المرقش الأكبر، فأسره فمات في إساره١. وللأخباريين قصص عن كيفية موته٢.
ونسبوا له قصيدة رثى بها أخاه كليبًا، بقوله:
أليلتنا بذي حُسُمٍ أنيري ... إذا أنتِ انقضيتِ فلا تحوري
وفيها:
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا طرد اليتيم عن الجزور
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا ما ضيم جيران المجير
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا رجف العضاة من الدبور
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا خرجت مخبأة الخدور
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا ما أعلنت نجوى الأمور
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا خيف المخوف من الثغور
على أن ليس عدلًا من كليب ... غداة تلاتل الأمر الكبير
على أن ليس عدلًا من كليب ... إذا ما خام جار المستجير٣
وأورد المرتضى "مرثية" لليلى الأخيلية رثت فيها: ثوبة بن الحمير، لها أسلوب خاص في الرثاء، حيث ترد جملة: "لنعم الفتى" و"نعم الفتى" في أوائل أربعة أبيات من القصيدة، تلتها "لعمري لأنت المرء أبكي لفقده" أربع مرات مكونة الأنصاف الأولى من الأبيات، ثم "أبى لك ذم الناس يا ثوب كلما" مرتين، ثم: "فلا يبعدنك الله يا ثوب إنما"، ثم "ولا يبعدنك الله يا ثوب إنها" مرة، ثم: "ولا يبعدنك الله يا ثوب والتقت". فخرجت من تكرار إلى تكرار لاختلاف المعاني٤.
وروى قصيدة أخري لابنة عم للنعمان بن بشير رثت فيها زوجها، أنصاف أبياتها الأولى: "وحدثني أصحابه أن مالكا"، أما القافية فهي على اللام.
стр. 6372
ومن معاصري "مهلهل" الشاعر "امرؤ القيس بن حمام بن عبيدة بن هبل" ابن أخي "زهير بن جناب بن هبل"، وزعم بعضهم أنه الذي عنى "امرؤ القيس" بقوله: نبكي الديار كما بكى ابن حذام. وكان مهلهل تبعه "يوم الكلاب" ففاته ابن حمام بعد أن تناوله "مهلهل" بالرمح. وكان "ابن حمام" أغار على "بني تغلب" مع زهير بن جناب فقتل جابرًا وصنبلًا. وفيهما يقول مهلهل:
لما توعر في الكلاب هجينهم ... هلهلتُ أثأر جابرًا أو صنبلًا
و"امرؤ القيس بن حارثة بن الحمام بن معاوية"، أو "امرؤ القيس بن حارثة بن خذام بن معاوية" على رواية أخرى، أو "ابن خذام"، أو "ابن حذام"، هو شاعر سبق "امرأ القيس" الكندي في البكاء على الديار وتذكر الأطلال، استنتجوا ذلك من شعر ينسب لامرئ القيس، هو:
يا صاحبيَّ قفا النواعجَ ساعة ... نبكي الديارَ كما بكى ابن حمام
أو "ابن خذام" في رواية "أبي عبيدة".
ومن بيت آخر هو:
عوجا على الطلل المحيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن خذام٢
وابن "خذام"، و "ابن حمام"، و "ابن حزام" و "ابن حذام"، اسم الشاعر، وهو اسم واحد، تحرف بالرواية وبالنسخ، فصار على هذه الصور.
ومن شعراء ربيعة "سعد بن مالك"، الذي يقول:
يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا٣
стр. 6373
قال هذا البيت في قصيدة يعرض فيها بـ "الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة" من حكام "ربيعة" وفرسانها المعدودين، وكان اعتزل حرب "بني وائل" وتنحى بأهله وولده وولد إخوته وأقاربه، وحل وتر قوسه، ونزع سنان رمحه، ولم يساهم في الحرب التي هاجت بين بكر وتغلب ابني وائل، وهي حرب البسوس.
وسعد، هو "سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل". وكان أحد سادات بكر بن وائل وفرسانها في الجاهلية. وكان شاعرًا، وله أشعار جياد في كتاب بني قيس بن ثعلبة١.
وفي رواية تنسب إلى "دغفل" النسّابة أنه كان جد "طرفة بن العبد"٢. وطرفة، هو: "عمرو بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة"٣، وإذا أخذنا بهذا النسب نرى أن "سعد بن مالك"، هو جد "العبد" والد "طرفة". وإذا أخذنا برواية من جعل نسب الشاعر "عمرو بن قميئة" على هذه الصورة: "عمرو بن قميئة بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة"، فيجب عده ابنًا من أبناء "سعد بن مالك"، أما إذا اعتبرنا نسبه على هذه الصورة: "عمرو بن قميئة بن ذريح بن سعد بن مالك"، فنكون بذلك قد جعلناه حفيدًا له، ويكون "ذريح"، ابنًا من أبناء هذا الشاعر٤.
ويظهر من نسب المرقش الأكبر، وهو "ربيعة بن سعد بن مالك"، ويقال: "بل هو عمرو بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة"٥، أنه كان ابنًا، لسعد بن مالك، الشاعر الذي نتحدث عنه، وإذا ذهبنا مذهب من يقول إن المرقش الأصغر كان أخا للمرقش الأكبر، فيكون بذلك ابنًا من أبناء "سعد بن مالك"، وأما إذا أخذنا برواية من يذكر أنه كان ابن أخي المرقش الأكبر وأنه "عمرو بن حرملة"، أو "ربيعة بن سفيان" فيكون ابن ابن "سعد بن
стр. 6374
مالك"، أي حفيده، ويكون المرقش الأكبر عمه إذن ويكون بيت "سعد بن مالك" من البيوت التي عرفت بالشعر.
وروي أن الشاعر "خزز بن لوذان" السدوسي، كان قبل امرئ القيس. وقد نسب بعض أهل الأخبار له قوله:
يا ليت زوجك قد غدا ... متقلدًا سيفًا ورمحا
ونسب هذا الشعر لغيره من الشعراء١.
ونسب له قوله:
كذب العتيق وماء شن بارد ... إن كنت سائلتي غبوقًا فاذهبي
لا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون لونك مثل لون الأجرب
وكانت له فرس اسمها ابن النعامة، ورد ذكرها في هذا الشعر٢.
ويجب أن نضيف إلى الشعراء المتقدمين شاعرًا يظهر من روايات أهل الأخبار، أنه لم يكن من فحول الشعراء، ولا من أوساطهم وإنما كان "شويعرًا"، ولذلك عرف ب "الشويعر". ويذكر أهل الأخبار أنه كان أحد من سمي "محمدًا" في الجاهلية، وهم سبعة، واسمه الكامل: "محمد بن حمران بن أبي حمران". وهو قديم٣. كان "امرؤ القيس" أرسل إليه في فرس يبتاعها منه، فأبى فقال فيه:
أبلغا عني الشويعر أني ... عمد عين قلدتهن حربما
وحربم، هو جد الشويعر٤. فقال الشويعر مخاطبا امرأ القيس:
أتتني أمور فكذبتها ... وقد نميت لي عامًا فعاما
بأن امرأ القيس أمسى كئيبا ... على آله ما يذوق الطعاما
стр. 6375
لعمر أبيك الذي لا يهان ... لقد كان عرضك مني حراما
وقالوا هجوت ولم أهجه ... وهل يجدن هاج فيك مراما١
وذكر الشاعر "ذؤيب بن كعب بن عمرو بن تميم"، بعد مهلهل في تقصيد القصائد، وهو "عمرو بن تميم"، وهو من تميم، قيل إنه كان شاعرًا قديمًا، وهو الذي يقول:
يا كعب إن أباك منحمق ... إن لم تكن بك مرة كعب
وهي أبيات قديمة يقول فيها:
جانيك من يجني عليك وقد ... تعدى الصحاح مبارك الجرب٢
والأضبط بن قريع، هو "الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم"، فهو من "بني تميم". وقد عدّ في المعمرين٣. وقد أورد "الجاحظ" له شعرا منه:
لكلّ همّ من الهموم سَعَه ... والمسي والصبح لا فلاح معه
فصل حبالَ البعيد إن وصل الـ ... ـحبل وأقصِ القريب إن قطعه
وخذ من الدهر ما أتاك به ... من قرّ عينًا بعيشه نفعه
لا تحقرن الفقير عَلَّكَ أن ... تركع يومًا والدهر قد رفعه
قد يجمع المال غيرُ آكله ... ويأكل المالَ غير من جمعه٤
وقد روي الشعر على هذا النحو:
يا قوم من عاذري من الخدعه ... والمسي والصبح لا فلاح معه
فصل حبال البعيد إن وصل الـ ... ـحبل واقص القريب إن قطعه
стр. 6376
واقنع من العيش ما أتاك به ... من قرّ عينًا بعيشه نفعه
قد يجمعُ المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
ولا تهين الفقير علك أن ... تخشع يوما والدهر قد رفعه١
وقد أورد هذا الشعر القالي في أماليه عن "ابن دريد" عن "ابن الأنباري" عن ثعلب. وقد قال ثعلب: إنه قيل قبل الإسلام بدهر طويل. ورواه أيضا "ابن الأعرابي"، والجاحظ، وصاحب الحماسة البصرية، والشريف في حماسته، وابن قتيبة في كتاب الشعراء وصاحب الأغاني وغيرهم، بتقديم بعضها على بعض وطرح أبيات منها٢.
وقال "السيوطي": "عزاه ابن الأعرابي في نوادره للأضبط بن قريع من أبيات هي:
لكل ضيق من الأمور سعة ... والمسي والصبح لا بقاء معه
لا تهين الفقير علك أن ... تركع يومًا والدهر قد رفعه
وصل حبال البعيد إن وصل الـ ... ـحبل واقص القريب إن قطعه
واقبل من الدهر ما أتاك به ... من قرَّ عينا بعيشه نفعه
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
ما بال من غيُّه مصيبك لا ... تملك شيئا من أمره فدعه
حتى إذ انجلت عمايته ... أقبل يلجي وغيّه فجعه
أذود عن نفسه ويخدعني ... يا قوم من عاذري من الخدعه
قيل إن هذه الأبيات قيلت قبل الإسلام بدهر طويل. وقال في الحماسة البصرية هي للأضبط بن قريع السعدي من شعراء الدولة الأموية"٣.
وزعم أن هذا الشعر قيل قبل الإسلام بخمسمائة عام. "فقد نقل الشيخ خالد في التصريح أن هذا الشعر قيل قبل الإسلام بخمسمائة عام. وكان سبب هذا الشعر
стр. 6377
على ما في الأغاني عن أبي محلم: أن أم الأضبط كانت عجيبة "عجبة" بنت دارم بن مالك بن حنظلة، وخالته: الطموح بن دارم، فحارب بنو الطموح قومًا من بني سعد، فجعل الأضبط يدس إليهم الخيل والسلاح ولا يصرح بنصرهم خوفا من أن يتحزب قومه حزبين معه وعليه. وكان يشير عليهم بالرأي، فإذا أبرمه نقضوه وخالفوا عليه، وأروه مع ذلك أنهم على رأيه فقال في ذلك هذه الأبيات. وهو الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وقريع، بضم القاف وفتح الراء، هو أبو جعفر، الملقب بأنف الناقة" "وهو جاهلي قديم"١.
وكان من فرسان العرب، "وكان أغار على بني الحارث بن كعب، فقتل منهم وأسر وجدع وخصى، ثم بنى أطمًا، وبنت الملوك حول ذلك الأطم مدينة صنعاء، فهي اليوم قصبتها"٢. وهو شاعر قديم، يزعم بنو تميم أنه أول من رأس فيهم٣.
وروي أنه هو صاحب المثل: "بكل واد بنو سعد". وهو شبيه بالمثل: "بكل واد أثر من ثعلبة". الميداني "١/ ٨٤، ٩٤"، وكان الأضبط قد تأثر من قومه بني سعد، فتحول عنهم إلى آخرين، فلما رأى ظلمهم وعسفهم قال: "بكل واد بنو سعد"٤، أو أنه قال: "أينما أوجه ألق سعدا".
والمعمر في نظر العرب، هو من عاش فوق المائة. "ولا تعدّ العرب معمرًا إلا من عاش مائة وعشرين سنة فصاعدا"٥. والعادة عندهم، أنهم إذا وصلوا إلى نهاية حياة المعمر ينصبون له مجلس توديع، يجمعون فيه ولده وآله وأقاربه وسادات قبيلته أحيانا، ليوصيهم بما حصل عليه من حكم الأيام وتجاربها، ثم قد يختمونها بشعر. وهي متشابهة في المعاني، لأنها في موضوع نصح وحكم،
стр. 6378
أما أسلوبها فهو السجع، الأسلوب المتبع عند الكهان والخطباء، وهو وسط بين الكلام المرسل وبين الشعر.
و"أوس بن حجر بن معبد بن حزن بن خلف بن نمير بن أسيد بن عمرو" التميمي من شعراء تميم كذلك، وقد جعله بعضهم من الطبقة الثالثة وقرنه بالحطيئة ونابغة بني جعدة. ذكر أنه كان شاعر بني تميم في الجاهلية غير مدافع، وكان فحل العرب فلما نشأ النابغة طأطأ رأسه. وله ديوان مشروح١. وورد عن "أبي عمرو بن العلاء" قوله: "كان أوس فحل مضر حتى نشأ النابغة وزهير فأخملاه"٢. وقال عنه أبو ذؤيب: "وكان أوس عاقلًا في شعره كثير الوصف لمكارم الأخلاق، وهو من أوصفهم للحُمُر والسلاح ولا سيما للقوس، وسبق إلى دقيق المعاني وإلى أمثال كثيرة"٣. وكان شاعر تميم في الجاهلية غير مدافع٤. وكان غزلًا مغرمًا بالنساء٥، وكان قد بلغ الغاية في الصيد والقنص، يقضي الليل مع الوحش ليصطاد شيئًا منها، وفي ذلك يقول:
قصيٌّ مبيت الليل للصيد مطعم ... لأسهمه غار وبار وراصف٦
ويظهر من الشعر المنسوب إليه، أنه كان على اتصال بالحضر وبالنصارى، وقد جاء في شعره بمعان وبتعابير وألفاظ لم يستعملها غيره من الشعراء الجاهليين. فقد ذكر "الهر" والديك والخنزير في شعره، مثل قوله:
كأن هرًّا جنيبًا عند غرفتها ... والتف ديكٌ برجليها وخنزير
стр. 6379
وجمع ثلاثة ألفاظ أعجمية في بيت واحد، فقال:
وقارفت وهي لم تجرب وباع لها ... من الفصافص بالنمي سفسير
وله أشعار جيدة. "قال الأصمعي: ولم أسمع قط ابتداء مرثية بأحسن من ابتداء مرثيته:
أيتها النفس أجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا١
وله شعر في مدح "أبي دليجة"، وهو "فضالة بن كلدة". وكان قد جبر كسرًا ألم به لما صرعته ناقته، فآواه وداواه حتى برأ، فتذكر منته عليه٢. ومن شعره في مدح "فضالة بن كلدة":
أريب أديب أخو مأزق ... نقابًا يخبر بالغائب٣
ولأوس شعر في "حليمة بنت فضالة بن كلدة" التي مرضته وعاونته مع والدها حتى شفي وبرأ. وهو من باب الشكر والحمد٤.
وورد البيت على هذه الصورة:
نجيح مليح أخو مأقط ... نقاب يحدث بالغائب
ولما توفي "فضالة" رثاه "أوس بن حجر" في قصيدة جعلها "أبو الفرج الأصبهاني": "من فاضل مراثيه إياه ونادرها". ومما جاء فيها:
الألمعي الذي يظن لك الظـ ... ـن كأن قد رأى وقد سمعا٦
стр. 6380
وهذا البيت من نفس القصيدة التي قال "الأصمعي" عنها: لم أسمع قط ابتداء مرثية أحسن من ابتداء مرثيته:
أيتها ا
لنفس أجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا١
ومن شعر أوس بن حجر، قوله:
فانقض كالدري يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا
يخفى وأحيانا يلوح كما ... رفع المشير بكفه لهبا
وقد علق الجاحظ عليه بقول: "وهذا الشعر ليس يرويه لأوس إلا من لا يفصل بن شعر أوس بن حجر، وشريح بن أوس"٢. وشريح بن أوس، هو ابن هذا الشاعر، وقد ذكر الجاحظ له بيتًا يهجو فيه أبا المهوش الأسدي، وهو من الشعراء المخضرمين٣، وهذا البيت هو:
وعيّرتنا تمر العراق وبره ... وزادُك أير الكلب شيطه الجمر٤
وقد ذكر: "المعري" قصيدة حائية، ذكر أنها تروى لعبيد مرة، ولأوس أخرى. وتختلف في رواية المعري في الترتيب عما جاء في الديوان. ومما جاء فيها:
قاتلها الله تلحاني وقد علمت ... أني لنفسي إفسادي وإصلاحي
أن أشرف الخمر أو أرزأ لها ثمنا ... فلا محالة يوما إنني صاح
ولا محالة من قبر بمحنية ... أو في مليع كظهر الترس وضاح٥
وجاء فيه ذكر "يهودي"، إذ يقول:
قد نِمتَ عني وبات البرق يسهرني ... كما استضاء يهوديٌّ بمصباح٦
стр. 6381
وقد خلط الرواة بين شعر "أوسط" و "عبيد بن الأبرص"، ولكنهم نبهوا على ذلك وأشاروا إليه١.
وأوس بن حجر من معاصري الملك "عمرو بن هند"، وهو تميمي، قتل أبوه يوم "الحجار" المصادف لسنة "٥٥٤م"، وكان مولده بالبحرين، وقد طاف بشعره نجدًا والعراق، فمدح ملوك الحيرة ونادمهم، ونال شعره شهرة في الصيد والسلاح٢، وله وصف للصحارى والسهول المقفرة، ولمنابع المياه المتدفقة من الكهوف التي يكثر حولها ريش النعام، ولمسالك البادية٤، والنجاد والروابي والجبال٥، وللرياض٦، كما اشتهر بوصفه للحمير: قال ابن الأعرابي: "لم يصف أحد قط الخيل إلا احتاج إلى أبي دؤاد. ولا وصف الحمر إلا احتاج إلى أوس بن حجر، ولا وصف أحد نعامة إلا احتاج إلى علقمة بن عبدة"٧. ولأوس شعر وصف فيه. ثورًا وحشيًّا بقوله:
فانصاع كالدُري يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا٨
ومن أمثاله السائرة قوله:
فإنكما يا ابني جناب وجدتما ... كمن دبَّ يستخفي وفي الحلق جلجل
وقوله:
ولست بخابئ لغدٍ طعامًا ... حذار غد لكل غد طعام٩
وقد أشار "أوس بن حجر" في شعره إلى "المنخّل" اليشكري، الذي اتهم بالمتجردة، فزعم أن النعمان قتله أو حبسه، ثم غمض خبره، فلم يعرف
стр. 6382
أمره، وضرب المثل به، فقيل: "حتى يئوب المنخل". يقال إن أوسًا قال:
فجئت ببيعي موليا لا أزيده ... عليه بها حتى يئوب المنخل١
وإذا صح أن هذا الشعر، هو من شعر "أوس" حقًّا، وأن "المنخل" هو "المنخل" اليشكري الشاعر لا غيره، فيجب أن يكون أوس قد عاش بعده، وأن يكون من المتأخرين عنه.
وإذا كان أوس بن حجر من شعراء مضر، ومن الوصافين، فقد كان: "علقمة بن عبدة" المشهور بالفحل من شعراء مضر كذلك، وهو مثل "أوس" من تميم، وقد اشتهر بوصف النعام، وكان ينادم "الحارث" الأصغر الغساني، والنعمان أبا قابوس اللخمي، وكان له أخ اسمه "شأس"، أسره "الحارث بن أبي شمر" الغساني المذكور مع سبعين رجلًا من تميم، فأتاه علقمة ومدحه بقصيدة أولها:
طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب
إلى الحارث الوهاب أعملت ناقتي ... لكلكلها والقُصْرَيَين وجيب
فلما بلغ هذا البيت:
وفي كل حي قد خبطتَ بنعمة ... فحق لشأسٍ من نداك ذنوب
فقال الحارث: نعم وأذنبة. وفك أسره ومن أسر معه من "بني تميم". ويقال إن شأسًا هو ابن أخي علقمة٢.
قيل إنه إنما لقب بـ "الفحل"، لأنه احتكم مع امرئ القيس، إلى امرأته "أم جندب" لتحكم بينهما في أيهما أشعر، فقالت: قولا شعرا تصفان فيه الخيل على روي واحد، وقافية واحدة، فلما قالا وانتهيا، حكمت لعلقمة بأنه أشعر من زوجها "امرئ القيس" فغضب عليها وطلقها، فخلف عليها علقمة،
стр. 6383
فسمي بذلك: "الفحل"١. وهي أسطورة. وقيل إنه لقب بالفحل تمييزًا له عن "علقمة بن سهل" من رهطه، وكان يعرف بالخصي، ففرقوا بينهما بهذا الاسم. و "علقمة" الخصي ممن أدرك الإسلام. وكان يكنى "أبا الوضاح"، وقد أسلم، وكان شاعرا. وهو القائل:
يقول رجال من صديق وصاحب ... أراك أبا الوضاح أصبحت ثاويا
فلا يعدم البانون بيتًا يكنهم ... ولا يعدم الميراث مني المواليا
وخفت عيون الباكيات وأقبلوا ... إلى بالهم قد بنت عنه بماليا
حراصا على ما كنت أجمع قبلهم ... هنيئا لهم جمعي وما كنت آليا٢
ومن شعره في النساء:
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له في ودهن نصيب
يردن ثراء المال حيث علمنه ... وشرخ الشباب عندن عجيب٣
ومما ينسب إليه قوله:
وكل حصن وإن دامت سلامته ... على دعائمه لا بد مهدود
ومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لا بد مشئوم
ومعظم الغُنم يوم الغُنم مطعمه ... أنى توجه والمحروم محروم
وكل قوم وإن عزوا وإن كثروا ... عريفهم بأثافي الشر مرجوم
وقد اشتهر "علقمة" بثلاث قصائد قال فيهن "ابن سلام": "ولابن عبدة ثلاث روائع جياد لا يفوقهن شعر"٥، منها قصيدته الميمية التي مطلعها:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم٦
стр. 6384
ومن الشعر المنسوب إليه قوله:
ويلم أيام الشباب معيشة ... مع الكثر يعطاه الفتى المتلف الندى
وقد نسبه بعضهم لابنه: خالد بن علقمة بن عبدة، ونسبه غيرهم لشعراء آخرين١.
وقد ذكر "ابن حجر" في كتابه "الإصابة" اسم رجل دعاه "علي بن علقمة بن عبدة" التميمي، قال عنه إنه ولد "علقمة" الشاعر المشهور الذي يعرف بعلقمة الفحل. وكان من شعراء الجاهلية من أقران امرئ القيس، ولعلي هذا ولد اسمه "عبد الرحمن" ذكره المرزباني في معجم الشعراء، فيلزم من ذلك أن يكن أبوه من أهل هذا القسم، لأن عبد الرحمن لم يدرك النبي، وعبد الرحمن هو القائل:
وشامت بي لا يخفي عداوته ... إذا حمامي ساقته المقادير
فلا يغرنك جرّ الثوب معتجرا ... إني امرؤ لي عند الجد تشمير٢
وعد "العنبر بن عمرو بن تميم" من قدماء الشعراء. وجعل "ابن سلام" قوله:
قد رابني من دلوي اضطرابها ... والنأي في بهراء واغترابها
أن لا تجئ ملأى يجيئ قرابها
من قديم الشعر الصحيح٣.
وكان سعد ومالك ابنا زيد مناة بن تميم، ممن قالوا الشعر٤، وكذلك "حجر بن معاوية" آكل المرار. وقد أورد "الجاحظ" بيتين من الشعر لسعد بن ربيعة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، ثم قال: "وهذا من قديم الشعر"، وذكر
стр. 6385
في موضع آخر أنه "من قديم الشعر وصحيحه"١.
ومن شعراء تميم: "عبد القيس بن خفاف" "عبد قيس" البرجمي التميمي وكان معاصرًا لحاتم الطائي، فأتاه ذات يوم في دماء حملها عن قومه وعجز عنها، فأعطاه حاتم مرباعًا له من غارة على بني تميم٢.
ويقال إنه قال شعرا على لسان النابغة في هجاء النعمان بن المنذر أبي قابوس ملك الحيرة، ليكيد به إلى النابغة، حسدًا له، وقد فعل فعله في هذا الدس شاعر آخر هو "مرّة بن ربيعة" السعدي٣.
وينسب له قوله:
فالله فاتقِهِ وأوف بنذره ... وإذا حرفت مماريا فتحلل
واعلم بأن الضيف مكرم أهله ... بمبيت ليلته وإن لم يسأل
والضيف أكرمه فإن مبيته ... حق ولا تك لعنة للنزل
وصل المواصل ما صفا لك وده ... واحزز حبال الخائن المتبدل
واترك محل السوء لا تحلل به ... وإذ نبا بك منزل فتحول
دار الهوان لمن رآها داره ... أفراحل عنها كمن لم يرحل
وإذا هممت بأمر شر فاتئد ... وإذا هممت بأمر خير فاعجل
وإذا أتتك من العدو قوارص ... فاقرص هناك ولا تقل لم أفعل٤
ومن شعراء تميم: "عوف بن عطية بن الخرع" التميمي. وكان سيد قومه يوم "رحرحان". ذكر "البغدادي" أنه كان له ديوان صغير موجود عنده٥.
стр. 6386
و "سلامة بن جندل" من شعراء تميم، ويظهر من قصيدة رثا بها "النعمان أبا قابوس" أنه عاش بعده. قال عنه "ابن قتيبة": هو شاعر جاهلي قديم من فرسان تميم المعدودين. وأخوه "أحمر بن جندل" من الشعراء والفرسان. وكان "عمرو بن كلثوم" أغار على حي من بني سعد بن زيد مناة، فأصاب منهم، وكان فيمن أصاب "أحمر بن جندل"١. ويدل شعره في رثاء "النعمان" أنه مات في عهد قريب من الإسلام. وله ديوان صغير مطبوع، أكثره في الحماسة والفخر، مع شيء جميل من الوصف والتشبيه٢.
ومن قوله في الشيب:
ولّى الشباب وهذا الشيب يطلبه ... لو كان يدركه ركض اليعاقيب٣
ومن شعره قوله:
ليس بأسفى ولا أقنى ولا سفل ... يعطي دواء قفي السكن مربوب٤
وكان أحد من يصف الخيل، فيحسن، وأجود شعره قصيدته التي أولها:
أودي الشباب حميدا ذو التعاجيب ... ولى وذلك شأو غير مطلوب٥
وقد زعم "آلورد" أنه أسلم، "لأنه ذكر اسم الله: الرحمن. وهذا بعيد الاحتمال. كما ظنه لويس شيخو من أنه كان نصرانيا"٦. وقد طبع "شيخو" ديوانه في بيروت سنة "١٩١٠".
و"طريف بن تميم" العنبري، من الشعراء الفرسان، وكانت الفرسان لا تشهد عكاظ إلا مبرقعة مخافة الثؤرة، وكان طريف لا يتبرقع كما يتبرقعون،
стр. 6387
وكان قد أغار في "بني العنبر" "عائذة" حلفاء لبني "أبي ربيعة بن ذهل"، فرماه "حمصيصة بن شراحيل" الشيباني، فقتله. وهو القائل:
أوكلما وردت عكاظَ قبيلةٌ ... بعثوا إليّ عريفهم يتوسم١
مفتخرا بشجاعته على أعدائه وعلي الذين كانوا يتعقبون خطاه لقتله، أخذا بالثأر منه.
و"الأسود بن يعفر بن عبد القيس بن نهشل" النهشلي، من الشعراء المتقدمين في الجاهلية. وهو تميمي دارمي، وقد عدّت قصيدته التي أولها:
نام الخلي وما أحس رقادي ... والهم محتضر لدي وسادي
من أجود الشعر ومن مختار أشعار العرب. وقد عده "ابن سلام" في الطبقة الثانية من طبقات الشعراء٢. وقد عرف بـ "ذي الآثار"، لما كان يتركه هجاؤه من أثر في المهجوين٣. وقد وردت في قصيدته المذكورة شواهد نحوية وردت في كتب الشواهد، وتعد القصيدة من مختار أشعار العرب وحكمها المأثورة. وكان ينادم "النعمان بن المنذر"، وابنه الجرّاح وأخوه حطائط شاعران٤، وكان يكنى بابنه، فعرف بـ "أبي الجرّاح"٥.
ومن شعره قوله:
ومن الحوادث لا أبا لك أنني ... ضُرِبَت عليّ الأرض بالأسداد
لا أهتدي فيها لمدفع تلعة ... بين العذيب وبين أرض مراد
وفيها يقول:
ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد
стр. 6388
أهل الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد
نزلوا بأنقمة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد
أرض تخيرها لطيب مقيلها ... كعب بن مامة وأبن أم دواد
جرت الرياح على محلّ ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد
فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد١
وهو جيد العبارة، ليس بالمكثر، ينزع في شعره إلى الحكمة. يكثر التنقل في العرب، يجاورهم فيذم ويحمد٢.
ومن شعر "حطائط" قوله:
أريني جوادا مات هزلا لعلني ... أري ما ترين أو بخيلا مخلدا
ذريني أكن للمال ربًّا ولا يكن ... لي المال ربا تحمدي غبه غدا
ذريني يكن مالي لعرضي وقاية ... ففي المال عرضي قبل أن يتبددا٣
والشاعر "عمرو بن قميئة بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة"، وقيل: "عمرو بن قميئة بن ذريح بن سعد بن مالك"، ويكنى "أبا كعب"، هو من "بني سعد بن مالك"، رهط "طرفة بن العبد" وهو من "بني قيس بن ثعلبة". وكان في عصر "مهلهل بن ربيعة". وقد نعت بأنه قديم جاهلي. وتزعم "بكر"، أنه أول من قال الشعر وقصد القصيد، وذكر أنه كان أول من بكى على شبابه. وكان مع "حجر" أبي "امرئ القيس"، فلما خرج "امرؤ القيس" إلى بلاد الروم يستمد قيصر على بني أسد، استصحبه، فمات في سفره ذلك، فسمته "بكر" "عمرا الضائع". وإياه عنى امرؤ القيس بقوله:
стр. 6389
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا١
وهو ابن أخي المرقش الأكبر، وخال المرقش الأصغر، وجد طرفة لأمه. وذكر أنه عمر حتى جاوز التسعين، وقال:
كأني وقد جاوزت تسعين حجة ... خلعت بها عني عذار لجام٢
وذكر "الجاحظ" أنه هو القائل:
شركم حاضر وخيركم د ... رّ خروس من الأرانب بكر٣
وذكر قبله أبياتا هي:
ليس طُعمي طُعم الأنامل إذ ... قلص در اللقاح في الصنبر
ورأيت الإماء كالجعثن البا ... لي عكوفا على قرارة قدر
ورأيت الدخان كالودع الأه ... جن ينباع من وراء الستر٤
وذكر "ابن قتيبة"، أن "عمرو بن قميئة"، كان من خدم "حجر" والد "امرئ القيس"، وأنه بكى لما سار معه إلى بلاد الروم، وقال له: "غررت بنا"٥. ولا يعقل أن يكون "عمرو" من خدم "حجر"، فهو وإن نشأ يتيما في كفالة عمه " مرثد بن سعد"، كما تذكر بعض الروايات٦،
стр. 6390
إلا أن أسرته لم تكن من طبقة وضيعة، حتى يصير "عمرو" من خدم "حجر".
بل روي أنه كان عاملا لحجر١.
وورد أنه في شعراء ربيعة الذين ابتدأ الشعر بهم قبل أن يتحول في قيس، كالمرقشين وطرفة بن العبد والحارث بن حلزة٢. و "عمرو" هو القائل يبكي شبابه:
لا تغبط المرء أن يقال له ... أمسى فلان لعمره حكما
إن يُمْس في خفض عيشه فلقد ... أخنى على الوجه طول ما سلما
قد كنت في ميعة أسر بها ... أمنع ضيمي وأهبط العصما
يا لهف نفسي على الشباب ولم ... أفقد به إذ فقدته أمما٣
وأورد الجاحظ من شعره قوله:
وأهون كف لا تضيرك ضيرة ... يد بين أيدٍ في إناء طعام
يد من قريب أو غريب بقفرة ... أتتك بها غبراء ذات قتام
وقد استشهد ببيت من شعر نسب إليه، هو:
ولما رأت ساتيد ما استعبرت ... لله در اليوم من لامها
والشعر هو:
قد سألتني بنت عمرو عن ... الأرض التي تنكر أعلامها
لما رأت ساتيد ما استعبرت ... لله در اليوم من لامها
تذكرت أرضا بها أهلها ... أخوالها فيها وأعمامها٥
وأما قصة رحيله مع "امرئ القيس" إلى قيصر، ووفاته، وهو في سفر
стр. 6391
معه، فجزء من أسطورة سفر "امرئ القيس" إلى الروم١.
وكان "عبيد بن الأبرص" شاعر "بني أسد" من المعاصرين لامرئ القيس، وله شعر يخاطبه فيه، لما أظهره من تهديد ووعيد لبني أسد، ويرد فيه عليه٢. وقد أنجبت "بنو أسد" جملة شعراء. وذكر أنه كان لدةً لـ "عبد المطلب" جد النبي، وأنه مات قبل "عبد المطلب" بعشرين سنة. قتله "المنذر" أبو "النعمان بن المنذر"٣. وإذا أخذنا بهذه الرواية واعتبرناها صحيحة، ورجعنا إلى تأريخ وفاة "عبد المطلب" التي كانت بعد الفيل بثماني سنين٤، وإذا جارينا المستشرقين واعتبرنا أن عام الفيل، يقابل السنة "٥٧٠" للميلاد، تكون وفاة "عبد المطلب" في حوالي السنة "٥٧٨" للميلاد، فيكون قتل "عبيد بن الأبرص" في حوالي السنة "٥٥٨" للميلاد على هذا التقدير. ولكن الذي نعرفه من روايات أهل الأخبار أن "عبيد" هذا قد قتله "المنذر بن امرئ القيس" المعروف بالمنذر بن ماء السماء، الذي تولى الملك في حوالي السنة "٥٠٨" للميلاد وقتل سنة "٥٥٤" للميلاد٥. فيجب أن يكون مقتل "عبيد" قبل السنة "٥٥٤" للميلاد لا بعدها، على حسب تقدير الرواية السابقة.
وهو "عبيد بن الأبرص بن عوف بن جشم" من "بني ثعلبة بن دودان" من "بني أسد". قال عنه "ابن قتيبة": "وكان عبيد شاعرًا جاهليًّا قديمًا من المعمرين، وشهد مقتل حجر أبي امرئ القيس. وهو القائل لامرئ القيس:
يا ذا المخوفنا بقتـ ... ـل أبيه إذلالا وحينا
أزعمت أنك قد قتلـ ... ـت سراتنا كذبا ومينا٦
ويجب أن يكون مقتل "حجر" بعد السنة "٥٢٨" للميلاد. وهي السنة التي توفي فيها "الحارث" والد "حجر" على غالب الروايات٧. ولا نعرف متى
стр. 6392
قتل "حجر" على وجه صحيح، غير أننا نستطيع أن نقول إن حكمه لم يدم طويلا على "بني أسد" الذين انتهزوا فرصة وفاة "الحارث" وعودة الحكم إلى ملوك الحيرة، أيام "المنذر بن ماء السماء" الذي أخذ يتعقب آل الحارث، ليقتلهم، فثاروا على "حجر" وقتلوه.
وذكر أن "المنذر بن ماء السماء" هو الذي قتل عبيدا، قتله يوم بؤسه. وكان يقتل فيه أول من يطلع عليه. فلما رآه المنذر، قال له: هلا كان هذا لغيرك يا عبيد! أنشدني، فربما أعجبني شعرك! فقال له عبيد: حال الجريض دون القريض. قال: أنشدني: أقفر من أهله ملحوب، فأنشده عبيد:
أقفر من أهله عبيد ... فاليوم لا يبدي ولا يعيد
فسأله أي قتلة يختار؟ قال عبيد: اسقني من الراح حتى أثمل، ثم افصدني الأكحل، ففعل ذلك به، ولط بدمه الغريين. والغريان طربالان كان يلطخهما بدماء القتلى يوم بؤسه. وكان بناهما على نديمين له، وهما: خالد بن نضلة الفقعسي، وعمرو بن مسعود١.
وذكر الرواة أن الملك قال لعبيد: أي قتلة يختار؟ أنشأ يقول:
وخيرني ذو البؤس في يوم شؤمه ... خصالا أرى في كلها الموت قد برق
كما خيرت عاد من الدهر مرة ... سحائب ما فيها لذي خيرة أنق
سحائب ريح لم توكل ببلدة ... فتتركها إلا كما ليلة طلق٢
وقد ذكر "ابن قتيبة" أن "قصيدته التي يقول فيها: أقفر من أهله ملحوب، وهي إحدى السبع"، هي من أجود شعره٣.
стр. 6393
ومن أمثاله السائرة قوله:
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
وكل ذي غيبة يئوب ... وغائب الموت لا يئوب
وقوله:
الخير يبقى وإن طال الزمانُ به ... والشر أخبث ما أوعيت من زاد
وقوله:
الخير لا يأتي على عجلٍ ... والشر يسبق سيله مطره١
ويعد "عبيد" في جملة المعمرين، فقد جعل "ابن قتيبة" عمره أكثر من ثلاثمائة سنة٢، وجعل "السجستاني" عمره مائتي سنة وعشرين، ويقال بل ثلاثمائة سنة٣. ولتأييد رأيهم في أنه عاش هذا العمر حقًّا، أوجدوا شعرا زعموا أنه قاله، هو:
ولتأتينْ بعدي قرون جمة ... ترعى محارم أيكة ولدودا
فالشمس طالعة وليل كاسف ... والنجم يجري انحسار سعودا
حتى يقال لمن تعرق دهره ... يا ذا الزمانة هل رأيت عبيدا
مائتي زمان كامل وبضعة ... عشرين عشت معمرا محمودا
أدركت أول ملك نصر ناشئا ... وبناء شداد وكان أبيدا
وطلبت ذا القرنين حتى فاتني ... ركضا وكدت بأن أري داودا
ما تبتغي من بعد هذا عيشة ... إلا الخلود ولن تنال خلودا
وليَفنين هذا وذاك كلاهما ... إلا الإله ووجهه المعبودا٤
وهو شعر يجعل عمر "عبيد" أكثر من ألف عام، لا مائتي سنة وعشرين
стр. 6394
ويجعله فيمن ولد قبل الميلاد بزمان. وقد شاء صانعه أن يجعل شاعره من المؤمنين بالله الموحدين، على نحو ما ترى في البيت الأخير من الشعر المزعوم.
ويجب أن نضيف إلى الشعراء المذكورين الشاعر المعروف بـ "مرة بن الرواع الأسدي"، أحد بني "حيي بن مالك". وهو شاعر قديم يقول أهل الأخبار إنه كان في عصر "امرئ القيس"، وأن "امرأ القيس" كان يعلم قيانه أشعار "ابن الرواع"١.
وهو القائل:
أشاقك من فكيهتك ادّلاج ... وبُتَّ الحبل وانقطع الخلاج
من قصيدة طويلة. وقوله:
إن الخليط أجدّوا البين وادّلجوا ... وهم كذلك في آثارهم لجج٢
و"المنقذ بن الطمّاح" الأسدي، شاعر جاهلي من الفرسان المعدودين. وقد أغار على إبل المنذر بن ماء السماء٣. وقد عرف بـ "الجميح"، وينسب إليه قوله:
يأبى الذكاء ويأبى أن شيخكم ... لن يعطي الآن من ضرب وتأديب٤
و"عبد يغوث بن صلاءة، وقيل ابن الحارث بن وقاص بن صلاءة بن المعقل" واسمه "ربيعة بن كعب" من شعراء الجاهلية فارس، سيد قومه من "بني الحارث بن كعب" من اليمن. وكان قائدهم في يوم الكلاب الثاني إلى بني تميم وفي ذلك اليوم أسر فقتل. وله قصيدة قالها وهو في أسره أولها:
ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا ... فما لكما في اللوم خير ولا ليا
стр. 6395
ذكر أن الذي أسره غلام أهوج من "بني عمرو بن عبد شمس"، فانطلق به إلى أهله، فقالت له أم الغلام: من أنت؟ قال: أنا سيد القوم! فضحكت وقالت: قبحك الله من سيد قوم حين أسرك هذا الأهوج، وإلى هذا أشار بقوله:
وتضحك مني شيخة عبشمية ... كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا١
وذكر أنه خاطب الشيخة بقوله: أيتها الحرة، هل لك إلى خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: أعطي ابنك مائة من الإبل وينطلق بي إلى الأهتم، فإني أخاف أن تنتزعني سعد والرباب منه، فضمن لها مائة من الإبل، وأرسل إلى "بني الحارث" فوجهوا بها إليها فقبضها العبشمي، وانطلق به إلى الأهتم، فقال عبد يغوث:
أأهتم يا خير البرية والدا ... ورهطا إذا ما الناس عدوا المساعيا
فمشت سعد والرباب إلى الأهتم فيه، فقالت الرباب: قتل فارسنا، وهو النعمان بن جساس، ولم يقتل لك فارس فدفعه إليهم، فأخذه "عصمة بن أبير" التميمي، فانطلق به إلى منزله، فقال عبد يغوث: يا بني تيم، اقتلوني قتله كريمة. فقال عصمة: وما تلك القتلة؟ قال: اسقوني الخمر ودعوني أنوح على نفسي، فجاءه عصمة بالشراب، فسقاه، ثم قطع عرقه الأكحل، وتركه ينزف، ومضى وجعل معه رجلين، فقالا لعبد يغوث: جمعت أهل اليمن، ثم جئت لتصطلحنا، كيف رأيت صنع الله بك فقال هذه القصيدة:
ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا ... فما لكما في اللوم خير ولا ليا٢
ومما جاء في هذه القصيدة قوله:
أقول وقد شدوا لساني بنسعة ... أمعشر تيم أطلقوا عن لسانيا
وقد ذهب العلماء مذهبين في تفسيره، منهم من قال: إنه أراد افعلوا بي
стр. 6396
خيرا لينطلق لساني بشكركم، وأنكم ما لم تفعلوا فلساني مشدود لا أقدر على مدحكم، لأن اللسان لا يشد بنسعة، ومنهم من قال: إنهم شدوه بنسعة حقيقة، بأنهم ربطوه بنسعة مخافة أن يهجوهم وكانوا سمعوه ينشد شعرا، فقال: أطلقوا لي عن لساني أذم أصحابي وأنوح على نفسي، فقالوا: إنك شاعر، ونحذر أن تهجونا، فعاهدهم على أن لا يهجوهم، فأطلقوا له عن لسانه. "قال الجاحظ: وبلغ خوفهم من الهجاء أن يبقى ذكرهم في الأعقاب، ويسبّ به الأحياء والأموات، أنهم إذا أسروا الشاعر أخذوا عليه المواثيق، وربما شدّوا لسانه بنسعة كما صنعوا بعبد يغوث"١.
وكان "عبد يغوث" شاعرا من شعراء الجاهلية، من أهل بيت شعر معروف في الجاهلية والإسلام، منهم: اللجلاج الحارثي، وهو طفيل بن زيد بن عبد يغوث، وأخوه: مسهر، فارس شاعر، وهو الذي طعن "عامر بن الطفيل" في عينه يوم "فيف الريح"، ومنهم من أدرك الإسلام: "جعفر بن علية بن ربيعة بن الحارث بن عبد يغوث"، وكان شاعرا صعلوكا، أخذ في دم فحبس بالمدينة، ثم قتل صبرا٢.
"قال الجاحظ في البيان والتبيين: وليس في الأرض أعجب من طرفة بن العبد، وعبد يغوث، فإن قسنا جودة أشعارهما في وقت إحاطة الموت بهما، فلم تكن دون سائر أشعارهما في حال الأمن والرفاهية"٣.
ومن الشعراء المعمرين "ذو الإصبع العدواني"، واسمه "حرثان بن محرث بن الحارث" أو "حرثان بن الحارث بن عمرو بن عبادة بن يشكر" اليشكري العدواني، لقب بذي الإصبع لأن حية نهشته على إصبعه فشلت، فسمي بذلك. زعم أنه عاش مائة وسبعين سنة، واستقل هذا العدد "أبو حاتم"، فجعله ثلاثمائة سنة، وهو عمر لا بأس به! وكان أحد حكام العرب، وله قصة مع بناته الأربع، في موضوع الزواج، وصفات الزوج، ورغبة المرأة في الازدواج، رووا أن "عبد الملك بن مروان" كان يحفظ شعره، وأنه سأل رجلًا من
стр. 6397
"عدوان" عن شعره وأخباره، فلم يعرف من أمره شيئا، فحط من عطائه ثلاثمائة" زادها في عطاء رجل آخر، كان يعرف شعره١. ومن شعره المزعوم في وصف حاله:
أصبحت شيخا أرى الشخصين أربعة ... والشخص شخصين لما مسني الكبر
لا أسمع الصوت حتى استدير له ... ليلا وإن هو ناغاني به القمر٢
ومن شعر "ذي الإصبع" قوله:
جلبنا الخيل من بقران قبا ... تجوب الأرض فجا بعد فج
وقوله يذكر عدة من ديارهم:
إن داري بمرهب فبصعر ... فمعور فوخدة فالمرار
ولنا منزل برقبة لا ... يسمع فيه تهاذي الأخبار
منزل أحرز الحواضن فيه ... كل قرمٍ متوج جبار
ثم بالفرع قد نزلنا قبيلا ... دار صدق قليلة الأقذار
ذات حرز وعزة ونجاة ... وامتناع من جحفل جرّار
ماؤنا الفيض لا يُعذبنا القيظ ... ولا النزع بالرشاء المغار٣
ومن شعره قوله:
لي ابن عم ما كان من خلق ... مخالف لي أقليه ويقليني
أزرى بنا أننا شالت نعامتنا ... فخالني دونه بل خلته دوني
стр. 6398
إنك إلا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
إني لعمري ما بيتي بذي غلق ... على الصديق ولا خيري بممنون
ولا لساني على الأدنى بمنبسط ... بالفاحشات ولا فتكي بمأمون
عني إليك فما أمي براعية ... ترعى المخاض ولا رأيي بمغبون
لا يخرج الكره مني غير مأبية ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني
وله قوله:
عذير الحي من عدوا ... ن كانوا حية الأرض
علا بعضهم بعضا ... فلم يرعوا على بعض
ومنهم كانت السادا ... ت والموفون بالقرض
ومنهم حكم يقضي ... فلا ينقض ما يقضي
إذا ما ولدوا أشبوا ... بسر الحسب المحض١
ومن شعراء "بني يشكر": "المنخل بن عبيد بن عامر"، "وهو قديم جاهلي، وكان يشبب بهند أخت عمرو بن هند،.وذكر أنه اتهم بـ "المتجردة" "امرأة النعمان بن المنذر"، وهو الذي وشى إلى "النعمان" بالنابغة، لما وصف المتجردة، وكان أيضا يتهم بامرأة "عمرو بن هند". وكان جميلا، وقد يكون جماله هذا هو الذي أولد هذا القصص المقال حوله من اتصاله بأخت "عمرو بن هند"، وبزوجته، وبزوجة النعمان. ويذكر "ابن قتيبة" أن "عمرو بن هند" قتله، وأنه قال قبيل قلته:
طل وسط العباد قتلي بلا جر ... م وقومي ينتجون السخالا
لا رعيتم بطنا خصيبا ولا زر ... تم عدوا ولا رزأتم قبالا٢
وهذا الخبر، يناقض الأخبار التي تذكر أنه كان يتهم بالمتجردة، وأنه وشى بالنابغة عند النعمان، وأن "النعمان" خرج يتصيد، فعمدت إلى قيد فجعلت رجلها في إحدى حلقتيه، ورجل المنخل في الآخرى شغفا به، وجاء النعمان
стр. 6399
فألفاهما على حالهما، فأمر بالمنخل فقتل، فضربت به العرب المثل، فقال أوس بن حجر:
فجئت ربيعي موليا لا أزيده ... عليه بها حتى يئوب المنخل١
وقد أشار ذو الرمة إلى المنخل بقوله:
تقارب حتى يطمع النأي في الهوى ... وليست بأدنى من إياب المنخل٢
وقد ورد اسمه على هذه الصورة في "تاج العروس": "والمنخل بن خليل اليشكري، كمعظم: شاعر. ومنه لا أفعله حتى يئوب المنخل. مثل للتأبيد، يضرب في الغائب الذي لا يرجى إيابه، كما يقال: حتى يئوب القارظ العنزي، واسمه عامر بن رهم بن هميم. وقال الأصمعي: المنخل رجل أرسل في حاجة، فلم يرجع، فصار مثلا في كل ما لا يرجى"٣.
وقد اشتهر بقصيدته:
ولقد دخلت على الفتاة ... الخدر في اليوم المطير
الكاعب الحسناء تر ... فل في الدمقس وفي الحرير
فدفعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغدير
وعطفتها فتعطفت ... كتعطف الظبي الغرير
فترت وقالت يا منخـ ... ـل ما بجسمك من فتور٤
ومن المعمرين "معدي كرب" الحميري من آل "ذي رعين"، رووا له شعرا منه:
أراني كلما أفنيت يوما ... أتاني بعده يوم جديد
يعود بياضه في كل فجر ... ويأبى لي شبابي ما يعود٥
стр. 6400
و "بشر بن أبي خازم" شاعر جاهلي قديم، من بني أسد، شهد حرب أسد وطيء، وشهد هو وابنه نوفل بن بشر الحلف بينهما. وكان في أول أمره يهجو "أوس بن حارثة بن لأم" الطائي، فأسرته بنو نبهان من طيء، فركب "أوس" اليهم فاستوهبه منهم، وكان قد نذر ليحرقنه إن قدر عليه، فوهبوه له، ثم شفعت له أم أوس، ففك أسره، فجعل بشر مكان كل قصيدة هجاء قصيدة مدح، لأن الهجاء لا يمحى عند العرب إلا بمدح، يمحو أثره، في قصة يروونها عن كيفية وقوعه في الأسر١.
وروي أنه لما طعن، طعنه غلام من "بني وائلة" بسهم فأثخنه، وأخذ يجود بنفسه، قال قصيدة يخاطب بها ابنته عميرة:
أسائلة عميرة عن أبيها ... خلال الجيش تعترف الركابا
وهي قصيدة روى بعض أبياتها الشريف المرتضى في أماليه٢. كان بشر قد أغار في مقنب من قوهم على "الأبناء" من بني صعصعة بن معاوية، وكل "بني صعصعة" إلا "عامر بن صعصعة" يدعون الأبناء، وهم وائلة، ومازن، وسلول، فلما جالت الخيل مر "بشر" بغلام من "بني وائلة" فقال له" بشر" استأسر، فقال له الوائلي: لتذهبن أو لأرشقنك بسهم من كنانتي، فأبي بشر إلا أسره، فرماه بسهم، فاعتنق بشر فرسه وأخذ الغلام فأوثقه، فلما كان في الليل أطلقه بشر من وثاقه وخلّى سبيله، وقال: أعلم قومك أنك قتلت بشرا، وهو قوله:
وإن الوائلي أصاب قلبي ... بسهم لم يكن نكسا لغابا٣
ومن هذه القصيدة قوله:
تسائل عن أبيها كل ركب ... ولم تعلم بأن السهم صابا
فرجي الخير وانتظري إيابي ... إذا ما القارظ العنزي آبا
стр. 6401
والقارظان من عنزة، يقال إنهما خرجا في طلب القراظ يجتنيانه، فلم يرجعا فضرب بهما المثل فقالوا: "لا آتيك أو يئوب القارظان"، يضرب في انقطاع الغيبة. وفي هذا المثل قال أبو ذؤيب:
وحتى يئوب القارظان كلاهما ... وينشر في القتلى كليب ووائل١
وقد رُمي "بشر" بالإقواء في شعره٢، وقد نشر ديوانه٣. ومن أمثاله السائرة قوله:
ألم تر أن طول العهد يسلي ... وينسي مثلما نسيت جذام
وقوله:
يكن لك في قومي يد يشكرونها ... وأيدي الندى في الصالحين فروض٤
وذكر أنه أوصى ابنته بأن تذري الدمع عليه، وأن تبكي عليه البكاء الذي يستحقه، وكان من عادة أهل الجاهلية، التأكيد بلزوم البكاء والنوح على الميت، ويؤكدون الوصية بفعله، وفي هذا المعنى قول طرفة بن العبد:
فإن مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي عليّ الجيب يا أم معبد٥
و"عمرو بن حممة بن رافع بن حارث" الدوسي، أحد حكماء العرب من الأزد، شاعر قديم، ذكروا أنه عاش ثلاثمائة وتسعين سنة، وذكروا له شعرا، قالوا إنه قال فيه إنه جاوز الثلاثمائة من العمر، وأنه قد كبر، ولا بد وأن يأتيه يوم يموت فيه٦. وفي رواية أنه وفد على النبي، وهي خطأ لأنه مات في
стр. 6402
الجاهلية١. وله ولد اسمه "جندب" أسلم، قتل يوم "أجنادين"٢. وذكر أنه الذي كان يقال له: ذو الحكم، وضربت به العرب المثل في قرع العصا، لأنه بعد أن كبر صار يذهل فاتخذوا له من يوقظه فيقرع العصا، فيرجع إليه فهمه. وإليه أشار الحارث بن وعلة بقوله:
إن العصا قرعت لذي الحكم
ومن شعره الذي قاله في كبره:
أخبر أخبار القرون التي مضت ... ولا بد يوما أن أطار لمصرعي٣
وقد أنجبت "دوس" جملة شعراء، منهم: "وهب بن عبد الله بن دوس بن أبي خالد بن زهير" الشاعر في أول الإسلام، و "جندب بن طريف" الشاعر الذي يقال له ابن الغامدية، ومنهم: "أبو غُنيش" الشاعر، جاهلي من بني مبدول "مندول؟ "٤.
وقد اختلف في "جران العود" النميري، فذهب "كرنكو" إلى أنه من شعراء العصر الأموي، وأنه من معاصري عبد الملك بن مروان. وقد نص "البغدادي" على أنه شاعر جاهلي من "بني ضنة بن نمير بن عامر بن صعصعة". واسمه: "عامر بن الحرث بن كلفة"، وقيل "كلدة"، وإنما سمي "جران العود" لقوله يخاطب امرأتيه:
عمدت لعود فالتحيت جرانه ... وللَكيس أمضى في الأمور وأنجح
خذا حذرا يا ضرتيّ فإنني ... رأيت جران العود قد كان يصلح٥
وجران العود أحد من وصف القوّادة في شعره٦. وقد روى "السكري" ديوان هذا الشاعر، وقد تحدث في ديوانه عن "حمامة نوح"، وورد فيه شعر
стр. 6403
للرحال، وكان خدن جران، وتزوج كل واحد منهما امرأتين، فلقيا منهما مكروها١. وقد طبع الديوان مع شرح عليه٢.
ومن الشعر المنسوب إليه هذا الشعر:
حملن جران العود حتى وضعنه ... بعلياء في أرجائها الجن تعزف
وذكر "المعري" أنه ينسب أيضا "لسحيم"٣.
ونجد في شعر ينسب إليه إشارة إلى الكتاب وإلى الوشوم، تكون بأيدي الروم، إذ يقول:
تُركْن برجلة الروحاء حتى ... تنكرت الديار على البصير
كوحي في الحجارة أو وشوم ... بأيدي الروم باقية النئور٤
وذكر "الجاحظ" له قوله:
وكان فؤادي قد صحا ثم هاجه ... حمائم ورق بالمدائن هتف
كأن الهديل الظالع الرجل وسطها ... من البغي شريب يغرد مترف٥
وله شعر في وصف "الذئب"٦، وفي أصوات الطيور والحمام وبقية الحيوانات٧، وفي الطيرة، إذ يقول:
جرى يوم رحنا بالجمال نزفها ... عقاب وشحاج من البين يبرح
فأما العقاب فهي منها عقوبة ... وأما الغراب فالغريب المطوح٨
وقد أورد "الجاحظ" له أشعارا نثرها في كتابه "الحيوان"٩.
стр. 6404
وقد وصف نفسه وعشيقته بقوله:
فأصبح من حيث التقينا غدية ... سوار وخلخال ومرط ومطرف
ومنقطعات من عقود تركنها ... كجمر الغضا في بعض ما تتخطرف١
ونجد شعره شعرا حضريا، فيه ذكر البقل، كما في هذين البيتين:
فنلنا سقاطا من حديث كأنه ... جَنى النحل أو أبكار كرم يقطف
حديثا لو أن البقل يُولى بمثله ... زها البقل واخضر العضاة المصنف٢
ومن شعراء الجاهلية: "الحادرة" الذبياني، وهو "قطبة بن أوس بن محصن بن جرول" من "بني ثعلبة بن سعد" الغطفاني، وهو شاعر جاهلي مجيد مقل، كان يهاجي "زبان بن سيار" الفزاري، وقد بقيت أشعاره القليلة برواية "أبي عبد الله" اليزيدي، المتوفى سنة "٣١٠هـ"٣. وكانت له صاحبة اسمها "سمية" تغزل بها في شعره:
بكرت سمية غدوة فتمتع ... وغدت غدوَّ مفارق لم يربع٤
ومن شعراء الجاهلية: "سويد بن عامر" المصطلقي. ينسب له قوله:
لا تأمنن وإن أمسيت في حرم ... إن المنايا بكفَّي كل إنسان
واسلك طريقا تمشى غير مختشع ... حتى تبيَّن ما يمني لك الماني
فكل ذي صاحب يوما يفارقه ... وكل زاد وإن أبقيته فان
والخير والشر مقرونان في قرن ... بكل ذلك يأتيك الجديدان٥
ونسب البيت الأول والثاني والرابع إلى أبي قلادة الهذلي، من قصيدة أولها:
стр. 6405
يا دار أعرفها وحشًا منازلها ... بين القوائم من رهط فألبان
مع اختلاف في روايتها وترتيبها١.
ومن شعراء خزاعة: "مطرود بن كعب" الخزاعي، له شعر في رثاء عبد المطلب بن عبد مناف، أوله:
يا أيها الرجل المحول رحله ... ألا نزلت بآل عبد مناف
هبلتك أمك لو نزلت عليهم ... ضمنوك من جوع ومن إقراف
الآخذون العهد من آفاقها ... والراحلون لرحلة الإيلاف
والمطعمون إذا الرياح تناوحت ... ورجال مكة مسنتون عجاف
والمفضلون إذا المحول ترادفت ... والقائلون هَلُمَّ للأضياف
والخالطون غنيهم بفقيرهم ... حتى يكون فقيرهم كالكافي
كانت قريش بيضة فتفلقت ... فالمُحُّ خالصة لعبد مناف٢
ومن شعراء هذيل "أبو كبير". وهو "عامر بن الحليس"، وقيل "ابن جمرة". وهو جاهلي، تزوج أم "تأبط شرا"، ثم تركها في قصة يرويها أهل الأخبار٣. قال "ابن قتيبة": وله أربع قصائد، أولها كلها شيء واحد، ولا نعرف أحدا من الشعراء فعل ذلك. إحداهن:
أزهير هل عن شيبة من مَعْدل ... أم لا سبيل إلى الشباب الأول
والثانية:
أزهير هل عن شيبة من مقصر ... أم لا سبيل إلى الشباب المدبر
والثالثة:
أزهير هل عن شيبة من مصرف ... أم لا خلود لباذل متكلف
стр. 6406
والرابعة:
أزهير هل عن شيبة من معكمِ ... أم لا خلود لباذل متكرم١
وتنسب له قصيدة فيها:
ولقد سريت على الظلام بمغشم ... جلد من الفتيان غير مهبل
ممن حملن به وهنَّ عواقد ... حبك النطاق فعاش غير مثقل
ونسبها بعض العلماء إلى "تأبط شرا" وتتناول قصة حب، وقعت بين صاحب القصيدة وامرأة، كان لها ابن ذكي، هددها بقتلها إن بقيت تواصل الرجل، فأشارت المرأة على الشاعر قتله، لأنها تحبه، ولا تريد مفارقته، وفضلت قتله على فراق الشاعر، في قصة جميلة من قصص الحب٢. فالقصيدة إذن من الشعر القصصي الذي يتعلق بالحب والغرام.
وقد نسبها بعضهم إلى "أبي كبير"، وجعل الغلام "تأبط شرا" في قصة طريفة من قصص الحب٣.
وقد روي أنه أدرك الإسلام، ثم أتى النبي، فقال له "أحل لي الزنا. فقال: أتحب أن يؤتى إليك مثل ذلك؟ قال: لا. قال: فارض لأخيك ما ترضى لنفسك. قال: فادع الله لي أن يذهب عني"٤. والأصح أنه جاهلي لم يدرك الإسلام.
ولهذيل شعر جيد وشعراء مجيدين. وتعد من القبائل المخصبة في الشعر، ومن شعرائها: "المتنخل": "مالك بن عمرو بن عُثم بن سويد بن حنش بن خناعة" "مالك بن عويمر" من "لحيان"٥. اشتهر بقصيدته التي يقول فيها:
стр. 6407
يا ليت شعري وهمّ المرء ينصبه ... والمرء ليس له في العيش تحريز
هل أجزينكما يوما بقرضكما ... والقرض بالقرض مجزيّ ومجلوز
"قال الأصمعي: ما قيلت قصيدة على الزاي أجود من قصيدة الشمّاخ في صفة القوس، ولو طالت قصيدة المتنخل كانت أجود"١. وهو من الجاهليين.
ومن شعره:
لا ينسئ الله منا معشر شهدا ... يوم الأميلح لا عاشوا ولا مرحوا
عقوا بسهم فلم يشعر له أحد ... ثم استفاؤوا وقالوا حبذا الوضح
التعقية: الاعتذار. وأصل هذا أن يقتل رجلًا من قبيلته، فيطلب القاتل بدمه، فتجتمع جماعة من الرؤساء إلى أولياء المقتول بديه مكملة ويسألونهم العفو وقبول الدية، فإن كان أولياؤه ذوي قوى أبوا ذلك، وإلا قالوا لهم: بيننا وبين خالقنا علامة للأمر والنهي، فيقول الآخرون: ما علامتكم؟ فيقولون أن نأخذ سهما فنرمي به نحو السماء، فإن رجع إلينا مضرجا بالدم، فقد نهينا عن أخذ الدية، وإن رجع كما صعد، فقد أمرنا بأخذها، وحينئذ مسحوا لحاهم وصالحوا على الدية، وكان مسح اللحية علامة للصلح. قال الأشعر الجعفي:
عقوا بسهم ثم قالوا ساهموا ... يا ليتني في القوم إذ مسحوا اللحى٢
وأورد "المرتضى" له شعرا في رثاء أبيه وأخيه أوله:
لعمرك ما إنْ أبو مالك ... بوان ولا بضعيف قواه
ومنه:
أبو مالك قاصرة فقره ... على نفسه ومشيع غناه٣
ومن شعره في الضيف:
ولا والله نادى الحي ضيفي ... هدوءا بالمساءة والعلاط
стр. 6408
سأبدؤهم بمشمعة وأثني ... بجهدي من طعام أو بساط١
ومن شعراء "هذيل" "خويلد بن مطحل" الهذلي، أحد "بني سهم بن معاوية"، وكان سيد هذيل في زمانه، وابنه من بعده، "معقل بن خويلد". وكان شاعرًا معدودًا في شعراء هذيل، ووفد إلى أرض الحبشة، فكلم ملكهم في من عنده من أسرى العرب، فأطلقهم له. وهو القائل:
لعمرك لليأس غير المريث ... خير من الطمع الكاذب
وللريث تحفزه بالنجا ... ح خير من الأمل الخائب
يرى الحاضر الشاهد المطمئن ... من الأمر ما لا يرى الغائب٢
وورد في "الإصابة" اسم "معقل بن خويلد بن وائلة بن عمرو بن عبد يا ليل" الهذلي، وكان شاعرا، وكان أبوه رفيق "عبد المطلب" إلى أبرهة، وكان بين أبي سفيان وبين معقل بن خويلد، خلاف في سلب رجل من قريش. فقال النبي: "يا معقل بن خويلد اتق معارضة قريش". وذكره "المرزباني" في الشعراء المخضرمين٣.
ومن بقية شعراء الجاهلية "ذو الخرق" الطهوي، وهو "دينار بن هلال". ويقال إن اسمه "قرط"، وإنما سمي بذي الخرق لقوله:
جاءت عِجافًا عليها الريش والخرق٤
وهو من الشعراء الفرسان٥
و"سراج بن قرة" "سراج بن قوة" العامري، أحد بني الصموت بن عبد الله بن كلاب من الشعراء الجاهليين. ذكر "المرزباني" في معجم الشعراء له شعرا قاله في يوم من أيام الجاهلية، وقد نسب على هذه الصورة: "سراج
стр. 6409
ابن قرة "قوة" بن ربعي بن زرعة بن الكاهن بن عمرو بن عوف بن أبي ربيعة بن الصموت بن عبد الله بن كلاب". وقد زعم أن له وفادة على النبي، ولا يوجد دليل يؤيده١.
و"السندري بن يزيد الكلابي" شاعر كان مع علقمة بن علاثة، وكان "لبيد" الشاعر مع "عامر بن طفيل"، فدعى لبيدا إلى مهاجاته فأبى٢.
ومن شعراء تغلب في الجاهلية "المهلهل" و "عمرو بن كلثوم" التغلبي، و"أفنون" التغلبي، واسمه "ظالم"، وقيل: "صريم بن معشر بن ذهل بن تيم بن عمرو بن مالك" التغلبي. يقال إنه مات بموضع يقال له "إلاهة" بطريق الشأم، بلدغة حية، وأن كاهنا كان قد قال له: إنك تموت بمكان يقال له إلاهة، فمات به.
ومما ينسب له من الشعر هذا البيت:
مَنيتنا الود يا مضنون مضنونا ... أزماننا إن للشباب أفنونا٣
وله مقطوعة أولها:
أبلغ حُبيبا وخلل في سراتهم ... إن الفؤاد انطوى منهم على حزن
قد كنت أسبق من جاروا على مهل ... من ولد آدم ما لم يخلعوا رسني
قالوا عليّ ولم أملك فيالتهم ... حتى انتحين على الأرساغ والثنن
لو أنني كنت من عاد ومن إرم ... ربيت فيهم ولقمان ومن جدن٤
ذكروا أنه إنما عرف بأفنون لقوله من قطعة:
منيتنا الود يا مضنون مضنونا ... أيامنا إن للشباب أفنونا
стр. 6410
وأنه لما قال له الكاهن تموت بمكان يقال له إلاهة، مكث ما شاء الله ثم سار إلى الشأم في تجارة، ثم رجع في ركب من "بني تغلب" فضلوا الطريق، ثم نزلوا "إلاهة"، قارة بالسماوة، فلما أتوها نزل أصحابه، وقالوا: انزل. فقال: والله لا أنزل! فجعلت ناقته ترتعي عرفجًا فلدغتها أفعى في مشفرها، فاحتكت بساقه والحية بمشفرها فلدغته في ساقه، فقال لأخ معه احفر لي قبرا فإني ميت، ثم رفع صوته بأبيات منها:
لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا
كفى حزنا أن يرحل الحي غدوة ... وأصبح في أعلى إلاهة ثاويا١
ومات من ساعته، فقبره هناك. وهو القائل:
لعمرك ما عمرو بن هند إذا دعا ... لتخدم أمي أمه بموفق٢
ومن شعراء تغلب: "الأخنس بن شهاب" التغلبي، فارس العصا٣ وينسب له قوله:
يظل بها ربد النعام كأنها ... إماء تزجى بالعشي حواطب٤
وقد قال "الأخنس" في أول القصيدة:
لابنة حطان بن عوف منازل ... كما رقش العنوان في الرق كاتب
وذكر "الأعلم الشنتمري" قبله:
فمن يك أمسى في بلاد مقامه ... يسائل أطلالا بها ما تجاوب
فلابنة حطان بن عوف منازل ... كما رقش العنوان في الرق كاتب
وفي جملة أبياتها:
فوارسها من تغلب ابنة وائل ... حماة كماة ليس فيها أشائب