عملت من الأتربة، أو من الأحجار والصخور، على شكل "سكر"، يمنع الماء من المرور، وبعضها عملت بصورة فنية متقنة من الحجر الموضوع بعضه فوق بعض، مع استخدام مواد ماسكة لشد الحجر بعضه إلى بعض، وقد يطلى السد بمادة تمنع الماء من اللعب به. وتعمل به منافذ ذات أبواب، تسد وتفتح حسب الحاجة للتحكم بالماء. وتلاحظ بقايا هذه السدود اليوم في وادي مبلقه، وفي وادي بيحان، وفي وادي حريب، وفي أودية أخرى عديدة.
أما أهل المواضع المرتفعة مثل الهضاب والجبال، فقد عمدوا إلى عمل حواجز وحوائط منخفضة، لمنع المطر من الانحدار، إذ تحصره هذه الحواجز، فيسيل إلى المزارع ليسقيها، وقد تعمل له مجار ليسيل الزائد منه والذي لا يحتاج إليه إلى أسفل، فلا يغرق الزرع. وقد يوجّه إلى كهوف وآبار محفورة وكهاريس، لتمتلئ بالماء، للاستفادة منه في مواسم انحباس الأمطار.
وتوجد في المعابد فوهات تدفع مياه الأمطار حين سقوطها إلى مجاري بنيت تحت الأرض تؤدي إلى صهاريج تخزن فيها مياه الأمطار. وقد عثرت بعثة "وندل فيلبس" الأميركية على مواضع خزن الماء في معبد مأرب المعروف في الكتابات بمعبد "اوم"، "اوام" المخصص لعبادة "المقه" إله سبأ الرئيس. ونجد مثل هذه المخازن في المعابد الأخرى أيضًا. وخزن الماء على هذه الطريقة، أسلوب متبع في فلسطين وفي المواضع الأخرى ذات الأرض الصلدة الحجرية، حيث تنقر الأرض وتعمل بها كهوف كبيرة تخزن فيها المياه١.
وقد تخصص قوم وتفرسوا بمعرفة مواطن المياه واستنباطها وساعدوا في حفر الآبار وفي حفر القني وإنشائها. وفي كتب اللغة ألفاظ أطلقت على الأدلاء الخبراء أصحاب العلم بمواضع وجود الماء في باطن الأرض، مثل جوّاب الفلاة، وذلك لأنه كان لا يحفر صخرة إلا أماهها، والقناقن، هو الدليل الهادي البصير بالماء تحت الأرض في حفر القني، والعيّاف، وقد تحدثت عنها وتطلق أيضًا على الدليل الذي يعرف موضع الماء من الأرض٢.
والماء في الأرضين الجافة القاحلة، نعمةكبرى وحياة لأهلها، فكانوا يفرحون
стр. 5497
ويشكرون آلهتهم ويتقربون إليها بالذبائح والنذور عند عثورهم على الماء في الأرضين التي يحفرون فيها الآبار. ولهذا قدسوا الآبار وأسبغوا عليها القدسية، وتقربوا لها بالنذو والهدايا، وعدوُّا مياهها شافية نافعة مقدسة. والبئر ثروة تدر على أصحابها المال. وقد يبارك الكهان والرؤساء تلك الآبار، لتنعم على أصحابها بالماء الغزير.
وقد كان "المحققون" "محققيم"، وهم الرؤساء عند العبرانيين، يحضرون الاحتفالات، ويشكرون إله إسرائيل عند ظهور الماء في الآبار، على نحو ما يفعله العرب في مثل هذه الأحوال١.
وقد لجأ الجاهليين إلى التحايل في استصلاح الماء الأجاج أو الكدر، للاستفادة منه في الشرب، فذكر إذا كانت بهم حاجة ماسة إلى الماء، ولم يجدوا إلا ماء البحر أو الماء الأجاج الملح، وضعوه في قدر، ووضعوا فوق القدر قصبات وعليها صوف منفوش، ثم يوقد تحت القدر، حتى يرتفع البخار، فيدخل مسامات الصوف، ويمتلئ به. فإذا كثر، عصر في إناء، ولا يزال على هذا الفعل حتى تتجمع كمية من الماء العذب، وتترسب الأملاح في القدر. وذكر أيضا أنهم كانوا يحفرون في الشاطئ حفرة واسعة، ليترشح إليها ماء البحر، ثم إلى جانبها وقريب منها حفرة أخرى يترشح إليها الماء من الثانية، ثم تحفر حفرة ثالثة، وهكذا حتى يعذب الماء.
أما الماء الكدر، فقد كانوا يتخلصون من كدرته بإلقاء مواد فيها لتعلق الكدرة بها، فإذا رسبت، رسبت الكدرة معها، وبذلك يتنقى الماء. وفي جملة المواد التي استعملوها الجمر الملتهب، يلقى به في الماء، فإذا انطفأ وتحول إلى فحم، أخذ معه ما يجده من الكدرة، فيصفو بذلك الماء، واستعملوا نوعًا من الطين وسويق الحنطة٢.
وقد عرفت هذه الفراسة، فراسة استنباط الماء من الأرض، بالأمارات الدالة على وجوده، على نحو ما ذكرت من شم التربة، أو برائحة بعض النباتات فيه، أو بمراقبة حركات الحيوان، ويقال لها: الريافة٣.
стр. 5498
وتوجد اليوم آبار قديمة في مواضع مختلفة من جزيرة العرب عميقة جدًّا، ولا زال الناس يستقون منها الماء. وهي عادية، أي: قديمة تعود إلى ما قبل الإسلام.
وكانت عليها مستوطنات تعيش على ماء هذه الآبار. ولهذا فلا غرابة إذا ما وجدنا القدماء يقدسون الآبار ويعتبرونها من مصادر الحياة بالنسبة لهم؛ لأنها تمدهم وتمد إبلهم، وكل ماشيتهم بعرق الحياة وروحها. ويدل عمقها على مقدار ما بذله الحفارون من جهد حتى توصلوا إلى تلك الأعماق بوسائلهم البدائية التي كانت متوفرة عندهم في ذلك العهد.
والآبار هي من مصادر الحضارة والتخضر في جزيرة العرب، فلولا ولولا موارد الماء الأخرى، لما ظهرت المستوطنات، ولما ظهر زرع، ولما عاش ضرع. ولهذا صارت البوادي أرضين قفرًا لا يسكنها ساكن إلا إذا استنبط ماء فيها، أو سقط غيث عليها. ولقيمة الماء في حياة جزيرة العرب نجد نصوص المسند تذكرها وتشير إلى الأرضين التي تسقى منها، وتعتبرها من مصادر النعمة والثراء.
ولأهمية الماء، كانوا يتقربون إلى آلهتهم بالقرابين وبالأدعية والتوسلات، لأن تمنحهم المطر، وتسقي أرضهم على أحسن وجه، وقد كان من واجب رجال الدين الاستسقاء، وذلك بأن يتوسلوا إلى آلهتهم بأن تمنَّ على عبيدها بالمطر، يقومون به بإجراء طقوس دينية خاصة، وربما استعانوا بالسحر في هذا الاستسقاء.
وقد كانت الشعوب الأخرى تستسقي كذلك، وتستعين بالسحر في إرضاء الآلهة لكي تنزل الغيث على المحتاجين إليه. وقد عرف الاستسقاء بمكة وعند سائر العرب، كما تحدثت عن ذلك في مواضع من هذا الكتاب. والأغلب أن الكهنة كانوا هم الذين يقومون بالاستسقاء؛ لأنه من صميم أعمالهم وواجباتهم١.
وقد سبق أن تحدثت عن شق الطرق في الهضاب وفي جبال اليمن، لإيصال القرى والمدن بعضها ببعض. وقد أبدع المهندسون في ذلك الوقت في شق الطريق في المناطق الجبلية، ويسمونها "مسبا"٢، ولا تزال آثار بعض منها موجودة حتى اليوم. ووردت لفظة "مذهب" في نصوص المسند، بمعنى الممر والطريق والمعبر٣.
стр. 5499
وقد قام المهندسون بإصلاح الطرق، ونجد لفظة "درك" Derek في العبرانية بمعنى "الطريق"١. والدرك في العربية أسفل كل شيء، ومراتب الهبوط٢، ولعلها في الأصل الطريق المنحدر إلى أسفل. وأما السبيل، فالطريق. وتقابل هذه اللفظة لفظة "شبيل" في العبرانية٣. و"السراط" "الصراط" الطريق الممهد المعبد، واللفظة من الألفاظ المعربة عن اللاتينية، من أصل Strata، بمعنى طريق مبلط، وطريق كبير واضح٤.
стр. 5500
النوء والتوقيت:
ومعارفنا بالأنواء والتوقيت عند الجاهليين قليلة ضحلة. وهي مبعثرة في كتتب اللغة والأدب وفروع المعرفة الأخرى، مثل كتب الجغرافيا والأنواء. ولم يصل إلينا شيء منها في نصوص المسند. غير أن ما نجده في المؤلفات المذكورة على قلته وضآلته يدل على أن الجاهليين كانوا أصحاب عناية ودراية بالأنواء والتوقيت وأنهم كانوا على علم أو شيء من العلم بالأنواء عند غيرهم، مثل أهل العراق أو أهل بلاد الشام. ولعلهم كانوا على اتصال مباشر أو بالواسطة بعلم اليونان واللاتين بالأنواء.
وعدم وصول شيء -في كتابات المسند- من علم النجوم والأنواء وما يتعلق بعلم الفلك، لا يمكن أن يكون دليلًا بالطبع على عدم وجود علم لأهل العربية الجنوبية الجاهليين بالفلك، ولا يعقل ألا يكون لهم علم به. فقد كان العرب الجنوبيون أصحاب زراعة وتجارة، وكانوا يركبون البحر. وركوب البحر يحتاج إلى علم بالنجوم وبتقلبات الجو كما كانت ديانتهم تقوم على أساس تقديس النجوم. ولهذه الملاحظات لا بد أن يكون لأهل اليمن وغيرهم من أهل العربية الجنوبية علم بالأنواء. وقد يعثر في يوم ما على نصوص مدونة بلهجاتهم فيها شيء ما من أمر هذا العلم.
стр. 5501
والنوء عند الجاهليين هو النجم إذا مال للغروب، أو هو سقوط النجم من المنازل في المغرب مع الفجر وطلوع رقيبه، وهو نجم آخر يقابله من ساعته في المشرق. وإنما سُمي نوءًا لأنه إذا سقط الغارب ناء الطالع، وذلك الطلوع هو النوء. وبعضهم يجعل النوء هو السقوط. وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها، فتقول: مطرنا بنوء كذا١. قال الشاعر:
ينعى امرءًا لا تغب الحي جفنته ... إذا الكواكب أخطا نوءها المطر٢
وذكر أن من طلوع كل نجم إلى طلوع رقيبه، وهو النجم الآخر الذي يليه ثلاثة عشر يومًا، وهكذا كل نجم منها إلى انقضاء السنة، ما خلا الجبهة، فإن لها أربعة عشر يومًا، فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وذلك لتكمل السنة ثلاثمائة وخمسة وستين يومًا. وذكر بعض العلماء أن العرب لا تستنبئ بالنجوم كلها، إنما يذكر في الأنواء بعضها وقال "ابن الأعرابي": "لا يكون نوء حتى يكون مطر معه، وإلا فلا نوء"٣.
وقد زعموا أن لكل نوء أثر في هذا الكون وفي الإنسان. فإذا حدث شيء ووقع أمر نسبوه إلى نوئه. وفي جملة ما نسبوا أثره إلى الأنواء: حدوث المطر، فإذا أمطرت السماء نسبوا المطر إلى أثر النجم الطالع في ذلك الوقت. فيقولون مطرنا بنوء كذا. وقد ذهبوا إلى أن الأنواء "٢٨" نوءًا أو نجمًا اعتقدوا أنها علة الأمطار والرياح والحر والبرد٤. وقد ذكروا الأنواء الممطرة ومواسم المطر٥.
ونظرًا إلى أن السنة أربعة أجزاء، لكل جزء منها سبعة أنواء، لكل نوء ثلاثة عشر يومًا، إلا نوء الجبهة فإنه أربعة عشر يومًا، فيكون مجموع أيام السنة "٣٦٥" يومًا، وهو المقدار الذي تقطع الشمس فيه بروج الفلك الاثني عشر٦.
ونظرا لأهمية المطر في حياة جزيرة العرب، اهتموا بمراقبة مظاهر الأنواء
стр. 5502
وألوان السحب، وقد علمتهم تجاربهم أن السحب البيضاء، لا تكون ممطرة، وأن السحب السوداء تكون هطلة، تهطل الأمراض وتغيث الناس١.
هذا وتجد للسحب أسماء كثيرة من حيث ترتيبها وأوصافها وقربها أو بعدها عن الأرض ومن حيث لونها واحتمال وجود الغيث فيها٢. وفي كثرة هذه الأسماء دلالة على شدة اهتمام العرب بالسحاب لما له من أثر في حياتهم، لا سيما بالنسبة إلى نزول الغيث. فقد كانوا يستسقون بالنوء، ويرجعون سبب سقوط المطر إليه.
ولتعارض عقيدة الجاهليين هذه مع عقيدة الإسلام في الخلق والأسباب، جاء النهي عنها في الإسلام. ورد في الحديث: "من قال: سقينا بالنجم، فقد آمن بالنجم وكفر بالله"٣. وجعلت الأنواء من الأمور الثلاثة التي عرفت بالجاهلية والتي نهى عنها الإسلام: الطعن في الأنساب والنياحة والأنواء٤.
وكانوا يكرهون نوء السماك، ويقولون فيه داء الإبل، قال الشاعر:
ليت السماك ونوءه لم يخلقا ... ومشى الأفيرق في البلاد سلما٥
والسماك، سماكان: الأعزل والرامح وهما نجما نيران: وسمي أعزل؛ لأنه لا شيء بين يديه من الكواكب، كالأعزل الذي لا رمح معه. ويقال: لأنه إذا طلع لا يكون في أيامه ريح ولا برد، وهو أعزل منها. وهو من منازل القمر، والرامح ليس من منازله ولا نوء له، وهو إلى جهة الشمال. والأعزل من كواكب الأنواء وهو إلى جهة الجنوب. وهما في برج الميزان. ويقول الساجع: إذا طلع السماك، ذهب العكاك، فأصلح قتاك، وأجد حذاك، فإن الشتاء قد أتاك٦.
وقد تخصص قوم بالنوء، ورد أن "عمر بن الخطاب" "نادى العباس: كم بقي من نوء الثريا فقال: إن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا
стр. 5503
بعد وقوعها. فوالله ما مضت تلك السبعُ حتى غيث الناس"١. وكانوا إذا أرادوا الوقوف على ظواهر الجو لجأوا إلى العالمين بالأنواء، وكانوا إذا أرادوا التعبير عن خبير بها، قالوا مثلًا: "ما بالبادية أنوأ منه، أي: أعلم بالأنواء منه"٢. وذكر أهل الأخبار أن "الحارث بن زياد بن ربيع"، لم يكن في الأرض عربي أبصر منه بنجم٣.
واعتقاد راسخ مثل هذا في الكواكب والنجوم، لا بد أن يحمل الجاهليين على تتبع ما ورد عند الأمم الأخرى من علم الأنواء، للاستفادة منه في حياتهم العملية، وقد عاش بينهم عدد كبير من اليهود، ولهؤلاء علم أيضًا بالأنواء، ولهم اهتمام بهذا العلم، لما له من علاقة بشئونهم الدينية. ثم كان بينهم نصارى وقفوا على هذا العلم أيضًا، وكان هؤلاء قد هضموا علم الشرقيين به وطعّموا علمهم وعلم الشرقيين بما ورد في كتب اليونان واللاتين من علم به.
وقد اتخذ الجاهليون النجوم دليلًا لهم يهتدون بها في ظلمات البر والبحر. وقد أشير إلى ذلك في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ٤. ولا بد للاهتداء بها من الوقوف عليها، ووضع أسماء لها، وتعيين البارز منها، ووضع معالم لها، ليكون في الإمكان معرفتها ومعرفة الاتجاه المؤدي إلى المكان المراد. فكانوا إذا سألهم سائل عن طريق قالوا: "عليك بنجم كذا وكذا"، أو "خذ بين مطلع سهيل ويد الجوزاء اليسرى العاقد لها ... "٥ إلى آخر ذلك من إشارات تفيد استدلالهم بالنجوم والكواكب وبالمطالع لمعرفة الطرق.
وفي الشعر الجاهلي أبيات تشير إلى اهتداء الناس في سيرهم بالنجوم فورد في شعر لسلامة بن جندل في المسير ليلًا:
ونحن نعشو لكم تحت المصابيح
стр. 5504
ويقصد بالمصابيح الكواكب١
وقد سار أهل الجاهلية مثل غيرهم من الأمم القديمة على فكرة تقسيم السماء إلى "بروج". وقد أشير إلى البروج في القرآن في سورة الحجر: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ ٢ وفي سورة البروج ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ ٣. وقد قسم اليونان واللاتين السماء إلى "بروج". وعرف كل برج عندهم بلفظة: "بركس"، Burgus. ومن هذا الأصل أخذت لفظة "البرج" و"البروج".
أخذت إما من اللاتينية أو اليونانية مباشرة، وإما من السريانية بالواسطة٤، وذلك قبل الإسلام بأمد، فتعربت وصارت من الألفاظ العربية الأعجمية الأصل، مثل ألفاظ أخرى دخلت العربية من أصل يوناني ولاتيني قبل الإسلام بسنين.
وللكواكب أفلاك تدور فيها، وقد أشير إليها في القرآن، فورد: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٥. وهي عندهم مدارات دائرية على هيئة حجر الرحى، تدور الشمس والقمر والكواكب بها، كل في فلك مقدر له٦.
ويرى "نالينو"، أن ما ورد في القرآن الكريم عن "البروج"، وكذلك ما ورد في الخطبة المنسوبة إلى قس بن ساعدة الإيادي من قوله: "وسماء ذات أبراج" لا يعني بالضرورة وقوف الجاهليين على البروج الاثني عشر، وأخذهم بهذه النظرية الفلكية، وذلك لأمور ذكرها، وحجج أوردها. وفي جملتها أن أسماء كل البروج، ما عدا الجوزاء مترجمة من أسمائها اليونانية والسريانية. ثم إن هذه البروج لم تكن ذات فائدة عملية للجاهليين، ولهذا لا يحتمل اهتمامهم بها، وأخذهم بها، ولا سيما أن معارفهم الفلكية لم تكن واسعة عميقة. ولهذا ذهب إلى أن ما ورد في القرآن عن البروج، لا يراد به الصورة المعروفة الموجودة عند
стр. 5505
اليونانيين والتي وقف عليها العرب في عصور الترجمة، وإنما هي مجرد نجوم.
وقد استشهد ببعض مقطفات من كتب التفسير، في تفسير لفظة "البروج"١.
وقد ذكر "الطبري" أن "البروج" الواردة في "سورة البروج"٢ الكواكب، والنجوم، والأصوب: منازل الشمس والقمر، "وذلك أن البروج جمع برج، وهي منازل تتخذ عالية عن الأرض مرتفعة، ومن ذلك قول الله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ . وهي منازل مرتفعة عالية في السماء. وهي اثنا عشر برجًا، فمسير القمر في كل برج منها يومان وثلث، فذلك ثمانية وعشرون منزلًا، ثم يستسر ليلتين. ومسير الشمس في كل برج منها شهر"٣.
ونسب إلى أمية بن أبي الصلت علم بالبروج والكواكب، وقد ورد في الأخبار: أن الرسول أنشد قوله:
زُحَلٌ وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث يرصد٤
وفي هذا البيت، إن صح قول الرواة، أن الرسول أنشده دلالة على وقوفه على شيء من هذا بالفلك.
ويذكر العرب أن القمر يأخذ كل ليلة في منزل من المنازل حتى يصير هلالًا، وقد أشير إلى المنازل في القرآن: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ٥. والمنازل ثمانية وعشرون منزلًا في كل شهر ينزلها القمر٦. وكل من الشمس والقمر يجريان في فلكهما، ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٧ والعرب تزعم أن الأنواء المنازل، وتسميها نجوم الأخذ، لأن القمر يأخذ كل ليلة في منزل منها حتى يصير هلالًا، وهي منسوبة إلى البروج الاثني عشر. وفي كل برج من
стр. 5506
البروج منزلان وثلث من منازل القمر، وهي نطاق الفلك، والفلك مدار لها. وإنما سُمي فلكًا لاستدارته١.
وأول ما يعد العرب من "المنازل" "الشَرطان"، وهما كوكبان يقال هما قرنا الحمل، ويسميّان النطح والناطح، وبينهما في رأي العين قاب قوس، وأحدهما في جهة الشمال والآخر في جهة الجنوب وإلى جانب الشمال كوكب صغير يعد معهما أحيانًا فيقال: الأشراط، وقد يعرف بـ"الأشرط". و"الشرطان" نجمان من الحمل، وهما قرناه، وإلى جانب الشمالي منها كوكب صغير٢. ومن العرب من يسمي هذه النجوم الثلاثة الأشراط. وقيل: هما أول نجم الربيع، ومن ذلك صار أوائل كل أمر يقع أشراطه٣، والربيع أول الأزمنة للعرب، فيه الخير والبركة لهم. وإذا نزلت الشمس بهذا المنزل فقد حلت برأس الحمل، وهو أول نجوم فصل الربيع، وعند ذلك يعتدل الزمان، ويستوي الليل والنهار فإذا استوى الزمان، يليه نهاية الربيع، وعودةالعرب إلى الأوطان. "يقول ساجع العرب: إذا طلع الشرطان استوى الزمان وحضرت الأوطان، وتهادت الجيران. أي: رجع الناس إلى أوطانهم من البوادي بعد ما كانوا متفرقين في النجع"٤.
ثم "البطين"، وهو ثلاثة كواكب خفية، ويقال: هي بطن الحمل، ثم "الثريا"، وهي أشهر منازل القمر، ويسمونها: النجم. وقد أكثر الشعراء من التشبيه بها٥. ولهم في فعلها أسجاع منها: "إذا طلع النجم، فالحر في حدم، والعشب في حطم، والعانة في كدم"، و"إذا طلع النجم عشاء، ابتغى الراعي كساء"، و"إذا طلع النجم غدية ابتغى الراعي شكية"٦.
وعرفت "الثريا" بـ"كيمه" Kimah عند العبرانيين وعند السريان، وعرفت
стр. 5507
بـ"النجم" كذلك١. وقد ذكرت بـ"النجم" وبـ"النجم الثاقب" في القرآن الكريم. وقد ذكرت الثريا في شعر امرئ القيس٢، وفي شعر "قيس بن الأسلت"، و"قيس بن الخطيم"، و"أحيحة بن الجلاح"٣، كما ذكرت في شعر شعراء آخرين من جاهليين وإسلاميين.
ويرى العرب أن لها أثرًا في الصحة وفي وقوع الأوبئة. وأوبأ أوقات السنة عندهم ما بين مغيبها إلى طلوعها. "قال طبيب العرب: اضمنوا ما بين مغيب الثريا إلى طلوعها، وأضمن لكم سائر السنة. ويقال: ما طلعت ولا نأت إلا بعاهة في الناس والإبل وغروبها أعوه من شروقها". وفي الحديث: "إذا طلع النجم لم يبق في الأرض من العاهة شيء إلا رفع. فإنه يريد بذلك عامة الثمار، لأنها تطلع بالحجاز وقد أزهى البسر، وأمنت عليه الآفة وحل بيع النخل"٤.
ثم الدبران، وهو كوكب أحمر منير يتلو الثريا ويسمى تابع الثريا، ثم الهقعة، وهي ثلاث كواكب صغار، يقال: إنها رأس الجوزاء، ثم الهنعة، وهي كوكبان أبيضان، ومنها الشعرى العبور، التي ذكرت في القرآن: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ ٥، وكان من العرب من يتعبد لها، وأول من عبدها "أبو كبشة"، الذي كان المشركون ينسبون الرسول إليه. والغميصاء، والنثرة٦، ثم الطرف، ثم الجبهة، ثم الزبرة، ثم الصرفة، ثم العواء، ثم السماك الأعزل، ثم الغفر، ثم الزباني، ثم الإكليل، ثم القلب، ثم الشولة، ثم العولة، ثم النعائم، ثم البلدة، ثم سعد الذابح، ثم سعد بُلَع، ثم المرع، ثم سعد السعود، ثم سعد الأخبية، ثم الحواء، ثم الفرغ المقدم، ثم الفرغ المؤخر، ثم بطن الحوت٧.
وقد جعلوا لكل منزل من المنازل المذكورة أثرًا في حياة الناس، يتمثل في أسجاعهم المروية في كتب الأدب وفي كتب الأنواء. أخذوها من الظروف والأحوال
стр. 5508
والتجارب العملية التي كانت تقع لهم عند طلوع الكواكب المذكورة. فنسبوا الفعل إليها، من جفاف ورطوبة وحر وبرد، وهطول مطر أو انحباسه ومن حصول أوبئة إلى غير ذلك من أثر.
ويظهر من دراسة ما ورد عن أنواء أرباع السنة وعن عدة المنال وصفاتها ومن الأسماء التي أطلقت عليها على أن الجاهليين كانوا على علم بها وبالبروج١.
فالمصطلحات المستعملة في هذه الأنواء وكذلك الأسماء هي مصطلحات أخذها المسلمون من لغة أهل الجاهلية، وأخذهم لها عنهم، كلًّا أو بعضًا، هو دليل على وجود علم للجاهليين بالأنواء والفلك. ولا يستبعد ذلك عنهم؛ لأن الجاهليين كانوا في حاجة شديدة إلى معرفة الأنواء وعلم الفلك، وقد كان لأهل العراق ولأهل بلاد الشأم علم بهما، يعود بعضه إلى البابليين ويعود بعض آخر إلى اليونان، وقد كان السريان يدرسون الفلك، والعرب على اتصال بهم، ولا سيما عرب النصارى مثل أهل الحيرة، حيث درسوا علوم تلك الأيام، ولما كانت معارف الأنواء والفلك ضرورة لهم، فلا يستبعد أخذ الجاهليين معرفتهم بهما من المكانين.
والأجرام السماوية هي كواكب ونجوم، وقد أشير إليها في القرآن الكريم.
و"الكوكب" من التسميات التي ترد في اللهجات السامية الأخرى فهي "كوكب" "كوكاب" في العبرانية، و"كوكبا" في السريانية، و"كوكب" في الحبشية، و"ككبو" Kakkabu في الأشورية٢. ويراد بالكوكب النجوم المتحركة التي تتغير مواضعها. أما الأجرام التي تبدو ثابتة لا تترك محلاتها، فهي النجوم.
وقد اشتهرت مجموعة من النجوم باسم "بنات نعش" عند العرب ولا تزال هذه التسمية دائرة على ألسنة الناس يطلقونها على المجمة نفسا المعروفة بهذه التسمية عند الجاهليين، وللأخباريين قصص أوردوه عن هذه التسمية يرجع إلى ما قبل الإسلام. وتعرف بنات نعش بـ"عيش" "عاش" و"عيش" عند العبرانيين٣.
وعرفت مجموعة أخرى من النجوم باسم "جبار". وتسمى "جبارا" Gabbara
стр. 5509
في السريانية وبـ"نفله" Nipgla في الكلدانية، و"فسيل" في العبرانية.
ويظهر أنها من الأبراج السماوية القديمة المعروفة عند الساميين١.
وعرفت "زُحَل" و"سهيل" عند الجاهليين كذلك. وكذلك "عثتار" معبودة العرب الجنوبيين. و"العقرب" أحد البروج.
وقد وردت في سفر "أيوب"٢ جملة "حدرى تيمان"، ومعناها "الخادر الجنوب" أو "مخادع الجنوب"٣، مما يدل على أن المراد بها نجوم تقع في الجنوب، أي: في جنوب فلسطين. وقد ورد في العربية "وسهيل يمان"، أي: جنوبية، وذلك بالنسبة إلى أهل الحجاز.
و"الزهرة"، هي من الكواكب الظاهرة البارزة التي تعرف بسهولة. وهي "هيلل" عند العبرانيين.
وهناك كوكب اسمه Kaawanu عند الأشوريين. ويراد به "كيون" Kiyyun عند العبرانيين. ويقابل "كيوان" في العربية. وهو معروف عند المنجمين.
ومن المعربات٤. والساطرون، من الكواكب المعبودة عند بعض الشعوب السامية٥.
أما الشمس، فهي أعرف الأجرام السماوية، وبها استدل على الوقت على الساعات والأيام والسنين والمواسم. وفي القرآن الكريم آيات توضح لنا رأي الجاهليين في الشمس.
وأما القمر، فمن آلهة العرب الجنوبيين البارزة. ويعرف عندهم بـ"هلل" أي: "هلال". والقمر من التسميات العربية الشمالية. وأما الهلال، فإنه القمر في أيامه الأولى عند أهل الحجاز. وللقمر أسماء نطقت بها العرب. فمنها: الطوس والباهر والغاسق والزبرقان والواضح والزمهرير والسنمار والساهور٦. والساهور هو: القمر في الآرامية، من Sahro٧.
стр. 5510
وقد اشتهر بعض الجاهليين بعلمهم بمواقع النجوم، منهم: "بنو مُرّة بن همام الشيباني" و"بنو مارية بن كلب"١.
стр. 5511
الكسوف والخسوف:
والكسوف والخسوف من الظواهر المعروفة عند الجاهليين. وقد عد وقوعهما من الأمارات التي تشير إلى وقوع حوادث جسيمة في العالم. شأنهم في ذلك شأن شعوب العالم الأخرى في ذلك العهد.
فقد كان بعض الجاهليين يرى أن كسوف الشمس آية دالة على موت رجل عظيم. فقد ورد أن الشمس كسفت في عهد رسول الله، ووافق ذلك موت إبراهيم بن رسول الله، فقال الناس: إنما كسفت الشمس لأجله. فقال النبي: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى يخوّف بهما عباده، وأنهما لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته"١. وقد حدث ذلك في المدينة. وورد في الأخبار أن الأنصار كانوا يقولون في النجم الذي يرمى به: مات ملك، ولد مولود٢.
وكانوا يتصورون أن الكهان كانوا يستعينون على معرفة المغيبات والخفايا بواسطة شياطينهم الذين كانوا يصعدون إلى السماء فيأخذون أخبارهم. وأن الرعد صوت الموكل بالسحاب يزجر السحب من أن تخالف أمره، حيث يسوقها من بلد إلى بلد كما يسوق الراعي إبله٣.
ويظهر من الموارد الإسلامية أن الجاهليين كانوا يثبتون الوقت بموقع ظل الشمس.
ويستعين أهل البادية بالظل، ظل إنسان أو عصا أو ظل خيمة، ويدركون من هذا الظل مقدار الوقت بصورة تقريبية. وعلى هذا المبدأ قدر الفقهاء أوقات الصلاة ولا يستبعد استعانة أهل القرى والمدن بمزاول ثابتة في تقدير الوقت.
وذلك بأن تخطط درجات على جدار ثابت أو على أرض، أو تعمل فتحات في
стр. 5512
جدار، ويعين الوقت برؤية ظل قضيب أو عمود مثبت على الدرجة المرسومة أو الفتحة، ويستدل من الظل على منزلة الساعة من النهار.
وقد كان الجاهليون مثل غيرهم من الشعوب يلجأون إلى المتفرسين في دراسة الأجرام السماوية لمعرفة الأمور الخافية عليهم من حاضر ومستقبل، وذلك بالاستدال عليها من ظواهر الكواكب والنجو. والكهان، هم المتخصصون بهذه المعرفة عند الجاهليين، فكانوا يتنبئون لهم بما سيقع من أمور وأحداث بالاستدلال بحركات تلك الأجرام، وبما تجمع عندهم من فراسات وتجارب ورثوها في هذا الشأن.
وقد كان الجاهليون يبالغون في ذلك كثيرًا ويؤمنون بالتنجيم وبتأثير الطالع في حياة الإنسان، ولهذا ذم الإسلام المنجمين وكذبهم ومنع المسلمين من التصديق بهم.
وكان لأهل الجاهلية رأي في تساقط الشهب والنيازك، ويرون أن لتساقط النجوم أثر في الإنسان وفي العالم. ذكر أنهم كانوا يرون أنه إذا انقض شيء من البروج الاثني عشر، فهو ذهاب الدنيا، وإن لم ينقض منها شيء، بل رأوا انقضاض النجوم وسقوطها، فإن ذلك يدل على حدوث أمر عظيم في الدنيا١.
стр. 5513
التوقيت:
وقد اهتم الجاهليون بأمر التوقيت، أي: تعيين الأوقات وضبط الأزمنة، لعوامل ضرورية عديدة. فالزراعة خاضعة لتقلبات الجو وتبدل المواسم، والأعياد وكثير من الشعائر الدينية وأمور العبادة لها علاقة بالتوقيت كذلك، كما أن للتجارة وللسير في البر والبحر صلة كبيرة بمعرفة الأنواء. ولهذا عنوا بتتبع سير الكواكب ودراسة ملامح السماء وظواهر الطبيعية التي لها علاقة بالرياح والأمطار وبأمثال ذلك للاستفادة منها في الحياة العملية.
ويحدثنا الجاحظ في كتاب الحيوان عن حاجة الأعرابي إلى معرفة حال السماء وتقلبات الجو، فيقول: "عرفوا الآثار في الأرض والرمل، وعرفوا الأنواء ونجوم الاهتداء، لأن كل من كان بالصحاصح الأماليس، حيث لا أمارة ولا هاوي مع حاجته إلى بعد الشقة، مضطر إلى التماس ما ينجيه ويؤيده. ولحاجته
стр. 5514
إلى الغيث، وفراره من الجدب وضنه بالحياة، اضطرته الحاجة إلى تعرف شأن الغيث، ولأنه في كل حال يرى السماء وما يجري فيها من الكواكب، ويرى التعاقب بينها والنجوم الثوابت فيها، وما يسير منها مجتمعًا وما يسير منها فاردًا، وما يكون منها راجعًا ومستقيمًا"١. وفي هذا وفي غيره تفسير لسبب اهتمام الجاهليين بالتوقيت ودراسة الأنواء٢.
وقد اعتبر القدماء أمر التوقيت من واجبات رجال الدين، فكان رجال المعابد والكهان هم الذين يقومون بضبط الوقت وتثبيت الأعياد وأوقات العبادة. ظلوا على ذلك أمدًا طويلًا، ولا تزال آثار ذلك باقية حتى اليوم. وكان هؤلاء الرجال قد احتكروا المعرفة والعلم لاعتقاد الناس أنهم أقرب البشر إلى الآلهة، وأن ما يتكلمون به إنما هو وحي منها، يوحى إلى هؤلاء، فعلمهم إذن نابع من مصدر صادق لا يتطرق إليه الشك.
وإذا كانت كتابات المسند لم تتحدث عن الموقتين ضباط الزمن في العربية الجنوبية، فإننا لا نعتقد بشذوذ العرب الجنوبيين عن غيرهم في هذا الباب، خاصة وأننا نرى أن الكهان وسدنة الكعبة ومن لهم صلة بالأصنام، كانوا هم الذين يقومون في الحجاز بضبط المواقيت والنسيء. فليس بمستبعد أن يختص رجال الدين في العربية الجنوبية بالتوقيت.
стр. 5515
الفصل الحادي والثلاثون بعد المئة: الوقت والزمان
مدخل
...
الفصل الحادي والثلاثون بعد المائة: الوقت والزمان
يقول علماء العربية: الوقت مقدار من الزمان، وكل شيء قدرت له حينًا، فهو موقت. والوقت تحديد الأوقات كالتوقيت١. واختلفوا في الزمان، فقالوا: الزمان الدهر، وعارضه آخرون. إذ قالوا: يكون الزمان شهرين إلى ستة أشهر والدهر لا ينقطع. والزمان يقع على الفصل من فصول السنة وعلى مدة ولاية الرجل وما أشبهه٢، ويظهر أن بين العلماء خلافًا في تحديد المراد من اللفظتين ثم في تحديد معنى كل لفظة منهما، وفي معنى "الدهر"، وذلك بسبب مسألة القدم والحدوث، وما للتفاسير من صلة بهما، وأثر ذلك في مسائل ذات صلة بعلم الكلام.
وروي عن الرسول قوله: "لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر"، وفي رواية أخرى: "فإن الله هو الدهر"، وورد في الحديث عن "أبي هريرة"، "قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وإنما أنا الدهر. أقلب الليل والنهار"٣. فالدهر الزمان الطويل، أو الدائم. وقد عبر عنه في الإسلام بالأبدية، التي هي الله.
ويقاس الوقت بالسنين. والسنة أطول وحدة قياسية له. وتنقسم إلى أجزاء.
стр. 5516
ولفظة "سنة" من الألفاظ العربية القديمة، وترد في جميع لهجات الجاهليين، وهي من الألفاظ السامية التي ترد في كل لغاتها، مما يدل على أنها من الكلمات السامية القديمة. ويعبر عن كثرة السنين بمصطلحات، مثل: "عصر"، وهو كل مدة ممتدة غير محدودة تحتوي على أمم تنقرض بانقراضهم، وفي القرآن الكريم: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ١. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن "العصر" الدهر٢. وتقابل لفظة "العصر" لفظة "دور" Dor في العبرانية. ومنها جملة "دور وآدهور" Dor Wadhor، بمعنى الدهر والدهور، أي: الزمان الدائم. وذلك بالنسبة لله٣. لأن الزمن لا شيء بالنسبة له. "لأن ألف سنة في عينيك مثل يوم أمس بعد ما عبر وكهزيع من الليل"٤، و"أن يومًا واحدًا عند الرب كألف سنة، وألف سنة كيوم واحد"٥. وقد أيد القرآن الكريم هذا المعنى، فذكر أن الوقت لا شيء بالنسبة إلى أبديته: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ ٦.
ولفظة سنة لفظة عربية شمالية، ترد في عربية القرآن الكريم، كما ترد في النصوص العربية الشمالية، مثل نص النمارة الذي يعود عهده إلى سنة "٣٢٨" للميلاد، ونص "حران" الذي يعود تاريخه إلى سنة "٥٦٨" للميلاد، أي: إلى عهد لا يبعد كثيرًا عن أيام مولد الرسول. وقد كتبت لفظة "سنة" على هذه الصورة "سنت"، أي: بالتاء المبسوطة. وقد وردت هذه اللفظة في الكتابات الصفوية وفي اللهجات العربية الشمالية الأخرى أيضًا٧.
ولدينا لفظة أخرى مرادفة للسنة هي العام، فيقال: لعامنا هذا، أي: لسنتنا.
стр. 5517
وذكر علماء اللغة أن العام أخص مطلقًا من السنة، فتقول: كل عام سنة، وليس كل سنة عامًا. وذكر بعض العلماء أن العام كالسنة، لكن كثيرًا ما تستعمل السنة في الحول الذي يكون فيه الجدب والشدة، ولهذا يعبر عن الجدب بالسنة، والعام فيما فيه الرخاء والخصب. وقال بعض آخر: السنة أطول من العام، وهي دورة من دورات الشمس، والعام يطلق على الشهور العربية بخلاف السنة. وذكر بعضهم أن العام لا يكون إلا شتاءً وصيفًا، وإنك إذا عددت اليوم إلى مثله فهو سنة١.
وقد وردت لفظة "عوم" في نص واحد من نصوص المسند، بمعنى سنة، أي: في معنى "عام" في لساننا٢. ولكن الغالب أن يعبر عن السنة بلفظة "خرف"، أي: "الخريف"، ويظهر أنهم أطلقوا على السنة "الخريف"، لأن الخريف هو من أبرز المواسم في العربية الجنوبية وله أهمية خاصة بالنسبة لهم، ولذلك غلبوا التسمية على كل العام.
و"الحول" السنة اعتبارًا بانقلاب الشمس ودوران الشمس في مطالعها ومغاربها.
وقد وردت في القرآن الكريم. ويظهر أنها من الألفاظ الجاهلية القديمة. والحولي: ما أتى عليه حول من ذي حافر وغيره، ويقال: جمل حولي ونبات حولي٣.
وذكر علماء اللغة أن "الخريف" السنة والعام، أي: بالمعنى المفهوم من اللفظة في كتابات المسند. وذهب بعض العلماء إلى أن الخريف هو الفصل المعروف.
وأما ورود اللفظ بمعنى السنة والعام في أحاديث الرسول، فلأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، ولذلك قصد باللفظة المسافة تقطع من الخريف إلى الخريف، وهو السنة٤.
ويستعمل العرب الجنوبيون لفظة "خرف" "خريف" في مكان سنة في لغتهم. وترد في النصوص المؤرخة، حيث تفيد توريخ حادث ما، وتثبيته بذكر السنة التي وقع بها من سني الملك أو الرئيس الذي أرخ الحادث به. فيكتب:
стр. 5518
"بـ خرف" "بخرف"، أي: "بسنة"، ثم يذكر بعدها اسم المؤرخ به. كما ترد بمعنى الخريف، الفصل المعلوم من السنة.
وتؤدي لفظة "كبر" معنى سنة في بعض الأحيان، وقد رأينا أن اللفظة تعني "كبير"، وهي كناية عن وظيفة كبيرة في الحكومة، والظاهر أن الناس قد تجووزوا في الاصطلاح، فأطلقوه بمعنى السنة، لأنهم كانوا يؤرخون بسني حكم الكبراء، فصاروا يطلقونها على السنة أيضًا، ويفهم معناها عندئذ من الجملة.
كما في جملة: "عد ورخ وكبر نجو ذت هقنيتن"١، ومعناها: "إلى شهر وسنة إعلان ذلك التمليك"٢.
وتؤدي لفظة "الحقبة" معنى السنة عند بعض علماء اللغة، وتجمع على حقب، وذكر أن الحقب ثمانون سنة، وقيل: أكثر، والجمع أحقاب، وتؤدي لفظة "الحجة" معنى السنة كذلك٣.
وتتألف السنة عند العرب وسائر العجم من اثني عشر شهرًا٤، وأيام السنة ثلاثمائة وأربعة وخمسون يومًا، تنقص عن السرياني أحد عشر يومًا وربع يوم، لأن أيام السنة عند السريان ثلاثمائة وخمسة وستون يومًا وربع يوم. وقد كانت العرب في الجاهلية تكبس في كل ثلاث سنين شهرًا وتسميه النسيء وهو التأخير٥.
стр. 5519
الفصول الأربعة:
وتقسم السنة إلى فصول أربعة بحيث يتكون كل فصل من هذه الفصول من ثلاثة أشهر، تكون ربع السنة. وهذه الفصول هي: الشتاء، والربيع، والصيف، والخريف. ويقال للصيف القيظ أيضًا٦. ويظهر من هذه التسميات ومن هذا النوع من التقسيم أنه تقسيم بني على أساس التقويم الشمسي، لا التقويم
стр. 5520
القمري، وهو تقسيم بقي مستعملًا في الإسلام، مع أن التقويم الرسمي الإسلامي هو تقويم قمري، لأنه تقسيم طبيعي مبني على طبيعة التغير الذي يطرأ على شهور السنة. ولو بني تقسيم الفصول على الشهور القمرية، لما كان في الإمكان السير عليه بالقياس إلى الحياة العملية المبنية على الزرع والتجارة والتنقل في المراعي، وكل هذه لها علاقة بتبدل طبيعة الشهور.
والتقسيم المذكور قائم على أساس ملاحظات الإنسان للطبيعة ودراسته لها، وعلاقة البرد والحر بحياته وبزرعه وحيوانه. فقسم السنة إلى موسمين: موسم زرع يبذر فيه ويزرع، وموسم حصاد يحصد فيه زرعه ويجني ثمره. وهو موسم يبدأ فيه الزرع بالأفول وبالذبول، حتى إذا ما جاء البرد، تساقط فيه الورق، وتعرت الأشجار من الخضرة ويقابل هذا البرد الحر، وهو موسم واضح ظاهر في جزيرة العرب حياته فيها أطول من بقية الفصول. فأدرك الإنسان من تأثير الطبيعة عليه وجود أربعة فصول. وقد عبرت التوراة عن هذه الفصول بقولها: "مدة كل أيام الأرض زرع وحصاد وبرد وحر وصيف وشتاء ونهار وليل"١
ولكن الواضح من الفصول في بلاد العرب: الصيف. ويستأثر بالنصيب الأكبر من السنة، لامتداد حره، ثم الشتاء ولذلك نجد الناس يقسمون السنة إلى نصفين: صيف وشتاء.
ونجد هذه الفكرة عند العبرانيين كذلك، فالصيف والشتاء هما الفصلان الواضحان البارزان عندهما. ويسمى الصيف بـ"قيز" "قيض" عندهم، أي: بالتسمية الواردة عند العرب، أما الشتاء، فهو "خرف" في العبرانية٢.
وبعض العرب يقسم السنة نصفين: شتاء وصيفًا، ويقسم الشتاء نصفين، فيكون الشتاء أوله، والربيع آخره. ويقسم الصيف نصفين، فيجعل الصيف أوله، والقيظ آخره٣.
وذكر أهل الأخبار وعلماء اللغة أن العرب تبتدئ بفصل الخريف وتسميه
стр. 5521
الربيع، لأن أول الربيع، وهو المطر، يكون فيه، ثم يكون بعده فصل الشتاء ثم يكون بعد الشتاء فصل الصيف، وهو الذي يسميه الناس الربيع، وقد يسميه بعضهم الربيع الثاني، ثم يكون بعد فصل الصيف فصل القيظ، وهو الذي يسميه الناس الصيف١. وذكر "اليعقوبي" أن العرب اختلفت "في أسماء الأزمنة الأربعة: فزعمت طائفة منها أن أولها الوسمي، وهو الخريف، ثم الشتاء، ثم الصيف، ثم القيظ، ومنهم من يعد الأول من فصول السنة الربيع، وهو الأشهر والأعم، والعرب تقول: خرفنا في بلد كذا، وشتونا في بلد كذا، وتربعنا في بلد كذا، وصفنا في بلد كذا"٢.
وأول وقت الربيع عندهم، وهو الخريف، ثلاثة أيام تخلو من أيلول. وأول الشتاء عندهم ثلاثة أيام تخلو من كانون الأول. وأول الصيف عندهم، وهو الربيع الثاني، خمسة أيام تخلو من آذار. وأول وقت القيظ عندهم أربعة أيام تخلو من حزيران. والخريف عندهم المطر الذي يأتي في آخر القيظ، ولا يكادون يجعلونه اسمًا للزمان٣.
وهناك أسماء أخرى لهذه الفصول، فـ"الصفرية" هو الجزء الأول من السنة وسمي مطره الوسمي، والشتاء هو الجزء الثاني منها. أما الصيف فهو الجزء الثالث.
وأما الجزء الرابع، فهو القيظ، وسموا مطره الخريف، وقد حددوا مبدأ كل فصل ومنتهاه بالفصول.
وهناك كما يتبين من روايات علماء اللغة اختلاف في تشخيص الربيع، منهم من يذهب إلى أنه الفصل الذي يتبع فيه الشتاء، ويأتي فيه الورد والنَّور، "ومنهم من يجعل الربيع الفصل الذي تدرك فيه الثمار وهو الخريف وفصل الشتاء بعده. ثم فصل الصيف بعد الشتاء وهو الوقت الذي تدعوه العامة الربيع، ثم فصل القيظ بعده وهو الذي تدعوه العامة الصيف. ومن العرب من يسمي الفصل الذي تدرك فيه الثمار وهو الخريف الربيع الأول، ويسمى الفصل الذي يتلو الشتاء ويأتي فيه الكمأة والنور الربيع الثاني. وكلهم مجمعون على أن الخريف هو الربيع"٤.
стр. 5522
وهناك من يجعل السنة ستة أزمنة: الوسمي، والشتاء، والربيع، والصيف، والحميم، والخريف١.وحصة كل زمن من هذه الأزمنة شهران.
وذكر بعض العلماء أن السنة عند العرب ستة أزمنة: شهران منها الربيع الأول وشهران صيف وشهران قيظ وشهران الربيع الثاني، وشهران خريف وشهران شتاء. وذكر بعضهم أن السنة أربعة أزمنة: الربيع الأول وهو عند العامة الخريف، ثم الشتاء، ثم الصيف وهو الربيع الآخر، ثم القيظ. وهذا هو قول العرب في البادية. والربيع جزء من أجزاء السنة، وهو عند العرب ربيعان: ربيع الشهور وربيع الأزمنة. فربيع الشهور شهران بعد صفر. سميا بذلك لأنهما حدا في هذا الزمن فلزمهما في غيره. ولا يقال فيهما إلا شهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر. وأما ربيع الأزمنة. فربيعان: الربيع الأول وهو الفصل الذي يأتي فيه النور والكمأة، وهو ربيع الكلأ. والربيع الثاني، وهو الفصل الذي تدرك فيه الثمار. ومن العرب من يسمي الفصل الذي تدرك فيه الثمار، وهو الخريف: الربيع الأول، ويسمى الفصل الذي يتلو الشتاء ويأتي فيه الكمأة والنور الربيع الثاني. وكلهم مجمعون على أن الخريف هو الربيع٢.
وقسم بعضهم الشتاء إلى ربيعين: ربيع الماء والأمطار وربيع النبات لأن فيه ينتهي النبات منتهاه. والشتاء كله ربيع عند العرب لأجل الندى٣.
ويظهر من المسند أن العرب الجنوبيين كانوا يقسّمون السنة إلى فصول كذلك، وأنهم كانوا مثل غيرهم يقسمونها إلى فصول أربعة: الشتاء والربيع والصيف والخريف. ولا يعني هذا التقسيم الرباعي أن الجو في العربية الجنوبية أو في أي مكان آخر في جزيرة العرب كان يختلف اختلافًا واضحًا بينًا من حيث التطرف أو الاعتدال باختلاف هذه الفصول الأربعة، وأن شهور الفصول هي متساوية بالفعل، وأن عدة كل فصل ثلاثة أشهر، بل هو في الواقع تقسيم علمي نظري.
أما من الناحية العلمية، فإن فصلي الصيف والشتاء هما أبرز الفصول وأوضحها
стр. 5523
في جزيرة العرب كلها. ولا سيما فصل الصيف الذي يعد أطول الفصول وأوضحها فيها. وهذا الذي دفع العرب ولا شك إلى تقسيم السنة إلى نصفين، شتاء وصيف يبتدئون بالشتاء ويجعلونه النصف الأول، ويبتدئ عندهم بابتداء النهار في القصر وابتدائه في الزيادة. وأما الصيف، فيبدأ عند انتهاء النهار بالطول وابتدائه بالنقصان١.
والشتاء هو "صربن" في المسند. أما الربيع، فهو "دثا". وأما الصيف، فـ"قيضن"، أي: القيظ، وأما الخريف، فـ "خرفن"، أي: الخريف٢.
ويذكر علماء اللغة أن القيظ هو أشد الحرّ، وأن الخريف ليس في الأصل باسم للفصل، إنما هو اسم لمطر القيظ، ثم سمّي الزمان به فجرى٣.
وترتبط مسميات الفصول ارتباطًا متينًا مع مواسم الحصاد ففي أحد النصوص: "صربم وقيضم"٤، ومعناه "شتاء وصيف"، ويظهر أن صاحبه قصد من لفظة "صريم" الحصاد الذي يتم في أول موسم الشتاء٥. وأما "قيض"، فهو الصيف، حيث تشتد الحرارة فيه. وفي نص آخر: "قيض ودثا وصرب وميلم"٦ وكلمة "ميلم" يجب أن تؤدي معنى الخريف، إذ القيض، هو الصيف و"دثا" الربيع و"صرب" الشتاء فتكون لفظة "ميلم" بمعنى الخريف إذن، وربما الحصاد، أي: الحصاد الذي يجمع في آخر الشتاء، قبل هطول أمطار الربيع٧.
وفي الربيع والخريف تتساقط الأمطار الفصلية في العربية الجنوبية، تتساقط الأمطار الربيعية في شهري آذار ونيسان وأما أمطار الخريف القوية الثقيلة، فتهطل في تموز "جولاي" وآب "أغسطس" وأيلول "سبتمبر". وتعرف أمطار الخريف فتسمى بـ"خرف" "خريف". دعيا بذلك لنزولهما في هذين الموسمين.
وإلى هذين الفصلين أشار "بلينيوس" Pliny حين قال: إن العرب الجنوبيين
стр. 5524
يسمّون غلة البخور التي يجمعونها في فصل الخريف باسم Dathiathum، ويسمون الغلة التي تجمع من هذه المادة في فصل الصيف بـCarfiathum. والكلمة الأولى هي تحريف للفظة "خريف". وأما الثانية، فتحريف للفظة "دثا"، أي: الربيع١.
وقد دخلت التسميتان بواسطة التجارة والتجار إلى اليونان، ولا شك. وهما تسميتان واضحتان صحيحتان.
وتؤدي لفظا "دثا" و"خرفن" معنى الأمطار الموسمية في الغالب، أي: أمطار الربيع وأمطار الخريف في بعض الكتابات٢. وقد تؤديا معنى "الغلات" أي: "فرع"، التي تجمع في موسمي الربيع والخريف٣.
ولدينا نص طريف يفيد أن أصحابه قد أذنبوا بعدم إيفائهم بما نذروه لآلهتهم وكان عليهم الوفاء به في "ذ موصبم" كما عاهدوا آلهتهم. ولمخالفتهم عهدهم هذا، أرسلت الآلهة عليهم سيلًا جارفًا من أمطار شديدة سقطت في موسمي الربيع والخريف، فأتلفت زرعهم وأصابتهم بضرر كبير، واعترافًا منهم بتقصيرهم هذا وبذنبهم، كتبوا النص المذكور، وقدموا نذرهم كاملًا، راجين من الآلهة الصفح عن ذنبهم والعفو عنهم، وأن تبارك في زرعهم، وأن تعوضهم عن خسارتهم التي أصابتهم بغلة وافرة وحاصل غزير٤.
стр. 5525
الشهور:
وتتألف السنة عند العرب الشماليين من اثني عشر شهرًا، وقد أشير إلى ذلك في القرآن: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ ١. وهو التقسيم الشائع المعروف عند بقية الساميين واليونان وغيرهم. والمعمول به حتى اليوم. ولم ترد إشارة إلى هذا التقسيم في نصوص المسند، ولكن ورود ذكر السنين والشهور في كتابات
стр. 5526
المسند، واستعمال العرب الشماليين وغيرهم التقسيم الاثني عشري للسنة، يحملنا على القول إن العرب الجنوبيين كانوا يقسمون السنة إلى اثني عشر شهرًا أيضًا، وإن لم ينص على ذلك في النصوص.
وقد لاحظ "رودوكناكس" أن المزارعين المحدثين في العربية الجنوبية يسيرون بموجب تقويم فلكي Sidereal Calender، يقسم السنة إلى ثمانية وعشرين شهرًا، مدة كل شهر ثلاثة عشر يومًا، فاستنتج من ذلك احتمال كون هذا التقويم من بقايا تقويم عربي جنوبي كان العرب الجنوبيون يسيرون عليه قبل الإسلام. ولهذا رأى أن "ذ فرغ" و"ذا جبي" "ذا جبو"، لا يمثلان شهرين من شهور السنة، وإنما يمثلان وقتًا من أوقات العمل والزرع، بالمصطلح المستعمل الآن في العربية الجنوبية، أي: جزءين من "٢٨" جزءًا من أجزاء السنة١. وذهب "بيستن" إلى احتمال تقسيم العرب الجنوبيين للشهر إلى ثلاثة أقسام، يتكون كل قسم منها من عشرة أيام٢.
ويرى "رودوكناكس" أن سنة العمل عند القبائل تبدأ باليوم الأول من شهر "ذ فرغم" "ذو فرعم" "ذو الفرع"، وتمتد إلى اليوم السادس من "ذ فقحو"، ويرى أن السنة عند الفلاحين، تتكون من "٣٦٠" يومًا، أما الأيام الباقية وهي ما بين "٥"، "٦"، فتضاف إلى أحد الأشهر وتأخذ اسمه، فتكون السنة بهذا العمل سنة شمسية كاملة. ويحتفل الفلاحون عند انتهاء تقويمه الزراعي بانتهاء السنة، حيث يعيدون عبدًا يسمونه "مصب"، "مصوب"، ويعد شهر "فرعم" الشهر الأول من السنة الزراعية، حيث تزهر الأشجار، وتظهر الأوراق. وتختلف هذه السنة عن سني التقويم الرسمي الذي تسير عليه الحكومة في جباية استحقاقها من حاصل الزرع٣.
والإهلال هو المبدأ الذي سار عليه الجاهليون في تعيين أوائل الشهور٤. فإذا اختفى القمر في آخر الشهر ولم يظهر، خرجوا لمراقبة الهلال وتثبيت مبدأ الشهر.
стр. 5527
وقد كانوا يعدون الرؤية من الحوادث المؤثرة في حياة الشخص. من حيث جلب النحس والسعادة للمستهل. ولهذا كانوا ينظرون إلى المناظر الجميلة حين الاستهلال، لاعتقادهم أن ذلك يجلب لهم البركة والخير. والشهر كما جاء في الحديث: "مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين"١، أي: يومًا.
ويعبر عن الشهر بلفظة "ورخ" في العربيات الجنوبية. والجمع "أورخم" "أورخ". ولفظة "ورخ" تعني القمر في عربية القرآن الكريم. وهي من الألفاظ السامية القديمة، وتؤدي معنى "أرخ" وتأريخ أيضًا٢. فكان العرب الجنوبيون إذا أرادوا التأريخ بالأشهر، قالوا: "ورخ كذا"، أي: "شهر كذا". والتوريخ بالشهور لا يعني أن العرب الجنوبيين أو غيرهم من العرب، كانوا لا يؤرخون إلا بالتقويم القمري، وأنهم لم يكونوا يستعملون غير هذا التقويم. فقد كان غيرهم يؤرخون بالشهور القمرية كذلك، وكانوا مع ذلك يؤرخون بالتقويم الشمسي، أو بالتقويمين.
ولا تعني لفظة "ورخ" التي هي "الشهر" أن العرب الجنوبيين كانوا يتبعون تقويمًا قمريًّا، بسبب أن لفظة "ورخ" تعني "قمر" في الأصل، فالانكليز يستعلمون لفظة Month بمعنى الشهر، وهي من أصل Moon أي: القمر، ومع ذلك فإن شهورهم شمسية، ولفظة "الشهر" نستعملها في عربيتنا، هي في معنى "ورخ" في الأصل. فالشهر: القمر، والهلال٣. أي مرادف "ورخ" تمامًا. وقد سمي الشهر به، لأنهم كانوا يوقنون به، فالمدة التي تمضي بين هلال وهلال جديد، هي شهر. نسي المعنى الأصلي للكلمة، وبقي الاصطلاح ومن ذلك قولهم: أشهروا، بمعنى أتى عليهم شهر، وشاهره مشاهرة وشهارًا، استأجره للشهر٤.
ووردت لفظة "شهر" بمعنى هلال في العربيات الجنوبية، وذلك كما في هذه الجملة: "بيوم شهرم ويوم ثنيم ذنم"٥، أي: "بيوم الهلال، وبيوم
стр. 5528
المطر الثاني"، أو بعبارة أخرى "يوم الإهلال، وزمان سقوط المطر الثاني".
وقد وردت في كتابات المسند أسماء عدد من الأشهر، يتبين من دراستها أن بعضها وارد في نصوص لهجتين مثل لهجة معين وسبأ، ولهجة سبأ وقتبان، مما يدل على أنها كانت مشتركة ومستعملة عند المعينين والسبئيين، أو عند السبئيين والقتبانيين. ولكن الأغلب انفراد كل لهجة بتسمية شهر، بدليل ما نجده في كتابات كل لهجة من اللهجات التي نعرفها من أسماء أشهر لا ترد في الكتابات الأخرى ومن الأشهر المشتركة التي ورد اسمها في كتابات سبئية ومعينية، شهر "ذ دثا" وشهر "ذ سحر"، وقد ورد اسمه في كتابات سبئية وقتبانية، و"ذا أبهى" "ذ أبهو"، وقد ورد في كتابات معينية وسبئية وقتبانية كذلك١.
وعثر على أسماء هذه الشهور في النصوص المعينية: "ذ أبهى" "ذو أبهى"، و"ذ أبرهن"، و"ذ أثرت"، "ذو عثيرة"، و"دثا"، و"ذ حضر"، و"ذ طنفت"، و"ذ نور"، و"ذ سمع"، و"ذ شمس"٢.
ومن الشهور الواردة في كتابات السبئيين المتقدمة: "ورخ ذا بهي"، أي: شهر ذو أبهى، و"ورخ ذ دنم"٣، و"ورخ دثا"، "ذ دثا"، و"ورخ ذ نيلم"، و "ورخ ذ نسور"، و"ورخ ذ سحر"، و"ورخ ذ فلسم"، و"ورخ ذ قيضن"، و"ورخ صربن"، و"ورخ صر"، و"ورخ ذ الالت"، و"ملت"٤، و"ذ عثتر"، و"ذ موصبم"، و"ذ مخضدم"٥. وشهور أخرى.
أما الشهور: "ورخن ذ الألت"، و"ورخ ذ داون" و"ورخو ذ حجتن" و"ورخ ذ خرف" و"ورخو ذو مذران" و"ورخن ذ مهلتن" و"ورخن ذ محجتن" و"ورخ ذ معن" و"ورخ ذ صرين" و"ورخو
стр. 5529
ذو قيضن" و"ورخ ذ ثبتن"، فإنها من الشهور الواردة في الكتابات السبئية المتأخرة١.
ويظهر من اسم الشهر "ورخن ذ اللات" "ذ ال ال ت"٢، و"ورخن ذ حجتن"، أن لهما صلة بالحياة الدينية عندهم. فورخن ذ الالت معناه شهر الآلهة. فالظاهر أنه شهر خصص بالآلهة، كانوا يتقربون فيه إليها بالنذور مثلًا أو العبادة. فهو شهر مقدس، ربما يكون مثل شهر "رمضان" في الإسلام.
وأما "ورخن ذ حجتن"، فمعناه "شهر الحج"، فهو شهر يحج فيه إلى الأصنام، على نحو "شهر ذي الحجة" في الإسلام.
أما الشهور القتبانية التي وردت أسماؤها في كتاباتهم، فهي: "ورخس ذ أبهو" و"ورخس ذ برم" و"ورخس ذ بشمم" و"ورخس ذ مسلعت" و"ورخس ذ سحر" و"ورخس ذ عم" و"ورخس ذ تمنع" و"ورخس ذ فرعم"، و"ورخ ذ فقهو"٣. ويلاحظ أن اللهجة القتبانية تضع حرف "و" في نهاية "أبهى" "فقهى"، فتقول: "ذ أبهو"، و"ذ فقهو" بدلًا من "ذا أبهى" و"ذ فقهي"، فتقول: "ذ أبهو"، و"ذ فقهو" بدلًا من "ذ أبهى" و"ذ فقهي" كما هو الحال في اللهجات الأخرى، مما يدل على أن هذا الحرف، هو من خصائص هذه اللهجة٤.
وذكر "بيستن" أن الكتابات الحضرمية لم تذكر من أسماء الشهور إلا اسم شهر واحد، هو "ورخس ذ صيد"٥.
ويلاحظ ورود لفظتي "قد من" و"اخرن" مع أسماء بعض الأشهر كما في هذه الجمل: "ورخ ذ نسور قد من" و"ورخ ذ نسور أخرن"، و"ورخس ذ برم قد من"، و"ذ برم أخرن"٦. ومعناها: "شهر
стр. 5530
ذو نسور الأول" و"شهر ذو نسور الثاني" و"ذو نسور الآخر"، و"شهر ذو برم الأول" و"شهر ذو برم الآخر". وذلك أن لفظة: "قد من" تعني "الأقدم" و"الأول". وأما "أخرن"، فتعني "المتأخر والثاني والآخر". وذلك كما نفعل نحن اليوم إذ نقول "شهر ربيع الأول" و"شهر ربيع الآخر" و"جمادى الأولى" و"جمادى الآخرة" في التقويم الهجري، و"كانون الأول" و"كانون الثاني" في التقويم الميلادي.
ويتبين من استعمال اللفظتين المذكورتين أن بعض العرب الجنوبيين، ويجوز أن يكونوا كلهم، كانوا كالعرب الشماليين ومثل بعض الساميين، قد استعملوا اسمًا واحدًا لشهرين، وللتفريق بينهما أطلقوا لفظة "قد من" بعد اسم الشهر الأول، لتمييزه عن سميّه الشهر التالي له، ولفظة "أخرن" أي: المتأخر والتالي أو الثاني بعد اسم الشهر الثاني لتمييزه عن الأول المتقدم عليه.
ويظن أن شهر "ذ برم أخرن"، "ذ برم الآخر" "ذ برم التالي" أو "الثاني" إنما هو من شهور "الكبس"، ولهذا فهو لا يكون في كل سنة، بل في السنين المكبوسة فقط١.
ويظهر من دراسة بعض الأسماء أن لبعضها معاني ذات علاقة بالجو، ولبعض آخر بالحياة الدينية أو بالناحية الزراعية. ومن النوع الأول: "ذ دثا"، "ذو دثا" وله معنى الربيع، وهو مثل شهر "ربيع الأول" أو "ربيع الآخر" في التقويم الهجري فـ"دثا" هو الربيع في المسند٢. وأما شهر "ذ خرف" فإن له صلة بموسم الخريف، وقد يكون من شهور هذا الموسم. و"خرف" بمعنى "الخريف" الموسم المعروف بلغتنا، وبمعنى سنة٣. وأما شهر "ذ قيضن" فإنه من أشهر القيظ، والقيظ هو الحر، فهو شهر من أشهر الصيف.
و"القيض"، بمعنى الصيف كذلك، والموسم الذي تنضج أثمار الصيف فيه٤.
ومن الشهور التي لها علاقة بالزراعة، شهر "ذ مذرن"، "ذ مذران".
стр. 5531
"ذو مذران"، ومعناه شهر البذر، ولعله دعي بذلك؛ لأن الزراع كانوا يبذرون بذورهم للزرع فيه. وشهر "ذ صربن"، "ذو صربن". وهو من أشهر الخريف، قد يكون في أوله وقد يكون في أواخره، أي: في ابتداء الشتاء، وهو يقابل شهر "صراب" من الأشهر المستعملة في العربية الجنوبية في أيامنا هذه. و"صربن" "صراب"، بمعنى أثمار الخريف وحاصل الخريف، أي: غلة الخريف١.
ويرى بعض الباحثين أن لشهر "ذ ثبتن" علاقة بالزراعة كذلك، وأنه يعني الشهر الذي تتهاطل فيه الأمطار، وتجمع فيه السيول لخزنها في السدود، وأن لشهر "ذ مهلتن" علاقة بالزراعة كذلك، وأن في معناه "المهلة" أي: التأخير في عمليات الزرع أو جمع الحاصل٢.
ويظن أن للشهرين "ذ دونم" "ذ دنم"٣ و"ذ نيلم" علاقة بالزراعة كذلك. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن معنى "دونم" "دينم" الدين، وأن المراد بها الشهر الذي تجمع فيه ديوان المعبد. أي: ضرائب المعبد. وذهب بعض آخر إلى أن اللفظة من أصل "دون"، ومعناها الإرواء والإسقاء، وأن لهذا الشهر علاقة إذن بشئون الري. وأما "ذ نيلم"، فإنه شهر حصاد الغلات وجمع الحبوب٤.
ومن الشهور التي لها علاقة بالحياة الدينية، "ذ عثتر" و"ذ الالت" و"ذ حجتن" و"ذ محجتن" و"ذ شمسي" وغيرها. وشهر "ذو عثتر" منسوب إلى الإله "عثتر"٥. وأما "ذ الالت"، فبيّن الدلالة على المعنى الديني كذلك. فإنه يعني شهر الآلهة. وأما "ذ حجتن" و"ذ محجتن"، فهو مثل شهر "ذي الحجة في التقويم الهجري وفي معناه. وأما "ذ شمسي" "ذو شمس" فيجوز أن يكون نسبة إلى الآلهة الشمس من الناحية الدينية، ويجوز أن يكون نسبة إلى الشمس من ناحية تأثيرها في الجو، أي: من ناحية تأثير حرارة
стр. 5532
أشعتها في الناس وفي المزروعات. وذلك بكونه من أشد الشهور حرًّا. فيكون هذا الشهر بذلك من أشهر الصيف.
ويفهم من جملة: "ورخ ذ هبس وعثتر"، أن هناك شهرًا اسمه شهر "هوبس وعثتر"، أو شهرًا اسمه "هوبس"، نسبة إلى الإله "هوبس" وشهرًا آخر اسمه "عثتر"، نسبة إلى الإله "عثتر"١. وورد اسم الشهر "ورخ ذ عثتر" في جملة نصوص٢.
والأشهر التي لها صلة بالحياة الدينية، هي: "شهر الآلهة" "ورخ ذ ال الـ ت" "ذ الالت"، و"شهر ذ حجتن"، "ورخ ذ حجتن"، و"شهر ذ محجتن"، "ورخ دمحجتن"، أي: شهر المحجة. ويصعب في الوقت الحاضر علينا تثبيت أوقات هذه الأشهر المقدسة بالنسبة للمواسم ولترتيب الشهور، لعدم وجود أدلة يمكن أن نستخرجها من النصوص لتثبيت زمن الحج عندهم مثلًا، أو زمن الشهر المخصص للآلهة.
ونجد أسماء بعض الشهور مثل: "ذ سمع"، تمثل صفة من صفات الآلهة.
فـ"ذ سمع" يعني: "ذو السمع"، فالآلهة تسمع الناس تجيب دعواتهم. كما نجد أسماء شهور أخرى تشير إلى أمور دينية وطقوس. مثل شهر "ذ حضر"، فإنه شهر الأضاحي، من "حضر" بمعنى ضحى، أي: ذبح ذبيحة للآلهة، ومثل شهر "أبر"، ومعناه "شهر حرق البخور"، أو تقديم النذور، أو النذور التي تقدم لمحارق الآلهة. وربما أدى اسم شهر "ذ نور" هذا المعنى أيضًا.
فـ"نور" بمعنى نار. فيكون المعنى شهر النيران.
وقد ورد اسم الشهر "ورخ ذ ملت"، "ورخ ذ مليت" في عدد من النصوص٣. وهو من الأشهر التي لها صلة بموسم الزرع والمواسم. وهذه الأشهر هي: "ذ دثا"، و"ذ ملت" "ذ مليت"، و"ذ قيضن"، و"ذ دنم" "ذ دونم"، و"ذ نيلم".
ومن الشهور الواردة في نصوص "هرم"، شهر "ذ سلام" "ور خ ذ س ل ام".
стр. 5533
وهناك احتمال بأن: "ذ مو ص ب م"، و"ذ عثتر"، و"ذ مخضدم"، هي أسماء شهور كذلك. وقد ورد: "حين ذ مخضد قد متن"، مما يدل على أن اسم هذا الشهر هو مؤنث، وهو الشهر الأول، لوجود لفظة "قد متن" وأن هنالك شهرًا آخر، يمكن تسميته بـ"حين مخضدم الثاني"١.
ويظهر من أسماء هذه الشهور المتقدمة، أن العرب الجنوبيين، كانوا يسمون بعض أشهرهم بما يقع فيها من حوادث مهمة، مثل موسم جمع الديون أو التعبد للآلهة أولإله معين، أو للحج إلى المعابد، أو بالظواهر الطبيعية التي تمتاز بها مثل الحر أو البرد، أو بموسم الصيد.
وقد حاول "بيستن" تثبيت بعض شهور العرب الجنوبيين بالنسبة إلى المواسم وإلى الأشهر المستعملة في الوقت الحاضر، فذهب إلى أن شهر "ذ ثبتن" قد يكون هو شهر آذار أو شهر نيسان، وأن شهر "ذ قيضن"، أي: شهر القيظ، بمعنى الحر، الذي يقابل "رمضان" قد يكون شهر "مايس" أو حزيران، وأن شهري "ذ خرف"، و"ذ مذرن" قد يكونا تموز إلى أيلول، وأن شهر "ذ داون"، قد يكون شهر "أكتوبر" "تشرين الأول"، وأن شهر "ذ صربن" قد يكون شهر "نوفمبر" "تشرين الثاني"، وأن شهر "ذ معن" قد يقابل شهر "دسمبر"، أي: "كانون الأول"٢.
وليس في إمكاننا في الزمن الحاضر وضع تقاويم ثابتة كاملة للشهور في العربية الجنوبية. نعم، يمكننا تثبيت بعضها استنادًا إلى معاني أسمائها كما رأينا ذلك فيما تقدم، وذلك بأن نجعل الشهر الفلاني في الفصل الفلاني من فصول السنة مثلًا.
ولكننا عاجزون عن ترتيب كل الشهور الاثني عشر ترتيبًا زمنيًّا صحيحًا لنقص في علمنا بالشهور. ومن أجل الوصول إلى ذلك، لا بد من أن نتريث حتى تتهيأ لنا نصوص كثيرة جديدة، قد تكون من بينها نصوص فلكية، أو نصوص أخرى ترد فيها أسماء شهور جديدة، وأسماء شهور مرتبة ترتيبًا زمنيًّا يساعدنا على ترتيبها وتنظيمها في تقاويم منتظمة لمختلف القبائل العربية الجنوبية ودويلاتها. ولا بد لي هنا من الإشارة إلى وجوب الاستعانة بالتقاويم المستعملة عند بقية الساميين
стр. 5534
وعند القبائل العربية الشمالية، وعند القبائل الإفريقية التي كانت لها صلات بالعرب الجنوبيين، لمطابقة شهورها على شهور التقاويم العربية الجنوبية وتثبيتها عندئذ على هذا الأساس.
ولم ترد في كتابات المسند أسماء الشهور المستعملة عند الشعوب السامية الشمالية، وهي: نيسان ومايس وحزيران وتموز وآب وأيلول وتشرين الأول وتشرين الثاني وكانون الأول وكانون الثاني وشباط وآذار.
ويظهر أن سنة العرب الجنوبيين، كانت تتكون من "٣٦٠" يومًا، مقسمة على اثني عشر شهرًا، ولأجل جعل هذه السنة سنة طبيعية كاملة، متفقة مع الدورة السنوية الحقيقية للأرض، كانوا يعالجون ذلك بالكبس. إما بكبس بقية الأيام على السنة نفسها، ويتم ذلك في كل سنة، وإما بإضافة شهر إضافي على التقويم في نهاية كل ثلاث سنين١.
وربما يدل اسم الشهر "ذ برم اخرن"، "ذو برم الآخر"، وهو من شهور قتبان، على أنه شهر كبس، يضاف إلى سنة الكبس لتكون سنة شمسية تامة. وربما أدى اسم الشهر: "ذ نسور أخرن"، وهو من شهور السبئيين هذا المعنى كذلك. وهناك شهر اسمه "بين خرفنهن" أي: "بين الشهرين"، ربما يدل على الكبس، وإضافة شهر بين الشهرين، لتكون السنة كاملة، أي: كبس شهر على السنة الاعتيادية، فتكون عدتها ثلاثة عشر شهرًا، وذلك بعد السنين اللازمة، لإصلاح التقويم، حتى يكون مطابقًا لدورة الأرض حول الشمس٢.
وقد كان العبرانيون يضيفون شهرًا على تقويمهم بسبب أن الشهور الاثني عشر القمرية لم تكن إلا "٣٥٤" يومًا وست ساعات، فنقصت بذلك السنة اليهودية أحد عشر يومًا عن الرومانية، ولسبب ذلك أدخل اليهود شهرًا ثالث عشر كل ثلاث سنوات، سموه "فيادارا"، أي: "آذار الثاني، وهكذا جعلوا طول السنة القمرية يعادل الشمسية تقريبًا٣.
وقد ورد في النصوص اللحيانية اسم "منر"، يظهر أنه اسم شهر، يقال
стр. 5535
له "منر"، أي "منير"١. واسم آخر هو "سمر"، يظهر أنه اسم شهر كذلك.
أما النصوص العربية الشمالية، فهي بخيلة كل البخل في إيراد أسماء الشهور، فلم يرد في النصوص العربية الخمسة المدونة بعربية قريبة من عربية القرآن الكريم من أسماء الشهور، إلا اسم شهر واحد، هو "كسلول". وقد ورد اسمه في "نص النمارة". ويقابل هذا الشهر، كانون الأول. ويدل استعمال النص لهذه التسمية على أن العرب الشماليين، كانوا يستعملون التقويم البابلي في التاريخ.
و"كسلول"، هو الشهر التاسع من الشهور المتداولة في العراق وفي بلاد الشأم. وأصله "كسلو"، وهو بابلي. وهذه الشهور هي: نيسان، وزيو، وسيوان، وتموز، وآب، وأيلول، وأيثانيم، وبول، وكسلو، وطيبيت، وشباط، وآذار. وهي الشهور المقدسة عند العبرانيين٢. ويقال لشهر نيسان: شهر "أبيب"، ولشهر "زيف" "أيارا"، وأما "سيوان" فهو "سيوان" وتموز هو تموز، وآب هو آب، وأما أيلول فهو أيلول، وأما إيثانيم فهو تشري "تسري" و"تشرينو"، وأما "بول" فهو مرشوان، وكسلو هو "كسلو"، و"طيبت" هو "تبت"، ويسمى بـ"تمطرو" أيضًا.
وأما "شباط" فهو "سبت" "شبات"، وأما "أذار" فهو آذار٣.
وقد ذكر الأخباريون أسماء أشهر ترك استعمالها في الإسلام، ذكروا أنها كانت مستعملة عند قدماء الجاهلية، وهم العرب العاربة، كما ذكروا أسماء شهور قالوا: إنها كانت أسماء الشهور عند ثمود، وأسماء شهور قالوا: إنها الشهور التي كان يستعملها العرب عند ظهور الإسلام.
أما الشهور التي زعموا أنها كانت شهور العرب العاربة، فهي: المؤتمر، وقد زعموا أنه في مقابل المحرم، وناجر، وهو في موضع صفرن وخوان "وروي حوّان" ويقابل ربيعا الأول، ووبصان "ويقال: صوان وبصان"، وهو في مقابل ربيع الآخر، والحنين أو شيبان، وهو جمادى الأولى، وملحان وهو