القواعد عدَّ لحانًا، مهما كان عصره أو جنسه، جاهليًّا كان أم مسلمًا، عربيًّا كان أم أعجميًّا، لأن اللحن لا يختص بعصر أو جنس.
إن ما دعوه باللحن، وما أخذوا الأعاجم عليه، من عدم تمكنهم من التعلق ببعض الحروف، أو من وقوعهم في أخطاء نحوية، نراه قد وقوع للعرب الفصحاء في الجاهلية وفي الإسلام، فما كان ينطقه بعض العرب من إشمام الصاد صوت الزاي، أو من النطق بالجيم "كافًا" على اللهجة المصرية، يعد لحنًا، إن صدر من أعجمي، أما إن صدر من عربي، فلا يقال لذلك لحنًا، بل يقال إنه لغة من لغات العرب. وإذا تصورنا أن عربية الجاهليين، كانت عربية عالية واحدة، على نحو مايراه أهل الأخبار وعلماء اللغة، وجب اعتبار هذه اللغات لغات عامية، المتكلم بها خارج على قواعد اللغة، فهو ممن يلحن ويخطئ سواء كان عربيًّا، أم أعجميًّا، جاهليًّا أم إسلاميًّا، فنحن نتكلم هنا عن أسلوب كلام، لا عن رس وأصل.
أننا حين نقول أن اللحن لم يكن معروفًا بين أهل الجاهلية، نكون قد حصناهم بالعصمة: بعصمة اللسان، ونكون قد جعلناهم بذلك شعبًا مختارًا، فضل بعصمة لسانه على ألسنة سائر البشر، ولكن العلم لا يعرف عصمة ولا حصانة في لسان، وهو يرى أن اللحن لا بد وأن يقع عند أي شعب، أو قوم، أو قبيلة، حتى أن كانت القبيلة في سرة البادية، وفي معزل ناء، لأن الطبيعة توجد من اختلاف قابليات أفراد القبيلة ومن اختلاف مستوى عقلياتهم وثقافاتهم وتباعد سكنهم بعضهم عن بعض، خروجًا على اللسان، فيظهر اللحن الشاذ، ويبرز النشاز في اللغة، مهما كان موطن هذه القبائل، في جزيرة العرب أو في أي موضع آخر من العالم، فاللحن، أي التبلبل في الألسنة من الأمور الطبيعية، التي توجدها طبيعة البشر وطبيعة الأقاليم، وأمور أخرى بحث فيها علماء اللغة والاجتماع، ولا يمكن أن يكون العرب بمنجاة منها!
لقد تحير "السيوطي" وغيره في تفسير خبر ورد عن "سيعد بن جبير" من أنه "كان يقرأ: والمقيمين الصلاة، ويقول: هو لحن من الكتاب". فقل: "وهذه الآثار مشكلة جدًا، وكيف يظن بالصحابة أولاً أنهم يلحنون في الكلام فضلا عن القرآن، وهم الفصحاء واللد! ثم كيف يظن بهم ثانيًا في القرآن الذي تلقوه من النبي ﷺ ، كما أنزل، وحفظوه، وضبطوه، وأتقنوه
стр. 5917
ثم كيف يظن بهم ثالثًا اجتماعهم كلهم على الخطأ وكتابته! إلخ! وفي بعض هذه القراءات خطأ حصل من الكتابة، قال "هشام بن عروة عن أبيه، قال: سألت عائشة عن لحن القرآن عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ ٢، وعن قوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ ٣. وعن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ ٤ فقالت: يا أخي، هذا عمل الكتاب أخطئوا في الكتاب"٥، أي من الرسم، وهو في الأكثر، فهذا الخطأ في الرسم القديم للكتابة، هو الذي جعل العلماء يسمونه لحنًا، وهو ليس بلحن في الأصل، وإنما جاء اللحن من قراءة القراء بألحانهم، أي على حسب لغاتهم، وإلا فلا يعقل تطاولهم على القرآن بقراءاتهم له قراءة مخالفة للإعراب ولما نزل به الوحي. وهكذا كان الأمر بالنسبة للمواضع الأخرى مثل: ﴿اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ ٦، فقد قرئ بسكون الشين وهي لغة تميم، وكسرها وهي لغة الحجاز، وفتحها وهي لغة٧، ومثل "الصراط"، فقد قرأت بالسين وبالصاد، والقراءتان لهجتا قبائل، ومثل"حتى"، فقد قرئت "عتى"، قرأها "ابن مسعود" على لسانه، إذ كان من هذيل.
وقد ذكر "المعري" أمثلة على قراءات في القرآن قرأها علماء مشهورون مثل "حمزة بن حبيب"، هي منكرة في نظر غيره من العلماء، "ينكرها عليه أصحاب العربية، كخفض الأرحام في قوله تعالى: "واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ"، وكسر الياء في قوله تعالى: "وما أنتم بمصرحيِ"، وكذلك سكون الهمزة في قوله تعال: "استكبارا في الأرض ومكر السيئ"، وجاء بأمثلة أخرى من قراءات غيره للقرآن٨.
والخلاف الذي نلاحظه في أمور النحو بين علماء أهل البصرة وعلماء أهل الكوفة، في مثل عمل الأسماء والأدوات: أدوات الجر، أو الخفض، وأدوات النصب، وأدوات الجزم، وأمثال ذلك، هو في حد ذاته دليل على وجود إعراب متعدد
стр. 5918
للعرب، وقف العلماء على شيء يسير منه، فوقعوا من ثم في بلبلة من أمره، بسبب عدم اهتمامهم بأمر تلك اللغات، واقتصارهم في جمعهم قواعد النحو على لهجات الأعراب الذين اتصلوا بهم، فظهر لهم وكأنه نشاز، ولو فطنوا يومئذ إلى أنه من إعراب لغات، لكان حكمهم حكمًا آخر ولا شك. ومن هؤلاء الأعراب الذين أخذ عنهم البصريون: قيس، وتميم، وأسد، "فإن هؤلاء هم الذين أخذ عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتُّكل في الغريب، وفي الإعراب، والتصريف. ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم"١، والقبائل المذكورة باستثناء الطائيين، هم من مجموعة "مضر"، وليس فيها قبيلة من "ربيعة"، لذلك نستطيع القول أن العربية قد بنيت على لهجات مضر، وحيث أن علماء اللغة أهملوا لغات القبائل الأخرى وبينها قبائل من مضر كذلك، فلم يأخذوا منها إلا عرضًا، تولد من عملهم هذا بناء العربية على تلك اللهجات وبموجب اجتهاد واستقصاء أولئك العلماء، فظهر من أجل ذلك الغريب والنشاز، والاختلاف في الإعراب، الذي أشار إلى قسم منه العلماء وهو الذي احتاجوا إليه للاستشهاد به في الشواهد والمناظرات وأكثره من لغات مضر، وأهملوا الباقي، ولو هم سجلوا كل ما عرفوه من نشاز لتجمع من ذلك تراث كبير كثير من تراث اللغات الجاهلية من اختلاف في لغة وقواعد إعراب وصرف.
لقد تمسكت القبائل بقواعد ألسنتها حتى في الإسلام، فكان أفرداها ينطقون بلهجتهم، من ذلك ما ذكره "الزجاجي" من اختلاف "عيسى بن عمر" الثقفي، و"أبي عمرو بن العلاء" في رفع أو نصب: "ليس الطيب إلا المسك"، ومن احتكامهما إلى "أبي المهدي"، فلما ذهبا إليه وجداه لا يرفع، فلما حاولا إقناعه بالرفع، أبى عليهما ذلك وقال: "لا، ليس هذا من لحني ولا من لحن قومي"، فلما ذهبا إلى "المنتجع" التميمي، وجداه لا ينصب وأبى إلا الرفع، وذكر "الزجاجي": "ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب، ولا في الأرض تميمي إلا وهو يرفع"٢. وقع ذلك في الإسلام وبعد تثبيت القواعد، وكان هذا حال قبائل الحجاز، وحال تميم في الجاهلية ولا شك،
стр. 5919
فهل يعد هذا الاختلاف دلالة على عدم وجود اللحن عند أهل الجاهلية، أم يعد دليلاً على وجوده عندهم؟
لقد أدى اقتصار العلماء في أخذهم العربية عن القبائل التي ذكروها وفي تمسكهم برأيهم في أن تلك القبائل، هي صاحبة اللغة الفصيحة، إلى نبذ اللهجات العربية الأخرى، لاعتبارهم أياها لهجات مستقبحة، ولغات حشوية، فخسرت العربية بذلك خسارة كبرى، وظهر بسبب ذلك التنابذ في مذاهب علماء العربية، بسبب اعتمادهم على لغات معينة محدودة، وليس على كل اللغات العربية القريبة من لغة القرآن، ليتمكنوا بذلك من استقرائها كلها واستنباط القواعد الكلية منها.
ومن جملة الأمور التي يجب أن نشير إليها وننتبه إليها، هو أن علماء العربية حين كانوا يشيرون إلى لهجة من اللهجات، مثل لهجة أهل الحجاز، أو لهجة هذيل، أو تميم، وأمثالها، كانوا يشيرون إليها بالتعميم، مثل: جاء هذا على لغة أهل العالية، أو على لغة أهل الحجاز، أو على لغة تميم، مع أن حكمهم هذا لم يؤخذ من دراسة لغة القبيلة المشار إليها، وإنما أخذ من لسان أعرابي أو أكثر، بينما الحكم على منطق إنسان واحد أو اثنين أو ثلاثة، لا يمكن أن يتخذ حجة للحكم على منطق قبيلة بأكملها، أضف إلى ذلك أن القبائل الكبيرة، كانت موزعة منتشرة، والحجاز، وحده ذو قبائل كثيرة، متعارضة اللغات، فكيف يقال: جاء هذا على لغة أهل الحجاز، وكان أسد وتميم متجزئة منتشرة في مناطق واسعة، وهذا مما جعل لهجاتها تتأثر بالإقليمية وبالجوار، فلم يكن لها لسان واحد، غير أن علماء العربية لم يفطنوا إلى هذه الأمور، فوقعوا من ثم في أخطاء، فأخذوا من بعض تميم، ونسبوا ما أخذوه على كل تميم مثلا.
ثم إنهم لم يستخلصوا النحو من القرآن رأسًا، وقد كان عليهم الاعتماد عليه أو لأنهم إنما اتخذوا النحو لصيانة اللسان من الخطأ في القرآن وفي لغة التنزيل، وإنما مالوا عنه إلى الشعر، وإلى كلام أعراب من قبائل معينة وثقوا بصحة كلامهم وزاد ابتعادهم عن الأسلوب العلمي، بأخذهم بالعصبية العلمية، فهرت الآراء المتعصبة للمدن وللعلماء، فهذا رجل محب للبصرة، مفرط في حبها، لا يقدم على علمائها عالم، وهذا كوفي متعصب لنحو الكوفة، لا يقدم على أهل الكوفة أحدًا. ثم زاد هذا التعصب للعلماء، فهذا تلميذ عالم يُتعصب له، ويُأخذ برأيه كأنه رأي نزل من السماء، وهذا عالم كبير يعيب علم عالم
стр. 5920
منافس له، ويتهجم هو وتلامذته عليه، وهذا نحوي يعيب نحو الآخرين، وقد دفعت هذه العصبية، بعض العلماء إلى الابتعاد عن العلم، باللجوء إلى الوضع والافتعال والاتهام، لإقحام الخصوم، حتى جاء بعضهم بشواهد نحوية وصرفية مفتعلة، وبشهود من الأعراب، تكلموا باطلا لتأييد عالم على عالم، وفي المسألة الزنبورية التي وقعت بين سيبويه والكسائي، وفي مجالس الجدل التي تجادل فيها العلماء في محضر الخلفاء في قضايا النحو واللغة والشعر أمثلة عديدة على ما أقول١.
وعندي أن ما نسب إلى بعض الشعراء الجاهليين من وقوعهم في أغلاط نحوية أو لغوية أو شعرية، لم يكن خطأ بالنسبة لهم، وإنما بان الخطأ عند علماء العربية، حين قاسوا الشعر بمقياس واحد، هو العربية التي جمعوا قواعدها ودونوها في الإسلام، والعروض الذي ضبطه "الخليل" ومن جاء بعده، ولو كانوا قد درسوا لهجات القبائل، وعلموا أن الشعراء، كلهم أو بعضهم كان ينظم شعره بلسانه، وأن الشعر الجاهلي، جاء بألسنة متعددة، لعلموا إذن سر وقوع هذا الاختلاف في الشعر، ولأراحوا أنفسهم من دراسة كثير من هذا الغريب والشاذ الذي أدخلوه كتب النحو واللغة، بعد صقل الشعر وتهذيبه. وقد فطن إلى ذلك "المعري"، فاعتذر عما نسب إلى "امرئ القيس" من خروج عن القواعد بسوء الرواية وبالتصحيف٢، وبأنهم في الجاهلية كانوا لا يعدون ذلك خروجًا على قاعدة، وإنا كان ذلك شيئًا مألوفًا عندهم، فملا جاء "المعلمون في الإسلام" "غيروه على حسب ما يريدون"٣، وجعله يقول عن "الأقوياء": "لا نكرة عندنا في الإقواء٤ واعتذر عما نسب إلى غيره من الشعراء من عيوب أحصاها علماء الإسلام عليهم، بأن قال إن هذه لم تكن من العيوب في أيامهم، وإنما هي صارت عيوبًا في الإسلام.
لقد اعتمد علماء العربية على الشعر الجاهلي وعلى لغات العرب التي وثقوا منها في جمع قواعد العربية وتثبيتها، كما استشهدوا بالقرآن، الذي نزل بلسان عربي مبين، والذي ثبت العربية. أما"الحديث"، فقد اختلفوا في جواز الاستشهاد
стр. 5921
به، وذلك لأن الحديث لم ينقل كما سمع من النبي وإنما روي بالمعنى، ولهذا فإن أئمة النحو المتقدمين من المصرين: البصرة والكوفة لم يحتجوا بشيء منه، وقد جوز بعض العلماء الاستشهاد به على تقدير التسليم بأن النقل كان بالمعنى، إنما كان في الصدر الأول، وقبل تدوينه في الكتب وقبل فساد اللغة، وغايته تبديل لفظ بلفظ، ولهذا يجوز الاحتجاج به، لأن السلائق العربية لم تكن قد فسدت بعد. وموضوع الخلاف، هو أن النقل لم يكن بالحرف، وإنما بالمعنى، ولو كان بالأول لما وقع الخلاف في وجوب الاستشهاد به، ولجرى ذلك مجرى القرآن الكريم في إثبات القواعد الكلية بموجبه. قال "سفيان الثوري: إن قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت، فلا تصدقوني، إنما هو المعنى. ومن نظر في الحديث أدنى نظر علم العلم اليقين إنهم يروون بالمعنى"١. وقد وقع اللحن كثيرًا فيما روي من الحديث لأن كثيرًا من الرواة كانوا غير عرب بالطبع ويتعلمون لسان العرب بصناعة النحو، فوقع اللحن في كلامهم وهم لا يعلمون، ودخل في كلامهم وروايتهم غير الفصيح من لسان العرب، فدخل من ثم هذا اللحن في الحديث، ولهذا امتنع علماء المصرين من الاستشهاد بالحديث في النحو. وقد جوز بعض المتأخرين الاستشهاد بالأحاديث والأمثال النبوية الفصيحة، ولم يجوزوا الاستشهاد في غير ذلك٢ للسبب المذكور.
هذا وقد ألف العلماء كتبًا عديدة في إعراب القرآن وفي معانيه وغريبه، وصل بعض منها إلينا. وقد أشار "ابن النديم" إلى أسماء عدد من تلك المؤلفات٣. وهي مرجع هام بالنسبة لعلماء العربية، لورود آراء لغوية ونحوية قيمة فيها، تفيد في شرح النحو العربي.
стр. 5922
الفصل الخامس والأربعون بعد المئة: النحو
والنحو في اللغة الطريق والجهة والقصد، ومنه نحو العربية. وهو إعراب الكلام العربي. أُخِذ من قولهم: انتحاه إذا قصده. وهو انتحاء سمت كلام العرب في تصرفه من إعراب وغيره ليلحق به من ليس من أهل اللغة العربية بأهلها في الفصاحة فينطق بها، وإن لم يكن منهم أو إن شذَّ بعضهم عنها رد به إليها. وهو في الأصل مصدر شائع، أي نحوت نحوًا، كقولك قصدت قصدًا ثم خص به انتحاء هذا القبيل مع العلم. وقيل لقول علي بن أبي طالب بعدما علم الأسود الاسم والفعل وأبوابًا من العربية: "انح هذا النحو"١. أو لأن أبا الأسود لما وضع ما وضع في النحو وعرضه على "علي"، قال"علي" له: "ما أحسن هذا النحو الذي نحوت! ولذلك سمي النحو نحوًا"٢. ولكننا نجد "الجاحظ" يشير إلى وجود اللفظة في أيام "عمر"، إذ يقول: "وقال عمر ﵁: تعلموا النحو كما تعلَّمون السنن والفرائض"٣، ويشبه هذا الخبر خبرًا آخر نسب
стр. 5923
إليه أيضًا، فقد ذكروا أنه قال: "تعلموا إعراب القرآن تعلمون حفظه"١، وأنه قال: "تعلموا الفرائض والسنن واللحن، كما تعلمون القرآن"٢. ويظهر أن الكتاب قد صحفوا في خبر "عمر"، فخلطوا بين "اللَّحن" و"النحو"، وعلى تلك فإن بين اللفظين صلة. وإذا صح خبر "الجاحظ"، واعتبرنا لفظة "النحو" لفظة صحيحة غير محرفة، دلت على وجود هذه التسمية علمًا لهذا العلم في أيامه، وقبل أيامه، أي في أيام الجاهليين.
والجمهور من أهل الرواية أن النحو علمٌ ظهر في الإسلام. ظهر بظهور الحاجة الماسة إليه لضبط اللسان وصيانته من الخطأ، ولتعليم الأعاجم نمط الكلام بالعربية. ورجع أكثرهم مصدره وأساسه إلى الإمام "علي بن أبي طالب"، ويقولون إن أبا الأسود الدؤلي "٦٩هـ" أخذ هذا العلم عنه. وأن الإمام ألقى عليه شيئًا من أصول النحو. فاستأذن التلميذ أستاذه أن يصنع نحو ما صنع، فأذن له به، فسمى ذلك نحوًا ٣. وذكر بعضهم أن الإمام دفع إلى أبي الأسود رقعة مكتوبًا فيها: "الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبئ به، والحرف ما أفاد معنى. وأعلم أن الأسماء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، واسم لا ظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل الناس فيما ليس بظاهر ولا مضمر. ثم وضع أبو الأسود بابي العطف والنعت ثم بابي التعجب والاستفهام، إلى أن وصل إلى باب إن وأخواتها ما خلا "لكن" فلما عرضها على عليٍّ أمره بضم "لكن" إليها، وكلما وضع بابًا من أبواب النحو عرضه عليه"٤. وذكر بعض آخر أن أول من أسس العربية وفتح بابها، وأنهج سبيلها، ووضع قياسها، أبو الأسود الدؤلي، وضع العربية "حين اضطرب كلام العرب فغلبت السليقة، فكان سراة الناس يلحنون، فوضع باب الفاعل والمفعول والمضاف وحروف الجر والرفع والنصب،
стр. 5924
والْجَزْم"١. وقال ابن قتيبة: "وهو أول من وضع العربية"٢. وذكر ابن حجر، أنه أول من وضع العربية ونقط المصاحف٣. وروى ابن النديم أن أربع أوراق، وجدت فيها كلام في الفاعل والمفعول من أبي الأسود الدؤلي، وكانت بخط يحيى بن يعمر، وتحت هذا خط علان النحوي، وتحته هذا خط النضر بن شميل٤. ففي هذه الأوراق دلالة على أن هذه الأوراق من كلام أبي الأسود، وأنه كان صاحب علم النحو.
وروى ابن النديم رواية أخرى، ذكر فيها أن الطبري قال: "إنما سمي النحو نحوًا لأن أبا الأسود الدؤلي قال لعلي ﵇ وقد ألقى عليه شيئًا من أصول النحو. قال أبو الأسود: واستأذنته أن أصنع نحو ما صنع، فسمي ذلك نحوًا. وقد اختلف الناس في السبب الذي دعا أبا الأسود إلى ما رسمه من النحو، فقال أبو عبيدة أخذ النحو عن علي بن أبي طالب أبو الأسود، وكان لا يخرج شيئًا أخذه عن علي -كرم الله وجهه- إلى أحد، حتى بعث إليه زياد أن اعمل شيئًا يكون للناس إمامًا ويعرف به كتاب الله، فاستعفاه من ذلك حتى سمع أبو الأسود قارئًا يقرأ: "أنَّ اللهَ بريءٌ من المشركين ورسولِه" بالكسر، فقال: ما ظننت أن أمر الناس آل إلى هذا فرجع إلى زياد، فقال: افعل ما أمر به الأمير فليبغني كاتبًا لقنًا يفعل ما أقول، فأتى بكاتب من عبد القيس فلم يرضه فأتى بآخر. قال أبو العباس المبرد أحسبه منهم، فقال أبو الأسود: إذا رأيتني قد فتحت فِيَّ بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه، وإن ضممت فِيَّ فانقط نقطة بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت الحرف. فهذا نقط أبي الأسود. قال أبو سعيد ﵁ ويقال: إن السبب في ذلك أيضًا أنه مر بأبي الأسود سعد، وكان رجلا فارسيًّا من أهل زندخان، كان قدم البصرة مع جماعة من أهله فدنوا من قدامة بن مظعون وادَّعوا أنهم أسلموا على يديه، وأنهم بذلك من مواليه. فمر سعد هذا بأبي الأسود وهو يقود فرسه. قال: مالك يا سعد لم لا تركب؟ قال: إن فرسي ضالع أراد
стр. 5925
ظالعًا. قال فضحك به بعض من حضره. فقال أبو الأسود هؤلاء الموالي قد رغبوا في الإسلام ودخلوا فيه فصاروا لنا إخوة، فلو عملنا لهم الكلام. فوضع باب الفاعل والمفعول"١.
"وقيل لأبي الأسود: من أين لك هذا العلم؟ -يعنون النحو- فقال: لقنت حدوده من علي بن أبي طالب –﵇ وكان أبو الأسود من القراء، قرأ على أمير المؤمنين ﵇"٢.
وتذكر رواية أخرى، أن أبا الأسود دخل على "علي" فوجده مطرقًا مفكرًا، فسأله عن سبب ما به، فذكر له أمر اللَّحن وما فشا من الخطأ في ألسنة الناس، وأنه يريد أن يصنع كتابًا في أصول العربية، فانصرف عنه، وهو مغموم، ثم عاد إليه بعد أمد، فألقى الإمام عليه رقعة كتب فيها: "الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبئ به، والحرف ما أفاد معنى"، ثم أمره أن ينحو نحوه، وأن يزيد عليه، فجمع أبو الأسود أشياء وعرضها عليه، فكان من ذلك حروف النصب، فذكر منها: إن، وأن، وليت، ولعل، وكأن، ولم يذكر لكن، فأشار الإمام عليه بإدخالها عليها٣.
وذكر "ابن الأنباري ٥٧٧هـ"، "أن من وضع علم العربية، وأسس قواعده، وحدَّد حدوده، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وأخذ عنه أبو الأسود. "وسبب وضع علي ﵁ لهذا العلم، ما روى أبو الأسود، قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ فوجدت في يده رقعة، فقلت: ما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني تأملت كلام الناس فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء -يعني الأعاجم- فأردت أن أضع لهم شيئًا يرجعون إليه، ويعتمدون عليه، ثم ألقى إلي الرقعة، وفيها
стр. 5926
مكتوب: الكلام كله اسم، وفعل، وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبئ به، والحرف ما جاء لمعنى. وقال لي: أُنْحُ هذا النحو، وأضف إليه ما وقع إليك، وأعلم يا أبا الأسود أن الأسماء ثلاثة: ظاهر ومضمر واسم لا ظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل الناس يا أبا الأسود فيما ليس بظاهر ولا مضمر، وأراد بذلك الاسم المبهم.
قال أبو الأسود: فكان ما وقع إلي: إن وإخوانها ما خلا لكن فلما عرضتها على علي ﵁ قال لي: وأين لكن؟ فقال ما حسبتها منها، فقال: هي منها فألحقها، ثم قال: ما أحسن هذا النحو الذي نحوت، فلذلك سمي النحو نحوًا؟ ١.
وتذكر رواية أن أبا الأسود وضع بابي العطف والنعت، ثم بابي التعجب والاستفهام؛ إلى أن وصل إلى باب إن وإخواتها٢.
وهناك رواية تنسب إلى الأصمعي تذكر أنه قال: "سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: جاء أعرابي إلى علي ﵇ فقال، السلام عليك يا أمير المؤمنين، كيف تقرأ هذه الحروف؟ "لا يأكله إلا الخاطون" كلنا والله يخطو، قال: فتبسم أمير المؤمنين ﵇، وقال: يا أعرابي: ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُون﴾ . قال: صدقت والله يا أمير المؤمنين، ما كان الله ليظلم عباده، ثم التفت أمير المؤمنين إلى أبي الأسود الدؤلي، فقال: إن الأعاجم قد دخلت في الدين كافة فضع للناس شيئًا يستدلون به على صلاح ألسنتهم، ورسم له الرفع والنصب والخفض"٣.
وروي من حديث علي ﵁ مع الأعرابي الذي أقرأه المقرئ: "إن الله برئ من المشركين ورسوله" حتى قال الأعرابي: برئت من رسول
стр. 5927
الله، فأنكر ذلك علي ﵇ ورسم لأبي الأسود من عمل النحو ما رسمه ما لا يجهل موضعه"١.
ونجد رواية أخرى تذكر أن أبا الأسود كان أول من وضع العربية، وأول من أملى في الفاعل والمفعول به، والمضاف، والنصب، والرفع، والجر، والجزم، وكان قد أخذ العلم من "علي بن أبي طالب". وحدث أن ابنته لحنت في فعل التعجب، فقالت لأبيها وكان اليوم حارًّا شديد الحر: "ما أشد الحرُّ"، وكانت تقصد "ما أشد الحرَّ"، أي على باب التعجب. فلما علم أبو الأسود بخطئها، نبهها إلى موضع الخطأ. ثم ذهب إلى "زياد" والي البصرة، وطلب منه السماح بوضع علم النحو، فلم يسمح له. ولما أخطأ رجل أمام زياد كبر عليه ذلك فوضع أبو الأسود قواعد النحو فأخذ عنه "الليثي" هذا العلم ووسعه، ثم وسع "عيسى بن عمر" في كتابيه الجامع والمكمل٢.
ورويت قصة وضع النحو بشكل آخر، روي أيضًا أن زياد بن أبيه بعث إلى أبي الأسود، وقال له: يا أبا الأسود، إن هذه الحمراء قد كثرت وأفسدت من ألسن العرب، فلو وضعت شيئًا يصلح به الناس كلامهم، ويعرب به كتاب الله تعالى! فأبى أبو الأسود، وكره إجابة زياد إلى ما سأل، فوجَّه زياد رجلا وقال له: اقعد على طريق أبي الأسود، فإذا مر بك، فاقرأ شيئًا من القرآن، وتعمد اللحن فيه. فقعد الرجل على طريق أبي الأسود، فلما مر به رفع صوته فقرأ: "أنَّ اللهَ بريءٌ من المشركين ورسولِهِ" بالجر، فاستعظم أبو الأسود ذلك، وقال: عز وجهُ الله أن يبرأ من رسوله! ورجع من حاله إلى زياد، وقال: يا هذا، قد أجبتك إلى ما سألت، ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن، فابعث إلي ثلاثين رجلا، فأحضرهم زياد، فاختار منهم أبو الأسود عشرة، ثم لم يزل يختارهم حتى اختار منهم رجلا من عبد القيس، فقال:
стр. 5928
خذ المصحف وصبغًا يخالف لون المداد، فإذا فتحت شفتي فانقط واحدة فوق الحرف، وإذا ضممتهما فاجعل النقطة إلى جانب الحرف. وإذا كسرتهما فاجعل النقطة في أسفله، فإذا أتبعت شيئًا من هذه الحركات غنة فانقط نقطتين"١.
"وقيل: إنه دخل إلى منزله، فقالت له بعض بناته: ما أحسن السماءُ! قال: أي بنية نجومها، فقالت: إني لم أرد أي شيء منها أحسن؟ وإنما تعجبت من حسنها، فقال: إذًا فقولي ما أحسن السماءَ! فحينئذ وضع كتابًا"٢. و"قيل: وأتى أبو الأسود عبد الله بن عباس، فقال: إني أرى ألسنة العرب قد فسدت؛ فأردت أن أضع شيئًا لهم يقومون به ألسنتهم. قال: لعلك تريد النحو؛ أما إنه حق، واستعن بسورة يوسف"٣. و"قال أبو حرب بن أبي الأسود: أول باب رسم أبي من النحو باب التعجب. وقيل: أول باب رسم باب الفاعل والمفعول، والمضاف، وحروف الرفع والنصب والجر والجزم"٤.
"ومن الرواة من يقول: إن أبا الاسود هو أول من استنبط النحو، واستخرجه من العدم إلى الوجود، وأنه رأى بخطه ما استخرجه، ولم يعزه إلى أحد قبله"٥. وكان"أول من أسس العربية وفتح بابها وأنهج سبيلها ووضع قياسها"٦. وروي عن أبي سلمة موسى بن إسماعيل عن أبيه، قال: "كان أبو الأسود أول من وضع النحو بالبصرة"٧.
وتذكر رواية أن أبا الأسود الدؤلي إنما وضع النحو بأمر من الخليفة "عمر"، روت أن أعرابيًّا قدم المدينة في خلافته، فقال: "من يقرئني شيئًا مما أنزل الله على محمد ﷺ ؟ فأقرأه رجل سورة براءة فقال: "أن الله بريء من المشركين ورسوله" بالجر، فقال الأعرابي: أو قد برئ الله من رسوله! إن يكن الله بريء من رسوله فأنا أبرأ منه! فبلغ عمر ﵁ مقالة الأعرابي، فدعاه فقال: يا أعرابي: أتبرأ من رسول الله!
стр. 5929
فقال: يا أمير المؤمنين، إني قدمت المدينة، ولا علم لي بالقرآن، فسألت من يقرأني، فأقرأني هذا سورة براءة، فقال: "إن الله بريء من المشركين ورسولِهِ"، فقلت: أو قد برئ الله تعالى من رسوله! إن يكن برئ من رسوله، فأنا أبرأ منه. فقال له عمر ﵁: ليس هكذا يا أعرابي، فقال: كيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ، فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ ممن برئ الله ورسوله منه. فأمر عمر ﵁ ألا يقرئ القرآن إلا عالم باللغة، وأمر أبا الأسود أن يضع النحو"١.
وذكر أن عمر بن الخطاب كتب إلى "أبي موسى" الأشعري، كتابًا فيه: "أما بعد: فتفقهوا في الدين وتعلموا السنة، وتفهموا العربية، وتعلموا طعن الدرية، وأحسنوا عبارة الرؤيا، وليعلم أبو الأسود أهل البصرة الإعراب"٢.
ويفهم من هذا الكتاب، أن أبا الأسود كان على علم بالنحو وبالإعراب قبل أيام "علي"، ولهذا طلب الخليفة من عامله أن يكلف أبا الأسود بتعليم أهل البصرة الإعراب.
ويظهر من الرواية التي ذكرتها عن التقاء أبي الأسود بعبد الله بن عباس، وقوله له: أني أرى ألسنة العرب قد فسدت، فأردت أن أضع شيئًا لهم يقومون به ألسنتهم، ومن رد عبد الله بن عباس عليه بقوله له: "لعلك تريد النحو"٣، إن ابن عباس، كان على علم بالنحو، ودليل على ذلك نصه على اسمه، مما يدل على أنه كان معروفًا. وذكل إن جاز لنا التصديق بصحة هذه الروية، التي أرى أنها من المصنوعات.
وكان أبو الأسود مثل غيره من العرب الفصحاء يكره اللحن واللحانين. روي عنه أنه ذكر اللحن، فقال: "إني لأجد للحن غمزًا كغمز اللحم"٤.
ولأبي الحسن أحمد بن فارس المتوفى سنة ٣٩٥ للهجرة، وهو كما نعلم من مشاهير علماء اللغة، رأي طريف في منشأ هذا العلم خلاصته: أن أبا الأسود كان
стр. 5930
أول من وضع العربية، لكن هذا العلم قد كان قديمًا، وأتت عليه الأيام، وقلَّ في أيدي الناس، ثم جدده هذا الإمام١. فأبو الأسود الدؤلي هو مجدد هذا العلم وباعثه، وليس موجده ومخترعه.
فنحن إذن أمام رأي جديد، رأي يرجع علم العربية إلى ما قبل الإسلام وكفى لكنه لم يفصل ولم يشرح ولم يتعرض لموضوع متى كان ظهور هذا العلم في القديم وكيف وجد وهل كان للألسنة الأعجمية كاليونانية أو السريانية أثر في ظهوره ونشوئه؟ ثم إنه لم يتعرض للأسباب التي جعلت الأيام تأتي عليه حتى قل في أيدي الناس، إلى أن ظهر أبو الأسود فأعاده إلى الوجود، ولم يذكر كيف عثر أبو الأسود على هذا العلم ومن لقنه به حتى بعثه وجدده؟
تعرض "ابن فارس" لبحث منشأ علم النحو في أثناء كلامه على الخط العربي فقال: "وزعم قوم أن العرب العاربة لم تعرف هذه الحروف بأسمائها، وأنهم لم يعرفوا نحوًا ولا إعرابًا ولا رفعًا ولا نصبًا ولا همزًا"٢. وهو يرى أن رأيهم باطل، وأن بين العرب من كان يقرأ كما كان بينهم من كان أميًّا، وجاء بأمثلة في تفنيد دعواهم، ثم خلص إلى هذه النتيجة: "فإذا لم نزعم أن العرب كلها -مدرًا ووبرًا- قد عرفوا الكتابة كلها والحروف أجمعها. وما العرب في قديم الزمان إلا كنحن اليوم، فما كل يعرف الكتابة والخط والقراءة"٣. ثم قال: "والذي نقوله في الحروف، هو قولنا في الإعراب والعروض والدليل على صحة هذا وأن القوم قد تداولوا الإعراب أنا نستقرئ قصيدة الحطيئة التي أوَّلها:
شاقتك أظعان لليلى ... دون ناظرة بواكر
فنجد قوافيها كلها عند الترنم والإعراب تجيء مرفوعة، ولولا علم الحطيئة بذلك لأشبه أن يختلف إعرابها، لأن تساويها في حركة واحدة اتفاقًا من غير قصد لا يكاد يكون.
فإن قال قائل: فقد تواترت الروايات بأن أبا الأسود أول من وضع العربية،
стр. 5931
وأن الخليل أول من تكلم في العروض، قيل له: نحن لا ننكر ذلك، بل نقول: إن هذين العلمين قد كانا قديْمًا وأتت عليهما الأيام وقلَّا في أيدي الناس، ثم جددهما هذان الإمامان. وقد تقدم دليلنا في معنى الإعراب١.
وقال "ابن فارس": "ومن الدليل على عرفان القدماء من الصحابة وغيرهم العربية كتابتهم المصحف على الذي يعلله النحويون في ذوات الواو والياء، والهمزة، والمد، والقصر، فكتبوا ذوات الياء بالياء وذوات الواو بالواو، ولم يصوروا الهمزة إذا كان ما قبلها ساكنًا في مثل: الخبء، والدفء، والملء"٢.
وقد استخدم ابن عباس لفظة "العربية" في معنى: الإعراب، وذكر لفظة "النحو" قبل كلمة: "الإعراب"، حيث قال كما ذكرت ذلك قبل قليل: "وإنهم لم يعرفوا نحوًا ولا إعرابًا ولا رفعًا ولا نصبًا ولا همزًا". وذكر غيره أيضًا أن أبا الأسود "أول من وضع العربية"، و"أول من نقط المصحف ووضع العربية"٣. وقد استنتج المرحوم أحمد أمين من ذلك الاستعمال أنهم يعنون بالعربية هذه العلامات التي تدل على الرفع والنصب والجر والجزم والضم والفتح والكسر والسكون والتي استعملها أبو الأسود في المصحف، وأن هذه الأمور لما توسع العلماء فيها بعد وسموا كلامهم "نحوًا" سحبوا اسم النحو على ما كان قبل من أبي الأسود وقالوا: إنه واضع النحو للشبه في الأساس بين ما صنع وما صنعوا، وربما لم يكن هو يعرف اسم النحو بتاتًا"٤. ففرق "أحمد أمين" بين "العربية" و"النحو" وجعل للعربية سابقة على علم النحو، وجعل النحو وليدًا ولد من العربية. وهو رأي لا يتفق مع رأي "ابن فارس"، الذي نص على النحو بذكر اسمه، كما نص على الإعراب من بعده.
هذا هو المشهور المعروف المتداول بين أكثر الناس عن منشأ علم النحو. وقد تعرض "ابن النديم" لهذا الموضوع فقال: "قال محمد بن إسحاق: زعم أكثر العلماء أن النحو أخذ عن أبي الأسود الدؤلي، وأن أبا الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ ثم روى روايات أخرى،
стр. 5932
تذكر أن غيره قام برسم النحو، إذ قال: "وقال آخرون رسم النحو نصر بن عاصم الدؤلي، ويقال الليثي. قرأت بخط أبي عبد الله بن مقلة عن ثعلب، أنه قال: روى ابن أبي لهيعة عن أبي النضر، قال: كان عبد الرحمن بن هرمز أول من وضع العربية، وكان أعلم الناس بأنساب قريش وأخبارها وأحد القراء"١.
وقد رد "ابن الأنباري" على من ذهب إلى أن علم النحو من صنع رجل آخر غير "أبي الأسود"، إذ قال: فأما زعم من زعم أن أول من وضع النحو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ونصر بن عاصم فليس بصحيح، لأن عبد الرحمن بن هرمز، أخذ النحو عن أبي الأسود، وكذلك أيضًا نصر بن عاصم أخذه عن أبي الأسود، ويقال عن ميمون الأقرن"٢. وكان قد ذكر ما ورد في الأخبار من قيام أبي الأسود به، ثم رجحها على غيرها بقوله: "والصحيح أن أول من وضع النحو علي بن أبي طالب ﵁ لأن الروايات كلها تسند إلى أبي الأسود، وأبو الأسود يسند إلى علي بن أبي طالب ﵁ فإنه روي عن أبي الأسود أنه سئل فقيل له: من أين لك هذا النحو؟ فقال: لفقت حدوده من علي بن أبي طالب ﵁"٣.
ويلاحظ أن الذين رجعوا سبب وضع النحو إلى الخطأ في قراءة الآية: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ٤، قد اختلفوا فيما بينهم في العهد الذي لحن فيه قارئ الآية في قراءتها، فمنهم من جعله في عهد عمر ٥، ومنهم من صيره في عهد علي٦، ومنهم من رجعه إلى أيام "زياد بن أبيه"، فأنت أمام رواية واحدة، لكنك تراها وقد نسبت إلى ثلاثة عهود، ومثل هذا الاختلاف أمر غير غريب بالنسبة إلى مراجعي الموارد الإسلامية، إذ نجد فيها أمثلة كثيرة من أمثاله، ويظهر أن الرواة تلاعبوا في الخبر، فنسبه كل واحد منهم إلى عهد لغاية أرادها، من هذا التحريف والتغيير.
стр. 5933
وقد رجح "أحمد أمين" نسبة النحو إلى أبي الأسود، إذ يقول: "ويظهر لي أن نسبة النحو إلى أبي الأسود لها أساس صحيح، وذلك أن الرواة يكادون يتفقون على أن أبا الأسود قام بعمل من هذا النمط، وأنه ابتكر شكل المصحف. وواضح أن هذه خُطوة أولية في سبيل النحو تتمشى مع قانون النشوء، وممكن أن تأتي من أبي الأسود، وواضح كذلك أن هذا يلفت النظر إلى النحو. وعلى هذا فمن قال إن أبا الأسود وضع النحو، فقد كان يقصد شيئًا من هذا، وهو أنه وضع الأساس بضبط المصحف حتى لا تكون فتحة موضع كسرة، ولا ضمة موضع فتحة، فجاء بعد من أراد أن يفهم النحو على المعنى الدقيق، فاخترع تقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، والاسم إلى ظاهر ومضمر، وغير ظاهر ولا مضمر، وباب التعجب وباب إن"١.
وقال: "فالذي يظهر أنهم يعنون بالعربية هذه العلامات التي تدل على الرفع والنصب والجر والجزم والضم والفتح والكسر والسكون والتي استعملها أبو الأسود في المصحف، وإن هذه الأمور لما توسع العلماء فيها بعد وسموا كلامهم نحوًا سحبوا اسم النحو على ما كان قبل من أبي الأسود، وقالوا: إنه واضع النحو للشبه في الأساس بين ما صنع وما صنعوا، وربما لم يكن هو يعرف اسم النحو بتاتًا. فالظاهر أن عمله كان في أول الأمر ساذجًا بسيطًا، وهو وضع علامات الرفع والنصب وما إليهما ولم يزد على ذلك، فلما سمى العلماء بعدُ بعضَ ضروب الرفع فاعلا وبعض ضروب النصب مفعولا قالوا: إن أبا الأسود وضع باب الفاعل والمفعول، وإن كان أبو الأسود نفسه لم يعرف فاعلا ولا مفعولا، بل ربما لم يعرف أيضًا رفعًا ولا نصبًا، فإنهم يروون أنه٨ قال لكاتبه: إذا رأيتني قد فتحت فِيَّ بالحرف فانقط نقطة فوقه، وإن ضممت في فانقط بين يدي الحرف، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت. وهو تعبير ساذج يتفق وزمن أبي الأسود"٢.
ولإبراهيم مصطفى، رأي قريب من رأي "أحمد أمين". فهو يرى أن المصطلحات والقواعد التي ذكر أن أبا الأسود وضعها بأمر "علي" لا يمكن
стр. 5934
أن تتفق وزمنه، لأن المصطلحات النحوية إنما ظهرت في وقت متأخر، ويذكر أن الآراء النحْوية، لم تظهر أيضًا في عهده، بدليل أننا لا نجد في كتاب سيبويه ولا في كتب النحو الأخرى رأيًا له. ويستنتج من ذلك أن عمل أبي الأسود كان وضع الإعراب وضبط المصحف١.
وقد درس المستشرقون موضوع نشأة علم النحو وأصله، فمنهم من قال إنه نقل من اليونان إلى بلاد العرب، وقال آخرون برأي علماء العربية، من أنه عربي الأصل والنجار، وقد نبت كما تنبت الشجرة في أرضها. وتوسط آخرون، فقالوا: إنه كان من إبداع العرب، ولكن لما تعلم العرب الفلسفة اليونانية من السريان في بلاد العراق، وتعلموا أيضًا شيئًا من النحو، وهو النحو الذي كتبه "أرسطوطاليس"، وبرهان هذا أن تقسيم الكلمة مختلف، قال "سيبويه": "فالكلم اسم وفعل وحرف جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل"، وهذا تقسيم أصلي، أما الفلسفة فيقسم فيها الكلام إلى اسم وكلمة ورباط، أي الاسم هو الاسم، والكلمة هي الفعل، كما يقال له في اللغات الأوروبية VERB، والرباط هو الحرف، كما يقال له في اللغة الأوروبية conjunction أي ارتباط، وهذه الكلمات اسم وفعل ورباط، ترجمت من اليوناني إلى السرياني، ومن السرياني إلى العربي، فسميت هكذا في كتب الفلسفة لا في كتب النحو، أما كلمات اسم وفعل وحرف فإنها اصطلاحات عربية ما ترجمت ولا نقلت٢.
ثم أن "القياس" هو من أهم الأسس والأصول في المنطق اليوناني، وحيث إنه كان من أهم أدوات علماء النحو في تفريع علم النحو، حتى صار من مميزات مدرسة البصرة، والبصرة غير بعيدة عن "جنديسابور" وعن مدارس نصرانية، كان فيها علماء يدرسون علوم اليونان، ومنها المنطق والنحو، فلا يستبعد تأثر أبي الأسود الدؤلي ومن جاء بعده بهذه الدراسات، ودليل ذلك، هو ظهور هذا العلم في البصرة دون سائر المدن الأخرى، ومنها مدن الحجاز مهد الإسلام.
ويرى "فون كريمر" أن ما يقال من أن ظهور اللحن، كان السبب
стр. 5935
وضع النحو، دعوى لا يعوَّل عليها، ولا أساس لها، وإنما هو وليد الحاجة التي أحس بها الأعاجم من آراميين وفرس، لتعلم العربية، وللتكلم بها على وجه صحيح١.
وقد ألف بعض المستشرقين بحوثًا في موضوع النحو العربي ومدارسه، منهم المستشرق "فلوكل"٢، و"هول"٣، و"رايت"٤، وغيرهم، وقد تطرقوا فيها إلى قواعد العربية وآراء علمائها فيها.
وقد ذهب بعض المحدثين مذهب المستشرقين القائلين بتأثر النحو العربي بالنحو اليوناني، وذلك لأمور، منها: أن تقسيم الكلم المألوف المتبع في النحو، هو تقسيم يوناني، واعتبار القياس أصلا من أصول النحو، ووجود مدارس سريانية كانت تدرس علوم النحو في مدارسها عند ظهور الإسلام، ووجود يونان وأديرة في العراق، فهذه الأسباب وأشباهها تحمل الإنسان على القول إن النحو العربي قد تأثر بالنحو اليوناني وبمنطق أرسطو خاصة، ولا سيما وأن النحو قد ظهر في العراق، وهو ملتقى الحضارات. وقد تأثر خاصة في عهد "الخليل بن أحمد" الذي كانت له صلات وثيقة مع العلماء السريان، مثل حنين بن إسحاق وأضرابه، حتى ذهب بعض الباحثين إلى وقوف الخليل على اللغة اليونانية.
وقد ذهب "مصطفى نظيف" إلى أن يعقوب الرهاوي، كان من معاصري أبي الأسود الدؤلي، وكان من تلامذة سويرس سيبخت، ومن البارعين في الفلسفة والنحو والتأريخ، ومن المؤلفين في النحو السُّرياني، ومن الذين أدخلوا التنقيط والحركات. وكان في البصرة، والبصرة ملتقى الثقافة، وحولها أديرة ومدارس، وهي غير بعيدة عن "جندبابور"، فلا يستبعد إذن تأثر أبي الأسود بهذه التيارات اليونانية التي كانت هناك٥.
стр. 5936
وأنا على رأي ابن فارس القائل إن الإعراب كان قديمًا عند العرب، قدم معرفتهم بالحروف، وإن علم العربية كان قديمًا، ثم جدده أبو الأسود الدؤلي على نحو ما حكيته من قوله في ذلك قبل قليل١. وعندي أن علم "العربية" كان معروفًا في العراق، وأنه كان يدرس في مدارس الحيرة وعين التمر والأنبار وربما في مواضع أخرى، كان غالبية سكانها من العرب النصارى، كان يدرسه لهم رجال الدين، الذين كانوا يتقنون الإرمية، وكانوا قد أخذوا علومهم في النحو من اليونان، بتأثير النصرانية ودراسة الأناجيل والكتب الدينية المؤلفة باليونانية. ولما كان أهل المواضع المذكورة من العرب، فلا يستبعد ظهور جماعة من رجال الدين النصارى العرب، اتخذت من مبادئ النحو التي وضعت للسريانية والمنقولة عن اليونانية، قواعد لضبط العربية بموجبها، كما ضبطوا الكتابة بها بالأبجدية التي صارت الأبجدية التي انتشرت بين أهل مكة ويثرب وأماكن أخرى. وبين هذه الأبجدية وبين العربية، من حيث هي قواعد صلة متينة. فلا يستبعد قيام رجال الدين بتعليم العربية والخط للعرب، لأنهم كانوا يقومون بالتبشير، وكان من مصلحتهم نشر الكتابة بين من يبشرون بينهم، وتعليمهم أصول اللغة، ليكون في وسع من يعتنق النصرانية تثقيف المشركين، وكانت هذه طريقتهم في التبشير في المواضع الأخرى من العالم.
وأنا لا استبعد احتمال وقوف علي بن أبي طالب، أو أبو الأسود الدؤلي على تقسيم الكلم إلى اسم وفعل وحرف. وقفًا عليه باتصالهم بالحيرة أو بعلماء من أهل العراق كانوا على علم النحو وعلوم اللغة في ذلك العهد، وقد كان ذلك في الأسس والمبادئ، فلما جاء الإسلام، وأخذ المسلمون علم العربية عن المتقدمين، زادوا فيه وفرَّعوا واستقصوا وقاسوا، وأخذوا من كلام العرب ومن الشعر، حتى تضخم النحو فبرز على الصورة التي نجدها في "كتاب" سيبويه وفي الكتب التي وضعت بعده.
ومما يؤسف له كثيرًا أن المؤرخين اليونان واللَّاتين والسُّريان لم يذكروا أي شيء عن علوم العربية عند العرب، وفي ضمنهم المؤرخون الذي أرَّخوا تأريخ الكنيسة والنصرانية، بسبب أنهم لم يكونوا يحفلون كثيرًا بأمور العرب، وأكثر ما ذكروه
стр. 5937
عنهم إنما تناول الغزوات التي كانت تقوم بها القبائل على حدود الإمبراطوريتين، فأضاعوا علينا بذلك فوائد كبيرة، كان يمكن الاستفادة منها في تديون تأريخ ظهور الكتابة وعلوم العربية عند العرب. أما الموارد الإسلامية، فقد رأينا رأيها في أول ظهور النحو، وقد رأينا حاصل روايات مضطربة، يكتنفها غموض، ثم هي عاجزة في النهاية عن بيان كيفية توصل الإمام "علي" أو أبي الأسود إلى استنباط هذا التقسيم الثلاثي للكلم، ثم البحث في "العطف" و"النعت" والتعجب والاستفهام، وباب إن وأخواتها، والفاعل والمفعول، ونحو ذلك من قواعد، لا يمكن لإنسان استنباطها بمفرده من غير علم سابق له بقواعد اللغات، مهما أوتي ذلك الإنسان من ذكاء خارق وقوة إبداع!
وأنا لا أستطيع أن أتصور أن إنسان يستطيع أن يجلس بمفرده ثم يجيل النظر في محيط اللغة التي تكلَّم بها قومه، وهو غير مسلح بعلم سابق باللغات ولا بمعرفة مسبقة بقواعدها. ثم تنثال عليه المعرفة ويستخرج منها بنفسه القواعد المذكورة، ثم يضع لأبوابها تلك الأسماء التي لا يمكن لأحد وضعها إلا إذا كان ذا علم بقواعد اللغات عند الأمم الأخرى، لأنها مصطلحات علمية منطقية، لا يمكن أن تخرج من فم رجل لا علم له بمصطلحات علوم اللغة والمنطق، ولأنها ليست من الألفاظ الاصطلاحية البسيطة التي يمكن أن يستخرجها الإنسان من اللغة بكل سهولة وبساطة حتى نقول إنها حاصل ذكاء وعقل متقد. وكيف يعقل أن يتوصل رجل إلى استنباط أن الكلمة إما اسم، أو فعل، أو حرف، ثم يقوم بحصرها هذا الحصر الذي لم يتغير ولم يتبدل حتى اليوم، بمجرد إجالة نظر وإعمال فكر من دون إن يكون له علم بهذا التقسيم الذي تعود جذوره إلى ما قبل الميلاد، ثم كيف يتوصل إلى إدراك القواعد المعقدة الأخرى التي لم يبتدعها إنسان واحد، وإنما هي من وضع أجيال وأجيال، إذا لم يكن له علم بفلسفة الفعل وعمل الفاعل وما يقع منه الفعل على المفعول، وكذلك الأبواب المذكورة التي لا يمكن أن يتوصل إليها عقل إنسان واحد أبدًا.
لقد كان للبابليين ولغيرهم من أهل العراق علم باللغات، وكان لهم أساس في النحو وفي دراسة اللغة، كما كان لليونان ولغيرهم علم بالمنطق والنحو واللغات، وصل إلى العراقيين قبل النصرانية وبعدها، بطرق لا مجال للتحدث عنها في هذا المكان. وبقي هذا العلم العراقي اليوناني إلى الإسلام، ومنه جاء في نظري علم
стр. 5938
النحو وعلوم العربية، وبسببه صار العراق القطر الإسلامي الأول الذي نبت فيه علم العربيات والنحو، لا بسبب لحن وقع من أعاجم أو من أعراب جهلاء، ولا بسبب تلك القصص التي ساقوها في أسباب اختراع النحو، وإنما بسبب وجود علم سابق في العربية عند أهل الحيرة والأنبار والقرى العربية الأخرى، وبسبب ظهور الحاجة إليه، لتعليم العرب وغيرهم أصول لغتهم وكيفية صيانة اللسان من الوقوع في الخطأ، فكان ما كان من وقوف علي أو أبي الأسود وهما من أصحاب الذكاء الخارق والتعطش إلى البحث والاستقصاء، فأخذا به، وتوسع من جاء بعدهما في تفريعه وفي تثبيته في كتب، كملت وتمت بالتدريج، فهي من حاصل ذلك التراث العربي الجاهلي.
ولسابقة العراق هذه في الجاهلية بَزَّ سائر الأقطار الإسلامية في علوم العربية، حتى يثرب ومكة، وهما موطنا الإسلام ومهبطه، لم ينافساه فيها. قال السيوطي: "فأما مدينة الرسول ﷺ فلا نعلم بها إمامًا في العربية. قال الأصمعي: أقمت بالمدينة زمانًا ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة إلا مصحفة أو مصنوعة. وكان بها ابن دأب، يضع الشعر وأحاديث السمر، وكلامًا ينسبه إلى العرب، فسقط وذهب علمه، وخفيت روايته"١. "وممن كان بالمدينة أيضًا علي الملقب بالجمل، وضع كتابًا في النحو لم يكن شيئًا٢. وأما مكة، فكان بها رجل من الموالي يقال له: ابن قسطنطين، شدا شيئًا من النحو ووضع كتابًا لا يساوي شيئًا". وفي انفراد العراق، وتفوقه على غيره من الأمصار في هذه العلوم، دلالة على وجود البذور القديمة لها في هذه الأرض قبل الإسلام، فلما دخل العراق في الإسلام أينعت واتسعت، فكان ما كان من ظهورها فيه.
وقد تأثر النحاة والمناطقة في الإسلام بمنطق أرسطو. هذا الإمام الشافعي يشير إلى تأثير القوم بمنطقه، إذ قال: "ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب، وميلهم إلى لسان أرسطوطاليس"٣. وقد توفي الشافعي سنة "٢٠٤"
стр. 5939
للهجرة١، فلا بد من أن يكون ميل الناس إلى هذا المنطق قد كان هذا العهد. ولعله قصد بـ"لسان أرسطوطاليس" العلوم اللسانية التي كان قد برع بها اليونان. فتكلموا عن أقسام الكلمة وعن بناء التركيب القياسي وعن الموضوع والمحمول وأنواع الإعراب بحسب لغتهم وعن النعت والضمائر والأفعال وما إلى ذلك من قواعد.
وأبو الأسود الدؤلي، هو ظالم بن عمرو بن سفيان، أو "عمرو بن ظالم بن سفيان" أو "عويمر بن ظليم"، من أشياع علي بن أبي طالب ومن أصحابه. استعمله عمر وعثمان على البصرة، ثم استعمله علي عليها بعد ابن عباس. وقد ذكر أبو عبيدة، أنه كان كاتبًا لابن عباس على البصرة، وكان ابن عباس يكرم أبا الأسود لما كان عاملا بالبصرة لعلي ويقضي حوائجه. وقد اشترك مع علي في وقعة صفين. ويذكر أنه توفي في وباء سنة تسع وستين، وقيل مات بعد ذلك، توفي بالبصرة. قال عنه الجاحظ: "أبو الأسود الدؤلي، معدود في طبقات الناس، وهو فيها كلها مقدم، ومأثور عنه الفضل في جميعها. كان معدودًا في التابعين والفقهاء والمحدثين والشعراء والأشراف والفرسان والأمراء والدهاة والنحْويين، والحاضري الجواب، والشيعة، والبخلاء، والصلع الأشراف"٢. وله أجوبة مسكتة مع معاوية، ومع أشخاص آخرين أرادوا التحرش به٣"، تدل على بديهة وذكاء.
ولأبي الأسود الدؤلي شعر، وقد طبع شعره في ديوان، وقد استشهد به في شواهد اللغة والنحو، ونجد نتفًا منه في الكتب التي تعرضت لسيرته٤، وليس
стр. 5940
شعره على مستوى رفيع من الوجهة الفنية، ولا يتعرض للأحداث التأريخية التي وقعت في أيامه١.
وقد أخذ عن أبي الأسود جماعة من التلامذة، صاروا من مؤسسي علم النحو عند العرب، ومن مبوبيه ومصنفيه. منهم ابنه عطاء. وكان قد بعج العربية وبرز بها٢. ومنهم يحيى بن يعمر وهو من عدوان بن قيس، وكان عدده في بني ليث بن كنانة، ولقي ابن عباس وابن عمر، وروى عنه قتادة. ومنهم عنبسة بن معدان، المعروف بـ"عنبسة الفيل"، ويقال إن نصر بن عاصم أخذ عن أبي الأسود٣، وأخذ عن نصر "أبو عمرو بن العلاء" البصري، وأخذ عن أبي عمرو "الخليل بن أحمد"، وأخذ عن الخليل "سيبوبه"، وأخذ عن سيبويه "الأخفش"٤. وممن أخذ عن أبي الأسود: ميمون الأقرن، وعبد الرحمن بن هرمز ٥.
وفي رواية: أن الذي برع بعد أبي الأسود ميمون الأقرن، وبعد ميمون عنبسة الفيل، وبعده عبد الله بن أبي إسحاق، فقاس وأكثر، ثم برع بعده أبو عمرو بن العلاء، ولحقه الخليل بن أحمد، إلا أن نظر أبي عمرو أقدم من نظر الخليل.
ثم أتى الخليل في النحو بما لم يأت بمثله أحد قبله في تصحيح القياس، واللطافة والتصريف.
وكان يونس في عصر الخليل، وبقي بعده مدة طويلة، ويقال إن سيبويه مات قبل يونس.
وكان عيسى بن عمر في عهد أبي عمرو وعهد الخليل وكان بارعًا
أيضًا٦. وكان عنبسة الفيل، من أبرع أصحاب أبي الأسود الذين كانوا
стр. 5941
يتعلمون منه العربية١. وذكر أن الناس اختلفوا إليه بعد أبي الأسود، وكان من بينهم ميمون الأقرن الذي كان من أبرع أصحابه. وقد ذكرت رواية تنسب إلى أبي عبيدة اسم "ميمون الأقرن" قبل عنبسة٢.
وأما نصر بن عاصم الليثي ٨٩هـ، ٩٠هـ، فإنه كان فقيهًا عالِمًا بالعربية، فصيحًا قرأ القرآن على أبي الأسود، وقرأ أبو الأسود على "علي"، فكان أبو الأسود أستاذه في القراءة٣.
وابن أبي اسحاق الحضرمي، هو أبو بحر عبد الله بن أبي إسحاق ١١٧هـ، وكان قيمًا بالعربية والقراءة، شديد التجريد للقياس. ويقال إنه كان أشد تجريدًا للقياس من أبي عمرو بن العلاء، وكان أبو عمرو بن العلاء أوسع علمًا بكلام العرب ولغاتها وغريبها. ويقال إنه أول من علل النحو. وكان قد قرأ على يحيى بن يعمر، وعلى: نصر بن عاصم، وزعم أنه كان أول من بعج النحو ومد القياس والعلل٤.
وأما يحيى بن يعمر العدواني "١٢٩هـ"، فكان عالمًا بالعربية والحديث، لقي عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس وغيرهما من الصحابة. وكان يستعمل الغريب في كلامه٥. وقد لحق بخراسان، وكتب ليزيد بن المهلب، ألحقه بها الحجاج٦.
وكان عيسى بن عمر الثقفي "١٤٩هـ"، ثقة عالمًا بالعربية والنحو والقراءة، وصنف كتابين في النحو، يسمَّى أحدهما: الجامع، والآخر الإكمال، وقد ذكرهما الخليل بن أحمد بقوله:
стр. 5942
ذهب النحو جميعًا كله ... غير ما أحدث عيسى بن عمر
ذاك إكمال وهذا جامع ... فهما للناس شمس وقمر١
وبلغ النحو درجة كبيرة من التقدم، حين انتقلت الزعامة فيه إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي كان غاية في استخراج مسائل النحو وتصحيح القياس"٢. "فهو الذي بسط النحو ومد أطنابه وسبب علله، وفتق معانيه، وأوضح الحجاج فيه حتى بلغ أقصى حدوده. ثم لم يرض أن يولِّف فيه حرفًا ويرسم منه رسمًا. واكتفى في ذلك بما أوحى إلى سيبويه من علمه، ولقنه من دقائق نظره ونتائج فكره، ولطائف حكمته، فحمل سيبويه ذلك عنه وتقلده، وألف فيه الكتاب الذي أعجز من تقدم قبله، وامتنع على من تأخر بعده"٣، وقد كان علم الخليل، في جملة المنابع التي غرف منها سيبويه في كتابه: الكتاب. وقد ذكر سيبويه اسمه في "٤١٠" مواضع من كتابه، وأشار إلى آرائه دون أن يذكر اسمه في "١٧٤"، مكانًا آخر، وهو وأن لم يشر إلى اسمه، لكن العلماء ذكروا أنه قصده ٤.
وأورد سيبويه له في كتابه آراء أستاذه في إعراب آيات القرآن الكريم، وتأويلها، كما جاء له بشواهد من الشعر في شرح قواعد نحوية، منها أشعار نص على أسماء قائليها، مثل أمية بن أبي الصلت، وطرفة والنابغة والأعشى، وغيرهم. ومنها أشعار لشعراء محضرمين وإسلاميين، ومنها أشعار لم يذكر أسماء أصحابها٥.
ونعت بأنه "نحوي عروضي، استنبط من العروض وعلله ما لم يستخرجه أحد، ولم يسبقه إلى علمه سابق من العلماء كلهم. وقيل إنه دعا بمكة أن يرزق
стр. 5943
علمًا لم يسبق إليه أحد، ولا يؤخذ إلا عنه، فرجع من حجه، ففتح عليه بالعروض"١. وذكر أنه كان الغاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله، وكان أول من حصر أشعار العرب. دخل عليه ولده وهو يقطع العروض، فأخبروه بما قال ابنه، فقال له:
لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت تعلم ماتقول عذلتكا
لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذلتكا٣
ويظهر من دراسة كتاب سيبويه أن أثر الخليل عليه كان كبيرًا، لا يدانيه أثر أي عالم آخر عليه، وأن علم الخليل بالنحو، كان غزيرًا جدًّا، يؤيده استشهاد سيبويه بآرائه أكثر من استشهاده برأي أي عالم آخر من علماء هذا العلم، مثل أبي عمرو بن العلاء "١٥٤هـ"، وعيسى بن عمر الثقفي "١٤٩هـ"، ويونس بن حبيب "١٨٢هـ". ويظهر أن الخليل لم يدوِّن علمه بالنحو في رسائل أو كتب، وإنما كان يعلم من يقصده مشافهة٣، فكان تلامذته يسمعونه ويحملون العلم عنه، وذلك على طريقة أكثر العلماء في ذلك العهد.
وللخليل بعد، آراء خاصة في النحو، ونجد الخوارزمي يتكلم في الفصل الثاني من فصول النحو، بقوله: "في وجوه الإعراب وما يتبعها على ما يحكى عن الخليل بن أحمد"٤، مما يشير إلى وجود آراء خاصة له به، أشير إليها في كتب النحو، وربما وضعها بعضهم في مؤلفات خاصة بآرائه في النحو. ومن آرائه استعماله مصطلح الرفع في الاسم المضموم المنون، ومصطلح الخفض في الاسم المجرور المنون، والنصب في الاسم المفتوح المنون، على حين يسمي بقية الحركات
стр. 5944
العارية من التنوين في الأحوال والصيغ المختلفة بأسماء الحركات العامة، أي: الضم، والكسر، والفتح، كما أنه يسمَّى بالجر حركة الكسر التي تربط بين آخر الصيغة الفعلية وبين همزة الوصل. ولا يوجد عنده ما يدل على تأثير النظرية القائلة بأن اختلاف حركات الكلمات المتصرفة متوقف على العامل النحوي، إلا في التفرقة التي جعلها بين التوقيف، أي عدم الحركة في أواخر الحروف وما شاكلها، والجزم، أي سكون الفعل المجزوم١.
وكان سند علماء العربية ومنبعهم الذي أخذوا منه علمهم في وضع قواعد العربية كتاب الله والشعر وكلام العرب. ويكون كلام العرب، المنبع الأول الذي استمدا منه علمهم في اللغة وفي وضع القواعد، وهو ما أخذ عن القبائل والأفراد، ونجد للهجات أهل الحجاز وتميم أهمية كبرى في كتب الشواهد والقواعد٢. ونظرًا لاعتماد العلماء على هذا المورد أكثر من غيره، وقعوا في مشاكل، جعلتهم يتحايلون في حلها، ويرجعون إلى التأويل والتفسير، من ذلك ما وقعوا فيه من عدم تمكنهم من التوفيق بين القواعد التي وضعوها، وبين ما جاء في القرآن أو الشعر من أمور لا تنسجم مع هذه القواعد. وكل هذ الموارد المذكورة، هي موارد أخذ منها بالسماع، وهناك قواعد وضعها العلماء قياسًا على كلام العرب، استنبطوها بطريق القياس، والقياس من أهم الميزات التي ميزت البصرة على الكوفة في وضع قواعد اللغة.
والقياس ركن من ركنين مهمين، قام عليهما علم النحو. أما الركن الأول، فهو السماع. وللدور الخطير الذي قام به القياس في تكوين أصول وقواعد النحو، قال المستشرقون وغيرهم بتأثر النحو العربي بمنطق أرسطو وممن أخذ وعمل به في النحو عبد الله بن أبي إسحاق الخضرمي، قيل عنه: وكان شديد التجريد للقياس. ويقال إنه كان أشد تجريدًا للقياس من أبي عمرو بن العلاء"٣. وفرع النحو وقاسه٤، وكان أول من بَعَجَ النحو ومدَّ القياس والعلل٥.
стр. 5945
وكان الخليل بن أحمد رأس العاملين بالقياس في فتاوي النحو. كان قياسًا بارعًا فيه. قيل عنه: إنه سيد قومه، وكاشف قناع القياس في علمه١. وقد تأثر سيبويه بقياس الخليل، فاستعمله في تثبيت العربية. فتجد في كتابه جملا مثل: وللقياس كذا أو والقياس يأباه، وسألت الخليل عن قول العرب ما أميلحه، فقال: لم يكن ينبغي أن يكون في القياس لأن الفعل لا يحقر، وإنما تحقر الأسماء"٢.
وقد انقسم علماء اللغة والنحو إلى فئتين بالنسبة لاستعمال القياس في اللغة والنحو. ولكن الأغلبية معه، وقد وقع فعلا، وأثَّر في وضع القواعد أثرًا خطيرًا. فبه أوجد النحاة كليات القواعد. "قال ابن الأنباري: اعلم أن إنكار القياس في النحو لا يتحقق لأن النحو كله قياس، فمن أنكر القياس فقد أنكر النحو، ولا يعلم أحد من العلماء أنكره. وينسب إلى الكسائي أنه قال:
إنما النحو قياس يتبع ... وبه في كل أمر ينتفع٣
ولعلماء اللغة، كلام طويل في مدى جواز استعمال القياس، وفي حالة ورود السماع لأن اللغة في نظر بعض منهم سماع، فإذا كانت سماعًا، وجب الأخذ بالسماع، فإذا ورد السماع بطل القياس٤. وقد تحدث العلماء عنه. قال ابن فارس: "أجمع أهل الغة -إلا من شذ عنهم- أن للغة العرب قياسًا، وأن العرب تشتق بعض الكلام من بعض". غير أنه قال: "وليس لنا اليوم أن نخترع، ولا أن نقول غير ما قالوه، ولا أن نقيس قياسًا لم يقيسوه، لأن في ذلك فساد اللغة وبطلان حقائقها، ونكتة الباب أن اللغة لا تؤخذ قياسًا نقيسه الآن نحن"٥.
ولابن جني رأي في القياس. قال: "واعلم أنه إذا أدَّاك القياس إلى شيء ما، ثم سمعت العرب قد نطقت فيه بشيء آخر على قياس غيره، فدع ما كنت
стр. 5946
عليه ما هم عليه، فإن سمعت من آخر مثل ما أجزته، فأنت فيه مخير، تستعمل أيهما شئت، فإن صح عندك أن العرب لم تنطق بقياسك أنت كنت على ما أجمعوا عليه البتة وأعددت ما كان قياسك أداك إليه لشاعر مولد، أو لساجع، أو الضرورة، لأنه على قياس كلامهم"١.
والإجماع أن النحو لم يجمع ولم يرتب ترتيبًا علميًّا إلا في الإسلام، وإلا في أيام العباسيين، حيث أظهر علماء العربية نشاطًا عظيمًا في تتبع القواعد واستنباطها من المظان التي أشرت إليها. وقد استقر وثبت، بعد أخذٍ وردٍّ بين علمائه في المسائل الفرعية التي أثارت الاختلاف فيما بينهم، فكانت ردود وتخطئة بعض منهم لبعض، ثم استقر في كتب تمثل اليوم ثروة قيمة تقدر في هذه اللغة الواسعة الثرية بألفاظها وبقواعدها.
ولا بد في نظري لمن يريد فهم النحو العربي فهمًا صحيحًا واضحًا، من دراسة نحو اللغات الجاهلية من عربية جنوبية ومن ثمودية ولحيانية وصفوية ونبطية،
لأنها وإن فارقت العربية القرآنية في أمور إلا أنها عربية في النهاية، ودراستها
تفيدنا فائدة كبيرة في الوقوف على تأريخ تطور عربيتنا والعربيات البعيدة عن الإسلام، وهي كما نعلم من أقدم اللهجات العربية التي أفادتنا في تقديم كتابات مدونة في تلك الأيام، يعود تأريخ بعض منها إلى ما قبل الميلاد. وقد تحدثت عن نحو اللهجات العربية الجاهلية وعن أمور من صرفها في الجزء السابع من كتابي الأول المعروف بتأريخ العرب قبل الإسلام، المطبوع ببغداد.
هذا وقد عثر حديثًا على آثار في إمارة أبي ظبي وفي مواضع أخرى من سواحل الخليج، قد تقدم لنا علمًا جديدًا عن لهجات عربية قديمة لا نعرف اليوم من أمرها شيئًا، وبذلك يتسع علمنا عن لهجات العرب قبل الإسلام، وقد نستطيع بواسطتها الوقوف على كيفية تطور اللغة العربية القرآنية وعلى حصر المواضع التي كان سكانها يتكلمون بها، أو بلهجات قريبة منها.
بل أرى ضرورة دراسة اللغات السامية للاستفادة من هذه الدراسة المقارنة في فهم خصائص اللغة العربية ولحل بعض مشاكلها في النحو والصرف والألفاظ. وقد بذل المستشرقون -والحق يقال- جهودًا يشكرون عليها في دراسة هذه اللغات دراسة مقارنة. ولدينا اليوم مؤلفات كثيرة في هذه الدراسة، تعرضت
стр. 5947
للحروف بنوعيها: الحروف الصامتة the consonant sounds"، والحروف المتحركة "the vowels"، والضمائر، وللأسماء الموصولة وأدوات الوصل، وللأسماء، وللجموع وللأفعال، ولحروف الجر، وغير ذلك من الموضوعات التي تجدها في الكتب التي بحثت عنها١.
ومن أهم الموضوعات التي يجب توجيه العناية إليها، موضوع: علم الأصوات "phonology" بالنسبة إلى اللغات السامية، مثل دراسة مخارج الحروف، والحركات، والإمالة، والتفخيم، والإشمام في العربية على وجه خاص، ثم دراسة صرف هذه اللغات "morphology" مثل جذور الألفاظ التي يغلب عليها الطابع الثلاثي "triconsonantal" المكون من الحروف الصامته، بينما تقل فيها الجذور المكونة من حرفين صامتين أو من أربعة حروف صامتة. ومثل دراسة كيفية تكون الأسماء، وأبنيتها، ودراسة الجنس في هذه اللغات، والعلامات التي تميز الجنس: المؤنث عن المذكر، ثم العدد: المفرد، والمثنى، والجمع. جموع التذكير وجموع التأنيث، وجموع التكسير، ثم الظرف، وحروف الجر، والعطف، ودراسة الأفعال بأنواعها، وحالات الجمل، وغير ذلك من أمور تخص علم اللغات٢.
стр. 5948
وقد عالج بعض العلماء موضوعات خاصة من موضوعات النحو والصرف، مثل موضوع الفعل في اللُّغات السامية١. وموضوع الصلة بين العربيات الجنوبية وبين اللغة الحبشية٢. والصلة بين العربية وبين اللغات السامية الأخرى، أو بين لغة سامية ولغة سامية أخرى من حيث قواعد النحو والصرف٣.
стр. 5949
الفصل السادس والأربعون بعد المائة: الشعر
مدخل
...
الفَصْلُ السَّادِسُ والْأَرْبعونَ بَعْدَ المائةِ: الشِّعْرُ
الشعر والْحِكَم والكَهَانة والخطابة وأضرابها، هي أهم المظاهر التي تحدد لنا معالم العقلية الجاهلية، وتعطينا فكرة عامة عن العقل الجاهلي.
أما الشعر الجاهلي، فلم يصل إلينا من الجاهلية مدونًا قطُّ، وإنما وصل إلينا مدونًا في الإسلام. وأقصد أننا لم نعثر حتى الآن على أي شيء منه مكتوبًا بقلم جاهلي، أو محفورًا على نص جاهلي. ولك ما نحفظه ونعرفه من ذلك الشعر، هو مما وصل إلينا بنقول الإسلاميين.
وللعلماء، من إسلاميين قدامى ومحدثين، ومن مستشرقين، آراء في هذا الشعر. منهم من يبالغ في اليقين، فيرى أن كل ما وصل إلينا منه صحيح، ومنهم من يبالغ في الشك، فيرى أن أكثر ما وصل هو شعر منتحل فاسد موضوع، وضع لأغراض عديدة يذكرونها: دينية وسياسية وجنسية وغير ذلك، ومنهم من يتوسط فيرى أن فيه الصحيح وفيه الفاسد المدسوس، وإن من الخير البحث فيه من نواحٍ متعددة ودرسه دراسة علمية حديثة ونقده نقدًا علميًّا لتمييز صحيحه من فاسده، ولكل فريق حجج وأدلة مدوَّنة، وكتب أفردوها، فيها رأيهم وحججهم، إليها أَسْتَحْسِنُ رجوع من يريد الوقوف على تلك الآراء.
ومن الكتب المؤلفة في الأدب الجاهلي، واشتهرت خاصة بين أدباء العربيات بنقد الشعر الجاهلي وبتوجيه الشك إلى صحة أكثره، فأثارت لذلك ضجة كبيرة
стр. 5950
كتاب ألَّفَهُ الدكتور طه حسين في العربية بعنوان: "في الأدب العربي". وقد رد عليه أدباء عديدون في مصر وغيرها من البلاد العربية الأخرى. وقد أوضح الدكتور في كتابه العوامل التي حملته على تكوين رأيه المذكور في الأدب الجاهلي.
وليس مرجع هذا الاختلاف هو في حقيقة وجود شعر جاهلي أصلا، أو في عدم وجوده. فوجود شعر للجاهليين، حقيقة لا يُشَك فيها أبدًا، لأن الجاهليين هم مثل سائر الناس، لهم حسٌّ ولهم شعور، وما دام الحسّ موجودًا، فلا بد أن يظهر على شكل شعر أو نثر. وإنما الاختلاف هو في هذا الشعر المروي لنا، والمدون في بطون الكتب. هل هو جاهلي حقًّا، أو هو منحول فاسد محمول على الجاهليين؟ أو وسط بَيْنَ بَيْن، وفي كمية الصحيح منه، بالنسبة إلى مقدار الفاسد منه؟ هذا موضع الاختلاف بين العلماء.
وقد وصف القديس "نيلوس" المتوى حوالي السنة ٤٣٠ للميلاد غارة بدوية على دير سيناء، وقعت سنة٤١٠م، وتحدث عن تغني الأعراب بأشعارهم وهم يستقون الماء١. كما أشار المؤرخ "سوزيموس" إلى تغني العرب بأشعارهم وذلك في المعارك التي وقعت بينهم وبين الروم في حوالي سنة "٤٤٠م"، وهي أغانٍ تشبه الأشعار التي كان يتغنى بها الأعراب في حروبهم وغزواتهم، مثل يوم ذي قار٢، والمعارك التي وقعت في فتوح العراق والشأم. ولا زال الأعراب يترنمون بالشعر عند غزوهم بعضهم، لأن الشعر عندهم سلاح مهم من أسلحة القتل.
ثم إن شعر المخضرمين، هو في حدِّ ذاته دليل على وجود شعر سابق جاهلي، فشعر مثل هذا لا يمكن أن يكون قد ظهر فجأة من غير شعر سابق ومن غير شعراء ماضين مهدوا الجادة لمن جاء بعدهم ووضعوا لهم البحور المعروفة، وقد وجدها المخضرمون، فنظموا عليها.
وفي القرآن الكريم سورة تسمَّى "سورة الشعراء"٣، وهي تدل على كثرة الشعراء، وعلى تأثر الناس بهم، وعلى تأثير شعرهم في النفوس وتلاعبه بأفئدة
стр. 5951
الجاهليين، وتجاسر بعض الكفار على الرسول، فوصفوه بأنه شاعر. ووصفه بهذه الصفة دليل على ما كان الشعر من أثر في نفوس القوم. وقد ورد في الحديث: أن الرسول قال: "إن من البيان لسحرًا، وإن من الشعر لحكمًا"، أو "إن من الشعر لحكمة"١. وفي الأخبار أنه كان يرفع أُنَاسًا ويذل آخرين، وأن من الناس من كان يشتري ألسنة الشعراء. وورد في الحديث، أن الرسول ذكر الشعر فقال: "إن من الشعر لحكمة، فإذا ألبس عليكم شيء من القرآن فالتمسوه في الشعر، فإنه عربي"٢. ووردت عنه أحاديث أخرى في حق الشعر٣.
وورد في خبر آخر أن "العلاء بن الحضرمي"، لما وفد على رسول الله، قال له الرسول: أتقرأ شيئًا من القرآن؟ فقرأ سورة عبس، ثم زاد فيها من عنده: "وهو الذي أخرج من الحبلى نسمة، تسعى بين شراسيف وحشى، فقال رسول الله كفَّ فإن السورة كافية، ثم قال: أتقول شيئًا من الشعر؟ فأنشده:
وحي ذوي الأضغان تسب قلوبهم ... تحيتك الأدنى فقد يدبغ النَّعلُ
فإن دحسوا بالكره فاعفُ تَكَرُّمًا ... وإن أخنسوا عنك الحديثَ فلا تسل
فإن الذي يؤذيك منه استماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يقل
فقال النبي: "إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكما ٤ ".
وورد أن الرسول كان يسأل الصحابة أن يسمعوه شعرًا، سأل مرة "الشريد بن سويد الثقفي" أن ينشده شيئًا من شعر أمية بن أبي الصلت، فأنشده مائة بيت، فقال الرسول: كاد أمية بن أبي الصلت أن يُسْلِم، أو أن كاد ليسلم٥. وكان الرسول يقول: أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد: أَلَا كُلُّ شَيءٍ
стр. 5952
ما خلا الله باطل، أو أن أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل١.
وورد أنه استشهد ببيت شعر لطَرَفَةَ بن العبد، هو:
ستبدي لك الأيامُ ما كانت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوَّدِ٢
وورد أنه جلس في مجلس من الخزرج، فاستنشدهم شعر: قيس بن الخطيم، فأنشدوه بعض شعره٣. وللرواة أخبار عديدة تشير إلى سماع الرسول الشعر وإلى وقوفه عليه وعلمه به، وأنه كان يكلف الصحابة بأن ينشدوه من شعر الشعراء، وذكر أنه نهى من رواية رثاء أمية بن أبي الصَّلت قتلى قريش في معركة بدر، لما فيها من رثاء لمشركين ومن تحريض على الإسلام٤. وورد أن الشاعر العباس بن مرداس"، شهد مع النبي حنينًا على فرسه "العُبيد"، فأعطاه النبي أربع قلايص، فقال:
أتجعل نهبي ونهب العبيـ ... ـد بين عيينة والأقرع
وكانت نهابًا تلافيتها ... بكري على المهر في الأجرع
فقال الرسول: اقطعوا عنَّا لسانه٥. ولسانه هو شعره.
وروي عن عمر قوله: "نعم ما تعلمته العرب الأبيات من الشعر يقدمها الرجل أمام حاجته فيستنزل بها الكريم، ويستعطف بها اللئيم، مع ما للشعر من عظم المزية، وشرف الأبية، وعز الأنفة، وسلطان القدرة٦".
وقديمًا قال ابن عباس: "إذا أعياكم تفسير آية من كتاب الله، فاطلبوه في
стр. 5953
الشعر، فإنه ديوان العرب"١. وقيل إنه -أي ابن عباس- ما فسَّر آية من كتاب الله، إلا نزع فيها بيتًا من الشعر. وروي أن غيره كان يحفظ شيئًا وافرًا من الشعر، الشعر المروي عن أناس عاشوا قبل الإسلام وأناس أدركوا الإسلام، وأنهم كانوا يتداولونه ويتطارحونه ويحفظونه لصلته بكل فرد منهم. ففيه أخبار القبائل وأيام العرب وما قيل فيهم من مدح أو ذم، والحق أننا بفضل هذا الشعر حصلنا على كثير من هذا القصص المنسوب إلى أهل الجاهلية، وبفضله عرفنا الشعراء والقبائل والأيام والحروب، فهو كما قلت في الجزء الأول من هذا الكتاب مورد مهم رئيسي يرد منه المؤرخ في تدوينه تأريخ العرب قبل الإسلام.
ونحن لا نكاد نقرأ قصة من قصص "أيام العرب"، إلا ونجد فيها شعرًا، ينسب إلى بطل من الأبطال الذين ساهموا فيها، أو من شاعر يذكر قومه أو خصوم قومه أو خصومه بالأيام التي انتصروا فيها على خصومهم. وقد ساعد هذا الشعر على تثبيت تلك الأيام في ذاكرة رواتها، حتى وصلت إلى أيام التدوين فدونت، على نحو ما نقرأها في هذا اليوم.
ثم إن كتب الأدب بأنواعها مملوءة بأخبار المساجلات والمطارحات التي وقعت بين الشعراء قبيل الإسلام وفي أيام الرسول والخلفاء. وقد رويت فيها أشعار وقصائد لشعراء جاهليين، ولشعراء مخضرمين. وقد تحدث معظم المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام عن ذكرياتهم في الجاهلية، ورووا ما نظموه فيها من أشعار وما وعوه من المناسبات التي نظموا فيها. ثم إن هذه الكتب مملوءة أيضًا بأخبار مجالس سمر تناولت الحوادث والأيام والشعر والشعراء، وفيها نقد ومفاضلات لما ذكر في تلك المجالس من شعر، وقد روي: أن الرسول كان يجالس أصحابه ويتحدث معهم ويصغي إليهم، ويستمع إلى ما يرْوُونه وما يتذاكرونه من الشعر٢. وروي أن الْحُطَيئةَ، وهو شاعر معروف، كان يتذاكر الشعراء ويحفظ أشعارهم٣.
وقيل للحسن البصري: "أكان أصحاب رسول الله ﷺ
стр. 5954
يمزحون؟ قال: نعم ويتقارضون، أي يقولون القَرِيضَ وينشدونه. والقريض الشعر"١. وروي أن أصحاب رسول الله، كانوا يتناشدون الأشعار ويذكرون أمر جاهليتهم، وأن رسول الله كان يجالسهم في المسجد، وهم يتناشدون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية، فربما تبسَّم٢. وعن أبي سلمة: "لم يكن أصحاب رسول الله ﵌ متحزقين ولا متماوتين، كانوا يتناشدون الأشعار، ويذكرون أمر جاهليتهم، فإذا أريد أحدهم على شيء من أمر دينه دارت حمَاليق عينيه كأنه مجنون"٣.
وقد ذكر أن من الأعاجم من تعلم الشعر العربي ورواه وعشقه، فزعم ابن الكلبي مثلا أن "خرحسرة"، وهو ابن المروزان، كان قد تعرب، أعجبته العربية فتعلمها وروى الشعر، وكان واليًا على اليمن في عهد كسرى، ثم بلغ كسرى تعربه، وروايته الشعر، وتأدبه بأدب العرب، فعزله، وولَّى باذان٤.
وللشعر أثر خطير في نفوس العرب كان يهز عواطفهم هزًّا، ويفعل فيهم فعل السحر، فلا عجب إذا ما قرن "رؤبة" الشعر بالسحر، وجعله مثله في التاثير لتلك العلة:
لقد خشيت أن تكون ساحرا ... راوية مرا ومرا شاعرا ٥
قال الجاحظ: "وكان الشاعر أرفع قدرًا من الخطيب، وهم إليه أحوج لرده مآثرهم عليهم وتذكيرهم بأيامهم، فلما كثر الشعراء وكثر الشعر صار الخطيب أعظم قدرًا من الشاعر٦.
وقد بقي أثر هذا في نفوس الناس حتى بعد زوال الجاهلية ودخول الناس في الإسلام. فكان مدح الشاعر لقوم، من المآثر والمفاخر، وكان ذمه
стр. 5955
مما يشين ويسيء إلى المهجو. لما هجا جرير "بني نمير" بقوله:
فغضَّ الطَّرْفَ إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغتَ ولا كِلابا
أخذ بنو نمير ينتسبون إلى عامر بن صَعْصَعَة، ويتجاوزون أباهم نميرًا إلى أبيه، هربًا من ذكر نمير وفرارًا مما وسم به من الفضيحة والوصمة. مع أنهم كانوا قبل ذلك إذا سئل أحدهم ممن الرجل فخم لفظه ومد صوته وقال: من بني نمير، وكانوا جمرة من جمرات العرب. وكان أحدهم إذا رأى نميريًّا وأراد نبزه والإساءة إليه قال له: غمِّض وإلا جاءك ما تكره، وهو إنشاد هذا البيت١. وصار الرجل من بني نمير إذا قيل له: ممن الرجل؟ قال: من بني عامر٢!
قال الجاحظ: "وفي نمير شرف كثير. وهل أهلك عنْزَة، وجرمًا، وعُكلا، وسلولَ، وباهلة وغنيًا، إلا الهجاء؟!
وهذه قبائل فيها فضل كثير وبعض النقص، فمحق ذلك الفضل كله هجاء الشعراء. وهل فضح الحبطات، مع شرف حسكة بن عتاب، وعبَّاد بن الحصين وولده، إلا قول الشاعر:
رأيت الحمر من شر المطايا ... كما الحبطات شر بني تميم٣
وقد هجيت فزارة بأكل أير الحمار، وبكثرة شعر القفا. وكان حذف الفزاري قد أطعم جُردان الحمار، فقتل الذي أطعمه. وقال: طاح مرقمه، فذهبت مثلا. ففزارة تعير بذلك إلى اليوم. قال الشاعر:
إن بني فزارة بن ذبيان ... قد سبقوا الناسَ بأكل الجردان
وقال آخر:
أصيحانية علت بزبد ... أحب إليك أم أير الحمار٤؟