"أبو المُعلى"، "الحارث بن زيد بن حارثة بن معاوية بن ثعلبة"١، وقيل: "الجارود بن المعلى"، ويقال: ابن عمرو بن المعلى، وقيل: الجارود بن العلاء، وقيل: الجارود بن عمرو بن حنش، وقيل: اسمه بشر بن حنش، إلى غير ذلك من أقوال تدل على اضطراب أهل الأخبار في معرفته، وكان نصرانيًّا، وكان شاعرًا، وأوردوا له شعرًا يعلن إيمانه بالرسول، وبأنه حنيف حيث كان من الأرض. قيل: إنه قتل بفارس في أيام عمر سنة "٢١"، وقيل: بقي إلى خلافة عثمان٢.
وذكر "الجاحظ" أن من خطباء العرب: "الصباح بن شفي" الحميري، زعم أنه كان من أخطب العرب، وقيس بن شمّاس، وثابت بن قيس بن شماس خطيب النبي، فقد أوكله الرسول بالردّ على خطاب من كان يخطب أمامه من الوفود، فهو الناطق باسمه بالنثر، كما كان "حسان" الناطق باسم الرسول شعرًا. وذكر أن من خطباء العرب "الأسود العنسي"، وطليحة بن خويلد" الأسدي، تنبأ في خلافة أبي بكر في بني أسد بن خزيمة، وعاضده "عيينة بن حصن" الفزاري، فوجه "أبو بكر" إليه خالد بن الوليد، فهزمه، وأسر "عيينة" سنة "١١" للهجرة، وقد أسلم "طليحة" واستشهد بنهاوند سنة "١١" من الهجرة٣. وذكر "الجاحظ": "مسيلمة" بعد "طليحة"، فقال: "وكان مسيلمة الكذّاب، بعيدًا عن ذلك كله"٤، أي أنه نفى الخطابة عنه.
ومن الخطباء الناهين أصحاب الرأي والبيان، خطيب عاش في الجاهلية والإسلام وقد أسلم وحسن إسلامه، هو: سهيل بن عمرو الأعلم، أحد بني حِسْل بن معيص. يقال: إنه كان مؤثرًا جدًّا، أخاذًا يأخذ بعقول الناس، حتى ذكر أن عمر قال للنبي، ﷺ : يا رسول الله، انزع ثنيتيه السفليتين حتى يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبًا أبدًا. فقال رسول الله، ﷺ :
стр. 5882
"لا أمثل، فيمثل الله بي، وإن كنت نبيًّا. دعه يا عمر، فعسى أن يقوم مقامًا تحمده". فلما هاج أهل مكة عند الذي بلغهم من وفاة رسول الله، ﷺ ، قام خطيبًا، فقال: "أيها الناس، إن يكن محمد قد مات، فالله حي لم يمت، وقد علمتم أني أكثركم قتبًا في بَرّ، وجاريةً في بحر، فأقروا أميركم وأنا ضامن، إن لم يتم الأمر، أن أردها عليكم". فسكن الناس١.
وهو الذي قال يوم خرج آذن عمر، وبالباب عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وفلان، وفلان، فقال الآذن: أين بلال؟ أين صهيب؟ أين سلمان؟ أين عمار؟ فتمعرت وجوه القوم، فقال سهيل: لم تتمعر وجوهكم؟ دُعُوا ودعينا، فأسرعوا وأبطأنا، ولئن حسدتموهم على باب عمر، لا أعدّ الله لهم في الجنة أكثر٢. وفي هذا الجواب دلالة على عقل فاهم للواجب مدرك لمهمات رئيس الدولة، ولما يجب أن تقوم الحكومة عليه، لا يبالي بالعنعنات القديمة وبالعرف القبيلي الجاهلي.
وروي "أنه لما ماج أهل مكة عند وفاة النبي ﷺ ، وارتد من ارتد من العرب، قام سهيل بن عمرو خطيبًا. فقال: والله إني لأعلم أن هذا الدين سيمتد امتداد الشمس في طلوعها إلى غروبها، فلا يغرنكم هذا من أنفسكم -يعني: أبا سفيان- فإنه ليعلم من هذا الأمر ما أعلم، ولكنه قد جثم على صدره حسد بني هاشم. وأتى في خطبته بمثل ما جاء به أبو بكر الصديق ﵁ بالمدينة"٣. وقد كان مخلصًا في عقيدته مطيعًا لأمر الحاكم، ذكر أنه حضر "الناس باب عمر بن الخطاب ﵁، وفيهم سهيل بن عمرو
стр. 5883
وأبو سفيان بن حرب، وأولئك الشيوخ من قريش، فخرج آذنه. فجعل يأذن لأهل بدر، لصهيب وبلال وأهل بدر وكان يحبهم. وكان قد أوصى بهم.
فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط! أنه ليؤذن لهؤلاء العبيد ونحن جلوس، لا يلتفت إلينا! فقال سهيل بن عمرو، وقال الحسن: ويا له من رجل، ما كان أعقله، أيها القوم إني والله قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضابًا، فاغضبوا على أنفسكم، دُعي القوم ودعيتم، فأسرعوا وأبطأتم. أما والله لما سبقوكم به من الفضل أشد عليكم فوتًا من بابكم هذا الذي تتنافسون فيه. ثم قال: أيها القوم! إن هؤلاء القوم قد سبقوكم بما ترون، ولا سبيل لكم والله إلى ما سبقوكم إليه، فانظروا هذا الجهاد فالزموه عسى الله أن يرزقكم شهادة، ثم نفض ثوبه وقام ولحق بالشام"١.
فالرجل مؤمن، صاحب مبدأ، يرى الفضل لأصحابه بأعمالهم، لا بالرئاسة والنسب والجاه، كما كان يريد أبو سفيان وقومه.
وقد نعت بـ"خطيب قريش"٢، لفصاحته وقوة بيانه، ولهذا اختارته قريش ليكون لسانها حين فاوضت الرسول على الصلح في الحديبية. وقد تكلم فأطال الكلام وتراجع مع الرسول حتى وافق على تدوين كتاب الصلح٣. وكان هو لسان قريش يوم وضع الرسول يده على عضادتي باب الكعبة، فقال: "ما تقولون"؟ فقال سهيل: "نقول خيرًا ونظن خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت٤.
وتعد "ابنة الخس هند الإيادية"، وهي بنت "الخس بن حابس"، رجل من إياد، من النساء المعروفات بالفصاحة. وقد رووا عنها الأمثال. وذكر أن والدها هو "خس بن حابس بن قريط" الإيادي. وقال بعض أهل الأخبار: إن ابنة الخس من "العماليق". والإيادية هي "جمعة بنت حابس" الإيادي،
стр. 5884
وكلتاهما من الفصاح. وذكر بعض آخر، أن الصواب أن ابنة الخس المشهورة بالفصاحة واحدة، وهي من "بني إياد". واختلف في اسمها، فقيل: هند، وقيل: جمعة. ومن قال إنها بنت حابس، فقد نسبها إلى جدها١.
وممن ضرب به المثل في الفصاحة "سحبان بن زفر بن إياس" الوائلي، وائل باهلة. خطيب مفصح يضرب به المثل في البيان، أدرك الجاهلية وأسلم، ومات سنة "٥٤هـ"٢. شهرته في الإسلام، كشهرة "قس" في الجاهلية.
واشتهر "هيذان بن شيخ" "هيدان بن سنح"، بكونه خطيب "عبس"، وذكر أن النبي قال للنابغة الجعدي: لا يفضض الله فاك، وقال لهيذان: رب خطيب من عبس٣.
والخطابة عند الجاهليين حقيقة لا يستطع أحد أن يجادل في وجودها، ودليل ذلك خطب الوفود التي وفدت على الرسول، وهي لا تختلف في أسلوب صياغتها وطريقة إلقائها عن أسلوب الجاهليين في الصياغة وفي طرق الإلقاء. ثم إن خطب الرسول في الوفود وفي الناس وأجوبته للخطباء، هي دليل أيضًا على وجود الخطابة بهذا الأسلوب وبهذه الطريقة عند الجاهليين. بل نجد أن الخطابة كان لها شأن في الحياة العربية في الجاهلية وفي الإسلام. ففي المناسبات مثل عقد زواج، لا بد للخاطب من خطبة يخطبها أمام العروس والحاضرين، يذكر فيها مناقب موكله ومناقب الأسرة التي رغب العروس في مصاهرتها ولعلها هي التي حملت الناس على نعت هذه المناسبة بـ "الخِطْبة" و"بخطبة العروس"، حتى قيل: "جاء يَخْطِبُ فلانة لفلان"، وإن فرق العلماء بين "الخُطبة" التي هي الموعظة والكلام، وبين "الخِطبة" التي هي طلب المرأة، بالحركة، فذكروا أن الأولى هي بضم الخاء والثانية بكسرها٤.
стр. 5885
ونجد في كتب الأدب والأخبار نصوص خطب نسبت إلى خطباء جاهليين، يخرج المرء من قراءتها ومن قراءة ما ذكره أهل الأخبار عنها، بأنها نصوص دقيقة تمثل الأصل تمام التمثيل، أو كأنها نسخ استنسخت عن نسخ أصلية كتبها الخطباء بأنفسهم، أو دونها كتاب شهود كانوا حضورًا وقت إلقاء الخطب.
ونحن وإن تعودنا على اعتبار هذه الخطب، وكأنها خطب أصيلة لا شك عندنا في أصالتها ولا شبهة. لكننا لا نستطيع إقناع أنفسنا ولا غيرنا بصحة رأينا هذا.
وإذا كنا قد قبلنا ما قيل لنا عن الشعر الجاهلي، فإننا لا نتمكن من قبول ما يذهب إليه الأدباء المقلدون من أن الخطب المنسوبة إلى خطباء الجاهلية، هي نصوص دقيقة صحيحة، أو أن أكثرها صحيح لا شك لأحد في صحته، وذلك لأسباب: منها ما ذكره أهل الأخبار أنفسهم من قولهم: "وكان الخطيبُ من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها زاد فيها ونقص"١، ثم ما نجده من اختلاف في رواية خطبة "قس بن ساعدة"، ومنهم أناس حضروا خطابه، فكيف نصدق صحة نصوص خطب لأناس جاهليين تبلغ عدة صفحات.
وكيف يصدق إنسان بصحة ما ينسب إلى الجاهليين من خطب وأقوال، وهو يعلم أن خطبة "حجة الوداع"، قد اختلف الرواة في رواية نصها اختلافًا كبيرًا٢، وإذا كانوا قد اختلفوا في ضبط نص خطبة تعد من أهم خطب الرسول، لما جاء فيها من بيان وأحكام، وكلام الرسول أفضل كلام للمسلم، فهل يعقل أخذ موضوع صحة نصوص خطب الجاهليين، على أنه كلام صحيح بالنص والحرف والمعنى! وإذا كان المسلمون قد جوزوا رواية حديث رسول الله بالمعنى، لصعوبة الرواية بالحرف والكلم والنص، فهل يعقل ضبط الناس لخطب الجاهليين، ضبطًا تامًّا كاملًا بالحرف والمعنى، مع أن كلام أهل الجاهلية لا يقاس بكلام الرسول في نظر المسلمين من دون شك.
стр. 5886
والأمر بالنسبة للشعر الجاهلي من حيث الصنعة والافتعال أهون أمرًا في نظري من موضوع الخطب الجاهلية، فالشعر كلام موزون مقفى وهو غير طويل، يمكن حفظه بسهولة، ويمكن خزنه في الذهن أمدًا طويلًا، أما النثر، فليس من السهل حفظه حرفيًّا؛ وإذا حفظ، فلا يمكن للذاكرة مهما كانت قوية أن تحافظ على صفائه إلى أجل طويل، لا سيما إذا كانت الخطب طويلة، لا تعاد قراءتها إلا في المناسبات. وللسبب المذكور ولخوف المسلمين من التقول على الرسول بما لم يقله من حروف وألفاظ وجمل، جوّزوا رواية حديثه بالمعنى، لصعوبة حفظ النص، فهل تعد خطب الجاهليين أكثر أهمية من حديث الرسول، حتى نقول: إنها نصوص مضبوطة صحيحة، لا غبار على صحتها، ولا شك من نصها!
وطابع الخطب، السجع وقصر الجمل والإكثار من الحكم والأمثال، والتفصيل والازدواج. ويرد غالب السجع في كلام الكهان لذلك وسم بهم، فقيل: "سجع الكهان". والسجع في كلام العرب أن يأتلف أواخر الكلم على نسق كما تأتلف القوافي، وأن يكون في الكلام فواصل كفواصل الشعر من غير وزن. وذكر أن الرسول قال لأحدهم وكان يتكلم سجعًا: "أسجع كسجع الكهان! " وفي رواية "إياكم وسجع الكهان"، وفي الحديث أنه نهى عن السجع في الدعاء. وإنما كره السجع في الكلام لمشاكلته كلام الكهنة١. قال "الجاحظ": "وكان الذي كرّه الأسجاع بعينها وإن كانت دون الشعر في التكلف والصنعة، أن كهّان العرب الذين كان أكثر الجاهلية يتحاكمون إليهم، وكانوا يدعون الكهانة وأن مع كل واحد منهم رئيًا من الجنّ، مثل حازي جُهينة، ومثل شق وسطيح، وعزى سلمة وأشباههم، كانوا يتكهنون ويحكمون بالأسجاع؛ كقوله: والأرض والسماء، والعقاب الصقعاء، واقعة ببقعاء، لقد نفر المجدُ بني العشراء، للمجد والسّناء". "فوقع النهي في ذلك الدهر لقرب عهدهم بالجاهلية، ولبقيتها فيهم
стр. 5887
وفي صدور كثير منهم، فلما زالت العِلّة زال التحريم". وقد كانت الخطباء تتكلم عند الخلفاء الراشدين، فيكون في ذلك الخطب أسجاع كثيرة، فلا ينهونهم١.
واتبع الخطباء في الإسلام وبعض الكتاب أسلوب السجع في خطبهم وفي كتبهم، ولا زال السجع محبوبًا عند كثير من الناس، ولهذا فهم يكتبون به.
وأغلب الخطباء هم سادات قبائل وأشراف من أهل القرى ومن أصحاب المكانة والجاه والكهنة والحكام. ومنازلهم تحتم عليهم الخطابة في المناسبات، لأنهم ألسنة قومهم، فللكلام أثر في نفوس العرب، يثير الحرب ويهدئ الأعصاب ويعقد السلم، ويفض المشكل، فصار من ثم للخطيب أثر كبير في الجاهلية.
وكانت القبائل تفتخر بكثرة ما عندها من خطباء. وذكر "الجاحظ" أن رجلًا من حمير قام في مجلس لمعاوية اجتمع فيه الخطباء، فقال: إنا لا نطيق أفواه الكِمال، عليهم المقال، وعلينا الفعال٢. ومعناه: إنا لا نستطيع الكلام كما يفعل غيرنا، ولذلك فأنا لا أريد أن أتسابق معهم، ثم أننا معشر عمل لا قول.
و"الكمال"، بمعنى الجمال، جمع جمل، نطق بها بالكاف على لغة أهل اليمن القديمة، لأن لسان حمير ينطق الجيم كافًا مفخمة.
ويلاحظ أن أكثر الذي ذكره أهل الأخبار من كلام الخطباء، هو وصايا زعم أهل الأخبار أن أولئك الخطباء أوصوا بها أبناءهم، وذلك حين تقدمت بهم السن، وحين شعروا بدنوا أجلهم. وهي تمثل خلاصة تجارب الموصى ومجمل ما حصل عليه من اختبارات في هذه الحياة. وهي على الجملة حكم، وآراء في الدنيا، ومواعظ، لا تخطر إلا على بال رجل سئم من الحياة ويئس منها، أو من زاهد متصوف متدين يؤمن بإلَه وبحساب وكتاب، وجد أن الحياة مدبرة، وأنها زائلة فانية، لا تدوم لأحد، لذلك يريد أن يوصي أبناءه بما وجده فيها وخبره ورآه.
ولم يهمل أهل الأخبار ذكر أهل العي والبلادة، وهم على قلتهم وضآلة
стр. 5888
عددهم مجتمع خاص قائم بذاته، فأشاروا إلى نوادرهم وبعض قصصهم، وجعلوا رأسهم وحامل لوائهم في الجاهلية شخصًا ضربوا به المثل في العي، دعوه "باقلًا" وجعلوه من قيس بن ثعلبة. وقالوا: إن من حماقته وعيّه أنه اشترى عنزًا من الظباء بأحد عشر درهمًا، فقيل: بكم اشتريتها؟ فأطلق كفّيه ومدّ أصابعه وأخرج لسانه، أي: يعده بلسانه وأصابعه، فنفرت العنز، فعُير بذلك. وفيه يقول الشاعر:
يلومون في حمقه باقلًا ... كأن الحماقة لم تخلق١
стр. 5889
فهرس الجزء السادس عشر:
الفصل الثامن والعشرون بعد المائة
القصص ٥
الفصل التاسع والعشرون بعد المائة
الطب والبيطرة ١٤
الفصل الثلاثون بعد المائة
الهندسة والنوء ٥٣
الفصل الحادي والثلاثون بعد المائة
الوقت والزمان ٧٠
الفصل الثاني والثلاثون بعد المائة
الأشهر الحرم ١٠٥
стр. 5890
الفصل الثالث والثلاثون بعد المائة
النسيء ١٢٢
الفصل الرابع والثلاثون بعد المائة
التقاويم والتواريخ ١٤٣
الفصل الخامس والثلاثون بعد المائة
اللغات الساميّة ١٥٩
الفصل السادس والثلاثون بعد المائة
العربية لسان آدم في الجنّة ١٧١
الفصل السابع والثلاثون بعد المائة
لغات العرب ١٩٦
الفصل الثامن والثلاثون بعد المائة
لغة القرآن ٢٢٩
стр. 5891
الفصل التاسع والثلاثون بعد المائة
العربية الفصحى ٢٥٨
الفصل الأربعون بعد المائة
اللسان العربي ٣٠٥
الفصل الحادي والأربعون بعد المائة
المعربات ٣٢٨
الفصل الثاني والأربعون بعد المائة
النثر ٣٦٧
الفصل الثالث والأربعون بعد المائة
الخطابة ٤٠٥
الفهرست ٤٣٠
стр. 5892
المجلد السابع عشر
الفصل الرابع والأربعون بعد المئة: الأعراب والعربية واللحن
الاعراب والعربية
...
الفَصْلُ الرَّابعُ والأربعونَ بعدَ الْمِائَةِ: الإعْرَابُ والْعَرَبِيَّةُ واللَّحْنُ
الإعراب والعربية:
ولا بد لنا وقد تحدثنا عن لغات العرب وعن العربية الفصحى من التحدث عن "الإعراب" لما له من صلة بها. فأقول الإعراب في تعريف علماء اللغة: الإبانة والإفصاح عن الشيء. يقال للعربي: أعرب لي أي بَيِّنْ لي كلامك. وأعرب الكلام وأعرب به بَيَّنَهُ. روي عن النبي أنه قال: "الثيب تعرب عن نفسها"، أي تفصح. وفي رواية أخرى: "الثيب يعرب عنها لسانها، والبكر تستأمر في نفسها". وإنما سمي الإعراب إعرابًا لتبيينه وإيضاحه. ومن هنا يقال أفصح وأبان. وعَرَّبَهُ: علمه العربية. "وفي حديث الحسن أنه قال له البتي: ما تقول في رجل رُعِفَ في الصلاة؟ فقال الحسن: إن هذا يعرب الناس، وهو يقول رُعِفَ، أي يعلمهم العربية، إنما هو رعف". وتعرب واستعرب: أفصح، قال الشاعر:
ماذا لقينا من المستعربين ومن ... قياس نحوهم هذا الذي ابتدعوا١
وعرف الإعراب، بأنه أن لا تلحن في الكلام. يقال أعرب كلامه إذا لم
стр. 5893
يلحن في الإعراب١. فربطوا هنا بين الإعراب واللحن. وذكروا أيضًا "أن الإعراب الذي هو النحو، إنما هو الإبانة عن المعاني والألفاظ"٢، "وإنما سمي الإعراب إعرابًا، لتبيينه وإيضاحه"٣، "وعرَّب منطقه أي: هذَّبه من اللحن"٤. وروي عن أبي هريرة قوله: "أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه"، والمراد بالغريب أن تكون اللفظة حسنة مستغربة في التأويل، لا يتساوى في العلم بها أهلها وسائر الناس. وقد عدُّوا من ذلك في القرآن كله سبعمائة لفظة أو تزيد قليلا ٥.
ورد في تأريخ "الطبري" أن رجلا من العباديين مَرَّ بجمع من المسلمين أصابوا جرابًا من "كافور" فحسبوه ملحًا، فأخذوا يلقون منه طعامهم، فقال لهم: "يا معشر المعربين، لا تفسدوا طعامكم، فإن ملح هذه الأرض لا خير فيه"٦ فاستعمل المعربين في معنى العرب، ولعل العبادين، وهم نصارى الحيرة كانوا يطلقون على العرب الخلص معربين، لوضوح لسانهم بالنسبة لغيرهم ممن كان لا يعرب على طريقة العرب الخلص من أهل البوادي.
وقد ذهب "ابن فارس" إلى وجود "الإعراب" عند العرب العاربة، إذ يقول: "وزعم قوم أن العرب العاربة لم تعرف هذه الحروف بأسمائها، وأنهم لم يعرفوا نحوًا ولا إعرابًا ولا نصبًا ولا همزًا"٧. وقد رد على من أنكر وجود الإعراب عن العرب قبل الإسلام٨، وأورد حديثًا في ذلك، إذ قال: "وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: أعربوا القرآن"٩. وقد ورد أن عمر بن الخطاب، وجَّه كتابًا إلى أبي موسى الأشعري، عامله على البصرة فيه: "أما بعد، فتفقهوا في السُّنَّة، وتفقهوا في العربية،
стр. 5894
وأعربوا القرآن، فإنه عربي، وتمعددوا فإنكم معديون"١، ووجه إليه كتابًا آخر فيه، "أما بعد، فتفقهوا في الدين، وتعلموا السنة، وتفقهوا في العربية، وتعلموا طعن الدرية، وأحسنوا عبارة الرؤيا، وليعلم أبو الأسود أهل البصرة الإعراب"٢. غير أن من العلماء من فسر الإعراب في القرآن بأن المراد به معرفة معاني ألفاظه، وليس المراد به الإعراب المصطلح عليه عند النحاة وهو ما يقابل اللحن٣.
وعرف الإعراب، بأنه: "الفارق بين المعاني المتكافئة في اللفظ، وبه يعرف الخبر الذي هو أصل الكلام، ولولاه ما ميز فاعل من مفعول، ولا مضاف من منعوت، ولا تعجب من استفهام، ولا صدر من مصدر، ولا نعت من تأكيد. وذكر بعض أصحابنا أن الإعراب يختص بالإخبار. وقد يكون الإعراب في غير الخبر أيضًا، لأنَّا نقول: أزيدٌ عندك؟ وأزيدًا ضربت؟ فقد عمل الإعراب وليس هو من باب الخبر"٤، فبالإعراب تميز المعاني ويوقف على أغراض المتكلمين٥. وأنواع الإعراب رفع، ونصب، وجر، وجزم، فالإعراب عبارة عن الحركات٦. وقد جعل الإعراب من العلوم الجليلة التى اختصت بها العرب٧. والإعراب في الواقع، هو التعرب، أي التكلم بالعربية وفق طريقة العرب الخلص في مراعاة أواخر الكلم، ومراعاة التصرف الإعرابي.
والإعراب في نظري، أن يتكلم الإنسان بطريقة العرب في كلامهم، وذلك بأن يبين وفقًا لقواعد لسانهم، وقد عرفنا ورود لفظة "عرب" و "عربية" في النصوص الآشورية واليونانية والسريانية، فالإعراب إذن من هذا الأصل، أي من العربية، ثم أطلق على النطق وفقًا لأساليب العرب في كلامهم ووفقًا لقواعد لسانهم.
стр. 5895
وللوقوف على معنى: "العربية"، يجب الرجوع إلى ما ورد عنها في الأخبار. فقد ورد أن الرسول "دخل المسجد فرأى جمعًا من الناس على رجل، فقال: ما هذا؟ قالوا: يا رسول الله، رجل علَّامة، قال: وما العلَّامة؟ قالوا: أعلم الناس بأنساب العرب، وأعلم الناس بعربية، وأعلم الناس بشعر، وأعلم الناس بما اختلف فيه العرب، فقال رسول الله ﷺ : "هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر" ١. وهو خبر يرجع سنده إلى أبي هريرة.
ووردت اللفظة في روايات أخرى يرجع الرواة زمانها إلى أيام الخليفة "عمر بن الخطاب". فقد روي عن "عثمان المهري"، أنه قال: "أتانا كتاب عمر بن الخطاب ﵁ ونحن بأذربيجان يأمرنا بأشياء، ويذكر فيها: تعلموا العربية فإنها تثبت العقل وتزيد في المروءة"٢. وقد روي أن أعرابيًا سمع قارئًا يقرأ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ بجر رسوله، فتوهم عطفه على المشركين. فقال: أَوَ بَرِئ الله من رسوله؟ فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁ فأمر أن لا يقرأ القرآن إلا من يحسن العربية"٣. وروي أن الخليفة المذكور، كتب إلى "أبي موسى الأشعري"، يوصيه، فكان مما قاله له: "خذ الناس بالعربية، فإنه يزيد في العقل ويثبت المروءة"٤.
ونسبت إلى "عمر" رسائل أخرى، ذكر أنه وجهها إلى عاملة المذكور فيها: "أما بعد: فتفقهوا في السنة، وتفقهوا في العربية، وأعربوا القرآن فإنه عربي وتمعددوا فإنكم معديون"٥. و"أما بعد: فتفقهوا في الدين، وتعلموا السنة، وتفهموا العربية، وتعلموا طعن الدرية، وأحسنوا عبارة الرؤيا، وليعلم أبو الأسود أهل البصرة الإعراب"٦، أو أنه قال: "تفقهوا في الدين، وأحسنوا عبارة الرؤيا، وتعلموا العربية"٧. وفسر "الحسن" العربية، بأنها التنقيط، أي
стр. 5896
أن ينقط المصحف بالنحو١. وذكر أن النبي قال: "عليكم بتعلم العربية، فإنها تدل على المروءة وتزيد في المودة"٢. وروي أن عمر كتب: "أما بعد: فإني آمركم بما أمركم به القرآن، وأنهاكم عنه محمد، وآمركم باتباع الفقه والسنة والتفهم في العربية"٣، و "مُرْ من قبلك بتعلم العربية، فإنها تدل على صواب الكلام، ومُرْهم برواية الشعر، فإنه يدل على معالم الأخلاق"٤.
وورد أن "عبد الله بن مسعود" كان يتعاطى العربية والشعر، وقد كان يسأل في ذلك "زر بن حُبَيش"، وكان من أعرب الناس٥. "قال عاصم: كان من أعرب الناس. وكان ابن مسعود يسأله عن العربية"٦. وورد: "كان بعض اليهود قد علم كتاب بالعربية، وكان تعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول"٧.
وورد أن أهل الحيرة كانوا يتعلمون "العربية" في الكتاتيب، وأن لهم ديوانًا يكتب بالعربية، كما كان للفرس ديوان يدون الرسائل إلى العرب بالعربية، وأن أهل الأنبار كانوا يكتبون بالعربية ويتعلمونها.
وبعد، فما هي تلك العربية التى كان "العلَّامة؟ " المزعوم يعلمها في المسجد وكان من أعلم الناس بها؟ وما هي تلك العربية التى كان الخليفة يوصي حكامه وأصحابه بأخذ الناس بها؟ أو العربية التى علمها اليهود بيثرب؟ عربية بمعنى الإبانة والإفصاح وتحريك الفم تحريكًا كفيلا بإخراج الحروف من مخارجها إخراجًا واضحًا؟ أم عربية أخرى؟ أم عربية الكتابة أي: تقليم الخط، أم بالمعنى الذي دفع "أبا الأسود" على وضع العلامات لضبط الحركات ولصيانة الألسنة من الوقوع في اللحن. ولو سألتني رأيي، لقلت لك حالا: إنها العربية الثانية. العربية الكفيلة بضبط الألسنة وتعليمها كيفية النطق الصحيح وفقًا لقواعد العربية، أي الإعراب وتفسير معانى الألفاظ، أي اللغة، وأوضح دليل على ما أقوله، ما جاء في الرواية المتقدمة من أن "عمر بن الخطاب" لما سمع خطأ الأعرابي
стр. 5897
الفاحش في قراءة الآية أَمَر "أن لا يقرأ القرآن إلا من يحسن العربية"، ومن وصيته بأخذ الناس بالعربية، ومن قوله أيضًا: "تعلموا الفرائض والسنن واللحن كما تعلمون القرآن"، و"تعلموا اللحن في القرآن كما تتعلمونه، يريد تعلموا لغة العرب في القرآن"، أو "تعلموا اللحن والفرائض فإنه من دينكم"١.
فلم يكن خطأ "الأعرابي" هو خطأ في كيفية إخراج الحروف من مخارجها، ولا في كيفية الإفصاح وإبانة الكلم، وإنما في جره رسوله، وتوهمه عطفها على المشركين، مما أخرج الآية إلى عكس ما أراده الله منها. أي غلطه في اللغة، ولهذا فزع الخليفة فحثَّ الناس على تعلم العربية، لتكون دليلا لمن يتعلمها وهاديًا له في صون لسانه من الوقوع في الخطأ، وفي هذا الحث دلالة على وجود علم سابق عند العرب بكيفية حفظ الألسنة من الوقوع في الخطأ ومجانبة القواعد العامة. ويعود هذا العلم إلى ما قبل الإسلام.
أضف إلى ذلك ما ذكرته سابقًا من قول عمر: "أما بعد: فتفقهوا في الدين، وتعلموا السنة، وتفهموا العربية، وتعلموا طعن الدرية، وأحسنوا عبارة الرؤيا، وليعلم أبو الأسود أهل البصرة الإعراب"٢. فإذا صح هذا الخبر دل على وجود الإعراب في زمن عمر، وعلى أن المراد من الإعراب الذي كلف "أبا الأسود" أن يعلم أهل البصرة به، هو النحو، أي قواعد صيانة اللسان من الوقوع في الخطأ في الكلام.
ولو تساهلنا فأخذنا "العربية" الواردة في قول "عمر" وغيره بالمعنى اللُّغوي الظاهر في اللفظة، وهو الإفصاح والإبانة وإخراج الكلم حسب أصول النطق عند العرب، فإن هذا المحمل يحملنا على الذهاب إلى وجود علم سابق، كان الناس يراعونه ويسيرون بمقتضى اعتباراته وقواعده في كيفية النطق بالكلم، ويسمونه: العربية.
ويتبين مما ذكره أهل الأخبار من أن "أبا الأسود" "كان أول من وضع العربية"٣، أن مرادهم من العربية المذكورة هذه العلامات التى تدل على الرفع
стр. 5898
والنصب والجر والجزم والضم والفتح والكسر والسكون، تلك العلامات التى استعملها في المصحف، وأن هذه الأمور لما توسع العلماء فيها بعد وسَمَّوا كلامهم نحوًا سحبوا اسم النحو على ما كان قبل من أبي الأسود ١. وبهذا المعنى نستطيع فهم ما ورد في الحديث والأخبار من وجوب الإعراب في القرآن. أي إظهار حركات الكلم عند القراءة. فالعربية، تعنى النحو. "ولما وضع أبو الأسود النحو وأطلق عليه لفظ العربية"٢، كان يقصد منه صيانة اللسان من الخطأ، والنطق بصحة. فقد ورد أن الرسول قال: أعربوا القرآن، أو أعربوا القرآن فإنه عربي، وأن "عمر بن الخطاب" "قال: تعلموا إعراب القرآن كما تتعلمون حفظه٣"، وروي أنه قال: "تعلموا النحو كما تعلمون السنن والفرائض"٤.
وبهذا المعنى وردت "العربية" في حديثهم عن الشاعر عدي بن زيد العبادي، فقد ذكروا أنه تعلم "العربية" في كتاب بالحيرة حتى غدا من أكتب الناس بها، فلما حذق ومهر فنه بالعربية، أرسل إلى كتاب الفارسية، فتعلم مع أولاد المرازبة٥. وذكروا أنه "قرأ كتب العرب والفرس"٦، إذ لا يعقل أن يكون مرادهم تعلم حروف الهجاء وحدها، أو الخط، أو مجرد معاني الألفاظ.
وقد تحدثت عن التنقيط عند أهل الكتاب في أثناء حديثي عن نشأة الخط العربي. ويظهر أن كتاب المصاحف، لم يكونوا على اتفاق في موضوع العواشر، أي تعشير القرآن، والتنقيط والخواتم، والفواتح، والألفاظ المفسرة في المصحف، بدليل ما ورد عنهم من اختلاف رأي في هذا الموضوع، فمنهم من كان يأمر بتجريد القرآن من كل ذلك ومنهم من جوَّز، ومنهم من كره نقط القرآن بالنحو٧.
стр. 5899
وقد اختلف العلماء في تفسير معنى جملة "يريد أن يعربه فيعجمه" الواردة في شعر ينسب لِرُؤْبَة ويقال للحُطَيئة، هو:
الشعر صعب وطويل سلمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلت به إلى الحضيض قدمه
وقوله:
والشعر لا يسطيعه من يظلمه ... يريد أن يعربه فيعجمه
فذهب بعضهم إلى أن مراد الشاعر أنه يأتى به أعجميًّا، يعنى يلحن فيه، وقيل يريد أن يبينه فيجعله مشكلا لا بيان له، وقيل أزال عجمته بالنقط١.
والذي أراه أن قول العلماء: "العجم النقط بالسواد مثل التاء عليها نقطتان، يقال: أعجمت الحرف والتعجيم مثله"، وقولهم: "معجم الخط هو الذي أعجمه كاتبه بالنقط، تقول: أعجمت الكتاب أعجمه إعجامًا"٢، هو تعريف يجب أن يكون قد وضع بعد وضع الإعجام، أي التنقيط، فإذا كان الإعجام من وضع "أبي الأسود" الدؤلي، فيجب أن يكون ظهوره منذ أيامه فما بعد، أما إذا كان قبله فيجب أن يكون من مصطلحات الجاهليين.
ويذكر علماء اللغة أن "أعجم الكتاب خلاف أعربه، أي نقطه" فأزال الكاتب عجمة الكتاب بالنقط٣. ومعنى هذا أن النقط قد أزال الغشاوة عن الحروف المعجمة، أي المتشابهة في الشكل، بوضع النقط فوقها، فصارت حروفًا معربة واضحة. ولولا الإعجام لما استبان الكلام، ولوقع سوء الفهم واللبس في كثير من الألفاظ التى ترد فيها الحروف المعجمة، ففي الإعجام لبس ووقوع في خطأ، وفي اللحن مثل ذلك أيضًا، ولهذا أرى وجود صلة كبيرة بين اللحن، الذي هو الخطأ في الكلام، بسبب الجهل بالإعراب. وقد رأيت قول العلماء: "أعجم الكتاب خلاف أعربه"، أي وضحه وصححه بالنقط. فبين الاثنين ترابط في. الأصل، فالإعجام خلاف الإعراب، واللحن خلاف الإعراب كذلك.
стр. 5900
وقد صار النقط، أو وضع الحركات على الحروف لإرشاد القارئ إلى القراءة الفصيحة الصحيحة، ضرورة لازمة، بدونها قد يخطئ الإنسان فهم المعنى، وقد يقع في أخطاء جسيمة لو أخليت الكتابة من النقط والإعجام. وقد ضرب العلماء الأمثال على أخطاء وقع بها الناس بسبب طريقة الكتابة القديمة التي لم تكن تنقط الحروف ولا تعجمها، فكان القارئ يقع في أخطاء.
والإعراب بعد، لا يختص بالعربية وحدها، بل نجد آثاره في لغات سامية أخرى، وإنما ظهر وعرف في عربيتنا، لأن اللغات الأخرى قد ماتت في الغالب، فلم يبق أحد من الناطقين بها، لنتبين كلامه، ولأن نصوصها غير مشكلة، وهي خالية من الحروف التي تدل على الشكل والحركات، لذلك لا نستطيع التحدث عن وجود الإعراب بها. ولكن بعض النصوص البابلية تشير إلى وجود الإعراب بها، واللاتينية مع أنها من اللغات الآرية فهي لغة معربة، يراعي الكاتبون والمتكلمون بها خصائص الإعراب، واليونانية القديمة هي معربة كذلك. ويخيل لي أن معظم لغات الأدب في العالم القديم كانت تراعي الإعراب، لترتفع بذلك عن ألسنة العامة، ولتكون اللسان الرفيع الذي يخاطب الإنسان به أربابه، ثم خفت حدة الإعراب فيما بعد، مجاراة لتطور العقل الإنساني. ونجد معظم الشعوب في الوقت الحاضر، تبسط لغتها وتختزل قواعدها وجمل كلامها ليتناسب الكلام مع عقلية السرعة التي أخذت تسيطر على الإنسان الحاضر.
وما قلته عن اللغات الأخرى من صعوبة التكلم عن إعرابها، بسبب عدم وجود نصوص مشكلة عندنا تشير إلى طرق الإعراب بها، ينطبق كذلك على اللغات العربية الجنوبية، وعلى اللغات الأخرى، مثل الصفوية، والثمودية واللحيانية، لعدم وجود الحركات بها أو العلامات الدالة على الإعراب. وخلو هذه اللغات من العلامات التي تقوم الإعراب، لا يمكن أن يُتَّخذ دليلا على عدم وجوده في تلك اللغات، لأن العماد في الإعراب، هو بالنطق في اللسان، وهو ما لا يمكن استخراجه من الكتابة العربية الجنوبية، فاللسان هو الذي يشكل ويحرك الألفاظ وفق مقتضيات قواعد الألسنة: أما النبطية، وهي من اللهجات العربية الشمالية، ففيها ظواهر بارزة تشير إلى أنها كانت لغة معربة، وهي في نظري أقرب اللغات العربية الجاهلية إلى عربية القرآن الكريم، فالأسماء في النبطية، معروفة في عربيتنا قليلة في العربيات الأخرى، وهي قريبة من هذه العربية في أمور أخرى نحوية وصرفية.
стр. 5901
اللَّحْنُ:
من معاني اللحن: اللغة. "روي أن القرآن نزل بلحن قريش، أي بلغتهم، وفي حديث عمر ﵁: تعلموا الفرائض والسنة واللحن، بالتحريك، أي اللغة"١، ومنه قول "عمر": "تعلموا الفرائض والسنن واللحن، كما تعلمون القرآن"٢. ومن معانيه الخطأ في الكلام. "قال أبو عبيد في قول عمر -رضي الله تعالى عنه: تعلموا اللحن -أي الخطأ في الكلام- لتحترزوا منه"، وورد: "وأما قول عمر ﵁: تعلموا اللحْن والفرائض، فهو بتسكين الحاء، وهو الخطأ في الكلام. قال أبو عدنان: سألت الكلابيين عن قول عمر: تعلموا اللحن في القرآن كما تعلمونه، فقالوا: كُتِب هذا عن قوم ليس لهم لغوٌ كلغونا، قلت: ما اللَّغو؟ فقال: الفاسد من الكلام. وقال الكلابيون: اللحن اللغة. فالمعنى في قول عمر: تعلموا اللحن فيه، يقول: تعلموا كيف لغة العرب فيه الذين نزل القرآن بلغتهم"٣، "وجاء في رواية تعلموا اللحن في القرآن كما تتعلمونه، يريد تعلموا لغة العرب بإعرابها"٤، ووردت اللفظة بمعان أخرى. وقد أجمل العلماء ما جاء فيها من معانٍ بستة معانٍ: الخطأ في الإعراب، واللغة، والغناء، والفطنة، والتعريض، والمعنى٥.
وقد ذكر أن الرسول لما أرسل "سعد بن معاذ"، وهو يومئذ سيد الأوس و"سعد بن عبادة"، وهو يومئذ سيد الخزرج إلى "كعب بن أسد"، وكان قد نقض عهده الذي عهده للرسول وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله، قال لهما:"انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا، فإن كان حقًّا فالحنوا إلى لحنًا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس"، فلما أتياهم وجداهم على أخبث ما بلغهما
стр. 5902
عنهم، نالوا من رسول الله، "وقالوا: من رسول الله! لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد"، فلما عادا إلى رسول الله قالا: "عضل والقارة. أي كغدر عضل والقارة"، فاللحن هنا بمعنى الإيماءة والإشارة والرمز١، فاللحن هنا أن تريد الشيء فتوري عنه٢.
والذي أريده من اللحن، الخطأ في الكلام، والزيغ عن الإعراب، وهو معنى لا نستطيع فهمه من النصوص الجاهلية، لخلو تلك النصوص من الحركات، ومن الإشارة إلى قواعد لغاتها. ولذلك فلا مناص لنا لفهمه إلا بالرجوع إلى الموارد الإسلامية. وهي تذكر أن اللحن بهذا المعنى، لم يظهر إلا في الإسلام، ظهر بسبب دخول الأعاجم في دين الله، واختلاطهم بالعرب، وأخذهم لغتهم واتصال العرب بهم، ففسدت الألسنة، وظهر اللحن بين الموالي وبين العرب. وقد عيب ظهوره في العربي، حتى عُيِّرَ من ظَهَر اللحن على لسانه، فلما فشا وكثر، صار شيئًا مألوفًا حتى غلب على ألسنة الناس. وهم يذكرون أن العربي القُحُّ الأصيل، لم يكن يخطئ في كلامه، لأنه يتكلم عن طبع وسجية، ومن كان هذا شأنه، لا يقع اللحن في كلامه، أو لأنهم كانوا يتأملون مواقع الكلام ويعطونه في كل موقع حقه وحصته من الإعراب عن ميزة وعلى بصيرة٣.
يقول العلماء: وكان أول لحن ظهر بين العرب على عهد النبي، فقد رووا أن الرسول سمع رجلا يقرأ فلحن، فقال: ارشدوا أخاكم٤، أو ارشدوا أخاكم فإنه قد ضل٥، ثم فشا وانتشر في مواضع الاختلاط خاصة، حيث اختلط العجم بالعرب، كالعراق وبلاد الشام ومصر، حتى دخل أعمال الحكومة، فأخطأ الكتاب في النحو، وأفحشوا في الإعراب، فكتب كاتب من كتاب "أبي موسى" الأشعري كتابًا فيه، "من أبو موسى ... " أو ما شابه ذلك من خطأ في القول، فكتب "عمر" إلى عامله: "سلام عليك. أما بعد
стр. 5903
فاضرب كاتبك سوطًا واحدًا، وأخر عطاءه سنة"١: أو "إذا أتاك كتابي هذا، فاجلده سوطًا واعزله عن عملك"٢، أو "قنع كاتبك سوطًا"٣، أو: "إن كاتبك الذي كتب إلى لحن، فاضربه سوطًا"٤، وذكر "الجاحظ"، أن "الحصين بن أبي الحر" كتب إلى "عمر" كتابًا "فلحن في حرف منه، فكتب إليه عمر: أن قنع كاتبك سوطًا".
وسبب ذلك أنهم كانوا يرون أن اللحن عيب مشين. قال "عبد الملك بن مروان": اللحن هجنة على الشريف، والعُجْب آفة الرأي. وكان يقال: اللحن في المنطق أقبح من آثار الجدري في الوجه"٥.
ولا يمكن تفسير قول القائل أن "اللحن بمعنى الخطأ محدث، لم يكن في العرب العاربة الذين تكلموا بطباعهم السليمة"٦، إلا أن يكون مراده أن الجاهليين كانوا يتكلمون بطباعهم السليمة بلغاتهم، كل يتكلم بلغته، ووفق سجيته ولسانه الذي أخذه من بيته، فهو ينطق وفق ما سمع وحفظ، فلا يلحن في الكلام بلسانه الذي أخذه من أهله، وهو رأي أقول إنه على الجملة مقبول معقول. أما إذ أريد به، أن العرب كانوا جميعًا يتكلمون بلسان واحد، فلا يخطئ أحدهم فيه ولا يلحن، فإن ذلك يتعارض مع قولهم بوجود اللغات، وبأن تلك اللغات كانت تتباين في أمور كثيرة في جملتها قواعد في النحو والإعراب، كما في "ذي" الطائية، وفي إعراب المثنى بالألف مطلقًا، رفعًا ونصبًا وجرًّا وذلك في لغة "بلحرث" و "خثعم" و "كنانة"، فيقولون: جاء الرجلان، ورأيت الرجلان، ومررت بالرجلان٧، وكما في "كم" الخبرية، حيث ينصب "بنو تميم" تمييز "كم"، ولغة غيرهم وجوب جره وجواز إفراده وجمعه، وكما في إعراب "الذين" من أسماء الموصول إعراب جمع المذكر السالم في لغة
стр. 5904
"هذيل"، أو "عقيل" وفي قول بعضهم: هذه النخيل. وقول بعض آخر: هذا النخيل إلى غير ذلك من مواطن خلاف وتباين بحث فيها العلماء١، لا مجال للبحث فيها في هذا المكان، ووجود هذا الاختلاف، هو دليل في حد ذاته على خروج القبائل على قواعد اللغة، والخروج على القواعد هو اللحن.
لقد أقر علماء العربية بوجود خلاف بين القبائل المتكلمة بلهجات عربية شمالية، وقد أشرت إلى مواضع ذكروها في هذا الباب، وكشف علماء النحو عن خلاف في قواعد النحو في مثل اختلاف القبائل في التذكير والتأنيث، كما في مثل الطريق والسوق والسبيل والتمر، فهي ألفاظ مؤنثة عند أهل الحجاز، وهي مذكرة عند قبائل أخرى، وكشفوا عن أمور أخرى، إن تكلم المتكلم أو كتب بها عَدَّ صدور ذلك لحنًا منه، فهل يعد العربي المتكلم بلهجة من هذه اللهجات المخالفة مخالفًا لقواعد العربية، أي لَحَّانًا، كما نعدُّ الأعجمي الذي يقع في الخطأ نفسه، أم نعده فصيحًا، عربي اللسان والسليقة؟ أما الأعجمي الذي يقع في الخطأ ذاته فنعده لحانًا لحنة!
لقد ذكروا أن الرسول "حين جاءته وفود العرب، فكان يخاطبهم جميعًا على اختلاف شعوبهم وقبائلهم وتباين بطونهم وأفخاذهم، وعلى ما في لغاتهم من اختلاف الأوضاع وتفاوت الدلالات في المعاني اللُّغوية، على حين أن أصحابه -رضوان الله عليهم- ومن يَفِدُ عليه من وفود العرب الذي لا يوجه إليهم الخطاب، كانوا يجهلون من ذلك أشياء كثيرة، حتى قال له علي بن طالب -كرم الله وجهه- وسمعه يخاطب وفد بني نهد: يا رسول الله، نحن بنو أب واحد ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره؟ فكان رسول الله ﷺ يوضح لهم ما يسألونه عنه مما يجهلون معناه من تلك الكلمات"٢، فهل يعقل بعد، أن يقال إن العربي كان لا يلحن ولا يخطئ في كلامه ولا يزيغ عن العربية المبينة، والعرب هم على ما هم عليه من اختلاف اللهجات، الذي يدفع حتمًا على وقوع اللحن، لو تكلموا بالعربية القرآنية، أي هذه العربية التي يسميها علماء اللغة لغة قريش، والتي هي اللسان العربي المبين على تسمية القرآن لها.
стр. 5905
ثم كيف نفسر حديث: "أرشدوا أخاكم"، أو "أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل" مع قولهم إن العربي لا يخطئ في كلامه ولا يلحن، لأنه يتكلم عن طبع وسليقة، ولم يكن هذا الذي لحن أمام الرسول، أعجميًّا، وإنما كان عربيًّا، فإذا كان الأمر كذلك، فكيف وقع اللحن إذن؟ ثم كيف نفسر خبر سماع الإمام "علي" أعرابيًّا، وهو يلحن في القرآن ويقرأ: "لا يأكله إلا الخاطئين"١، أو خبر ذلك الأعرابي الذي قرأ "أن الله بريء من المشركين ورسولِه" بالجر، لأن رجلا من أهل المدينة أقرأه إياها على هذا النحو، فبلغ ذلك "عمر"، فأمر ألا يقرأ القرآن إلا عالم باللغة، وأمر أبا الأسود أن يضع النحو٢، والأعراب هم لب العرب، وصفوتهم في الكلام، فكيف وقع هذا الأعرابي في اللحن يا تُرَى؟ ثم كيف نفسر قول من زعم أن في القرآن آيات فيها لحن، مثل: "إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ"٣ ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ٤، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ ٥، ومواضع أخرى تحتاج إلى تأويل ليستقيم إعرابها٦، أو إلى إصلاح إملائها لتنجو من اللحن٧.
ثم كيف اختلف قراء القرآن في نصب "الطير" في الآية: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ أو رفعها٨، واختلافهم في ضم الفاء أو فتحها في الآية: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٩، واختلافهم في بناء الفعل للمجهول أو للمعلوم في الآية: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ ١٠، وغير ذلك من مواضع اختلاف، اختلف فيها القراء، مع كونهم من العرب الأَقْحَاح.
ثم كيف نفسر اضطراب العلماء وذهابهم مذاهب في قراءة الآية: ﴿قَالُوا
стр. 5906
﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ ١، وتأويلهم القراءة جملة تأويلات، لأن القاعدة النحوية تقول: "إنَّ هذين" بينما القراءة: "إنَّ هذان"، فعلَّلوها جملة تعليلات، منها أن هذه القراءة نزلت بلغة "بني الحارث بن كعب" ومن جاورهم يجعلون الاثنين، أي المثنى في رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف، كما في قول بعض "بني الحارث بن كعب":
فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغًا لناباه الشجاع لصمما
وقيل إن القراءة، هي قراءة بلحارث بن كعب، وخثعم، وزبيد ومن وليهم من اليمن٢. ونسبها "الزجاج" إلى كنانة، وابن جني إلى بعض بني ربيعة٣.
ثم ما ورد في خبر آخر عن سعيد بن جبير، من قوله: "في القرآن أربعة أحرف لحن: ﴿الصَّابِئُون﴾ ٤، ﴿وَالْمُقِيمِين﴾ ٥، ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٦، ﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ ٧" إلى غير ذلك من أخبار. ثم ما ورد من قول "عثمان": "إن في القرآن لحنًا، وستقيمه العرب بألسنتها"، وأمثال ذلك٨، وما ذكر من أن "أبا بكر"، كان يستحب أن يسقط القارئ الكلمة من قراءته على أن يلحن فيها٩، أفلا يدل هذا الخبر، على أن اللحن كان معروفًًا ومتفشيًا في عهد "أبي بكر"، وما روي في رواية تقول: "لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان ﵁ فوجد فيها حروفًا من اللحن، فقال: لا تغيروها فإن العرب ستغيرها، أو قال ستعربها بألسنتها، لو كان الكاتب من ثقيف
стр. 5907
والمملي من هذيل لم يوجد فيه هذه"١، ثم ما ورد من وقوع اللحن من عرب أقحاح، ومنهم من ولي الحكم وإدارة أمور المسلمين٢، ومنهم ابنة "أبي الأسود الدؤلي" التي لحنت أمامه، فعمل باب التعجب على ما يزعمه الرواة٣.
وتوحي الأحاديث الواردة في الحث على إعراب القرآن، والكتب التي ألفها العلماء في إعرابه، أن من العرب: من أهل مدر وأهل وبر، من كان يقرأ القرآن بغير إعراب، إما لأن لغته لم تكن معربة، وإما لأن إعرابها كان لا يتجانس مع إعراب القرآن، وسببه أن الجاهليين لم يكونوا يتقيدون جميعًا بقواعد الإعراب، فمنهم من كان يتحلل منه، ومنهم من يعمل به وفق قواعد لغته ولهجته، ودليل ذلك قراءة الصحابة القرآن بألسنتهم، مما سبب في ظهور مشكلة القراءات، وهذا ما أخاف الصحابة، وجعلها تخشى من احتمال ظهور قَرَائِين مختلفة، مما حمل "عثمان" على توحيد لغة القرآن، وتدوين كتاب الله حسب التوصيات التي أعطاها إلى اللجنة التي كلفها بتدوينه.
أضف إلى ذلك ما نجده في الكتب من إجازة إصلاح اللحن والخطأ في الحديث. من مثلما نسب إلى الأوزاعي من قوله: "لا بأس بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث"، وقوله: "أعربوا الحديث فإن القوم كانوا عربًا"، ومثل ما نسب إلى "يحيى بن معين" من قوله: "لا بأس أن يقوم الرجل حديثه على العربية" وإلى "ابن أبي رباح" حين سئل عن الرجل يحدِّث بالحديث فيلحن، هل يحدث به كما سمع منه أم يعرِب، فقال لسائله: لا، بل أعربه. وما ورد في أقوال العلماء في جواز أو عدم جواز إصلاح اللحن في الحديث، واختلافهم فيه٤، هو دليل على أن من العرب من كان يقع في اللحن أيضًا، وإن اللحن لم يقع من الأعاجم وحدهم.
стр. 5908
ثم إن من غير المعقول إلا يقع اللحن من أهل اليمن ومن بقية عرب العربية الجنوبية، الذين كانوا يتكلمون بألسنة عربية جنوبية، رأينا أنها تختلف عن عربيتنا في مفردات الألفاظ وفي وقواعد النحو والصرف.
إن كل من صدر منهم اللحن، ممن أشرت إليهم وممن لم أشر، كانوا من العرب، منهم من كان من أهل الْمَدَر، ومنهم من كان من أهل الوَبَر، بهم بدأ اللحن، أما لحن العجم، فقد بدأ بعد اللحن الذي ظهر في أيام الرسول، وفي أيام "عمر" بدأ بالطبع بالفتوح، فلحن العرب إذن أقدم عهدًا من لحن العجم، يؤيد ذلك ما يرويه العلماء من وقوع الشعراء الجاهليين في أخطاء نحوية، هي لحن وخروج على القواعد في نظرهم. والشعراء الجاهليون عرب، ومن لسانهم استمد علماء النحو نحوهم وصرفهم. قد زعموا أن "النابغة" أخطأ في قوله: "في أنيابها السم ناقع"، ولحن لحنًا شنيعًا، وكان عليه أن يقول: "في أنيابها السم ناقعًا"١، أخطأ ولحن على زعمهم، مع أن كلامه حجة عندهم، واستشهدوا به في قواعد النحو والصرف.
وأخذ "حفص بن أبي بردة"، وهو من أهل الكوفة ومن أصحاب "حماد" الراوية على "المرقش" أنه كان يلحن، زعم أنه لحن في شعره، وقد أشير إلى زعمه هذا في شعر هجاء هجوه به، هو:
لقد كان في عينيك يا حفص شاغل ... وأنف كثيل العود عما تتبع
تتبعت لحنًا في كلام مرقش ... وخلقك مبني على اللحن أجمع
فعيناك إقواء وأنفك مكفأ ... ووجهك إبطاء فأنت المرقع٢
وزعم علماء الشعر، أن "امرأ القيس" حامل لواء الشعر، ومن جاء بعده من الشعراء، مثل: "النابغة"، و"بشر بن أبي خازم"، و"الأعشى"، أقووا في شعرهم، والإقواء: هو اختلاف إعراب القوافي، وهو أن تختلف حركات الروي، فبعضه مرفوع وبعضه منصوب أو مجرور. ويكثر وروده في
стр. 5909
اجتماع الرفع مع الجر، وأما الإقواء بالنصب فقليل. وهو في نظرهم عيب١. وزعموا أن بعضًا من شعراء الجاهلية أكفأوا في شعرهم. والإِكفَاء، المخالفة بين حركات الروي رفعًا ونصبًا وجرًّا، أو المخالفة بين هجائها، أي القوافي: فلا يلزم حرفًا واحدًا تقاربت مخارج الحروف أو تباعدت، ومثله أن يجعل بعضها ميما وبعضها طاء، وقال بعضهم: الإكفاء في الشعر هو التعاقب بين الراء واللام والنون. وهو أحد عيوب القافية الستة التي هي: الإيطاء، والتضمين، والإقواء، والإصراف، والإكفاء، والسناد٢.
وقد روى أهل الأخبار قصة زعموا أنها وقعت للنابغةن وكان لا يعرف شيئًا عن إقوائه بشعره، فلما وقعت له عرف به فعافه، ذكروا أن الناس خافوا تنبيه الشاعر إلى إقوائه، وبقي هو عليه، حى دخل يثرب، فأرادوا إظهار عيبه له فأمروا قينة لهم أن تغنيه شعره، فغنته:
أمن آل مية رائج أو مغتدي ... عجلان ذا زاد وغير مزود
زعم البوارح أن رحلتنتا غدًا ... وبذاك حدثنا الغراب الأسود٣
ففطن إليه ولم يعد إلى إقواء. "قال أبو عمرو بن العلاء: فَحْلان من الشعراء كانا يُقْوِيان، النابغة وبشر بن أبي خازم، فأما النابغة فدخل يثرب فغني بشعره ففطن فلم يعد للإقواء، وأما بشر فقال له أخوه سوادة: إنك تقوي، قال: وما الإقواء؟ قال: قولك:
ألم تر أن طول الدهر يسلي ... وينسي مثل ما نسيت جذامُ
ثم قلت:
وكانوا قومنا فبغوا علينا ... فسقناهم إلى البلد الشآمِ
فلم يعد للإقواء"٤.
стр. 5910
ورويت قصة إقواء "بشر بن أبي خازم" بشكل آخر، فقد زعم أن أخاه "سوادة" قال له: إنك تُقْوِي، قال: وما الإقواء؟ قال: قولك:
ألم تر أن طول الدهر يُسلي ... وينسي مثل ما نسيت جذامُ
ثم قلت:
وكانوا قومنا فبغوا علينا ... فتقناهم إلى البلد الشآم
فلم يعد للإقواء"١، أو أن أخاه "سمير"، قال له: "أكفأت وأسأت.
فقال: وما ذاك؟ "٢.
وقد ذهبوا إلى أبعد من ذلك، فزعموا أن المصاحف لما كتبت "عرضت على عثمان، فوجد فيها حروفًا من اللحن، فقال: لا تغيروها، فإن العرب ستغيرها -أو قال ستعربها- بألسنتها، لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل توجد هذه الحروف"٣، وقد كان كل من اختارهم الخليفة لكتابة القرآن من خالص العرب، ولم يكن من بينهم من هو من المولدين أو الموالي، وقد كانوا من الفصحاء الألباء، فكيف وقع منهم اللحن إذن؟
بل زعموا أن "عمر ضرب أولاده لما لحنوا، وأن "معاوية "كلم "عبيد الله بن زياد"، فوجده كيسًا عاقلا على أنه يلحن فكتب إلى والده بذلك٤، وزعموا أن "الحجاج" كان يلحن، زعموا أنه لحن في القرآن، فقرأ: "إنا من المجرمون منتقمون"٥، وزعموا أنه لحن في آيات أخرى٦، والحجاج من ثقيف، ولم يكن أعجميًّا، حتى يظهر اللحن منه، مع إنهم جعلوه أحيانًا من أفصح العرب، ومن لم يلحن في حياته في جد ولا هزل. قال "الأصعمي": "أربعة لم يلحنوا في جد ولا هزل: الشعبي، وعبد الملك بن مروان، والحجاج بن
стр. 5911
يوسف، وابن القرية. والحجاج أفصحهم"١. وزعموا أن "الوليد بن عبد الملك"، وأخاه "محمد بن عبد الملك" كانا لحانين٢. ذكر أن "الوليد"، خطب الناس يوم عيد، فقرأ في خطبته "يا ليتُها كانت القاضية" بضم التاء، فقال عمر بن عبد العزيز: عليك وأراحنا منك٣. ورووا قصصًا عن لحنه. وذكر أن "عبد الملك" قال: "أضر بالوليد حبنا له فلم نوجهه إلى البادية، يقصد أنه كان يلحن بسبب عدم إرساله إلى الأعراب ليأخذ عنهم اللسان الفصيح. وقد كان أخوه محمد لحانًا كذلك، وذكر أنه لم يكن في ولد عبد الملك أفصح من هشام ومسلمة٤. قال "الجاحظ": "وكان الوليد بن عبد الملك لحنة، فدخل عليه أعرابي يومًا، فقال: أنصفني من ختني يا أمير المؤمنين. فقال: ومن ختنك؟ قال: رجل من الحي لا أعرف اسمه. فقال عمر بن عبد العزيز: إن أمير المؤمنين يقول لك: من ختنك؟ فقال: هو ذا بالباب. فقال الوليد لعمر: ما هذا؟ قال: النحو الذي كنت أخبرتك عنه. قال: "لا جرم فإني لا أصلي بالناس حت أتعلمه"٥. وذكر "الجاحظ" أمثلة على اللحن٦. وروى أن كتب "الوليد" كانت تخرج ملحونة. فسأل "اسحاق بن قبيصة" حد موالي "الوليد" ما بال كتبكم تأتينا ملحونة وأنتم أهل الخلافة؟ فأخبره المولى بقولي، فإذا كتابٌ قد ورد علي: أما بعد فقد أخبرني فلان بما قلت، وما أحسبك تشك أن قريشًا أفصح من الأشعرين، والسلام"٧.
وقد ورد في شعر "مالك بن أسماء بن خارجة الفزاري" قوله:
وحديث الذّهُ هو مما ... ينعت الناعتون يوزن وزنًا
منطق صائب وتلحن أحيا ... نًا وخير الحديث ما كان لحنا
وقد ذكر أنه لم يُرِد اللحن في الإعراب الذي هو ضد الصواب، وإنما أراد
стр. 5912
الكناية عن الشيء والعريض بذكره، والعدول عن الإفصاح عنه. قيل: تكلمت "
هند بنت أسماء بن خارجة"، أخت الشاعر المذكور فلحنت، وهي عند الحجاج، فقال لها: أتلحنين وأنت شريفة في بيت قيس؟! فقالت: أما سمعت قول أخي مالك لامرأته الأنصارية؟ قال: وما هو؟ قالت: قال:
منطق صائب وتلحن أحيا ... نًا وخير الحديث ما كان لحنًا
فقال لها الحجاج: إنما عني أخوك اللحن في القول، إذا كَنَّى المحدث عما يريد، ولم يعن اللحن في العربية، فأصلحي لسانك. غير أن منهم من رأى أن المراد بهذا اللحن، اللحن المخالف لصواب الإعراب١.
وقد ذكر "السهيلي"، أن الجاحظ قد أخطأ حين قال في كتابه "البيان والتبيين"، أن الشاعر لم يقصد اللحن الذي هو الخطأ في الكلام وإنما أراد استملاح اللحن من بعض نسائه، وخطَّأه في هذا التأويل٢، قال: فلما حدث الجاحظ بحديث "الحجاج"، "قال: لو كان بلغني هذا قبل أن أُؤَلف كتاب البيان، ما قلت في ذلك ما قلت! فقال له: أفلا تغيره؟ فقال: كيف وقد سارت به البغال الشهب، وانجدَّ في البلاد وغار". و"قال السيرافي: ما عرفت حقيقة معنى النحو إلا من معنى اللحن الذي هو ضده، فإن اللحن عدول عن طريق الصواب، والنحو قصد إلى الصواب"٣.
وذكروا أن بعض شعراء الدولة الأموية كان يلحن، وممن وقع منه اللحن "الفرزدق". رووا أن "عبد الله بن يزيد الحضرمي" البصري، كان ينتقده ويتعقب لحنه، فهجاه الفرزدق، بقوله:
فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى المواليا
فقال له الحضرمي: لحنت. ينبغي أن تقول مولى موالٍ٤.
стр. 5913
"وقالوا: تربع ابن جؤية في اللحن، حين قرأ: "هؤلاء بناتي هنَّ أَطْهَرَ لكم"، وجعلوه حالا، يعني: أطهر. وليس هو كما قالوا"١. و"تكلم معاوية بن صَعْصَعَة بن معاوية يومًا، فقال له صالح بن عبد الرحمن: لحنت. فقال له معاوية: أنا ألحن يا أبا الوليد، والله لنزل بها جبريل من الجنة"٢.
وقد فشا اللحن وانتشر حتى بين العلماء، وبين علماء النحو واللغة أيضًا، حتى غلط بعضهم بعضًا، ونسب بعضم اللحن إلى البعض الآخر، قال "ابن فارس": "وقد كان الناس قديمًا يجتنبون اللحن فيما يكتبونه أو يقرءونه اجتنابهم بعض الذنوب. فأما الآن فقد تجوزوا حتى إن المحدث يحدث فيلحن، والفقيه يؤلف فيلحن، فإذا نُبِّها قالا: ما ندري ما الإعراب! وإنما نحن محدثون وفقهاء"٣. ولما كثر اللحن في الحديث، جوزوا إعرابه. قال "الأوزاعي": "لا بأس بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث"، وقال أيضًا: "أعربوا الحديث فإن القوم كانوا عربًا" وقال النضر بن شميل: "كان هشيم لحانًا، فكسوت لكم حديثه كسوة حسنة، يعني بالإعراب"٤.
وبعد، فقد رأيت من روايات أهل الأخبار أنفسهم، أن اللحن لم يكن قاصرًا على العجم، بل كان قد عرف بين العرب كذلك، وعلى هذا يجب ألا نلقي مسئولية ظهوره على الأعاجم، بل على العرب أولا، لأنهم هم الذين بدءوا باللحن، بدءوا به قبلهم بأمد طويل، لحنوا في الجاهلية، أي قبل دخول العجم في الإسلام. فنحن نظلم الأعاجم إذن، إن ألقينا على عاتقهم مسئولية إشاعة اللحن بين العرب. ولكن هل يعقل وقوع اللحن من عرب كالجاهليين، ومن شعراء فحول، استمد علماء اللغة قواعد النحو والصرف من شعرهم مثل "النابغة" الشاعر المعظم، أو من غيره؟ لقد سبق أن ذكر علماء اللغة أن العربي، لا يزال في كلامه وحاشا له أن يلحن أو يخطئ في لسانه، لأنه إذا تكلم تكلم عن سليقة وطبع، وقد حماه الله من الوقوع في زلل الكلام! إذن فكيف
стр. 5914
نفسر ما ذكروه من وقوع النابغة في اللحن، ومن وجود الإقواء في شعره وفي شعر غيره، ومن ظهور اللحن في أيام الرسول؟ هل نرجع ذلك إلى خطأ الرواة في رواية شعر النابغة وأمثاله، أو نرجع ذلك على التزوير، فنقول إن ذلك الشعر مفتعل، وإنه ليس من شعر النابغة، وإنما هو شعر منحول وضع عليه، ومن ثم وقع الخطأ. ولكن الذي نعرفه أن من كان ينحل العرب الشعر وينسبه للجاهليين، كان من أتقن الناس لشعر الجاهلية ومن أعرف الناس بالعربية، ومن البارعين الحاذقين بقواعدها، وأناس على هذا الطراز من الفهم والعلم، هل يعقل وقوع مثل هذا الغلط منهم؟ أو هل نرجع ذلك إلى الخطأ في التدوين والاستنساخ، ولكن كيف غفل العلماء من النص على ذلك؟
وجوابي أن القول بأن اللحن بمعنى الخطأ في الكلام، يستوجب وجود لغة فصيحة ذات قواعد نحوية وصرفية مقدرة ومقننة وثابتة تعد اللغة الفصيحة العالية في نظر أصحابها، من يخالف قواعدها يعد لحانًا لا يحسن القول ولا الكلام. وهو قول لا يعارضه أحد بالنسبة إلى وجوده في الإسلام، بعد أن فرض الإسلام دين الله على المؤمنين به كتابًا سماويًّا ولسانًا عربيًا مبينًا، تثبتت قواعد نحوه وصرفه في الإسلام. فمن سار عليها عدَّ فصيحًا، ومن خالفها عدَّ لحانًا عاميًّا. أما بالنسبة لأهل الجاهلية، فالقول بوجود اللحن عندهم، يقتضي التسليم بوجود لغة فصيحة عُليا لديهم، لها قواعد مقررة، من تكلم وِفْقَهَا عدَّ فصيحًا، حسب درجة إعرابه وملكته في اللغة، ومن خالفها عدَّ عاميًّا جلفًا. وقد أكد علماء اللغة، وجود هذه العربية الفصيحة، التي هي عندهم عربية قريش، عند ظهور الإسلام، وقالوا: إن بها كان نزول عربية القرآن، وبها نظم الشعر الجاهلي، وبها نثر الكلام الجاهلي المنثور. أما اللحن، فقد أنكروا وجوده، ولم يسلموا بوقوعه، وحجتهم ما ذكرته من أن العربي فصيح بطبعه، إذا تكلم تكلم عن سجية فيه وسليقة، لم يلحن ولم يخطئ في كلامه في الجاهلية، إلى أن كان الإسلام، فاختلط العرب بالأعاجم، ودخل الغرباء بين العرب، ففسد الطبع وظهر الخطأ في اللسان، وفشا اللحن.
وقد يعقل تصور وجود هذه العربية الفصحى، إذا افترضنا -مع المفترضين الأخباريين- أن تلك العربية، هي عربية أهل مكة ومن عاش حولهم، وأنها كانت عربية قريش، وأن المتكلمين بها كانوا بشرًا عصموا عن الخطأ في اللسان
стр. 5915
وجبلوا على التكلم بها على الفطرة، ولكننا لا نستطيع القول أنها كانت عربية كل عرب جزيرة العرب، إذ رأينا العرب الجنوبيين، وقد كانوا يتكلمون بلغات أخرى، ووجدنا عرب أعالي الحجاز، ولهم ألسنة تباين عربية القرآن، ورأينا للقبائل لهجات، تختلف بدرجات عن هذه العربية. فكيف يتصور إذن اتفاق العرب كلهم على التكلم بلسان قريش، وبغير خطأ أو زلل في اللسان.
وفي نفي علماء اللغة وجود اللحن عند الجاهليين تعارض مع رواياتهم القائلة بوجود الإقواء والإكفاء في شعر بعض الشعراء الجاهليين، وبلحن "النابغة" في قوله: "في أنيابها السم ناقع"، وبلحن الأعرابي في حضرة الرسول، وبتباين لغات العرب، تباينًا تحدثت عنه في فصل "لغات العرب" وقد وقع في كثير من صميم خصائص اللغات، ومن بينها أمور تخص قواعد الإعراب، وفيه تعارض أيضًا مع القراءات الشهيرة والشاذة للقرآن، وبينها أمور تخص قواعد النحو والصرف والإعراب، وفيه تعارض مع ما ذكروه من أن "أطراف الجزيرة لم تكن خالصة العروبة في القديم، بل كان أهلها مغلوبين على أمرهم، فلم يكن لهم من معنى اللغة إلا تعاور المنطق والاستبداد بالكلمات يتلقفونها ممن حولهم، لأن ملكات الوضع العربي فيهم غير صحيحة، وشروطه غير تامة، وليس كل عربي الجنس عربي اللسان، وإلا فما بال الحميريين ومن قبلهم من الأمم السالفة؟ "١.
وكيف يعقل نفي اللحن عن العرب مع وجود اللغات، ووجود التعارض والاختلاف البين بين قواعد هذه اللهجات، هل يعقل أن يتكلم العربي الجنوبي، باللغة العربية الفصيحة من غير خطأ ولا لحن، ولسانه غير لساننا، وعربيته غير عربيتنا، وقواعده على خلاف قواعدنا، وإعرابه على خلاف إعرابنا، كما أثبت ذلك بالبرهان القاطع من الكتابات الجاهلية، وبأقوال علماء العربية أنفسهم، وفي مقدمتهم "أبو عمرو بن العلاء"، القائل: "ما لسان حمير بلساننا، ولا لغتهم بلغتنا". ثم إننا إذا أخذنا القراءات المتنوعة التي قرئ بها القرآن، والشواهد الشعرية الكثيرة التي أوردها علماء العربية والنحو على الشواذ، وما يذكره العلماء من خلاف في النحو، فإننا لا يمكن تفسير خروجها على القواعد إلا بأنها أثر من أثر بقايا اللهجات. وخروجها على القواعد، هو لحن. ومن خرج على
стр. 5916
القواعد عدَّ لحانًا، مهما كان عصره أو جنسه، جاهليًّا كان أم مسلمًا، عربيًّا كان أم أعجميًّا، لأن اللحن لا يختص بعصر أو جنس.
إن ما دعوه باللحن، وما أخذوا الأعاجم عليه، من عدم تمكنهم من التعلق ببعض الحروف، أو من وقوعهم في أخطاء نحوية، نراه قد وقوع للعرب الفصحاء في الجاهلية وفي الإسلام، فما كان ينطقه بعض العرب من إشمام الصاد صوت الزاي، أو من النطق بالجيم "كافًا" على اللهجة المصرية، يعد لحنًا، إن صدر من أعجمي، أما إن صدر من عربي، فلا يقال لذلك لحنًا، بل يقال إنه لغة من لغات العرب. وإذا تصورنا أن عربية الجاهليين، كانت عربية عالية واحدة، على نحو مايراه أهل الأخبار وعلماء اللغة، وجب اعتبار هذه اللغات لغات عامية، المتكلم بها خارج على قواعد اللغة، فهو ممن يلحن ويخطئ سواء كان عربيًّا، أم أعجميًّا، جاهليًّا أم إسلاميًّا، فنحن نتكلم هنا عن أسلوب كلام، لا عن رس وأصل.
أننا حين نقول أن اللحن لم يكن معروفًا بين أهل الجاهلية، نكون قد حصناهم بالعصمة: بعصمة اللسان، ونكون قد جعلناهم بذلك شعبًا مختارًا، فضل بعصمة لسانه على ألسنة سائر البشر، ولكن العلم لا يعرف عصمة ولا حصانة في لسان، وهو يرى أن اللحن لا بد وأن يقع عند أي شعب، أو قوم، أو قبيلة، حتى أن كانت القبيلة في سرة البادية، وفي معزل ناء، لأن الطبيعة توجد من اختلاف قابليات أفراد القبيلة ومن اختلاف مستوى عقلياتهم وثقافاتهم وتباعد سكنهم بعضهم عن بعض، خروجًا على اللسان، فيظهر اللحن الشاذ، ويبرز النشاز في اللغة، مهما كان موطن هذه القبائل، في جزيرة العرب أو في أي موضع آخر من العالم، فاللحن، أي التبلبل في الألسنة من الأمور الطبيعية، التي توجدها طبيعة البشر وطبيعة الأقاليم، وأمور أخرى بحث فيها علماء اللغة والاجتماع، ولا يمكن أن يكون العرب بمنجاة منها!
لقد تحير "السيوطي" وغيره في تفسير خبر ورد عن "سيعد بن جبير" من أنه "كان يقرأ: والمقيمين الصلاة، ويقول: هو لحن من الكتاب". فقل: "وهذه الآثار مشكلة جدًا، وكيف يظن بالصحابة أولاً أنهم يلحنون في الكلام فضلا عن القرآن، وهم الفصحاء واللد! ثم كيف يظن بهم ثانيًا في القرآن الذي تلقوه من النبي ﷺ ، كما أنزل، وحفظوه، وضبطوه، وأتقنوه
стр. 5917
ثم كيف يظن بهم ثالثًا اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته! إلخ! وفي بعض هذه القراءات خطأ حصل من الكتابة، قال "هشام بن عروة عن أبيه، قال: سألت عائشة عن لحن القرآن عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ ٢، وعن قوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ٣. وعن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ ٤ فقالت: يا أخي، هذا عمل الكتاب أخطئوا في الكتاب"٥، أي من الرسم، وهو في الأكثر، فهذا الخطأ في الرسم القديم للكتابة، هو الذي جعل العلماء يسمونه لحنًا، وهو ليس بلحن في الأصل، وإنما جاء اللحن من قراءة القراء بألحانهم، أي على حسب لغاتهم، وإلا فلا يعقل تطاولهم على القرآن بقراءاتهم له قراءة مخالفة للإعراب ولما نزل به الوحي. وهكذا كان الأمر بالنسبة للمواضع الأخرى مثل: ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ ٦، فقد قرئ بسكون الشين وهي لغة تميم، وكسرها وهي لغة الحجاز، وفتحها وهي لغة٧، ومثل "الصراط"، فقد قرأت بالسين وبالصاد، والقراءتان لهجتا قبائل، ومثل"حتى"، فقد قرئت "عتى"، قرأها "ابن مسعود" على لسانه، إذ كان من هذيل.
وقد ذكر "المعري" أمثلة على قراءات في القرآن قرأها علماء مشهورون مثل "حمزة بن حبيب"، هي منكرة في نظر غيره من العلماء، "ينكرها عليه أصحاب العربية، كخفض الأرحام في قوله تعالى: "واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ"، وكسر الياء في قوله تعالى: "وما أنتم بمصرحيِ"، وكذلك سكون الهمزة في قوله تعال: "استكبارا في الأرض ومكر السيئ"، وجاء بأمثلة أخرى من قراءات غيره للقرآن٨.
والخلاف الذي نلاحظه في أمور النحو بين علماء أهل البصرة وعلماء أهل الكوفة، في مثل عمل الأسماء والأدوات: أدوات الجر، أو الخفض، وأدوات النصب، وأدوات الجزم، وأمثال ذلك، هو في حد ذاته دليل على وجود إعراب متعدد
стр. 5918
للعرب، وقف العلماء على شيء يسير منه، فوقعوا من ثم في بلبلة من أمره، بسبب عدم اهتمامهم بأمر تلك اللغات، واقتصارهم في جمعهم قواعد النحو على لهجات الأعراب الذين اتصلوا بهم، فظهر لهم وكأنه نشاز، ولو فطنوا يومئذ إلى أنه من إعراب لغات، لكان حكمهم حكمًا آخر ولا شك. ومن هؤلاء الأعراب الذين أخذ عنهم البصريون: قيس، وتميم، وأسد، "فإن هؤلاء هم الذين أخذ عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتُّكل في الغريب، وفي الإعراب، والتصريف. ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم"١، والقبائل المذكورة باستثناء الطائيين، هم من مجموعة "مضر"، وليس فيها قبيلة من "ربيعة"، لذلك نستطيع القول أن العربية قد بنيت على لهجات مضر، وحيث أن علماء اللغة أهملوا لغات القبائل الأخرى وبينها قبائل من مضر كذلك، فلم يأخذوا منها إلا عرضًا، تولد من عملهم هذا بناء العربية على تلك اللهجات وبموجب اجتهاد واستقصاء أولئك العلماء، فظهر من أجل ذلك الغريب والنشاز، والاختلاف في الإعراب، الذي أشار إلى قسم منه العلماء وهو الذي احتاجوا إليه للاستشهاد به في الشواهد والمناظرات وأكثره من لغات مضر، وأهملوا الباقي، ولو هم سجلوا كل ما عرفوه من نشاز لتجمع من ذلك تراث كبير كثير من تراث اللغات الجاهلية من اختلاف في لغة وقواعد إعراب وصرف.
لقد تمسكت القبائل بقواعد ألسنتها حتى في الإسلام، فكان أفرداها ينطقون بلهجتهم، من ذلك ما ذكره "الزجاجي" من اختلاف "عيسى بن عمر" الثقفي، و"أبي عمرو بن العلاء" في رفع أو نصب: "ليس الطيب إلا المسك"، ومن احتكامهما إلى "أبي المهدي"، فلما ذهبا إليه وجداه لا يرفع، فلما حاولا إقناعه بالرفع، أبى عليهما ذلك وقال: "لا، ليس هذا من لحني ولا من لحن قومي"، فلما ذهبا إلى "المنتجع" التميمي، وجداه لا ينصب وأبى إلا الرفع، وذكر "الزجاجي": "ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب، ولا في الأرض تميمي إلا وهو يرفع"٢. وقع ذلك في الإسلام وبعد تثبيت القواعد، وكان هذا حال قبائل الحجاز، وحال تميم في الجاهلية ولا شك،
стр. 5919
فهل يعد هذا الاختلاف دلالة على عدم وجود اللحن عند أهل الجاهلية، أم يعد دليلاً على وجوده عندهم؟
لقد أدى اقتصار العلماء في أخذهم العربية عن القبائل التي ذكروها وفي تمسكهم برأيهم في أن تلك القبائل، هي صاحبة اللغة الفصيحة، إلى نبذ اللهجات العربية الأخرى، لاعتبارهم أياها لهجات مستقبحة، ولغات حشوية، فخسرت العربية بذلك خسارة كبرى، وظهر بسبب ذلك التنابذ في مذاهب علماء العربية، بسبب اعتمادهم على لغات معينة محدودة، وليس على كل اللغات العربية القريبة من لغة القرآن، ليتمكنوا بذلك من استقرائها كلها واستنباط القواعد الكلية منها.
ومن جملة الأمور التي يجب أن نشير إليها وننتبه إليها، هو أن علماء العربية حين كانوا يشيرون إلى لهجة من اللهجات، مثل لهجة أهل الحجاز، أو لهجة هذيل، أو تميم، وأمثالها، كانوا يشيرون إليها بالتعميم، مثل: جاء هذا على لغة أهل العالية، أو على لغة أهل الحجاز، أو على لغة تميم، مع أن حكمهم هذا لم يؤخذ من دراسة لغة القبيلة المشار إليها، وإنما أخذ من لسان أعرابي أو أكثر، بينما الحكم على منطق إنسان واحد أو اثنين أو ثلاثة، لا يمكن أن يتخذ حجة للحكم على منطق قبيلة بأكملها، أضف إلى ذلك أن القبائل الكبيرة، كانت موزعة منتشرة، والحجاز، وحده ذو قبائل كثيرة، متعارضة اللغات، فكيف يقال: جاء هذا على لغة أهل الحجاز، وكان أسد وتميم متجزئة منتشرة في مناطق واسعة، وهذا مما جعل لهجاتها تتأثر بالإقليمية وبالجوار، فلم يكن لها لسان واحد، غير أن علماء العربية لم يفطنوا إلى هذه الأمور، فوقعوا من ثم في أخطاء، فأخذوا من بعض تميم، ونسبوا ما أخذوه على كل تميم مثلا.
ثم إنهم لم يستخلصوا النحو من القرآن رأسًا، وقد كان عليهم الاعتماد عليه أو لأنهم إنما اتخذوا النحو لصيانة اللسان من الخطأ في القرآن وفي لغة التنزيل، وإنما مالوا عنه إلى الشعر، وإلى كلام أعراب من قبائل معينة وثقوا بصحة كلامهم وزاد ابتعادهم عن الأسلوب العلمي، بأخذهم بالعصبية العلمية، فهرت الآراء المتعصبة للمدن وللعلماء، فهذا رجل محب للبصرة، مفرط في حبها، لا يقدم على علمائها عالم، وهذا كوفي متعصب لنحو الكوفة، لا يقدم على أهل الكوفة أحدًا. ثم زاد هذا التعصب للعلماء، فهذا تلميذ عالم يُتعصب له، ويُأخذ برأيه كأنه رأي نزل من السماء، وهذا عالم كبير يعيب علم عالم
стр. 5920
منافس له، ويتهجم هو وتلامذته عليه، وهذا نحوي يعيب نحو الآخرين، وقد دفعت هذه العصبية، بعض العلماء إلى الابتعاد عن العلم، باللجوء إلى الوضع والافتعال والاتهام، لإقحام الخصوم، حتى جاء بعضهم بشواهد نحوية وصرفية مفتعلة، وبشهود من الأعراب، تكلموا باطلا لتأييد عالم على عالم، وفي المسألة الزنبورية التي وقعت بين سيبويه والكسائي، وفي مجالس الجدل التي تجادل فيها العلماء في محضر الخلفاء في قضايا النحو واللغة والشعر أمثلة عديدة على ما أقول١.
وعندي أن ما نسب إلى بعض الشعراء الجاهليين من وقوعهم في أغلاط نحوية أو لغوية أو شعرية، لم يكن خطأ بالنسبة لهم، وإنما بان الخطأ عند علماء العربية، حين قاسوا الشعر بمقياس واحد، هو العربية التي جمعوا قواعدها ودونوها في الإسلام، والعروض الذي ضبطه "الخليل" ومن جاء بعده، ولو كانوا قد درسوا لهجات القبائل، وعلموا أن الشعراء، كلهم أو بعضهم كان ينظم شعره بلسانه، وأن الشعر الجاهلي، جاء بألسنة متعددة، لعلموا إذن سر وقوع هذا الاختلاف في الشعر، ولأراحوا أنفسهم من دراسة كثير من هذا الغريب والشاذ الذي أدخلوه كتب النحو واللغة، بعد صقل الشعر وتهذيبه. وقد فطن إلى ذلك "المعري"، فاعتذر عما نسب إلى "امرئ القيس" من خروج عن القواعد بسوء الرواية وبالتصحيف٢، وبأنهم في الجاهلية كانوا لا يعدون ذلك خروجًا على قاعدة، وإنا كان ذلك شيئًا مألوفًا عندهم، فملا جاء "المعلمون في الإسلام" "غيروه على حسب ما يريدون"٣، وجعله يقول عن "الأقوياء": "لا نكرة عندنا في الإقواء٤ واعتذر عما نسب إلى غيره من الشعراء من عيوب أحصاها علماء الإسلام عليهم، بأن قال إن هذه لم تكن من العيوب في أيامهم، وإنما هي صارت عيوبًا في الإسلام.
لقد اعتمد علماء العربية على الشعر الجاهلي وعلى لغات العرب التي وثقوا منها في جمع قواعد العربية وتثبيتها، كما استشهدوا بالقرآن، الذي نزل بلسان عربي مبين، والذي ثبت العربية. أما"الحديث"، فقد اختلفوا في جواز الاستشهاد