الشعر، في أحاديثه التي وضعها على ألسنة الشعراء في الجنة أو في النار، وفي أسئلته التي وجهها إليهم، أو وجهها غيره إليهم. كما في استفساره من امرئ القيس عن رواة أهل بغداد في إنشادهم أبياتًا من قصيدته: "قفا نبك" بزيادة الواو في أولها، فوضع الجواب على لسانه، بقوله: "باعد الله أولئك! لقد أساءوا الرواية. وإذا فعلوا ذلك فأي فرق يقع بين النظم والنثر؟ وإنما ذلك شيء فعله من لا غريزة له في معرفة وزن القريض، فظنه المتأخرون أصلا في المنظوم، وهيهات هيهات! "١. ثم يقول: "لو شرحت لك ما قال النحويون في ذلك لعجبت"٢.
ونرى المعري يوجه أسئلة إلى امرئ القيس، فيقول له: "أخبرني عن كلمتك "الصادية"، و"الضادية"، و"النونية" التي أولها:
لمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبور في عسيب يمان
لقد جئت فيها بأشياء ينكرها السمع، كقولك:
فإن أمس مكروبًا فيا ربَّ غارةٍ ... شهدت على أقب رخو اللبانِ
وكذلك قولك في الكلمة الصادية:
على نقنق هيقٍ له ولعرسه ... بمنقطع الوعساء بيض رصيص
وقولك:
فأسقى به أختي ضعيفة إذ نأت ... وإذ بَعُدَ المزدارُ غير القريضِ
في أشباه لذلك، هل كانت غرائزكم لا تحس بهذه الزيادة؟ أم كنتم مطبوعين على إتيان مغامض الكلام وأنتم عالمون عما يقع فيه؟ كما أنه لا ريب أن زهيرًا كان يعرف مكان الزحاف في قوله:
стр. 6127
يطلب شأو َامرأين قدّما حسبًا ... نالا الملوك، وبذَّا هذه السوقا
فإن الغرائز تحس بهذه المواضع"١.
ثم يجيب المعري على لسان امرئ القيس بقوله: "أدركنا الأولين من العرب لا يحفلون بمجيء ذلك، ولا أدري ما شجن عنه "فأما أنا وطبقتي فكنا نمر في البيت حتى نأتي إلى آخره، فإذا فنى وقارب، تبين أمره للسامع"٢.
ثم نراه يسأل امرئ القيس عن قوله:
ألا رب يوم لك منهن صالحٍ ... ولا سيما يوم بدارة جلجل
أتنشده: لك منهن صالح؟ أم تنشده على الرواية الأخرى. فيجيب على لسانه بقوله: "أما أنا فما قلت في الجاهلية إلا بزحاف:
لك منهن صالح
وأما المعلمون في الإسلام، فغيروه على حسب ما يريدون"٣.
وقد سأله المعري عن الشعر المسمط المنسوب إليه، فأنكر على لسانه أن يكون قد سمع به قط، قائلا "وإنه لقرى لم أسلكه، وإن الكذب لكثير، وأحسب هذا لبعض شعراء الإسلام، ولقد ظلمني وأساء إلي"٤. ولما سأله عن الإقواء في شعره، قائلا له: "وقد كان بعض علماء الدولة الثانية يجعلك لا يجوز الإقواء عليك"، أجاب على لسانه: "لا نكرة عندنا في الإقواء"٥.
وقد كان من أصعب الأشياء على بعض رجال المدرستين ألا يجيبوا على أسئلة توجه إليهم إجابة تفيد بوجود علم لهم عنها، ولهذا كانوا يعمدون إلى الصنعة والافتعال. نجد ذلك عند أهل الأخبار، وعلى رأسهم ابن الكلبي، كما نجد ذلك عند رواة الشعر مثل حماد الراوية، وخلف الأحمر، كما نجد عند علماء
стр. 6128
اللغة. وقد أشرت في صفحات هذا الكتاب إلى أمثلة عديدة من هذا القبيل، اضطر فيها المجيب على افتعال جواب وصنعه، ليظهر نفسه بمظهر العارف بكل شيء.
ويجب الانتباه إلى أن علماء البصرة أو الكوفة أو غيرهم، مهما سموا في العلم وارتفعوا، فإنهم بشر، لم يرزقوا العصمة، وهم في التأثر والانفعال مثل أي كائن حي، فقد يتأثر عالم من عالم متقدم عليه، فيحاول الغمز في علمه أو الطعن به. قال علي بن العباس: "رآني البحتري ومعي دفتر، فقال: ما هذا؟ فقلت شعر الشنفرى. قال: وإلى أين تمضي؟ قلت أقرأه على أبي العباس أحمد بن يحيى. قال: رأيت أبا عباسكم هذا منذ أيام، فلم أرَ له علمًا بالشعر مرضيًا، ولا نقدًا له، ورأيته ينشد أبياتًا صالحة ويعيدها، إلا أنها لا تستوجب الترديد والإعجاب فيها"١. وروى أحمد بن يحيى ثعلب، خبر مناظرات وقعت بين أبي عمرو الشيباني، والأصمعي، ترينا مبلغ التنافس الذي كان بين العالمين، واستهتار الأصمعي بخصمه، استهتارًا تجاوز الحد٢.
وقد حاول السيوطي إيجاد عذر لغمز العلماء بعضهم في بعض، بأن قال: "فإن قلت: فإنا نجد علماء هذا الشأن من البلدين، والمتحلين به من المصرين كثيرًا ما يهجن بعضهم بعضًا، فلا يترك له في ذلك سماء ولا أرضًا؟ قيل: هذا أدل دليل على كرم هذا الأمر ونزاهة هذا العلم، ألا ترى أنه إذا سبق إلى أحدهم ظنة، أو توجهت نحوه شبهة سبَّ بها، وبرئ إلى الله منه لمكانها، ولعل أكثر ما يرمى بسقطة في رواية، أو غمزة في حكاية، محمي جانب الصدق فيها، برئ عند الله من تَبِعَتها؛ لكن أخذت عنه إما لاعتناق شبهة عرضت له، أو لمن أخذ عنه، وإما لأن ثالبه ومتعيبه مقصر عن مغزاة، مغموض الطرف دون مداه، وقد عرض الشبهة للفريقين، ويعترض على كلا الطريقين" ثم أخذ يعتذر عن ذلك، بأنه وقع في سبيل العلم والحق، ثم قال: "وإذا كانت هذه المناقضات والمنافسات موجودة بين السلف القدي ... جاز مثل ذلك أيضًا في علم العرب"٣.
стр. 6129
ومن هنا يجب الاحتراس كثيرًا حين قراءتنا الطعون التي ترد على ألسنة العلماء يطعن فيها بعضهم ببعض، فأكثر هذا المروي عنهم، صادر عن طبيعة بشرية، تظهر بين الزعماء نتيجة التنافس الذي يقع بينهم على الزعامة والصدارة، ولو في زعامة العلم. ولا تقتصر هذه الطعون والمغامز على طعن علماء البصرة بعلماء أهل الكوفة، أو العكس، بل نجدها بين علماء المدينة الواحدة أيضًا، لأن الموضوع موضوع زعامة ورئاسة، والتحاسد بين المتحاسدين لا ينحصر بقوم دون قوم، وقد يقع بين الإخوة الأشقاء.
стр. 6130
الفصل الحادي والخمسون بعد المئة: العصبية والشعر
مدخل
...
الفَصْلُ الْحَادِي والخمسونَ بَعْدَ المائةِ: العَصَبِيَّةُ والشِّعْرُ
رأيت أن أهل الكوفة كانوا يفضلون بعض الشعراء الجاهليين على غيرهم وأن أهل البصرة كانوا يرجحون غيرهم عليهم، فلا يرون التقدمة لمن اختارهم أهل الكوفة، ورأيت أن أهل الحجاز يقدمون شعراء آخرين على الشعراء الذين قدمهم أهل الكوفة أو أهل البصرة.
وموضوع من هو أشعر شعراء أهل الجاهلية، موضوع تضاربت فيه الآراء كثيرًا، وكثرت فيه الأقوال، لما له من تماس بروح العصبية، والعصبية إذا دخلت قضية أفسدتها. ثم إنه قائم على أحكام الأذواق، وأذواق الناس في الشعر وفي الذوق والتذوق متفاوتة متباينة، ثم هو لا يستند إلى أسس مقررة تعود إلى أيام الجاهلية، كنقد علمي ودراسة عامة شاملة قام بها الجاهليون في أيامهم، وإنما مرجعه أقوال قيل إنها صدرت من خبراء الشعر وعلمائه، لا أدري مقدار ما فيها من صدق أو كذب. وكل ما أستطيع أن أقوله: إنها آراء دونت في الإسلام، وهي مرسلة، محمولة على المبالغة في الاستحسان لقصيدة أو لقطعة أو لبيت، بل ولنصف بيت أحيانًا، وهي تمثل تذواقًا شخصيًّا، لحالة من الحالات، لا لغالب شعر الشاعر وعامة ما روي عنه، ولما فيه من فن وإبداع، ثم إنك تجدها أحيانًا متناقضة متضاربة، تجد رواية تقول إن الشاعر الفلاني، أو عالم الشعر فلان قال: أشعر الناس فلانًا ثم تجد رواية ثانية تذكر أنه قدم شاعرًا آخر محله فجعله أشعر الشعراء، ثم لا تلبث أن تجد رواية ثالثة، تذكر
стр. 6131
أنه اختار شاعرًا غيرهما، فجعله أشعر شعراء الجاهلية، وأشعر الناس، فتحتار في أمر هذا التناقض، كيف وقع، وكيف حدث والحاكم رجل واحد؟ هل وقع هذا حقًّا، أو أنه كان من وضع المتعصبين للشعراء، أرادوا تقديم شاعر لهم على سائر الشعراء، فاحتاجوا إلى حجة وسند وإثبات، لإثبات دعواهم، وتأكيدها، فاختلقوا قولا نسبوه إلى عالم معروف وصنع قوم غيرهم مثل ما صنعوا، فاختلقوا قولا نسبوه إلى هذا العالم أيضًا، فمن ثم تعددت الأقوال وتصادمت، فليس للعماء إذن يد في هذا التناقض أو أي ذنب، وإنما الذنب هو ذنب المختلقين الذي دسوا دسهم على العلماء.
وقد لا يكون للاختلاق يد في ظهور هذا التناقض، وإنما سببه، أن شخصًا يسأل عن شاعر، فيخطر بباله خاطر عن شعره، جعله يستعذبه أو يستعذب جزءًا منه، يراه أنه أحسن ما قيل من نحوه، فيرجحه على الجميع، ويحكم من هذه الناحية على أنه أشعر الناس، ثم يمضي وقت، ينسى فيه ما قال، فيسأله أشخاص: من أشعر الناس: فيتخطر خاطرًا، أو يحمله المجلس الذي كان يدور فيه الحديث إذ ذاك على خاطر، يحمله على الحكم بتفوق شاعر آخر، وهكذا ومن هنا كان سبب هذا التناقض والاختلاف في الرأي.
وقد كان من السهل وقوع مثل هذا التناقض، لأن العلم كان بالمشافهة، ولم يكن عن تدوين وقراءة كتب، وكان بالذاكرة والتذكر، وكان حكمهم بنصف البيت وبالبيت وبالقطعة وبالقصيدة، أو بجملة قصائد، لا بمراجعة شعر كل شاعر، وبمقابلته بشعر الشعراء الآخرين، واستنباط ما في مجموع شعر كل شاعر من مزايا، للمقابلة بينهما، ثم الحكم للمتفوق الأجود، فذلك أمر لم يكن من الممكن حدوثه، لعدم وجود التدوين عندهم، ثم إنه لم يكن معروفًا عندهم، فلما وقع التدوين، وأخذ علماء الشعر في التنقير في كل جهة بحثًا عن الشعر وما قيل فيه، ظهر ذلك التناقض وبان، ودون كل ما أمكن تدوينه، بعد أن ضاع من الشعر ومن الآراء التي قيلت عنه ما ضاع، وكانت الخلاصة هذا الواصل إلينا.
وقد أشار أهل الأخبار إلى ما كان للعصبية من أثرها في تفضيل الشعراء بعضهم على بعض: عصبية قبلية، وعصبية محلية، وعصبية منافسة وتراكض على الزعامة. فالقبائل تقدم شعراءها على شعراء غيرها وتجعل في أيديهم ألوية الشعر، وقيادة الشعراء في معارك القصيد، وأهل العصبية إلى عدنان، يقدمون شعر ربيعة وأولهم
стр. 6132
المهلهل على غيره، ويرون أنه مفتق الشعر ومهلهله، وأول من قصد القصائد١، وأهل اليمن يرون تقدمة الشعر لليمن، يزعمون أنه بدأ في الجاهلية بامرئ القيس، وفي الإسلام بحسان بن ثابت، وفي المولدين بالحسن بن هانئ، وأصحابه: مسلم بن الوليد، وأبي الشيص، ودعبل، وكلهم من اليمن، وفي الطبقة التي تليهم بالطائيين: حبيب، والبحتري، ويختمون الشعر بأبي الطيب، وهو خاتمة الشعراء لا محالة، ويرجعون نسبه إلى اليمن٢.
قال ابن رشيق في "العمدة": "والشعراء أكثر من أن يحاط بهم عددًا، ومنهم مشاهير قد طارت أسماؤهم، وسار شعرهم، وكثر ذكرهم، حتى غلبوا على سائر من كان في أزمانهم، ولكل أحد منهم طائفة تفضله وتتعصب له، وقل ما يجتمع على واحد، إلا ما روي عن النبي ﷺ في امرئ القيس: "أنه أشعر الشعراء ... "٣.
وكان علماء البصرة يقدمون امرأ القيس، أما أهل الكوفة فكانوا يقدمون الأعشى، وأما أهل الحجاز والبادية، فقدموا زهيرًا والنابغة. وكان أهل العالية لا يعدلون بالنابغة أحدًا، كما أن أهل الحجاز لا يعدلون بزهير أحدًا. وهذا ما أتت به الرواية عن يونس بن حبيب النحوي٤.
ولكنك إذا تتبعت وأحصيت ما قيل على ألسنة أهل البصرة أو الكوفة أو الحجاز من أقوال، ترى تناقضًا بين هذه الرواية وبين ما حصلت عليه من دراسة تلك الأقوال، تناقضًا ينبئك أن هذا المروي، هو وجهات نظر وآراء أشخاص، ولا يمثل إجماع أهل الكوفة، أو إجماع أهل البصرة ولا إجماع أهل الحجاز، أو إجماع أهل البادية، ثم هو كله آراء وردت في الإسلام، وإن حاولت إرجاع أصلها إلى الجاهلية.
ويذكر من يقدم امرأ القيس على غيره، أن الرسول ذكره يومًا، فقال: "ذلك رجل مذكور في الدنيا، منسي في الآخرة، يجيء يوم القيامة وبيده
стр. 6133
لواء الشعراء يقودهم إلى النار"١. أو أنه قال: "إنه أشعر الشعراء، وقائدهم إلى النار. يعني شعراء الجاهلية والمشركين"٢.
وروي أن عمر بن الخطاب كان يفضل امرأ القيس على غيره، ذكر أنه قال للعباس بن عبد المطلب، "وقد سأله عن الشعراء: امرؤ القيس سابقهم: خَسَفَ لهم عين الشعر، فافتقر عن معانٍ عور أصح بصر"٣. "يريد أنه أول من فتق صناعة الشعر وفنَّن معانيها واحتذى الشعر على مثاله"٤. وذكر أن علي بن أبي طالب كان يرى له التقدم على غيره، وذلك بقوله "رأيته أحسنهم نادرة، وأسبقهم بادرة، وأنه لم يقل لرغبة ولا لرهبة"٥. فأنت ترى أن الرسول وعمر وعلي، قدَّما امرأ القيس على غيره، وهم من أهل الحجاز. ولكننا نجد في الوقت نفسه رواية تذكر أن ابن عباس قال: قال لي عمر: أنشدني لأشعر شعرائكم. قلت من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير، قلت: ولِمَ كان ذلك؟ قال: كان لا يعاضل بين الكلام، ولا يتتبَّع حوشيه، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه"٦. فهو يفضل في هذه الرواية زهيرًا على غيره، بما فيهم امرئ القيس، إذ لم يشر إليه باستثناء.
تم نجد رواية أخرى تذكر أن عمر بن الخطاب قال: أي شعرائكم يقول:
ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
قالوا: النابغة. قال هو: أشعرهم"٧. "وكان أبو بكر ﵁ يقدم النابغة، ويقول: هو أحسنهم شعرًا، وأعذبهم بحرًا، وأبعدهم قعرًا"٨. فأبو بكر وعمر في هذا الموقف سواء، فَضَّلا النابغة على سائر الشعراء.
стр. 6134
ولو استعرضنا رأي الشعراء في أشعر الشعراء، وجدناه غير متفق، فقد يفضل شاعرٌ شاعرًا، وقد يخالفه فيه شاعر آخر، وقد ينسب لشاعر رأي، ثم ينسب له رأي مخالف. سئل "لبيد": "من أشعر الناس؟ قال: الملك الضليل، قيل: ثم من؟ قال: الشاب القتيل، قيل: ثم من؟ قال: الشيخ أبو عقيل -يعني نفسه". و"روى الجمحي أن سائلا سأل الفرزدق: من أشعر الناس؟ قال: ذو القروح، قال: حين يقول ماذا؟ قال: حين يقول:
وقاهم حدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب
وأما دعبل فقدمه بقوله في وصف عقاب:
ويلمَّها من هواء الجو طالبةً ... ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب
وهذا عنده أشعر بيت قالته العرب"٢.
وقد سئل الفرزدق مرة: "من أشعر العرب؟ فقال: بشر بن أبي خازم، قال: بماذا؟ قال: بقوله:
ثوى في ملحدٍ لا بدَّ منه ... كفى بالموت نأيًا واغترابا
ثم سئل جرير فقال: بشر بن أبي خازم قال: بماذا؟ قال بقوله
رهينُ بِلَى، وكلُّ فتى سيبلى ... فَشُقِّي الجيب وانتحبي انتحابا
فاتفقا على بشر بن أبي خازم كما ترى"٣. وقد رأيت أن الفرزدق كان قد سئل السؤال نفسه: من أشعر الناس؟ فأجاب: ذو القروح، أي امرئ القيس. بسبب بيت فوَّقه به على غيره من الشعراء. بينما هو يقدم بشر بن أبي خازم في هذه الرواية. وينسب أهل الأخبار لجرير رواية أخرى تزعم أنه سئل من أشعر الناس، فقال: النابغة٤. فخالفت هذه الرواية ما جاء في الرواية الأخرى.
стр. 6135
"وكتب الحجاج بن يوسف إلى قتيبة بن مسلم يسأله عن أشعر الشعراء في الجاهلية وأشعر شعراء وقته، فقال: أشعر شعراء الجاهلية امرؤ القيس، وأضربهم مثلا طَرَفَة. وأما شعراء الوقت، فالفرزدق أفخرهم، وجرير أهجاهم، والأَخْطَل أوصفهم"١. "وفضل النقاد العرب طَرَفَة على سائر الشعراء بإجادته وصف الناقة في معلقته على نحو لم يسبق إليه، ويميل بعضهم إلى عَدِّه أشعر شعراء الجاهلية"٢.
"وقيل لكثير أو لنصيب: من أشعر العرب؟ فقال: امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا شرب"٣. فهو رأي قدم الشعراء المذكورين على غيرهم في حالات معينة، ولم يقدم امرأ القيس على غيره بصورة مطلقة. وزعم ابن أبي الخطاب أن أبا عمرو كان يقول: أشعر الناس أربعة: امرؤ القيس، والنابغة، وطرفة، ومهلهل"٤.
"وقالت طائفة من المتعقبين: الشعراء ثلاثة: جاهلي: وإسلامي، ومُوَلَّد، فالجاهلي امرؤ القيس، والإسلامي ذو الرُّمة، والمولد ابن المعتز. وهذا قول من يفضل البديع وبخاصة التشبيه على جميع فنون الشعر"٥.
وحجة من قدم امرأ القيس على غيره "أن امرأ القيس لم يتقدم الشعراء لأنه قال ما لم يقولوا، ولكنه سبق إلى أشياء فاستحسنها الشعراء، واتبعوه فيها، لأنه أول من لطف المعاني، ومن استوقف على الطلول، ووصف النساء بالظباء والمها والبيض، وشبه الخيل بالعقبان والعصي، وفرق بين النسيب وما سواه من القصيد، وقرَّب مأخذ الكلام، فقيَّد الأوابد وأجاد الاستعارة والتشبيه"٦، "وكان أحسن طبقته تشبيهًا"٧.
стр. 6136
ووجد زهير له أنصارًا وأعوانًا، من المعجبين به في الإسلام بالطبع، قدَّموه على غيره من شعراء الجاهلية. وقد سبق أن شارت إلى رواية زعمت أن عمر فضله على غيره من شعراء أهل الجاهلية١. وذكر أن عكرمة بن جرير سأل أباه جريرًا: من أشعر الناس؟ قال: أعن الجاهلية تسألني أم الإسلام؟ قال: ما أردت إلا الإسلام؟ فإذا ذكرت الجاهلية فأخبرني عن أهلها، قال: زهير شاعرهم"٢. وزعم أن ابن عباس سأل الحطيئة عن أشعر الناس، فقال: الذي يقول:
ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ون لا يتسق الشَّتمَ يشتمِ
وليس الذي يقول:
ولست بمستبق أخًا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
بدونه، ولكن الضراعة أفسدته، كما أفسدت جرولا، والله لولا الجشع لكنت أشعر الماضين، وأما الباقون فلا شك أني أشعرهم. قال ابن عباس: كذلك أنت يا أبا مُلَيكة"٣. وقائل البيت الأول زهير، وقائل البيت الثاني هو النابغة.
ولكنَّا نقرأ في رواية أخرى ما يخالف هذا الرأي، نقرأ فيها أن سائلا سأل الحطيئة عن أشعر الناس، فقال أبو دؤاد حيث يقول:
لا أعدُّ الإقتار عدمًا، ولكن ... فقد من قد رزئته الإعدام
وهو رأي لم يقبل به أحد من النقاد٤. وجعل بعده عُبَيدًا٥.
ورجح بعضهم الأعشى على غيره، رجحه الشاعر الأخطل مثلا، فزعم أنه قال: "الأعشى أشعر الناس"٦. وكان خلف الأحمر يقول: الأعشى
стр. 6137
أجمعهم. وقال أبو عمرو بن العلاء مثله مثل البازي يضرب كبير الطير وصغيره، وكان أبو الخطاب الأخفش يقدمه جدًّا، لا يقدِّم عليه أحدًا"١. "وقال بعض متقدمي العلماء: الأعشى أشعر الأربعة"٢، والأربعة هم: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة، والأعشى، أو زهير، والنابغة، والأعشى، وعنترة٣. "حكى الأصمعي عن ابن أبي طرفة: كفاك من الشعراء أربعة: زهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا طرب، وعنترة إذا كلب. وزاد قوم: وجرير إذا غضب"، "وقيل لكثير، أو لنصيب، من أشعر العرب؟ فقال: امرؤ القيس إذا ركب، وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا شرب"٤.
وحجة من قدَّم الأعشى، أنه كان "أكثرهم عروضًا وأذهبهم في فنون الشعر، وأكثرهم طويلة جيدة، وأكثرهم مدحًا وهجاءً ونظرًا وصفة كل ذلك عنده"٥.
ووجد النابغة من فضله على غيره من شعراء الجاهلية، وفيهم الخليفة أبو بكر الذي كان يقول عنه "هو أحسنهم شعرًا، وأعذبهم بحرًا، وأبعدهم قعرًا"٦ و"عمر"٧ والشاعر "جرير"٨، وحجة من قدم النابغة على غيره أنه: "كان أحسنهم ديباجة عشر، وأكثره رونق كلام، وأذهبهم في فنون الشعر، وأكثرهم طويلة جيدة، ومدحًا، وهجاء، وفخرًا، وصفة"٩، و"أجزلهم بيتًا. كان شعره كلام ليس فيه تكلُّف"١٠.
وزعم أن الكُمَيت كان يقول: "عمرو بن كلثوم أشعر الناس"،
стр. 6138
وأن الشاعر ذا الرُّمَّة" فضل لبيدًا على كل الشعراء١.
وكان ابن أبي إسحاق، وهو عالم، ناقد، ومتقدم مشهور، يقول: "أشعر الجاهلية مرقش"، وسأل عبد الملك بن مروان الأخطل: من أشعر الناس؟ فقال: العبد العجلاني، يعني تميم بن أبي مقبل"٢، وهو من المخضرمين٣، "وقيل لنصيب مرة: من أشعر العرب؟ فقال: أخو تميم، يعني علقمة بن عبدة، وقيل أوس بن حجر، وليس لأحد من الشعراء بعد امرئ القيس، ما لزهير والنابغة، والأعشى في النفوس"٤.
وذكر ابن سلام أن أبا عمرو بن العلاء كان يرى أن خداش بن زهير أشعر في قريحة الشعر من لبيد، وأبى الناس إلا تقدمة لبيد. وكان يهجو قريشًا"٥. ولعل هذا الهجاء هو الذي جعل الناس يأبون تقديمه في الشعر.
وروي عن الأصمعي، أن أبا عمرو بن العلاء كان يقول: "كان أوس بن حجر فحل العرب، فلما أنشأ النابغة طأطأ منه"، وذكر عنه أيضا، وقد سئل عن النابغة وزهير، أنه قال: "ما كان زهير يصلح أن يكون أخيذًا للنابغة، يعني روايًا عنه". وروي أن أهل البصرة أجمعوا على امرئ القيس وطرفة بن العبد، وأجمع أهل الكوفة على بشر بن أبي خازم والأعشى الهمداني، وأجمع أهل الحجاز على النابغة وزهير٦.
وليونس النحوي رأى في أشعر الشعراء، قيل إنه سئل "عن أشعر الناس فقال: لا أومئ إلى رجل بعينه، ولكني أقول: امرؤ القيس إذا غضب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا غضب"٧. فربط الشاعرية بحالة من الحالات النفسية. وورد التفضيل على هذا النحو: "أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب،
стр. 6139
وزهير إذا رغب، والنابغة إذا رهب، والأعشى إذا طرب. وكان زهير أجمع الناس للكثير من المعاني في القليل من الألفاظ، وأحسنهم تصرفًا في المدح والحكمة"١.
ترى مما تقدم أن موضوع من كان أشعر شعراء الجاهلية موضوع حساس، لما كان للعصبية وللذوق الشخصي دخل فيه، ثم إنهم لم يكونوا يحكمون من دراسة الكل، أي بدارسة كل ما ينسب إلى الشاعر من شعر، وإنما كانوا ربما حكموا على الشاعر ببيت أو ببيتين، وحكم مثل هذا يمكن أن يتخذ حكمًا علميًّا، أضف إلى ذلك أنهم لم يميزوا بين ما نسب إلى الشاعر من شعر، وبين ما صح له من شعر، ولا يكون الحكم في المثل هذا الأمور حكمًا علميًّا، إلا بدراسة عميقة لشعر كل شعر، بعد تمييز صحيحه من فاسده، ثم مطابقته ومقابلته بشعر الشعراء الآخرين. إلى أمور أخرى من هذا القبيل، يطرقها نقاد الشعر والأدب، بمقاييس ثابتة، أما مقاييس تلك الأيام فقد اختلفت، وخضعت للعواطف والأهواء، والسيوطي على حق حين يقول في هذا الموضع: "وهذا يدلك على اختلاف الأهواء وقلة الاتفاق"٢.
وقد يعمد علماء الشعر إلى بيت من شعر، فيجعلونه أحسن بيت قيل في الجاهلية، أو عند العرب، فقد قالوا: أن الاتفاق قد وقع على أن أمدح بيت للجاهلية، هو قول زهير:
نراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائلُهُ٣
ولكنهم قالوا إن الشاعر "دعبل" قال: إن أمدح بيت قالته العرب في الجاهلية قول أبي الطمحان القيني:
وإن بني أوس بن لأم أرومة ... علت فوق صعب لا ترام مراقبه
أضاءت لهم أحسابهم ووجوهم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه٤
стр. 6140
وروي عن الأصمعي قوله إن بيت أبي ذؤيب الهذلي:
والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع
هو أبرع بيت قالته العرب١.
وقد كان بشار بن برد حذرًا حين سئل: أخبرنا عن أجود بيت قالته العرب؟ فقال: إن تفضيل بيت واحد على الشعر كله لشديد، ولكن قد أحسن كل الإحسان لبيد في قوله:
وأكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل
وإذا رمت رحيلا فارتحل ... وأعصى من يأمر توصيم الكسل٢
وقد ذهب علماء الشعر إلى أن أشعر أهل المدر، أهل يثرب، ثم عبد القيس ثم ثقيف، وأن أشعر ثقيف أمية بن أبي الصَّلْت. أما أشعر أهل يثرب، فهو حسان بن ثابت في نظر كثير من رواة الشعر. وورد في بعض الأخبار أنه أشعر أهل المدر٣.
стр. 6141
نَقْدُ الشِّعْرِ:
وذكر أن الشعراء الجاهليين، كانوا يراجعون شعر بعضهم بعضًا، وينقدونه لما كان بينهم من تسابق على نيل الشهرة والاسم، أو لما كانوا يجدونه في شعر الشاعر من هنة أو غفلة أو هفوة، كالذي ذكروه من أمر الشاعر المتلمس، ذكر أن طرفة بن العبد سمع قوله:
وقد أتناسى الهم عند احتضاره ... بناج عليه الصيعرية مكدم
وكان إذ ذاك صبيًّا، فقال: استنوق الجمل فصار مثلا١.
стр. 6142
أو أنهم كانوا ينقدونه عند التحكيم. ليقتنع الشعراء بصحة حكم الحكم، كالذي كان من أمر النابغة في سوق عكاظ، وكالذي روي من تنازع امرئ القيس مع علقمة الفحل على الشعر، وقول كل واحد منهما لصاحبه: "أنا أشعر منك"، ومن قبولهما بتحكيم أم جندب، زوج امرئ القيس بينهما. وقبول أم جندب الحكم بينهما. فذكر أنها قالت لهما: "قُوْلا شعرًا تصفان فيه الخيل على روي واحد وقافية واحدة، فأنشداها، ثم حكمت بترجيح شعر علقمة على شعر زوجها، وأظهرت لهما العوامل التي حملتها على هذا الترجيح، فغضب امرؤ القيس عليها وطلقها، فخلف عليها علقمة١. وهي قصة من هذا القصص الموضوع على امرئ القيس.
ويقتضي ذلك أن الشعراء كانوا يحفظون شعر غيرهم، فقد كان منهم من إذا قابل شاعرًا، وجادله في شعره، أنشده شعره، وبين له ما يراه فيه من عيوب. وقد رأيت كيف زعموا أن النابغة لما جاء يثرب، أراد أهلها أن يظهروا له ما في شعره من إقواء، وهو من عيوب الشعر، فأمروا قينة فغنت به، وأبانت له مواطن الإقواء، فأحس به، ويقال له إنه تركه من يومئذ.
أما استحسان العلماء لشعر شاعر، أو تخبيثه أو تسخيفة ونقده، فقد خضع عندهم لعوامل عديدة، قامت في بادئ أمرها على الذوق والمزاج، فهذا يستحسن شعرًا لورود بيت فيه أستحسنه واستعذبه على حين يري آخر أنه لا يساوي شيئًا، وليس فيه ما يدعو إلى المدح والثناء عليه، ثم على العروض، فنرى العسكري يعترض على اختيار الأصمعي لميمية المرقش، وقد سبق لابن قتيبة أن اعترض على اختيار الأصمعي القصيدة أيضًا، وقال الآمدي: إنه ليس بحاجة إلى ذكر العيوب العروضية فيها لكثرتها٢، ثم على النحو والبيان والبديع وغير ذلك من علوم الصناعة التي وضعت في الإسلام، وقد كان عليهم ملاحظة أن هذه العلوم إنما وضعت أو ثبتت في الإسلام، وأن الذوق الجاهلي يختلف عن الذوق الإسلامي، وإن
стр. 6143
الخليل لم يجمع كل بحور الشعر الجاهلي، بل طرح بعض الأوزان الهزيلة التي كان القدماء قد استنبطوها١، ولعله لم يتمكن من الوقوف على أوزان أخرى؛ لأنها لم تكن مألوفة بين عرب العراق، أو لأنها صيغت بلهجات قبائل لم يرتح من شعرها، لأنه من الشعر القبلي الخاص.
وفضل العلماء الشعر الذي يكون فيه البيت تامًّا مستغنيًا بمعناه عن غيره، وقالوا لذلك: البيت المقلد. لأنه قائم بذاته غني عن غيره، يضرب به المثل٢. ولهذا رأوا في القصيدة الجيدة، أن تكون أبياتها مقلدة، إذا قدمت بيتًا منها على بيت أو أبيات، أو إذا أوت بيتًا منها، أو حذفت بيتًا منها أو أكثر، فإنها لا تتأثر بهذا التغيير والتبديل، ولعل لهذا الرأي صلة بقولهم: "ومقلدات الشعر وقلائده البواقي على الدهر"٣.
وقد أورد الجاحظ رأيًا في القصيدة لخلف الأحمر، فقال: "أما قول خلف الأحمر:
وبعض قريض القوم أولاد علة
فإنه يقول: إذا كان الشعر مستكرهًا، وكانت ألفاظ البيت من الشعر لا يقع بعضها مماثلا لبعض، كان بينها من التنافر ما بين أولاد العَلَّات. وإذا كانت الكلمة ليس موقعها إلى جنب أختها مرضيًا موافقًا، كان على اللسان عند إنشاد ذلك الشعر مؤونة.
قال: وأجود الشِّعر ما رأيته متلاحم الأجزاء سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ إفراغًا واحدًا، وسبك سبكًا واحدًا، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان"٤.
وقد رأينا أمثلة كثيرة في استحسان شعر شاعر، أو في المفاضلة بين شعر الشعراء، والموازنة بينهم، ,قد بنيت على أبيات، أعجبت الناقد المفاضل،
стр. 6144
ففضل شاعره الذي جعله أشعر على غيره، ثم رأيناه نفسه، لكن في موقف آخر يفضل غيره عليه، بسبب بيت أو أبيات أعجبه أو أعجبته. وقد تبدلت هذه النظرة في أيام العباسيين، فنجد لابن سلام مقاييس جديدة في النقد، وفي وضع الشعراء وتصنيفهم إلى طبقات. ونجد لابن قتيبة رأيًا في النقد يستند على آراء من تقدم عليه وعلى ملاحظاته الشخصية في النقد والموازنة بين الشعراء، وقد يخالف غيره على رأيه، خذ ما قله من نقد مرير في الأصمعي حيث يقول: "ومن هذا الضرب أيضًا قول المرقش:
هل بالديار أن تجيب صمم ... لو أن حيًّا ناطقًا كلم
يأبى الشباب الأقورين ولا ... تغبط أخاك أن يقال حكم
والعجب عندي من الأصمعي إذ أدخله في متخيره، وهو شعر ليس بصحيح الوزن، ولا حسن الروي، ولا متخير اللفظ، ولا لطيف المعنى، ولا أعلم فيه شيئًا يستحسن إلا قوله:
النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم١
ويذكر أهل الأخبار أن من الشعراء من كان يستحسن بيت شاعر، فيسطو عليه. ونجد ابن قتيبة يذكر في كتابه "الشعر والشعراء" ما أخذه الشعراء بعضهم من بعض، فذكر مثلا أن طرفة، والنابغة الجعدي، والشماخ، وأوس بن حجر، والنجاشي، وزهير، والمسيب، وزيد الخيل أخذوا من شعر امرئ القيس، فنظموه في شعرهم٢. وإذا صح ذلك، كان معناه أن أولئك الشعراء كانوا قد حفظوا شعر امرئ القيس، وأنهم كانوا يحفظون أشعار غيرهم من الشعراء المتقدمين عليهم أو المعاصرين لهم وبذلك سطوا على ذلك الشعر أو على معناه.
غير أننا لو درسنا الأمثلة التي ذكرها ابن قتيبة وغيره على أنها من سرقات الشعر، نرى أن أكثرها لا يمكن أن يعد سرقة، لأن للسرقة الشعرية علامات،
стр. 6145
ولا نكاد نلمس من هذه العلامات شيئًا في الشعر المتهم بأنه شعر مسروق. وإنما نجده من قبيل توارد الخاطر لا غير، أسرع نقاد الشعر، فجعلوه سطوًا وسرقة.
ونحن لا نعلم من أمر نقد الشعر عند الجاهليين إلا ما جاء في الموارد الإسلامية وهو شيء قليل، وهو شيء لا ندري أيضًا مكانه من الصحة، وكل ما لدينا من تقسيم للشعراء إلى طبقات ومن تفضيل شاعر على شاعر، ومن تفضيل شعر على شعر هو مما عمل في الإسلام، صنع وفق قواعد نقد دونها العلماء. وقد ظهرت بواكير النقد العلمي للشعر الجاهلي عند علماء اللغة والنحو والعروض، ثم تولاها علماء راعوا أصول البيان والبلاغة والبديع في نقد الشعر، ولما كان هذا النقد لا يخص موضوعنا بالذات، وقد كتب عنه المتخصصون، فأنا أترك أمره إليهم، وقد وضعت فيه مؤلفات حديثة، وضعها عرب ومستشرقون.
стр. 6146
أَشْعَرُ النَّاسِ حيًّا:
ويروي أهل الأخبار أن أشعر الناس حيًّا هذيل. وقيل: "أفصح الشعراء لسانًا وأعذبهم أهل السروات، وهن ثلاث وهي: الجبال المطلَّة على تهامة مما يلي اليمن، فأولها هذيل، وهي تلي السهل من تهامة، ثم بجيلة في السراة الوسطى وقد شركتهم ثقيف في ناحية منها، ثم سراة الأزد، أزد شنوءة، وهم: بنو الحارث بن كعب بن الحارث بن نصر بن الأزد. وقيل: أفصح الناس: عُلْيَا تميم وسُفْلى قيس، وقيل: سافلة العالية وعالية السافلة، يعني: عجز هوازن، وأهل العالية: أهل المدينة ومن حولها ومن يليها ودنا منها، ولغتهم ليست بتلك عند "أبي زيد"١".
ويلاحظ أن هنالك قبائل كثيرة لم يروِ علماء الشعر لها شعرًا، أو أنهم رووا شعرًا قليلا لها، بينها قبائل كبيرة معروفة، كان لها تقدم ونفوذ، مثل: الغساسنة وتنوخ ولخم وبهراء، وكلب، ولا يعقل أن يكون الله قد حرم هذه القبائل من قول الشعر، فلم ينبت في أرضها شاعر، ولم يقم بينها من جاري القبائل الأخرى في قول الشعر، وهم عرب مثل غيرهم،
стр. 6147
لهم حس وشعور، فلا يعقل عدم ظهور شعراء بينهم، ويظهر أن سبب إهمال رواة الشعر لشعر هذه القبائل هو اعتبارهم هذه القبائل دون القبائل الأخرى في اللغة والفصاحة، لأنهم كانوا على اتصال بالحضر، فلم يسائلوهم، ولم يقيموا لشعورهم وزنًا، ولهذا لم يصل منه إلينا شيء، أو إلا القليل منه، فظهرت تلك القبائل في جملة القبائل المقلة في الشعر.
وقد روي لبعض الشعراء شعر كثير، فيه قصائد طويلة، وصل لنا في دواوين، أو في كتب الشعر والأدب، فوقفنا بذلك على شعرهم. وهناك شعراء اشتهر أمرهم وعرف ذكرهم، إلا أن معظم شعرهم قد ذهب معهم، فلم يبق منه إلا القليل، بحيث لا يتناسب هذا الباقي منه مع الشهرة التي أحاطت بهم. وقد عرف هؤلاء بالشعراء المقلِّين١.
ومن المقلِّين في الشعر: طرفة بن العبد، وعبيد بن الأبرص، وعلقمة الفحل، وعدي بن زيد، وطرفة أفضل الناس واحدة عند العلماء. وهي المعلقة:
لخولة أطلال بِبُرْقة ثَهْمَد
وله سواها يسير. ومن المقلين المحكمين سلامة بن جندل، وحصين بن الحُمَام المرِّي، والمتلَمِّس، والمسيب بن علس، ومنهم عنترة، والحارث بن حِلِّزة، وعمرو بن كلثوم، وعمرو بن معدي كرب، والأسعر بن أبي حمران الجعفي، وسويد بن أبي كاهل، والأسود بن يعفر٢.
стр. 6148
الشِّعْرُ والإِسْلامُ:
ورد في الحديث: "لأن يمتلئ جوف الرجل قيحًا يريه، خير من أن يمتلئ شعرًا"، وورد أن رسول الله بينا كان بالعرج، إذ عرض شاعر ينشد. فقال رسول الله: "خذوا الشيطان، أو امسكوا الشيطان، لأن يمتلئ جوف الرجل قيحًا، خير له من أن يمتلئ شعرًا"١. وفي القرآن: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ
стр. 6149
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ١، و ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ ٢، و ﴿وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ٣، و ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ٤، و ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ ٥، و ﴿الشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ ٦.
وورد عن عائشة قولها، وقد قيل لها: "هل كان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه. غير أنه كان يتمثل ببيت أخي بني قيس، فيجعل آخره أوله، وأوله آخره. فقال له أبو بكر: إنه ليس هكذا! فقال نبي الله: إني والله ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي"٧. وورد في تفسير: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ . "بل قال بعضهم هو أهاويل رؤيا رآها في النوم. وقال بعضهم: هو فرية واختلاق افتراه واختلقه من قبل نفسه، وقال بعضهم: بل محمد شاعر. وهذا الذي جاءكم به شعر"٨. وورد في معنى ﴿وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ، أن قريشًا قالوا: "أنترك عبادة آلهتنا لشاعر مجنون، يعنون بذلك نبي الله ﷺ "٩. وقالوا في معنى ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ، "قال ذلك قائلون من الناس: تربصوا بمحمد ﷺ الموت يكفيكموه كما كفاكم شاعر بني فلان وشاعر بني فلان، و"قال قائل منهم احبسوه في وثاق ثم تربصوا به المنون حتى
стр. 6150
يهلك كما هلك من قبله الشعراء زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم"١. وفسر قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ ، بـ"ما هذا القرآن بقول شاعر، لأن محمدًا لا يحسن قيل الشعر فتقولوا هو شعر"٢،وقوله: ﴿والشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ ، "الغاوون الرواة"، وذكر أنهم في كل لغو يخوضون، وأن الله استثنى منهم شعراء المؤمنين٣.
وقد كره ناس الشعر لما ورد عنه في القرآن الكريم وفي الحديث، وامتنع بعض الشعراء من قوله كالذي ذكروه من ترك لبيد الشعر بعد دخلوه في الإسلام، ومن قوله للخليفة عمر أو لعامله على الكوفة، وقد سأله عما قاله من الشعر في الإسلام، "ما كنت لأقول شعرًا بعد إذ علمني الله سورة البقرة وآل عمران"٤. وأهمل بعض الصحابة رواية الشعر، لما فيها من تذكير بأمر الجاهلية وبأيامها، وأقبل آخرون على القرآن يحفظونه بدلا من الشعر الجاهلي ورأى آخرون أن في حفظه وفي إنشاده إثارة لنعرة الجاهلية بعد أن حرمها الله، كراهية وقوع الفتنة، وحدوث القتال كالذي كان يقع في الجاهلية، لا سيما ما يتعلق منه بالمدح وبالهجاء وبالأيام، ولهذا قال عمر لحسان بن ثابت يوم مرَّ به وهو ينشد الشعر بمسجد رسول الله: أرغاء كرغاء البكر؟ فقال حسان: دعني عنك يا عمر فوالله إنك لتعلم لقد كنت أنشد في هذا المسجد من هو خير منك فما يغيِّر علي ذلك، فقال عمر: صدقت"٥.
فهذا الشعر المفرق المسبب للقتن أو الثالب للأعراض، هو الشعر الذي كره الناس روايته أو نظمه، ولهذا كان عمر يحاسب الهجائين، فملا هجا الحطيئة الزبرقان بن بدر، وشكاه الزبرقان عليه، حكم عمر حسان بن ثابت فيه، فحكم عليه أنه "لم يهجه، ولكن سلح عليه"، فهو أشد إيلامًا من الهجاء، فحبسه عمر، وقال: "يا خبيث لأشغلنك عن أعراض المسلمين"٦،
стр. 6151
ولما هجا النجاشي بني العجلان، فشكوه إلى عمر، حكم عمرُ حسان بن ثابت، والحطيئة في أمر هذا الهجاء فلما حكما بأنه هجاهم قال له عمر: إن عدت قطعت لسانك"١. وروي أن رجلا مر بباب رجل، وقد كان فتمثل:
هل ما عملت وما استودعت مكتوم
فاستعدى رب البيت عليه عمر، فأمر به عمر فحدّ٢.
وذكر أن النبي قال: "من قال في الإسلام هجاء مقذعًا فلسانه هدر"٣. وأنه لما بلغه هجاء الأعشى علقمة بن علاثة العامري، نهى أصحابه أن يرووا هجاءه٤. وروي أن المنع عن رواية الشعر، كان خاصًّا بالشعر الذي هجي به النبي٥.
ولما هجا ضابئ بن الحارث وكان رجلا بذيا كثير الشر، وكان بالمدينة صاحب صيد وصاحب خيل، قومًا من بني نهشل استعدوا عليه عثمان فحبسه٦. فكان حبسه لهجائه لا لشعره.
ومع ذلك، فقد تهاجى الشعراء في أيام الأمويين وتنازعوا فيما بينهم، وتطاول بعضهم على بعض، وجرأت السياسة هذا الهجاء وأمدته بوقود يزيد في حدته حدة، لعصبيات وسياسة، وتجرأ البعض في هجاء الحكومة وفي هجاء المعارضين حرض يزيد بن معاوية الشاعر الأخطل على هجاء الأنصار، وفي محيط مثل هذا المحيط، انقسم إلى أحزاب وفرق، متخاصمة شديدة عنيفة في الخصومة، لا بد وأن يجد الشعر فيه أرضًا طيبة، ومنبتًا خصبًا مساعدًا. فكانت للشعراء حرية في النيل بعضهم من بعض، واستفاد خلفاء بني أمية من ذلك، بتحريض شعرائهم على عض خصومهم، مما لا مجال للبحث عنه في هذا المكان.
стр. 6152
وكان عمر قد نهى الشعراء عن ذكر النساء في أشعارهم، لما في ذلك من الفضيحة، وكان الشعراء يكَنُّون عن النساء بالشجر وبالنخلة، لئلا تشهر المرأة، وخوفًا من أهلها وقرابتها١.
أما الشعر الآخر، الذي لم يكن ينال الناس، ولا يتذكر الأصنام والأوثان وأمور الجاهلية التي حرمها الإسلام، فلم يتعرض له الإسلام بسوء، بل كان الرسول نفسه يسمع الشعر، ويطلب من الصحابة إنشاده له، وقد ورد أن الرسول سمع عمرو بن كُلْثُوم، وهو بعكاظ ينشد معلقته الشهيرة٢، وسمع شعر أمية بن أبي الصَّلت كما تحدثت عن ذلك في موضع آخر، واستمع إلى شعر قيس بن الخطيم، وإلى شعر شعراء آخرين، وكان يستملحه ويستعذبه، ولا سيما شعر الحكمة والإرشاد. "جاء النابغة الجعدي إلى رسول الله ﷺ فقال: هل معك من الشعر ما عفا الله عنه؟ قال: نعم. قال: أنشدني منه، فأنشده:
وإنا لقوم ما نعوِّد خيلنا ... إذا ما التقينا أن تحيد وتنفرا
فلما أنشده قوله:
ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
قال رسول الله: "لا فضَّ الله فَاك" ٣.
ومن سيماء اهتمام الإسلام بأمر الشعر، أن الشعر الجاهلي إنما دون وثبت في أيامه، وأن الصحابة كانوا يحفظونه ويروونه، وأن دواوينه، إنما ظهرت في أيام الأمويين. فلم يحرِّم الإسلام الشعر، ولم يظهر كرهه له، وإنما كره الشعر الوثني الذي مَجَّد الوثنية، فطرح ولم يروَ، ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا، لا نقرأ في كتب الأدب والأخبار شعرًا فيه إشادة بصنم، أو بأمر من أمور
стр. 6153
الجاهلية المناهضة للإسلام. وقد روي عن النبي قوله: "إن من البيان لسحرًا، وإن من الشعر لحكمة، أو قال: حكما"١، وأنه أمر حسان بن ثابت، وعبد الله بن رَوَاحة، وكعب بن مالك بهجاء قريش. وأنه قال لحسان: "اهجوا قريشا، فإنه أشد عليها من رشْقِ النَّبْل"٢.
وقد اعتذر العلماء عن سبب نفي الشعر عن الرسول، بأن الشاعر، لا يكاد يكون إلا مادحًا ضارعًا، أو هاجيًا ذا قذع، وهذه أوصاف لا تصلح للنبي، ثم إن فيه إيقاعًا، والإيقاع ضرب من الملاهي، ومنها لم يصلح الشعر للرسول٣. وقد بحث القرطبي في موضوع نفي الشعر عن الرسول، فرجع ذلك إلى أربع مسائل: الأولى: أنه كان لا يقول الشعر ولا يزنه، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثلا كسر وزنه، وإنما كان يحرز المعاني فقط، وذلك ردًّا لقول من قال من الكفار: إنه شاعر، وإن القرآن شعر. وقد كان ربما أنشد البيت المستقيم في النادر٤.
الثانية: إصابته الوزن أحيانًا لا يوجب أنه يعلم الشعر، وكذلك ما يأتي أحيانًا من نثر كلامه ما يدخل في وزن، كقوله يوم حنين وغيره:
هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت
وقوله:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن، وفي كل كلام، وليس ذلك شعر ولا في معناه، كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ، وقوله: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ، وقوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات٥.
стр. 6154
الثالثة: أن ما روي من عدم قوله الشعر، لا يعني عيب الشعر، وإنما لنفي الظنة عنه من أنه كان يقول الشعر.
الرابعة: أن قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ ، يعني نفي الشعر عنه، لئلا يظن أنه قوي على القرآن بما في طبعه من القوة على الشعر١.
فالرسول لم يكره الشعر لكونه شعرًا، ولم يعبه أو نهى عن قوله، وإنما كان النهي خاصًّا به. قال "الخليل بن أحمد: كان الشعر أحب إلى رسول الله ﷺ من كثير من الكلام، ولكن لا يتأتى له"٢.
стр. 6155
الفصل الثاني والخمسون بعد المئة: تدوين الشعر الجاهلي
مدخل
...
الفَصْلُ الثَّانِي والْخَمْسونَ بَعْدَ المائةِ: تَدْوِينُ الشِّعْرِ الجَاهِلِيِّ
ليس في الشعر الجاهلي بيت واحد يستطاع أن يثبت أنه كان مدونًا في الجاهلية وأن رواة الشعر وحفظته وجدوه مكتوبًا بأبجدية جاهلية، فنقلوه عنها. ولم يتجاسر -على ما أعلم- أحد من رواة الشعر أو حافظ من حفاظه على الادعاء بأنه نقل ما عنده من شعر جاهلي من ديوان جاهلي، أو من قراطيس جاهلية، أو من مادة مكتوبة أخرى تعود أيامها إلى الجاهلية. فكل ما وصل إلينا من هذه البضاعة، إنما هو من عهد الكتابة والتدوين، وعهد التدوين لم يبدأ إلا في الإسلام، وأول تدوين للشعر، إنما كان في عهد الأمين.
وعدم وصول شعر جاهلي إلينا مدون في أيام الجاهلية، أو منقول عن مكتوبات جاهلية، ثم عدم ادعاء أحد من قدماء الرواة أنه قد نقل من دواوين أو قراطيس جاهلية، يحملنا على القول بعدم تدوين الجاهليين لشعرهم وبعدم اهتمامهم بتسجيله. فلِمَ وَقَع ذلك؟ ولِمَ أحجم الجاهليون عن تدوين شعرهم، وهو تراثهم الخالد وسجلهم وديوانهم الذي به حفظت الأنساب وعرفت المآثر، ومنه تعلمت اللغة، وهو حجة فيما أشكل من غريب كتاب الله، وغريب حديث رسول الله، وآثار أصح منه، فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب، وتشاغلوا بالجهاد وغزو فارس والروم ولهت عن الشعر وروايته، فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح، واطمأن العرب بالأمصار، راجعوا رواية الشعر، فلم يئلوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب
стр. 6156
مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتال، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عنهم كثير"١. "قال أبو عمرو بن العلاء: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير"٢.
ومعنى هذا أن الشعر الجاهلي لم يكن مدونًا، وإنما كان محفوظًا في الصدور، وقد ورد رواية باللسان، فكانوا يتلونه حفظًا لا عن صحيفة أو كتاب، ويؤيد ذلك ما ورد في الأخبار من أن بني أمية، وقد كانوا شغوفين جدًّا بالشعر القديم، ربما اختلف الرجلان منهم في بيت شعر، فيرسلان راكبًا إلى قتادة يسأله، عن خبر، أو نسب، أو شعر، وكان قتادة أجمع الناس، ولقد قدم عليه رجل من عند بعض أولاد الخلفاء من بني مروان، فقال لقتادة: من قتل عمرًا وعامرًا التغلبيين يوم قضة؟ فقال: قتلهما جحدر بن ضبعية بن قيس بن ثعلبة". قال فشخص بها ثم عاد إليه. فقال: أجل قتلهما جحدر، ولكن جميعًا؟ فقال: اعتوراه فطعن هذا بالسنان، وهذا بالزج فعادى بينهما٣. وعلى ما في هذا الخبر من أثر الصنعة والتكلف، فإن فيه دلالة على شغف الأمويين بسماع أخبار الأيام الماضية، وبعدم وجود مدونات في ذلك الوقت، تضم الشعر والأخبار والنسب، لذلك، كانوا يرسلون إلى خاصتهم ومن يرون فيه العلم بهذا الأمور للاستفسار منهم عما يريدون الوقوف عليه.
ويؤيد ذلك أيضًا ما ورد من أن الرسول كان إذا أراد سماع شعر شاعر، سأل من كان في حضرته من يحفظ من شعر فلان؟ فينشده عليه من قد يكون حافظًا له، ثم ما يروى من أن الصحابة كانوا يحفظون الشعر، ومن أنهم كانوا إذا أرادوا الوقوف على شعر شاعر لم يحفظوا شعره، سألوا غيرهم ممن يحفظه عنه. ولم نسمع في الأخبار، أن أحدًا من الصحابة، كان يملك ديوانًا، أو كتابا فيه شعر، أو خبر، أو نسب، وأنهم كانوا يرجعون إلى المدونات، في مثل هذه الحالات.
ولكن ما ذهبنا إليه من عدم وجود تدوين للشعر الجاهلي ولأخبار الجاهلية،
стр. 6157
تنفيه روايات تزعم أن الجاهليين كانوا يدونون أشعارهم، فقد روي أن النعمان بن المنذر، أمر "فنسخت له أشعار العرب في الطنوج وهي الكراريس، ثم دفنها في قصره الأبيض، فلما كان المختار بن عبيد الثقفي، قيل له: إن تحت القصر كنزًَا، فاحتفره، فأخرج تلك الأشعار، فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة"١. وروايات تذكر أنه "قد كان عند آل النعمان بن المنذر ديوان فيه أشعار الفحول، وما مدح به هو وأهل بيته، فصار ذلك إلى بني مروان أو ما صار منه"٢. وروايات تقول إن العرب كانت شديدة العناية بشعرها، مبالغة في المحافظة على الجيد منه، فأمرت بكتابتها بماء الذهب على القباطي وبتعليقها على الكعبة، إعجابًا بها وإشادة بذكرها. وقد عرفت تلك القصائد بالمذهبات وبالمعلقات وبالسموط٣. وروايات تذكر أن الملك كان إذا استجديت قصيدة يقول: "علقوا لنا هذه لتكون في خزانته"٤.
وتنفيه أيضًا روايات أخرى تفيد أن بعض الشعراء الجاهليين كانوا يقرءون ويكتبون، كالذي جاء عن عدي بن زيد العبادي، عن المرقش الأكبر، من أنه كان قد تعلم الكتابة من رجل من أهل الحيرة، فصار يكتب أشعاره، وكالذي يظهر من بيت لابن مقبل يفيد أن عرب أواسط جزيرة العرب كانوا يدونون أشعار الشعراء٥. وقد ذكر أن سعد بن مالك والد المرقش، أرسله وأخاه إلى رجل من أهل الحيرة فعلمهما الكتابة٦. وروي أنه كان يكتب بالحميرية٧، فلا يعقل إذن أن يدون أمثال هؤلاء الشعراء الكتاب القراء شعرهم، أو بعض شعرهم المستجاد على الأقل!
وتنفيه الرواية القائلة إن لقيط بن يعمر الإيادي، كتب قصيدة وأرسلها
стр. 6158
إلى قومه إياد يحذرهم فيها من مجيء جيش كسرى إليهم للإيقاع بهم، وذلك في قصيدته التي استهلها بقوله:
سلام في الصحيفة من لقيط ... إلى مَنْ بالجزيرة من إيادِ١
وتنفيه روايات أخرى تشير إلى أن العرب في صدر الإسلام، كانوا يدونون الشعر ويوزعونه بين الناس لينتشر بينهم، فلما هجا النجاشي الأنصار، اجتمع سادتهم وتذاكروا أمره، ثم ذهب قوم إلى حسان، فنظم شعرًا في هجائه، كتبه غلمان الكتاب٢، وما كانت الغاية من تدوين الغلمان له، إلا إذاعته ونشره بين الناس. وروي أن عبد الله بن الزبعري، وضرار بن الخطاب الفهري، قدما المدينة فتلاحيا مع حسان، في أمر الشعر، وقالا شعرًا مما كانا قالاه في الأنصار، وكان عمر قد نهى عن رواية شعر الهجاء حذر الفتنة، فغضب حسان منهما، وذهب إلى عمر، فأخبره بما وقع، فارسل وراءهما، وطلب من حسان أن ينشدهما مما قاله لهما، فأنشدهما، فلما انتهى من إنشاده كتب ذلك، وحفظ مع شعر الأنصار، وكانوا يكتبونه حذر بلاه٣. وروي أن طلحة أنشد قصيدة، فما زال شانقًا ناقته حتى كتبت له٤.
غير أننا إذا ما تتبعنا تأريخ ورود هذا الذي ذكرته عن وجود التدوين في الحيرة وارتفعنا به حتى نصل به إلى أصله، نجد أنه جاء كله نقلا، وقد أخذه المتأخرون عن المتقدمين، والمتقدمون عن طبقة أقدم، حتى نصل إلى مرجع واحد هو آخر سلسلة السند، الذي ينتهي بحماد الرَّاوِية وابن الكلبي. فحماد هو صاحب الزعم المتقدم، القائل إن النعمان بن المنذر، أمر فنسخت له أشعار العرب في الطنوج٥، وابن الكلبي هو صاحب الخبر القائل إن العرب علقت القصائد السبع على الكعبة، وإن العرب اخترتها من بين القصائد الجاهلية الكثيرة فوضعتها على أركان الكعبة، إعجابًا بها وإشادة بذكرها!
стр. 6159
وهناك رواية أخرى مشابهة لرواية حماد عن تعليق المعلقات، يرجع سندها إلى ابن الكلبي، هذا نصها: "قال ابن الكلبي المتوفى سنة ٢٠٤ وقيل سنة ٢٠٦: أول شعر علق في الجاهلية شعر امرئ القيس، علق على ركن من أركان الكعبة أيام الموسم حتى نظر إليه، ثم أحدر فعلقت الشعراء ذلك بعده، وكان ذلك فخرًا للعرب في الجاهلية، وعدوا من علق شعره سبعة نفر، إلا أن عبد الملك طرح شعر أربعة منهم وأثبت مكانهم أربعة"١. "وزاد بعضهم أنهم كانوا يسجدون لها كما يسجدون لأصنامهم"٢. ولابن الكلبي زعم آخر له علاقة بهذا الموضوع، فقد ذكر أنه كان يقول: "كنت أستخرج أخبار العرب وأنسابهم وأنساب آل نصر بن ربيعة، ومبالغ أعمار من ولي منهم لآل كسرى، وتأريخ نسبهم، من كتبهم بالحيرة"٣.
فنحن إذن أمام رجلين يرجع إليهما خبر وجود تدوين للشعر الجاهلي، كان أحدهما من أمرس الناس بالشعر الجاهلي، وكان ثانيهما من أشهر رجال الأخبار. ولا نعرف أحدًا تقدم عليهما زعم هذا الزعم، أو ادَّعى هذه الدعوى! ثم إننا لا نجد في مؤلف من المؤلفات الإسلامية التي وصلت إلينا ما يفيد أن أحدًا قد نقل شيئًا من مدون جاهلي، أو قرأ فيه، خلا ما ورد عن ابن الكلبي من أنه كان يستخرج أنساب آل نصر وتأريخ من حكم منهم ومدد أعمارهم وما إلى ذلك من بيع الحيرة٤.
ولا يعقل بالطبع تصور انفراد حماد وحده بمعرفة أمر ديوان النعمان بن المنذر، دون سائر الرواة وعشاق الشعر، وبينهم من كان لا يقل حرصًا ولا تتبعًا له عن حمَّاد. ولا يعقل أيضًا تصور بلوغ الحرص والأنانية بآل مروان درجة جعلتهم يضنون حتى بالتلويح أو بإراءة ذلك الديوان الجاهلي بعضهم بعضًا. ولو كان عند آل مروان ذلك الديوان حقًّا، لافتخروا بوجوده لديهم، ولعرضوه على الناس، ولأخذوا منه الشعر القديم، ولما استعانوا بالرواة من حماد وأمثاله ليروون لهم الشعر الجاهلي وليجمعوا لهم ذلك الشعر، وحماد نفسه شاهد على ذلك
стр. 6160
حيث كانوا يستدعونه من العراق ليسألوه أمر شعر، خفي عليهم، أو شعر لا يعرفون عنه شيئًا، ثم كيف يسكت رواة أهل الكوفة عن هذا الديوان، فلا يشيرون في أخبارهم ورواياتهم إليه، ولا يلحقون به سندهم في روايتهم للشعر؟ قال ابن النديم: "قال أبو العباس ثعلب: جمع ديوان العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها ولغاتها الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وردّ الديوان إلى حماد وجناد"١، فلو كان لدى آل مروان ديوان جاهلي قديم، فهل يعقل ترك الوليد ذلك الديوان وذهابه إلى حماد وجناد يستعين بما عندهما من دواوين شعر، أو من ديوان شعر ليجمع له ديوانًا بأشعار القدماء، فلما جمع له ديوانًا من ديواني حماد وجناد أعادهما عليهما! ولو فرضنا أنه كان قد استعان بهما، لأنهما كانا قد جمعا شعر شعراء لم يكن عنده شعرهم، فإن الرواة ما كانوا ليسكتوا هذا السكوت المطبق عن ذلك، ولقالوا على الأقل إنه قد كان عنده ديوان شعر جاهلي، لكنه لم يكن تامًّا، يضم كل أشعار الجاهليين، فاستعان بهما لسد هذا النقص. ولو كان ديوان حماد أو ديوان جناد من دواوين أهل الجاهلية، لما سكت العلماء عن ذلك، ولما سكت حماد نفسه، أو جناد من التنويه به، لما لهذا التنويه من أهمية بالنسبة لهما، ولإثبات أنهما كانا صادقين في رواية الشعر، وأنهما استقيا الشعر من منابع أصيلة لا يرتقي إليها الشك.
ثم إنه لو كان لحماد أو غيره من أهل الكوفة ديوان جاهلي، أو أن أهل الكوفة كانوا قد وقفوا على ديوان النعمان بن المنذر أو على كتب من كتب أهل الحيرة في الشعر أو في التواريخ والأخبار، لما سكتوا عن ذلك أبدًا، ولأسندوا روايتهم إلى تلك المدونات، ردًّا بذلك على أهل البصرة الذين اتهموهم بالافتعال وبنحل الشعر على ألسنة الشعراء الجاهليين، وبأخذهم من أفواه أعراب لا يطمئن إليهم، على الأقل.
إن سكوت الرواة وعلماء الشعر عن أمر هذا الديوان، واقتصار خبر وجوده على روايات حماد، يحملنا هذا السكوت الغريب، على الشك في هذا المروي عنه وعلى التريث ولو مؤقتا في تصديقه، حتى يقوم دليل جديد مقنع بوصول شيء من مكتوبات أهل الحيرة إلى الإسلاميين يمكننا من إبداء رأي علمي واضح في هذا الموضوع.
стр. 6161
وقد سكتت كل الأخبار التي تحدثت عن طنوج النعمان بن المنذر، عن الجهة التي دخل الديوان في ملكها. كما سكتت عن مصيره النهائي. فأين ذهب يا ترى ذلك الديوان؟ ولِمَ لَمْ ينقل منه أحد؟ ولِمَ لم يُشِرْ إلى وجوده شخص آخر غير حماد؟
ولم أعثر حتى الآن على خبر يفيد علم أحد من المتقدمين على حماد بوجود ديوان شعر جاهلي مدوَّن، ولا بنقل أحد من الرواة وبضمنهم حماد نفسه من هذا الديوان أو من ديوان آخر يعود تأريخه إلى أيام الجاهلية. مع أن بين عشاق الكتب من كان يقتني الكتب والقراطيس القديمة، ويتهالك ويستهتر في المحافظة عليها وفي العناية بها، وبينهم من كان يملك ما شاء الله منها. وقد قص ابن النديم الورَّاق المتهالك في البحث عن الكتب قصصًا عن القراطيس والكتب القديمة وعن استهتار الناس بجمع الخطوط العتيقة، ولم يشر إلى عثوره هو أو غيره على صفحة واحدة مكتوبة قبل الإسلام في الشعر أو في النثر. ولو كان قد سمع بهذه الأوراق، لما تركها تمر سبيلها، فلا يراها أو يسمع عنها ممن وقف عليها ورآها على الأقل١. نعم: ذكر أنه "كان في خزانة المأمون كتاب بخط عبد المطلب بن هاشم في جلد أدم فيه ذكر حق عبد المطلب بن هاشم من أهل مكة على فلان ابن فلان الحميري من أهل وزل صنعا، عليه ألف درهم فضة كيلا بالحديدة، ومتى دعاه بها أجابه شهد الله والملكان. وكان الخط شبه خط النساء"٢. وهو خبر تظهر عليه آثار الصنعة، والوضع.
وقد يكو خبر الديوان، وخبر الطنوج من مفتعلات حماد وابن الكلبي، لإظهار سبب تفوق أهل الكوفة على أهل البصرة بالعلم بالشعر، كما يظهر ذلك جليًّا من نص الخبر، وهو "ومن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة٣ ولإظهار سبب تفوق ابن الكلبي على غيره من أهل الأخبار في رواية أخبار ملوك الحيرة، غير أني لا أستبعد مع ذلك وجود دفاتر وكتب في خزائن ملوك الحيرة وفي قصورها وكنائسها، قد كان فيها شعر ونثر وأخبار
стр. 6162
ومراسلات وسجلات بالأموال وما شابه ذلك لوجود حكومي عندهم تولاه عدي بن زيد، ووجود علماء ورجال دين عندهم ألَّفوا الكتب في أمور الدين وفي العلوم التي كانت سائدة في ذلك الوقت، لكنها تلفت وهلكت بسبب الأحداث التي وقعت في الحيرة أيام الفتح الإسلامي لها، وارتحال الناس عنها وفي جملتها رجال الدين، وتهدم كنائسها وبيوتها بسبب نقل حجارتها إلى الكوفة لبناء بيوتها بها، مما سبب تلف تلك المدونات المكتوبة على أدم وقراطيس سهلة التلف، والتي لا يمكن لها مقاومة مثل هذه الأحداث. ولا يستغرب ذلك، فقد تلفت نسخ القرآن الأولى مثل نسخة حفصة بنت عمر، ونسخة عثمان وهلكت رسائل الرسول وكتبه على أهميتها، وذهبت الصحف القديمة التي دون بها الحديث أو سيرة الرسول، وغير ذلك، في أيام الراشدين وبني أمية، فهل يستغرب بعد ذلك ذهاب ما دوِّن في أيام ملوك الحيرة وانطماس أثره!
وقد تعرض بروكلمن لموضوع تدوين الشعر أو عدم تدوينه عند الجاهليين، فقال: "ومن ثم يعد خطأ من مركليوث وطه حسين أن أنكرا استعمال الكتابة في شمال الجزيرة العربية قبل الإسلام بالكلية، ورتبا على ذلك ما ذهبا إليه من أن جميع الأشعار المروية لشعراء جاهليين مصنوعة عليهم، ومنحولة لأسمائهم.
ولكن بديهيًّا أن الكتابة لم تقضَ قضاءً كليًّا على الرواية الشَّفوية. فقد كان لكل شاعر جاهلي كبير على وجه التقريب راوية يصحبه، يروي عنه أشعاره، وينشرها بين الناس، وربما احتذى آثاره الفنية من بعده، وزاد عليها من عنده وكان هؤلاء الرواة يعتمدون في الغالب على الرواية الشفوية ولا يستخدمون الكتابة إلا نادرًا.
وعن الرواة كانت تنتشر الدراية بالشعر في أوساط أوسع وأشمل، بعد أن يذيع في قبيلة الشاعر نفسه. ولهذا لم يمكن التحرز عن السقط والتحريف، وإن لاحظنا أن ذاكرة العرب الغضة في الزمن القديم كانت أقدر قدرة لا تحد على الحفظ والاستيعاب من ذاكرة العالم الحديث"١.
وقد تعرض المستشرق "كرنكو" لموضوع الكتابة والتدوين عند العرب، وقد ذهب إلى أن نظم الشعر مرتبط بالكتابة، بدليل أن بعض القوافي تظهر حقيقتها
стр. 6163
للعيان أكثر منه للسمع، بحيث أن الحروف وليست الأصوات، هي التي تلعب دورًا هامًّا في الشعر١. غير أن رأيه هذا لم ينل تأييدًا من غالبية المستشرقين. وذهب "كو لدزيهر"، إلى احتمال تدوين العرب لشعر الهجاء، لما لهذا النوع من الشعر من أهمية عندهم، فإن في شعر الشاعرة ليلى الأخيلية:
أتاني من الأنباء أن عشيرة ... بشوران يزجون المطي المذللا
يروح ويغدو وفدهم بصحيفة ... ليستجلدوا لي، ساء ذلك معملا٢
وفي شعر ابن مقبل:
بني عامر، ما تأمرون بشاعر ... تخير بابات الكتاب هجائيًا٣
غير أن بعضهم يرى صعوبة تصور ذلك، لعدم وجود أدلة مقنعة تثبت هذا الرأي٤.
وقد توقف "بلاشير" أيضًا في قضية تدوين الرواة لشعر الشاعر الذي تخصصوا به، أو برواية شعر أي شاعر كان. يرى احتمال تدوين بعض الرواة الحضر لبعض عُيُون الشعر، غير أنه يعود، فيرى أن ذلك مجرد احتمال، وأن من الصعب إثباته بأدلة مقنعة، ويذهب إلى أن رواية الرواة، كانت رواية شفوية كذلك٥.
ولا استبعد احتمال تدوين الشعراء الجاهليين الذين كانوا يحسنون الكتابة والقراءة لأشعارهم، كما لا استبعد احتمال تدوين رواة الشعر، ولا سيما ما نبه وشرف منه، غير أننا لا يمكن أن نقول إن الشاعر كان إذ ذاك يدون كل شعره، أو أن الرواة، كانوا يدونون كل ما حفظوه من الشعر، لأن هذا النوع من التدوين لم يكن مألوفًا عندهم، كما كان يكلف ثمنًا باهظًا، لا قِبَلَ للشاعر أو للراوية بتحمله، ثم إن القرطاس كان نادرًا عندهم، والتدوين على
стр. 6164
الأدم، غاليًا، ينوء بثمنه الشاعر أو الرَّاوِيَة، ويأخذ مكانًا، ولا سيما إذا كان الشاعر من الأعراب، وأنا لا أستبعد احتمال وجود مثل هذه المدونات عند الحضر، مثل أهل الحيرة، لانتشار الكتابة بينهم ولشيوع التدوين عندهم، ولكن الأحداث وعوامل الطبيعة أتلفت تلك المدونات، فلم تسقط لهذا السبب في أيدي رواة الشعر والأخبار.
ولا تزال الرِّوَاية الشفوية مستعملة حتى اليوم، مع وجود التدوين وكثرة الورق، فلأغلب شعراء العراق اليوم -مثلا- رواة يدونون شعر الشاعر ويحفظونه في الوقت نفسه حفظًا، فإذا حضروا مجلسًا، وجاء ذكر الشعر، أو شعر شاعر يروون شعره تلوه حفظا على السامعين، وفي النجف رواة شعر، دونوا شعر شعرائها المحدثين مثل الحبّوبي وغيره في دواوين، وحفظوه في الوقت نفسه حفظًا في قلوبهم، ومنهم من حفظ شعره من غير تدوين له، وقد يزيد ما يحفظونه على ما هو مدون بسبب أن الشاعر قد يحضر مناسبة تهزة فيقول فيها شيئًا فيحفظه رواته والمعجبون به، وقد يفوت تسجيله على رواته الذين يلازمون الشاعر، فلا يقفون عل خبره، ويدفع الإعجاب بالشاعر المعجبين به على التقاط شعره وحفظه في أدمغتهم حتى كأنهم أشرطة تسجيل حساسة، لا يفوتها من التسجيل أي شيء.
وبسبب عدم لجوء الجاهليين إلى تدوين شعرهم في الغالب، لأسباب عديدة، منها: ندرة الورق، وغلاؤه، واعتمادهم في حفظه على الذاكرة، هلك أكثره بموت حافظه، وأصيب قسم منه بتحريف وتغيير، وزيد بعض منه، ونقص منه بعض آخر، وصنع شعر على المتقدمين لأغراض مختلفة، ونسب الشعر إلى جملة شعراء، ورويت أبيات بروايات مختلفة، وما كان ذلك ليحدث، لو أنهم كانوا قد عمدوا إلى تدوينه وتثبيته. "قال أبو عمرو بن العلاء: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير. ومما يدل على ذهاب العلم وسقوطه، قلة ما بقي بأيدي الرواة المصححين لطرفة وعبيد، والذي صح لهما قصائد بقدر عشر، وإن لم يكن لهما غيرهن فليس موضعهما حيث وضعا من الشهرة والتقدمة. وإن كان ما يروى من الغثاء لهما فليسا يستحقان مكانهما على أفواه الرواة، ونرى أن غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير، وغير أن الذي نالهما من ذلك أكثر. وكانا أقدم الفحول، فلعل ذلك لذلك، فلما قل كلامهما
стр. 6165
حمل عليهما حمل كثير"١. وقد ذكر ابن سلام أن عبيد بن الأبرص قديم عظيم الذكر، عظيم الشهرة، وشعره مضطرب لا أعرف له إلا قوله:
أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب
ولا أدري ما بعد ذلك"٢.
وذكر أنه قد سقط من شعر شعراء القبائل الشيء الكثير، وفات على علماء الشعر منه ما شاء الله، مما لم يحمله إلينا العلماء والنقلة. وقيل عن الأصمعي: "كان ثلاثة أخوة من بني سعد لم يأتوا الأمصار، فذهب رجزهم، يقال لهم: منذر ونذير ومنتذر، ويقال إن قصيدة رؤبة التي أولها:
وقائم الأعماق خاوي المخترق
لمنتذر"٣.
ونسب إلى أبي عمرو بن العلاء قوله: "لما راجعت العرب في الإسلام رواية الشعر بعد أن اشتغلت عنه بالجهاد والغزو، واستقل، واستقل بعض العشائر شعر شعرائهم، وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قوم قلت وقائعهم وأشعارهم، فأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار؟ فقالوا على ألسن شعرائهم. ثم كانت الرواية بعد فزادوا في الأشعار التي قيلت، وليس يشكل على أهل العلم زيادة ذلك، ولا ما وضعوا ولا ما وضع المولدون، وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل البادية من ولد الشعر أو الرجل ليس من ولدهم، فيشكل ذلك بعض الإشكال"٤.
وقال "ابن قتيبة": "والشعراء المعروفون بالشعر عند عشائرهم وقبائلهم في الجاهلية والإسلام، أكثر من أن يحيط بهم محيط أو يقف من وراء عددهم واقف، ولو انفد عمره في التنقير عنهم، واستفرغ مجهوده في البحث والسؤال.