← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 5531–5570 · переход к 5536.

стр. 5531

"ذو مذران"، ومعناه شهر البذر، ولعله دعي بذلك؛ لأن الزراع كانوا يبذرون بذورهم للزرع فيه. وشهر "ذ صربن"، "ذو صربن". وهو من أشهر الخريف، قد يكون في أوله وقد يكون في أواخره، أي: في ابتداء الشتاء، وهو يقابل شهر "صراب" من الأشهر المستعملة في العربية الجنوبية في أيامنا هذه. و"صربن" "صراب"، بمعنى أثمار الخريف وحاصل الخريف، أي: غلة الخريف١. ويرى بعض الباحثين أن لشهر "ذ ثبتن" علاقة بالزراعة كذلك، وأنه يعني الشهر الذي تتهاطل فيه الأمطار، وتجمع فيه السيول لخزنها في السدود، وأن لشهر "ذ مهلتن" علاقة بالزراعة كذلك، وأن في معناه "المهلة" أي: التأخير في عمليات الزرع أو جمع الحاصل٢. ويظن أن للشهرين "ذ دونم" "ذ دنم"٣ و"ذ نيلم" علاقة بالزراعة كذلك. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن معنى "دونم" "دينم" الدين، وأن المراد بها الشهر الذي تجمع فيه ديوان المعبد. أي: ضرائب المعبد. وذهب بعض آخر إلى أن اللفظة من أصل "دون"، ومعناها الإرواء والإسقاء، وأن لهذا الشهر علاقة إذن بشئون الري. وأما "ذ نيلم"، فإنه شهر حصاد الغلات وجمع الحبوب٤. ومن الشهور التي لها علاقة بالحياة الدينية، "ذ عثتر" و"ذ الالت" و"ذ حجتن" و"ذ محجتن" و"ذ شمسي" وغيرها. وشهر "ذو عثتر" منسوب إلى الإله "عثتر"٥. وأما "ذ الالت"، فبيّن الدلالة على المعنى الديني كذلك. فإنه يعني شهر الآلهة. وأما "ذ حجتن" و"ذ محجتن"، فهو مثل شهر "ذي الحجة في التقويم الهجري وفي معناه. وأما "ذ شمسي" "ذو شمس" فيجوز أن يكون نسبة إلى الآلهة الشمس من الناحية الدينية، ويجوز أن يكون نسبة إلى الشمس من ناحية تأثيرها في الجو، أي: من ناحية تأثير حرارة

стр. 5532

أشعتها في الناس وفي المزروعات. وذلك بكونه من أشد الشهور حرًّا. فيكون هذا الشهر بذلك من أشهر الصيف. ويفهم من جملة: "ورخ ذ هبس وعثتر"، أن هناك شهرًا اسمه شهر "هوبس وعثتر"، أو شهرًا اسمه "هوبس"، نسبة إلى الإله "هوبس" وشهرًا آخر اسمه "عثتر"، نسبة إلى الإله "عثتر"١. وورد اسم الشهر "ورخ ذ عثتر" في جملة نصوص٢. والأشهر التي لها صلة بالحياة الدينية، هي: "شهر الآلهة" "ورخ ذ ال الـ ت" "ذ الالت"، و"شهر ذ حجتن"، "ورخ ذ حجتن"، و"شهر ذ محجتن"، "ورخ دمحجتن"، أي: شهر المحجة. ويصعب في الوقت الحاضر علينا تثبيت أوقات هذه الأشهر المقدسة بالنسبة للمواسم ولترتيب الشهور، لعدم وجود أدلة يمكن أن نستخرجها من النصوص لتثبيت زمن الحج عندهم مثلًا، أو زمن الشهر المخصص للآلهة. ونجد أسماء بعض الشهور مثل: "ذ سمع"، تمثل صفة من صفات الآلهة. فـ"ذ سمع" يعني: "ذو السمع"، فالآلهة تسمع الناس تجيب دعواتهم. كما نجد أسماء شهور أخرى تشير إلى أمور دينية وطقوس. مثل شهر "ذ حضر"، فإنه شهر الأضاحي، من "حضر" بمعنى ضحى، أي: ذبح ذبيحة للآلهة، ومثل شهر "أبر"، ومعناه "شهر حرق البخور"، أو تقديم النذور، أو النذور التي تقدم لمحارق الآلهة. وربما أدى اسم شهر "ذ نور" هذا المعنى أيضًا. فـ"نور" بمعنى نار. فيكون المعنى شهر النيران. وقد ورد اسم الشهر "ورخ ذ ملت"، "ورخ ذ مليت" في عدد من النصوص٣. وهو من الأشهر التي لها صلة بموسم الزرع والمواسم. وهذه الأشهر هي: "ذ دثا"، و"ذ ملت" "ذ مليت"، و"ذ قيضن"، و"ذ دنم" "ذ دونم"، و"ذ نيلم". ومن الشهور الواردة في نصوص "هرم"، شهر "ذ سلام" "ور خ ذ س ل ام".

стр. 5533

وهناك احتمال بأن: "ذ مو ص ب م"، و"ذ عثتر"، و"ذ مخضدم"، هي أسماء شهور كذلك. وقد ورد: "حين ذ مخضد قد متن"، مما يدل على أن اسم هذا الشهر هو مؤنث، وهو الشهر الأول، لوجود لفظة "قد متن" وأن هنالك شهرًا آخر، يمكن تسميته بـ"حين مخضدم الثاني"١. ويظهر من أسماء هذه الشهور المتقدمة، أن العرب الجنوبيين، كانوا يسمون بعض أشهرهم بما يقع فيها من حوادث مهمة، مثل موسم جمع الديون أو التعبد للآلهة أولإله معين، أو للحج إلى المعابد، أو بالظواهر الطبيعية التي تمتاز بها مثل الحر أو البرد، أو بموسم الصيد. وقد حاول "بيستن" تثبيت بعض شهور العرب الجنوبيين بالنسبة إلى المواسم وإلى الأشهر المستعملة في الوقت الحاضر، فذهب إلى أن شهر "ذ ثبتن" قد يكون هو شهر آذار أو شهر نيسان، وأن شهر "ذ قيضن"، أي: شهر القيظ، بمعنى الحر، الذي يقابل "رمضان" قد يكون شهر "مايس" أو حزيران، وأن شهري "ذ خرف"، و"ذ مذرن" قد يكونا تموز إلى أيلول، وأن شهر "ذ داون"، قد يكون شهر "أكتوبر" "تشرين الأول"، وأن شهر "ذ صربن" قد يكون شهر "نوفمبر" "تشرين الثاني"، وأن شهر "ذ معن" قد يقابل شهر "دسمبر"، أي: "كانون الأول"٢. وليس في إمكاننا في الزمن الحاضر وضع تقاويم ثابتة كاملة للشهور في العربية الجنوبية. نعم، يمكننا تثبيت بعضها استنادًا إلى معاني أسمائها كما رأينا ذلك فيما تقدم، وذلك بأن نجعل الشهر الفلاني في الفصل الفلاني من فصول السنة مثلًا. ولكننا عاجزون عن ترتيب كل الشهور الاثني عشر ترتيبًا زمنيًّا صحيحًا لنقص في علمنا بالشهور. ومن أجل الوصول إلى ذلك، لا بد من أن نتريث حتى تتهيأ لنا نصوص كثيرة جديدة، قد تكون من بينها نصوص فلكية، أو نصوص أخرى ترد فيها أسماء شهور جديدة، وأسماء شهور مرتبة ترتيبًا زمنيًّا يساعدنا على ترتيبها وتنظيمها في تقاويم منتظمة لمختلف القبائل العربية الجنوبية ودويلاتها. ولا بد لي هنا من الإشارة إلى وجوب الاستعانة بالتقاويم المستعملة عند بقية الساميين

стр. 5534

وعند القبائل العربية الشمالية، وعند القبائل الإفريقية التي كانت لها صلات بالعرب الجنوبيين، لمطابقة شهورها على شهور التقاويم العربية الجنوبية وتثبيتها عندئذ على هذا الأساس. ولم ترد في كتابات المسند أسماء الشهور المستعملة عند الشعوب السامية الشمالية، وهي: نيسان ومايس وحزيران وتموز وآب وأيلول وتشرين الأول وتشرين الثاني وكانون الأول وكانون الثاني وشباط وآذار. ويظهر أن سنة العرب الجنوبيين، كانت تتكون من "٣٦٠" يومًا، مقسمة على اثني عشر شهرًا، ولأجل جعل هذه السنة سنة طبيعية كاملة، متفقة مع الدورة السنوية الحقيقية للأرض، كانوا يعالجون ذلك بالكبس. إما بكبس بقية الأيام على السنة نفسها، ويتم ذلك في كل سنة، وإما بإضافة شهر إضافي على التقويم في نهاية كل ثلاث سنين١. وربما يدل اسم الشهر "ذ برم اخرن"، "ذو برم الآخر"، وهو من شهور قتبان، على أنه شهر كبس، يضاف إلى سنة الكبس لتكون سنة شمسية تامة. وربما أدى اسم الشهر: "ذ نسور أخرن"، وهو من شهور السبئيين هذا المعنى كذلك. وهناك شهر اسمه "بين خرفنهن" أي: "بين الشهرين"، ربما يدل على الكبس، وإضافة شهر بين الشهرين، لتكون السنة كاملة، أي: كبس شهر على السنة الاعتيادية، فتكون عدتها ثلاثة عشر شهرًا، وذلك بعد السنين اللازمة، لإصلاح التقويم، حتى يكون مطابقًا لدورة الأرض حول الشمس٢. وقد كان العبرانيون يضيفون شهرًا على تقويمهم بسبب أن الشهور الاثني عشر القمرية لم تكن إلا "٣٥٤" يومًا وست ساعات، فنقصت بذلك السنة اليهودية أحد عشر يومًا عن الرومانية، ولسبب ذلك أدخل اليهود شهرًا ثالث عشر كل ثلاث سنوات، سموه "فيادارا"، أي: "آذار الثاني، وهكذا جعلوا طول السنة القمرية يعادل الشمسية تقريبًا٣. وقد ورد في النصوص اللحيانية اسم "منر"، يظهر أنه اسم شهر، يقال

стр. 5535

له "منر"، أي "منير"١. واسم آخر هو "سمر"، يظهر أنه اسم شهر كذلك. أما النصوص العربية الشمالية، فهي بخيلة كل البخل في إيراد أسماء الشهور، فلم يرد في النصوص العربية الخمسة المدونة بعربية قريبة من عربية القرآن الكريم من أسماء الشهور، إلا اسم شهر واحد، هو "كسلول". وقد ورد اسمه في "نص النمارة". ويقابل هذا الشهر، كانون الأول. ويدل استعمال النص لهذه التسمية على أن العرب الشماليين، كانوا يستعملون التقويم البابلي في التاريخ. و"كسلول"، هو الشهر التاسع من الشهور المتداولة في العراق وفي بلاد الشأم. وأصله "كسلو"، وهو بابلي. وهذه الشهور هي: نيسان، وزيو، وسيوان، وتموز، وآب، وأيلول، وأيثانيم، وبول، وكسلو، وطيبيت، وشباط، وآذار. وهي الشهور المقدسة عند العبرانيين٢. ويقال لشهر نيسان: شهر "أبيب"، ولشهر "زيف" "أيارا"، وأما "سيوان" فهو "سيوان" وتموز هو تموز، وآب هو آب، وأما أيلول فهو أيلول، وأما إيثانيم فهو تشري "تسري" و"تشرينو"، وأما "بول" فهو مرشوان، وكسلو هو "كسلو"، و"طيبت" هو "تبت"، ويسمى بـ"تمطرو" أيضًا. وأما "شباط" فهو "سبت" "شبات"، وأما "أذار" فهو آذار٣. وقد ذكر الأخباريون أسماء أشهر ترك استعمالها في الإسلام، ذكروا أنها كانت مستعملة عند قدماء الجاهلية، وهم العرب العاربة، كما ذكروا أسماء شهور قالوا: إنها كانت أسماء الشهور عند ثمود، وأسماء شهور قالوا: إنها الشهور التي كان يستعملها العرب عند ظهور الإسلام. أما الشهور التي زعموا أنها كانت شهور العرب العاربة، فهي: المؤتمر، وقد زعموا أنه في مقابل المحرم، وناجر، وهو في موضع صفرن وخوان "وروي حوّان" ويقابل ربيعا الأول، ووبصان "ويقال: صوان وبصان"، وهو في مقابل ربيع الآخر، والحنين أو شيبان، وهو جمادى الأولى، وملحان وهو

стр. 5536

جمادى الآخرة، والأصم، وهو شهر رجب، وعاذل "عادل"، وهو شعبان، وناتق، وهو شهر رمضان، ووعل وهو شوال، ورنة، وهو ذو القعدة، وبرك وهو ذو الحجة. وذكر بعضهم أن خوانًا اسم يوم من أيام الأسبوع، وأن شيبان اسم كانون الأول، وأن ملحانًا هو كانون الثاني. وهذا الترتيب الذي ذكرته هو كما جاء في رواية ابن سيدة١. وذكر الفراء أن من العرب من سمى المحرم المؤتمر، وصفر ناجرًا، وربيع الأول خوانًا، وربيع الآخر بصان أو وبصان أو بوصان، وجمادى الأولى الحنين٢، وجمادى الآخرة ورنة "ورنى"، ورجب الأصم، وشعبان وعلًا، ورمضان ناتقًا، وشوَّال عاذلًا، وذو القعدة هُواعَا، وذ الحجة بركا٣. وذكرها غيره على هذا النحو: المؤتمر وهو المحرم. وناجر وهو صفر. وخوّان، وهو ربيع الأول، ووبصان وهو ربيع الآخر، وحنين وهو جمادى الأولى. وربي وربة لجمادى الآخرة. والأصم وهو رجب. وعادل وهو شعبان وناتق وهو رمضان. ووعل وهو شوال، وورنة وهو ذو القعدة، وبرك وهو ذو الحجة٤. ورتب المسعودي أسماء الشهور الجاهلية على هذا النحو: ناتق، وثقيل، وطليق، وناجر، وسماح "أسلخ"، وأمنح "أميح"، وأحلك، وكسع، وزاهر، وبرط، وحرف، ونعس وجعلها في مقابل المحرم، وصفر، فبقية الشهور. وذكر أن "نعسًا" هو ذو الحجة٥. ورتبها البيروني على هذا النحو: المؤتمر، وناجر، وخوان "حوان"، وصوان، وحنتم أو حنين، وزبّاء، والأصم، وعادل، ونافق، وواغل، وهواع أو رنة، وبُرك٦.

стр. 5537

ورتبها آخرون على هذا النحو: مؤتمر، وناجر، وحوّان "بالحاء المهملة والخاء المعجمة"، وصوان ويقال فيه: وبصان، ورُبى، وأيدة، والأصم، وعادل، وناطل، وواغل، وورنة، وبرك١. أو على هذا النحو: ناتق، ونقيل، وطليق، واسنح، وانخ، وحلك، وكسح، وزاهر، ونوط، وحرف، ويغش. وذكرها بعض آخر على هذا النحو: مؤتمر، وناجر، وخوّان، وصوان، أو "وبصان"، و"حنين" ورُبيّ، وأيدة، والأمم، وعادل، وناطل، وواغل، وورنة، وبرك، أو هي: ناتق، ونقيل، وطليق، وأسنح، وأنخ، وحلك، وكسح، وزاهر، ونوط، وحرف، ويغش. وهناك من يقول: مؤتمر، وناجر، وخوان، وصوان، وحنتم، وزبا، والأصم، وعادل، وناقق، وواغل، وهواع، وبرك، وما شاكل ذلك وهناك آراء أخرى في ترتيب هذه الشهور وفي ضبط هذه الأسماء٢. وذكر علماء اللغة أن الخالص من الشتاء عند العرب شهران، يطلقون عليهما "قماحًا"، ويقال للشهرين: ملحان وشيبان٣. ويسمّون شهري القيظ الذي يخلص فيهما حره، شهري ناجر، وذكر أنهما: وقدة وعكان. وهذان الشهران هما بيضة الصيف٤. وذكر علماء اللغة كذلك، أن شهرا "قماح" شهرا الكانون؛ لأنهما يكره فيهما شرب الماء إلا على ثقل. قال مالك بن خالد الهذلي: فتى ما ابن الأغر إذ شتونا ... وحب الزاد في شهري قماح٥ و"ملحان" اسم شهر جمادى الآخرة، سمي بذلك لابيضاضه، قال الكميت:

стр. 5538

إذا أمست الآفاق حمرًا جنوبها ... لشيبان أو ملحان واليوم أشهب شيبان جمادى الأولى، وقيل: كانون الأول، وملحان كانون الثاني١. وورد أن "شيبان"، شهر فيه برد وغيم وصراد، و"قماح" أشد الشهور بردًا. وهما اللذان يقول من لا يعرفهما: كانون الأول وكانون الثاني٢. ويتبين من البيت المنسوب إلى "الكميت" أنهما كانا معروفين في أيامه. وأما شهور ثمود على حد زعم الأخباريين، فهي: موجب، وموجر، ومور "مورد"، وملزم، ومصدر، وهوبر، وهوبل، وموها، وذيمر "ديمر"، ودابر "دابل"، وحيقل، ومسيل "مسل"٣. وضبطها بعض آخر على النحو: موجب، وموجز، ومورد، وملزج، ومصدر، وهوبر، ومويل، وموهب، وذيمر، وجيقل، ومحلسن ومسبل٤. وموجب هو المحرم وموجر هو صفر. ويذكرون أنهم كانوا يبدأون في تقويمهم بذيمر، وهو شهر رمضان، فيكون أول شهور السنة عندهم٥. وذكر أن "مُصْدِر" من أسماء جمادى الأولى٦. ونحن لا نستطيع في الوقت الحاضر التأكيد على أن هذه الشهور، هي شهور "ثمود"، كما لا نريد أن نقف منها موقفًا سلبيًّا، فنقول: إنها من مخترعات أهل الأخبار، وضعوها على لسانهم وضعًا. وعندي أن من الخير لنا في الوقت الحاضر وجوب البحث عن كتابات ثمودية علنا نجد فيها أسماء أشهرهم. أما الشهور التي ذكر الأخباريون أنها كانت مستعملة عند العرب حين ظهور الإسلام، فهي: المحرم، وصفر، وربيع الأول، وربيع الثاني، وجمادى

стр. 5539

الأولى، وجمادى الآخرة، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة، وذو الحجة. زعموا أن أسماءها وضعت على هذه الصورة باتفاق حال وقعت في كل شهر منها، فسمي الشهر بها عند ابتداء الوضع. وذكروا التعليل الذي رووه عن كل تسمية. وذكروا أيضًا أن أول من سماها بهذه الأسماء هو كلاب بن مرة. ومن هذه الشهور أربعة حرم لا يجوز فيها غزو ولا قتال١. وقال "الطبري": "وكان المشركون يسمون الأشهر: ذو الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع، وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذو القعدة٢. ويذكر الأخباريون أن الاسم القديم للمحرم هو صفر، وأنه كان يعرف عندهم بـ"صفر الأول"، ثم قيل له: "المحرم". وقد عرف الشهران: المحرم وصفر لذلك بـ"الصفرين"٣. ويظن أن هذه التسمية الجديدة: أي المحرم لصفر الأول إنما ظهرت في الإسلام٤. وذهب بعض علماء اللغة إلى أن لفظة "موجب" هي الاسم العادي للمحرم. أي التسمية القديمة لهذا الشهر عند قدماء العرب٥. فلفظة "محرم" إذن، لم تكن تسمية لذلك الشهر، وإنما كانت صفة له، لحرمته، ثم غلبت عليه، فصارت بمنزلة الاسم العلم عليه. وأما اسمه عند الجاهليين، فهو: صفر، أي: صفر الأول، تمييزًا له عن صفر الثاني، الذي اختص بهذه التسمية أي: "صفر" بعد تغلب لفظة "المحرم" على صفر الأول. بحيث صار لا يعرف إلا به، فصار صفر لا يعرف بعد ذلك إلا بـ"صفر". وقد تغلبت لفظة "محرم" عليه، لأنه شهر من الأشهر الحرم، فهو "صفر"

стр. 5540

المحرم، تمييزًا له عن "صفر" الثاني، الذي لم يكن من الأشهر الحرم. ثم غلب المحرم عليه، وماتت لفظة صفر منه. قال "السخاوي": "إن المحرم سمي بذلك لكونه شهرًا محرمًا، وعندي أنه سمي بذلك تأكيدًا لتحريمه؛ لأن العرب كانت تتقلب به فتحله عامًا وتحرمه عامًا"١. وذكر أن المحرم لم يكن معروفًا في الجاهلية، "وإنما كان يقال له ولصفر: الصفرين، وكان أول الصفرين من أشهر الحرم، فكانت العربُ تارة تحرّمه، وتارة تقاتل فيه، وتحرم صفر الثاني مكانه"، "فلما جاء الإسلام، وأبطل ما كانوا يفعلونه من النسيء، سماه النبي، ﷺ ، شهر الله المحرم"٢. ويتبين من دراسة أسماء هذه الشهور أن منها ما هو تكرار للاسم الواحد، وهي ربيع الأول وربيع الثاني وجمادى الأولى وجمادى الآخرة، ومجموعها أربعة أشهر، فهي ثلث السنة إذن. وتقع في النصف الأول من السنة وعلى التوالي، تليها أشهر مفردة، ثم شهران يبتدئ اسماها المركبان بكلمة "ذو"، وهما: ذو القعدة وذو الحجة، وهما آخر شهور السنة. وإذا صحت رواية من قال: إن الاسم القديم للمحرم هو صفر الأول، كانت الأشهر المكونة للنصف الأول من السنة أشهرًا مزدوجة تتألف من ثلاثة أزواج، هي: صَفَران ورَبيعان وجماديان٣. وإذا درسنا أسماء هذه الشهور الجاهلية التي ذكرها أهل الأخبار، وجدنا أنها لا تشبه أسماء الشهور البابلية ولا الشهور السريانية والعبرانية. وهي لا تشبه كذلك أسماء الشهور الواردة في المسند. فليس في الذي بين أيدينا من أسماء للشهور العربية الجنوبية على اختلافها ما يشبه هذه الشهور. وقد انتبه علماء العربية إلى أن أسماء بعض الأشهر التي استعملت في الإسلام، مثل رمضان، لا تنطبق مع المعاني التي يفهم منها، فرمضان من الرمض، وهو الحر الشديد، مما يدل على أنه من أشهر الصيف، بينما هو شهر متنقل، يأتي في كل المواسم، فلجأوا إلى تعليل مصطنع، على عادتهم عند وقوفهم على اسم لا يعرفون عن أصله شيئًا، قالوا: "يقال: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة.

стр. 5541

القديمة سمّوها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق شهر رمضان أيام رمض الحر، فسمي بذلك"١، ولم يعرفوا أن ذلك بسبب اتباع الإسلام التقويم القمري، مما دعا إلى تحرك الشهور وتنقلها في الفصول، لكون الشهور القمرية غير ثابتة على نمط الشهور الشمسية. ويبدأ الجاهليون بالمحرم، فهو أول السنة عندهم٢، وهو أيضًا الشهر الأول من شهور السنة الهجرية في الإسلام. وأرى أن اتخاذ المسلمين للمحرم، مبدءًا للسنة الأولى من الهجرة، وجعله الشهر الأول من التقويم الهجري، هو من الأمور التي أبقاها الإسلام من أمور الجاهلية، لأن هجرة الرسول إلى المدينة لم تكن في شهر "محرم" حتى نقول: إن المسلمين جعلوا "المحرم" الشهر الأول من السنة الهجرية، لهذه المناسبة، إذ كانت الهجرة في شهر ربيع الأول، وأرخ بها٣، لذلك يكون الابتداء بشهر محرم، هو إقرار لما كان عليه الجاهليون من ابتدائهم بـ"محرم"، مبدءًا لشهور السنة. وقد قيل: إن وصوله المدينة كان يوم الاثنين الثامن من ربيع الأول، وقيل: لثنتي عشرة منه، وقيل: دخل لهلال ربيع الأول، وقيل: غير ذلك٤. وقد أورد العلماء شروحًا وتفسيرات لمعاني الشهور المتقدمة الجاهلية، والشهور التي استعملت في الإسلام واقترنت بالتقويم الهجري. فذكروا مثلًا أن المؤتمر معناه أن يأتمر بكل شيء مما تأتي به السنة من أقضيتها. وناجر من النجر، وهو شدة الحر، وخوان من الخيانة، وصوان من الصيانة، والزباء بمعنى الداهية العظيمة المتكاثفة سمي بذلك لكثرة القتال فيه وتكاثفه، والبائد سُمي لأنه كان يبيد فيه كثير من الناس، وكانوا يستعجلون فيه ويتوخون بلوغ ما كان لهم من الثأر والغارات قبل دخول شهر رجب وهو شهر حرام، والأصم لأنهم كانوا يكفون فيه عن القتال فلا يسمع فيه صوت سلاح. والواغل الداخل على شراب ولم يدعوه، وذلك لهجومه على شهر رمضان، وكان يكثر في رمضان شربهم

стр. 5542

للخمر، لأن ما يتلوه شهور الحج، وناطل مكيال للخمر، سمي لإفراطهم في الشرب وكثرة استعمالهم لذلك المكيال، والعادل من العدل، لأنه من أشهر الحج، وكانوا يشتغلون فيه عن الناطل، والرنة كانت الأنعام ترن فيه لقرب النحر، وبرك سمي لبروك الإبل إذا أحضرت المنحر١. وعللوا تسمية المحرم بهذا الاسم، لكونه من جملة الحرم، وصفر بالأسواق التي كانت باليمن تسمى الصفرية، وشهري الربيع للزهر والأنوار وتواتر الأندية والأمطار، وهو نسبة على طبع الفصل الذي نسميه نحن الخريف، وكانوا يسمونه ربيعًا، وشهري جمادى لجمود الماء فيهما، ورجب لاعتمادهم الحركة فيه، لا من جهة القال، أو لخوفهم إياه، يقال: رجبت الشيء، إذا خفته، وشعبان لتشعب القبائل فيه، ورمضان للحجارة ترمض فيه من شدة الحر، وشوال لارتفاع الحر وادباره، وذي القعدة للزومهم منازلهم، وذي الحجة لحجهم فيه٢. وعلل بعضهم تسمية الأشهر بقوله: سمي المحرم محرمًا تأكيدًا لتحريمه، لأن العرب كانت تتقلب به، فتحله عامًا وتحرمه عامًا، وسمي صفر بذلك، لخلو بيوتهم منهم حين يخرجون للقتال والأسفار. وشهر ربيع الأول، سمي بذلك، لارتباعهم فيهم، والارتباع الإقامة في عمارة الربع، وربيع الآخر كالأول. وجمادى: سمي بذلك لجمود الماء فيه. ورجب من الترجيب، وهو التعظيم. وشعبان من تشعب القبائل وتفرقها للغارة. ورمضان من شدة الرمضاء، وهو الحر. وشوال من شالت الإبل بأذنابها للطراق، وذو القعدة، لقعودهم فيه عن القتال والترحال، وذو الحجة. لإيقاعهم الحج فيه٣. ويظهر من تفسير أسماء بعض الأشهر وتعليلها أن لتسمياتها علاقة بالمواسم وبالعوارض الطبيعية الجوية مثل البرد والحر والاعتدال في الجو، وأن مسمياتها، أي: الشهور المسماة بها، كانت شهورًا ثابتة في الأصل، وإلا فلا يعقل تفسيرها

стр. 5543

بغير هذا التفسير. فكيف يسمى رمضان رمضان مثلًا لرمض الحجارة من شدة الحر فيه، إن لم يكن ثابتًا وشهرًا من أشهر الصيف الحارة؟ وكيف يسمى جمادى بجمادى لجمود الماء فيه، إن لم يكن هو والشهر التالي له والمسمى بجمادى الآخرة ثابتين، ومن أشهر الشتاء؟ وهكذا يجب أن يقال عن بقية الشهور، وإلا لم يصح ما قيل فيها من التفاسير١. وقد فطن "المسعودي" إلى ذلك فقال: "وجمادى، لجمود الماء فيهما في الزمان الذي سميت به هذه الشهور؛ لأنهم لم يعلموا أن الحر والبرد يدوران فتنتقل أوقات ذلك"٢. فأدرك أن شهور العرب في الجاهلية كانت أشهرًا تمثل ظواهر طبيعية مثل الحرارة والبرودة في الأصل، لكنه لما وجد -كما وجد غيره أيضًا- أن أوقات الشهور هي متغيرة، بحيث لا تستقر على قرار في المواسم، ذهب إلى أن الجاهليين لم يكن لهم علم بأن الحر والبرد يدوران، مع أنهم كانوا على علم تام بذلك، فكانت أشهرهم ثابتة، ولم يفطن المسعودي إلى ذلك، لأنه أخذ حكمه من الوضع الذي كانت عليه الأشهر في الإسلام، ولم يفطن إلى أن إبطال النسيء في الإسلام، هو الذي أطلق هذه الحرية للأشهر فصارت تدور بحرية وتدخل في كل المواسم، ولم تتقيد بالوقت الذي خصصت به. ولما تكلم "المسعودي" عن الشهور قال: "شهور الروم مرسومة على فصول السنة دون شهور العرب: وشهور العرب ليست مرتبة على فصول السنة ولا على حساب سنة الشمس، بل المحرم وغيره من الشهور العربية قد يقع تارة في الربيع وتارة في غيره من فصول السنة"٣. ويعد شهر شوال أول شهر من أشهر الحج، وكانت العرب تتطير من عقد المناكح فيه، وتقول: إن المنكوحة تمتنع من ناكحها، ولذلك كانت الجاهلية تكره التزويج فيه لما فيه من معنى الإشالة والرفع إلى أن جاء الإسلام بهدم ذلك٤.

стр. 5544

الأسبوع: ويقسم الشهر إلى أربعة أقسام، كل قسم منها هو أسبوع، ويتكون من

стр. 5545

سبعة أيام. وتعزى فكرة هذا التقسيم إلى البابليين. ولكن ضبط الأسابيع وتتابعها على النحو المعروف حتى اليوم هو نظام ظهر بعدهم بأمد١. وقد ذكر الأسبوع "شبوعة" Shagu'a في التوراة، في سفر التكوين٢. وعلى أساس الجمع بين السبت اليهودي وقصة الخلق، نظم الأسبوع بحسب العرف الشائع اليوم٣. ولا أعرف للأسبوع اسمًا في المسند، إذ لم ترد لفظة "أسبوع" أو أية لفظة أخرى مرادفة لها في تلك النصوص٤. غير أن هناك نصًّا من نصوص قوانين البيع والشراء، ذكر أن إنسانًا إذا اشترى حيوانًا، ثم مات ذلك الحيوان بعد سبعة أيام من يوم البيع، فلا يكون البائع مسئولًا عن وفاته، ولا يتحمل أي ضرر عنها٥. فلعل النص على هذه الأيام السبعة، يشير إلى وجود فكرة الأسبوع عند العرب الجنوبيين. وقسم الجاهليون الشهر إلى عشرة أقسام يتألف كل قسم منها من ثلاث ليال. هي: غرر والغُرر: ثلاث ليال من أول كل شهر. وغرة الشهر ليلة استلال القمر٦. ونفل أو شهب وتسع أو بهر. وهي الليلة السابعة والثامنة والتاسعة٧ وعشر وبيض ودرع وظلم وحنادس أودهم ودادئ "دادأ" ومحاق٨. ويذكر أهل الأخبار "أن العرب في الجاهلية إذا كان يوم المحاق من الشهر بدر الرجل إلى ماء الرجل إذا غاب عنه فينزل عليه ويسقي به ما له، فلا يزال قيم الماء ذلك الشهر وربه حتى ينسلخ، فإذا انسلخ كان ربه الأول أحق به. وكانت العرب تدعو ذلك المحيق"٩.

стр. 5546

وذكر بعض أهل الأخبار، أن العرب كانت "تسمي الثلاث الأولى من ليالي الشهر، فتقول: ثلاث غرر، والثلاث التي تليها ثلاث سَمَر، والثلاث التي تليها ثلاث زهر، والثلاث التي تليها ثلاث درر، والثلاث التي تليها ثلاث قمر، وثلاث بيض، وتقول في النصف الثاني من الشهر في الثلاث الأول: ثلاث درع، وفي الثلاث التي تليها ثلاث ظلم، وفي الثلاث التي تليها ثلاث حناديس، وفي الثلاث التي تليها ثلاث دواري، وفي الثلاث التي تليها ثلاث محاق. وقيل: إنه يقال لليالي الشهر: ثلاث هلل، وثلاث قمر، وست نقل، وثلاث بيض، وثلاث درع، وثلاث بهم، وست حناديس، وليلتان داريتان، وليلة محاق١.

стр. 5547

الأيام: واليوم في عرف علماء اللغة من طلوع الشمس إلى غروبها١. ولكنهم يتوسعون في معناه أيضًا، فيقصدون به معاني أخرى، مثل الدهر. أما في الاصطلاح فإنه جزء من أيام الأسبوع والشهر والسنة. وهو ليل ونهار، وهما مجتمعان يكونان اليوم. فاستعمل اليوم على وجهين: أحدهما أن يجعل اسمًا للنهار خاصة. والوجه الآخر أن يكون اليوم اسمًا للمدة الجامعة للزمانين جميعًا، أعني: الليل والنهار٢. واعتبر الجاهليون مبدأ اليوم من وقت غروب الشمس. وأما انتهاؤه فبابتداء الغروب التالي له. فصار اليوم عندهم بليلته من لدن غروب الشمس عن الأفق إلى غروبها من الغد، فصارت الليلة عندهم قبل النهار٣. ولهذا السبب غلبت العرب الليالي على الأيام في التاريخ؛ "لأن ليلة الشهر سبقت يومه، ولم يلدها، وولدته، ولأن الأهلة لليالي دون الأيام، وفيها دخول الشهر"٤. والعرب تستعمل الليل في الأشياء التي يشاركه فيها النهار، فيقولون:

стр. 5548

أدركني الليل بموضع كذا، وصمنا عشرًا من شهر رمضان، وإنما الصوم للأيام، ولكنهم أجازوه إذ كان الليل أول شهر رمضان١. أما اليونان، فقد عدّوا مبدأ اليوم عند شروق الشمس، وأما منتهاه فابتداء شروق آخر، وذلك بخلاف الرومان الذي عدوا منتصف الليل هو ابتداء اليوم. ومنتهاه عند منتصف ليل تال له٢. وقد عدّ التقويم العبراني "لوح"، مبدأ اليوم من وقت غروب الشمس. وأما انتهاؤه فابتداء الغروب التالي له٣. وذكر أن العرب خصصوا من الشهر ليالي بأسماء مفردة كآخر ليلة منه، فإنها تسمى "السرار" لاستسرار القمر فيها، وتسمى "الفحمة" أيضًا لعدم الضوء فيها، ويقال لها: البراء، وكآخر يوم من الشهر، فإنهم يسمونه النحير، وكالليلة الثالثة عشرة، فإنها تسمى السواء، والرابعة عشرة ليلة البدر٤. وقد عرف اليوم بـ"يوم" في نصوص المسند كذلك. كما وردت فيها لفظة "ليلم"، أي: "ليل" للتعبير عن الليل، أي: اللفظة ذاتها التي تستعملها عربية القرآن الكريم. ووردت فيها لفظة "صبحم" بمعنى صبح وصباح. ولا بد أن تكون في لهجات العرب الجنوبيين مسميات لأقسام الليل والنهار على نحو ما نجده في عربية القرآن الكريم. ولا يستبعد أن يظفر بها الباحثون بعد قيام العلماء بحفريات علمية منظمة في العربية الجنوبية. وقد أوردت كتب اللغة والأخبار أسماء الأيام التي كان يستعملها بعض الجاهليين، ويتبين منها أن الجاهليين كانوا يسمون الأيام بأسماء مختلفة متباينة بحسب تباين الأماكن والقبائل. وقد ماتت تلك الأسماء الجاهلية، وحلت محلها أسماء متأخرة لم تكن معروفة عند قدماء الجاهليين. فأسماء الأيام عند بعض الجاهليين ممن أخذ علماء اللغة عنهم، هي كما زعموا: "شيار" ويراد به السبت، وأول ويراد به الأحد، وأهون، وأوهد ويراد بها يوم الاثنين، وجُبار ويراد به الثلاثاء، ودبار ويراد به الأربعاء، ومؤنس ويراد به الخميس، وعَرُوبة أو العَرُوبة

стр. 5549

أي بالتعريف ويراد به الجمعة١. وقد جمعت أسماء الأيام القديمة المذكورة في هذين البيتين: أؤمل أن أعيش وأن يومي ... بأول أو بأهون أو جبار أو التالي دبار فإن أفته ... فمؤنس فالعروبة أو شيار وهي أبيات يرى بعض علماء اللغة أنها موضوعة٢. وقد زعم "ابن كثير" أن البيتين المذكورين من شعر العرب العرباء المتقدمين٣. وقد نسب بعض هذه الأخبار هذه الأيام إلى العرب العاربة من بني قحطان وجرهم الأول٤. ويذكر علماء اللغة أن أيام الأسبوع المعروفة والمتداولة عندنا في الزمن الحاضر، وهي: الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة والسبت، هي أسماء إنما عرفت وظهرت في الإسلام٥. ولكنهم لم يذكروا، ويا للأسف، متى كان ظهورها ولا في أية سنة كان ذلك، أكان ذلك في مكة -أي: قبل الهجرة أم بعد الهجرة إلى المدينة؟ - وقد ذكر "المسعودي" هذه الأيام، ثم قال: "وكانت العرب تسميها في الجاهلية: الأحد أول، والاثنين أهون، والثلاثاء جبار، والأربعاء دبار، والخميس مؤنس، والجمعة عروبة، والسبت شيار"٦.

стр. 5550

وهناك من اللغويين والأخباريين من يرى أن هذه الأسماء المتداولة مروية عن أهل الكتاب، وأن العرب المستعربة لما جاورتهم أخذتها عنهم، وأن العرب العاربة لم تكن تعرف هذه الأسماء١. وذكر بعض أهل الأخبار، أن الأيام المذكورة، هي ما نطقت به العرب المستعربة من ولد إسماعيل، وهي مروية عن أهل الكتاب، وأن العرب المستعربة لما جاورتهم أخذتها عنهم، وأن الناس قبل ذلك لم يكونوا يعرفون إلا الأسماء التي وضعتها العرب العاربة، وهي أبجد هوز حطي كلمن سفعص قرشت٢. ولا يملك الأخباريون دليلًَا مقنعًا يثبت لنا بجلاء أن أيام الأسبوع المعروفة اليوم إنما وضعت في الإسلام. وفي رواياتهم عن يوم الجمعة ما يخالف زعمهم هذا. ثم إن كلمة "السبت" وردت في آية مكية٣. وورودها في آية مكية دليل على وقوف أهل مكة عليها ومعرفتهم بها. أما لفظة "الجمعة"، قد ودت في سورة مدنية، أي: أنها نزلت بعد الهجرة٤. وعندي أن أسماء أيام الأسبوع المستعملة عندنا كانت معروفة في يثرب وفي مكة قبل الإسلام. وقد تعلمها أهل يثرب من اليهود، من اختلاطهم بهم. فإن هذا الترتيب للأسبوع مبني على قصة الخلق الواردة في التوراة. ولا بد لذلك لمستعملي هذا الترتيب من أن يكونوا قد تعلموه من مصدر يهودي أو من مصدر له صلة باليهود، أو من النصارى الساكنين بيثرب أو بمكة. فإننا نعرف أن العبرانيين كانوا لا يسمون أيام الأسبوع بأسماء خصوصية، ولكنهم كانوا يعدونها بحسب ترتيبها، فيقولون اليوم الأول والثاني والثالث كما هو في العربية، إلا يوم الجمعة والسبت، فقد كانوا يسمون الجمعة "عريب شبات" Ereb Shabat، ومعناه "مساء السبت" و"عشية السبت". وأما السبت، فهو "شبت" "شبات" ومعناه الراحة Rest، وذلك لاعتقادهم ولما ورد في سفر التكوين: أن الله خلق العالم في ستة أيام، واستراح في اليوم السابع. فسموا هذا اليوم:

стр. 5551

"يوم الراحة" "يوم ها -شبات" Yom ha – Shabbat. واختصرت بـ"شبات" أي: السبت١. ولست أعرف نصًّا من نصوص المسند، ورد فيه اسم معين ليوم من أيام الأسبوع، مثل الجمعة أو السبت أو الأحد وغير ذلك. وكل ما نعرفه من النصوص أن العرب الجنوبيين كانوا يذكرون موقع اليوم من الشهر، فيكتبون في اليوم السابع من الشهر الفلاني، أو في اليوم الخامس عشر منه، أو في اليوم العشرين منه، وهكذا. وذلك لتعيين مكان اليوم من الشهر. وطريقتهم هذه طريقة معروفة عند الساميين وعند غيرهم، وهي لا تزال مستعملة حتى في هذه الأيام كتابة وفي الاستعمال الاعتيادي وفي التوريخ، وذلك للسهولة والاختصار. ولا نستطيع أن نتحدث عن اليوم المهم في الأسبوع مثل يوم السبت عند اليهود أو يوم الأحد عند النصارى وعند الوثنيين، وإن كان في بعض الروايات ما يفيد أن يوم الجمعة كان من الأيام المعظمة في نظر قريش، وقد عرف عندها بـ"يوم العروبة"، وكانت تجتمع في كل جمعة إلى كعب بن لؤي بن غالب فيخطب فيها، وأنه هو الذي سمى يوم العروبة يوم الجمعة، وذلك لتجمع الناس حوله في ذلك اليوم٢. وقيل: إن يوم الجمعة لم يعرف بهذا الاسم إلا في الإسلام٣. وأن الأنصار هم الذين بدلوا اسم "يوم العروبة" فجعلوه "الجمعة"، ذلك أنهم نظروا فإذا لليهود يوم في الأسبوع يجتمعون فيه، وللنصارى يوم يجتمعون فيه هو الأحد، فقالوا: ما لنا لا يكون لنا يوم كيوم اليهود أو النصارى، فاجتمعوا إلى سعد بن زُرارة، فصلى بهم ركعتين وذكرهم، فسموا ذلك اليوم يوم الجمعة لاجتماعهم فيه، وأنزل الله سورة الجمعة، فهي على حد قول أصحاب هذه الرواية أول جمعة في الإسلام٤. وقد انتبه بعضهم إلى خطل رأي من ذهب إلى أن يوم الجمعة إنما سمي بهذه التسمية في الإسلام، فقال: إن يوم الجمعة كان يسمى بهذا

стр. 5552

الاسم قبل أن يصلي الأنصار الجمعة١. وقد انتبه علماء العربية إلى اسم "يوم عروبة"، فقالوا: هو اسم قديم للجمعة. "وكأنه ليس بعربي"٢. و"عروبة" بمعنى غروب في السريانية وفي العبرانية، وقد سمي اليوم السابق للسبت "عروبة"؛ لأنه غروب، أي: مساء نهار مقدس٣. وذكر أهل الأخبار، أن كل أربعاء يوافق أربعًا من الشهر، مثل أربع خلون، وأربع عشرة خلت، وأربع عشرة بقيت، وأربع وعشرين، وأربع بقين، فهي: "أيام نحسات"٤. ونظرًا لورود الإشارة إلى هذه الأيام في كتب أهل الأخبار، ولاعتقاد الجاهليين بالنحس، وبوجود نجمين للسعد وللنحس، كما في قول الشاعر: يومين غيمين ويومًا شمسًا ... نجمين بالسعد ونجمًا نحسًا٥ فإن في استطاعتنا القومل بوجود الأيام النحسات عند الجاهليين. ويقسم النهار والليل إلى اثني عشر قسمًا، كل قسم منها ساعة، فيكون مجموع ساعات اليوم أربعًا وعشرين ساعة. وساعتنا المعروفة مأخوذة من الساعة السومرية البابلية، فقد قسّم البابليون الليل والنهار إلى ساعات متساوية هي اثنتا عشرة ساعة لكل من الليل والنهار، وجرى الناس على هذا التقسيم حتى اليوم٦. وذكر بعض علماء اللغة أن "الآناء" الساعات. وكان الجاهليون إذا شغلوا إنسانًا بالساعات، قالوا لذلك: "المساوعة"٧. ويروي الأخباريون أن العرب وضعت لساعات النهار والليل أسماء غير مستعملة عندنا، فأما ساعات النهار، فهي: "الذرور" "الدرور" ثم البزوغ "البزاغ"، ثم الضحى، ثم الغزالة، ثم الهاجرة، ثم الزوال، ثم الدلوك، ثم العصر، ثم الأصيل، ثم الصبوب، ثم الحدود، ثم الغروب. ويقال فيها أيضًا: البكور

стр. 5553

ثم الشروق، ثم الإشراق، ثم الرأد، ثم الضحى، ثم المتوع، ثم الهاجرة، ثم الأصيل، ثم العصر، ثم الطَّفل، ثم العشي، ثم الغروب١. وأما ساعات الليل، فهي على حد قولهم: الشاهد٢، ثم الغسق، ثم العتمة، ثم الفحمة، ثم الموهن، ثم القطع، ثم الجوسر "الجوس" "الجوشن"، ثم العبكة، ثم التباشير، ثم الفجر الأول، ثم المعترض، ثم الإسفار. وأسماء أخرى يذكرها اللغويون٣، حيث يروون أن الجاهليين كانوا يقسمون اليوم إلى أربع وعشرين ساعة. غير أن من الصعب العثور على دليل يفيد وجود هذا التقسيم عندهم٤. ويقول أهل مكة بوجود فجرين، أحدهما قبل الآخر. فالفجر الأول هو الفجر الكاذب، ويسمى "ذنب السرحان" لدقته. والفجر الثاني هو الفجر الصادق، ويقال له: "المستطير"، ومنه الحديث" ليس بالمستطيل، يعني الفجر الأول، ولكن المستطير" يريد المنتشر الضوء. ومع طلوعه يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود٥. وهناك شفقان، أحدهما قبل الآخر: الشفق الأحمر، والشفق الأبيض. وهو يغرب في نصف الليل٦. ويقال لليوم الذي يسبق اليوم الذي نحن فيه. يوم أمس، أو الأمس، ونهار أمس. أما البارحة، فيراد بها أقرب ليلة مضت، أي: الليلة الماضية. وأما اليوم الذي يلي اليوم الذي نحن فيه، هو نهار الغد، والغد، وبكرة.

стр. 5554

الفصل الثاني والثلاثون بعد المئة: الأشهر الحرم مدخل ... الفصل الثاني والثلاثون بعد المئة: الأشهر الحرم قسم الجاهليون شهور السنة إلى قسمين: أشهر اعتيادية هي ثمانية شهور وأشهر أربعة حرم مقدسة خصت بآلهتهم، لا يجوز فيها قتال ولا بغي ولا انتهاك لحرمات. وكانوا يقاتلون في الشهور الثمانية يغزون بعضهم بعضًا، ويغيرون بعضهم على بعض. ثم يتوقفون عن القتال في الأشهر الحرم الباقية. والأشهر الحرم هي أربعة: ثلاث متواليات سرد، وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وشهر منفرد هو شهر "رجب"١. فهي ثلث السنة إذن. وكان الجاهليون يعظمونها، ولا يستبيحون القتال فيها، حتى إن الرجل يلقى فيها قاتل أبيه وأخيه فلا يهيجه، استعظامًا لحرمة هذه الأشهر التي هي هدنة تستريح فيها القبائل فتنصرف إلى الكيل والامتياز والذهاب إلى الأسواق، وهي آمنة مستقرة لا تخشى اعتداء ولا هجوًا مفاجئًا. وتحريم هذه الأشهر ضرورة من الضرورات استوجبتها طبيعة الحياة في البادية، فأهل البادية بما هم فيه من فقر وضنك عيش يتنافسون فيما بينهم ويتقاتلون على الكلإ والماء وعلى أخذ حق المرور من القوافل وعلى الغزو والغارات يعيشون. وحياة عاصفة هذا شأنها لا بد لها من فترة تستريح

стр. 5555

فيها، وتمتار فيها، وتصفي فيها حسابها بدفع أثمان الديات بهدوء وبتسوية المشكلات بالمساومة والمفاوضة، وتلك الفترة هي الأشهر الحرم. هذا ما يذكره ويرويه العلماء عن الشهور بصورة عامة. ويجب حمل كلاهم هذا على قريش ومن والاها، وعلى القبائل التي كان للعلماء اتصال بها وعلم بأخبارها أما القبائل البعيدة عنهم، والقبائل التي لم يتصلوا بها اتصالًا وثيقًا، فنحن لا نستطيع أن ندخلهم في هذا الكلام فنقول أنهم كانوا يحرمون أشهرًا ويحرمون أخرى، لعدم وجود دليل لدينا يثبت ذلك، وسنبقى على رأينا هذا حتى يظهر لنا دليل يؤيده أو ينفيه. والمذكورون قوم يحرمون إذن شهورًا ويحلون أخرى، لا يقاتلون ولا يغزون في شهور، حرمة وتقديسًا لها، إلا عن ضرورة ولجاجة، ويقاتلون ويغرون في الأشهر الأخرى المتبقية من السنة، فيقصرون نشاطهم في الغزو وفي الأخذ بالثأر على أشهر الحل فقط. قال "الطبري" في تفسيره الآية: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ١: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم، وهي الأربعة التي عددت لك، يعني عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيعًا الأول، وعشرًا من شهر ربيع الآخر. وقال: قائلو هذه المقالة: قيل لهذه الأشهر: الحرم؛ لأن الله حرم على المؤمنين فيها دماء المشركين والعرض لهم إلى بسبيل خير"٢. وقال "النيسابوري" في تفسيرها: "واختلفوا في الأشهر الأربعة، فعن الزهري أن براءة نزلت في شوال، والمراد: شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وقيل: هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر. وكانت حرمًا لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم، أو سميت حرمًا على التغليب لأن ذا الحجة والمحرم منها. وقيل: ابتداء المدة من عشر ذي القعدة إلى عشر من ربيع الأول، لأن الحج في تلك السنة كان في ذلك الوقت للنسيء الذي كان.

стр. 5556

ثم صار في السنة الثانية في ذي الحجة"١. فدخل صفر وربيع الأول وربيع الآخر في الأشهر الحرم، حسب هذه الروايات. مع أنها ليست من الأشهر الحرم المقررة المعروفة عند الجاهليين. وقد رأيت تعليل ذلك في تفسير "النيسابوري" لها، وهو فعل عامل النسيء. ولما وصل "الطبري" إلى الآية: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم﴾ ٢، قال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ . منها أربعة حرم متواليات: ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. وهو قول عامة أهل التأويل"٣. وقال "النيسابوري": "منها أربعة حرم: ثلاثة سرد، أي: مسرودة: ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم، وواحد فرد هو رجب"٤. وورد في خطبة الوداع: "ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض. السنة اثنا عشر شهرًا. منها أربعة حرم. ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان"٥. فهذه هي الشهور الحرم. أما ما تقدم، فقد كانت محرمة بموجب ما كان قد وقع عليها بفعل النسيء. فقد كانت العرب قد نسأت النسيء، فكانوا يحجون في كثير من السنين، بل أكثرها في غير ذي الحجة٦. وعرف المحرمون للأشهر الحرم بـ"المحرمين"، وبـ"البسل" أيضًا. ذكر أن من معاني "البسل": الحرام والشجاعة، وهي معاني نجدها في لفظتي "حمس" و"حرم". وذكر علماء اللغة، أن "البسل ثمانية أشهر حرم كانت لقوم لهم صيت. وذكر أنهم من غطفان وقيس. يقال لهم: الهباآت"٧. وذكر أن البسل: "بني عامر بن لؤي"٨، أو"عوف بن لؤي"، أو "مرة بن

стр. 5557

عوف بن لؤي". وكانوا يحرمون ثمانية أشهر من السنة. وقد امتنعت بعض القبائل من الإغارة عليهم في هذه الأشهر١. فالبسل إذن جماعة تعظم ثمانية أشهر من السنة، وتحرمها فلا تقاتل فيها فهم يختلفون إذن عن "المحرمين" من قريش ومن دان بدينهم في أنهم يحرمون ثمانية أشهر من أشهر السنة ويحلون الأربعة الباقية، أي: على العكس منهم، يفعلون ذلك تعمقًا وتشديدًا٢. والبسل كما يتبين من تفسير علماء اللغة لها: الحرام. ولهذا قالوا: الإبسال: التحريم. ومن ذلك قيل للأشهر الحرم: "البسل". وهي الأشهر الثمانية التي حرمها قوم من "غطفان" و"قيس". وبهذا المعنى وردت في قول الأعشى: أجارتكم بسل علينا محرم ... وجارتنا حلّ لكم وحليلها٣ وذكر أنها تعني الحرام وأيضًا الحلال. وهي من الأضداد٤. فنحن إذن أم طائفتين من العرب المحرمين للشهور. طائفة اقتصرت على تحريم أربعة أشهر من السنة، جعلتها أشهرًا حرمًا. وطائفة جعلت عدة الشهور الحرم ثمانية، وعدة الشهور الحل أربعة، وهم أقل عددًا من الطائفة الأولى. ولكننا نجد طائفة أخرى من الجاهليين، استهترت بحرمة كل الأشهر، فلم تحرم أي شهر من شهور السنة، ولم تعترف لها بقدسيته، وساوت بين جميع أشهر السنة، بأن أحلتها كلها، فعرفوا بالمحلين وهم عكس "المحرمين". فقد نص أهل الأخبار على وجود قوم من العرب هم: خثعم وطيء، ذكروا أنهم كانوا يستحلون الأشهر الحرم فيقاتلون فيها، ولايقدسونها ولا يرعون للحرم ولا للأشهر الحرام حرمة. وذكر بعضهم أن أحياء من قضاعة ويشكر والحارث بن كعب كانوا على مذهب هؤلاء٥. فهم لا يفرقون بين الأشهر، ولا يميزون

стр. 5558

بينها، وهي كلها في نظرهم سواء. فلا يؤمنون بوجود أشهر حرم مقدسة، ولا بوجود أشهر حل، بل الأشهر عندهم كلها حلال. ولا يمتنعون من القتال في أي يوم أو شهر من السنة. فهم إذن على نقيض "المحرمين" للأشهر المعظمين للحرم وللأشهر الحرم، قوم لا عهد لهم ولا ذمة بالنسبة إلى شهور السنة. والظاهر أن "المحلين" كانوا يتحارشون بالمحرمين وبغيرهم في الأشهر الحرم، ولما كان من شرع "المحرمين" الامتناع عن القتال في تلك الأشهر، فللدفاع عن النفس أباح النسأة لمقلديهم المحرمين مقاتلة المحلّين إذا تعرضوا لهم. إذ جاء: "كان الذين ينسأون الشهور أيام الموسم يقولون: حرمنا عليكم القتال في هذه الشهور إلا دماء المحلين. فكانت العرب تستحل دماءهم في هذه الشهور"١. وجاء: "وإني قد أحللتُ دماء المحلين من طيء وخثعم، فاقتلوهم حيث وجدتموهم إذا عرضوا لكم"٢. ويجب أن نضيف على هؤلاء طائفة من العرب من ذي البانة والصعاليك وأصحاب التطاول، وأمثالهم ممن كانوا لا يرون للحرم حرمة ولا للأشهر الحرام قدرًا٣. فكانوا يغيرون في هذه الأشهر ويحلون القتال فيها وفي كل وقت، كما كانوا لا يؤمنون على الحرم. فإذا وجدوا فرصة سرقوا في الحرم وأخذوا ما يقع في أيديهم دون استحياء ولا مبالاة بحرام وحلال، نظرًا لما هم فيه من جوع وفاقة وحاجة، دفعتهم إلى الكفر بكل قانون وعقيدة وعرف. ويجب أن نضيف إلى المحلين العرب الذين لم يكونوا على دين أهل الشرك، مثل النصارى واليهود. فقد كانت النصرانية قد وجدت سبيلها بين تغلب، وشيبان، وعبد القيس، وقضاعة، وغسان، وسلبح، والعباد، وتنوخ، وعاملة، ولخم، وجُذام. وكثير من بلحارث بن كعب٤، وبعض طيء وتميم. فهؤلاء لم يكونوا على شرك، لذلك لم يراعوا حرمة تلك الأشهر ولم يحجوا إلى محجات المشركين، وإنما كانوا يتقربون إلى قبور شهداء الكنيسة وإلى أضرحة القديسين،

стр. 5559

ولهم أعيادهم الخاصة بهم لا يقاتلون فيها إلا دفاعًا عن نفس، ولم يقم اليهود كذلك لتلك الأشهر المقدسة حرمة، إذ كان السبت، يوم راحة بالنسبة لهم، لا يحل فيه قتال، وكذلك كانت أعيادهم أيام حرمة، لا يجيزون فيها قتال، أي مهاجمة أحد، إلا إذا هوجموا، فيحل عندئذ لهم القتال دفاعًا عن نفس، ولما وقعت المناوشات بينهم وبين المسلمين كانوا يتجنبون فيها القتال أيام السبت والأعياد. وذكر أن قريشًا، كانت لا تتاجر إلا من ورد إليها في مكة في الأشهر الحرم. لا تبرح دارها ولا تتجاوز حرمها. وذلك لتحمسها في دينها والحب لحرمها. وكانت تخاف على تجارتها من لصوص الطرق وصعاليك الأعراب وطلاب الطلائب وذؤبان العرب، لأنهم كانوا يرون للشهور الحرم حرمة، ولا للشهر الحرم قدرًا، ولا للحرم حرمة، فاعطت الإيلاف، وألفت القبائل، وقاومت بذلك المحلين. وقد قسّم "المرزوقي" العرب إلى ثلاثة أهواء بالنسبة إلى أشهر الحج. منهم المحلون، الذين كانوا يستحلون الكعبة والأشهر الحرم ويسرقون ويقتلون في "الحرم"، ومنهم من يحرم الشهور الحرم، ومنهم "أهل هوى" على شرع "صلصل"، وهو "صلصل بن أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف" من بني عمرو بن تميم"١. وهو الذي أحلّ للعرب قتال المحلين في الأشهر الحرم٢. وكان من حكام العرب ومفتوهم وممن اجتمع له الموسم والقضاء في عكاظ. والمحرمون هم: الحمس والحلة. أما "المحلّون"، فالقبائل التي لم تحترم حرمة الكعبة ولا الأشهر الحرم، أي: أولئك الذين أباح النسأة دمهم، وجوّزوا قتالهم في الأشهر الحرم. وأما أولئك الذين كانوا على شرع "صلصل"، فلا ندري مذهبهم وهواهم، فلم يتحدث "المرزوقي" عنهم٣. وقد كان "صلصل" ممن اجتمع له الموسم وقضاء عكاظ من بني تميم٤. ولم يذكر "ابن حبيب" الأمور التي أوجدها وأحدثها، حتى كون له طائفة خاصة لها رأي في الحرم وفي الأشهر الحرم.

стр. 5560

وتجويز مقاتلة "المحلين" في الأشهر الحرم، هو دفاع عن النفس، وضرورة واجبة. لذلك نص عليه النسأة في أمرهم السنوي الذي يعينون فيه "النسيء" في الموسم، ليقف الناس على موعد الأشهر الحرم ومكانها من السنة في السنة المقبلة. إذ لا يعقل بالنسبة للمحرمين الامتناع من قتال مقاتل في الأشهر المذكورة؛ لأنها أشهر حرم مقدسة. وإلا عرضوا أنفسهم وأهلم وأموالهم إلى التهلكة، خاصة وأن المقاتلين هم من أهل عقيدة مخالفة لعقيدتهم تمام المخالفة، فشرعة الدفاع عن النفس أباحت لهم حق قتال المحلين. ويلاحظ أن شهري ذي القعدة وذي الحجة هما الشهران الأخيران من السنة، يليهما في الحرمة الشهر الأول من السنة الجديدة وهو المحرم، فهذه الأشهر الثلاثة هي في الواقع زمن واحد متصل. أما "رجب"، فهو الشهر الوحيد المنفرد بالحرمة. ولذلك عرف بـ"رجب الفرد"، و"بالفرد". وقد علل أهل الأخبار سبب ذلك بقولهم: "وإنما كانت الأشهر المحرمة: أربعة. ثلاثة سرد وواحد فرد، لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل أشهر الحج شهرًا، وهو ذو القعدة، لأنهم يقعدون فيه عن القتال. وحرم شهر ذي الحجة، لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون فيه بأداء المناسك. وحرم بعده شهرًا آخر، وهو المحرم، ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحرم رجب في وسط الحول، لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب فيزوره، ثم يعود إلى وطنه فيه آمنا"١. ولكن تعليل أهل الأخبار لحرمة "رجب" التعليل المذكور لا يتناسب مع تعليلهم لحرمة الأشهر الثلاثة المحرمة، فإذا كانوا قد حرموا ذا القعدة والمحرم بسبب الاستعداد للحج، وبسبب العودة منها إلى ديارهم كما زعموا، فإن تحريم "رجب" بسبب مجيء العرب فيه من أقصى جزيرة العرب للعمرة فيه، يستوجب أيضًا إعطاء المعتمرين مدة مناسبة قبله وبعده للاعتمار فيه، حتى يضمنوا ذهابهم إلى مكة وعودتهم منها بأمان، فالسفر سفر واحد لا يتغير من حيث الطول أو القصر في موسم الحج أو في موسم العمرة، لأن المسافات لا تتبدل بتبدل الطقوس الدينية، ولو عللنا سبب إطالة تحريم الأشهر الثلاثة بسبب الحج ووجود الأسواق،

стр. 5561

أي لعوامل اقتصادية ومنافع مادية، جاز قبول هذا التعليل، ولكن لِمَ لم يفعلوا هذا الفعل بالنسبة لرجب، الذي تحتاج العمرة فيه إلى مدة أطول من الشهر للوصول في خلالها من أقصى مكان في جزيرة العرب إلى مكة، وللعودة منها إلى مواطنهم، إذ لا يعقل أبدًا بلوغ مكة والعودة إليها سالمين إلى مواطنهم في العربية الجنوبية أو الخليج أو العراق في خلال في شهر واحد. بل هو في نظري زعم من مزاعم أهل الأخبار. وما كان الحج إلى مكة إلا من القبائل القريبة منها، وإنما صار الحج إليها عامًا ومن كل مكان في الإسلام وبفضله وحده. وعندي أن شهر رجب، كان شهرًا مقدسًا محرمًا، تعتر فيه العتائر، عند قبائل مضر وقبائل ربيعة، وهما حلفان في الأصل، وقد تناول قبائل متجاورة، ثم انفصل فصار ربيعة ومضر. وفي هذا الشهر كانوا يتقربون إلى "الله" بالعتائر، ومنهم من يعتمر، فيبقى بمكة ما يشاء، ولم تكن العمرة على شاكلة الحج من حيث العدد والكثرة، بل كانت قاصرة على المتمكنين الذين لهم عهود ومواثيق مع أهل مكة وغيرها من سادات قبائل مضر وربيعة، فلا خوف على أمثال هؤلاء من الرجوع إلى وطنهم في أي وقت شاءوا، إذ لا يطمع فيهم طامع بسبب ما كانوا يحملونه من تجارة، كالذي كان يفعله التجار الذين يذهبون إلى الاتجار بالأسواق وفي جملتها سوق مكة في موسم الحج الذي هو تجارة وحج، لأنهم كانوا من عامة القبائل ومعهم تجارة، فكان من الضروري تطويل الموسم ليكون أمنًا لهم يحميهم من الأذى إلى عودتهم إلى مواطنهم. وفي هذه الأشهر الحرم تعقد الأسواق مثل سوق عكاظ وذي المجاز وذي المجنة ودومة الجندل وغيرها، فيقصدها الناس من مواضع بعيدة، وتكتظ أرضها بجموع غفيرة لم تكن تقصدها في غير هذه "المواسم". وقد عرف شهر "ذو القعدة" بهذا الاسم، لأن الناس –كما يقول علماء اللغة- كانوا يقعدون فيه عن الأسفار والغزو والميرة وطلب الكلأ ويحجون في ذي الحجة١. وهو تفسير أخذ من ظاهر التسمية، ودليل ذلك قولهم: "لقعودهم فيه عن القتال والترحال"٢. فالقعود فيه عن القتال جائز بالنسبة للمحرمين،

стр. 5562

ولكن قعودهم عن الترحال خطأ، إذ كانوا على العكس يتهيأون فيه للأسفار إلى الاتجار والحج، فهو شهر ترحال لا شهر قعود وجلوس. وأما "ذو الحجة"، فقد عرف بذلك لإيقاعهم الحج فيه. وقد رأينا أن في نصوص المسند اسم شهر عرف بـ "ذ حجتن"، أي: "ذي الحجة"، وبـ"ذ محجتن"، أي: "ذي المحجة"، مما يدل على أن له صلة بالحج١. ولم تعين نصوص المسند موسم حج العرب الجنوبيين، ولم تذكر اسم محجتهم، ولكننا نستطيع أن نقول أنها كانت إلى محجات آلهتهم المعروفة المنصوص عليها في نصوصهم، وهي غير آلهة أهل مكة من غير شك. وقد ذكر بعض علماء اللغة أن العرب كانت تسمي شهر رجب "رجب الأصم" و"المحرم"، وذكر بعض آخر أن المحرم لم يكن يعرف بهذا الاسم إلا في الإسلام، فقد كان الجاهليون يسمونه صفرًا. ولذلك كان في تقويمهم صفران، كما كان عندهم شهران باسم ربيع الأول وربيع الآخر، وشهران باسم جمادى الأولى وجمادى الآخرة. وصفر الأول هو المحرم في عرفنا، وصفر الآخر هو صفر في اصطلاحنا اليوم. وقد كان الجاهليون يؤخرون المحرم إلى صفر في تحريمه، فيكون شهرًا حرامًا٢. ويظهر أن لدخول "ال" أداة التعريف على "المحرم" أهمية في تثبيت هذا الشهر فإن للفظة "محرم" دلالة دينية، يراد بها كل شهر من الأشهر الحرم. فكل شهر من هذه الشهور الحرم هي محرم وحرام، ومن ضمنها "المحرم". وقد دخلت "ال" على هذه اللفظة لتخصيصها وجعلها علمية خاصة بهذا الشهر. وإلا دخلت على الشهور الأخرى العلمية، مثل رجب وشعبان ورمضان وصفر، فلا يقال فيها: الرجب والشعبان والرمضان والصفر، بل يقال: قدم شهر رجب. وقدم شعبان وشهر رمضان وصفر. وهذا يفسر قول ""ابن كثير": "وعندي

стр. 5563

أنه سُمي بذلك، تأكيدًا لتحريمه؛ لأن العرب كانت تتقلب به فتحله عامًا وتحرمه عامًا"١ أي: أنه كان قلقًا متنقلًا، ولم يكن ثابتًا، ثم ثبت في الإسلام. وقد ورد في كتب الحديث أن قريشًا كانت تصوم يوم عاشوراء، كما كان اليهود يصومون ذلك اليوم. ويوم عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم. وأن الرسول حين قدم المدينة وجد اليهود يصومونه. وأن الرسول كان يصومه في الجاهلية أيضًا. ولما قدم المدينة، كان يصومه، وأمر بصيامه. فلما فرض رمضان، ترك عاشوراء، فن شاء صامه، ومن شاء تركه٢. وورد "أن قريشًا كانت تعظم هذا اليوم، وكانوا يكسون الكعبة فيه، وصومه من تمام تعظيمه. ولكن إنما كانوا يعدون بالأهلة، فكان عندهم عاش المحرم. فلما قدم المدينة، وجدهم يعظمون ذلك اليوم ويصومونه، فسألهم عنه، فقالوا: هو اليوم الذي نجى الله فيه موسى وقومه من فرعون"٣. وذكر أيضًا: أن رسول الله، كان يتحرى يوم عاشوراء على سائر الأيام، وكان يصومه قبل فرض رمضان. فلما فرض رمضان، قال: "من شاء صامه، ومن شاء تركه"، وبقي هو يصومه تطوعًا، فقيل له: "يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال، ﷺ : "إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع"، فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله"٤. ويرجع حديث صيام قريش يوم عاشوراء إلى "عائشة"، وقد رواه عنها "عروة بن الزبير بن العوام" فقد روي أنها "قالت: كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله يصومه. فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه، فلما فرض رمضان، ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه"٥ ويروى أيضًا عن معاوية، فقد ورد عن "حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية بن أبي سفيان، ﵄، يوم عاشوراء،

стр. 5564

عام حج على المنبر، يقول: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله، ﷺ ، يقول: هذا يوم عاشوراء ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر"١. وقد حاول شراح حديث "عائشة" إيجاد مخرج له، فقالوا في شرح: "كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية"، "يحتمل أنهم اقتدوا في صيامه بشرع سالف، ولذا كانوا يعظمونه بكسوة البيت الحرام فيه". وقد وضع بعضهم بعد "وكان رسول الله، ﷺ يصومه" جملة "في الجاهلية". وحاولوا إيجاد مخرج آخر لحديث "معاوية"، بقولهم: "والظاهر أن معاوية قاله لما سمع من يوجبه أو يحرمه، أو يكرهه، فأراد إعلامهم بنفي الثلاثة، فاستدعاؤه لهم تنبيهًا لهم على الحكم أو استعانة بما عندهم على ما عنده". وقالوا: "إن معاوية من مسلمة الفتح، فإن كان سمع هذا بعد إسلامه، فإنما يكن سمعه سنة تسع أو عشر، فيكون ذلك بعد نسخه بإيجاب رمضان، ويكون المعنى لم يفرض بعد إيجاب رمضان، جمعًا بينه وبين الأدلة الصريحة في وجوبه، وإن كان سمعه قبله فيجوز كونه قبل افتراضه"٢. ثم ذكروا بعد هذين الحديثين، حديثًا يناقضهما تمامًا، وهو أن النبي حين قدم المدينة فرأى اليهود تصوم، فقال: "ما هذا الصوم؟ " قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال النبي: "فأنا أحق بموسى منكم فصامه، وأمر صيامه"٣. وهو حديث للعلماء عليه كلام. وحديث معاوية لا يدل على صوم قريش ليوم عاشوراء في الجاهلية، وقد استدل به "ابن الجوزي" على أن صوم عاشوراء لم يكن واجبًا، ولا يفهم منه أبدًا أن قريشًا كانوا يصومونه قبل الإسلام. ولو كان معروفًا لما خفي أمره عليه وعلى غيره من قريش، وحديث "عائشة" حديث مفرد، ويجوز أن يكون قد وضع على لسانها، ولا يعقل انفرادها به وعلمها وحدها بصيام قريش في ذلك اليوم، وخفاء أمره على غيرها من الرجال والنساء ممن عاش معظم حياته في الجاهلية.

стр. 5565

ويوم "عاشوراء" هو يوم "ع ش ور" Ashura "عشور" "عشورا" عند العبرانيين، ويقع في اليوم العاشر من شهر "تشرى"١. وهو يوم خاص بيهود. وأنا أشك في صحة رواية أهل الأخبار القائلة أن قريشًا كانوا يصومونه في الجاهلية، إذ ما هي صلة قريش الوثنيين الذين لم يكونوا من أهل الكتاب بصيام يوم هو من صميم أحكام ديانة يهود. ومما يؤيد رأيي، هو أن أهل الأخبار أنفسهم يذكرون أن الرسول "حين قدم المدينة، رأى يهود تصوم يوم عاشوراء، فسألهم، فأخبروه أنه اليوم الذي غرّق الله فيه آل فرعون، ونجى موسى ومن معه منهم، فقال: "نحن أحق بموسى منهم"، فصام، وأمر الناس بصومه. فلما فرض صوم شهر رمضان، لم يأمرهم بصوم يوم عاشوراء، ولم ينههم عنه"٢. فلو كان الصيام معروفًا عند قريش، لما سأل الرسول يهود يثرب عن صومهم صيام عاشوراء، وما جاء من قوله: "نحن أحق بموسى منهم"، فصام، وأمر الناس بصومه" إلى أن فرض رمضان، فرفع عنهم صومه، وجعلهم أحرارًا إن شاءوا صاموه وإن شاءوا أفطروا، أي: صار تطوعًا، وهو حديث يشك فيه العلماء كذلك. وهذه الرواية تناقض تمامًا رواية صيام قريش يوم عاشوراء. ثم إننا لا نجد في القرآن ولا في الحديث –غير حديث عائشة- ما يشير إلى وجود ذلك الصوم بمكة قبل الهجرة، ولو كان معروفًا لما سُكت عنه. ويرجع بعض المستشرقين دعوى صيام قريش لذلك اليوم إلى محاولة إرجاع الأصول الإسلامية إلى الحنيفية القديمة وإلى قدماء العرب ثم إلى إبراهيم، فصيروا قريشًا تصوم عاشوراء لإرجاع الصيام إلى أصل قديم٣. ولا يعقل وجود الصيام عند المشركين، لأنهم لم يكونوا أهل كتاب، وإنما كان الصيام معروفًا عند الأحناف لاتصالهم بهم، وتأثرهم بكتبهم وبما كان عندهم من أحكام، ومن ذلك ترهبنهم وزهدهم، وقد كان الرهبان يكثرون من الصوم والاعتكاف. وأنا لا أستبعد أن لفظة "محرم" هي نعت لهذا الشهر لا اسمًا له، عرف بها لكونه شهرًا حرامًا. تقع عليه الحرمة، ومن حرمته أن الجاهليين كانوا يبتدئون

стр. 5566

سنتهم به. فالمحرم، هو أول شهر من شهور السنة في حسابهم، ولابتدائهم به، فقد تكون له حرمة خاصة عندهم. وقد نسب أهل الأخبار شهر رجب إلى مضر، فقالوا: رجب مضر، وقد أشير إلى ذلك في الحديث أيضًا، مما يدل على أن هذا الشهر هو شهر مضر خاصة. وقد ذكر العلماء أنه إنما عرف بذلك؛ لأنهم كانوا أشد تعظيمًا له من غيرهم، وكأنهم اختصوا به١. وذكروا أيضًا أنهم كانوا يرجبون فيه، فيقدمون الرجبية، وتعرف عندهم بالعتيرة، وهي ذبيحة تنحر في هذا الشهر. ويقال عن أيامه هذه أيام ترجيب وتعتبر٢. ويذكر علماء الأخبار أن تأكيد الرسول على "رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" في خطبة حجة الوداع، هو أن ربيعة كانت تحرم في رمضان وتسميه رجبًا، فعرف من ثم بـ"رجب ربيعة"، فوصفه بكونه بين جمادى وشعبان تأكيد على أنه غير رجب ربيعة المذكور الذي هو بين شعبان وشوال. وهو رمضان اليوم٣. فرجب إذًا عند الجاهلين رجبان: رجب مضر ورجب ربيعة، وبين الطائفتين اختلاف في مسائل أخرى كذلك. ومما يؤيد أن شهر "رجب" كان شهر مضر المحرم عندهم بصورة خاصة، ما ورد في أقوال علماء التفسير من أن "الشهر الحرام" الوارد في الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ﴾ ٤، هو شهر "رجب"،وهو شهر كانت مضر تحرم فيه القتال٥. وما ورد في الآية:

стр. 5567

﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ ١، وإجماع علماء التفسير والأخبار على أنه شهر "رجب"، وأن الآية نزلت في أمر قتل "ابن الحضرمي" في آخر يوم من جمادى الآخرة، وأول ليلة أو يوم من رجب. وقد كان المسلمون يهابونه ويعظمونه، وكان النبي يحرم القتال في الشهر الحرام، حتى نزلت الآية في حق القتال فيه وفي بقية الشهور. وقد ذهب المفسرون أيضًا إلى أن "الشهر الحرام"، هو كل شهر حرام من هذه الأشهر الأربعة، وأن الآية لا يراد بها التخصيص، وإن ما ذكر من أنه شهر رجب، فلأجل وقوع الحادث المذكور فيه٢. وعرف "رجب" بـ"متصل الألّ" والألة والألال في الجاهلية. أي: مخرج الأسنة من أماكنها. كانوا إذا دخل رجب نزعوا أسنة الرماح ونصال السهام إبطالًا للقتال فيه، وقطعًا لأسباب الفتن بحرمته، فلما كان سببًا لذلك سمي به، إعظامًا له، فلا يغزون ولا يغير بعضهم على بعض٣. وعرف أيضًا بـ"منزع الأسنة" للسبب المذكور. ومن دلائل حرمة شهر "رجب" ومكانته العظيمة عند أهل الجاهلية، تقديمه العتائر فيه والأضاحي التي عرفت عندهم بـ"الرجبية"، ووقوع أكثر المناسبات الدينية فيه. وقد نعت هذا الشهر بـ"الأصم"، فقيل له: "رجب الأصم"، لعدم سماع استغاثة أو قعقعة سلاح فيه٤، لأن العرب كانت لا تقرع فيه الأسنة، فيلقى الرجل قاتل أبيه أو أخيه فيه، فلا يهيجه، تعظيمًا له٥. وعرف بـ"رجب الفرد" وبـ "الفرد"، لانفراده وحده من بين الأشهر الحرم الأخرى٦. ويرى "ولهوزن"، استنادًا إلى بعض الموارد اليونانية وغيرها أن العرب كانوا يحرمون شهرًا واحدًا منفردًا، هو "رجب الفرد"، وهو من شهور الربيع، وشهرين آخرين متصلين يقعان في القيظ، أي: في أوج الصيف. أما الشهر الثالث

стр. 5568

الذي ألحق بالشهرين، فصات به ثلاثة أشهر حرم متسلسلة متداخلة، فقد حرم في عهد متأخر لا يبعد كثيرًا عن الإسلام، وهو المحرم١. ويلاحظ أن الموارد الإسلامية قد وضعت بعض الأحداث المهمة في شهر محرم مثل صوم يوم عاشوراء، ومثل اختيار القدس قبلة للمسلمين، فقد ذكروا أن ذلك كان في اليوم السادس عشر من المحرم، ومثل ذكرهم أن وصول حملة الفيل إلى مكة كان في اليوم السابع عشر منه، وأن ابتداء السنة الهجرية، كان في أول المحرم٢، مع أننا لو دققنا ذلك تدقيقًا عميقًا، وجدنا أن أكثر هذا المروي لم يثبت وقوعه في هذا الشهر. ونجد في كتب الحديث والأخبار ما يفيد بأن الجاهليين كانوا يعظمون شهري شعبان ورمضان تعظيمًا يكاد يضاهي تعظيمهم للأشهر الحرم. وسبب ذلك في نظري، هو بفعل النسيء في الشهرين، وتلاعبهم بالأشهر وتسميتهم لها تسميات كيفية، ووقوع ذلك التلاعب على الشهرين المذكورين دون بقية الشهور. وقد يكون بسبب أن العرب كانوا يقدسون الشهرين ويحرمونهما أيضًا، وأن قريشًا كانت تحترمهما أيضًا، ومن هنا فضل شعبان ورمضان على بقية الأشهر الثانية مع أنهما من الأشهر الاعتيادية على حسب رواية أهل الأخبار. ولم يدخلوهما في جملة الأشهر الحرم. ونجد للشهرين حرمة كبيرة في الإسلام. وقد كان عرب العراق وبادية الشام يتجنبون أيضًا مثل عرب الحجاز القتال في أشهر معينة، لأنها أشهر مقدسة حرم عندهم، كما يفهم ذلك من مؤلفات الروم والسريان. فقد أشار المؤرخ "أفيفانوس" Epiphanius إلى وجود شهر عند العرب، قال: إن العرب تحتفل فيه، وهو عندهم شهر مقدس، ويقع في شهر تشرين الثاني، ويريد به شهر "ذي الحجة" على ما يظن. وقد دعي بـ"حجت" في بعض الموارد اليهودية٣. كما ذكر "بروكوبيوس" Procopius أن عرب المناذرة لم يكونوا ليحاربوا في شهورهم المقدسة، وقال: إنهم كانوا قد جعلوا شهرين في السنة حرمًا لآلهتهم لا يغزون فيها ولا يقاتلون

стр. 5569

بعضهم بعضًا، ويقعان في تموز وآب١. وذكر "فوتيوس" أن العرب يحجون إلى معبدهم مرتين في السنة: مرة في وسط الربيع عند اقتران الشمس ببرج الثور، وذلك لمدة شهر واحد، ومرة أخرى في الصيف، وذلك لمدة شهرين٢. وفي هذه الإشارات معلومات قيمة، تشير إلى وجود الأشهر الحرم عند العرب الشماليين. ويفهم منها أن الأشهر الحرم كانت ثابتة لا تتغير، فلا يقع حجهم مرة في شتاء ومرة في صيف، وأخرى في ربيع، ومرة في خريف. فحجهم ثابت، وأشهرهم ثابتة. ومما يؤسف له أن أولئك المؤرخين لم يشيروا إلى أسماء المواضع التي كانوا يحجون إليها.

стр. 5570

الشهور الحل: وأما الشهور الثمانية الأخرى، غير الحرم، فهي: صفر، وشهر ربيع الأول، وشهر ربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، وشعبان، وشهر رمضان، وشوال. وقد استحل فيها القتال والغزو. وقد عرفت هذه الشهور: الحرم منها والشهور الحل بشهور معدّ١. وكان أهل مكة يستعملونها عند ظهور الإسلام. والظاهر أن القبائل المجاورة لمكة كانت تستعملها أيضًا. وبهذه الأشهر أرخت رسائل الرسول وأوامره، وصارت باستعمال الرسول لها الشهور الرسمية في الإسلام، عليها يسير كل المسلمين على اختلاف ألوانهم حتى اليوم لما لها من صلات بأمور دينهم في مثل الصوم والحج. وصفر، هو الشهر الذي يلي المحرم. "قال بعضهم: أنا سمي لأنهم كانوا يمتارون الطعام فيه من المواضع، وقيل: لإصفار مكة من أهلها إذا سافروا، وروي عن رؤبة أنه قال: سموا الشهر صفرًا لأنهم كانوا يغزون فيه القبائل فيتركون من لقوا صفرًا من المتاع، وذلك أن صفرًا بعد المحرم، فقالوا: صفر الناس منا
следующие страницы →