← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.

стр. 6161

وقد سكتت كل الأخبار التي تحدثت عن طنوج النعمان بن المنذر، عن الجهة التي دخل الديوان في ملكها. كما سكتت عن مصيره النهائي. فأين ذهب يا ترى ذلك الديوان؟ ولِمَ لَمْ ينقل منه أحد؟ ولِمَ لم يُشِرْ إلى وجوده شخص آخر غير حماد؟ ولم أعثر حتى الآن على خبر يفيد علم أحد من المتقدمين على حماد بوجود ديوان شعر جاهلي مدوَّن، ولا بنقل أحد من الرواة وبضمنهم حماد نفسه من هذا الديوان أو من ديوان آخر يعود تأريخه إلى أيام الجاهلية. مع أن بين عشاق الكتب من كان يقتني الكتب والقراطيس القديمة، ويتهالك ويستهتر في المحافظة عليها وفي العناية بها، وبينهم من كان يملك ما شاء الله منها. وقد قص ابن النديم الورَّاق المتهالك في البحث عن الكتب قصصًا عن القراطيس والكتب القديمة وعن استهتار الناس بجمع الخطوط العتيقة، ولم يشر إلى عثوره هو أو غيره على صفحة واحدة مكتوبة قبل الإسلام في الشعر أو في النثر. ولو كان قد سمع بهذه الأوراق، لما تركها تمر سبيلها، فلا يراها أو يسمع عنها ممن وقف عليها ورآها على الأقل١. نعم: ذكر أنه "كان في خزانة المأمون كتاب بخط عبد المطلب بن هاشم في جلد أدم فيه ذكر حق عبد المطلب بن هاشم من أهل مكة على فلان ابن فلان الحميري من أهل وزل صنعا، عليه ألف درهم فضة كيلا بالحديدة، ومتى دعاه بها أجابه شهد الله والملكان. وكان الخط شبه خط النساء"٢. وهو خبر تظهر عليه آثار الصنعة، والوضع. وقد يكو خبر الديوان، وخبر الطنوج من مفتعلات حماد وابن الكلبي، لإظهار سبب تفوق أهل الكوفة على أهل البصرة بالعلم بالشعر، كما يظهر ذلك جليًّا من نص الخبر، وهو "ومن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة٣ ولإظهار سبب تفوق ابن الكلبي على غيره من أهل الأخبار في رواية أخبار ملوك الحيرة، غير أني لا أستبعد مع ذلك وجود دفاتر وكتب في خزائن ملوك الحيرة وفي قصورها وكنائسها، قد كان فيها شعر ونثر وأخبار

стр. 6162

ومراسلات وسجلات بالأموال وما شابه ذلك لوجود حكومي عندهم تولاه عدي بن زيد، ووجود علماء ورجال دين عندهم ألَّفوا الكتب في أمور الدين وفي العلوم التي كانت سائدة في ذلك الوقت، لكنها تلفت وهلكت بسبب الأحداث التي وقعت في الحيرة أيام الفتح الإسلامي لها، وارتحال الناس عنها وفي جملتها رجال الدين، وتهدم كنائسها وبيوتها بسبب نقل حجارتها إلى الكوفة لبناء بيوتها بها، مما سبب تلف تلك المدونات المكتوبة على أدم وقراطيس سهلة التلف، والتي لا يمكن لها مقاومة مثل هذه الأحداث. ولا يستغرب ذلك، فقد تلفت نسخ القرآن الأولى مثل نسخة حفصة بنت عمر، ونسخة عثمان وهلكت رسائل الرسول وكتبه على أهميتها، وذهبت الصحف القديمة التي دون بها الحديث أو سيرة الرسول، وغير ذلك، في أيام الراشدين وبني أمية، فهل يستغرب بعد ذلك ذهاب ما دوِّن في أيام ملوك الحيرة وانطماس أثره! وقد تعرض بروكلمن لموضوع تدوين الشعر أو عدم تدوينه عند الجاهليين، فقال: "ومن ثم يعد خطأ من مركليوث وطه حسين أن أنكرا استعمال الكتابة في شمال الجزيرة العربية قبل الإسلام بالكلية، ورتبا على ذلك ما ذهبا إليه من أن جميع الأشعار المروية لشعراء جاهليين مصنوعة عليهم، ومنحولة لأسمائهم. ولكن بديهيًّا أن الكتابة لم تقضَ قضاءً كليًّا على الرواية الشَّفوية. فقد كان لكل شاعر جاهلي كبير على وجه التقريب راوية يصحبه، يروي عنه أشعاره، وينشرها بين الناس، وربما احتذى آثاره الفنية من بعده، وزاد عليها من عنده وكان هؤلاء الرواة يعتمدون في الغالب على الرواية الشفوية ولا يستخدمون الكتابة إلا نادرًا. وعن الرواة كانت تنتشر الدراية بالشعر في أوساط أوسع وأشمل، بعد أن يذيع في قبيلة الشاعر نفسه. ولهذا لم يمكن التحرز عن السقط والتحريف، وإن لاحظنا أن ذاكرة العرب الغضة في الزمن القديم كانت أقدر قدرة لا تحد على الحفظ والاستيعاب من ذاكرة العالم الحديث"١. وقد تعرض المستشرق "كرنكو" لموضوع الكتابة والتدوين عند العرب، وقد ذهب إلى أن نظم الشعر مرتبط بالكتابة، بدليل أن بعض القوافي تظهر حقيقتها

стр. 6163

للعيان أكثر منه للسمع، بحيث أن الحروف وليست الأصوات، هي التي تلعب دورًا هامًّا في الشعر١. غير أن رأيه هذا لم ينل تأييدًا من غالبية المستشرقين. وذهب "كو لدزيهر"، إلى احتمال تدوين العرب لشعر الهجاء، لما لهذا النوع من الشعر من أهمية عندهم، فإن في شعر الشاعرة ليلى الأخيلية: أتاني من الأنباء أن عشيرة ... بشوران يزجون المطي المذللا يروح ويغدو وفدهم بصحيفة ... ليستجلدوا لي، ساء ذلك معملا٢ وفي شعر ابن مقبل: بني عامر، ما تأمرون بشاعر ... تخير بابات الكتاب هجائيًا٣ غير أن بعضهم يرى صعوبة تصور ذلك، لعدم وجود أدلة مقنعة تثبت هذا الرأي٤. وقد توقف "بلاشير" أيضًا في قضية تدوين الرواة لشعر الشاعر الذي تخصصوا به، أو برواية شعر أي شاعر كان. يرى احتمال تدوين بعض الرواة الحضر لبعض عُيُون الشعر، غير أنه يعود، فيرى أن ذلك مجرد احتمال، وأن من الصعب إثباته بأدلة مقنعة، ويذهب إلى أن رواية الرواة، كانت رواية شفوية كذلك٥. ولا استبعد احتمال تدوين الشعراء الجاهليين الذين كانوا يحسنون الكتابة والقراءة لأشعارهم، كما لا استبعد احتمال تدوين رواة الشعر، ولا سيما ما نبه وشرف منه، غير أننا لا يمكن أن نقول إن الشاعر كان إذ ذاك يدون كل شعره، أو أن الرواة، كانوا يدونون كل ما حفظوه من الشعر، لأن هذا النوع من التدوين لم يكن مألوفًا عندهم، كما كان يكلف ثمنًا باهظًا، لا قِبَلَ للشاعر أو للراوية بتحمله، ثم إن القرطاس كان نادرًا عندهم، والتدوين على

стр. 6164

الأدم، غاليًا، ينوء بثمنه الشاعر أو الرَّاوِيَة، ويأخذ مكانًا، ولا سيما إذا كان الشاعر من الأعراب، وأنا لا أستبعد احتمال وجود مثل هذه المدونات عند الحضر، مثل أهل الحيرة، لانتشار الكتابة بينهم ولشيوع التدوين عندهم، ولكن الأحداث وعوامل الطبيعة أتلفت تلك المدونات، فلم تسقط لهذا السبب في أيدي رواة الشعر والأخبار. ولا تزال الرِّوَاية الشفوية مستعملة حتى اليوم، مع وجود التدوين وكثرة الورق، فلأغلب شعراء العراق اليوم -مثلا- رواة يدونون شعر الشاعر ويحفظونه في الوقت نفسه حفظًا، فإذا حضروا مجلسًا، وجاء ذكر الشعر، أو شعر شاعر يروون شعره تلوه حفظا على السامعين، وفي النجف رواة شعر، دونوا شعر شعرائها المحدثين مثل الحبّوبي وغيره في دواوين، وحفظوه في الوقت نفسه حفظًا في قلوبهم، ومنهم من حفظ شعره من غير تدوين له، وقد يزيد ما يحفظونه على ما هو مدون بسبب أن الشاعر قد يحضر مناسبة تهزة فيقول فيها شيئًا فيحفظه رواته والمعجبون به، وقد يفوت تسجيله على رواته الذين يلازمون الشاعر، فلا يقفون عل خبره، ويدفع الإعجاب بالشاعر المعجبين به على التقاط شعره وحفظه في أدمغتهم حتى كأنهم أشرطة تسجيل حساسة، لا يفوتها من التسجيل أي شيء. وبسبب عدم لجوء الجاهليين إلى تدوين شعرهم في الغالب، لأسباب عديدة، منها: ندرة الورق، وغلاؤه، واعتمادهم في حفظه على الذاكرة، هلك أكثره بموت حافظه، وأصيب قسم منه بتحريف وتغيير، وزيد بعض منه، ونقص منه بعض آخر، وصنع شعر على المتقدمين لأغراض مختلفة، ونسب الشعر إلى جملة شعراء، ورويت أبيات بروايات مختلفة، وما كان ذلك ليحدث، لو أنهم كانوا قد عمدوا إلى تدوينه وتثبيته. "قال أبو عمرو بن العلاء: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير. ومما يدل على ذهاب العلم وسقوطه، قلة ما بقي بأيدي الرواة المصححين لطرفة وعبيد، والذي صح لهما قصائد بقدر عشر، وإن لم يكن لهما غيرهن فليس موضعهما حيث وضعا من الشهرة والتقدمة. وإن كان ما يروى من الغثاء لهما فليسا يستحقان مكانهما على أفواه الرواة، ونرى أن غيرهما قد سقط من كلامه كلام كثير، وغير أن الذي نالهما من ذلك أكثر. وكانا أقدم الفحول، فلعل ذلك لذلك، فلما قل كلامهما

стр. 6165

حمل عليهما حمل كثير"١. وقد ذكر ابن سلام أن عبيد بن الأبرص قديم عظيم الذكر، عظيم الشهرة، وشعره مضطرب لا أعرف له إلا قوله: أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب ولا أدري ما بعد ذلك"٢. وذكر أنه قد سقط من شعر شعراء القبائل الشيء الكثير، وفات على علماء الشعر منه ما شاء الله، مما لم يحمله إلينا العلماء والنقلة. وقيل عن الأصمعي: "كان ثلاثة أخوة من بني سعد لم يأتوا الأمصار، فذهب رجزهم، يقال لهم: منذر ونذير ومنتذر، ويقال إن قصيدة رؤبة التي أولها: وقائم الأعماق خاوي المخترق لمنتذر"٣. ونسب إلى أبي عمرو بن العلاء قوله: "لما راجعت العرب في الإسلام رواية الشعر بعد أن اشتغلت عنه بالجهاد والغزو، واستقل، واستقل بعض العشائر شعر شعرائهم، وما ذهب من ذكر وقائعهم، وكان قوم قلت وقائعهم وأشعارهم، فأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار؟ فقالوا على ألسن شعرائهم. ثم كانت الرواية بعد فزادوا في الأشعار التي قيلت، وليس يشكل على أهل العلم زيادة ذلك، ولا ما وضعوا ولا ما وضع المولدون، وإنما عضل بهم أن يقول الرجل من أهل البادية من ولد الشعر أو الرجل ليس من ولدهم، فيشكل ذلك بعض الإشكال"٤. وقال "ابن قتيبة": "والشعراء المعروفون بالشعر عند عشائرهم وقبائلهم في الجاهلية والإسلام، أكثر من أن يحيط بهم محيط أو يقف من وراء عددهم واقف، ولو انفد عمره في التنقير عنهم، واستفرغ مجهوده في البحث والسؤال.

стр. 6166

٢٦١ ولا أحسب أحدًا من علمائنا استغرق شعر قبيلة حتى لم يفته من تلك القبيلة شاعر إلا عرفه، ولاقصيدة إلا رواها"١. وورد عن أبي عبيدة قوله: إن ابن دؤاد بن مُتَمِّم بن نُوَيرَةَ قدم البصرة في بعض ما يقدم له البدوي من الجلب والميرة، فأتيته أنا وابن نوح، فسألناه عن شعر أبيه متمم، وقمنا له بحاجته، فلما فقد شعر أبيه جعل يزيد في الأشعار، ويضعها لنا، وإذا كلام دون كلام متمِّم، وإذا هو يحتذي على كلامه، فيذكر المواضع التي ذكرها متمم، والوقائع التي شهدها، فلما توالى ذلك علينا علمنا أنه يفتعله"٢. وقد ينسب قوم شعرًا لشاعر، بينما ينسبه قوم لشاعر آخر، وقد يختلف في ذلك أهل البادية عن أهل الحاضرة، فقد روي مثلا أن أهل البادية من بني سعد يروون البيت: تعدو الذئاب على من لا كلاب له وتتقي مريض المستنفر الحامي للزبرقان بن بدر، بينما يرويه غيرهم للنابغة. وقد ذكر الرواة، أن من المحتمل أن يكون الزبرقان استزاده في شعره كالمثل حين جاء موضعه لا مجتلبًا له، وقد تفعل ذلك العرب، لا يريدون به السرقة٣. وقد حدث مثل ذلك في بيت شعر هو لأبي الصلت بن أبي ربيعة، هو: تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا بينما ترويه بنو عامر لنابغة الجعدي٤. ونسب: وبعد غد، يالهف نفسي من غد ... إذا راح أصحابي ولست برائح إلى هدبة بن خشرم، وعزاه آخرون إلى أبي الطمحان من

стр. 6167

المخضرمين، ثرب الزبير بن عبد المطلب١. وروي أن البيت: الحمد لله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلما وهو بيت ينسب إلى أمية بن أبي الصلت، وكان معروفًا عند حفظة الشعر مثل الحسن بن علي بن أبي طالب أنه له، إلا أن الرواة يذكرون أن النابغة الجعدي، قال للحسن: "يابن رسول الله، والله إني لأول الناس قالها، وإن السروق من سرق أمية شعره"٢. وروي أيضًا أن البيت: من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما هو من قصيدة للنابغة الجعدي، غير أن قسمًا من علماء الشعر يرويها لأمية بن أبي الصلت، وقسمًا آخر، كان متردًا، فقد ذكر أن راوية سأل خلف الأحمر عن القصيدة، فقال للنابغة، وقد يقال لأمية٣. ويظهر من هذين المثلين، أن الرواة كانوا يخلطون بين شعري الشاعرين. ومن ذلك نسبة الشعر الذي فيه: دانٍ مسفٍّ فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمشتكي كمن يمشي بقرواح إلى عبيد بن الأبرص، أو أوس بن حجر٤. ونسبة الشعر: والشعر صعب وطويل سلمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه إلى رؤبة وإلى الحطيئة٥.

стр. 6168

ويقع من ذلك شيء كثير مذكور في كتب الشعر والأدب، وهو يدل على أن الشعر لم يكن مدونًا في بادئ أمره، وإنما كان يروى حفظًا، ولو كان قد أخذ من كتاب لما جاز عقلا وقوع مثل هذا الخطأ والاشتباه. ويحدث أن شاعرين يصنعان قصيدتين من بحر واحد وروي واحد، فيختلط أمرهما على الرواة، يدخلون أبياتًا من هذه في تلك، فتختلط نسبة الأبيات١. وقد وضع على لسان عدي بن زيد العبادي شعر كثير. وقد علل ابن سلام سبب ذلك بقوله: "كان يسكن الحيرة ومراكز الريف، فَلَان لسانُه، وسهل منطقه، فحمل عليه شيء كثير، وتخليصه شديد، واضطرب فيه خلف، وخلط فيه المفضل فأكثر. وله أربع قصائد غرر وروائع مبرزات، وله بعده شعر حسن"٢. وقد تكون للعصبية يد في هذا الوضع. فعدي من أهل الحيرة، وقد تعصب أهل الكوفة للحيرة، إذ انتقل أكثر أهل الحيرة إلى الكوفة فأقاموا بها، وتعصبوا لتأريخهم القديم، فلعل هذه العصبية هي التي حملتهم على وضع الشعر على لسانه لرفع شأن نصارى الحيرة في الشعر. ومع اشتهار الحيرة بالكتابة، واشتهار عدي بها خاصة، إذ كان من كتاب كسرى بالعربية، فإننا لم نعثر على خبر يفيد أن الرواة أخذوا شعر عدي عن ورقة جاهلية، أو ديوان جاهلي مدون. ولو كان لعدي ديوان مدون، لما وقع في شعره ما قاله ابن سلام. وقد يسأل سائل: كيف يعقل أن يضع شاعر مثل حمّاد الراوية شعرًا فخمًا جزلا يستعز به ثم ينسبه إلى الجاهليين ولو نسبه إلى نفسه لكان اليوم فخرًا له ولعد من أكابر الشعراء فأقول: كان طلب آل مروان للشعر الجاهلي شديدًا. وهذا ما صيَّر رواية الشعر من الحرف النافعة التي كانت تدر أرباحا طيبة لأصحابها تزيد على الأرباح التي يحصل عليها الشاعر من شعره. وقد كسب حماد من حرفته هذه مالا حسنًا. غير أن الإلحاح في طلب هذا الشعر والإغراء الذي أبداه عشاقه للرواة، أفسد الرواة، وحملهم على وضع الشعر وحمله على القدماء للحصول على الأجر، ولنيل الحظوة، ولإظهار العلم وسعة الحفظ. وقد زاد في هذا الوضع

стр. 6169

المنافسة الشديدة التي كانت بين الرواة، فخلقت هذه الظروف وأمثالها شعرًا جديدًا منحولا حسب على ملاك شعر الجاهليين. ونجد في ثنايا كتب الأدب وفي كتب الشعر أشعارًا كثيرة منحولة وضعت قديمًا على ألسنة الجاهليين، وضعت لأن الناس كانوا يومئذ في شوق عظيم وتعطش إلى سماع أشعار من قبلهم، كانوا يقبلون عليها أكثر من إقبالهم على شعر معاصريهم من الشعراء، ويجزلون له العطاء أكثر من إجزالهم لسماع شعر شاعر معاصر، إلا ما قد يكون منه في المدح والذم. وكان ربح الراوية القدر المتبحر بالشعر الجاهلي المتجر به العارف بنظم الشعر لا يقل عن ربح الشاعر العظيم إن لم يزد عليه في أكثر الأحيان. والعادة أن مكافأة الشاعر المعاصر على شعر، لا تكون إلا في أمور لها صلة بالمجتمع، مثل المدح والهجاء والهزل والاستخفاف والتضحيك، أما في غير ذلك فتقديره إلى العلماء وأصحاب الذوق، وهم لا يثيبون على هذه الأمور إلا قليلا، ولهذا يكون تقدير الشاعر الذي لا يمدح ولا يهجو ولا يتقرب لأحد بالأمور المذكورة، بعد موته في الغالب، فلا ينال مثل هذا الشاعر من العيش ما يكفيه. ثم إن الراوية مطلوب في كل وقت، مرغوب فيه، وسوقه رائجة. فإذا غنت مغنية بيتًا قديمًا، أراد السامعون معرفة صاحبه، وأكثر الناس خبرة بأصحاب الشعر القديم هم الرواة، وهم قلة، لما يجب أن يكون في الراوية من خصائص تجعله من نوادر الرجال. فالذكاء الخارق، والعلم بالشعر وبأساليبه، والتمكن من العربية بمفرداتها وبلهجاتها وبالقبائل وبأيام العرب وبأمثال ذلك، هي من اللوازم التي لا تتهيأ لكل إنسان، ولذلك لم يكن أمثال هؤلاء الرواة إلا أفرادًا نص العلماء على أسمائهم نصًّا. وقد نالوا في أيامهم شهرة لم تكن أقل منزلة من شهرة أفذاذ الشعراء، وقد تدرب عليهم فحول الشعراء، وتخرج من مدرستهم أعاظم شعراء العرب في الإسلام. فرواية الشعر إذن وحفظه وصنعه، لم تكن حرفة سهلة يسيرة، ولا منزلة صغيرة بالنسبة إلى منزلة الشاعر، إنها لا تقل في السمو عن أرفع منزلة وصل إليها الشعراء في ذلك العهد. ولم يقل دخل الراوية من عطايا الملوك وهداياهم بأقل من دخل الشاعر، إن لم يزد عليه في بعض الأحيان، ولهذا فليس بغريب إذا ما رأينا الشاعر ينسب شعره للجاهليين، ويرويه على أنه من شعر شاعر جاهلي قديم، ولا ينسبه لنفسه. وآفة ما تقدم عدم التدوين والتقييد، ولو كان الشعر مدونًا في صحف وكتب،

стр. 6170

ومقيدًا على حجر، لما ضاع هذا الضياع، ولما اعتوره هذا التغيير، الخطير، فحوّر فيه وغيَّر، وقد أدرك أثر هذا المرض على الشعر، شاعر إسلامي، هو ذو الرمة، فقال: لعيسى بن عمر: اكتب شعري، فالكتاب أحب إلي من الحفظ لأن الأعرابي ينسى الكلمة وقد سهر في طلبها ليلته، فيضع في موضعها كلمة في وزنها، ثم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلامًا بكلام"١. وقد كان للشعراء الذين ظهروا في أيام الأمويين رواة، يروون شعرهم، كما كانوا يهذبونه وينقحونه ويدخلون بعض التغيير عليه، بعلم الشاعر وبموافقته، لعلة فاتت عليه، فقد كان لجرير رواته، وكان للفرزدق رواته، وكانوا يقوّمون ما انحرف من شعرهم وما قد يكون فيه من سناد وعيوب، خفي أمرها على الشاعر، فأدرك أمرها الرواة٢.

стр. 6171

رُوَاةُ الشِّعْرِ: وقد ذكر علماء الشعر أن الشعراء في الجاهلية كانوا يتخذون لهم رواة يحفظونهم شعرهم حفظًا ويروونه رواية. ومعنى هذا أن أولئك الرواة كانوا يلازمون الشعراء، فإذا نظم الشاعر شعرًا تلاه على راويته ليحفظه فلا ينساه، وإذا غيّر الشاعر في شعره أو عدل فيه أشار على راويته بما غير وعدل حتى يعدل هو ويغير في الذي حفظه. فراوية الشاعر، هو نسخة ثانية حافظة لشعر الشاعر، أما النسخة الأولى، فهو الشاعر نفسه. وقد يتهيأ للشاعر جملة رواة، ويقال لمن يحفظ الكثير من الشعر، وللكثير الرواية هو "راوية للشعر"١. وأولئك الرواة، هم دواوين شعر ناطقة، تحفظ المتون، أي أصول الشعر، كما تحفظ المناسبات، أي الظروف التي قيل فيها الشعر. وهم أنفسهم ذوو حس مرهف، وفهم عالٍ للشعر. إذ لا يقبل على رواية الشعر وحفظه إلا أصحاب الحس المرهف الموهوبون، الذين لهم طبع شاعري، وميل غريزي فيهم إليه. ولهذا تنتهي الرواية بالراوية في الأغلب إلى قول الشعر ونظمه، فيكون في

стр. 6172

عداد فحول الشعراء. والرواية هي تمرين وإعداد لقول الشعر، ولفهم دروبه، تساعد الموهوب في إظهار مواهبه. "فقد وجدنا الشاعر من المطبوعين المتقدمين يفضل أصحابه برواية الشعر، ومعرفة الأخبار، والتلمذة لمن فوقه من الشعراء، فيقولون: فلان شاعر راوية، يريدون أنه إذا كان راوية عرف المقاصد، وسهل عليه مأخذ الكلام، ولم يضق به المذهب، وإذا كان مطبوعًا لا علم له ولا رواية ضل واهتدى من حيث لا يعلم، وربما طلب المعنى فلم يصل إليه وهو مائل بين يديه، لضعف آلته كالمقْعَد يجد في نفسه القوة على النهوض فلا تعينه الآلة. وقد سئل رؤبة بن العجاج عن الفحل من الشعر، فقال: هو الراوية، يريد أنه إذا روى استفحل. قال يونس بن حبيب: وإنما ذلك لأنه يجمع إلى جيد شعره معرفة جيد غيره، فلا يحمل نفسه إلا على بصيرة. وقال الأصمعي: لا يصير الشاعر في قريض الشعر فحلا حتى يروي أشعار العرب"١ والشعراء جميعا، هم في أول أمرهم بالشعر رواة شعر، ولا يكون الشاعر منهم شاعرا حتى يحفظ الشعر ويرويه، لأن الحفظ يساعد على قول الشعر ونظمه، ويكون تمرينًا له، ولا زال أمر الشعراء عندنا على هذا النحو، فأكثر شعرائنا هذا اليوم هم رواة في الأصل، حفظوا من الشعر ما ساعدهم على النظم، يضاف عليه موهبة الشاعر وسليقته فيه. وقد يقال إن الشاعر الراوية أمكن في الشعر وأقدر عليه من الشاعر، الذي لا يروي من الشعر إلا يسيرًا، أو لا يحفظ منه شيئًا، لأن الشاعر الراوية يتعلم من فنون الأقدمين ومن خبرتهم وتجاربهم في النظم ما يخفى على من ليس له علم سابق به.

стр. 6173

الشُّعَرَاءُ الرُّوَاةُ: وقد ذكر أهل الأخبار أسماء عدد من شعراء الجاهلية، بدءوا حياتهم في قول الشعر بروايته وحفظه، ثم صاروا من أكابر الشعراء. منهم زهير بن أبي سلمى، فقد بدأ حياته في الشعر راوية لشعر أوس بن حجر، وكان أوس راوية

стр. 6174

الطفيل الغَنَوِيّ وتلميذه١. ومنهم: كعب بن زهير بن أبي سُلْمَى، فقد كان راوية لوالده، ثم الحطيئة، فقد بدأ الشعر برواية شعر زهير وآل زهير٢. وكان زهير راوية طفيل الغنوي أيضا، وكان امرؤ القيس راوية أبي دواد الإيادي٣، وكان الأعشى راوية لشعر المسيب بن علس، والمسيب خال الأعشى٤. ولا نكاد نجد شاعرًا لم يحفظ شعر غيره من الشعراء المتقدمين عليه، أو من المعاصرين له. والشاعر العربي حتى اليوم، لا يكون شاعرًا فحلا في الشعر، إلا إذا حفظ من شعر غيره من الشعراء الفحول، فحفظ الشعر يدربه ويقويه على نظم الشعر، وكذلك كان أمر الشعراء الجاهليين. ويؤيد هذا الرأي ما نجده في الأخبار من حفظ الشعراء شعر غيرهم ومن مناقضتهم للشعراء في شعرهم، مما يدل بالطبع على حفظهم له. قال رؤبة: الفحولة هم الرواة، "يريد الذين يروون شعر غيرهم، فيكثر تصرفهم في الشعر ويقوون على القول"٥، فروايتهم للشعر أكسبتهم علمًا بأبوابه وبفنونه، ومكنتهم منه حتى صار يخرج على ألسنتهم سهلا قويًّا جيدًا، لما صار لهم من علم به ومران في حفظه. ويكاد يكون لكل شاعر جاهلي راوية يصحبه، يروي عنه أشعاره، وينشرها بين الناس. وربما احتذى آثاره الفنية من بعده، وزاد عليها من عنده. وكان هؤلاء الرواة يعتمدون في الغالب على الرواية الشفوية ولا يستخدمون الكتابة إلا نادرًا"٦. ومن رواة الأعشى، الراوية عبيد، وكان يصحب الأعشى ويروي شعره، وكان عالمًا بالإبل، وكان يسأله عن شعره وعن معانيه وألفاظه، وعنه أخذ الرواة مثل "سماك" أخبار الأعشى وشعره٧. وسماك هو سماك بن حرب، وهو من مشاهير الرواة.

стр. 6175

وكان من رواة الأعشى يحيى بنُ متى، وهو من أهل الحيرة، وكان نصرانيًّا عباديًا معمرًا١، وله راوية آخر اسمه يونس بن متى٢، وهو كما يظهر من اسمه من النصارى كذلك، وقد يكون هذا الشخص، هو الأول أي يحيى، حرَّف النساخ اسمه، فصار يونس٣. ولما كان بعض الرواة من الكتبة، فلا استبعد أن يكون من بينهم من دوَّن شعر شاعره إلى جانب حفظه لشعره، وذلك ليرجع إليه فيما إذا خانته حافظته، أو شك في شيء منه، أو لإجراء تنقيح في شعر شاعره، وتوجد روايات تشير إلى وقوع مثل هذا التدوين، غير أننا لا نستطيع أن نسلم بتأكيدها أو أن نقوم بنفيها في الوقت الحاضر، فمثل هذه الأحكام تحتاج إلى أدلة قوية مقنعة، ولا يمكن لنا التسليم بصحة تلك الروايات أو بردها في الوقت الحاضر٤. وقد تخصص بعض الناس برواية شعر جملة شعراء، وتخصص آخرون برواية شعر قبيلة، أو شعر جملة قبائل. ويظهر أن أسلوب الحفظ والتسجيل في الذاكرة، كان الأسلوب الشائع بين الجاهليين في ذلك الزمن في الإبقاء على النثر أو الشعر، وقد كان هذا الأسلوب متبعًا عند غير العرب في تلك الأيام، إذ كانوا يقيمون وزنًا كبيرًا للرواية، حتى إنهم كانوا يفضلون الحفظ على القراءة عن كتاب أو صحيفة، ولا سيما بالنسبة للكتب المقدسة والكتب الدينية الأخرى وفي الأمور النابهة مثل الشعر. يرون أن في القراءة ثوابًا وأجرًا عظيمًا، وتعظيمًا لشأن المقروء. ولا أستبعد أن تكون هذه النظرة هي التي جعلت أصحاب الرسول يحفظون القرآن ويتلونه تلاوة من غير قراءة عن كتاب ولا نظر في صحيفة، يتلونه أمام الرسول وبين أنفسهم وبين الناس، ولا يقرءونه عن كتاب، مع أن منهم من كان يقرأ ويكتب وقد جمع القرآن. وكان تقدير العالم آنذاك بحفظه، لا بما يكتبه من صحف وبما يؤلفه من مؤلفات، ولهذا اشتهر كثير من العلماء بسعة علمهم، مع أنهم لم يتركوا أثرًا مكتوبًا، لأن العلم بالحفظ لا بالتدوين، وقد ينتقص من شأن العالم إذا تلا علمه عن كتاب،

стр. 6176

حتى إن كان ذلك الكتاب كتابه، لأن القراءة عن كتاب لا تدل على وجود علم عند القارئ، وشأنه إذن دون شأن الحافظ، الخازن للعمل في دماغه المملي للعلم إملاء، وكانوا إذا انتقصوا عالمًا قالوا: إنه يتلو عن صحيفة، أو يقرأ عن صحيفة أو كتاب، ومن هنا قيل للذي يقرأ في صحيفة ويخطئ في قراءتها المصحفون، قال ابن سلام: "فلو كان الشعر مثل ما وضع لابن إسحاق ومثل ما يروي الصحفيون ما كانت إليه حاجة، ولا كان فيه دليل على علم"١. وقد حمل ابن سلام على رواة الشعر الذي تداولوه من كتاب إلى كتاب، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء، وإنما العلم علم العلماء بالشعر وأهل الرواية الصحيحة، أما أهل الصحف، الذين يروون من صحيفة، فلا يروى عنهم، إذ لا يروى عن صحفي"٢. وانتقصوا من علم القاسم بن محمد بن بشار الأنباري، ومن روى عنه مثل أحمد بن عبيد، الملقب أبا عصيدة، لأن هؤلاء "رواة أصحاب أسفار"، فهم لا يذكرون مع العلماء حفظة العلم٣، والرواة أصحاب السفر، والصحفيون، إنما كانوا يعتمدون على الصحف، ويحلون منها، ولذلك فقد يقع اللحن أو الخطأ منهم سهوًا أما الرواة الحفاظ، فلا يقع ذلك منهم إلا في النادر، ثم إنهم ينشدون الشعر من مخارجه وحروفه، وهذا هو تفسير قول ابن سلام وأضرابه: "ليس لأحد أن يقبل من صحيفة، ولا يروي من صحفي"٤. وفي جملة ما آخذ به ابن سلام الصحفيين، أي الذين يكتبون ويدونون ما يقال لهم، دون نقد، أنهم لم يكونوا أصحاب رأي وعلم، بل كانوا يقبلون كل ما يقال لهم، كما هو واضح من قوله في ابن اسحاق: "فلو كان الشعر مثل ما وضع لابن إسحاق، ومثل ما رواه الصحفيون، ما كانت إليه حاجة، ولا فيه دليل على علم"٥. ولهؤلاء الرواة فضل كبير -ولا شك- على الشعر الجاهلي وعلينا أيضا، فبحفظهم لذلك التراث القيم وبإذاعته وبنشره بين أبناء زمانهم، أمكن وصوله إلى من جاء بعدهم من عشاق الشعر والمتيمين به، حتى وصل إلى أيدي المدونين فدونوه.

стр. 6177

وصل بأفواه متعددة، ومن الصدور، ولهذا تعددت الروايات واختلفت القراءات وهذا شيء لا بد أن يحدث، وهو أمر غير مستغرب، فحفظ الصدور لا يكون كحفظ السطور. ولو كان الشعر قد دون في ذلك العهد، وسجل في صحف ودواوين لما اختلف الرواة الإسلاميون في تدوينه يوم شرعوا في جمع ذلك الشعر وتدوينه في دواوين. فنجد الرواة قد يختلقون في عدد أبيات القصيدة وفي ترتيبها وفي نص البيت، فترى روايات متعددة تمس بيتًا واحدًا، لا تمس شكل الكلمة، بحيث نرجع ذلك إلى خطأ النُّساخ، وإنما تمس اللفظة نفسها، أو جملة ألفاظ شطر البيت أو البيت نفسه، وكتب الشعر والأدب مليئة بأمثال هذه الأمور التي هي من حاصل الاعتماد على الرواية الشفوية في حفظ الشعر. ومتى أنشد شاعر شعره، وأذاع روايته بين الناس، حفظ وطار بين طلاب الشعر وعشاقه، لا سيما إذا كان مما يتصل بالناس. هذا عميرة بن جعل يهجو قومه، ثم يندم على ما قال، فيقول: ندمت على شتم العشيرة بعدما ... مضت واستتبت للرواة مذاهبه فأصبحت لا أسطيع دفعا لما مضى ... كما لا يرد الدَّر في الضرع حالبه١ وفي هذا المعنى جاء شعر المسيب بن علس. فلأهدين مع الرياح قصيدة ... مني مغلغلة إلى القعقاع ترد المياه فما تزال غريبة ... في القوم بين تمثل وسماع٢ فالشعر تحمله الرياح وتنشره بين الناس، فيحفظ، ويرويه الرواة. وكما كان لهم فضل على الشعر في تدوينه وتخليده، فكذلك كان لهم يد في إفساده وفي غشه وتزييفه. فقد كان منهم من يخلط في الشعر، ومنهم من كان يضيف عليه أو ينقص منه، أو يصنع الشعر فينحله الشعراء، ولما قيل للحطيئة، وهو من المخضرمين أوصِ قال: "ويل للشعر من الرواة السوء"٣. وفي قول

стр. 6178

هذا الشاعر الخبير بدروب الشعر وفنونه، شهادة كافية على ما كان لرواة الشعر من أثر في رواية الشعر، غير أن منهم من كان يحسن الشعر ويقومه، ذكر عن "ابن مقبل" قوله: "إني لأرسل البيوت عوجًا، فتأتي الرواة بها قد أقامتها"١. وقد تحدث "الجاحظ" عن رواة الشعر في أيامه، وعن ألوان الشعر التي كان الرواة يبحثون عنها، فقال: "وقد أدركت رواة المسجديين والمربديين ومن لم يرو أشعار المجانين ولصوص الأعراب، ونسيب الأعراب، والأرجاز الأعرابية القصار، وأشعار اليهود، والأشعار المنصفة، فإنهم كانوا لا يعدونه من الرواة. ثم استبردوا ذلك كله ووقفوا على قصار الحديث والقصائد، والفقر والنتف من كل شيء. ولقد شهدتهم وما هم على شيء أحرص منهم على نسيب العباس بن الأحنف، فما هو إلا أن أورد عليهم خلف الأحمر نسيب الأعراب، فصار زهوهم في شعر العباس بقدر رغبتهم في نسيب الأعراب. ثم رأيتهم منذ سنيات، وما يروي عندهم نسيب الأعراب إلا حدث السن قد ابتدأ في طلب الشعر، أو فتياني منعزل. وقد جلست إلى أبي عبيدة، والأصمعي، ويحيى بن المنجم، وأبي مالك عمرو بن كركرة مع من جالست من رواة البغداديين، فما رأيت أحدًا منهم قصد إلى شعر في النسيب فأنشده، وكان خلف يجمع ذلك كله. ولم أرَ غاية النحويين إلا كل شعر فيه إعراب. ولم أرَ غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج. ولم أرَ غاية رواة الأخبار إلى كل شعر فيه الشاهد والمثل"٢.

стр. 6179

التَّصْحِيفُ والتَّحْرِيفُ: أصل التصحيف أن يأخذ الرجل اللفظ من قراءته في صحيفة، ولم يكن سمعه من الرجال فيغيره عن الصواب. وقد وقع فيه جماعة من الأجلاء من أئمة اللغة

стр. 6180

وأئمة الحديث، حتى قال الإمام أحمد بن حنبل: من يعرى من الخطأ والتصحيف؟! قال ابن دُرَيد: صحف الخليل بن أحمد، فقال: يوم بغاث بالغين المعجمة، وإنما هو بالمهملة. أورده ابن الجوزي. وهو شيء لا يمكن وقوعه من الخليل، صاحب العلم الغزير بأحوال العرب، وقد يكون من فعل النساخ، إن صح كلام ابن الجوزي، فنسب التصحيف إلى الخليل. وسببه الخط، أما لتشابه الحروف، وإما بسبب عدم وجود الحركات، فمن النوع الأول حديث ينسب إلى الرسول هو: "تسمعون جرش طير الجنة"، وكان الأصمعي قد سمعه في مجلس شعبة، فقال: "جرس" بالسين لا بالشين٢. ومن هذا القبيل: ما وقع من تصحيف في شعر للحطيئة هو قوله: وغررتني وزعمت أنك لابن بالصيف تامر أي كثير اللبن والتمر، وقد قرأ: وغررتني وزعمت أنك لا تني بالضيف تامر أي لا تتوانى عن ضيفك بتعديل القرى إليه. ومثل ذلك تصحيف الأصمعي في بيت لأوس: يا عام لو صادفت أرماحنا ... لكان مثوى خدك الأخرما فقرأه "الأحزما"، وإنما هو "الأخرما" بالراء، وهو طرف أسفل الكتف٣. ومن ذلك ما وقع بين الأصمعي والمفضل عند عيسى بن جعفر، فقد ناظر المفضل الأصمعي، بأن أنشد بيت أوس بن حجر: وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبًا جذعا فقال له الأصمعي: "هذا تصحيف، لا يوصف التولب بالإجذاع، وإنما

стр. 6181

هو جدعا. الجدع: السيِّئ الغذاء، قال: فجعل المفضل يشغب، فقلت له: تكلم كلام النمل وأصب. لو نفخت في شبور يهودي ما نفعك شيئًا"١. وقرئ يومًا على الأصمعي في شعر أبي ذؤيب: فقال أعرابي حضر المجلس للقارئ ضل ضلالك أيها القارئ! إنما هي ذات الدبر، وهي ثنيةٌ عندنا، فأخذ الأصمعي بذلك فيما بعد٢. وقد أوردت الكتب أمثلة كثيرة على التصحيف، وقع فيه كثير من العلماء، من ذلك ما وقع لأبي عمرو وللأصمعي، ولأبي حاتم ولكبار علماء اللغة، ويعود سببه إلى التنقيط، فالحروف مثل الجيم، والحاء، والخاء، تميز بينها النقط، فإذا أخطأ الكاتب في وضع النقطة في محلها، وقع التصحيف. وقد يقع، ولا يقع خلل في القراءة، وإنما يتبدل المعنى، دون أن يشعر القارئ بوجود ارتباك في معنى المقروء، وقد يقع في الأعلام من أسماء الرجال والنساء والأمكنة، وقد وقع التَّصحيف في الكتب بسبب السهو في النسخ، أو جهل النُّسَّاخ، ومن ذلك ما وقع في كتاب "العين" وفي كتب لُغوية وأدبية ثمينة، أمكن رد بعضه إلى الصحيح، ولم يمكن تصحيح بعض آخر، لصعوبة تعيين المراد٣. وقد روى العسكري قصة طريفة على التَّصحيف والتَّحْريف، ذكر أنه "كان حيان بن بشر قد ولي قضاء بغداد، وكان من جملة أصحاب الحديث فروى يوما أن عرفجة قطع أنفه يوم الكلاب، فقال له مستمليه: أيها القاضي، أنما هو يوم الكلام، فأمر بحبسه، فدخل إليه الناس، فقالوا: ما دهاك؟ قال: قطع أنف عرفجة في الجاهلية، وابتليت به أنا في الإسلام"٤.

стр. 6182

الخَلْطُ بينَ الأَشْعَارِ: وبسبب اعتماد الرواة على الذاكرة في حفظ الشعر وروايته، وأنفة المتقدمين منهم من تدوينه، ومن الرجوع إلى الصحف وقع الخلط في شعر الشعراء، فصاروا ينسبون شعرًا لشاعر، بينما هو من شعر شاعر آخر. ونجد في كتب الأدب أشعارًا تنسب إلى شاعر، ثم تنسب إلى شاعر آخر، أو إلى شاعر ثالث في موضع آخر من الكتاب، أو في كتب أخرى. وما كان ذلك ليقع، لو كان القدماء قد أخذوا العلم بطريق الكتابة والتدوين. من ذلك مثلا الشعر: تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا فإنه ينسب لأبي الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، وينسبه بنو عامر للنابغة الجعدي١. ومن ذلك قصيدة: تَطاوَلَ لَيلُكَ بالأَثمدِ ... ونامَ الخَليُّ ولم تَرقُدِ فقد نسبت لامرئ القيس الكندي، ونسبت لعمرو بن معدي كرب، ونسبت لامرئ القيس بن عانس٢. وللسبب المتقدم وقع خلط في عدد أبيات الشعر، فقد زاد بعض الرواة في قصيدة شاعر، بينما نقص رواة آخرون عدد أبياتها، وقد يدخلون في القصيدة ما ليس منها بسبب اختلاط الشعر على الراوية، وما كان هذا ليقع لو ورد الشعر مدونًا منذ أيام الجاهلية. ومن ذلك أيضًا ورود الشعر بروايات وبأوجه مختلفة، فقد ورد الشعر المنسوب لأفنون التغلبي: لَو أَنَّني كُنتُ مِن عادٍ وَمِن إِرَمٍ ... غذى سخل ولُقمانا َوذا جَدَنِ بروايات مختلفة، كما قرئت بعض ألفاظه بأوجه مختلفة من أوجه الإعراب٣،

стр. 6183

وما كان ليقع هذا الاختلاف لو كان الشعر قد ورد مدوَّنًا أولا ومَشْكُولا ثانيًا، فلما جاء رواية بالألسن وقع فيه هذا الاختلاف. ونجد العلماء يغلط بعض بعضًا في إعراب ألفاظ الشعر، تتغير معانيه بقراءتها بأوجه متعددة من الأعراب، كما غلط بعضهم بعضًا وهاجم بعضهم بعضًا هجومًا عنيفًا خرج على حدود الأدب والياقة بسبب الإعجام، كما في "تعتر" و"تعنز" في بيت الحارث بن الحلِّزة: عنتا باطلا وظلمًا كما تعـ ـتر عن حجرة الربيض الظباء١ ونجد علماء الشعر والأدب يروون شعر شاعر بصور متباينة في كتبهم، فتجد الجاحظ مثلا، يروي أبيات شعر لشاعر، ثم يرويها بشكل يختلف عما ذكره لذلك الشاعر في موضع آخر من كتابه وذلك إما سهوًا، وإما باختلاف رواية، وإما من وقوع الزلل في اللسان. وتجد وقوع مثل ذلك في كتب اللغة، فقد ذكر ابن منظور بيتًا للأعشى هو: فأصبح لم يمنعه كيد وحيلة ... بساباط حتى مات وهو محرزق ثم ذكره بعد سطرين إلى هذه الصورة: هنالك ما أغنته عزة ملكه ... بساباط، حتى مات وهو محرزق٢. وقد يقع ذلك عن تعمد، بسبب الاستشهاد في تأييد مسألة نحوية أو لغوية، فقد روي أن سائلا سأل أبا عمرو بن العلاء عن جمع يد من الإنسان، فقال: أيد، وأنكر أن تكون الأيادي إلا في النعم، وقال الأخفش: "أما إنها في علمه، غير أنها لم تحضره، ثم أنشد بيت عدي بن زيد العبادي: أنكرت ما تبينت في أياديـ ... نا واشناقها إلى الأعناق بينما يروي: ساءها ما بنا تبين في الأيدي ... واشناقها إلى الأعناق٣

стр. 6184

وقد كان العلماء يتحذلقون في مثل الأمور، ويبحثون جهدهم عن الشاذ والغريب في الشعر، بل أخذ بعضهم يفتعل الغريب، ويضع الشاذ، فينسبه إلى المتقدمين لإفحام الخصم، ولإظهار مقدرته العلمية وبراعته في علوم اللغة أمام الخلفاء والحاكم وهذا مما أساء بالطبع إلى العلم، إذا أدى إلى دخول المصنوع في الشعر، وإلى الإساءة إلى سمعة العلماء. وتجد في "مجالس العلماء" للزجاجي، مجالس فيها من استهتار كبار العلماء بعضهم ببعض، ومن وضع أحدهم على الآخر، ما يبعث على الشفقة على حال قسم منهم، لما بلغوه في كلامهم وفي تصرفاتهم من الإسفاف بسبب محاولتهم التقدم عند الحكام، بالمنزلة والجاه ونيل المال. على كل حال، فقد خفت فوضى الرواية، بعد إقبال الناس على التدوين، وتحبير الشعر وأمالي المجالس وأقوال العلماء وآرائهم على القراطيس، خاصة بعد شيوع الاستنساخ وظهور جملة نسخ للكتاب الواحد، فضبطت بهذه الطريقة الرواية بعض الضبط، وصرنا أمام روايات متعددة للقطعة أو للقصيدة، وقد سدد هذه الطريقة وزاد في تثبيتها إقبال العلماء على نشر المخطوطات نشرًا حديثًا بواسطة الطباعة فوفرت هذه الطريقة نسخ المخطوطات القديمة للباحثين، ويسرت لهم بذلك الوقوف عليها مما مكنهم من إبداء نظرهم على ما جاء فيها من روايات عن الشعر العربي القديم.

стр. 6185

الفصل الثالث والخمسون بعد المئة: أشهر رواة الشعر مدخل ... الفَصْلُ الثَّالِثُ والخمسونَ بَعْدَ المائةِ: أَشْهَرُ رُوَاةِ الشِّعْرِ اشتهر مخرمة بن نوفل بن أهيب "وهيب" بن عبد مناف بن زهرة، وهو من قريش برواية الشعر وبالعلم به. "وكان من مسلمة الفتح، وله سر وعلم، كان يؤخذ عنه النسب١، ولا سيما نسب قريش إذ كان من العالمين به. وكان عالِمًا بأنصاب الحرم. فبعثه "عمر" هو وسعيد بن يربوع، وأزهر بن عبد عوف، وحويطب بن عبد العزى، فجددوها. وكانت أمه رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف شاعرة، وكانت لدة عبد المطلب٢. وعُرف أبو الجهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عوف بالعلم بالشعر. وهو من بني عدي. وكان من معمري قريش ومن مشيختهم، وكان أحد الأربعة الذين كانت قريش تأخذ عنهم النسب. وكان شديد العارضة، وكان "عمر" يمنعه حتى كف من لسانه. وكان من مسلمة الفتح، وكان مقدما في قريش معظمًا، وكانت فيه وفي بنيه شدة وعرامة٣. وكان أبو بكر من الحافظين للشعر الراوين له، روى المطلب بن المطلب

стр. 6186

ابن أبي وداعة عن جده قال: رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر -رضي الله تعالى عنه- عند باب بني شيبة، فمر رجل وهو يقول: يا أيها الرجل المحول رحله ... ألا نزلت بآل عبد الدار هبلتك أمك لو نزلت برحلهم ... منعوك من عدم ومن إقتار قال: فالتفت رسول الله ﷺ إلى أبي بكر فقال: أهكذا قال الشاعر؟ قال: لا والذي بعثك بالحق، لكنه قال: يا أيها الرجل المحول رحله ... الا نزلت بآل عند منف هبلتك أمك لو نزلت برحلهم ... منعوك من عدم ومن إفراف الخالطين فقيرهم بغنيهم ... حتى يعود فقيرهم كالكافي ويكللون جفانهم بسديفهم ... حتى تغيب الشمس في الرجاف منهم علي والنبي محمد ... القائلون هلم للأضياف قال: فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "هكذا سمعت الرواة ينشدونه" ١. وكان أبو بكر أحد العلماء بالنسب في قريش، وكانوا إذا أرادوا الوقوف على نسب رجل جاءوا إليه يسألونه، فهو عالم من علماء قريش فيه. وكان عمر بن الخطاب ممن يحفظون الشعر، ووصف بأنه كان عالمًا به٢ وبأنه "كان أعلم الناس بالشعر"، وكان يحكم على الشعر وينتقده، ولا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر٣، وأنه كان بصيرا به، حتى قيل عنه إنه كان "لا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر"٤، ورووا له أمثلة كثيرة من حفظه للشعر ومن حسن نقده له، ونفاذه في باطن معانيه ومحاسنه٥.

стр. 6187

وذكر أنه كان يقدم امرأ القيس على بقية الشعراء١. وكانت عائشة من رواة الشعر، وكانت تحفظ منه ما شاء الله، قيل إنها قالت: "إني لأروي ألف بيت للبيد، وأنه أقل مما أروي لغيره٢. وإنها كانت تحفظ من شعر كعب بن مالك شعرًا كثيرًا، منها القصيدة فيها أربعون بيتًا ودون ذلك٣، وكان تتمثل بالأشعار، وربما دخل عليها رسول الله، فوجدها تنشد الشعر٤. قال "أبو الزناد": "ما رأيت أحدًا أروى لشعر من عروة. فقيل له: ما أرواك، فقال: روايتي في رواية عائشة، ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا"، وورد عن عروة قوله: "ما رأيت أحدا أعلم بفقه، ولا بطب، ولا بشعر من عائشة"٥. وروي أنها كانت تحث على تعلم الشعر وروايته، بقولها: "رووا أولادكم الشعر تعذب ألسنتهم"٦. وكان ابن عباس من رواة الشعر وحفاظه. سأله عمر أن ينشده شعرًا، فطلب منه أن يذكر له اسم الشاعر لينشد له شعره، فقال زهير بن أبي سلمى، فأنشده "إلى أن برق الصبح"٧، وزعم أنه كان يفسر كلمات كتاب الله بالشعر، قال أبو عبيد: "إنه كان يُسأل عن القرآن فينشد فيه الشعر"٨. وزعم أهل الأخبار أن نافع بن الأزرق، ونجدة بن عويمر، سألا ابن عباس عن كلمات واردة في القرآن، فجلس لهما بفناء الكعبة، وأخذ نافع يسأله الكلمة تلو الكلمة وهو يشرحها لهم بشعر، وقد دون نصها العلماء، أخرج بعضها ابن الأنباري في كتاب الوقف، والطبراني في معجمه الكبير، ويرجع سند ابن الأنباري إلى ميمون بن مهران، ويرجع سند الطبراني إلى الضحاك بن مزاحم، وقد أخذ السيوطي بالروايتين وسجلهما في كتابه

стр. 6188

"الإتقان في علوم القرآن"، بعد أن حذف منها نحو بضعة عشر سؤالا١. وقد وردت هذه الرواية الرواية بصورة مختلفة٢، وذكر أن أبا عبيدة معمر بن المثنى، أخذ أسئلة نافع وأدخلها في كتابه في غريب القرآن٣. وكان معاوية ممن يروي ويحفظ الشعر الجاهلي، وقد رووا عن حفظه للشعر الجاهلي واستشهاده به في كلامه شيئًا كثيرًا، فزعموا أنه كان يمتحن الناس بأشعار الجاهليين، فإذا وجد في أحدهم علمًا بها زاد في عطائه وقدمه عنده وأجزل عليه٤. ورووا أنه كتب إلى زياد بشأن ابنه، وقد وجده عالما بكل ما سأله عنه إلا الشعر: "ما منعك أن ترويه الشعر؟ فوالله إن كان العاق ليرويه فيبر، وإن كان البخيل ليرويه فيسخو، وإن كان الجبان ليرويه فيقاتل٥. ويروى أنه سأل عبد الله بن زياد: ما منعك من روايته؟ قال: كرهت أن أجمع كلام الله وكلام الشيطان في صدري، فقال: أعزب! والله لقد وضعت رجلي في الركاب يوم صفين مرارًا، ما يمنعني من الإنهزام إلا أبيات ابن الإطنابة، وتمثل بها، ثم كتب إلى أبيه أن روِّه الشعر، فرواه فما كان يسقط عليه منه شيء٦. وقد تعرض "الجاحظ" لموضوع الشعر الجاهلي فقال: "والعرب أوعى لما تسمع، وأحفظ لما تأثر، ولها الأشعار التي تقيد عليها مآثرها، وتخلد لها محاسنها. وجرت من ذلك في إسلامها على مثل عادتها في جاهليتها، فبنت بذلك لبني مروان شرفًا كثيرًا ومجدًا كبيرًا وتدبيرًا لا يحصى"٧. وقد كان لبني سفيان وآل مروان

стр. 6189

عناية فائقة بالشعر الجاهلي، فقد كان "معاوية" كما ذكرت يحفظ كثيرًا من ذلك الشعر، وينقب عنه، وكان يسأل من يجد فيه العلم عنه، حتى زعم أنه ذكر قصيدتي عمرو بن كلثوم والحارث بن حِلِّزةَ اليَشْكُرِيّ، وقال: "كانتا من مفاخر العرب، وكانتا معلقتين بالكعبة دهرًا"١. وزعم أن بني أمية "كانوا ربما اختلفوا وهم بالشأم في بيت من الشعر، أو خبر، أو يوم من أيام العرب، فيبردون فيه بريدًا إلى العراق":٢، وأنهم كانوا يسألون الوافدين عليهم من سادات القبائل ومن الأعراب ومن العارفين بالشعر عن الشعراء، وقد يذكرون بيتًا أو شعرًا حفظوه لا يدرون اسم قائله، فكانوا يستفسرون عن قائله، وعن المناسبة التي قال الشاعر شعره فيها، ويحسنون جائزة من له علم بالشعر والأخبار٣. وكان عبد الملك بن مروان من العلماء بالشعر الجاهلي، قيل إنه كان يمتحن الناس به، ومنهم الحجاج بن أبي يوسف الثقفي٤. وقد ذكر أنه استدعى إليه عامر بن شراحيل الشعبي، ليحدثه عن الحلال والحرام، وعن أشعار العرب وأخبارهم، وكان الشعبي من ذلك الطراز البارع في الشعر وفي أخبار العرب وفي الحلال والحرام٥، وروي أن عبد الملك كان قد طرح أربعة من شعراء المعلقات، وأثبت مكانهم أربعة٦، وإذا صح هذا الخبر دل على وجود القصائد المسماة بالمعلقات في ذلك العهد. وروي أنه كان يقول: إذا أردتم الشعر الجيد، فعليكم بالزرق من بني قيس بن ثعلبة، وبأصحاب النخيل من يثرب، وأصحاب الشعف من هذيل٧. ويظهر أنه كان من المعجبين بشعر الأعشى، روي أنه قال لمؤدب ولده: "أدبهم برواية شعر الأعشى فإنه لكلامه عذوبة"٨. والأعشى هو من بني قيس بن ثعلبة،

стр. 6190

وقد كان يقيم وزنًا كبيرًا للشعر في تأديب الأولاد. فكانت وصيته لمؤدب ولده: "روهم الشعر، روهم الشعر، يمجدوا وينجدوا"١. وروي أنه تمثل وهو بمرضه الذي مات فيه بشعر ابن قميئة، وذلك أمام الشعبي، فأنشده الشعبي شعرًا من شعر لبيد٢. ونجد في الأخبار أن عبد الملك، كان إذا شك في شعر، أو أراد الوقوف عليه وعلى ظروفه، كتب إلى العلماء به، يسألهم عنه، أو يستدعي من يعرف أن له علمًا به، فيسأله عنه، أو يسأل آل الشعر أو أحد أفراد قبيلته عنه. وكان كثير الحفظ له، حتى كاد لا يدانيه فيه كثير من حفاظ الشعر، وكان يجمع إليه الشعراء في يوم، حتى يستمتع بإنشاد شعرهم، وشعر المتقدمين عليهم. وكان له ذوق في الشعر ونقد دقيق له، ذكر أنه قال يومًا للشعراء وقد اجتمعوا عنده: "تشبهوننا بالأسد والأسد أبخر، وبالبحر والبحر أجاج، وبالجبل مرة والجبل أوعر، أقلتم كما قال أيمن بن خريم" ثم ذكر شعره في بني هاشم٣. وقال للأخطل، وقد كان قد قال له: "يا أمير المؤمنين، قد امتدحتك فاستمع مني" "إن كنت إنما شبهتني بالصقر والأسد فلا حاجة لي في مدحتك، وإن كنت كما قالت أخت بني الشريد٤ لأخيها صخر فهات. فقال الأخطل: وما قالت يا أمير المؤمنين؟ قال: هي التي تقول: وما بلغت كف امرئ متناول ... من المجد إلا حيث ما نلت أطول٥ ثم قرأ عليه الأبيات. ولما دخل "جرثومة" الشاعر على عبد الملك بن مروان، فأنشده والأخطل حاضر، "قال عبد الملك للأخطل: هذا المدح ويلك يابن النصرانية"٦. وكان يجمع بين الشعراء، ويستمع إلى شعرهم، يجمعهم حتى إن كانوا

стр. 6191

متعادين متنافسين، فقد جمع بين جرير، والفرزدق، والأخطل، في مجلس واحد، وذكر أنه سأل أعرابيًّا شاعرًا عن أهجى بيت في الإسلام، وعن أرق بيت في الإسلام، فأشار إلى أبيات لجرير، وفضل جريرًا عليهما، فأيده عبد الملك في هذا الرأي١. وقد وصف عامر الشعبي، "عبد الملك بن مروان" وصفًا يدل على شدة إعجابه به؛ إذ يقول في وصفه له: "فلما فرغ من الطعام وقعد في مجلسه واندفعنا في الحديث، وذهبت لأتكلم، فما ابتدأت بشيء من الحديث إلا أستلبه مني فحدث الناس به، وربما زاد فيه على ما عندي، ولا أنشدته شعرًا إلا فعل مثل ذلك. فغمّني ذلك، وانكسر بالي له، فما زلنا على ذلك بقية نهارنا، فلما كان آخر وقتنا التفت إلي وقال: يا شعبي، قد والله تبينت الكراهية في وجهك لما فعلت، وتدري أي شيء حملني على ذلك؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين. قال: لئلا تقول: لئن فازوا بالملك أولا لقد فزنا نحن بالعلم، فأردت أن أعرفك أنَّا فُزنا بالملك وشاركناك فيما أنت فيه"٢، ولهذا اجتمع إليه الشعراء وعلماء الأخبار ورواة الناس، حتى حفلت بهم مجالسه، وكان يذاكرهم ويحادثهم وينوه بهم ويدني مجالسهم٣. وذكر أن عبد الملك أرسل إلى الحجاج أن يرسل إليه الشعبي، فأرسله إليه، فلما دخل عليه كان الأخطل عنده، فأخذ يسأله عن الشعر، ويسأل الأخطل عنه، حتى إذا انتهى، قال له: يا شعبي، إنما أعلمناك هذا، لأنه بلغني أن أهل العراق يتطاولون على أهل الشام ويقولون: إن كانوا غلبونا على الدولة، فلن يغلبونا على العلم والرواية، وأهل الشام أعلم بعلم أهل العراق من أهل العراق"٤. وكان الشعبي قد جعل الخنساء أشعر النساء أما عبد الملك ففضل ليلى الأخيلية عليها. فشق ذلك على الشعبي، فقال له ذلك القول، وردد عليه أبيات الأخيلية حتى حفظها. والرواية المتقدمة التي أخذتها من الرافعي هي هذه الرواية بشيء من التغيير. وكان يتمثل بالشعر الجيد، ويثني على الحسن منه، ويحسن نقده. تمثل بشعر

стр. 6192

لهذيل بن مشجعة البولاني، وقال: "هذا والله شعر الأشراف. نفى عن نفسه الحسد واللؤم والانتقام عند الإمكان، والمسألة عند الحاجة:"١.وله مجالس كان يسأل فيها الناس عن الشعر، يمتحنهم، وذكر أنه سأل رجل وهو بالكوفة عن شعر ذي الأصبع العدواني" وعن أخباره، وكان من عدوان، فلما وجده جاهلا حط من عطائه٢، وذكر أنه اجتمع بالربيع بن ضبيع الفزاري، وسأله عن أخباره٣ وأنه كان يبدي ملاحظات قيمة على أشعار الشعراء الجاهليين والمعاصرين له٤. وروي أنه كان يبحث عن شعر الشعراء بما فيهم الشعراء والمعاصرون له، فلما قدم الأجرد "الأحرد"، وهو من شعراء ثقيف في نفر من الشعراء، قال له: إنه ما شاعر إلا وقد سبق إلينا من شعره قبل رؤيته فما قلت"٥. وكان الوليد وسليمان ابنا عبد الملك من المولعين بالشعر كذلك، وذكر أن الوليد كان يقدم النابغة على غيره من الشعراء، وكان سليمان يقدم امرأ القيس، فذكر ذلك لعبد الملك، فبعث إلى أعرابي فصيح، ليكون الحكم بينهما٦.ورويت القصة بشكل آخر، ورد فيها أن الوليد بن عبد الملك تشاجر مع أخيه مسلمة في شعر امرئ القيس والنابغة الذبياني في وصف طول الليل أيهما أجود، فرضيا بالشعبي فأحضر، فصار الحكم بينهما٧. وكان هشام بن عبد الملك من المولعين بالشعر كذلك، ذكر أنه كتب إلى عامله في أشخاص "حماد" الراوية إليه لبيت سمع لم يعرف اسم قائله. وكان الوليد بن يزيد من المتيمين بالشعر، وهو نفسه شاعر مجيد، وكان يستدعي حماد الرواية ليسأله عن الشعر، وقد قتل في سنة ست وعشرين ومائة. وكان منهمكًا في اللهو وشرب الخمر وسماع الغناء، ذكر أنه استفتح

стр. 6193

القرآن، فخرج له: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيد﴾ ١، فألقاه ونصبه غرضًا ورماه بالسهام، وقال: تهددني بجبار عنيد ... فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر ... فقل: يا رب مزقني الوليد٢ وكان إذا أراد الاستفسار عن شعر جاهلي خفي أمره عليه، أرسل إلى حماد يسأله عنه٣، كما كان يسأل غيره عنه كذلك. وروي أنه نشر يومًا المصحف، وجعل يرميه بالسهام، وهو يقول: تذكرني الحساب ولست أدري ... أحقًّا ما تقول من الحساب فقل لله يمنعني طعامي ... وقل لله يمنعني شرابي وأنه قال: اسقياني وابن حرب ... واسترانا بإزار فلقد أيقنت أني ... غير مبعوث لنار واتركا من طلب الجنـ ... ـة يسعى في خسار سأسوس النسا حتى ... يركبوا دين الحمار٤. إلى غير ذلك من أشعار وأخبار، وروايات تتهجم عليه، نسبت بعضها إلى أهله وأقاربه، بل زعم أن الرسول لعنه في حديثه٥، ومثل هذه الأحاديث من الحديث الموضوع.

стр. 6194

وفي شعر الوليد سلاسة وطبع، وعدم مبالاة، فالحياة في نظره، سماع غناء، وخمر طيب، أما الحكم والملك، فلا يساويان شيئًا: أنا الأمامُ الوليد مفتخرًا ... أجرّ بردي، وأسمع الغزلان أسحب ذيلي إلى منازلها ... ولا أبالي من لامَ أو عذلا ما العيش إلا سماع محسنة ... وقهوة تترك الفتى ثملا لا أرتجي الحور في الخلود وهل ... يأمل حور الجنات من عقلا؟ إذا حبتك الوصال غانية ... فجازها بذلها كمن وصلا ويقال إنه لما أحيط به، دخل القصر وأغلق بابه وقال: دعوا لي هندًا والرباب وفرتني ... ومسمعة، حسبي بذلك مالا خذوا ملككم، لا ثبت الله ملككم ... فليس يساوي بعد ذاك عقالا وخلُّوا سبيلي قبل عيرٍ وما جرى ... ولا تحسدوني أن أموت هزالا١ وكان ابن شهاب الزهري من رواة الشعر، وكان من المؤلفين، وقد توفي سنة "١٢٤هـ"٢، وكان راوية للشعر، يحفظ الكثير منه، حتى كان الأمويون إذا أشكل عليهم أمر من أمور الشعر، أرسلوا إليه يسألونه عنه٣. وكان عروة بن الزبير من رواة الشعر، ويعد من أشهر رواته عند أهل الحجاز، روى عن عائشة، وكان يقول: "روايتي في رواية عائشة"٤، وقد روى عن أختها أسماء بنت أبي بكر، روى عنها شعرًا لزيد بن عمرو بن نفيل، ولورقة بن نوفل٥ وكان يزور آل مروان، رآه الحجاج "قاعدًا مع عبد الملك بن مروان، فقال عروة: أنا لا أم لي! وأنا ابن عجائز الجنة! ولكن إن شئت أخبرتك من لا أم له يا ابن المتمنية! فقال عبد الملك: أقسمت عليك أن تفعل، فكف عروة. والمتمنية، هي الفريعة بنت همام، أم الحجاج

стр. 6195

وهي القائلة: هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم من سبيل إلى نصر بن حجاج١ وللمتمنية قصة، لا تخلو أن تكون من وضع أعداء الحجاج. وقد نسب أهل الأخبار إلى بعض رواة الشعر حفظ الشيء الكثير من ذلك الشعر، نسبوا إلى بعضهم حفظ آلاف القصائد عدا القطع والأراجيز، وذكروا مثلا أن حمادًا الرواية كان يحفظ "٢٧" قصيدة على كل حرف من حروف الهجاء ألف قصيدة٢. وأن الأصمعي كان يحفظ "١٦" ألف أرجوزة٣، وأن أبا ضمضم كان يروي لمائة شاعر اسم كل منهم عمرو٤، وأن أبا تمام حفظ "١٤" ألف أرجوزة من أراجيز الجاهلية غير القصائد والمقاطيع٥، إلى أمثال ذلك من أرقام لا تخلو من مبالغات أهل الأخبار. وروي أن فتيانًا جاءوا إلى أبي ضمضم بعد العشاء، فقال لهم: ما جاء بكم يا خبثاء؟ قالوا: جئناك نتحدث، قال: كذبتم، ولكن قلتم كبر الشيخ فنتلعبه عسى أن نأخذ عليه سقطة! فأنشدهم لمائة شاعر، وقال مرة أخرى لثمانين، كلهم اسمه عمرو٦. وقال الأصمعي: "فعددت أنا وخلف الأحمر فلم نقدر على ثلاثين. فهذا ما حفظه أبو ضمضم، ولم يكن بأروى الناس، وما أقرب أن يكون من لا يعرفه من المسمين بهذا الاسم أكثر ما عرف". ولما نشأ التدوين بالمعنى المفهوم من هذه اللفظة في الإسلام، كان الشعر في طليعة الموضوعات التي عني الناس بها في أيام الأمويين فما بعد. فجمعوا شعر الشعراء على انفراد، وجمعوا شعر جماعة منهم، أو شعر قبيلة أو قبائل، وجمعوا

стр. 6196

شعر طبقة من الطبقات الاجتماعية، كما عنوا بالاختيارات وغير ذلك١. وقد أخذ بعض رواة الشعر الجاهلي من منابعه، أي من القبائل، "قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: دخل أبو عمرو إسحاق بن مرار البادية ومعه دستيجان من حبر، فما خرج حتى أفناهما يكتب سماعه عن العرب"٢. وأبو عمرو هذا، هو أبو عمرو الشيباني. وقد أشار ابن النَّدِيم والعلماء الذين عنوا بالشعر إلى أسماء نفر من العلماء عنوا واشتغلوا بجمع الشعر، وذكروا أسماء كتبهم واختياراتهم. وقد وصل إلينا بعض ما اشتغلوا فيه وجمعوه، فطبع، ومنه ما لا زال مخطوطًا محفوظًا في خزائن الكتب. وهو معروف يعرف الناس المواضع التي يوجد فيها، وقد يهيأ له من يقوم بطبعه وتيسيره بذلك للناس، غير أننا لا نزال نجهل مصير عدد كبير من الدواوين والأشعار والاختيارات التي ذكر ابن النَّدِيم وغيره أسماءها مع أسماء جامعيها، لا ندري إذا كانت اليوم في خزائن الكتب لا يعرف الناس من أمرها شيئًا، لعدم إحاطة المسئولين بأمر تلك الخزائن العلم بها، أو أنها عند أسر لا تعرف من أمرها المخطوطات شيئًا، لجهلها بها وبالعلم، أو أنها تلفت وولت لعوامل عديدة، فلا أمل إذن من بعثها ونشرها. وقد تحرش الجاحظ بنموذج من رواة الشعر بالبصرة، فقال: "وقد أدركت رواة المسجديين والمربديين ومن لم يروِ أشعار المجانين ولصوص الأعراب، ونسيب الأعراب، والأرجاز الأعرابية القصار، وأشعار اليهود، والأشعار المنصفة، فإنهم كانوا لا يعدونه من الرواة. ثم استبردوا ذلك كله ووقفوا على قصار الحديث والقصائد، والفقر والنتف من كل شيء. ولقد شهدتم وما هم على شيء أحرص منهم على نسيب العباس بن الأحنف، فما هو إلا أن أورد عليهم خلف الأحمر نسيب الأعراب، فصار زهدهم في شعر العباس بقدر رغبتهم في نسيب الأعراب. ثم رأيتهم منذ سنيات، وما يروى عندهم نسيب الأعراب إلا حدث السن قد ابتدأ في طلب الشعر، أو فتياني متغزل. وقد جلست إلى أبي عبيدة، والأصمعي، ويحيى بن المنجم، وأبي مالك

стр. 6197

عمرو بن كركرة، مع من جالست من رواة البغداديين، فما رأيت أحدًا منهم قصد إلى شعر في النسيب فأنشده. وكان خلف يجمع ذلك كله"١. ولم يقتصر عمل الراوية على رواية الشعر وإنشاده للناس، بل كان يقوم أيضًا بشرح غامض ألفاظه وبإجلاء ما قد يكون في الشعر من معان خفية غامضة، كما كان يقوم بشرح الظروف والمناسبات التي نظم الشعر فيها، إلى غير ذلك من أمور تتعلق بالشعر. ولهذا فإن راوية الشاعر، هو ديوان حي للشاعر، فيه كل ما يتعلق بشعر ذلك الشاعر. ولم يقتصر الشعر على عشاقه ورواته والعلماء به، أو على الرواة الشعراء، بل ساهم فيه أناس تخصصوا بأمور أخرى، كان لاختصاصهم اتصال متين بالشعر، مثل علماء النسب وعلماء الأيام والأخبار. وفقد أمدنا هؤلاء بمادة لا بأس بها من الشعر الجاهلي في الجاهلية وفي الإسلام. وكانوا إذا تحدثوا عن نسب قبيلة أو عن نسب رجل معروف، ذكروا ما قيل في حقها أو في حقه من مدح أو هجاء، وكانوا إذا تكلموا عن أيام الجاهلية، اضطروا إلى سرد ما قال فيها أبطالها وفرسانها من شعر. فقد كان من عادة الأبطال إنشاد شعر التبجح بالنفس وبمفاخرها وبمفاخر القبيلة حين نزولهم ساحة القتال، وكان من عادة المنتصر تخليد نصره بأشعار ينشدها أبناء القبيلة، لتكون تسجيلا لمفاخره بني الناس. وساهم علماء العربية: علماء اللغة والنحو والتفسير والحديث مساهمة تذكر في تخليد الشعر الجاهلي، بما جمعوه من شواهد في اللغة وفي النحو وفي الصرف، وفي تفسير القرآن والحديث من أبيات وقطع بل قصائد أحيانًا. فقدموا لنا بفعلهم هذا مادة ساعدتنا في زيادة معارفنا عن شعر ما قبل الإسلام وفي ضبط الشعر الوارد في المصادر الأخرى، وتصحيح ما قد يكون قد وقع في الروايات المتضاربة من أوهام، كما أمدتنا بمادة لا بأس بها، بل جديدة ونادرة أحيانًا عن أصحاب الشعر وعن المناسبات التي قيل فيها. وقد تعرض الجاحظ لأمر هؤلاء في الشعر، فقال: "ولم أرَ غاية النحويين إلا كل شعر فيه إعراب. ولم أرَ غاية رواة الشعر إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج. ولم أرَ غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه

стр. 6198

الشاهد والمثل"١. يقول بروكلمن: "ولم يبدأ جمع الشعر إلا في عصر الأمويين، وإن لم يبلغ هذا الجمع ذروته إلا على أيدي العلماء في عصر العباسيين، بيد أن معنى التحري في وثوق الرواية، والتدقيق في النقل اللغوي على النحو الذي نعرفه في عصرنا هذا، كان أمرًا غريبًا بعد على جماع ذلك العصر. ولما كان كثير من هؤلاء الجماع أنفسهم شعراء، فقد ظنوا أنه ليس من حقهم فقط، بل ربما كان واجبًا عليهم أيضًا في بعض الأحيان أن يصلحوا ما رووه للشعراء القدماء أو يزيدوا عليه. فلا عجب إذا لم يبالوا أيضًا بالوضع والاختراع لتوثيق رواياتهم. وقد أراد حماد الراوية أن يفسر تفوقه، والتفوق المزعوم لأصحابه الكوفيين في الدراية بالشعر القديم، فزعم أنه وجد الشعر الذي كتب بأمر النعمان ودفن في قصره الأبيض بالحيرة، ثم كشف في أيام المختار بن أبي عبيد. لقد غير الرواة بعض أشعار الجاهلية عمدًا، ونسبوا الأشعار القديمة إلى شعراء من الجاهلية الأولى، كما يمكن أن يكون وضع أشعار قديمة، منحولة على مشاهير الأبطال في الزمن الأول لتمجيد بعض القبائل، أكثر مما نستطيع إثباته. على أنه بالرغم من كل العيوب التي لم يكن منها بد في المصادر القديمة، يبدو أن القصد إلى التشويه والتحريف لم يلعب إلا دورًا ثانويًّا. وقد روى علماء المسلمين أشعارًا للجاهليين تشتمل على أسماء أصنام وعبادتها، وأن أسقطوا أيضًا أبياتًا أخرى لشبهات دينية، وذلك في حالات يبدو أنها قليلة، لأن الشعور الديني لم يكن غالبًا على نفوس العرب في الجاهلية"٢. ويعود الفضل في جمع الشعر الجاهلي وتدوينه وتخليده إلى مدينتين اشتهرتا بالعلم، هما: الكوفة والبصرة، فقد كان علماء هاتين المدينتين في طليعة من عني بجمع الشعر الجاهلي وتقصِّيه، ولا نكاد نجد مدينة إسلامية، بلغت مبلغهما في هذه الناحية، أو تمكنت من مزاحمتهما في جمع شتات هذا الشعر وحصره في كتب مدونة صارت مرجعًا للعلماء ولعشاق هذا الشعر إلى يومنا هذا. ونكاد لا نجد كتابًا في الشعر أو في الأدب، إلا وهو عيال على علم علماء هاتين المدينتين.

стр. 6199

ولم تساهم مكة مدينة قريش، مساهمة الكوفة أو البصرة في جمع الشعر الجاهلي، الذي زعم أنه نظم بلغتهم، ولم تلحق يثرب بالمدينتين المذكورتين في هذا المضمار كذلك. ولم تبلغ دمشق التي صارت حاضرة العالم الإسلامي بعد مقتل "علي" وتولي "معاوية" الحكم، مبلغ المدينتين في هذا العلم وفي علوم العربية الأخرى، مع حب الأمويين للشعر الجاهلي، ورغبتهم في توفيق بلاد الشأم المؤيدة لهم، على العراق لمشاكسته لهم، ومعارضته للشأم منذ ما قبل الإسلام. ويظهر أن أرض دمشق لم تكن أرضًا خصبة بالنسبة للشعر الجاهلي لأن سكانها حتى الفتح كانوا بين سوريين، أي من بني إرم، وبين إغريق وعناصر أعجمية أخرى، بينما كانت الحيرة والأنبار وعين التمر وسائر القرى العربية الأخرى، تعلم العربية في مدارسها، وتدرس الخط العربي، وكان رجال الدين فيها، قد وقفوا على الثقافة اليونانية، ونقلوا كتبًا منها إلى السريانية، ولكونهم من النصارى الشرقيين، كانت لغة العلم والدين عندهم السريانية، ولكنهم كانوا يعظون ويعلمون بالعربية. أما عرب الشأم، فقد أقاموا في قرى ومضارب في أطراف بلاد الشأم، ومع احتفال سادات غسان بالشعراء، فإن عنايتهم بهم لم تبلغ مبلغ عناية آل لخم بهم، ولعل ذلك بسبب ارتباطهم الشديد بالروم، وهيمنة الروم عليهم، بحيث لم يكونوا يسمحون لهم بالتحرك إلا بعد استشارتهم، ولا أن يتصلوا بالعرب إلا بأمر منهم، ولهذا لم يجدوا لهم منفعة تذكر بالإغداق على الشعراء وبإغراء الشعراء بالمجيء إليهم لمدحهم، اللهم إلا إذا جاء الشعراء إليهم، ورموا بأنفسهم ضيوفًا عليهم، أما سادات الحيرة، فقد كانوا أكثر تحررًا في أمورهم وسياستهم من منافسيهم الغساسنة، وكان نفوذ الفرس خفيفًا عليهم، وقد بلغ حكمهم في أيام امرئ القيس "٣٢٨م" أسوار نجران، وكانت البحرين تابعة للحيرة، يحكمها عامل بعينه ملك الحيرة، كما كان نفوذ الملوك يمتد إلى نجد فاليمامة، فلملوك الحيرة إذن مصالح سياسية خاصة في منطقة واسعة من جزيرة العرب، ولهم روابط مع سادات القبائل، ونظرًا إلى ما للشعر والشعراء من أهمية في التأثير بالرأي العام، اضطروا إلى مداهنة الشعراء من أهمية في التأثير بالرأي العام، اضطروا إلى مداهنة الشعراء والإغداق عليهم والترحيب بهم، لشراء ألسنتهم، أما من كان يوشى به عندهم، فيغضبون عليه، أو يجد أنه لم يكافأ على مدحه لهم، وقيامه بشعره بالدعاية لهم، مكافاة عادلة، فكان يهرب إلى أعداء آل لخم،

стр. 6200

الغساسنة، ليجد له مأوى عندهم، كما فعل النابغة والمتلمس. ولما كان الغساسنة قد تأثروا بالحياة الحضرية، أكثر من ملوك الحيرة، وقد تشربوا بالثقافة البيزنطية، فعاشوا في بيوت بدمشق بين الحضر، وبنوا القصور الكبيرة في القرى التابعة لهم، وهي مواضع خصبة، وقد أثثوها على الطريقة الرومية، وكانوا يسمعون الغناء الرومي، وكانت مصالحهم بالأعراب وبجزيرة العرب -كما قلت- غير ذات بال، لم يحفلوا بالشعراء الوافدين عليهم احتفال ملوك الحيرة بهم، ولم يغدقوا إغداق المناذرة عليهم، فصار عدد الشعراء الوافدين عليهم قليلا إذا قيس بعدد من كان يذهب منهم إلى قصور الحيرة، كما يظهر ذلك جليًّا من كتب الأخبار والأدب التي تحدثت عن الشعراء الجاهليين، ولعل هذا الصدّ عن الشعراء هو الذي حمل النابغة على ألا يمكث عند الغساسنة طويلا، فحمل حمله، وعاد إلى الحيرة معتذرًا إلى النعمان عما بدر منه من خطأ، راميًا سبب ما وقع بينهما من قطيعة إلى عمل الوشاة الحساد. ولعله كان أيضًا في جملة العوامل التي جعلت العراق يتقدم على الشأم في رواية الشعر الجاهلي وفي نشره، فنحن لا نكاد نعرف رجلا من أهل الشأم الصميمين، قام بالشعر الجاهلي، أو بأمر شعراء العرب في الشأم من أهل الجاهلية، كما قام به أهل العراق. ولم تشتهر دمشق ولا غيرها من مدن بلاد الشأم بما قامت به مدن العراق من جمع الشعر الجاهلي على الرغم من تحمس الأمويين وكلفهم في جمعه وتدوينه. وقد تعرض العلماء لأمر المدينة، فقالوا: "فأما مدينة الرسول ﷺ فلا نعلم بها إمامًا في العربية. قال الأصمعي: أقمت بالمدينة. زمانًا ما رأيت بها قصيدة واحدة صحيحة إلا مصحفة أو مصنوعة. وكان بها ابن دأب، يضع الشعر وأحاديث السمر، وكلامًا ينسبه إلى العرب، فسقط وذهب علمه وخفت روايته، وهو عيسى بن يزيد بن بكر بن دأب، يكنى أبا الوليد، وكان شاعرًا وعلمه بالأخبار أكثر١. وذكر أن في جملة ما صحفه من الشعر، قول الحارث بن حِلِّزةَ اليَشْكُرِيّ: أيها الكاذب المبلغ عنا ... عبد عمرو وهل بذاك انتهاء
следующие страницы →