"، إلى غير ذلك من أشكال. وهي قد تكون اسمًا، كما قد تكون فعلًا أو مصدرًا، وعلى القارئ استخراج نوعها من موقعها في الجملة ومن مقتضى الحال. ومثل ذلك عن "شم" التي تعني "شيم" اسم رجل، "وكتب" بمعنى "كاتب" اسم رجل أيضًا، مع أن للكلمة عدة معانٍ يفهمها الإنسان من موقع اللفظة في النص.
ولم يتقيد كتّاب الكتابات اللحيانية تقيدًا تامًّا بكتابة الفواصل العمودية التي تستعمل للفصل بين الكتابات، كما تقيد بها كتّاب المسند. غير أنهم لم يسيروا في كتاباتهم على وتيرة واحدة، فنراهم يخالفونها أحيانًا فيفصلون الألفاظ بفواصل. وقد رفعت الفواصل عن الألفاظ المؤلفة من مقطع واحد، مثل مع، وكتبت مع اللفظة التي تليها. أما إذا اجتمعت لفظتان، كل واحدة منهما ذات مقطع
стр. 5300
واحد مثل "و" حرف عطف و"لِ" فالكتاب يكتبونهما على طريقة كتّاب المسند, أي: ممزوجتين، على هذا الشكل: "ول"١.
وتجد في هذه الصورة كتابة لحيانية متأخرة، يظهر منها وكأن صاحبها قد كتبها على عجل، فالخط فيها سريع ضعيف يدل على عجلة، والحروف غير واضحة، وقد كتبت بطريقة الحفر بقلم من حديد أو سكين أو آلة حادة أخرى على الحجر، حفرًا سريعًا، كما نكتب بسرعة في القلم. ومن هنا يختلف القلم اللحياني عن القلم المسند، يختلف عنه في عدم تمسك كتّابه بكتابة الحروف بصورة واضحة بينة وبخط قوي واضح يقرأ بسهولة. ولعل لموقع اللحيانيين ولموقع من كتب مثلهم بسرعة وبغير نظام ثابت وتقيد بهندسة الحروف وأشكالها، فيما بين الأبجديات الشمالية، والأبجدية العربية الجنوبية أثرًا في هذا التغير، إذ نكاد نلمس من قراءتنا لهذه الخطوط أنها تحاول الهروب من نظام المسند، المستند على الشكل الهندسي المرتب للحروف، الذي يفصل بين الحروف، والذي يحتاج الكاتب فيه إلى التأني في كتابة الحرف، فيضيع بعض الوقت بسبب ذلك، كما يحتاج إلى إشغال مكان واسع للحروف. بينما نرى الأبجديات الشمالية تقلص من حجم حروفها وتحاول جهد إمكانها ربطها بعضها ببعض اختصارًا في الوقت وفي المكان وفي الجهد. وحروف هذه الأبجديات وإن بقيت محافظة على استقلالها وعلى أشكالها الدالة على أنها من نبت المسند، إلا أنها اتخذت صورًا متعددة، كما أنها لم تتقيد بما تقيد به المسند في نظامه من السير على طريقة السطور، وهو نظام يسهل على القارئ قراءة الكتابة من اليمين إلى اليسار، أو من اليسار نحو اليمين، أو بطريقة "حلزونية"، بل خرجت على هذا النظام، ولا سيما في حالة الكتابات الثمودية والصفوية، فكتبت بصور غير منتظمة، على صورة هلال، أو كرة، أو نسيج العنكبوت، مما جعل من الصعب على القارئ فهم الكتابة، ويظهر أن ذلك إنما وقع سبب أن الكتبة كانوا من الرعاة أو الفلاحين، وأن الكتابات التي عثر عليها هي من
стр. 5301
كتاباتهم، وقد كتبوها تعبيرًا عن خاطر عنَّ لهم، فهي لا تمثل إذن كتابات رسمية أو كتابات جماعة من المثقفين الذين يعتنون بحسن الخط، وإنما هي خواطر دوّنت على أي حجر وجده الكاتب، ودونها بالشكل الذي وجده يناسب ذلك الحجر.
وهذه الكتابة التي تراها في هذه الصورة هي كتابة محفورة على لوح من الحجر، وهي من الكتابات اللحيانية المتأخرة، المحافظة على نظام السطور. وخطّها وإن كان ضعيفًا غير أنه واضح نوعًا ما ونجد الشبه كبيرًا بينه وبين المسند.
كتابة لحيانية متأخرة "من كتاب: CaskeI, Nr,٢"
стр. 5302
كتابة لحيانية قديمة
من كتاب: Caskel, Nr. ١
أما هذه الصورة، فتمثل كتابة لحيانية قديمة, وقد تفنن في كتابتها كاتبها، وحفر الحروف فيها حفرًا جعلها بارزة، وقد حافظ فيها على نظام السطور، ونرى الشبه بين أشكال هذه الحروف وأشكال المسند بينًا، إذ لم تكن الكتابات اللحيانية القديمة قد ابتعدت بَعْدُ بعدًا كبيرًا عن الخط العربي الجنوبي.
стр. 5303
الخط الثمودي:
والخط الثمودي مثل الخط المسند والخط اللحياني والخط الصفوي، خالٍ من الشكل ومن التشديد ومن الإشباع ومن علامات للحركات تكتب مع الحروف في صلب الكلمة. ولهذا يلاقي قارئه من الصعوبات ما يلاقيه قارئ القلم المسند والقلم اللحياني. فكلمة "بت" يمكن أن تقرأ بأوجه متعددة كأن تقرأ "باتَ" فعلًا ماضيًا، و"بيت" اسمًا. ولفظة "عف"، تكتب بهذه الصورة، ويقصد بها "عوف" إن كتبت مع الأسماء. ولفظة "زد" هي "زيد"، ولفظة "تم" هي "تيم", ولفظة "منت" هي "مناة"، وقد يراد بها "منيت"، أي: المنية. وجملة "قنص اسد" تحتمل أن تكون على هذا النحو: "قَنَص أسدٌ"، وقنص اسم رجل، وهو مبتدأ خبره "أسدٌ". ويحتمل أن تكون على هذه الصورة: "قنص أسدًا" فتكون جملة فعلية "قنص" فيها فعل ماضٍ، والفاعل مستتر تقديره هو، وأسدًا مفعول به.
غير أن بعض الكتابات قد استعملت حروف العلة: الواو والألف والياء، في بعض الأحيان لسد النقص الحاصل من عدم وجود الحركات، كما في "نور"، و"اموت" "أموت" حيث قامت "الواو" بأداء واجب الـ"او" "u" وكما في لفظة "دين"، وعظيم, حيث قامت الياء بأداء الحركة "إي" i" "ي"، وكما في "موت" "بيت" و"عليت" بمعنى كنت معتلًا، و"رضو "اسم" الإله، و"مو" بمعنى ماء، و"لى" بمعنى "لي"، و"ذى" بمعنى "هذا"، و"اتا" بمعنى "أتى"، وأمثال ذلك. غير أن هذا الاستعمال لم يكن عامًّا، وإنما كان خاصًّا يرد في بعض الكتابات. ونجد هذه الكلمات التي ذكرتها، خالية من الحروف المذكورة، في نصوص أخرى، مما يدل على أن هذه حالات كتابية خاصة، ولم تكن قاعدة عامة متبعة في كل الكتابات.
ومن مميزات القلم الثمودي أنه لم يتقيد باستعمال الخطوط العمودية للفصل بين الكلمات، ولهذا نجد الحروف والكلمات متصلة بعضها ببعض في كثير من الكتابات لا يفصل فاصل بينها. وقلما نجدها تستعمل بعض العلامات مثل النقط أو الخطوط الصغيرة لتحديد الجمل. ثم إنه أطلق لنفسه العنان في اتباع الجهة التي يسير عليها
стр. 5304
الخط، فتراه تارة يسير سيرنا في الخط، أي: من اليمين إلى اليسار وباتجاه أفقي، وتارة أخرى يتجه من اليسار إلى اليمين. وأحيانًا من أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى في أحيان أخرى، كما تراه يتخذ شكل قوس في بعض الأحيان، أو أشكالًا أخرى، كأن يمزج بين هذه الطرق بحسب رغبة الكاتب وشكل المادة التي يكتب عليها. وعلى قارئ النص لذلك الانتباه إلى هذه الاتجاهات، لمعرفة مبدأ الكلام من منتهاه.
ونجد بعض الكتابات الثمودية، وكأنها رموز أو طغراء، إذ نجد حروفها وقد تداخل بعضها في بعض، أو بعض حروف منها، وقد تشابكت بحيث يصعب على القارئ حلها. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنها نوع من "الوسم"، غير أن من المهتمين بالثموديات من لا يوافقونهم على هذا الرأي، وإنما يرون أنها تمثل رموزًا دينية، أو الأحرف الأولى من أسماء كاتبيها، أو أسماء بعض الآلهة، أو ما شاكل ذلك مما كان له معنى معروف في نفوس أصحابه، وقد خفي ذلك علينا، لعدم وجود مفاتيح لدينا تحل لنا هذه الكتابات المتخذة طابع الرموز والإشارات.
ونجد الكتابات الثمودية تعاف بعض حروف الكلمات أحيانًا وتختزلها، كما في "ب"، التي تعني "ابن"، فقد تركت حرف النون واكتفت بالباء. ويستطيع القارئ إدراك معنى "ب" من القراءة. وكما في "ل" بمعنى "لنا" و"لي"، و"ب" بمعنى "بي"، أي: إنها تقطع الضمير اللاحق بحرف الجر في بعض الأحيان١.
стр. 5305
الأبجدية الصفوية:
والأبجدية الصفوية مثل الأبجدية اللحيانية والأبجدية الثمودية، أصلها من القلم العربي الجنوبي، وهي تتألف من ثمانية وعشرين حرفًا، غير أن كتّاب هذا القلم قد تلاعبوا به كما تلاعب كتاّب القلم اللحياني والثمودي بحروف المسند، وأوجدوا لهم منها أشكالًا أخرى ميزتها عن الأصل، فأخذ الحرف الواحد أشكالًا
стр. 5306
متعددة، تباعد أشكال بعضها تباعدًا كثيرًا عن الأصل، حتى عسرت على القارئ قراءة النص، وهذا مما أوجد مشاكل لقراء هذه النصوص في قراءتها قراءة صحيحة.
و"هاليفي" الذي هو أول من تمكن من تشخيص الأبجدية الصفوية، وأول من سمّاها بهذه التسمية لم يتوفق في الواقع إلا في معرفة "١٦" حرفًا من الحروف الثمانية والعشرين التي تتكون منها الأبجدية الصفوية. أما الحروف الباقية، فقد أخطأ في تشخيصها، حتى جاء "بريتوريوز" فتمكن من تشخيص خمسة أحرف أخرى، كما تمكن الأستاذ "ليتمان" من تشخيص هوية سبعة أحرف، فاكتمل العدد ثمانية وعشرين حرفًا١.
ومن الصعوبات التي تعترض قارئ الكتابات الصفوية في قراءة هذه الكتابات وفي فهمها أن للحروف فيها كما قلت آنفًا جملة رسوم، وأن بعض رسوم الحرف الواحد هي رسوم لحرف آخر. فبعض صور الباء هي أيضًا صور للظاء، ولهذا قد تقرأ "باء"، كما تقرأ "ظاء". ويتشابه كذلك رسم الخاء مع التاء، واللام مع النون، والهاء مع الصاد، وكذلك رسوم حروف أخرى, فكانت من هذا كله صعوبات كبيرة تعترض الباحث في قراءة هذه النصوص وفي تثبيت معناها. ولا سيما أن هذه الأبجدية هي كالأبجديات الأخرى خالية من الشكل ومن التشديد ومن حروف العلة في أكثر الأحيان ومن المقاطع، فلا فرق فيها في الكتابة بين الفعل والاسم والفاعل والمفعول به، وفيها مصطلحات وتراكيب نحوية غير معروفة في عربيتنا أو في اللهجات السامية الأخرى. وعلى الباحث إعمال ذكائه في كشف المعاني ومواقع الكلم في هذه النصوص.
وهناك صعوبة أخرى تعترض الباحث في قراءة النصوص الصفوية تكمن في عدم وجود قاعدة معينة للابتداء في الخط. فالكاتب بهذا القلم حر كما يظهر من
стр. 5307
الكتابات في اختيار الجهة التي يبدأ بها في الكتابة، فله أن يبدأ بكتابته من اليمين إلى اليسار، أي على نحو ما نفعله نحن في كتابتنا وعلى نحو ما فعله أكثر كتّاب المسند، وله أن يكتب من اليسار إلى اليمين، أي: على نحو ما يفعله الكاتبون بالأبجدية اللاتينية، وله أن يمزج بين الطريقتين كما رأينا ذلك في بعض كتابات المسند، كما أن له أن يبدأ بالكتابة من أعلى إلى أسفل، وله أن يعكس الوضع فيكتب من أسفل إلى أعلى، وله أن يبدأ بالكتابة من أيسر الجهة السفلى للحجر ويتجه إلى اليمين، ثم إلى اليسار وفي أي اتجاه أحبّ واشتهى، وله أن يختار العكس، أو أية جهة شاء، حتى إنك لترى بعض الكتابات وكأنها خيوط متداخلة، وعلى القارئ أن ينفق جهدًا طويلًا في استخراج رأس الخيط واستلاله للوصول إلى منتهاه.
والكتابات الصفوية مثل الكتابات الثمودية واللحيانية هي في أمور شخصية، فهي إما في بيان ملكية شيء، أو في تعيين قبر أي كتابات قبورية، أو في رجاء وتوسل إلى الآلهة. وإما تسجيل خاطر، مثل تذكر أهل أو صديق أو حبيبة أو نزول في مكان أو في تعليق على كتابة قديمة. وكتابات مثل هذه تكون قصيرة في الغالب، وقد تكون من كلمة واحدة في بعض الأحيان. ولما كان معظمها في هذه الأمور، صارت أساليبها في الإنشاء متشابهة، لا تختلف أحيانًا إلا في أسماء أصحابها. وهي لذلك لا تفيدنا كثيرًا من ناحية الدراسات اللغوية، غير أنها مع ذلك أفادتنا فائدة كبيرة في نواحٍ أخرى، من مثل الكشف عن أسماء آلهة العرب الجاهليين، أو أسماء القبائل والأشخاص والنبات والحيوان وبعض العادات وغير ذلك مما يتصل بحياة العرب قبل الإسلام.
стр. 5308
وترى في هذه الصورة كتابة صفوية وقد كتبت على شكل ثعبان، إذ لم يسر كاتبها على طريقة الكتابة بالسطور، تكتب بعضها فوق بعض. وهي من الكتابات المؤرخة، وترى بعض الحروف مشابهة لحروف المسند، أما البعض الآخر، فقد ابتعد كثيرًا عن الأصل.
كتابة صفوية أرخت بسنة ٢٤ المقابلة لسنة ١٢٩ للميلاد، ويرى الرقم على الجانب الأيمن من الكتابة. من كتاب: Safaitic
وفي هذه الصورة الثانية كتابة صفوية، وقد كتبت على النحو الذي نراه في الصورة، وقد تصرف كاتبها في الحروف، تصرفًا تظهر عليه روح الاختزال وتصغير حجم الحرف وهي من الكتابات المؤرخة.
يوجد هنا رسمة بالصفحة
كتابة صفوية يعود تأريخها إلى سنة ٤٢. وقد رقمت برقم ١٦٢ في كتاب: Safaitic "ص٣٦".
стр. 5309
والصفوية مثل اللهجات العربية الأخرى في خلوّها من الشكل، لذلك تجابه الباحث في قراءة كتاباتها ما يجابهه قارئ اللهجات الأخرى من مشكلات في فهم الكتابات فهمًا صحيحًا واضحًا، فلا بد من الاستعانة بعربية القرآن الكريم وباللهجات السامية لفهمها فهمًا صحيحًا. ولم يحفل الكتاب بتثبيت الحروف في صلب الكتابة باعتبارها تعبيرًا عن الحركات، ولم يستعملوا المقاطع المعبرة عن الأصوات، لضبط النطق. وقد يكتب فيها الحرف مرتين في مواضع نستعمل لها الشدّة في عربيتنا.
ومادة الكتابات الصفوية، هي الحجارة الطبيعية بأشكالها المختلفة، يأخذها الكاتب فيحفر عليها بآلة ذات رأس حاد الكلمات التي يريد تدوينها. أما الورق أو المواد المشابهة الأخرى المستعملة في الكتابة، فلم يعثر على شيء منها مكتوب بهذه الأبجدية.
ويجب أن أبين أن هذه الكتابات اللحيانية والثمودية، والصفوية، لا تعني أنها خطوط "بني لحيان"، و"قوم ثمود" بالضرورة، فبين الكتابات المنسوبة إلى مجموعة من هاتين المجموعتين ما لا يمكن عده من كتابة قوم من "بني لحيان" ولا من قوم ثمود، وإنما هي من كتابات قبائل أخرى, وقد أدخلت في الخط اللحياني أو في القلم الثمودي، لمجرد تشابه الخط. وقد ذكرت أن الكتابة الصفوية، إنما عرفت بهذه التسمية، بسبب عثور العلماء عليها في "الصفاة" في الغالب، فنسبوها إلى هذا الأرض، مع أنها قبائل وعشائر مختلفة.
ويلاحظ أن التباين في أشكال الحروف داخل المجموعة الواحدة مثل اللحيانية، والثمودية والصفوية، لا يقل عن التباين الذي نراه بين صور الحروف المكونة لهذه المجموعات. فأنت ترى في هذه الصورة وقد كتب حرف الألف في الصفوية بصور متباينة، تكاد تجعل من الصعب التوصل إلى أنها تمثل كلها هذا الحرف، ثم ترى الحرف نفسه في "الثمودية"، وقد كتب بصور متباينة، ويقال نفس الشيء بالنسبة لهذا الحرف في الكتابة اللحيانية. ونجد هذا التباين في كل الحروف الباقية كذلك. أما المسند، فلا نجد فيه هذا التباين، مما يحملنا على إرجاع سببه إلى ضعف وقوة يد الكتاب، وإلى تباين القلم الذي يكتب به. فالمسند قلم، استعمل في تدوينه قلم حاد قوي، حفر الكتابة على الحجر حفرًا وبعناية، بسبب أنها وثائق وكتابات ذات أهمية بالنسبة لكاتبها، أما الأقلام الأخرى, فقد استعملت في التعبير عن خواطر في الغالب، لذلك سجلها كاتبها بأي أداة وجدها أو
стр. 5310
كانت عنده تؤدي إلى إحداث خدش أو حفر على المادة التي وجدها أمامه صالحة للكتابة، فنقش عليها رأيه بسرعة وبغير تأنق، فظهرت الخطوط متباينة متغايرة لهذا السبب، كما ترى في هذه الصورة:
الأقلام الصفوية والثمودية واللحيانية والعربية الجنوبية والعبرانية
стр. 5311
الترقيم:
لقد تحدثت عن الترقيم عند الصفويين، وذكرت أنهم ساروا فيه من الواحد إلى الخمسة على أساس وضع خطوط عمودية، يمثل كل خط منها العدد "١". فإذا أرادوا كتابة الرقم "١"، وضعوا خطًّا واحدًا يمثله. وإذا أرادوا كتابة "٢"، وضعوا خطين عموديين. وإذا أرادوا العدد "٣"، وضعوا ثلاثة أعمدة. وإذا أرادوا العدد "٤"، كتبوا أربعة خطوط عمودية. وأما إذا أرادوا الرقم "٥" وضعوا خمسة خطوط.
وكتابة الأرقام من المسائل العويصة التي جابهت الكتّاب في الأزمنة القديمة. وقد كان كتّابهم يكتبون بالحروف، ولكنهم كانوا إذا أرادوا تدوين الأرقام تحيروا: هل يكتبونها كتابة بالحروف أو يجعلون لها رموزًا خاصة تشير إلى الأعداد. وقد وجدنا أن العرب الجنوبيين كانوا قد اختاروا الخط العمودي لتمثيل الرقم "١"، فإذا أرادوا الرقم "٢"، وضعوا خطين، وإذا أرادوا الرقم "٣"، وضعوا ثلاثة خطوط، وإذا أرادوا الرقم "٤"، وضعوا أربعة خطوط. ولصعوبة الاستمرار على هذه الطريقة، بسبب كبر الأعداد، اختاروا الحرف الأول من لفظة خمسة وهو الخاء لتمثيل العدد "٥"، واختاروا الحرف "ع" وهو الحرف الأول من العدد عشرة لتمثيل هذا العدد، واختاروا رموزًا أخرى كما رأينا لمعالجة مشكلة العدد عندهم، فحلوا بذلك عقدة الترقيم بعض الحل، ولم يبلغوا منه التمام.
وقد اختارت بعض الشعوب النقط، بدلًا من الخطوط. فالرقم "٧" مثلًا تمثله سبع نقط، والرقم "٣" تمثله ثلاث نقط. وسارت شعوب أخرى على طريقة الخطوط فرمزوا عن الرقم "٥" بخمسة خطوط، وعن الرقم "١٠" بعشرة خطوط عمودية, وعن الرقم "١٥" بخمسة عشر خطًّا عموديًّا. ودفعتهم صعوبة كتابة الأرقام الكبيرة بهذه الطريقة، إلى التفكير في طريقة أخرى تكون مختصرة بعض الاختصار وسهلة في التعبير عن قيم الأرقام، فاختار بعضهم النقطة رمزًا عن العدد "١٠"، واختار بعض آخر خطًّا أفقيًّا ليكون ذلك الرمز، وبذلك سهلت عليهم كتابة الأرقام الآحاد مع العشرات، فإذا أرادوا كتابة الرقم "١٠"، وضعوا نقطة واحدة "٠" أو خطًّا أفقيًّا على هذا الشكل - ليشير إلى الرقم "١٠"، وإذا أرادوا الرقم "١١"، كتبوه على هذه الصورة: "١٠" أو "-١".
стр. 5312
وإذا أرادوا الرقم "١٥"، كتبوه على هذا الشكل "١١١٠ ١١" أو على هذا الشكل: "-١١١ ١١".
وغيّر الفينقيون وبنو إرم وأهل تدمر بعض التغيير في شكل الخط الأفقي الدال على العدد "١٠"، بأن جعلوا في طرفه الأيمن خطًّا ممتدًّا إلى الأسفل قليلًا على شكل زاوية متجهة نحو اليسار. ثم أجرى النبط تعديلًا يسيرًا في هذه العلامة الجديدة بأن جعلوا رأسها متجهًا إلى أعلى اليمين، أي: نحو الزاوية اليمنى للمادة التي يكتب عليها. أما مؤخرتها، فقد وجهوها نحو الجهة الجنوبية اليسرى١.
وقد سار الفينقيون وبنو إرم على طريقة الترقيم بالخطوط العمودية للأعداد من "١" إلى العدد "٩". ولتسهيل قراءة الأعداد التي تزيد قيمتها العددية على ثلاثة، جعلوا كل ثلاثة خطوط متقاربة، بحيث تظهر في شكل مجموعة واضحة، وتمثل هذه المجموعة الرقم "٣"، ووضعوا على يسار هذه المجموعة ما يكملها لتكوين العدد المطلوب. فكانوا إذا أرادوا مثلًا كتابة الرقم "٥"، كتبوه على هذه الصورة: "١١١ ١١" أي: الرقم "٣" الذي تمثله ثلاثة خطوط عمودية منضمة بعضها إلى بعض، ثم الرقم "٢" الذي يمثله خطان منضمان، وبين هذين الرقمين فراغ قليل يفصل بين العددين. وإذا أرادوا الرقم "٦" كتبوه مجموعتين متجاورتين، كل مجموعة ذات ثلاثة خطوط منضمة، وبين المجموعتين فراغ صغير. غير أن بعض الكتابات كتبت الرقم "٦" على هذا الشكل: ١١١
١١١
أي: إنها وضعت الرقمين ثلاثة: أحدهما فوق الآخر، ليشير هذا الوضع إلى حاصل جمع العددين، وهو ستة٢.
وقد اصطلح النبط على اتخاذ علامة خاصة بالعدد "٤" جعلوها على هيئة التاء في المسند، أي: على هذا الشكل: "×"، كما اصطلحوا على اتخاذ علامة أخرى خاصة بالرقم "٥"، شكلها قريب من شكل الرقم "٥" في الحروف اللاتينية، أي: على هذا الشكل تقريبًا: "٥". على حين رمز غيرهم مثل أهل تدمر عن الرقم "٥" برمز يشبه حرف الـ"Y" في الأبجدية الاتينية. فإذا أرادوا كتابة
стр. 5313
الرقم "٦"، وضعوا الرقم الذي يرمز عن العدد "٥"، ووضعوا خطًّا على يساره ليشير بذلك إلى العددين خمسة زائدًا واحدًا "٥+١" "١Y" ومجموعهما ستة. وإذا أرادوا الرقم "٧"، كتبوا خمسة زائدًا خطين يوضعان على يسار الرقم "٥"، ليتكون من العددين العدد "٧"، "١١Y"، وهكذا إلى العدد "٩".
وقد سار الكتّاب في ترقيم الأعداد التي بعد العشرة على طريقتهم التي اتبعوها في السير أفقيًّا في الترقيم، إلا في حالات قليلة ساروا على طريقة وضع الأرقام بعضها فوق بعض، وجعلوا للرقم "٢٠" علامة تتألف من نقطتين إحداهما فوق الأخرى، أو من خطين أفقيين أحدهما فوق الآخر على شكل علامة مساو "=" في علم الحساب، أو من علامة تشبه حرف الشين في المسند "٤"، أو من علامة تشبه حرف الـ"N" في اللاتنية. ووضع النبط للعشرين علامة تشبه الـ"٣" اللاتيني في بعض الأحيان، وتشبه الرقم "&" اللاتيني في أحيان أخرى، غير أنهم فتحوا النهاية السفلى من الرقم "&" جعلوها مفتوحة في الغالب١.
وتكتب الأعداد الآحاد على الجهة اليسرى من العشرات، فإذا أردنا كتابة الرقم "١١"، كتبنا الرقم "١٠" أولًا ثم العدد "١" من بعده ويكتب إلى يسار الرقم "١٠". فإذا أردنا كتابته على الطريقة الفينيقية أو الإرمية، كتبناه على هذه الصورة: "- ١". وإذا أردنا كتابته على طريقة أهل تدمر أو طريقة النبط، وضعنا العلامة التي وصفتها الخاصة بالعشرة، ووضعوا إلى يسارها خطًّا واحدًا يمثل العدد "١"، وإذا أرادوا العدد "١٢"، وضعوا خطين بعد الرقم "١٠"، وإذا أرادوا "١٣" وضعوا ثلاثة خطوط. وإذا أرادوا "١٤"، وضعوا أربعة خطوط. أما إذا أرادوا الرقم "١٥"، فإن منهم من وضع خمسة خطوط بعد الرقم عشرة كما كان يفعل الفينيقيون، ومنهم من اتبع هذه الطريقة وطريقة تمثيل العدد بخطوط، فوضع خمسة عشر خطًّا لهذا العدد. ومنهم من وضع بعد العلامة الخاصة بالرقم "١٠" العلامة الخاصة بالرقم "٥" كالنبط وأهل تدمر.
أما مكررات العشرة، فتكتب على هذه الصورة. إن كان العدد العشرات من الأعداد الزوجية فيكتب العدد بقدر احتواء العدد المراد تسجيله على العدد عشرين. فإذا أردنا كتابة الرقم "٤٠"، كتبنا الرقم "٢٠" مرتين. وإن كان
стр. 5314
العدد "٦٠"، كتبنا العدد "٢٠" ثلاث مرات. وإن كان العدد "٨٠"، كتبناه أربع مرات. أما إذا كان العدد العشرات من غير الأعداد الزوجية كما في مثل ثلاثين، فإننا نكتب العدد "٢٠" أولًا ثم نضع الرقم "١٠" على يساره، فيتكون من مجموع قيمة العددين "٣٠". أما إذا أردنا الرقم "٧٠" مثلًا، كتبنا العدد "٢٠" ثلاث مرات، ثم العدد "١٠" على الجهة اليسرى من الأرقام الثلاثة. وقد كتب هذا العدد في بعض الكتابات الإرمية بست نُقط: ثلاث نقط في أعلا وثلاث نقط في أسفلها، ونقطة على الجهة اليسرى من المجموعتين وفي مقابل الموضع الوسط الذي يكون الحد الفاصل بين المجموعتين وعلى هذا الشكل " ... "١
أما العدد مائة، فقد رمز عنه بعلامات متعددة، منها هذه العلامات: " ْ١" و"" و"". ونرى أن العلامة الأولى هي توسيع للرقم الذي رمز إليه عن العشرة. وقد اتخذ النبط علامة تشبه الرقم "٩"، أو الحرف "P" في اللاتينية. وقد سبق أن ذكرت أن العرب الجنوبيين كانوا قد اتفقوا على اعتبار الحرف الأول وهو الميم من لفظة مائة هو الرمز الذي يشير إلى العدد، واعتبروا نصف هذا الحرف رمزًا على العدد "٥٠" باعتبار أن الخمسين نصف المائة، فنصف الحرف ميم هو رمز عن هذا العدد.
أما العدد الألف، فقد وجدت له في بعض الكتابات علامات خاصة. وقد رمز عنه الفينيقيون وبنو إرم بعلامة هي عبارة عن خط مائل يتصل به ما يشبه نصف القوس من جهة اليمين، ورأس الخط مائل إلى اليمين، أما أسفله فمتجه نحو اليسار٢.
ولم ترد في الكتابات الصفوية أرقام كثيرة، لذلك لا نستطيع أن نحكم على طريقتهم في الترقيم وفي العدّ. غير أن في استطاعتنا القول، استنادًا إلى هذه النماذج القليلة التي وصلت إلينا: إنهم اتبعوا في الترقيم الطريقة النبطية وطريقة أهل تدمر، ولم يتبعوا طريقة العرب الجنوبيين في تدوين العدد. ويمكن إرجاع سبب ذلك إلى اتصالهم اتصالًا مباشرًا بالنبط وبأهل تدمر، وإلى تأثرهم بثقافتهم.
стр. 5315
جدول الأرقام
стр. 5316
ولما كانوا محتاجين إلى تدوين الأرقام اضطروا إلى اقتباس طريقة النبط وأهل تدمر في كتابة الأعداد بالأرقام.
وتجد في الجدول المقابل كيفية تدوين الأرقام في الفينيقية والآرامية، والتدمرية، والنبطية. وهي تختلف اختلافًا بينًا عن صور الأرقام التي نستخدمها اليوم في عربيتنا. ونلاحظ أن من بين الترقيم في المسند، وبين الترقيم في هذه الأبجديات تشابه كبير إلى حد الرقم "٤"، ثم يختلف، فقد أخذ العرب الجنوبيون الحرف الأول من لفظة "خمسة"، وجعلوه رمزًا إلى العدد "٥"، بينما اتبع الباقون طريقة التخطيط بالرقم "١" إلى العدد "٩" في الفينيقية، ثم بدلوا الطريقة، وسلكت هذا المسلك الأبجدية الآرامية، أما الأبجدية التدمرية والأبجدية النبطية، فقد اتبعتا سبيلًا آخر، فيه اختلاف في بعض الأعداد، ولكن بينهما تجانسًا بوجه عام. مما يدل على أنهما أخذا الترقيم من منبع واحد.
стр. 5317
الفصل الثالث والعشرون بعد المائة: الكتابة والتدوين
لا خلاف في أن التدوين كان معروفًا عند العرب قبل الإسلام، بدليل ما تحدثنا عنه من وجود الألوف من النصوص الجاهلية التي عثر عليها في العربية الجنوبية وفي العربية الغربية وفي أنحاء أخرى من جزيرة العرب. كتبت بلهجات عربية متنوعة، تختلف عن عربية القرآن الكريم، اختلافًا متباينًا، أقربها إلى عربيتنا الكتابة التي وسمت بـ"نص النمارة" أو كتابة النمارة، التي هي شاهد قبر "امرئ القيس" المتوفى سنة "٣٢٨" للميلاد، والكتابات الأخرى التي كتبت بعده١.
ولا خلاف بين العلماء في أنهم لم يتمكنوا حتى الآن من العثور على أي نص جاهلي مكتوب بهذه اللهجة التي نزل بها القرآن، والتي ضبط بها الشعر الجاهلي، لا من الجاهلية البعيدة عن الإسلام، ولا من الجاهلية القريبة منه، مع أنهم تمكنوا من العثور على كتابات جاهلية مدونة بلهجة عربية أخرى، تعود إلى عهد لا يبعد كثيرًا عن الإسلام، مثل النص المعروف بنص "حران" المدوّن سنة "٥٦٨م".
وإذا صح أن الكتابة المعروفة بـ"أم الجمال" الثانية، هي كتابة جاهلية
стр. 5318
أصيلة، تكون أو نص يمكن أن نعتبره بحق وحقيقة من النصوص المدونة بلغة القرآن والشعر الجاهلي. ويرجع العلماء الذين درسوه تأريخه إلى أواخر القرن السادس للميلاد. وقد جاء فيه:
١- الله غفرا لاليه.
٢- بن عبيده كاتب.
٣ الخليدا على بنى.
٤- عمرى كتبه عنه من.
٥- يقروه١
ولكن عبارة وأسلوب تدوين الكتابة، يوحيان للمرء، أنها من الكتابات المدونة في الإسلام. وأنا أشك في كونها من مدونات أواخر القرن السادس للميلاد، حتى إذا ذهبنا أن صاحبها كان نصرانيًّا، وأن لفظة "غفرا" من الألفاظ الدينية التي كان يستعملها النصارى، فلا غرابة من ورودها في نص جاهلي؛ لأنها كتابة نصرانية. وحجتي أن أسلوبها يفصح عن أسلوب الكتابات الإسلامية القديمة التي دوّنت في صدر الإسلام. وقد تكون في القراءة بعض الهفوات والشطحات، على كلٍّ فإن الزمن بين العهدين غير بعيد، ثم إن استعمال "التاء القصيرة" في "عبيدة" الاسم الوارد في السطر الثاني من النص لم يكن معروفًا في هذا العهد ولا في صدر الإسلام، لذلك أرى أنها من الكتابات الإسلامية. وفيها هفوات.
وبناء على ما تقدم نقول: إننا لم نتمكن من الحصول على نص جاهلي مدوّن بلغة عربية قرآنية، لا شك في أصالته، ولا شبهة في كونه جاهليًّا. وأن أقدم ما عثر عليه من كتابات بهذه العربية، هي كتابات دونت في الإسلام. في رأسها الكتابات التي عثر عليها مدوّنة على جبل "سلع" قرب المدينة، يرى "الدكتور حميد الله" أنها ترجع إلى السنة الخامسة للهجرة٢.
ثم الكتابة التي كتبت على شاهد قبر رجل اسمه "عبد الله بن خير"، أو "عبد الله بن جبر" الحجازي أو الحجري، المحفوظة في دار الآثار العربية بالقاهرة
стр. 5319
ويعود عهدها إلى "جمادى الآخرة" من سنة إحدى وثلاثين١.
ولا خلاف بين الباحثين في أن كل ما وصل إلينا من نصوص جاهلية إنما هو بلغة النثر، إذ لم يعثر حتى الآن على نص مكتوب شعرًا. ونظرًا إلى وجود التدوين عند أصحاب هذه النصوص، ونظرًا لأن الشعر، شعور، لا يختص بإنسان دون إنسان، وبعرب دون عرب، فأنا لا أستبعد احتمال تدوين الجاهليين الشعر أيضًا، مثل تدوينهم لخواطرهم وأمورهم نثرًا. دوّنوه بلهجاتهم التي كتبوا بها. وهي بالنسبة لهم لهجاتهم الفصيحة المرضية. أما سبب عدم وصول شيء مدوّن منه إلينا، فقد يعود حسب رأيي، إلى أن تدوين الشعر والنثر يكون في العادة على مواد قابلة للتلف، مثل الجلود والخشب والعظام وما شاكل ذلك, وهي لا تستطيع مقاومة الزمن, لا سيما إذا طمرت تحت الأتربة، ثم هي معرضة لالتهام النار لها عند حدوث حريق، أو للتلف إن أصابها الماء، أضف إلى ذلك أنهم كانوا يغسلون الجلد المكتوب، للكتابة عليه مرة أخرى، لغلاء الجلود، وهو ما حدث عند غير الجاهليين أيضًا. ونجد في المؤلفات الإسلامية أمثلة كثيرة على غسل الصحف المكتوبة للكتابة عليها من جديد. ورسائل النبي وكتبه وأوامره إلى عماله ورسله على القبائل، فقد فقدت وضاعت مع ما لها من أهمية في نظر المسلمين، وقل مثل ذلك عن كتب الخلفاء، فلا نستغرب إذن ضياع ما كان مدونًا من شعر جاهلي، فقد نص مثلًا على أن الشاعر "عدي بن زيد" العبادي، وكان كاتبًا مجودًا بالعربية وبالفارسية حاذقًا باللغتين قارئًا لكتب العرب والفرس، كان يدوّن شعره وهو في سجن النعمان ويرسل به إلى الملك، يتوسل إليه فيه أن يرحم به، وأن يعيد إليه حريته، وكان الشعر يصل إلى الملك، فلما طال سجنه صار يكتب إلى أخيه أُبي بشعر٢، لم تبق من أصوله المكتوبة أية بقية، وقد ضاعت أصول شعره المكتوب المرسل إلى النعمان كذلك، حتى إننا لا نجد أحدًا من رواة شعره يروى أنه رجع إليها فنقل منها، مما يبث على الظن أنها فقدت منذ عهد بعيد عن بداية عهد التدوين.
ويدفعنا موضوع التدوين إلى البحث عن تدوين الأدب والعلم عند الجاهليين،
стр. 5320
وعما إذا كان للجاهليين أدب منثور وعلم مدوّن؟ لقد ذهب بعض الباحثين إلى وجود هذا الأدب عند أهل الجاهلية، وتوقف بعض آخر، فلم يبد رأيًا في الموضوع، وتوسط قوم، فقالوا باحتمال وجود تدوين أو شيء منه عندهم، إلا أنهم أحجموا عن الحكم على درجة تقدمه واتساعه في ذلك العهد. لعدم وجود أدلة ملموسة يمكن اتخاذها سندًا لابداء رأي واضح علمي في هذا الموضوع.
وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أنه لو كانت هنالك مدوّنات في الأدب، لما خفي ذكرها وطغى اسمها حتى من ذاكرة أهل الأخبار، ومن أحاديث الرواة. أنه لو كان أهل الجاهلية قد زاولوا التأليف وتدوين العلم، لما اقتصر علم أهل الأخبار في الأدب على ذكر قطع من الحكم، يشك في صحتها، وعلى إيراد الشعر رواية وعلى رواية بعض القصص والأمثال، وسردهم كل شيء يتعلق بأمر الجاهلية رواية. وإنه لو كان لديهم تأليف منظم، لسار على هديهم من جاء بعدهم في الإسلام، ولسلكوا مسلكهم في التدوين: تدوين الكلام المنثور وتدوين الكلام الموزون المقفى، وحيث إن أحدًا لم يذكر اسم مدوّن من مدوّنات أهل الجاهلية، وحيث إن المسلمين لم يشرعوا بالتدوين إلا بعد حين، فلا يمكن لأحد النص بكل تأكيد على وجود تدوين عند الجاهليين١.
ولم نعثر على خبر في كتب أهل الأخبار يفيد أن أحدًا من الرواة والعلماء أخذ نص كلام حكيم من حكماء الجاهلية، أو خبر أو شعر من صحف جاهلية، أو من كتب ورثوها من ذلك العهد. أو خبر أو شعر من صحف جاهلية، أو من كتب ورثوها من ذلك العهد. هذا "قس بن ساعدة" الإيادي، مع ما قيل عنه من أنه كان كاتبًا قارئًا للكتب، واقفًا على كتب أهل الكتاب، خطيبًا عاقلًا حكيمًا، وأن العرب كانت تعظمه وضربت به شعراؤها الأمثال، وأنه كان خطيب العرب قاطبة، نجدهم يختلفون في خطابه المعروف، ويروونه بمختلف الروايات، حتى ذكر أن الرسول كان قد سمعه، وسمع خطابه، فلما جاء ذكره، وأراد أن يتذكر خطابه، وجد بين الصحابة اختلافًا في تلاوته؛ لأنه لم يكن مدوّنًا، ولو كان مدوّنًا لم يختلف فيه٢.
стр. 5321
وليس في الأخبار عن الجاهلية خبر يفيد أن السدنة أو غيرهم من الساهرين على الأصنام والأوثان وبيوتها، ألفوا كتبًا في الوثنية وفي أحكامها وقواعدها. أما اليهود والنصارى، فقد كان لهم علماء يشرحون للناس في معابدهم أحكام دينهم، ويعلمونهم الكتابة والقراءة وما في كتبهم المقدسة من أوامر ونواه. فكان "أبو الشعثاء، وهو رجل ذو قدر في اليهود، رأس اليهود التي تلي بيت الدراسة للتوراة"١. وهو من يهود بني ماسكة. وكان آخرون بينهم يعلمونهم أحكام دينهم في بيت المدارس.
وفي لغة الجاهليين مفردات تستعمل في القراءة والكتابة، مثل: قلم، وقرطاس، ودواة، ومداد، ولوح، وصحف، وكتاب، ومجلة، وغير ذلك لا يشك في استعمال الجاهليين لها، لورودها في القرآن الكريم. وورودها فيه، دليل على استعمالهم لها. وورد بعضها أيضًا في الحديث النبوي وفي الشعر الجاهلي. ويفيدنا حصر هذه الألفاظ وضبطها في تكوين رأي علمي صحيح سديد في الكتابة والقراءة عند الجاهليين، والمؤثرات الخارجية التي أثرت في العرب في هذا الباب، وفي تكوين رأي قاطع في الجهة التي أمدت العرب كثيرًا أو قليلًا بعلمهم في قلمهم العربي الشمالي الذي يكتب به إلى هذا اليوم.
وأعتقد أن من واجب علماء العربية في هذا اليوم، العمل على حصر ألفاظ العلوم والحضارة والثقافة التي ثبت لديهم استعمال الجاهليين لها، وتعيين تأريخ استعمالها وأصولها التي وردت منها إن كانت أعجمية دخيلة, والاستشهاد بالأماكن التي وردت فيها، ففي هذا العمل العلمي, مساعدة كبيرة للباحثين على تشعب علومهم وموضوعاتهم في الوقوف على تطور الفكر العربي قبل الإسلام. ولا أقصد الإحاطة بالمفردات الواردة في الشعر الجاهلي أو القرآن الكريم أو الحديث النبوي أو معجمات اللغة وغيرها من الموارد الإسلامية وحدها، بل لا بد من إضافة المفردات الواردة في الكتابات الجاهلية التي عثر والتي سيعثر عليها إلى تلك المادة؛ لأنها مادة العصر الجاهلي وجرثومة اللغة، وبدونها لا تسعنا الإحاطة بلغة أهل الجاهلية وبتطور فكرهم أبدًا.
ومن يراجع الموارد العربية وعلى رأسها المعجمات، يدرك الصعوبات التي يلاقيها
стр. 5322
المرء في الحصول على مادة ما، لعدم وجود الفهرسة للألفاظ والمواد في معظم هذه الموارد، فعلى المراجع قراءة صفحات وأجزاء أحيانًا للحصول على شيء زهيد. ولهذا زهد معظم المؤلفين في مراجعة ما هو مطبوع مع أهميته ودسم مادته؛ لأن الصبر قاتل، والإكثار من المراجعة عمل شاق مرهق، والحياة تستلزم السرعة والإنتاج بالجملة. وقد ماتت همم الماضين، وحلت محلها عجلة المستعجلين الذين يريدون الإنتاج السريع الخفيف الجالب للاسم والمال.
وبعض الألفاظ الخاصة بالكتابة والقراءة، هي ألفاظ معربة، وإن وردت عند الجاهليين واستعملت قبل الإسلام بزمن طويل، عرّب بعضها عن اليونانية، وعرّب بعض آخر عن الفارسية أو السريانية أو القبطية، وذلك بحسب الجهة التي ورد منها المعرب ووجد سبيله إلى العربية، ويمكن التعرف عليه بمقابلة اللفظ العربي مع اللفظ المقابل له عند الأمم المذكورة، وبضبط الزمن الذي استعمل فيه والظروف المحيطة به، للتأكد من أصله، فقد يكون عربيًّا أصيلًا انتقل من العرب إلى تلك الأقوام، وقد يكون العكس، نتمكن من الحصول على دراسة علمية قيمة في باب المعربات والتبادل الفكري بين الجاهليين والأعاجم.
والقلم، هو من أدوات الكتابة المذكورة عند الجاهليين. وقد ذكر في القرآن الكريم. أقسم به في سورة "ن والقلم"، وعظم وفخم شأنه في سورة العلق١. يكتب به على الورق والرق والجلود والقراطيس والصحف ومواد الكتابة الأخرى، وكان يتخذ من القصب في الغالب، فتقطع القصبة قطعًا يساعد على مسكه باليد، ثم يبرى أحد رأسيها، ويشق في وسطه شقًّا لطيفًا خفيفًا يسمح بدخول الحبر فيه، فإذا أريدت الكتابة به، غمس في الحبر، ثم كتب به. ويعرف هذا القلم بقلم القصب، تمييزًا له عن الأقلام المستعملة من مواد أخرى.
ولفظة "القلم" من الألفاظ المعربة عن أصل يوناني، فهو "قلاموس" في اليونانية، ومعناها القصب؛ لأن اليونان اتخذوا قلمهم منه٢.
стр. 5323
وينبت القصب في مواضع من جزيرة العرب حيث تتوافر المياه. وقد أشار "بلينيوس" Pliny، في تأريخه إلى قصب KaIamus عربي، وقصب ينمو في الهند، وذكر أنهم يستعملونه في عمل الأنسجة.
وهناك نوع من القصب قوي متين، يطول فيستعمل في أغراض متعددة، يقال له: "قنا"، ومنه "القنى" و"القناة" التي يستعملها المحاربون، وتعرف بـ"قنة" في العبرانية. وكانوا يستوردونه من "صور"١.
وقد وردت لفظة "القلم" و"قلم" في شعر عدد من الشعراء الجاهليين في شعر لبيد وعديّ بن زيد العبادي والمرقش وأمية بن أبي الصلت وغيرهم ممن وقفوا على الكتابة وكانت لهم صلات بالحضارة وبأصحاب الديانات. وذكر أن الخط يكون بالقلم٢.
ويعرف القلم بـ"المِزْبَر" كذلك، من أصل زبر بمعنى كتب. وقد ذكر في الحديث النبوي٣. ويعرف بـ"المِرقَمْ" أيضًا٤، إذ هو أداة للرقم، أي: الكتابة.
ويقطّ القلم بمقطة٥، وتستعمل السكين في بريه أيضًا. ويعتنى بذلك حتى يكون القلم جيدًا سهلًا في الكتابة٦. ويقال للسكين: المدية على بعض لهجات العرب٧. والقلم قبل أن تبريه: أنبوبة، فإذا بريته، فهو قلم. وما يسقط منه
стр. 5324
عند البري: البُرايةُ. والمِقطُّ: ما يقط عليه. والقط: القطع عرضًا، والقدّ: أن يقطع الشيء طولًا١.
وهناك أنواع أخرى من الأقلام غير قلم القصب، صنعت من الحديد. وقد استعمل العبرانيون وغيرهم أقلامًا من حديد ذات رءوس من الماس، ليكتب بها على صفائح من الحجر أو من المعدن، كما استعملوا القلم الحديد أو القلم الرصاص وأقلامًا من معادن أخرى للكتابة بها على صفائح من الخشب مغطاة بشمع. ولهذا القلم رأسان: رأس محدد للكتابة، ورأس مفلطح لمحو الغلطات وتسوية سطح الشمع ثانية، كما استعملت الفرشاة لرسم الحروف٢. واستعمل أيضًا ريش الطيور. وقد عرف القلم المصنوع من الحديد بـ"عيت" ET عند العبرانيين٣.
وذكر أن "زيد بن ثابت" دخل على رسول الله وهو يملي في بعض حوائجه، فقال: "ضع القلم على أذنك فإنه أذكر للمملي به"٤.
وقد استعملوا السكين والآلات الحادة في الكتابة على الخشب أو الحجر، كما استخدموا الفحم وكل ما يترك أثرًا على شيء، مادة للكتابة. وذلك حين يعنّ لهم خاطر أو حين يريدون إبلاغ رسالة أو تقييد أمر هام، مثل وقوع اعتداء على شخص، فيكتب ما وقع له، وهو لا زال متمكنًا من الكتابة، على ما قد يكون عنده، حتى يعلم بمصيره من قد يمر به ميتًا٥. وقد حفر "قيسبة بن كلثوم السكوبي" على رحل "أبي الطمحان القيني" رسالة، دونها بسكين٦. ودوّن أحدهم، وهو يحتضر، خبر قتله على راحلة قاتله، بعد أن غافله، ذكر فيها اسم قاتله٧. وهناك أمثلة أخرى من هذا القبيل، توسل فيها كاتبوها بمختلف الوسائل لإيصال رسائلهم إلى من يريدون وصولها لهم. وقد وصلت بعضها وجاءت بالنتائج التي كان يريدها أصحابها منها.
стр. 5325
وأما المادة التي يكتب بها، فهي عديدة، أهمها: الحبر، ويعرف أيضًا بالمداد١. ويصنع من مواد متعددة تترك أثرًا في المادة التي يكتب عليها. من ذلك الزاج وسخام المصابيح، يمزج مع مادة لزجة مثل صمغ العفص أو صمغ آخر، فيكتب به. ولما كان الحبر أسود، قيل له: "ديو" في العبرانية، وقد عرف بهذا المعنى, أي: "سواد" في اليونانية كذلك٢ وعرف بـAtramentum في اللاتينية، وهي في المعنى نفسه٣.
وقيل للمداد: "نقس"، وقد وردت اللفظة في بيت شعر للشاعر "حميد بن ثور" حيث قيل إنه قال:
لمن الديار بجانب الحبس ... كخط ذي الحاجات بالنقس٤
وأشير إلى "المداد" في شعر لـ"عبد الله بن عنمة"، حيث يقول:
فلم يبق إلا دمنة ومنازلٌ ... كما رُدّ في خط الدواة مدادها٥
وقد ذكر "المداد" في القرآن: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ ٦، "يقول عز ذكره لنبيه محمد ﷺ قل يا محمد لو كان ماء البحر مدادًا للقلم الذي يكتب به كلمات ربي لنفد ماء البحر قبل أن تنفد كلمات ربي"٧. فالمداد إذن من الألفاظ التي كانت مستعملة قبل الإسلام.
وقد صُنع الحبر من مواد مختلفة، صنعه العبرانيون من سخام المصابيح، أما المصريون فصنعوه من مواد متعددة، فصار أتقن من المداد العبراني، ولذلك حافظ على بريقه ولونه، كما أنه لا يُمحى بسهولة، بينما كان الحبر العبراني