والرابعة:
أزهير هل عن شيبة من معكمِ ... أم لا خلود لباذل متكرم١
وتنسب له قصيدة فيها:
ولقد سريت على الظلام بمغشم ... جلد من الفتيان غير مهبل
ممن حملن به وهنَّ عواقد ... حبك النطاق فعاش غير مثقل
ونسبها بعض العلماء إلى "تأبط شرا" وتتناول قصة حب، وقعت بين صاحب القصيدة وامرأة، كان لها ابن ذكي، هددها بقتلها إن بقيت تواصل الرجل، فأشارت المرأة على الشاعر قتله، لأنها تحبه، ولا تريد مفارقته، وفضلت قتله على فراق الشاعر، في قصة جميلة من قصص الحب٢. فالقصيدة إذن من الشعر القصصي الذي يتعلق بالحب والغرام.
وقد نسبها بعضهم إلى "أبي كبير"، وجعل الغلام "تأبط شرا" في قصة طريفة من قصص الحب٣.
وقد روي أنه أدرك الإسلام، ثم أتى النبي، فقال له "أحل لي الزنا. فقال: أتحب أن يؤتى إليك مثل ذلك؟ قال: لا. قال: فارض لأخيك ما ترضى لنفسك. قال: فادع الله لي أن يذهب عني"٤. والأصح أنه جاهلي لم يدرك الإسلام.
ولهذيل شعر جيد وشعراء مجيدين. وتعد من القبائل المخصبة في الشعر، ومن شعرائها: "المتنخل": "مالك بن عمرو بن عُثم بن سويد بن حنش بن خناعة" "مالك بن عويمر" من "لحيان"٥. اشتهر بقصيدته التي يقول فيها:
стр. 6407
يا ليت شعري وهمّ المرء ينصبه ... والمرء ليس له في العيش تحريز
هل أجزينكما يوما بقرضكما ... والقرض بالقرض مجزيّ ومجلوز
"قال الأصمعي: ما قيلت قصيدة على الزاي أجود من قصيدة الشمّاخ في صفة القوس، ولو طالت قصيدة المتنخل كانت أجود"١. وهو من الجاهليين.
ومن شعره:
لا ينسئ الله منا معشر شهدا ... يوم الأميلح لا عاشوا ولا مرحوا
عقوا بسهم فلم يشعر له أحد ... ثم استفاؤوا وقالوا حبذا الوضح
التعقية: الاعتذار. وأصل هذا أن يقتل رجلًا من قبيلته، فيطلب القاتل بدمه، فتجتمع جماعة من الرؤساء إلى أولياء المقتول بديه مكملة ويسألونهم العفو وقبول الدية، فإن كان أولياؤه ذوي قوى أبوا ذلك، وإلا قالوا لهم: بيننا وبين خالقنا علامة للأمر والنهي، فيقول الآخرون: ما علامتكم؟ فيقولون أن نأخذ سهما فنرمي به نحو السماء، فإن رجع إلينا مضرجا بالدم، فقد نهينا عن أخذ الدية، وإن رجع كما صعد، فقد أمرنا بأخذها، وحينئذ مسحوا لحاهم وصالحوا على الدية، وكان مسح اللحية علامة للصلح. قال الأشعر الجعفي:
عقوا بسهم ثم قالوا ساهموا ... يا ليتني في القوم إذ مسحوا اللحى٢
وأورد "المرتضى" له شعرا في رثاء أبيه وأخيه أوله:
لعمرك ما إنْ أبو مالك ... بوان ولا بضعيف قواه
ومنه:
أبو مالك قاصرة فقره ... على نفسه ومشيع غناه٣
ومن شعره في الضيف:
ولا والله نادى الحي ضيفي ... هدوءا بالمساءة والعلاط
стр. 6408
سأبدؤهم بمشمعة وأثني ... بجهدي من طعام أو بساط١
ومن شعراء "هذيل" "خويلد بن مطحل" الهذلي، أحد "بني سهم بن معاوية"، وكان سيد هذيل في زمانه، وابنه من بعده، "معقل بن خويلد". وكان شاعرًا معدودًا في شعراء هذيل، ووفد إلى أرض الحبشة، فكلم ملكهم في من عنده من أسرى العرب، فأطلقهم له. وهو القائل:
لعمرك لليأس غير المريث ... خير من الطمع الكاذب
وللريث تحفزه بالنجا ... ح خير من الأمل الخائب
يرى الحاضر الشاهد المطمئن ... من الأمر ما لا يرى الغائب٢
وورد في "الإصابة" اسم "معقل بن خويلد بن وائلة بن عمرو بن عبد يا ليل" الهذلي، وكان شاعرا، وكان أبوه رفيق "عبد المطلب" إلى أبرهة، وكان بين أبي سفيان وبين معقل بن خويلد، خلاف في سلب رجل من قريش. فقال النبي: "يا معقل بن خويلد اتق معارضة قريش". وذكره "المرزباني" في الشعراء المخضرمين٣.
ومن بقية شعراء الجاهلية "ذو الخرق" الطهوي، وهو "دينار بن هلال". ويقال إن اسمه "قرط"، وإنما سمي بذي الخرق لقوله:
جاءت عِجافًا عليها الريش والخرق٤
وهو من الشعراء الفرسان٥
و"سراج بن قرة" "سراج بن قوة" العامري، أحد بني الصموت بن عبد الله بن كلاب من الشعراء الجاهليين. ذكر "المرزباني" في معجم الشعراء له شعرا قاله في يوم من أيام الجاهلية، وقد نسب على هذه الصورة: "سراج
стр. 6409
ابن قرة "قوة" بن ربعي بن زرعة بن الكاهن بن عمرو بن عوف بن أبي ربيعة بن الصموت بن عبد الله بن كلاب". وقد زعم أن له وفادة على النبي، ولا يوجد دليل يؤيده١.
و"السندري بن يزيد الكلابي" شاعر كان مع علقمة بن علاثة، وكان "لبيد" الشاعر مع "عامر بن طفيل"، فدعى لبيدا إلى مهاجاته فأبى٢.
ومن شعراء تغلب في الجاهلية "المهلهل" و "عمرو بن كلثوم" التغلبي، و"أفنون" التغلبي، واسمه "ظالم"، وقيل: "صريم بن معشر بن ذهل بن تيم بن عمرو بن مالك" التغلبي. يقال إنه مات بموضع يقال له "إلاهة" بطريق الشأم، بلدغة حية، وأن كاهنا كان قد قال له: إنك تموت بمكان يقال له إلاهة، فمات به.
ومما ينسب له من الشعر هذا البيت:
مَنيتنا الود يا مضنون مضنونا ... أزماننا إن للشباب أفنونا٣
وله مقطوعة أولها:
أبلغ حُبيبا وخلل في سراتهم ... إن الفؤاد انطوى منهم على حزن
قد كنت أسبق من جاروا على مهل ... من ولد آدم ما لم يخلعوا رسني
قالوا عليّ ولم أملك فيالتهم ... حتى انتحين على الأرساغ والثنن
لو أنني كنت من عاد ومن إرم ... ربيت فيهم ولقمان ومن جدن٤
ذكروا أنه إنما عرف بأفنون لقوله من قطعة:
منيتنا الود يا مضنون مضنونا ... أيامنا إن للشباب أفنونا
стр. 6410
وأنه لما قال له الكاهن تموت بمكان يقال له إلاهة، مكث ما شاء الله ثم سار إلى الشأم في تجارة، ثم رجع في ركب من "بني تغلب" فضلوا الطريق، ثم نزلوا "إلاهة"، قارة بالسماوة، فلما أتوها نزل أصحابه، وقالوا: انزل. فقال: والله لا أنزل! فجعلت ناقته ترتعي عرفجًا فلدغتها أفعى في مشفرها، فاحتكت بساقه والحية بمشفرها فلدغته في ساقه، فقال لأخ معه احفر لي قبرا فإني ميت، ثم رفع صوته بأبيات منها:
لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا
كفى حزنا أن يرحل الحي غدوة ... وأصبح في أعلى إلاهة ثاويا١
ومات من ساعته، فقبره هناك. وهو القائل:
لعمرك ما عمرو بن هند إذا دعا ... لتخدم أمي أمه بموفق٢
ومن شعراء تغلب: "الأخنس بن شهاب" التغلبي، فارس العصا٣ وينسب له قوله:
يظل بها ربد النعام كأنها ... إماء تزجى بالعشي حواطب٤
وقد قال "الأخنس" في أول القصيدة:
لابنة حطان بن عوف منازل ... كما رقش العنوان في الرق كاتب
وذكر "الأعلم الشنتمري" قبله:
فمن يك أمسى في بلاد مقامه ... يسائل أطلالا بها ما تجاوب
فلابنة حطان بن عوف منازل ... كما رقش العنوان في الرق كاتب
وفي جملة أبياتها:
فوارسها من تغلب ابنة وائل ... حماة كماة ليس فيها أشائب
стр. 6411
وعدتها ما بين ثلاث وعشرين إلى ثلاثين بيتا، حسب اختلاف الروايات١.
و"البرج بن الجلاء بن الطائي" من شعراء طيء، وكان خليلا للحصين بن الحمام ونديمه على الشراب. ذكر أنه وقع على أخت له وهو سكران فافتضها فلما أفاق ندم واستكتم ذلك قومه، ثم إنه وقع بينه وبين الحصين فعيّره بذلك في أبيات، وجرت بينهما الحرب، فأسره "الحصين" ثم منّ عليه لتقدم صداقته، فلحق ببلاد الروم، وقيل بل شرب الخمر صرفا حتى قتلته٢.
ومن شعراء "طيء" في الجاهلية: "عمرو بن عمّار" الطائي، وكان شاعرا خطيبا، فبلغ النعمان حسن حديثه فحمله على منادمته، وكان النعمان أحمر العينين والجلد والشعر، شديد العربدة، قتالا للندماء، فنهاه "أبو قردودة" عن منادمته، لكنه لم ينته، فغضب عليه النعمان وقتله، فرثاه "أبو قردودة" بقوله:
إني نهيت ابن عمار وقلت له ... لا تأمنن أحمر العينين والشعره
إن الملوك متى تنزل بساحتهم ... تطر بنارك من نيرانهم شرره
يا جفنة كإزاء الحوض قد هدمت ... ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره٣
وأبو "قردودة" الطائي، شاعر، رأى "سعد القرقرة" أكل عند النعمان مسلوخا بعظامه، فقال:
بين النعام وبين الكلب منبته ... وفي الذئاب له ظئر وأخوال٤
وله قصيدة أولها:
كبيشة عرسي تريد الطلاقا ... وتسألني بعد وهن فراقا٥
و"دريد بن الصمة" من سادات "جشم"، ويكنى "أبا قرة"، وهو أحد الفرسان الشجعان المشهورين، وذوي الرأي في الجاهلية، وشهد معركة "حنين"
стр. 6412
مع "هوازن"، وهو شيخ كبير، فقتل مع من قتل من المشركين١. وقيل إنه قال في هذه المعركة:
يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع
أقود وطفاء الزمع ... كأنها شاة صدع
ومن جيد شعره قوله:
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
فلماعصوني كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم وأنني غير مهتدي
وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد
وله أشعار أخرى، ذكر "ابن قتيبة" بعضا منها٢.
وأمه "ريحانة" بنت "معدي كرب"، أخت "عمرو بن معدي كرب"٣.
وله قصيدة في رثاء "معاوية" أخي الخنساء، مما جاء فيها:
فإن الرزء يوم وقفت أدعو ... فلم يسمع معاوية بن عمرو
رأيت مكانه فعطفت زورا ... وأي مكان زور يا ابن بكر
على إرم وأحجار ومير ... وأغصان من السلمات سمر
وبنيان القبور أتى عليها ... طوال الدهر من سنة وشهر
ولو أسمعته لأتاك ركضا ... سريع السعي أو لأتاك يجري
بشكة حازم لا عيب فيه ... إذا لبس الكماة جلود نمر
فإما تمس في جدث مقيما ... بمسهكة من الأرواح قفر
فعز عليّ هلكك يا ابن عمرو ... وما لي عنك من عزم وصبر٤
стр. 6413
وقد وصف بأنه شجاع فحل: "أول شعراء الفرسان، أول الفرسان الشعراء غزوا وأكثرهم ظفرا وأيمنهم نقيبة عند العرب وأشعرهم"١. غزا نحو مائة غزوة وما أخفق في واحدة منها، وأدرك الإسلام ولم يسلم، وخرج مع قومه يوم حنين مظاهرا للمشركين ولا فضل فيه للحرب، وإنما أخرجوه تيمنا به وليقتبسوا من رأيه، فقتل على شركه. وكان قد رأس قومه: "مالك بن عوف". فلما سأله "دريد" عن خطته في الحرب، سفه رأيه وأشار عليه بالرجوع فخالفه "مالك"، فلما التقوا بالمسلمين حلت الهزيمة بهم. وقتل "دريد"٢.
وكان "دريد" فارس بني "غطفان"، وقُتل أخوه "عبد الله"، فقَتَل به "ذوّاب بن أسماء بن زيد بن قارب"، وقال:
قتلت بعبد الله خير لداته ... ذواب بن أسماء بن زيد بن قارب٣
و"عامر بن الطفيل" من "بني عامر بن صعصعة" من الشعراء الذين أدركوا الإسلام، وقد وفد على الرسول، وهو يريد الغدر به، ثم رجع كافرا فمات وهو في طريقه إلى دياره بالطاعون٤. ورد في رواية أنه قال للرسول: "تجعل لي نصف ثمار المدينة، وتجعلني ولي الأمر من بعد وأسلم!؟ "٥. وهو الذي نافر "علقمة بن علاثة" إلى "هرم بن قطبة" الفزاريّ، حين أهتر عمه عامر بن مالك ملاعب الأسنة.
وكان فارس قيس، أعور عقيما لا يولد له، ولم يعقب، مغرورًا فخورًا بنفسه: ومن شعره قوله:
فإني وإن كنت ابن فارس عامر ... وسيدها المشهور في كل موكب
стр. 6414
فما سوّدتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكب١
وله شعر يفخر به بقومه قيس عيلان، يجعل الأرض قيس عيلان وحدهم، لهم السهول والحزوم، وقد نال مجدهم آفاق السموات، ولهم الصحو منها والغيوم٢.
وكان "عامر" شديدا قويا، يرى لنفسه الزعامة بفضل قبيلته، وبقوة شخصيته، وتذكر بعض الأخبار أنه لما وفد مع "بني عامر"، كان غليظا في كلامه، حتى إن الرسول امتعض منه، وكان يستهين أمر الرسول، ويقول: "لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، أفأتبع أناعقب هذا الفتى من قريش؟ " يقولها لما كانوا يلحون عليه في الدخول في الإسلام، ولما سأل الرسول أن يجعل له ميزة فيتفق معه على أن يكون هو سيد أهل الوبر، وأن يكون الرسول سيد أهل المدر، وأبى الرسول ذلك عليه، خرج من يثرب غاضبا مهددا، قائلا للرسول: "لأملأنهاعليك خيلا جردا، ورجالا مردا، ولأربطن بكل نخلة فرسا"، مما جعل الرسول يدعو الله أن يكفيه شره. وكان الرسول يقول: "والذي نفسي بيده لو أسلم فأسلمت بنو عامر لزاحموا قريشا منابرهم"٣.
وبنو عامر بن صعصعة من القبائل القوية، وهي من "هوازن"، وقد كانت منازلها بنجد، وقد ساهمت في حروب عبس وذبيان، فساعدت عبس على ذبيان، ولعب عامر بن صعصعة دورا مهما فيها.
وقد طبع ديوانه، طبعه المستشرق "لايل" في سلسلة "جب" التذكارية سنة "١٩١٣" مع ديوان عبيد بن الأبرص٤.
ومن شعراء "بني بارق": "معقر بن حمار" البارقي، واسمه "سفيان بن أوس بن حمار"، سُمّي معقرا بقوله:
стр. 6415
له ناهض في الوكر قد مهدت له ... كما مهدت للبعل حسناء عاقر
وقوم "معقر"، وهم "بارق" من اليمن في الأصل، ينتهي نسبهم بالأزد. وكانوا قد حالفوا "بني نمير بن عامر" لدم أصابوه منهم، وشهدوا يوم "جبلة". وهو يوم كانت فيه وقعة بين "بني ذبيان" و "بني عامر"، فظهرت "بنو عامر" على "بني ذبيان". وكان "معقر" من فرسان قومه ومن شعرائهم يوم "جبلة" وقد حدد ذلك اليوم بوقوعه قبل الإسلام بتسع وخمسين سنة، وبتسعة عشرة سنة قبل المولد النبوي١.
ومن شعره:
الشعرُ لبُّ المرء يعرضه ... والقول مثل مواضع النبل
منها المقصر عن رميته ... ونوافذ يذهبن بالخصل٢
ومن شعره المشهور:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر٣
ومن شعراء الجاهلية، شاعر لا نعرف من أمره شيئا يذكر، اسمه: "عمرو بن عبد الجن"٤، "عمرو بن عبد الحق"٥، وينسب له قوله:
أما ودماء مائرات تخالها ... على قنة العزى وبالنسر عندما
وما سبح الرهبان في كل بيعة ... أبيل الأبيلين المسيح بن مريما
стр. 6416
لقد ذاق منا عامر يوم لعلع ... حساما إذا ما هز بالكف صمّما١
ومن شعراء "قيس" المجيدين في الجاهلية: "خداش بن زهير بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة"، قال "أبو عمرو بن العلاء": "خداش بن زهير أشعر في عَظْم الشعر، يعني نَفَس الشعر، من لبيد، إنما كان لبيد صاحب صفات".. وجده "عمرو بن عامر"، يقال له "فارس الضحياء"، والضحياء فرسه. وفيه يقول:
أبي فارس الضحياء عمرو بن عامر ... أبى الذم واختار الوفاء على الغدر
ومما يتمثل به من شعره قوله:
ولن أكون كمن ألقى رحالته ... على الحمار وخلّى صهوة الفرس
وقوله:
فإن يكُ أوس حية مستميتة ... فذرني وأوسا إن رقيته معي٢
وذكر أنه كان من الصحابة، وأنه شهد حنينًا مع المشركين، ثم أسلم بعد ذلك. ويرى "المرزباني" أنه جاهلي لم يدرك الإسلام، وأغلب أهل الأخبار على هذا الرأي. وينسب إليه قوله:
يا شدة ما شددنا غير كاذبة ... على سخينة لولا الليل والحرم
و"سخينة" قريش. وكانت تعير بإكثارها من أكلها السخينة٣.
ومن شعره:
فيا راكبا أما عرضت فبلِّغن ... عقيلا إذا لاقيته وأبا بكر
بأنكم من خير قوم لقومكم ... على أن قولا في المجالس كالهجر
стр. 6417
دعوا جانبًا إنا سنترك جانبًا ... لكم واسعا بين اليمامة والظهر١
و"الحصين بن الحمام" المريّ، شاعر جاهلي، وهو من "بني مرة"، يعد من أوفياء العرب٢، وهو أحد الشعراء المقلين. "قال أبو عبيدة" واتفقواعلى أن أشعر المقلين في الجاهلية ثلاثة: المتلمس، والمسيب بن علس، والحصين بن حمام المري"٣. وقد أدخله بعضهم في الشعراء الجاهليين الذين أدركوا الإسلام.
وقد احتجوا بإسلامه بما نسب إليه من الشعر من قوله:
أعوذ بربي من المخزيات ... يوم تري النفس أعمالها
وخف الموازين بالكافرين ... وزلزلت الأرض زلزالها
والأصح أنه جاهلي لم يدرك الإسلام٤.
وأما "المفضل بن معشر بن أسحم"، فهو من "نُكرة" من "لكيز"، فضلته قصيدته التي يقال لها "المنصفة"، وأولها:
ألم تَرَ أن جيرتنا استقلوا ... فنيتنا ونيتهم فريق٥
وقد ولع بعض العلماء في وضع تواريخ للشعراء المتقدمين ولغيرهم، تحدد سني ميلادهم وسني وفاتهم، وسني الحوادث التي وقعت في أيامهم والمذكورة في أشعارهم. وهو ولع لا يستند على أسس علمية. لأن أغلب الروايات الواردة عن هؤلاء الشعراء هي غير ثابتة، وقد تتناقض أحيانا، وقد يثبت بطلانها بعد نقدها نقدا علميًّا، ثم إن فيها ما هو موضوع مصنوع ظاهر الصنعة، بيّن التكلف، ولهذا فأنا أحاول جهد إمكاني تجنيب نفسي من توريطها في وضع أرقام تمثل
стр. 6418
مواليد الشعراء الجاهليين أو سني وفاتهم، أو تواريخ الحوادث المذكورة في شعرهم، لعدم إمكانية التثبت من ذلك، بل إني أرى لزوم الابتعاد جهد الإمكان عن وضع التواريخ لسني حكم الملوك ولسني وفاتهم لصعوبة إثبات ذلك، والاكتفاء جهد الإمكان بتقريب أيامهم إلينا بصورة تقريبية. ولهذاالسبب لم أحفل في هذاالفصل بترتيب الشعراء ترتيبا زمنيا على وفق ما ذهب إليه المولعون بتدوين التواريخ بالسنين، إذ أرى صعوبة الأخذ بهذا الرأي في التأريخ.
стр. 6419
الفصل الثامن والخمسون بعد المئة: المعلقات السبع
...
الفصل الثامن والخمسون بعد المائة: معلقات السبع
ومن الشعر الجاهلي قصائد عرفت بين الناس باسم "المعلقات السبع" وبـ "المعلقات" وبـ "المذهبات" وبـ "السموط"، لزعم الرواة أن العرب اختارتها من بين سائر الشعر الجاهلي، فكتبتها بماء الذهب على القباطي، ثم علقتها على الكعبة إعجابا بها وإشادة بذكرها، وقد بقي بعضها إلى يوم الفتح، وذهب ببعضها حريق أصاب الكعبة قبل الإسلام.
والمعلقات السبع هي سبع قصائد طويلة اختيرت من الشعر الجاهلي، فعرفت لذلك بين الناس بـ "السبع" وبالسبع الطوال، وبالسبع الطول، وبالسبع الطول، وبالقصائد المختارة، وبالسبعيات، وعرفت أيضا باختيارات حماد، وبالسمط، وبالسموط، وبالمذهبات. ويظهر أن لفظة "السبع"، هي من الألفاظ القديمة التي أطلقت على اختيارات "حماد"، فقد ذكر "محمد بن أبي الخطاب في كتابه الموسوم بجمهرة أشعار العرب: أن أبا عبيدة قال: أصحاب السبع التي تسمى السمط: امرؤ القيس، وزهير، والنابغة، والأعشى، ولبيد، وعمرو، وطرفة. قال: وقال المفضل: من زعم أن في السبع التي تسمي السمط لأحد غير هؤلاء فقد
стр. 6420
أبطل"١. ولما تحدث "ابن قتيبة" عن معلقة "عمرو بن كلثوم"، قال: "وهي من جيد شعر العرب القديم، وإحدى السبع"٢. فالسبع، تسمية أخذت من حقيقة أن القصائد المذكورة المختارة كانت سبع قصائد.
وأما تسمية المعلقات بـ "السبع الطوال" و "السبع الطول"، فلكون هذه القصائد السبعة، هي من أطول ما ورد في الشعر الجاهلي من قصائد. ونجد هذه التسمية واردة على لسان "المفضل" حيث نسب إليه قوله: "هؤلاء أصحاب السبع الطوال"٣. وقد أطلقها "ابن كيسان" المتوفى سنة "٢٩٩هـ" "٩١١"٤، "٣٢٠هـ" "٩٣٢"٥، على شرحه لتلك القصائد حيث سماه بـ "شرح السبع الطوال الجاهلية"٦، وأطلق "أبو جعفر احمد بن محمد" النّحاس "٣٣٨" هذا العنوان عليها، إذ ذكرها بقوله: "إن حمادًا هو الذي جمع السبع الطوال، ولم يثبت ما ذكره الناس من أنها كانت معلقة على الكعبة"٧، وأطلقه على شرحه لها٨.
وعرفت أيضا بـ "القصائد السبع" وبـ "القصائد السبع الطوال" وبـ "القصائد"٨. وبـ "القصائد التسع"، وبـ "القصائد التسع المشهورة"، وذلك بالنسبة لمن أضاف على القصائد المذكورة قصيدتين أخريين٩، وبـ "القصائد العشر"، وذلك بالنسبة لمن أضاف ثلاث قصائد عليها١٠.
ويظهر أن مصطلح "السبع الطوال"، هو أنسب المصطلحات تعبيراعن هذه القصائد، لأنها تمثل في الواقع أطول ما وصل إلينا من الشعر الجاهلي. فإن عدد أبيات أقصر قصيدة من قصائدها هو "٦٤" بيتًا، أما عدد أبيات أطول
стр. 6421
قصيدة منها، فهو "١٠٤"، ومعدل أبيات المعلقات "٨٥" بيتا١.
وعرفت هذه القصائد بـ "القصائد المختارة" لطبيعة كونها قصائد اختيرت من قصائد الشعر الجاهلي، وانتخبت منه انتخابا٢. ونجد مجموعة أخرى عرفت بـ "شعر الشعراء الست"، وهم امرؤ القيس، والنابغة، وعلقمة، وزهير، وطرفة، وعنترة. وقد أشار "البغدادي" إلى كتاب دعاه: "مختار شعر الشعراء الست: امرؤ القيس، والنابغة، وعلقمة، وزهير، وطرفة، وعنترة. وشرحها للأعلم الشنتمري"٣.
ولم نجد في الكتب التي وصلت إلينا، الاسم الصحيح الأول الذي أطلقه جامع هذه القصائد ومختارها عليها. وقد ورد في مقدمة شرح التبريزي "٥٠٢هـ" على "القصائد العشر": "سألتني -أدام الله توفيقك- أن ألخص لك شرح القصائد السبع، مع القصيدتين اللتين أضافهما إليها أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحوي، قصيدة النابغة الذبياني الدالية، وقصيدة الأعشى اللامية، وقصيدة عبيد بن الأبرص تمام العشر"٤. فيظهر منها أن جملة "القصائد السبع"، كانت غالبة على تلك القصائد، من حقيقة كونها سبع قصائد في الأصل.
ولانعلم اسم أول من أطلق مصطلح "المعلقات السبع" على هذه القصائد، وفي أي وقت أطلقه عليها. ولا يستطيع أحد إثبات أن "حمادا" الراوية هو الذي أطلقه على منتقياته. وقد ذكر "بلاشير" أن "ابن قتيبة" لما تكلم عن قصيدة "عمرو بن كلثوم" التي تدخل في المعلقات قال عنها إنها "إحدى السبع المعلقات"٥. وقد رجعت إلى النص فوجدته يقول: "وهي من جيد شعر العرب القديم، وإحدى السبع"٦، ولماكنت لا أملك النسخة الفرنسية لكتاب "بلاشير"، لذلك لا أدري إذا كانت تلك النسخة قد استخدمت جملة "إحدى السبع المعلقات، كما وردت في الترجمة العربية، أم أن الترجمة العربية هي التي استعملتها تصرفا،
стр. 6422
وأنها لم ترد في النص الأصل. وإني استبعد احتمال أخذ "بلاشير" من نسخة أخرى استعملت جملة "إحدى السبع المعلقات" بدلًا من "إحدى السبع" الواردة في النص الذي اعتمدت عليه، المطبوع ببيروت سنة ١٩٦٤م.
والعلماء مختلفون في القصائد التي تعد من المعلقات وفي عددها، ولكنهم متفقون على خمس منها، هي معلقات امرئ القيس، وطرفة، وزهير، ولبيد، وعمرو بن كلثوم. أما بقيتها، فمنهم من يعد من بينها معلقة عنترة والحارث بن حلزة، ومنهم من يدخل فيها قصيدتي النابغة والأعشى. وقد أضاف بعض العلماء القصيدتين اللتين اختارهما المفضل الضبي، وهما قصيدتا النابغة والأعشى، إلى المعلقات السبع التي هي من اختيار حماد، فجعلها تسع معلقات. ويرى "نولدكه" أن لولاء حماد لبكر بن وائل علاقة بإدخال حماد قصيدة الحارث بن حلزة اليشكري في جملة المعلقات، وذلك أن حمادا كان مولى لبكر بن وائل، وكانت هذه القبيلة في عداء مع تغلب، ولما كانت قصيدة "عمرو بن كلثوم" التغلبي قد لقيت شهرة واسعة، لم يسع حماد أن يعدل عن اختيارها، فاختارها، واختار معها قصيدة الحارث إرضاء لمن انتمى إليهم بالولاء، مع قلة شهرتها بالنسبة إلى القصائد الآخرى١.
ونجد في "الفهرست" اسم كتاب ذكر "ابن النديم" أنه من مؤلفات "الأصمعي"، دعاه "كتاب القصائد الست"٢. ولهذه التسمية أهمية كبيرة، لأنها تدل على أن "الأصمعي"، كان قد اختار من القصائد المعروفة ست قصائد، وضمها بين دفتي كتاب. ولم يشر "ابن النديم" إلى أسماء القصائد الست المختارة، ولكني لا استبعد احتمال إسقاطه قصيدة واحدة من بين القصائد السبع التي اختارها "حماد"، فصار العدد ست قصائد. كما أشار "البغدادي" إلى كتاب دعاه: "مختار شعر الشعراء الست: امرئ القيس، والنابغة، وعلقمة، وزهير، وطرفة، وعنترة"، وإلى شرحها للأعلم الشنتمري٣.
وأشار "السيوطي" أثناء حديثه في مقدمته لكتابه: "شرح شواهد المغني".
стр. 6423
إلى "شرح المعلقات السبع، وما ضم إليها للتبريزي ولأبي جعفر النحاس، وشرح السبع العاليات للكميت، وشرح القصائد المختارة للتبريزي"١. وتلفت جملة: "وشرح السبع العاليات للكميت" النظر، لأنها جاءت في أثناء تحدث "السيوطي" عن الكتب التي رجع إليها في جمع مادة كتابه، وفي أثناء تحدثه على المعلقات السبع وما ضم إليها للتبريزي ولأبي جعفر النحاس، مما يدل على أنه قصد بشرح السبع العاليات للكميت، قصائد سبعًا مختارة لها صلة بهذه المعلقات السبع، ولا سيما وقد ذكر بعد هذا الشرح اسم شرح القصائد المختارة للتبريزي، التي هي المعلقات العشر، وأنه لم يقصد بالقصائد السبع "الهاشميات"، "هاشميات" الكميت وهي أيضا سبع قصائد، من شعر هذا الشاعر، عرفت بالهاشميات. ولو كان قصدها بالذات لدعاها باسمها الذي عرفت به، وهو "الهاشميات"٢، وإنما قصد كتابا آخر، اسمه: "شرح السبع العاليات"، ولفظة "العاليات" نعت للقصائد السبع. ولم يتحدث السيوطي ويا للأسف عن هذا الشرح بأي شيء، فهل يكون الكميت المتوفى سنة "١٢٦هـ"، أي قبل "حماد"، قد اختار سبع قصائد جاهلية وضمها في ديوان عرف بـ "السبع العاليات" وقف عليها "حماد" أو صارت إليه، فأملاها فنسبت إليه، على عادة القدماء في ذلك الوقت، من أخذهم الكتب والروايات القديمة، ثم إملاءها على تلامذتهم، فتنسب إليهم، فتكون المعلقات إذن من جمع الكميت، رواية حماد!
ويفهم من خبر مذكور في "خزانة الأدب" أن الخليفة "عبد الملك بن مروان" أمر فطرح شعر أربعة من أصحاب المعلقات، وأثبت مكانهم أربعة. ومعنى هذا الخبر هو وجود المعلقات قبل أيام عبد الملك. وفي الكتاب خبر آخر هو أن بعض أمراء بني أمية أمر من أختار له سبعة أشعار، فسماها المعلقات٣، وفي رواية أخرى: المعلقات الثواني ولم يعين المورد الشخص الذي أمر باختيار تلك الأشعار، ولا الشخص الذي قام بالاختيار. ولعله قصد الوليد وحمادا،
стр. 6424
فإليهما ينصرف الذهن، لما للوليد من ولع بالشعر، ولما لحماد من علم به.
ولم يشر "البغدادي" صاحب "خزانة الأدب" إلى اسم المورد الذي استقى منه خبره عن طرح "عبد الملك" شعر أربعة من أصحاب المعلقات، وإثباته أربعة مكانهم. كما أنه لم يشر إلى أسماء أصحاب المعلقات الذين طرحت معلقاتهم، ولا إلى أسماء الشعراء الأربعة الذين أثبتت قصائدهم مكان القصائد الأربع المطروحة.
وروي أن "معاوية"، تذكر قصيدة "عمرو بن كلثوم"، وقصيدة "الحارث بن حلزة" فقال "قصيدة عمرو بن كلثوم، وقصيدة الحارث بن حلزة، من مفاخر العرب، كانتا معلقتين بالكعبة دهرا"١.
والمعروف اليوم، أن حمادا الراوية، هو الذي جمع القصائد السبع المذكورة، وأذاعها بين الناس. وهو من حفظة الشعر ورواته وممن اشتهروا وعرفوا برواية الشعر القديم. وكان من المتكسبين بالشعر. وقد اتهم بالوضع وبالدس على الجاهليين وبالكذب عليهم: وهو نفسه لم ينكر ذلك، ولم يبرئ نفسه من الدس على الجاهليين والوضع عليهم. ولكنه كان بإجماع أنصاره وخصومه من أفرس الناس بالشعر، ومن أعلمهم بالشعر الجاهلي وبطرقه ودروبه وأساليبه، ولعل علمه هذا بالشعر، ورغبته في التفوق والتصدر على أقرانه المتعيشين مثله على رواية الشعر، كانا في رأس الأسباب التي حملته على الوضع والدس والافتعال.
ووضع "المفضل" الضبي قصيدتي النابغة والأعشى مكان قصيدتي عنترة والحارث بن حلزة اليشكري في الاختيارت الشهيرة للمعلقات. وضم "أبوجعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل" النحوي قصيدتي النابغة والأعشى على اختيارات "حماد" فصار العدد تسع معلقات، أضاف عليها بعض العلماء قصيدة "عبيد بن الأبرص" فصارت عشرا، وقد شرحها "التبريزي"٢. وجعل بعضهم العدد ثمانية. ولكن المشهور المعروف بين علماء الشعر الجاهلي أنها سبع قصائد: وهي في رأيهم أفضل ما قيل من الشعر في زمان الجاهلية٣.
ولأهل الأخبار قصص وحكايات عن سبب تسمية المعلقات بالمعلقات. فذكر
стр. 6425
"أحمد بن عبد ربه" مثلا أن العرب كلفت بقصائد خاصة من الشعر الجاهلي وفضلتها على غيرها، وعمدت إلى سبع قصائد تخيرتها من الشعر القديم، فكتبتها بماء الذهب في القباطي المدرجة، وعلقتها في أستار الكعبة، فمنه يقال: مذهبة امرئ القيس ومذهبة زهير، والمذهبات سبع، ويقال لها المعلقات١. وورد: يقال مذهبة فلان إذا كانت أجود شعره. وقال "ابن رشيق": "وكانت المعلقات تسمى المذهبات، وذلك لأنها اختيرت من سائر الشعر فكتبت في القباطي بماء الذهب وعلقت على الكعبة، فلذلك يقال مذهبة فلان، إذا كانت أجود شعره، ذكر ذلك غير واحد من العلماء. وقيل: بل كان الملك إذا استجيدت قصيدة الشاعر يقول: علقوا لنا هذه، لتكون في خزانته"٢.
وذهب "السيوطي" هذا المذهب كذلك، إذ قال: "وكانت المعلقات تسمى المذهبات، وذلك أنها اختيرت من سائر الشعر، فكتبت في القباطي بماء الذهب، وعلّقت على الكعبة؛ فلذلك يقال: مذهبة فلان إذا كانت أجود شعره. ذكر ذلك غير واحد من العلماء. وقيل: بل كان الملك إذا استجيدت قصيدة يقول: علقوا لنا هذه لتكون في خزانته"٣. وهو رأي أخذه من "ابن رشيق"، من كتابه "العمدة". وكتاب العمدة من الموارد التي استقى منها "السيوطي"، يشير إليه أحيانا، ولا يشير إليه أحيانا أخرى، كما هو الحال في هذه الجمل، التي هي عبارة "ابن رشيق" بحروفها كما جاء في العمدة. وقد توفي "ابن رشيق" سنة "٤٥٦هـ".
وزعم بعض آخر أن العرب كانوا في جاهليتهم يقول الرجل منهم الشعر في أقصى الأرض، فلا يعبأ به ولا ينشده أحد، حتى يأتي مكة في موسم الحج فيعرضه على أندية قريش، فإن استحسنوه روي، وكان فخرا لقائله وعلق على ركن من أركان الكعبة حتى ينظر إليه، وإن لم يستحسنوه طرح وذهب فيما يذهب. وقال أبو عمرو بن العلاء: "كانت العرب تجتمع في كل عام وكانت تعرض أشعارها على هذا الحي من قريش٤". وذهب "ابن خلدون" إلى أن العرب
стр. 6426
كانوا يعلقون أشعارهم بأركان البيت كما فعل أصحاب المعلقات السبع، وإنما كان يتوصل إلى تعليق الشعر بها من له قدرة على ذلك بقومه وعصبيته ومكانه في مضر١. وذكر أن "أول من علق شعره في الكعبة امرؤ القيس وبعده علقت الشعراء، وعدد من علق شعره سبعة. ثانيهم طرفة بن العبد. ثالثهم زهير بن أبي سلمى، رابعهم لبيد بن ربيعة، خامسهم عنترة، سادسهم الحارث بن حلزة، سابعهم عمرو بن كلثوم. هذا هو المشهور"٢. وروي عن "معاوية" قوله: "قصيدة عمرو بن كلثوم، وقصيدة الحارث بن حلزة من مفاخر العرب كانتا معلقتين بالكعبة دهرا"٣.
وعن "ابن الكلبي" أنه قال: "أول شعر علق في الجاهلية شعر امرئ القيس علق على ركن من أركان الكعبة أيام الموسم حتى نظر إليه، ثم أحْدِرَ فعلقت الشعراء ذلك بعده، وكان ذلك فخرًا للعرب في الجاهلية، وعدوا من علق شعره سبعة نفر، إلا أن عبد الملك طرح شعر أربعة منهم وأثبت مكانهم أربعة"٤.
ولا بد وأن يكون ظهور قصة التعليق قد حدث قبل أيام "ابن عبد ربه" المتوفى سنة "٣٢٨ هـ"، لورودها في "العقد الفريد"٥. و"ابن عبد ربه" من معاصري "أبي جعفر أحمد بن محمد" النحاس، المتوفى بعده بعشر سنوات، أي سنة "٣٣٨هـ"، الذي ذكر القصة أيضا، لكنه أنكر تعليق المعلقات، فعنده "أن حمادا هو الذي جمع السبع الطوال، ولم يثبت ما ذكره الناس من أنها كانت معلقة على الكعبة"٦. وذكر أنه قال في شرحه على المعلقات ما نصه: "واختلفوا في جمع القصائد السبع، وقيل إن العرب كانوا يجتمعون بعكاظ فيتناشدون الأشعار، فإذا استحسن الملك قصيدة قال: علقوا لنا هذه وأثبتوها في خزانتي"، وقال أبو جعفر: "وأما قول من قال إنها علقت بالكعبة فلا يعرفه أحد من الرواة"، "وهو يستند في رأيه هذا، إلى أن حمادا الراوية لما رأى زهد الناس في الشعر، جمع لهم هذه القصائد السبع، وقال هذه هي
стр. 6427
المشهورات! فسميت القصائد المشهورة"١.
وقد مشت أسطورة التعليق هذه بين الناس، حتى صارت رأيا اعتقد به كثير من المحدثين، إلى درجة أن منهم من صار يغضب ويثور إذا قرأ رأيا يخالف هذا الرأي، لاعتقاده أن في هذا الإنكار غضا وتعريفا بأخلد تراث من تراث العرب القديم، وأن فيه انتقاصا من قدر الأدب العربي التليد.
وقد تعرض المستشرقون منذ أيام "بوكوك" لموضوع المعلقات، وقد رأى كثير منهم أن قصة التعليق قصة مصطنعة وأن الموضوع مصنوع موضوع ويرى "نولدكه" أن اختلاف رواة الشعر في ضبط أبيات تلك المعلقات، دليل في حد ذاته على عدم صحة التعليق، إذ لو كانت تلك القصائد معلقة ومشهورة وكانت مكتوبة لما وقع علماء الشعر في هذا الاختلاف. ثم يرى سببا آخر يحمله على الشك في صحة ما يقال عن المعلقات. هو أن كل الذين كتبوا عن فتح مكة مثل الأزرقي وابن هشام والسهيلي وغيرهم وغيرهم، أشاروا إلى أن الرسول أمر بطمس الصور وكسر الأوثان والأصنام، ولم يشيروا أبدا إلى المعلقات، ولو كانت المعلقات موجودة كلا أو بعضا لما غض أهل الأخبار أنظارهم عنها، ولما سكتوا عن ذكرها، لأهميتها عند العرب.
ثم يرى "نولدكه" أن هذه القصائد لو كانت معلقة حقا، وكانت على الشهرة التي يذكرها أهل الأخبار لما أغفل أمرها في القرآن الكريم وفي كتب الحديث وفي كتب الأدب مثل كتاب الأغاني وأمثاله، ولأشير إليها، ولهذا يرى أن ما يروى عن المعلقات هو من القصص الذي نشأ عن التسمية وعن اختيارات حماد لها، فلما أشاعها بن الناس، أوجد الرواة لها قصة التعليق٣.
وقد استدل "نولدكه" من عبارة: "وقال المفضل: القول عندنا ما قاله
стр. 6428
أبو عبيدة في ترتيب طبقاتهم: وهو أن أول طبقاتهم أصحاب السبع معلقات. وهم: امرؤ القيس وزهير والنابغة والأعشى ولبيد وعمرو بن كلثوم وطرفة بن العبد. قال المفضل: هؤلاء أصحاب السبع الطوال التي تسميها العرب بالسموط، ومن زعم غير ذلك، فقد خالف جمهور العلماء"١، على أن الأدباء أوجدوا قصة تعليق المعلقات في الكعبة، نظرا إلى ما يقال من تفاخر الشعراء بعكاظ، وتحكيم المحكمين فيما بينهم، فرأى رواة الشعر أن يجعلوا المختار من الشعر، وهو القصائد السبع الطوال سيد الشعر الجاهلي، ولما كانت مكة ذات قدسية، وجدوا أنها أصلح مكان لأن يربط بينه وبين هذا المختار من عيون الشعر، فأوجدوا حكاية التعليق٢.
وبين المستشرقين فريق ذهبوا مذهب "نولدكه" في رفض قصة التعليق، ورأوا أن القصة أسطورة لا أصل لها ولا فصل. وفريق أيد التعليق، وهم أقلية، وذهب مذهب المثبتين له من علماء الشعر الجاهلي. أما علماء العربية في أيامنا، فهم أيضا بين مؤيد وبين مخالف، ولكل رأي.
وقد تعرض "الرافعي" لموضوع تعليق المعلقات، فذهب إلى أن قصة التعليق على الكعبة قصة مفتعلة، وأن "ابن الكلبي" هو الذي ذكر خبر تعليقها على الكعبة، وأن مَنْ عدا ابن الكلبي ممن هم أوثق في رواية الشعر وأخباره لم يذكروا من ذلك شيئا، بل جملة كلامهم ترمي إلى أن القصائد لم تخرج عن سبيل ما يختار من الشعر، وأن المتأخرين هم الذين بنوا على خبر التعليق ما ذكروه من أمر الكتابة بالذهب أو بمائه في الحرير أو في القباطي؛ وأن العرب بقيت تسجد لها "١٥٠" سنة حتى ظهر الإسلام، تسجد لها كما يسجدون لأصنامهم٣. و "ابن الكلبي" على رأيه "هو أول من افترى خبر كتابة القصائد السبع المعلقات وتعليقها على الكعبة"٤.
وتعرض "الرافعي" أيضا إلى رأي من ينكر أن هذه القصائد صحيحة النسبة إلى قائليها، مرجحا أنها منحولة وضعها مثل حمّاد الراوية، أو خلف الأحمر،
стр. 6429
فرأى أنه رأي فائل، لأن الروايات قد تواردت على نسبتها، وتجد أشياء منها في الصدر الأول، غير أنه مما لا شك فيه أن تلك القصائد لا تخلوا من الريادة وتعارض الألسنة، قلّ ذلك أو كثر، أما أن تكون بجملتها مولدة فدون هذا البناء نقض التأريخ١.
ولم أجد بين الموارد التي وصلت إلينا من موارد مطبوعة أو مخطوطة موردا واحدا ذكر أن الرسول حينما فتح مكة، وأمر بتحطيم ما كان بها من أصنام وأوثان وبطمس ما كان بها من صور، وجد معلقة واحدة أو جزءا من معلقة أو أي شعر آخر وجد مكتوبا ومعلقا على أركان الكعبة أو على أستارها، كما أني لم أجد في أخبار بناء الكعبة خبرا يشير إلى أنهم علقوا المعلقات على الكعبة حينما أشادوها وبنوها من جديد. ولو كانت تلك القصائد قد علقت، لما سكت الرواة عنها وأغفلوا أمرها إغفالا تامًّا، ثم إن أهل الأخبار الذين أشاروا إلى الحريق الذي أصاب الكعبة، والذي أدي إلى إعادة بنائها، لم يشيروا أبدا إلى احتراق المعلقات كلها أو جزء منها في هذا الحريق، ولو كانت موجودة ومعلقة على الكعبة كما زعموا، لما سكتوا عن ذكر هذا الحدث الهام. ثم إني لم أسمع أن أحدا من حملة الشعر الجاهلي من الصحابة أو التابعين، ولا غيرهم من رواة شعر الجاهلية وحفظته، وكلهم كانوا يتلذذون بروايته وبسماعه، أشار إلى وجود معلقات ومذهبات وقصائد سبع مختارة، ولو كان لهم علم بها لما أخفوا ذلك عمن جاء بعدهم أبدا. وتعليق المعلقات قصة لا أستبعد أن تكون من صنع "حماد" جامعها، أو من عمل من جاء بعده، في تعليل سبب ذلك الاختيار.
وأما ما زعم من أن معاوية قال: "قصيدة عمرو بن كلثوم، وقصيدة الحارث بن حلزة، كانتا معلقتين بالكعبة دهرا"٢، فخبر لا يوثق به.
ومن "السمط" جاءت فكرة تعليق المعلقات. فالسمط: خيط النظم لأنه يعلق، وقيل قلادة أطول من المخنقة، والخيط ما دام فيه الخرز، وجمعه "سموط"٣. فالسمط يعلق، وقد دعيت القصائد المذكورة بـ "السمط"، وقالوا
стр. 6430
من ثم بتعليق تلك القصائد، وتعليقها عل الكعبة أو على أستارها هو خير مكان يناسب المقام الذي وضعوه لتلك المنظومات.
وتلفت جملة: "وقال المفضل: من زعم أن في السبع التي تسمى السمط لأحد غير هؤلاء، فقد أبطل" النظر حقًّا١. فقد استعمل لفظة "السمط"، فقط، وقصد بها المعلقات، وهذا الاستعمال يدل على نعت العلماء للقصائد المذكورة بأن كل قصيدة منها وكأنها خيط من اللؤلؤ منظوم يتلو بعضه بعضا، وأن تلك القصائد السبع قد اختيرت من بين قصائد الشعر الجاهلي، وأن من يزيد على ذلك العدد قصيدة، فقد أخطأ.
وقد روي أن العرب كانت تسمي القصائد الطويلة الجيدة المقلدات والمسمطات٢. و "مقلدات الشرع وقلائده البواقي على الدهر"٣. "وسمط الشيء تسميطا علقه بالسموط، وهي السيور"، ومن هذا المعنى أخذ اختراع تعليق المعلقات في رأي بعض الباحثين.
ويذكر علماء اللغة والشعر أن "المسمط" من الشعر، أبيات تجمعها قافية واحدة مخالفة لقوافي الأبيات. ويقال قصيدة مسمطة، شبهت أبياتها المقفاة بالسموط. وذكر بعضهم: الشعر المسمط الذي يكون في صدر البيت أبيات مشطورة أو منهوكة مقفاة وتجمعها قافية مخالفة لازمة القصيدة حتى تنقضي. وهو الذي يقال له عند المولدين: المخمس، والمسبع، والمثمن. وذكر بعض علماء الشعر أن لامرئ القيس قصيدتان سمطيتان٥.
وأرى أن الذي أوحى إلى أهل الأخبار بفكرة المعلقات السبع هو ما جاء في القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبَعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ ٦ وما جاء في الحديث من قوله: "أوتيت السبع الطول" ٧. وقد ذكر علماء التفسير أن "السبع الطول" من سور القرآن: سبع سور، وهي سورة البقرة وسورة آل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، واختلف في السابعة، فمنهم من قال السابعة
стр. 6431
الأنفال، ومنهم من جعل السابعة يونس، ومنهم من قال إنها سورة "الفاتحة" وأنها "السبع المثاني"، لأنها تتألف من سبع آيات١. فمن السبع المثاني التي قصد بها السور السبع الطوال المذكورة، والتي ذكر المفسرون أنها خصت بهذه التسمية بسبب كونها أطول السور ولاحتوائها على أكثر الأحكام أخذ رواة الشعر في رأيي فكرتهم في المعلقات السبع، التي نعتوها أيضا بـ "الطوال" وبـ "السبع الطوال" وهو نعت جاء في الحديث وفي كتب التفسير للسبع المثاني، أي للسور المذكورة، إذ عبر عنها بـ "السبع الطوال"، وورد في الحديث: "أوتيت السبع الطوال".
ويلاحظ أن علماء الشعر مغرمون بعدد السبعة، وأن نظام انتقائهم للأشعار قائم على سبع. فالمعلقات سبع، ومنتقيات العرب والمذهبات التي للأوس والخزرج خاصة سبع كذلك، وعيون المراثي سبع، ومشوبات العرب وهي التي شابهن الكفر والإسلام سبع كذلك، والملحمات سبع أيضا، ومجموع هذه الاختيارات تسع وأربعون. وهي حاصل هذه المجموعات السبع التي تتألف كل مجموعة منها من سبعة أشعار.
وهذا التقسيم السبعي لا بد أن يكون له أساس، فليس من المعقول أن يكون اعتباطيا وعلى غير أساس. والمعروف أن التقسيم السبعي، أو النظام السبعي، تقسيم قديم يعود إلى سنين طويلة قبل الميلاد، فالسماوات والأرضون سبع، والكواكب السيارة سبعة، والأنغام الموسيقية سبعة، وأيام الأسبوع سبعة. والعدد سبعة هو عدد مقدس عند بعض الشعوب القديمة.
وقد سبق لي أن تحدثت في مجلة المجمع العلمي العراقي عن المعلقات السبع، وذكرت الأسباب التي حملت العلماء على تسميتها بالمعلقات.
стр. 6432
الفصل التاسع والخمسون بعد المئة: أصحاب المعلقات
...
الفصل التاسع والخمسون بعد المائة: أصحاب المعلقات
أصحاب السبع الطوال، هم: امرؤ القيس، وطرفة بن العبد، وزهير بن أبي سلمى، ولبيد بن ربيعة، وعمرو بن كلثوم، وعنترة بن شداد، والحارث بن حلزة اليشكري. وهم الذين اختار "حماد" الراوية قصائدهم، فألف منها اختياراته. وقد رتبهم حسب الترتيب المألوف الذي يرد في دواوين المعلقات، وإن كان هذا الترتيب يتعارض مع الترتيب الزمني. فلبيد مثلا كان من الواجب علينا تأخيره، بجعله آخر الشعراء المذكورين، لأنه أدرك الإسلام، فهو من المخضرمين، وبعض منهم كان من اللازم تقديمه، ليأخذ مكانه المناسب له من الناحية الزمنية، بجعله في موضع من يؤخر لتأخره في الزمان.
وسأضيف على ما ذكرت الأعشى والنابغة وعبيد بن الأبرص، مجاراة لمن زاد على ذلك العدد شاعرا أو شاعرين أو ثلاثة، أو طرح منه شاعرين، ووضع في محلهما شاعرين آخرين. كما جرى الحديث عن ذلك حين تكلمت عن المعلقات. وسأبدأ لذلك بالكلام على أولهم، وهو بإجماع علماء الشعر: امرؤ القيس.
وامرؤ القيس، هو على رأس شعراء الجاهلية في الذكر والشهرة، وعلى رأس أصحاب "المعلقات السبع". وقد أوصله أهل الأخبار إلى "قيصر"، وجعلوا له معه حكايات ثم قبروه بـ "أنقرة" إلى جانب قبر ابنة بعض الملوك الروم١.
стр. 6433
وختموا حياته بخاتمة مؤلمة مفجعة، وقالوا إنه عرف بـ "ذي القروح"، لأن ملك الروم كساه حلة مسمومة فقرحته١، أو لقوله:
وبدلت قرحًا داميًا بعد صحة ... لعل منايانا تحوَّلن أبؤسا٢
ويرى "بروكلمان" أن قصة موت "امرئ القيس"، بسبب الحلة المسمومة، أسطورة تشبه الأسطورة التي حصلت لهرقل البطل اليوناني الشهير٣.
ودعوه بـ "الملك الضلِّيل"، و "الملك المضلل"٤. وذكروا أنه سعى وجدّ لإعادة ملك والده، ولكنه باء بالفشل، وكان آخر ما فعله في هذا الباب، أن ذهب إلى "القسطنطينية" لمقابلة "قيصر" لإقناعه بمساعدته في الحصول على حقه، وتقويته لينتقم من قتلة والده، وليعيد الحكم إلى كندة، فكان مصيره أن جاءه الموت وهو في طريقه، على نحو ما تقصه علينا قصص أهل الأخبار.
وما قصة موته من قروح أصيب بها من لبسه الحلة المسمومة، إلا أسطورة. ويرى "بروكلمان" احتمال ظهورها من سوء فهم الأبيات ١٢-١٤ من القصيدة "٣٠" من ديوانه. ولعل هذه القصة هي التي أوجدت له اللقب الذي لقب به، وهو "ذو القروح". وأنا لا أستبعد احتمال إصابته بدمامل أو بمرض جلدي آخر، قرحت جلده، ومات منها، فعرف لذلك بـ "ذي القروح"، وأوجدت له قصة الحلة المسمومة على نحو ما أوجدته مخيلة أهل الأخبار.
ويذكر أهل الأخبار أن "امرأ القيس" لما احتضر بأنقرة، نظر إلى قبر فسأل عنه، فقالوا قبر امرأة غريبة، فقال:
стр. 6434
أجارتنا إن الخطوب تنوب ... وإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنّا غريبان ههنا ... وكل غريب للغريب نسيب
فإن تصلينا فالمودة بيننا ... وإن تهجرينا فالغريب غريب
وورد في كتاب: مقاتل الفرسان لأبي عبيدة، أن صخر بن عمرو الشريد أخا الخنساء، قال لما أدركه الموت:
أجارتنا إن الخطوب تنوب ... علينا وكل المخطئين مصيب
أجارتنا لست الغداة بظاعن ... وإني مقيم ما أقام عسيب
ومات فدفن بقرب عسيب. فلعلهما تواردا١.
وتذكر قصة، أن "امرأ القيس" دخل مع القيصر الحمام، فإذا قيصر أقلف، فقال:
إني حلفت يمينا غير كاذبة ... أنّك أقْلفُ إلا ما جنى القمر
إذا طعنت به مالت عمامته ... كما تجمع تحت الفلكة الوبر
وتذكر القصة أن ابنة القيصر نظرت إليه فعشقته، فكان يأتيها وتأتيه، وطَبِنَ "الطمّاح بن قيس" الأسدي لهما، وكان حجر قتل أباه، فوشى به إلى الملك، فخرج امرؤ القيس متسرعا، فبعث إليه قيصر بحلة مسمومة، فتناثر لحمه وتفطر جسده. وكان يحمله "جابر بن حني" التغلبي، فذلك قوله:
فإما تريني في رحالة جابر ... على حرج كالقر تخفق أكفاني
فيا رب مكروب كررت وراءه ... وعان فككت الغلّ عنه ففداني
إذا المرء لم يحزن عليه لسانه ... فليس على شيء سواه بحزّان٢
ولم ينس "ابن الكلبي" ذكر آخر كلمة قالها شاعرنا حين حضرته الوفاة، فقال إنه قال:
стр. 6435
وطعنة مسحنفرة وجفنة متعنجرة تبقى غدا بأنقرة
فكان هذا آخر شيء تكلم به، ثم مات١.
ورويت كلماته الأخيرة على هذه الصورة:
رب خطبة مسحنفره ... وطعنة مثعنجره
وجعبة متحيره ... تدفن غدا بأنقره
كما روى شعره الذي قاله يخاطب قبرا لامرأة زعم أنها من بنات ملوك الروم، على هذا النحو:
أجارتنا إن المزار قريب ... وإني مقيم ما أقام عسيب
أجارتنا إنا غريبان ههنا ... وكل غريب للغريب نسيب٢
وهكذا نجد الرواة يختلفون فيما بينهم في رواية هذه الأشعار التي صنعت على لسان الشاعر، لتكون مادة مقومة للقصة. وكان آخر ما صنعوه لإتمام القصة، أن أوجدوا له قبرا بأنقرة، اتخذوه إلى جانب قبر منفرد منعزل، هو قبر إحدى بنات ملك من ملوك الروم، أوصاهم به "امرؤ القيس" نفسه لما رأى دنو أجله. فكانت الخاتمة مؤلمة، وكان الاختيار موفقا جدا، فالقبر قبر امرأة، وكان صاحبنا متيما بحب النساء، وكانت المرأة بنتا لملك من ملوك الروم، فهي من طبقته، وتصلح أن تكون جارة له، وهو ابن ملك، وكان صديقا حميما لقيصر الروم، يدخل معه الحمام ويراه عاريا تماما، أقلف. فابنة ملك من ملوك الروم تصلح لأن تكون له جارة وصاحبة لهذا القبر، وهكذا قبروا الاثنين في قبرين متجاورين.
وقد زعموا أن امرأ القيس كان "مئناثا لا ذكر له، وغيورا شديد الغيرة، فإذا ولدت له بنت وأدها، فلما رأى ذلك نساؤه غيبن أولادهن في أحياء العرب، وبلغه ذلك فتتبعهن حتى قتلهن"٣.
стр. 6436
وزعموا أنه كان مع جماله ووسامته وحسنه "مُفركًا لا تريده النساء إذا جربنه. وقال لامرأة تزوجها: ما يكره النساء مني؟ قالت: يكرهن منك أنك ثقيل الصدر، خفيف العجز، سريع الإراقة، بطيء الإفاقة. وسأل أخرى عن مثل ذلك فقالت: يكرهن منك أنك إذا عرقت فحت بريح كلب! فقال: أنت صدقتني، إن أهلي أرضعوني بلبن كلبة. ولم تصبر عليه إلا امرأة من كندة يقال لها هند، وكان أكثر ولده منها"١.
وتزعم قصة أن قيصر وجه معه جيشا، ليعاونه على استعادة ملكه، فوشى به رجل من "بني أسد" يقال له "الطماح"، فهمّ بقتله، وأرسل إليه في أثره بحلة مسمومة مع رجل، أدخله الحمام وكساه إياها بعد خروجه، فلما لبسها تنفط بدينه٢. وزعم "الجاحظ" أنه "راسل بنت قيصر وأراد أن يختدعها عن نفسها، وبلغ ذلك قيصر وأراد أن يقتله، فتذمم من ذلك، وأمر بقميص فغمس في السم، وقال لامرئ القيس: البس هذا القميص فإني أحببت أن أوثرك به على نفسي لحسنه وبهائه فعمل السم في جسمه وكثرت فيه القروح فمات منها، فسمي ذا القروح. وقد كان قيل لقيصر قبل ذلك إنه هجاه، فعندها يقول:
ظلمت له نفسي بأن جئت راغبا ... إليه وقد سيرت فيه القوافيا
فإن أك مظلوما فقدما ظلمته ... وبالصاع يجزى مثل ما قد جزانيا٣
قال علماء الشعر: كان "امرؤ القيس" ممن يتعهر في شعره٤، وقد سبق الشعراء إلى أشياء ابتدعها، واستحسنها العرب، واتبعته عليها الشعراء، من استيقافه صحبه في الديار، ورقة النسيب، وقرب المأخذ. وله تشبيهات مستجادة، وإجادة في صفة الفرس، وفي الوصف٥. "واجتمع عند "عبد الملك" أشراف من الناس والشعراء، فسألهم عن أرق بيت قالته العرب، فاجتمعوا على بيت امرئ القيس:
стр. 6437
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل١
وقال "أبو عبيدة معمر بن المثنى": "من فضله، أنه أول من فتح الشعر واستوقف، وبكى في الدمن، ووصف ما فيها، ثم قال: دع ذا -رغبة عن المنسبة- فتبعوا أثره، وهو أول من شبّه الخيل بالعصا واللقوة والسباع والظباء الطير، فتبعه الشعراء على تشبيهها بهذه الأوصاف"٢.
وقال أبو عبيدة: هو أول من قيد الأوابد، يعني في قوله في وصف الفرس "قيد الأوابد" فتبعه الناس على ذلك.
وقال غيره: هو أول من شبه الثغر في لونه بشوك السيال فقال:
منابته مثل السدوس ولونه ... كشوك السيال وهو عذب يفيص
فاتبعه الناس. وأول من قال: "فعادى عداء" فاتبعه الناس. وأول من شبه الحمار "بمقلاء الوليد" وهو عود القُلة و "بكرّ الأندري"، والكر: الحبل. وشبه الطلل "بوحي الزبور في العسيب". والفرس بتيس الحلب٣.
وأورد له علماء الشعر أشياء ذكروا أنه انفرد بها ولم يتمكن أحد من مجاراته بها٤، وعابوا عليه أشياء، دافع عنها بعض العلماء، وردوا العائبين عليها. ومما عابوه عليه تصريحه بالزنا والدبيب إلى حرم النساء، وفجوره بالمتزوجات، والشعراء تتوقى ذلك في الشعر وإن فعلته٥. وقد فضله "لبيد بن ربيعة" على جميع الشعراء، إذ قال: "أشعر الناس ذو القروح، يعني امرأ القيس".
وقد ذكر علماء الشعر أبيات شعر لامرئ القيس، قالوا إن غيره من الشعراء أخذوها أخذا، مع تغير بسيط وأدخلوها في شعرهم، أو أخذوا أكثر ألفاظها أو معانيها فأضافوا إلى شعرهم. ومن ذلك قول امرئ القيس:
وقوفا بها صحبي عليّ مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل
стр. 6438
أخذه طرفة فقال:
وقوفا بها صحبي عليّ مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد
ومثل قول امرئ القيس:
فلأيا بلأي ما حملنا غلامنا ... على ظهر محبوك السراة محنّب
أخذه زهير، فقال:
فلأيا بلأي ما حملنا غلامنا ... على ظهر محبوك ظماء مفاصله
إلى غير ذلك من أمثلة ذكرها "ابن قتيبة" وغيره في مؤلفاتهم عن الشعر والشعراء١. إن صحت دلت على أن الشعراء الجاهليين كانوا يحفظون شعر من تقدم عليهم، وشعر المعاصرين لهم، وأنهم كانوا يتتبعونه ويستقصونه ليحفظوه، ولم يبالوا بعد ذلك إذا أخذوا شيئا من شعر غيرهم. وهذا يدل أيضا على أن الشعر الجاهلي كان محفوظا في الصدور، يحفظه الشعراء وغيرهم من عشاق الشعر، إلى أن جاء الإسلام فدون بالقراطيس.
يقول علماء الشعر لم يتقدم امرؤ القيس الشعراء لأنه قال ما لم يقولوا، أو لأنه كان أول من ابتدأ بالشعر ووضع جادته ومهد سبيله ووضحه لمن جاء بعده من الشعراء، لكنه سبق إلى أشياء طريفة فاستحسنها الشعراء واتبعوه فيها، لأنه كان أول من لطف المعاني، ومن استوقف على الطلول، ووصف النساء بالظباء والمها والبيض، وشبه الخيل بالعقبان والعصي، وفرق بين النسيب وما سواه من القصيدة، وقرب مآخذ الكلام، فقيد الأوابد، وأجاد الاستعارة والتشبيه٢. وقد ثمن "الباقلاني" شعره بقوله: "وأنت لا تشك في جودة شعر امرئ القيس ولا ترتاب في براعته ولا تتوقف في فصاحته، وتعلم أنه قد أبدع في طرق الشعر أمورا اتبع فيها من ذكر الديار والوقوف عليها إلى ما يتصل بذلك من البديع الذي أبدعه والتشبيه الذي أحدثه والتميح الذي يوجد في شعره والتصرف
стр. 6439
الكثير الذي تصادفه في قوله، والوجوه التي ينقسم إليها كلامه من صناعة وطبع وسلاسة وعلو ومتانة ورقة وأسباب تحمد وأمور تؤثر وتمدح. وقد ترى الأدباء يوازنون بشعره فلانا وفلانا" ثم هو يؤاخذ الشاعر على عيوب ذكر أنها عوار في معلقته١.
ووضع أهل الأخبار "امرأ القيس" في رأس زمرة عشاق العرب والزناة. وذكروا له عشقه لـ "فاطمة بنت العُبيد بن ثعلبة" العذرية، وعشقه لـ "أم الحارث" الكلبية، وعشقه لـ "عنيزة"، وهي صاحبة يوم "دارة جلجل"٢، ورووا له قصة طريفة حدثت له مع صاحبة يوم "دارة جلجل"، تبين كيف مكر بابنة عمه "عنيزة"، فأجبرها على أن تتجرد من لباسها، لينظر إليها وهي تخرج من الغدير مقبلة ومدبرة، حتى يمتع نظره برؤية جسدها العاري، ثم كيف نحر ناقته، وشوى لحمها، وأخذ يطعم به البنات، وكيف توسل إلى ابنة عمه "عنيزة" لتحمله على غارب بعيرها بعد أن ذبح ناقته وشوى لحمها ليتخذ ذلك حجة له في مشاركة "عنيزة" بعيرها. ثم تروي القصة، كيف أنه صار يجنح إليها فيدخل رأسه في خدرها فيقبلها، ثم تنتهي القصة بذكر الشعر الذي قاله في هذه المناسبة. حيث يقول:
ويوم عقرت للعذارى مطيتي ... فيا عجبا من رحلها المتحمل
يظل العذاري يرتمين بلحمها ... وشحم كهدّاب الدمقس المفتل
ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة ... فقالت لك الويلات إنك مرجلي
تقول وقد مال الغبيط بنا معا ... عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل
فقلت لها سيري وأرخي زمامه ... ولا تبعدينا من جناك المعلل٣
وراوي هذه القصة هو "محمد بن سلام"، سمعها كما يقول من "أبي شفقل" راوية "الفرزدق" الشاعر الشهير، وقد ذكر هذا الراوي أنه لم ير رجلا كان أروى لأحاديث امرئ القيس وأشعاره من الفرزدق، وذلك لأن "امرأ القيس"
стр. 6440
كان قد أقام في "بني دارم" رهط الفرزدق حينا، حين رأى من أبيه جفوة، فمن ثم أخذ "الفرزدق" علمه بأخبار "امرئ القيس" وأحاديثه وأشعاره١.
ويكثر "امرؤ القيس" من ذكر أسماء المواضع التي نزل بها، وقد أفادنا بذلك في معرفة تلك المواضع. وفي جملة ما ذكره موضع "الخص"، وقد اشتهر بالخمر. وهو قرية من أسفل الفرات:
كأن التجار أصعدوا بسبيئة ... من الخص حتى أنزلوها على يسر٢
وقوله:
لمن الديار عرفتها بسحام ... فعمايتين فهضب ذي أقدام
فصفا الأطيط فصاحتين فعاسم ... تمشي النعاج بها مع الآرام٣
وقد ذكر عشرة مواضع من أرض البحرين بقوله:
غشيت ديار الحي بالبكرات ... فعارمة فبرقة العيرات
فغول فحليت فنفي فمنعج ... إلى عاقل فالجب ذي الأمرات٤
وله أشعار أخرى كثر فيها ورود أسماء المواضع٥.
ويذكر أن قوما من أهل اليمن أقبلوا يريدون النبي، فضلوا، ووقعوا على غير ماء، فمكثوا ثلاثا لا يقدرون على الماء، وأوشكوا على الهلاك، فأنشد أحدهم بيتين من شعر امرئ القيس، هما:
لما رأت أن الشريعة همها ... وأن البياض من فرائصها دامي
تيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طامي
فقال أحدهم: ضارج عندكم، وأشار إليه فمشوا على الركب، فإذا ماء غدق،
стр. 6441
وإذا عليه العرمض، والظل يفيء عليه، فشربوا وحملوا ولولا ذلك لهلكوا١.
ولما بلغوا النبي، أخبروه خبرهم، فقال: "ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها، منسي في الآخرة خامل فيها، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء إلى النار"٢.
وروي عن "عمر" قوله في "امرئ القيس": "سابق الشعراء، خسف لهم عين الشعر"٣. ونجد لهذا الشاعر ذكرا في كتب الحديث٤.
وذكر أن "امرأ القيس" أشار إلى "ابن مندلة" "ملك العرب" بقوله:
فأقسمت لا أعطي مليكا ظلامة ... ولا سوقة حتى يئوب ابن مندلة
وروي أن هذا البيت، هو لعمرو بن جوين٥.
وتذكر قصة رواها "أبو الحسين" النسابة، أن "حجرا" والد امرئ القيس نهى ابنه عن قول الشعر، فلما لم ينته عنه، أمر أحد غلمانه أن يقتله ويأتيه بعينيه، فانطلق به الغلام، فاستودعه جبلا منيفا، وعلم أن أباه سيندم على قتله. وعمد الغلام إلى جؤذر كان عنده فنحره وامتلخ عينيه، فأتي بهما حجرا، فانفجر حجر من الغضب والندم، حتى هم بقتل الغلام، فأخبره الغلام، أنه لم يقتله، وأنه لا زال حيا، وأنه كان يعلم أن والده سيندم على قتله. فأمره عندئذ بالذهاب إليه، والعودة به إلى بيته، فأتاه به. وكف امرؤ القيس عن قول الشعر حتى قتل أبوه٦. وهي قصة نجد أمثالها في أساطير الأمم الأخرى. وإلى هذه القصة أشار "امرؤ القيس" بقوله:
فلا تتركني يا ربيع لهذه ... وكنت أراني قبلها بك واثقا
стр. 6442
وتذكر رواية أخرى أن أباه نهاه بعد عودته إليه من قول الشعر، ثم إنه قال:
ألا انعم صباحا أيها الطلل البالي
فبلغ ذلك أباه فطرده١.
والمشهور بين علماء الشعر، أن امرأ القيس إنما طرد، لأنه كان يقول الشعر، وكانت الملوك تأنف من ذلك، فزجره أبوه ومنعه عن قوله، فلما لم ينته طرده. فكان يسير في أحياء العرب ومع أخلاط من شذاذ العرب من طيء وكلب وبكر بن وائل، فإذا صادف غديرا أو روضة أو موضع صيد أقام، فذبح لمن معه في كل يوم وخرج إلى الصيد فيصيد ثم عاد فأكل وأكلوا معه وشرب الخمر وسقاهم وغنته قيانه، ولا يزال كذلك حتى ينفد ماء ذلك الغدير، ثم ينتقل عنه إلى غيره. فأتاه خبر أبيه ومقتله وهو بدمّون من أرض اليمن، فقال: ضيعني صغيرا وحملني دمه كبيرا، لا صحو اليوم ولا سكر غدا، اليوم خمر وغدا أمر! ثم شرب سبعا، فلما صحا آلى أن لا يأكل لحما، ولا يشرب خمرا، ولا يدهن ولا يصيب امرأة، ولا يغسل رأسه حتى يدرك ثأره. وهكذا صيروا "امرأ القيس" من الصعاليك، وجعلوه في عدادهم، فاتكا كثير الغزل والولوع بالنساء، يتنقل في أحياء العرب ويغير بهم، فيصف الأوثان، ويبكي على الدمن، ويذكر الرسوم والأطلال وغير ذلك٢.
ويرجع سند أكثر الروايات المتقدمة والتي بعدها إلى "ابن الكلبي"، ولابن الكلبي كتاب يتصل بامرئ القيس اسمه: "كتاب تسمية ما في شعر امرئ القيس من أسماء الرجال والنساء"٣، وله روايات مدونة في الأغاني وفي كتب أدب أخرى عن هذا الشاعر وعن ملوك كندة، ويظهر أنه قد اصطنع قصص امرئ القيس، وأضاف على القصص شعرا، ليكون له سندا وتفسيرا، وقد يكون أخذ القصص من أفواه الأعراب والرواة الذين حرفوا تأريخ امرئ القيس ووالده وحوروه وحولوه على طريقتهم المألوفة إلى قصص وأساطير، تميل نفوسهم إلى الاستماع إليها، فنقلها عنهم كما سمعها. غير أن "ابن الكلبي"، كان كما
стр. 6443
نعلم من الوضاعين، وكان من العارفين بدروب الشعر، وكان أيضا مثل والده ممن يضع الشعر على ألسنة الناس.
وتذكر قصة "امرئ القيس" أنه انتقم من "بني أسد" قتلة والده، فقرت عيناه بأخذه الثأر منهم. وقد نظم ذلك في شعره١. وتذكر أنه خرج إليهم أول ما خرج مع بكر وتغلب، وهم الذين كانوامعه، فأدرك بين أسد ظهرا، فكثرت الجرحى والقتلى، وحجز الليل بينهم، وهربت بنو أسد، فلما أصبحت بكر وتغلب، أبوا أن يتبعوهم وقالوا له: قد أصبت ثأرك. قال: والله ما فعلت ولا أصبت من بني كاهل ولا من غيرهم من بني أسد أحدا؛ قالوا: بلى، ولكنك رجل مشئوم، وانصرفوا عنه، فمشى هاربا لوجهه، حتى أمده "مرثد الخير بن ذي جدن" الحميري، وتبعه شذاذ من العرب، واستأجر رجالا من القبائل، ثم خرج فظفر ببني أسد، وألح المنذر في طلب امرئ القيس ووجه إليه الجيوش، فتفرق من كان معه ونجا في عصبته، فكان ينزل على بعض العرب ويرحل حتى قدم على السموأل، ثم على قيصر، على نحو ما ذكرت.
وتذكر رواية أن "امرأ القيس" لما مر ببكر بن وائل طالبا منهم النصرة، سألهم عن شاعر محسن فيهم، فأتوه بعمرو بن قميئة الضبعي، وقد أسن، فأعجب به "امرؤ القيس" فأخذه معه، حتى ذهب إلى "الحارث بن أبي شمر" الغساني، طالبا منه النجدة، فقال له: إني لست أقدر على المسير إلى العراق في هذا الوقت، ولكني أسير معك إلى الملك قيصر، فهو أقوى مني على ما سألت، وكانت للحارث وفادة على الملك، فأوفده معه٣. فالذي أخذ "امرأ القيس" إلى الروم هو "الحارث"، على هذه الرواية. والمعروف من الروايات الأخرى أن هذا الملك طالب "السموأل" بأسلحة "امرئ القيس" التي أودعها عنده، فلما أبى السموأل إلا إعطاءها إلى "آل امرئ القيس" الشرعيين وورثته، حاصره، وقتل ابنه، فضرب العرب بالسموأل المثل في الوفاء.
стр. 6444
وكنية امرئ القيس "أبو يزيد"، ويقال: "أبو وهب"، ويقال: "أبو الحارث"، ويقال "أبو كبشة". وأما اسمه، فاختلف فيه، فقيل: "عدي"، وقيل "مليكة"، وقيل" حندج". وكان يقال له: "الملك الضلِّيل"، و"الضليل"، و "ذو القروح"١.
ويذكر أهل الأخبار أن "امرأ القيس" كان معناعريضا ينازع كل من قال إنه شاعر، فنازع "التوءم اليشكري"، "الحارث بن التوءم"٢ فقال له: "إن كنت شاعرا فملط أنصاف ما أقول وأجزها". ونازع "عبيد بن الأبرص"٣.
وإذا ما أخذنا بآراء بعض المستشرقين في سنة وفاة الشاعر "امرئ القيس" من أنها كانت بين السنة "٥٣٠" والسنة "٥٤٠" بعد الميلاد٤، فيكون عصر أقدم شعر جاهلي وصل إلينا لا يزيد عمره على القرن السادس للميلاد، وأواخر القرن الخامس للميلاد. وهذا التقدير معقول يتناسب مع الأخبار المروية عن هذا الشاعر. روي أن رؤبة بن العجاج قال: حدثني أبي عن أبيه قال: حدثتني عمتي. قالت: سألت امرأ القيس، ما معنى قولك: كرك لأمين على نابل؟ فقال: مررت بنابل وصاحبه يناوله الريش لؤاما وظُهارا، فما رأيت أسرع منه ولا أحسن، فشبهت به٥. ولو أخذنا بهذه الرواية وصدقناها، فلن نتمكن من الارتفاع بها من حيث الزمن إلى أكثر من هذا التقدير.
وذكر أن "امرأ القيس" لما هرب من "المنذر بن ماء السماء" صار إلى جبلي طيء: أجأ وسلمى، فتزوج أم جندب. وصادف أن جاءه "علقمة بن عبدة التميمي"، فتذاكرا الشعر، فقال امرؤ القيس: أنا أشعر منك، وقال علقمة: بل أنا أشعر منك! فتحاكما إلى أم جندب، فأخذ كل واحد منهما يقول شعرا وهي تسمع، وتعلق عليه، ففضلت أم جندب "علقمة" عليه، فغضب امرؤ القيس وطلقها، فخلف عليها علقمة، فسمي علقمة الفحل١.
стр. 6445
وجاء في كتاب "الشعر والشعراء": "وكان امرؤ القيس في زمان أنو شروان ملك العجم، لأني وجدت الباعث في طلب سلاحه الحارث بن أبي شمر الغساني. وهو الحارث الأكبر. والحارث هو قاتل المنذر بن امرئ القيس الذي نصبه أنو شروان بالحيرة. ووجدت بين أول ولاية أنو شروان وبين مولد النبي ﷺ ، أربعين سنة، كأنه ولد لثلاث سنين خلت من ولاية هرمز بن كسرى، ومما يشهد لهذا، أن "عمرو بن المسبح" الطائي وفد على النبي ﷺ ، إلى المدينة في وفود العرب وهو ابن مائة وخمسين سنة وأسلم، وعمرو يومئد أرمى العرب. وهذا الذي ذكره امرؤ القيس"١.
و"عمرو بن المسبح" "المسيح؟ " الطائي، هو الذي عناه "امرؤ القيس" بقوله:
رب رام من بني ثعلب ... مخرج كفيه من ستره
وكان كما يزعم أهل الأخبار أرمى العرب يومئذ ومن فرسانهم المعروفين. ومن المعمرين. عمر على ما يقولون مائة وخمسين سنة، وجعلوه ممن أدرك أيام الرسول، بل زعموا أنه وفد عليه فأسلم. وجعل بعض أهل الأخبار وفاته في خلافة "عثمان". وتوقف "ابن قتيبة" في "المعارف"، فقال:"لا يدرى أقبض قبل النبي ﷺ ، أو بعده"٢، "ولست أدري أقبض قبل وفاة النبي ﷺ ، أم بعده"٣.
وذكروا أنه هو القائل:
لقد عمرت حتى شف عمري ... على عمرو بن علة وابن وهب٤
ولا يعقل خبر بقاء "عمر بن المسبح" الطائي إلى أيام النبي، ولا سيما خبر