← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

وإذا عليه العرمض، والظل يفيء عليه، فشربوا وحملوا ولولا ذلك لهلكوا١. ولما بلغوا النبي، أخبروه خبرهم، فقال: "ذاك رجل مذكور في الدنيا شريف فيها، منسي في الآخرة خامل فيها، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء إلى النار"٢. وروي عن "عمر" قوله في "امرئ القيس": "سابق الشعراء، خسف لهم عين الشعر"٣. ونجد لهذا الشاعر ذكرا في كتب الحديث٤. وذكر أن "امرأ القيس" أشار إلى "ابن مندلة" "ملك العرب" بقوله: فأقسمت لا أعطي مليكا ظلامة ... ولا سوقة حتى يئوب ابن مندلة وروي أن هذا البيت، هو لعمرو بن جوين٥. وتذكر قصة رواها "أبو الحسين" النسابة، أن "حجرا" والد امرئ القيس نهى ابنه عن قول الشعر، فلما لم ينته عنه، أمر أحد غلمانه أن يقتله ويأتيه بعينيه، فانطلق به الغلام، فاستودعه جبلا منيفا، وعلم أن أباه سيندم على قتله. وعمد الغلام إلى جؤذر كان عنده فنحره وامتلخ عينيه، فأتي بهما حجرا، فانفجر حجر من الغضب والندم، حتى هم بقتل الغلام، فأخبره الغلام، أنه لم يقتله، وأنه لا زال حيا، وأنه كان يعلم أن والده سيندم على قتله. فأمره عندئذ بالذهاب إليه، والعودة به إلى بيته، فأتاه به. وكف امرؤ القيس عن قول الشعر حتى قتل أبوه٦. وهي قصة نجد أمثالها في أساطير الأمم الأخرى. وإلى هذه القصة أشار "امرؤ القيس" بقوله: فلا تتركني يا ربيع لهذه ... وكنت أراني قبلها بك واثقا

стр. 6442

وتذكر رواية أخرى أن أباه نهاه بعد عودته إليه من قول الشعر، ثم إنه قال: ألا انعم صباحا أيها الطلل البالي فبلغ ذلك أباه فطرده١. والمشهور بين علماء الشعر، أن امرأ القيس إنما طرد، لأنه كان يقول الشعر، وكانت الملوك تأنف من ذلك، فزجره أبوه ومنعه عن قوله، فلما لم ينته طرده. فكان يسير في أحياء العرب ومع أخلاط من شذاذ العرب من طيء وكلب وبكر بن وائل، فإذا صادف غديرا أو روضة أو موضع صيد أقام، فذبح لمن معه في كل يوم وخرج إلى الصيد فيصيد ثم عاد فأكل وأكلوا معه وشرب الخمر وسقاهم وغنته قيانه، ولا يزال كذلك حتى ينفد ماء ذلك الغدير، ثم ينتقل عنه إلى غيره. فأتاه خبر أبيه ومقتله وهو بدمّون من أرض اليمن، فقال: ضيعني صغيرا وحملني دمه كبيرا، لا صحو اليوم ولا سكر غدا، اليوم خمر وغدا أمر! ثم شرب سبعا، فلما صحا آلى أن لا يأكل لحما، ولا يشرب خمرا، ولا يدهن ولا يصيب امرأة، ولا يغسل رأسه حتى يدرك ثأره. وهكذا صيروا "امرأ القيس" من الصعاليك، وجعلوه في عدادهم، فاتكا كثير الغزل والولوع بالنساء، يتنقل في أحياء العرب ويغير بهم، فيصف الأوثان، ويبكي على الدمن، ويذكر الرسوم والأطلال وغير ذلك٢. ويرجع سند أكثر الروايات المتقدمة والتي بعدها إلى "ابن الكلبي"، ولابن الكلبي كتاب يتصل بامرئ القيس اسمه: "كتاب تسمية ما في شعر امرئ القيس من أسماء الرجال والنساء"٣، وله روايات مدونة في الأغاني وفي كتب أدب أخرى عن هذا الشاعر وعن ملوك كندة، ويظهر أنه قد اصطنع قصص امرئ القيس، وأضاف على القصص شعرا، ليكون له سندا وتفسيرا، وقد يكون أخذ القصص من أفواه الأعراب والرواة الذين حرفوا تأريخ امرئ القيس ووالده وحوروه وحولوه على طريقتهم المألوفة إلى قصص وأساطير، تميل نفوسهم إلى الاستماع إليها، فنقلها عنهم كما سمعها. غير أن "ابن الكلبي"، كان كما

стр. 6443

نعلم من الوضاعين، وكان من العارفين بدروب الشعر، وكان أيضا مثل والده ممن يضع الشعر على ألسنة الناس. وتذكر قصة "امرئ القيس" أنه انتقم من "بني أسد" قتلة والده، فقرت عيناه بأخذه الثأر منهم. وقد نظم ذلك في شعره١. وتذكر أنه خرج إليهم أول ما خرج مع بكر وتغلب، وهم الذين كانوامعه، فأدرك بين أسد ظهرا، فكثرت الجرحى والقتلى، وحجز الليل بينهم، وهربت بنو أسد، فلما أصبحت بكر وتغلب، أبوا أن يتبعوهم وقالوا له: قد أصبت ثأرك. قال: والله ما فعلت ولا أصبت من بني كاهل ولا من غيرهم من بني أسد أحدا؛ قالوا: بلى، ولكنك رجل مشئوم، وانصرفوا عنه، فمشى هاربا لوجهه، حتى أمده "مرثد الخير بن ذي جدن" الحميري، وتبعه شذاذ من العرب، واستأجر رجالا من القبائل، ثم خرج فظفر ببني أسد، وألح المنذر في طلب امرئ القيس ووجه إليه الجيوش، فتفرق من كان معه ونجا في عصبته، فكان ينزل على بعض العرب ويرحل حتى قدم على السموأل، ثم على قيصر، على نحو ما ذكرت. وتذكر رواية أن "امرأ القيس" لما مر ببكر بن وائل طالبا منهم النصرة، سألهم عن شاعر محسن فيهم، فأتوه بعمرو بن قميئة الضبعي، وقد أسن، فأعجب به "امرؤ القيس" فأخذه معه، حتى ذهب إلى "الحارث بن أبي شمر" الغساني، طالبا منه النجدة، فقال له: إني لست أقدر على المسير إلى العراق في هذا الوقت، ولكني أسير معك إلى الملك قيصر، فهو أقوى مني على ما سألت، وكانت للحارث وفادة على الملك، فأوفده معه٣. فالذي أخذ "امرأ القيس" إلى الروم هو "الحارث"، على هذه الرواية. والمعروف من الروايات الأخرى أن هذا الملك طالب "السموأل" بأسلحة "امرئ القيس" التي أودعها عنده، فلما أبى السموأل إلا إعطاءها إلى "آل امرئ القيس" الشرعيين وورثته، حاصره، وقتل ابنه، فضرب العرب بالسموأل المثل في الوفاء.

стр. 6444

وكنية امرئ القيس "أبو يزيد"، ويقال: "أبو وهب"، ويقال: "أبو الحارث"، ويقال "أبو كبشة". وأما اسمه، فاختلف فيه، فقيل: "عدي"، وقيل "مليكة"، وقيل" حندج". وكان يقال له: "الملك الضلِّيل"، و"الضليل"، و "ذو القروح"١. ويذكر أهل الأخبار أن "امرأ القيس" كان معناعريضا ينازع كل من قال إنه شاعر، فنازع "التوءم اليشكري"، "الحارث بن التوءم"٢ فقال له: "إن كنت شاعرا فملط أنصاف ما أقول وأجزها". ونازع "عبيد بن الأبرص"٣. وإذا ما أخذنا بآراء بعض المستشرقين في سنة وفاة الشاعر "امرئ القيس" من أنها كانت بين السنة "٥٣٠" والسنة "٥٤٠" بعد الميلاد٤، فيكون عصر أقدم شعر جاهلي وصل إلينا لا يزيد عمره على القرن السادس للميلاد، وأواخر القرن الخامس للميلاد. وهذا التقدير معقول يتناسب مع الأخبار المروية عن هذا الشاعر. روي أن رؤبة بن العجاج قال: حدثني أبي عن أبيه قال: حدثتني عمتي. قالت: سألت امرأ القيس، ما معنى قولك: كرك لأمين على نابل؟ فقال: مررت بنابل وصاحبه يناوله الريش لؤاما وظُهارا، فما رأيت أسرع منه ولا أحسن، فشبهت به٥. ولو أخذنا بهذه الرواية وصدقناها، فلن نتمكن من الارتفاع بها من حيث الزمن إلى أكثر من هذا التقدير. وذكر أن "امرأ القيس" لما هرب من "المنذر بن ماء السماء" صار إلى جبلي طيء: أجأ وسلمى، فتزوج أم جندب. وصادف أن جاءه "علقمة بن عبدة التميمي"، فتذاكرا الشعر، فقال امرؤ القيس: أنا أشعر منك، وقال علقمة: بل أنا أشعر منك! فتحاكما إلى أم جندب، فأخذ كل واحد منهما يقول شعرا وهي تسمع، وتعلق عليه، ففضلت أم جندب "علقمة" عليه، فغضب امرؤ القيس وطلقها، فخلف عليها علقمة، فسمي علقمة الفحل١.

стр. 6445

وجاء في كتاب "الشعر والشعراء": "وكان امرؤ القيس في زمان أنو شروان ملك العجم، لأني وجدت الباعث في طلب سلاحه الحارث بن أبي شمر الغساني. وهو الحارث الأكبر. والحارث هو قاتل المنذر بن امرئ القيس الذي نصبه أنو شروان بالحيرة. ووجدت بين أول ولاية أنو شروان وبين مولد النبي ﷺ ، أربعين سنة، كأنه ولد لثلاث سنين خلت من ولاية هرمز بن كسرى، ومما يشهد لهذا، أن "عمرو بن المسبح" الطائي وفد على النبي ﷺ ، إلى المدينة في وفود العرب وهو ابن مائة وخمسين سنة وأسلم، وعمرو يومئد أرمى العرب. وهذا الذي ذكره امرؤ القيس"١. و"عمرو بن المسبح" "المسيح؟ " الطائي، هو الذي عناه "امرؤ القيس" بقوله: رب رام من بني ثعلب ... مخرج كفيه من ستره وكان كما يزعم أهل الأخبار أرمى العرب يومئذ ومن فرسانهم المعروفين. ومن المعمرين. عمر على ما يقولون مائة وخمسين سنة، وجعلوه ممن أدرك أيام الرسول، بل زعموا أنه وفد عليه فأسلم. وجعل بعض أهل الأخبار وفاته في خلافة "عثمان". وتوقف "ابن قتيبة" في "المعارف"، فقال:"لا يدرى أقبض قبل النبي ﷺ ، أو بعده"٢، "ولست أدري أقبض قبل وفاة النبي ﷺ ، أم بعده"٣. وذكروا أنه هو القائل: لقد عمرت حتى شف عمري ... على عمرو بن علة وابن وهب٤ ولا يعقل خبر بقاء "عمر بن المسبح" الطائي إلى أيام النبي، ولا سيما خبر

стр. 6446

من جعل موته في خلافة عثمان ولعل شخصا كان اسمه مثل هذا الإسم، فاشتبه أمره على الرواة، فظنوه صاحب امرئ القيس. ولو كان هو صاحبه لما سكت عشاق الشعر والباحثون عن شعر صاحبه عنه، ولوجدنا له خبرا مع الرسول أو عمر عن حياة امرئ القيس. وقد أشير إلى "البريد" في شعر "امرئ القيس"، إذ ذكر أنه نادم "قيصر" وأركبه البريد: ونادمت قيصر في ملكه ... فأوجهني وركبت البريدا إذا ما ازدحمنا على سكة ... سبقت الفرانق سبقا بعيدا١ وكانت البرد منظومة إلى كسرى، من أقصى بلاد اليمن إلى بابه، أيام وهرز، وأيام قتل مسروق عظيم الحبشة، وكذلك كانت برد كسرى إلى الحيرة: إلى النعمان وآبائه، وكذلك كانت برده إلى البحرين: إلى المكعبر مرزبان الزارة، وإلى مشكاب، وإلى المنذر بن ساوى، وكذلك كانت برده إلى عمان، إلى الجلندى بن المستكبر، فكانت بادية العرب وحاضرتها مغمورتين ببرده، إلا ما كان من ناحية الشام، فإن تلك الناحية من مملكة خثعم وغسان إلى الروم، إلا أيام غلبت فارس على الروم٢. ويرجع الفضل في تخليد شعر "امرئ القيس" إلى "حماد" الراوية، وإلى "أبي عمرو بن العلاء"٣. وكان "أبو عمرو بن العلاء" يقول: "فتح الشعر بامرئ القيس وختم بذي الرمة"٤. وإلى "الفرزدق" الذي كان من أروى الناس لأحاديثه وأشعاره٥، وإلى "ابن الكلبي" الذي نجد عنه نقولا في كتاب "الشعر والشعراء" لابن قتيبة، تخص "امرأ القيس"٦، وفي كتاب الأغاني، وهو من أهم الأخباريين الراوين لأخبار كندة.

стр. 6447

وذكر "الرياشي" أن كثيرا من الشعر الوارد في ديوان امرئ القيس، هو منحول عليه، وهو لجماعة من أصحابه، مثل عمرو بن قميئة١. وقد نص بعضهم على أنه لم يصح له إلا نيف وعشرون شعرا بين طويل وقطعة٢. وقد عني علماء الشعر والأخبار بجمع أشعاره في ديوان، فجمعه غير واحد منهم، وشرحه كثيرون، وطبع جملة طبعات، وترجم إلى مختلف اللغات٣. وقد اختلف رواة الشعر في ضبط عدد أبيات معلقة امرئ القيس كما اختلفوا في تقديم وتأخير الأبيات، "وفي رواية بعض الألفاظ، بحيث لا تجتمع اثنتان منها على صورة واحدة"٤. وذكر "البغدادي": أن قصيدة امرئ القيس التي مطلعها: ألاعم صباحا أيها الطلل البالي هي من عيون شعره، وعدتها ستة وخمسون بيتا، وأكثرها وقعت شواهد في كتب المؤلفين، وفي كتب النحو والمعاني٥. "وكان امرؤ القيس يروي شعر أبي دؤاد الإيادي ويتوكأ عليه. وهو فحل قديم كان أحد نعّات الخيل المجيدين". "ثم هو كان يعرف أن امرأ القيس بن حذام يبكي في شعره الطلول، فأخذ ذلك عنه كما أخذ صفة الخيل عن أبي دؤاد، وتراه يحاول أن يلحقه في إجادة نعتها والشهرة بذلك، حتى لا يخلو أكثر شعره من هذاالوصف"٦. وقد كان يعاصره من الشعراء المعروفين: علقمة بن عبدة، وعبيد بن الأبرص، والشنفرى، وسلامة بن جندل، والمثقب العبدي، والبراق بن روحان، وتأبط شرًّا، والتوءم اليشكري.

стр. 6448

وزعم أن "التوءم" اليشكري لقي "امرأ القيس" يوما فقال له: إن كنت شاعرا كما تقول فملط لي أنصاف ما أقول فأجزها: قال: نعم: فقال امرؤ القيس: أحار ترى بريقا هب وهنا فقال التوءم: كنار مجوس تستعر استعارا واستمرا على ذلك. ولما رآه امرؤ القيس قد ماتنه، ولم يكن في أيامه من يطاوله، آلى أن لا ينازع الشعر أحدا أبدا١. ونجد للباقلاني صاحب كتاب "إعجاز القرآن" آراء في بعض أشعار "امرئ القيس"، حيث ينتقد بعض الأبيات ويبين ما فيها من عيوب٢. وكما نجد في كتب "النقد" آراء في شعره، وهي بين مستحسن ومستهجن لبعض الأبيات أو القصائد. "ومن الخصائص العروضية في شعره كثرة استعمال الضرب المقبوض في الطويل، وكثرة الإقواء في القافية، وكثرة التصريع في غير أول القصيدة"٣. وللقدماء ملاحظات عن شعر "امرئ القيس"، وقد شك بعض منهم في كثير من شعره وذهبوا إلى أنه من الموضوعات، وقد أشاروا إليه، ثم جاء المستشرقون، فركنوا إلى ما قاله القدماء عنه، وأبدوا رأيهم فيه. وتحدث المحدثون من العرب عنه، وعلى رأسهم الدكتور طه حسين، حيث أنكر شعره لحجج أوردها في كتابه في الأدب الجاهلي٤. وعاش في أيام "امرئ القيس" شاعر آخر عرف أيضا بامرئ القيس، هو "امرؤ القيس بن حمام بن عبيدة بن هبل بن أبي زهير بن جناب بن هبل"٥. و"طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك"، من قيس بن ثعلبة. وهو ابن أخي "المرقش الصغير"، وكان من المقربين إلى "عمرو بن هند" ملك

стр. 6449

الحيرة، ومن المنادمين لأخيه "أبو قابوس". وهو ابن أخت "جرير بن عبد المسيح" المعروف بـ "المتلمس". وقد قال الشعر وهو صغير السن، ومات أبوه وهو وصغير، وأكل أعمامه ماله، وأبوا تقسيمه، فهجاهم، واشتهر بمعلقته التي عاتب فيها ابن عمه "مالكا" لأنه لم يعن أخاه "معبدا" في جمع شتات إبله. وقد قتل بالبحرين على ما يذكره أهل الأخبار في قصص متضارب، اختلف في سبكة الرواة١. واسم "طرفة" عمرو، وإنما سمي طرفة لقوله: لا تعجلا بالبكاء اليوم مطرفا ... ولا أميريكما بالدار إذ وقفا وقيل إن كنيته "أبو عمرو"٢. وقد فضل بعض علماء الشعر شعره على شعر سائر الشعراء الجاهليين٣. وكان "طرفة" أحدث الشعراء سنا وأقلهم عمرا، قتل وهو ابن عشرين سنة. فيقال له "ابن العشرين". وقيل بضع وعشرين سنة. وأمه"وردة" من رهط أبيه، وفيها يقول لأخواله وقد ظلموها حقها، بأن يعطوها حقها: ما تنظرون بمال وردة فيكم ... صغر البنون ورهط وردة غيب٤ ويقال إن أول شعر قاله "طرفة" أنه خرج مع عمه في سفر، فنصب فخا، فلما أراد الرحيل قال: يا لك من قبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ماشئت أن تنقري ... قد رفع الفخ فماذا تحذري لا بد يوما أن تصادي فاصبري٥

стр. 6450

وروي أن أخته رثته بقولها: عددنا له ستًّا وعشرين حجة ... فلما توفاها استوى سيدا ضخما فجعنا به لما رجونا إيابه ... على خير حال لا وليدا ولا قحما١ ورغم قلة ما نسب إلى "طرفة" من الشعر، فقد قدمه علماء الشعر على غيره من الشعراء بأن جعلوا ترتيبه بعد امرئ القيس، ولهذا ثنوا بمعلقته. ذكر "ابن قتيبة" أنه أجود الشعراء قصيدة٢. وقد ذكر "ابن سلام" أن معظم شعر "طرفة" قد ضاع حتى لم يبق منه بأيدي المصححين لشعره إلا بقدر عشر قصائد، مع أنه كان من أقدم الفحول، وقد حمل عليه كثير من الشعر٣. وكان في حسب من قومه، جريئا على هجائهم وهجاء غيرهم. وكانت أخته عند "عبد عمرو بن بشر بن مرثد"، كان "عبد عمرو" سيد أهل زمانه، فشكت أخت طرفة شيئا من أمر زوجها إليه، فقال: ولا عيب فيه غير أن له غنى ... وأن له كشحا إذا قام أهضما وأن نساء الحي يعكفن حوله ... يقلن عسيب من سرارة ملهما فبلغ عمرو بن هند الشعر، فأبلغه إلى "عبد عمرو" وهو معه في صيد، فقال "عبد عمرو":أبيت اللعن، الذي قال فيك أشد مما قال في، قال: وقد بلغ من أمره هذا؟ قال نعم. فأرسل إليه، وكتب له إلى عامله بالبحرين فقتله. في قصة منمقة مدونة في أكثر كتب الأدب والأخبار. وقد تعرضت لها في مكان آخر من هذاالكتاب. ويقال إن الذي قتله "المعلى بن حنش العبدي"، والذي تولى قتله بيده "معاوية بن مرة الأيفلي"، حي من طسم وجديس٤. وقيل "الربيع بن حوثرة" عامله على البحرين٥. وقيل إن قاتله: "عبد هند

стр. 6451

ابن جرد بن جري بن جروة بن عمير" التغلبي، عامل "عمرو بن هند" على البحرين. وأن "عمرو بن هند"، كان قد جعل "طرفة" و"المتلمس" في صحابة "قابوس" أخيه، فكان "قابوس" يتصيد يوما، ويشرب يوما، فكان إذا خرج إلى الصيد خرجا معه، فنصبا وركضا يومهما، فإذا كان يوم لهوه وقفا على بابه يومهما كله، فلما طال ذلك عليهما، هجا طرفة "عمرو بن هند" وأخاه، فبلغ الهجاء الملك، فقرر قتلهما١. وورد أن "عمرو بن هند"، كان قد رشح أخاه "قابوس بن المنذر" ليملك بعده، وأنه جعل "طرفة" و "الملتمس" في صحابة "قابوس" وأمرهما بلزومه، فكان قابوس شابا يعجبه اللهو، وكان يركب للصيد، فيركض يتصيد، وهما معه يركضان حتى يرجعا عشية وقد تعبا، فيكون قابوس من الغداة في الشراب فيقفان بباب سرادقه إلى العشي، فضجرا منه فهجواه وهجوا عمرا معه، فبلغ ذلك الهجاء "عمرا" ففعل بهما ما فعل٢. ويقال إن "طرفة" كان ينادم يوما "عمرو بن هند"، فأشرفت ذات يوم أخته، فرأى طرفة ظلها في الجام الذي في يده، فقال: ألا يا بأبي الظبي ... الذي يبرق شنفاه ولولا الملك القاعد ... قد ألثمني فاه فحقد ذلك عليه، وكان قال أيضا: وليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تدور لعمرك إن قابوس بن هند ... ليخلط ملكه نوك كثير وقابوس هو أخو "عمرو بن هند". وكان فيه لين. ويسمى قينة العرس. فحقد "عمرو بن هند" عليه واستدعاه، وكتب له كتابا، وكتب بمثل ذلك "للملتمس"، وشكَّ المتلمس في أمر الصحيفة، ومزقها، ومضى "طرفة" إلى البحرين، فأخذه "الربيع بن حوثرة" فسقاه الخمر حتى أثمله، ثم فصد أكحله، فقبره بالبحرين. وكان لطرفة أخ يقال له "معبد بن العبد"، فطلب

стр. 6452

بديته، فأخذها من الحواثر١. ويرى "بروكلمان" أن "طرفة" لم ينادم أبا قابوس، وإنما نادم "عمرو بن مامة" أخا الملك من أبيه، باليمامة. وكان قد التجأ إلى "مراد" من عداوة أخيه. فعاقب الملك "طرفة" بأخذ إبله التي تركها في "تبالة" من ديار "لخم"، فهجاه طرفة٢. وقد ذكر "المرتضى" رواية تذكر أن صاحب المتلمس وطرفة هو "النعمان بن المنذر"، وذلك أشبه بقول طرفة: أبا منذر كانت غرورا صحيفتي ... ولم أعطكم في الطوع مالي ولا عرضي أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض وأبو منذر، هو النعمان بن المنذر، وكان النعمان بعد عمرو بن هند، وقد مدح طرفة النعمان، فلا يجوز أن يكون عمرو قتله، فيشبه أن تكون القصة مع النعمان٣. وذكر أن عائشة سئلت: "هل كان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: لا، إلا لبيت طرفة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود فجعل يقول: ويأتيك بالأخبار من لم تزود. فقال أبو بكر: ليس هكذا. فقال: إني لست بشاعر، ولاينبغي لي"٤. وينسب إلى طرفة قوله: عفا من آل ليلي السهـ ... ـب فالأملاح فالغمر فعرق فالرماح فالـ ... ـلوىمن أهله قفر وأبلي إلى الغرا ... ء فالماوان فالحجر

стр. 6453

فأمواه الدنافالنجـ ... ـد فالصحراء فالنسر فلاة ترتعيهاالعيـ ... ـن فالظلمان فالعفر وينسب للخرنق أيضا١. ويقدم علماء الشعر "طرفة" على غيره من الشعراء، بإجادته وصف الناقة في معلقته على نحو لم يسبق إليه٢. وقد جعله "لبيد" بعد "امرئ القيس" في الشعر، وقال عنه "أبو عبيدة": "طرفة أجودهم واحدة، ولا يلحق بالبحور، يعني امرأ القيس وزهيرا والنابغة، ولكنه يوضع مع أصحابه: الحارث بن حلزة وعمرو بن كلثوم وسويد بن أبي كاهل". وقد ذكر علماء الشعر أبياتا جيدة لطرفة سبق بها غيره من الشعراء، فأخذهاعنه الشعراء وضمنوها أو ضمنوا معناها شعرهم. وممن اقتبس منه: "لبيد" و "الطرماح" و "عدي بن زيد" العبادي، وعبد الله بن نهيك بن إساف الأنصاري وغيرهم٣. وتعد "معلقة" "طرفة" أطول المعلقات أبياتا، فهي تتألف من "١٠٥" أبيات في شرح القصائد العشر للزوزني٤، وقد يزيد عليها بيت أو أكثر في بعض الروايات٥. وتنتهي المعلقة بذكر الموت، وبالنصح، وبأن الأيام معارة فما استطعت من معروفها فتزود به، ثم ختمها بقوله: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي وهي حكم، لا تصدر في العادة إلا من شيخ شارف على الموت ومن حكيم عرك الأيام، ومن رجل خبير مجرب. والقصيدة نفسها من نفس رجل، يجب أن يكون قد خبر الحياة، ومارس الشعر زمنا، فهل تكون من نظم شاب هو ابن عشرين سنة، أو بضع وعشرين؟

стр. 6454

وفي معلقة "طرفة" أبيات تشير إلى وقوفه على سفن الفرات ودجلة والبحر، إذ يقول فيها١: كأن حدوج المالكية غدوة ... خلايا سفين بالنواصف من دد عدولية أو من سفين ابن يامن ... يجور بها الملاح طورا ويهتدي يشق حباب الماء حيزومها بها ... كما قسم الترب المفائل باليد ويقول فيها أيضا٢: وأتلع نهاض إذا صعدت به ... كسكان بوصي بدجلة مصعد وزهير بن أبي سلمى، من هذا الرعيل الذي عدت إحدى قصائده من المعلقات. وكان على ما يقال راوية لأوس بن حجر زوج أمه، وكان أوس راوية للطفيل الغنوي، وهو والد "كعب بن زهير" الشاعر الشهير الذي كساه الرسول بردة له، بعد أن كان قد أمر بقتله لما بلغه من هجائه له. فلما سمع "كعب" بذلك جاء إلى المدينة فأسلم، وطلب العفو، وقال قصيدته الشهيرة بحضرة الرسول فعفى عنه وأعطاه البردة. أما والده "زهير"، فقد توفي قبل المبعث، ولا صحة لما ذكره البعض من أنه لقي الرسول٣. وقد كان يكنى بـ "أبي بجير"٤. وأتى "بجير" النبي وأسلم. وقد زعم أنه رأي رؤيا في منامه، أن سببا تدلى من السماء إلى الأرض وكان الناس يمسكونه، فأوله بنبي أخر الزمان، وأن مدته لا تصل إلى زمن بعثه، وأوصى بنيه أن يؤمنوا به عند ظهوره. ثم توفي قبل المبعث بسنة٥. وهو "زهير بن أبي سلمى"، واسم "أبي سُلمى" ربيعة بن رياح المزني، من مزينة بن أد بن طابخة، وكانت محلتهم في بلاد "غطفان"، فظن الناس أنه من غطفان. وقد ذهب "ابن قتيبة" إلى أنه من "غطفان" ورد على

стр. 6455

من زعم أنه من مزينة١. وهو أحد الشعراء الثلاثة الفحول، المتقدمين على سائر الشعراء بالاتفاق، وإنما اختلف في تقديم أحدهم على الآخر، وهم امرؤ القيس، وزهير، والنابغة الذبياني٢. ويقال إنه لم يتصل الشعر في ولد أحد من الفحول في الجاهلية ما اتصل في ولد زهير٣. وكان والد "زهير "شاعرا، وأخته "سلمى" شاعرة، وأخته "الخنساء" شاعرة، وابناه كعب وبجير شاعرين وابن ابنه "المضرب بن كعب" شاعرا٤، وقد عرف بأمه، وكان أخوه: "بشامة بن الغدير" شاعرا، كثير الشعر٥. ويظهر من شعر ينسب إليه أنه عاش أكثر من مائة سنة، إذ نراه يتأفف من هذه الحياة، ومن مشقاتها، حتى سئم منها، إذ يقول: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم ويقول: بدا لي أن الله حق فزادني ... إلى الحق تقوى الله ما كان باديا بدا لي أني عشت تسعين حجة ... تباعا وعشرا عشتها وثمانيا أو: ألم ترني عمرت تسعين حجة ... وعشرا تباعا عشتها وثمانيا٦ ويظهر أن بيت بدا لي أن الله حق فزادني، وما بعده من الشعر المنحول عليه، ولم يرد في رواية أبي العلاء، والأصمعي، والمفضل الضبي، والسكري٧.

стр. 6456

وفي شعر زهير، زهد ووعظ وتهذيب، حمل بعض الباحثين على اعتباره نصرانيا، ويشك "بروكلمان" في ذلك، إذ يرى أن أثر النصرانية وإن كان واسع الانتشار في جزيرة العرب في ذلك الوقت، بيد أنه لا توجد لدينا أدلة تحملنا على جعله نصرانيا١. وقد ذكر علماء الشعر أن "زهيرا" كان يتأله ويتعفف في شعره، ويدل شعره على إيمانه بالبعث وذلك قوله: يؤخر فيودع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم٢ ومن جيد شعره في تحديد اليمين قوله: فإن الحق مقطعه ثلاث ... يمين أو نفار أو جلاء٣ وقد ثمن شعره وقدره العلماء. قال "الثعالبي" فيه: "إنه أجمع الشعراء للكثير من المعاني في القليل من الألفاظ"٤. وفي معلقته أبيات في نهاية الحسن والجودة، وقد جرت مجرى الأمثال الرائعة٥. وورد أن "عمر بن الخطاب" كان لا يُقدّم عليه أحدا. وذكر أن "عمر" قال لابن عباس: أنشدني لأشعر شعرائكم. قلت: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير. قيل بم كان ذلك؟ قال: كان لا يعاظل بين الكلام، ولا يتتبع حوشيه، ولا يمدح الرجل بما لا يكون في الرجال. قال: فأنشدته حتى برق الصبح. وورد أن عمر كان جالسا "مع قوم يتذاكرون أشعار العرب إذ أقبل ابن عباس، فقال عمر: قد جاءكم أعلم الناس بالشعر، فلما جلس قال: يا ابن عباس، من أشعر العرب؟ قال: زهير بن أبي سلمى. قال فهل تنشد من قوله شيئا نستدل به على ما قلت، قال: نعم، امتدح قوما من غطفان يقال لهم بنو سنان فقال:

стр. 6457

لو كان يقعد فوق الشمس من أحد ... قوم لأولهم يوما إذا قعدوا محسَّدُون على ما كان من نعم ... لا ينزع الله عنهم ما له حسدوا١ وورد في رواية أخرى، أن "عمر" قال لابن عباس: "أنشدني لشاعر الشعراء، الذي لم يعاظل بين القوافي، ولم يتبع وحشي الكلام، قال: من هو يا أمير المؤمنين؟ قال: زهير"٢. وكان زهير أستاذ الحطيئة. وسئل عنه "الحطيئة" فقال: ما رأيت مثله في تكفّيه على أكتاف القوافي، وأخذه بأعنتها، حيث شاء، من اختلاف معانيها، امتداحا وذما. قيل له: ثم من؟ قال: ما أدري، إلا أن تراني مسلنطحا واضعا إحدى رجلي على الأخرى رافعا عقيرتي أعوي في أثر القوافي. قال أبو عبيدة: يقول من فضل زهيرا على جميع الشعراء: إنه أمدح القوم وأشدهم أسر شعر. قال وسمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: الفرزدق يشبه بزهير. وكان الأصمعي يقول: زهير والحطيئة وأشبههما عبيد الشعر، لأنهم نقحوه ولم يذهبوا به مذهب المطبوعين. قال: وكان زهير يسمي كُبْرَ قصائده الحوليات. وكان جيد شعره في هرم بن سنان المري. وقال عمر ﵁ لبعض ولد هرم: "أنشدني بعض ما قال فيكم زهير، فأنشده، فقال: لقد كان يقول فيكم فيحسن، فقال: يا أمير المؤمنين إنا كنا نعطيه فنجزل! فقال عمر ﵁ ذهب ما أعطيمتوه وبقي ما أعطاكم٣" وقد عيب على "زهير" لأخذه عطايا "هرم بن سنان"، إذ عد أهل الأخبار ذلك نوعا من التكسب بالشعر، وهو مرذول عند العرب٤. وقد قدمه "الأخطل" كذلك، وقال "ابن الأعرابي": "كان لزهير في الشعر ما لم يكن لغيره، كان أبوه شاعرا وهو شاعر وخاله شاعر وأخته

стр. 6458

سلمى شعرة، وابناه كعب وبجير شاعران، وأخته الخنساء شاعرة"١. "ومن قدّم زهيرا قال: كان أحسنهم شعرا، وأبعدهم من سخف، وأجمعهم لكثير من المعنى في قليل من المنطق، وأشدهم مبالغة في المدح، وأكثرهم امتثالا في شعره"٢. وقيل إن أمدح بيت قالته العرب، هو بيت زهير: تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله ولزهير قصيدة أولها: ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى ... من الأمر أو يبدو لهم ما بدا ليا يقال إنه قالها لما طلب "كسرى" النعمان بن المنذر، ففر فأتى طيًّا، فسألهم أن يدخلوه جبلهم، فأبوا فلقيه بنو رواحة من عبس، فقالوا له: أقم فينا، فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا. فقال: لا طاقة لكم بكسرى، وأثنى عليهم خيرا. وورد أن "الأصمعي" أنكر كون هذه القصيدة لزهير. ونسبها بعضهم "لصرمة بن أبي أنس الأنصاري"، وهي لا تشبه كلام زهير٤. ولزهير شعر سبق به غيره، فأخذه الشعراء منه وضمنوه شعرهم. وقد ذكر العلماء أمثلة على ذلك٥. "ويروى أن لزهير سبع قصائد نظم كلا منها في عام كامل، ومن ثم سميت: الحوليات"٦. ومن أولاد زهير بن أبي سلمى، كعب وبجير. وكان "بجير" قد أسلم قبل "كعب". فبلغ ذلك كعبا، فقال شعرا تعرض فيه للرسول فهدر الرسول دمه" فكتب "بجير" إليه شعرا يخوفه فيه ويدعوه إلى الإسلام، فجاء وأسلم٧.

стр. 6459

و "لكعب" ولد يقال له "المضرب بن كعب". كان شاعرا١، واسمه: "عقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى" لقب بالمضرب، لأنه شبب بامرأة من بني أسد، فضرب، فسمي المضرب. روى له الشريف "المرتضى" شعرا٢. وكانت لزهير بنت كانت شاعرة كذلك. ذكر أن بنت زهير دخلت على "عائشة"، وعندها بنت "هرم بن سنان"، فسألت بنت هرم: بنت زهير من أنت؟ قالت: أنا بنت زهير. قال: أوَمَا أعطى أبي أباك ما أغناكم؟ قالت: إن أباك أعطى أبي ما فني، وإن أبي أعطى أباك ما بقي، وأنشدت بنت زهير: وإنك إن أعطيتني فمن الغنى ... حمدت الذي أعطيت من ثمن الشكر وإن يفن ما تعطيه في اليوم أو غد ... فإن الذي أعطيك يبقى على الدهر٣ والشاعر "لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب" العامري، ويكنى "أبا عقيل"، وهو من أشراف قومه في الجاهلية والإسلام، وكان سخيا من أسرة معروفة. وكان في شبابه من فرسان زمانه، وقد شارك قبيلته في غاراتها على أعدائها، وذب عنها بسيفه وبقلمه. وهو من الشعراء المترفعين الذين ترفعواعن مدح الناس لنيل جوائزهم وصلاتهم كما كان من الشعراء المتقدمين في الشعر٤. وقد عرف والده بـ "ربيعة المقترين"، "أو "ربيع المقترين"، لسخائه، وقد ذكره "لبيد" ابنه في شعره بقوله: ولا من ربيع المقترين رزئته ... بذي علق فاقني حياءك واصبري وتحدث عن كرمه، فقال: وأبي الذي كان الأرا ... مل في الشتاء له قطينا٥

стр. 6460

وقد قتل والده وهو صغير السن، فتكفل أعمامه بتربيته. ويرى "بروكلمان" احتمال مجيء "لبيد" إلى هذه الدنيا في حوالي سنة "٥٦٠م". أما وفاته، فكانت سنة أربعين، وقيل إحدى وأربعين، لما دخل معاوية الكوفة إذ صالح "الحسن بن علي" ونزل "النخيلة"، وقيل إنه مات بالكوفة أيام "الوليد بن عقبة" في خلافة عثمان، وقد رجح "ابن عبد البر" هذه الرواية، وورد أنه توفي سنة نيف وستين١. وقد عرفت أم "ربيعة بن مالك"، أي والد "لبيد" بـ "أم البنين"، وهي بنت "عمرو بن عامر بن صعصعة"، وكانت تحت "مالك بن جعفر بن كلاب"، فولدت له منه "عامر بن مالك" مُلاعب الأسنة، و"طفيل بن مالك" فارس قُرزل، وهو أبو "عامر بن الطفيل"، و"ربيعة بن مالك" أبا لبيد، وهو ربيع المقترين، و "معاوية بن مالك" معود الحكام "معود الحكماء"، وإنما سمي "معود الحكام" "معود الحكماء" بقوله: أعود مثلها الحكام بعدي ... إذا ما الحق في الأشياع نابا٢ وقيل إنه لما مات دفن في صحراء "بني جعفر بن كلاب" رهطه، وأنه لما قدم الكوفة وأقام بها، رجع بنوه إلى البادية أعرابا٣. وروي في خبر أنه مات بالكوفة أيام "الوليد بن عقبة" في خلافة "عثمان"، فبعث "الوليد" إلى منزله عشرين جزورا فنحرت عنه. وقد رجح "ابن عبد البر"، هذه الرواية. وورد في رواية أخرى أنه توفي في عهد "زياد" وفي خلافة معاوية٤. وقد ذكر من ترجم حياته أنه كان فارسا شجاعا سخيًّا، وقد جعله "ابن قتيبة"

стр. 6461

في جملة المائة فارس الذين وجههم "الحارث بن أبي شمر" الغساني، وهو "الأعرج" إلى "المنذر بن ماء السماء" لقتله، فلما صاروا إلى معسكر "المنذر"، أظهروا أنهم أتوه داخلين في طاعته، فلما تمكنوا منه قتلوه، فقتل أكثرهم، ونجا لبيد، حتى أتى ملك غسان فأخبره الخبر. فحمل الغسانيون على عسكر "المنذر" فهزموهم، وهو يوم "حليمة". وقد ذكر "ابن قتيبة" في كتابه "الشعر والشعراء" أن "الحارث" كان قد أمر "الوليد" على المائة فارس١، وذكر في كتابه "المعارف"، أنه كان غلاما إذ ذاك٢. وقد وقعت معركة "يوم حليمة" سنة "٥٥٤م"، فيجب أن يكون مولد "لبيد" قبل هذا العهد. ولو أخذنا برأي أهل الأخبار القائل إنه عاش فوق المائة، وأنه كان يوم توفي ابن مائة وثلاثين سنة، أو مائة وأربعين، أو مائة وسبع وخمسين أو مائة وستين٣، جاز لنا تصور اشتراك "لبيد" في ذلك اليوم، غلاما أو شابا. ولم يذكر "ابن قتيبة" كيف جاء "لبيد" إلى "الحارث"، وهو في هذا العمر، ولم اشترك مع من اشترك في اغتيال "المنذر". ولكننا نجد "الميداني"، يسمي لبيدا الذي اشترك في اغتيال المنذر "لبيد بن عمرو"٤، أي شخصا آخر، وهي رواية أدعى إلى القبول من رواية "ابن قتيبة". وتقول قصة يرويها أهل الأخبار عن سبب نظم لبيد لأرجوزته الشهيرة، التي أولها: يا رُبَّ هيجا هي خير من دعة ... إذ لا تزال هامتي مقزعة أن "لبيدا" كان غلاما آنذاك، وكان قد ذهب مع وفد "بني عامر" أبناء "أم البنين"، وعليه "أبو البراء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب"، وقد وضعوه على رحالهم يحفظ أمتعتهم، ويغدو بإبلهم فيرعاها. وكان "النعمان" قد ضرب قبة على "أبي براء" وأجرى عليه وعلى من كان معه النزل، وكان

стр. 6462

"الربيع بن زياد" العبسي ينادم النعمان ويتقدم على من سواه، وكان يدعى "الكامل"، وكان يعادي "بني جعفر"، فأوغر صدر "النعمان" عليهم، حتى صد عنهم ونزع القبة عن "أبي براء". فلما وقف "لبيد" على خبرهم، قال لهم: هل تقدرون أن تجمعوا بيني وبينه غدا حين يقعد الملك فأرجز به رجزا ممضا مؤلما، لا يلتفت إليه النعمان بعده أبدا؟ قالوا وهل عندك ذلك؟ قال: نعم، قالوا: فإنا نبلوك بشتم هذه البقلة، فقال فيها قولا أعجبهم. فلما أصبحوا قالوا: أنت والله صاحبه، فحلقوا له رأسه، وتركوا له ذؤابتين، وألبسوه حلة، وغدوا به معهم، فدخلوا على النعمان فوجدوه يتغدى ومعه "الربيع" ليس معه غيره، والدار والمجالس مملوءة بالوفد. فلما فرغ من الغداء أذن للجعفريِّين فدخلوا عليه، والربيع إلى جانبه، فذكروا للنعمان حاجتهم، فاعترض الربيع في كلامهم، فقام لبيد: وقد دهن أحد شقي رأسه، وأرخى إزاره، وانتعل نعلا واحدة، على عادة الشعراء في الجاهلية إذا أرادت الهجاء، ثم قال رجزه حتى إذا بلغ قوله: مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه ... إن استه من برص مُلمعه وإنه يدخل فيها إصبعه ... يدخلها حتى يواري أشجعه كأنه يطلب شيئا ضيّعه نفر "النعمان" من "الربيع" ورمقه شزرا، وكره مجالسته لتأثير هذه الأبيات فيه، وأعاد القبة على "أبي براء"١. وقد أيد "ابن رشيق" رواية من ذكر أن "لبيدا" كان غلاما يوم قال قصيدته المذكورة بقوله: "والربيع بن زياد، كان من ندماء النعمان بن المنذر" وكان فحاشا عيابا بذيًّا سبابا لا يسلم منه أحد ممن يفد على النعمان، فرمي بلبيد وهو غلام مراهق فنافسه"٢. فجعل "لبيد" غلاما مراهقا. ويروي أهل الأخبار خبرا يؤيد الخبر المتقدم. يقول خبرهم: "نظر النابغة

стр. 6463

إلى لبيد بن ربيعة وهو صبي مع أعمامه على باب النعمان بن المنذر، فسأل عنه فنسب له. فقال له: يا غلام، إن عينيك لعينا شاعر، أفتقرض من الشعر شيئا؟ قال: نعم يا عم، قال: فأنشدني شيئا مما قلته، فأنشده قوله: "ألم تربع على الدمن الخوالي" فقال له: يا غلام أنت أشعر بني عامر. زدني يا بني، فأنشده: طلل لخولة بالرسيس قديم. فضرب بيديه إلى جبينه وقال: اذهب فأنت أشعر من قيس كلها: أو قال: هوازن كلها". ويقال: إنه أنشده: عفت الديار محلها فمقامها، فقال: اذهب فأنت أشعر العرب١. وإذا أخذنا بالروايتين المذكورتين القائلتين إن "لبيدا" كان صبيا أو غلاما في أيام حكم الملك النعمان، وجب علينا افتراض أن ميلاده لم يكن بعيدا عن سنة "٥٨٠" أو "٥٨١" أو "٥٨٢م"، السنة التي تولى فيها "النعمان" الملك. ومعنى هذا أنه لم يعمر طويلا، وهو خلاف ما يذكره أهل الأخبار. وإن كل ما يمكن أن نتصوره من عمره، أنه كان في حوالي الثمانين حين داهمته منيته. وقد جعل "بروكلمان" مولده حوالي السنة "٥٦٠م"، وجعل وفاته سنة "٤٠هـ". حوالي السنة "٦٦٠م"، ومعنى هذا أنه كان من أبناء المائة حين جاء أجله٢. وللبيد شعر في "النعمان بن المنذر"، وصف فيه مجلسه. فذكر أنه كان قاعدا كعتيق الطير يُغضي ويُجل، والهبانيق قيام، بأيديهم الأباريق، تحسر الديباج عن أذرعهم، ينتظرون أمرا يصدره إليهم. وهو شعر مدون في ديوانه يعد من جيد شعره. وله قصيدة في رثاء "النعمان"، وتعرض فيها للموت ولزوال النعيم، ولعدم دوام الدنيا لأحد، ثم تحدث عن النعمان وعن أعماله وتجارته ختمها بقوله: وأمسى كأحلام النيام نعيمهم ... وأي نعيم خلته لا يزايل ترد عليهم ليلة أهلكتهم ... وعام وعام يتبع العام قابل٤

стр. 6464

وقد ذكر فيها "الله" بقوله: أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ... بلى كل ذي لب إلى الله واسل ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل وكل امرئ يوما سيعلم سعيه ... إذا كشفت عند الإله المحاصل١ وهي قصيدة أزيد من خمسين بيتا. وأولها: ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل٢ وروي أن لبيد أنشد النبي قوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل فقال له صدقت، فقال: وكل نعيم لا محالة زائل فقال له: كذبت، نعيم الآخرة لا يزول. وروي أن ذلك كان مع "أبي بكر"، وروي في خبر آخر أنه كان مع "عثمان بن مظعون"٣. وللبيد شعر يرثي به أخاه لأمه "أربد"، وكان قد أصابته صاعقة فقتل. وكان "أربد" أكبر منه سنا. وأبوه "قيس بن جزء بن خالد بن جعفر" "أربد بن قيس بن مالك بن جعفر"٤، وكان يعطف على "لبيد" كثيرا وعلى ذوي رحمه، فارسا كريما، فلما أصابته الصاعقة تألم "لبيد" مما ألم بأخيه كثيرا، فرثاه برجز وبقصيدة وقد وجدت في النسخة العربية لتأريخ الأدب العربي لبروكلمان هذا النص: "ولما استقام السلطان للنبي بالمدينة، سار لبيد يحمل رسالة إليه من عمه: أربد: فأعجبه دينه"٥. وهو وهم فأربد هو أخوه لا عمه. قال

стр. 6465

الطبري: "وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لأمه"١. وكان من خبره أنه قدم مع وفد "بني عامر بن صعصعة" على الرسول، وفيه "عامر بن الطفيل" وثلاثون من رءوس القوم وشياطينهم، وفي رأس "عامر" الغدر بالرسول، بأن يشاغله في الحديث، فيعلو "أربد" النبي بالسيف، فلم يتجاسر "أربد" على ضربه، ورجع الوفد إلى بلاده. فلما كان "عامر" ببعض الطريق أصيب بالطاعون فمات، ومات "أربد" بعد ذلك بقليل بالصاعقة٢. وذكر أن "عامر" لما مات نصبت "بنو عامر" نصابا ميلا في ميل حمى على قبره، لا تنتشر فيه راعية ولا يرعى ولا يسلكه راكب ولا ماش، وكان "جبار بن سلمى بن عامر بن مال" غائبا، فلما قدم قال: ما هذه الأنصاب؟ قالوا نصبناها حمى على قبر "عامر"، فقال ضيقتم على أبي علي. إن أبا علي بان من الناس بثلاث. كان لا يعطش حتى يعطش الجمل، وكان لا يضل حتى يضل النظم، وكان لا يجبن حتى يجبن السيل٣. وفي إصابة "أربد" بالصاعقة يقول "لبيد" يبكيه: ما إن تعرى المنون من أحد ... لا والد مشفق ولا ولد أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السّماك والأسد فجّعني الرعد والصواعق بالفارس ... يوم الكريهة النجد٤ وهي قصيدة دون أبياتها "ابن هشام"٥. وله قصيدة أخرى في رثاء "أربد" مطلعها: ألا ذهب المحافظ والمحامي ... ومانع ضيمها يوم الخصام

стр. 6466

وقد رواها "ابن هشام"١. وقصائد أخرى عديدة٢، تدل على شدة تأثره بوفاة "أربد". وقد اختلفت الروايات في زمن إسلام "لبيد". قيل إنه أسلم سنة وفد قومه "بنو جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة" فأسلم٣. وقيل إن "لبيد بن ربيعة" و "علقمة بن علاثة" كانا من المؤلفة قلوبهم٤. وقيل إنه وفد على الرسول بعد وفاة أخيه "أربد" فأسلم٥. وتجمع روايات أهل الأخبار وعلماء الشعر على إقبال "لبيد" على الإسلام من كل قلبه، وعلى تمسكه بدينه تمسكا شديدا، ولا سيما حينما بدأ يشعر بتأثير وطأة الشيخوخة عليه وبقرب دنو أجله، ويظهر أن شيخوخته قد أبعدته عن المساهمة في الأحداث السياسية التي وقت في أيامه، فابتعد عن السياسة وانزوى في بيته، وابتعد عن الخوض في الأحداث، ولهذا لا نجد في شعره شيئا، ولا فيما روي عنه من أخبار، أنه تحزب لأحد أو خاصم أحدا. وروي أن "لبيدا" ترك الشعر في الإسلام وانصرف عنه. فلما كتب "عمر" إلى عامله "المغيرة بن شعبة" على الكوفة يقول له: "استنشد من قِبلك من شعراء مصرك ما قالوا في الإسلام"، أرسل إلى "الأغلب" الراجز العجلي، فقال له: أنشدني؟ فقال: أرجزا تريد أم قصيدا ... لقد طلبت هينا موجودا ثم أرسل إلى لبيد، فقال: "أنشدني ما قلته في الإسلام"، فكتب سورة البقرة في صحيفة، ثم أتى بها وقال: "أبدلني الله هذا في الإسلام مكان الشعر" فكتب المغيرة بذلك إلى عمر، فنقص من عطاء "الأغلب" خمسمائة وجعلها في عطاء لبيد٦. وروي أن "عمر" كتب إلى عامله بالكوفة: سل لبيدا والأغلب

стр. 6467

العجلي ما أحدثا من الشعر في الإسلام؟ فقال لبيد: أبدلني الله بالشعر سورة البقرة وآل عمران. فزاد عمر في عطائه١. وروي الخبر المتقدم بشكل آخر. روي أن "عمر بن الخطاب" قال للبيد: أنشدني، فقرأ سورة البقرة، وقال: ما كنت لأقول شعرا بعد إذ علمني الله سورتي البقرة وآل عمران. فزاد عمر في عطائه خمسمائة، وكان ألفين. فلما كان في زمن "معاوية" قال له معاوية: هذان الفودان فما بال العلاوة؟ وأراد أن يحطه إياها، فقال أموت الآن وتبقى لك العلاوة والفودان! فرق له، وترك عطاءه على حاله، ومات بعد يسير٢. وورد في رواية أخرى أن "معاوية" كتب إلى "زياد" أن اجعل أعطيات الناس في ألفين، وكان عطاء "لبيد" ألفين وخمسمائة. فقال له" زياد": "أبا عقيل هذان الخراجان، فما بال هذه العلاوة؟ قال: ألحق الخراجين بالعلاوة، فإنك لا تلبث إلا قليلا حتى يصير لك الخراجان والعلاوة! فأكملها "زياد" ولم يكملها لغيره. فما أخذ لبيد عطاء آخر حتى مات"٣. وقيل إن لبيدا لم يقل في الإسلام إلا بيتا واحدا، هو: ما عاتب الحر الكريم كنفسه ... والمرء ينفعه القرين الصالح٤ في رواية. وورد على هذه الصورة: ما عاتب المرء الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح٥ في رواية أخرى. وقيل هو هذا البيت: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى كساني من الإسلام سربالا٦

стр. 6468

وذكر بعض العلماء أن البيت: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى اكتسيت من الإسلام سربالا ليس للبيد، بل هو لـ "قردة بن نفاثة"١. ومن الشعر المستجاد المنسوب إلى لبيد، قصيدته: إن تقوى ربنا خير نقل ... وبإذن الله ريثي وعجل أحمد الله فلا ند له ... بيديه الخير من شاء فعل من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل وقد زعم بعض العلماء أنها قيلت في الجاهلية، ولكنها لا يمكن أن تكون من شعر الجاهلية، لما فيها من آراء إسلامية، ثم إنها قيلت بعد موت "أربد"، وكان لبيد مسلما آنذاك على ما جاء في بعض الأخبار٢. ومما جاء فيها: اعقلي إن كنت لمّا تعقلي ... ولقد أفلح من كان عقل إن تري رأسي أمسى واضحا ... سلط الشيب عليه فاشتعل وقوله: غير أن لا تكذبنها في التقى ... واخزها بالبر لله الأجل وهي قصيدة تبلغ عدتها "٨٥" بيتا٣، بعض أبياتها لشعراء آخرين، وقد نسبها بعض العلماء إليه، فأدخلت في القصيدة٤.

стр. 6469

ومما جاء فيها في حق "أربد" قوله: من حياة قد مللنا طولها ... وجدير طول عيش أن يمل وأرى أربد قد فارقني ... ومن الأرزاء رزء ذو جلل١ وقد عاب بعض العلماء عليه قوله: ومقام ضيق فرجته ... بمقامي ولساني وجدل لو يقوم الفيل أو فيّاله ... زال عن مثل مقامي وزحل "وقالوا: ليس للفيال من الخطابة والبيان، ولا من القوة، ما يجعله مثلا لنفسه، وإنما ذهب إلى أن الفيل أقوى البهائم، فظن أن فياله أقوى الناس! قال أبو محمد، وأنا أراه أراد بقوله: لو يقوم الفيل أو فياله مع فياله، فأقام "أو" مقام الواو"٢. وفي هذه القصيدة إشارة إلى صلاة اليهود، حيث يقول: يلمس الأحلاس في منزله ... بيديه كاليهودي المصل٣ "قال أبو الحسن الطوسي: كأنه يهودي يصلي في جانب يسجد على جبينه. قال البغدادي: واليهودي يسجد على شق وجهه"٤. وقد تعرض "كارلو نالينو" لهذه القصيدة: فقال: "ومن المشهور ما في ديوانه من العبارات الدينية، بل الشبيهة بالعقائد الإسلامية"، ثم كر أبياتا منها، ثم قال: "ولكن ليس كل ما ينسب إليه في ديوانه من هذا الباب صحيحا، بل لا اختلاف في بعض الأشعار أنها مصنوعة"٥.

стр. 6470

ونسب له قوله: من يبسط الله عليه إصبعا ... بالخير والشر بأيّ أولعا يملأ منه ذنوبا مترعا١ وقوله: وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلوها وغدوا بلاقع وقوله: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر وفي هذه الأبيات إشارات إلى رأي لبيد في الدنيا وفي الموت، وهي آراء يقولها في العادة المعمرون، فإذا صح أنها له، فلا بد وأن تكون من شعره الذي قاله بعد تقدمه في السن. ويظهر أن الكبر هو الذي حمل "لبيدا" على ترك الشعر أو الإقلال منه، فالتقدم في السن يوقف القريحة ويجمد الذهن. فلما أرسل "الوليد بن عقبة" إليه شعرا، ومعه مائة بكرة، قال لبيد لابنته: أجيبيه فقد رأيتني وما أعيا بجواب شاعر٤. وفي هذا الجواب دلالة على توقف قريحته عن قول الشعر، وأنه لم يعد باستطاعته نظمه، وليس السبب هو الإسلام. وكانت مناسبة إرسال "الوليد بن عقبة" الشعر والهدية إليه أنه "لبيد" كان آلى في الجاهلية ألا تهب الصبا إلا أطعم الناس حتى تسكن، وألزمه نفسه في إسلامه. فهبت الصبا، ولم يكن عند "لبيد" ما يعينه على الإطعام، فخطب "الوليد" الناس بالكوفة، وقال: إن أخاكم لبيدا آلى ألا تهب له الصبا إلا أطعم الناس حتى تسكن، وهذا اليوم من أيامه، فأعينوه، وأنا أول من أعانه.

стр. 6471

ونزل فبعث إليه بمائة بكرة وكتب إليه شعرا يمدحه فيه ويذكر له كرمه ونذره١. ويشك "بروكلمان" في صحة ما ورد من ترك "لبيد" الشعر بعد دخوله في الإسلام. ويرى أن كثيرا من شعره مطبوع بطابع إسلامي، ويبعد أن يكون مما صنع عليه، وإن زيد عليه بعض الزيادات٢. ونجد في قصيدة "لبيد" الكبرى التي مطلعها: عفت الديار محلها فمقامها ... بمنى تأبد غولها فرجامها٣ أسماء مواضع كثرة من نجد والحجاز٤. ولعلماء الشعر آراء في شعر لبيد، من ذلك ما قالوه في قوله: ما عاتب المرء الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح فقالوا: إنه شعر جيد المعنى والسبك، لكن ألفاظه قصرت عن معناه. فإنه قليل الماء والرونق٥. وقد ذكروا له أشعارا سبق بها غيره من الشعراء، أخذها غيره عنه، فأعادها علماء الشعر إلى أصلها. كما عابوا عليه بعض الأمور الصغيرة التي لا يمكن أن يفلت منها شاعر٦. و"عنترة بن شداد العبسي"، هو "عنترة بن عمرو بن شداد بن قراد" العبسي. وشداد جده أبو أبيه في رواية لابن الكلبي، غلب على اسم أبيه فنسب إليه. وقال غيره: شداد عمه، وكان عنترة نشأ في حجره فنسب إليه دون أبيه. وكان يلقب بـ "عنترة الفلحاء" لتشقق شفتيه. وإنما ادعاه أبوه بعد الكبر، وذلك أنه كان لأمة سوداء يقال لها "زبيبة"،

стр. 6472

وكانت العرب في الجاهلية إذا كان للرجل منهم ولد من أمة استعبده، وكان لعنترة إخوة من أمه عبيد. وكان سبب ادعاء أبي عن عنترة إياه أن بعض أحياء العرب أغاروا على قوم من "بني عبس"، فأصابوا منهم، فتبعهم العبسيون فلحقوهم فقاتلوهم عما معهم، وعنترة فيهم، فقال له أبوه أو عمه في رواية أخرى: كر يا عنترة! فقال عنترة: العبد لا يحسن الكر إنما يحسن الحلاب والصر. فقال: كر وأنت حر، فكر وقاتل يومئذ حتى استنقذ ما بأيدي عدوهم من الغنيمة، فادعاه أبوه بعد ذلك، وألحق به نسبه١. وورد في رواية أن إخوته قالوا له: اذهب فارع الإبل والغنم واحلب وصر. فانطلق يرعى وباع منها ذودا، واشترى بثمنه سيفا ورمحا وترسا ودرعا ومغفرا، ودفنها في الرمل. وكان له مهر يسقيه ألبان الإبل. وإن في الجاهلية من غلب سبا. وإنه جاء ذات يوم إلى الماء فلم يجد أحدا من الحي، فبهت وتحير حتى هتف به هاتف: أدرك الحي في موضع كذا، فعمد إلى سلاحه فأخرجه وإلى مهره فأسرج واتبع القوم الذين سبوا أهله فكر عليهم ففرق جمعهم وقتل منهم ثمانية نفر، فقالوا: ما تريد؟ فقال: أريد العجوز السوداء والشيخ الذي معها، يعني أمه وأباه، فردوهما عليه. فقال له عمه: يا بني كر، فقال: العبد لا يكر، ولكن يحلب ويصر. فأعاد عليه القول ثلاثا وهو يجيبه كذلك. قال له: إنك ابن أخي وقد زوجتك ابنتي عبلة. فكر عليهم فأنقذه وابنته منهم. ثم قال: إنه لقبيح أن أرجع عنكم وجيراني في أيديكم: فأبوا، فكر عليهم حتى صرع منهم أربعين رجلا قتلى وجرحى فردوا عليه جيرانه. فأنشد: هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم٢ وروي أنه كان من معاصري "امرئ القيس"، وأنه اجتمع به٣، وأن امرأة "شداد" أبي "عنترة" ذكرت لشداد أن عنترة أرادها عن نفسها، فأخذه أبوه فضربه ضرب التلف، فقامت المرأة فألقت نفسها عليه لما رأت ما به

стр. 6473

من الجراحات، وبكته. وكان اسمها: "سمية"، فقال عنترة: أمن سمية دمع العين مذروف ... لو كان منك قبل اليوم معروف١ وذكر أنه كان من أشد أهل زمانه وأجودهم بما ملكت يده، وكان لا يقول من الشعر إلا البيتين والثلاثة، حتى سابّه رجل من عبس، فذكر سواد أمه وأخوته، وعيّره بذلك، وبأنه لا يقول الشعر، فاغتاظ منه ورد عليه، وهاجت قريحته فنظمت له قصيدة: هل غادر الشعراء من متردم وهي أجود شعره، وكانوا يسمونها "المذهبة"٢. وله كأكثر الشعراء أبيات شعر، استحسنها علماء الشعر، وقالوا إنه أجاد فيها وأحسن، وما سبق إليه ولم ينازع فيه في بعض ذلك الشعر٣. وهو أحد أغربة العرب، وهم ثلاثة: عنترة، وأمه زبيبة، سوداء، وخفاف بن عمير الشريديّ، من بني سلمى، وأمه ندبة، وإليها ينسب، وكانت سوداء، والسليك بن عمير السعدي "السيلك بن سلكة"، وأمه سلكة، وإليها ينسب، وكانت سوداء٤. وذكر أنه كان يفخر بأخواله السود، رهط أمه، فدعاهم بـ "حام" حيث يقول: إني لتعرف في الحروب مواطني ... في آل عبس مشهدي وفعالي منهم أبي حقًّا فهم لي والد ... والأم من حام فهم أخوالي٥ وإذا صح أن هذا الشعر هو لعنترة، دل على وقوف الجاهليين على اسم "حام"، الوارد في التوراة، على أنه جد السودان، ولا بد أن تكون التسمية قد وردت إلى الجاهليين عن طريق أهل الكتاب.

стр. 6474

وذكر أنه كان قد أغار على "بني نبهان" فرماه "وزر بن جابر بن سدوس بن أصمع" النبهاني، فقطع مطاه، فتحامل بالرمية حتى أتى أهله فمات١. ويعد "عمرو بن كلثوم" التغلبي من كبار شعراء الجاهلية، وكان معاصرا للملك "عمرو بن هند" "٥٤٤-٥٦٨م"، وهو قاتله في خبر سبق أن تحدثت عنه. وهو من الشعراء الذين مالوا إلى الحكم في نظم الشعر٢. وقد عرف بـ "أبي الأسود"٣. ويقال إن أخاه "مرة بن كلثوم" التغلبي، هو قاتل المنذر بن النعمان بن المنذر. وكان "عمرو بن كلثوم" سيد قومه، سادهم وهو ابن خمس عشرة، ومات وله مائة وخمسون سنة٤. وكان خطيبا حكيما وشاعرا، أوصى بنيه عند موته بوصية بليغة حسنة٥، ضبط نصها الرواة فيما بعد، وكأنهم كتبوها بخط يدهم. وقصيدته الشهيرة التي هي إحدى السبع، هي من جيد شعر العرب القديم، ولشغف تغلب بها وكثرة روايتهم لها قال بعض الشعراء: ألهى بني تغلب عن كل مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم يفاخرون بها مذ كان أولهم ... يا للرجال لفخر غير مسئوم٦ وفي قتل "عمرو بن كلثوم" "عمرا بن هند" يقول أحد شعراء تغلب، وهو "أفنون بن صريم" التغلبي: لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا ... لتخدم ليلى أمه بموفق فقام ابن كلثوم إلى السيف مصلتا ... وأمسك من ندمانه بالمخنق٧ ويذكر في سبب نظم "عمرو بن كلثوم" قصيدته الشهيرة، أن قبيلة "تغلب"

стр. 6475

كانت من أشد الناس في الجاهلية، وكانت بينهم وبين "بكر" حزازة وعداوة، ويقال: جاء ناس من بني تغلب إلى بكر بن وائل يستسقونهم فطردتهم بكر للحقد الذي كان بينهم فرجعوا، فمات سبعون رجلا عطشا. فاجتمعت "تغلب" لحرب "بكر"، واستعدت لهم "بكر" حتى إذا التقوا، خافوا أن تعود الحرب بينهم كما كانت، فدعا بعضهم بعضا إلى الصلح، فتحاكموا في ذلك إلى "عمرو بن هند". فجاءت تغلب يقودها "عمرو بن كلثوم" وجاءت بكر، ومعها "الحارث بن حلزة اليشكري"، فألقى قصيدته: آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء وتأثر "عمرو بن هند" بها، فحكم لبكر، وأنشد: "عمرو" قصيدته: ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا١ وفي جملة أبياتها: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا٢ ويذكر بعض الرواة أن "عمرو بن كلثوم" ارتجل قصيدته الشهيرة ارتجالا، وأنها كانت تبلغ ألف بيت أو تزيد٣. وأن ما وصل إلينا منها هو بعضها. وتبلغ "٩٦" بيتا في كتاب "شرح القصائد العشر" للتبريزي٤. يظهر من دراستها وإمعان النظر فيها أنها لم تنظم دفعة واحدة، وأنها لم تكن بهذا الطول يوم ألقاها الشاعر، بل زيدت فيما بعد حسب المناسبات، لأن فيها أبياتا تمس أمورا وقعت فيما بعد، في ظروف متأخرة. ويروى أن "عمرو بن كلثوم"، جاء سوق عكاظ، فألقى معلقته هناك. وروي أن "معاوية بن أبي سفيان" قال "إن قصيدة عمرو بن كلثوم وقصيدة الحارث بن حلزة، من مفاخر العرب، وكانتا معلقتين بالكعبة دهرا"٥.

стр. 6476

ويلاحظ أن في معلقة "عمرو بن كلثوم" أبياتا خرجت على روي القافية، مثل قوله: تركنا الخيل عاكفة عليه ... مقلدة أعنتها صفونا١ وقوله: ندافع عنهم الأعداء قدما ... ونحمل عنهم ما حملونا٢ وقوله: نحز رءوسهم في غير بر ... فما يدرون ماذا يتقونا٣ وقوله: إذا ما عَيَّ بالإسناف حي ... من الهول المشبه أن يكونا٤ وقوله: برأس من بني جشم بن بكر ... ندق به السهولة والحزونا٥ وقوله: إذا عض الثقاف بها اشمأزت ... وولتهم عشوزنة زبونا٦ وقوله: علينا كل سابغة دلاص ... ترى فوق النجاد لها غضونا إذا وضعت عن الأبطال يوما ... رأيت لها جلود القوم جونا٧

стр. 6477

وقوله: وأنا المانعون لما يلينا ... إذا ما البيض زايلت الجفونا١ ومواضع أخرى من هذا القبيل٢. وكان من اللازم مسايرة القافية التى هي "الأندرينا". ولعمرو أشعار، فيها هجاء للنعمان بن المنذر. فقد ذكر أن النعمان توعد "عمرو بن كلثوم"، فبلغه ذلك، فدعا كاتبا من العرب، فكتب إليه: ألا أبلغ النعمان عني رسالة ... فمدحك حوليٌّ وذمك قارح متى تلقني في تغلب ابنة وائل ... وأشياعها ترقى إليك المسالح وهجاه في شعر آخر، ذكر فيه أمه، وعيره بها، وعيره في شعر آخر بأن خاله صائغ يصوغ القروط والشنوف بيثرب، ورماه فيه باللؤم٣. وتنسب لعمرو أبيات نظمها في البذل والسخاء وفي إعطاء المال، أولها: لا تلومنّي فإني متلف ... كل ما تحوي يمني وشمالي لست إن أطرفت مالا فرحا ... وإذا أتلفته لست أبالي٤ ولعمرو بن كلثوم ديوان صغير، نشر في مجلة المشرق. وقد ترجمت معلقته إلى الألمانية٥. وفي معلقة "عمرو" أشعار مضطربة وتكرار، وعدم تجانس في وحدة الموضوع. وقد يكون ذلك بسبب تلاعب الأيدي في القصيدة. وإذا عثر على نصها القديم، الذي زعم أنه كان ألف بيت أو يزيد، فإنها ستكون أطول قصيدة في تأريخ الشعر العربي نسبها علماء الشعر إلى أحد من الجاهليين. وذكر أن "عمرو كلثوم"، أغار على "بني حنيفة" باليمامة، فأسره

стр. 6478

"يزيد بن عمرو الحنفي"، ثم سقاه الخمر في قصر بـ "حجر" اليمامة، حتى مات. وذكر أن "يزيد" أراد المثلة به، بربطه بجمل، ثم ضرب الجمل، ليركض به، فصاح: "يا آل ربيعة! أمثلة"١. وتذكر رواية أن نهاية "عمرو بن كلثوم" كانت انتحارا بشرب الخمر. وذلك أن الملوك كانت تبعث إليه بحبائه وهو في منزله من غير أن يفد إليها. فلما ساد ابنه "الأسود بن عمرو" بعث إليه بعض الملوك بحبائه كما بعث إلى أبيه. فغضب "عمرو بن كلثوم" وقال: "ساواني بولي، فحلف لا يذوق دسما حتى يموت. وجعل يشرب الخمر صرفا على غير طعام. فلم يزل يشرب حتى مات٢. و"الحارث بن حلزة" اليشكري، هو من "بني يشكر"، من بكر بن وائل. وكان أبرص، وقد اشتهر بقصيدته التي هي إحدى المعلقات، كما اشتهر بمثلها "عمرو بن كلثوم" و "طرفة بن العبد". يذكر أنه ارتجلها بين يدي "عمرو بن هند" ارتجالا، في شيء كان بين بكر وتغلب بعد الصلح، وكان ينشده من وراء السجف، للبرص الذي كان به. وكان من عادة الملك أن يسمع الأبرص من وراء سبع ستور، وينضح أثره بالماء إذا انصرف عنه. فلما سمعت أم "عمرو بن هند" قصيدته، قالت: "تالله ما رأيت كاليوم قط رجلا يقول مثل هذا القول يكلم من وراء سبع ستور"، فقال الملك: "ارفعوا سترا وأدنوا الحارث"، كان كلما استحسن شيئا منها أمر برفع ستر، حتى رفعت الستور السبعة. وأقعده الملك قريبا منه استحسانا لها وتقديرا له. وكان الحارث متوكئا على عنزة فارتزت -كما يقول أهل الأخبار- في جسده وهو لا يشعر٣. وقد زعم أنه قال قصيدته المشهورة وهو ابن مائة وخمس وثلاثين٤. والقصيدة من قصائد الفخر والتبجح بالمفاخر والمآثر، وقد عرض فيها بقبيلة "تغلب"، وعرض بـ "عمرو بن هند" كذلك. وقد ضرب المثل بالفخر

стр. 6479

فقيل: "أفخر من الحارث بن حلزة"١. ويرى "نولدكه" أن سبب اختيار "حماد" الراوية لهذه القصيدة وضمها إلى القصائد الأخرى المختارة، هو أن حمادا كان مولى لقبيلة "بكر بن وائل"، وكانت هذه القبيلة في عداء مع قبيلة "تغلب"، ولما كان "حماد" قد اختار قصيدة "عمرو بن كلثوم" التغلبي لشهرتها، لم يسع حمادا أن يعدل عن اختيارها، ولكنه اضطر إلى اختيار قصيدة أخرى إلى جانبها تشيد بمدح "بكر بن وائل" سادته، فاختار قصيدة "الحارث بن حلزة" الذي لم يبلغ في الشهرة شهرة الشعراء الآخرين٢. ويزعم أهل الأخبار أنه ارتجلها أمام الملك، بينما يذكرون أنه كان قد قال لقومه قبل ارتجاله لها أمام الملك: "إني قد قلت قصيدة، فمن قام بها ظفر بحجته وفلج على خصمه فرواها ناسا منهم. فلما قاموا بين يديه لم يرضهم فحين علم أنه لا يقوم بها أحد مقامه"، احتملها وأنشدها أمام الملك٣. وقد قالها لتكون حجة لقومه في نزاعهم السياسي مع قبيلة تغلب، ودفاعا عنهم أمام الملك٤. ويرى "بروكلمان" أن شعر "الحارث" أقل أصالة من شعر "عمرو بن كلثوم". وهو قريب من شعر "زهير" في ميله إلى مذهب التعليم والتهذيب٥. وقد قدم "أبو عبيدة" شعره وجعله أحد ثلاثة نفر اشتهروا بجودة قصائده، إذ قال: "أجود الشعراء قصيدة واحدة جيدة طويلة ثلاثة نفر: عمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة، وطرفة بن العبد"٦. وللحارث بن حلزة شعر يذكر فيه "ابن مارية"، وهو "أبو حسان" "قيس بن شراحيل بن مرة بن همام"، وكان ممن سعى في الصلح بين بكر وتغلب. وفي جملة ما قاله فيه: وإلى ابن مارية الجواد وهل ... شروى أبي حسان في الأنس٧

стр. 6480

وفي قصيدة "الحارث بن حلزة" أسماء مواضع من محالهم ومحال حلالهم. وهي قصيدته التي تبدأ بـ: آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء٢ وللحارث بن حلزة ديوان صغير٢، وأشعار منثورة في كتب الأدب والأخبار٣. و"الأعشى" "ميمون بن قيس بن جندل" من "سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة"، ويكنى أبا بصير. وهو ممن عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام. ذكر "ابن قتيبة" أنه كان أعمى٤. وهو وهم، وإنما عمي في أواخر أيامه، كما يفهم ذلك من شعره، بعد أن لعب به الكبر، وتحكمت به الشيخوخة، وصار عاجزا، يقوده قائد، يوجهه أنّى يشاء، تسيره عصاه، وهو يخاف العثار٥. وقد وصف شيخوخته هذه وصفا مؤلما، صادرا من قلب منفطر حزين يبكي أيامه الأولى، أيام اللذة والمتعة، أيام اللهو والخمرة والنساء، أيام مضت، حلت محلها أيام سوء، لا يفرق فيها الأبيض من الأسود ولا الليل والنهار، ثم هو وحده لا خمر ولا امرأة ولا لحم دسم، عافته المرأة، لذهاب ماله وشبابه، وتركه الزنا على رغم منه، ولم يعد يرى في هذه الأيام إلا الهم والحزن والألم. وأم الأعشى بنت "علس" أخت المسيب بن علس من بني "جُماعة"، ثم من بني "ضبيعة بن ربيعة بن نزار"، ولد بقرية باليمامة يقال لها "منفوحة"، وفيها داره وبها قبره. ويقال إنه كان نصرانيا، وهو أول من سأل بشعره٦. ويسمى "صناجة العرب". لأنه أول من ذكر الصنج في شعره فقال:
следующие страницы →