← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.

стр. 6476

ويلاحظ أن في معلقة "عمرو بن كلثوم" أبياتا خرجت على روي القافية، مثل قوله: تركنا الخيل عاكفة عليه ... مقلدة أعنتها صفونا١ وقوله: ندافع عنهم الأعداء قدما ... ونحمل عنهم ما حملونا٢ وقوله: نحز رءوسهم في غير بر ... فما يدرون ماذا يتقونا٣ وقوله: إذا ما عَيَّ بالإسناف حي ... من الهول المشبه أن يكونا٤ وقوله: برأس من بني جشم بن بكر ... ندق به السهولة والحزونا٥ وقوله: إذا عض الثقاف بها اشمأزت ... وولتهم عشوزنة زبونا٦ وقوله: علينا كل سابغة دلاص ... ترى فوق النجاد لها غضونا إذا وضعت عن الأبطال يوما ... رأيت لها جلود القوم جونا٧

стр. 6477

وقوله: وأنا المانعون لما يلينا ... إذا ما البيض زايلت الجفونا١ ومواضع أخرى من هذا القبيل٢. وكان من اللازم مسايرة القافية التى هي "الأندرينا". ولعمرو أشعار، فيها هجاء للنعمان بن المنذر. فقد ذكر أن النعمان توعد "عمرو بن كلثوم"، فبلغه ذلك، فدعا كاتبا من العرب، فكتب إليه: ألا أبلغ النعمان عني رسالة ... فمدحك حوليٌّ وذمك قارح متى تلقني في تغلب ابنة وائل ... وأشياعها ترقى إليك المسالح وهجاه في شعر آخر، ذكر فيه أمه، وعيره بها، وعيره في شعر آخر بأن خاله صائغ يصوغ القروط والشنوف بيثرب، ورماه فيه باللؤم٣. وتنسب لعمرو أبيات نظمها في البذل والسخاء وفي إعطاء المال، أولها: لا تلومنّي فإني متلف ... كل ما تحوي يمني وشمالي لست إن أطرفت مالا فرحا ... وإذا أتلفته لست أبالي٤ ولعمرو بن كلثوم ديوان صغير، نشر في مجلة المشرق. وقد ترجمت معلقته إلى الألمانية٥. وفي معلقة "عمرو" أشعار مضطربة وتكرار، وعدم تجانس في وحدة الموضوع. وقد يكون ذلك بسبب تلاعب الأيدي في القصيدة. وإذا عثر على نصها القديم، الذي زعم أنه كان ألف بيت أو يزيد، فإنها ستكون أطول قصيدة في تأريخ الشعر العربي نسبها علماء الشعر إلى أحد من الجاهليين. وذكر أن "عمرو كلثوم"، أغار على "بني حنيفة" باليمامة، فأسره

стр. 6478

"يزيد بن عمرو الحنفي"، ثم سقاه الخمر في قصر بـ "حجر" اليمامة، حتى مات. وذكر أن "يزيد" أراد المثلة به، بربطه بجمل، ثم ضرب الجمل، ليركض به، فصاح: "يا آل ربيعة! أمثلة"١. وتذكر رواية أن نهاية "عمرو بن كلثوم" كانت انتحارا بشرب الخمر. وذلك أن الملوك كانت تبعث إليه بحبائه وهو في منزله من غير أن يفد إليها. فلما ساد ابنه "الأسود بن عمرو" بعث إليه بعض الملوك بحبائه كما بعث إلى أبيه. فغضب "عمرو بن كلثوم" وقال: "ساواني بولي، فحلف لا يذوق دسما حتى يموت. وجعل يشرب الخمر صرفا على غير طعام. فلم يزل يشرب حتى مات٢. و"الحارث بن حلزة" اليشكري، هو من "بني يشكر"، من بكر بن وائل. وكان أبرص، وقد اشتهر بقصيدته التي هي إحدى المعلقات، كما اشتهر بمثلها "عمرو بن كلثوم" و "طرفة بن العبد". يذكر أنه ارتجلها بين يدي "عمرو بن هند" ارتجالا، في شيء كان بين بكر وتغلب بعد الصلح، وكان ينشده من وراء السجف، للبرص الذي كان به. وكان من عادة الملك أن يسمع الأبرص من وراء سبع ستور، وينضح أثره بالماء إذا انصرف عنه. فلما سمعت أم "عمرو بن هند" قصيدته، قالت: "تالله ما رأيت كاليوم قط رجلا يقول مثل هذا القول يكلم من وراء سبع ستور"، فقال الملك: "ارفعوا سترا وأدنوا الحارث"، كان كلما استحسن شيئا منها أمر برفع ستر، حتى رفعت الستور السبعة. وأقعده الملك قريبا منه استحسانا لها وتقديرا له. وكان الحارث متوكئا على عنزة فارتزت -كما يقول أهل الأخبار- في جسده وهو لا يشعر٣. وقد زعم أنه قال قصيدته المشهورة وهو ابن مائة وخمس وثلاثين٤. والقصيدة من قصائد الفخر والتبجح بالمفاخر والمآثر، وقد عرض فيها بقبيلة "تغلب"، وعرض بـ "عمرو بن هند" كذلك. وقد ضرب المثل بالفخر

стр. 6479

فقيل: "أفخر من الحارث بن حلزة"١. ويرى "نولدكه" أن سبب اختيار "حماد" الراوية لهذه القصيدة وضمها إلى القصائد الأخرى المختارة، هو أن حمادا كان مولى لقبيلة "بكر بن وائل"، وكانت هذه القبيلة في عداء مع قبيلة "تغلب"، ولما كان "حماد" قد اختار قصيدة "عمرو بن كلثوم" التغلبي لشهرتها، لم يسع حمادا أن يعدل عن اختيارها، ولكنه اضطر إلى اختيار قصيدة أخرى إلى جانبها تشيد بمدح "بكر بن وائل" سادته، فاختار قصيدة "الحارث بن حلزة" الذي لم يبلغ في الشهرة شهرة الشعراء الآخرين٢. ويزعم أهل الأخبار أنه ارتجلها أمام الملك، بينما يذكرون أنه كان قد قال لقومه قبل ارتجاله لها أمام الملك: "إني قد قلت قصيدة، فمن قام بها ظفر بحجته وفلج على خصمه فرواها ناسا منهم. فلما قاموا بين يديه لم يرضهم فحين علم أنه لا يقوم بها أحد مقامه"، احتملها وأنشدها أمام الملك٣. وقد قالها لتكون حجة لقومه في نزاعهم السياسي مع قبيلة تغلب، ودفاعا عنهم أمام الملك٤. ويرى "بروكلمان" أن شعر "الحارث" أقل أصالة من شعر "عمرو بن كلثوم". وهو قريب من شعر "زهير" في ميله إلى مذهب التعليم والتهذيب٥. وقد قدم "أبو عبيدة" شعره وجعله أحد ثلاثة نفر اشتهروا بجودة قصائده، إذ قال: "أجود الشعراء قصيدة واحدة جيدة طويلة ثلاثة نفر: عمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة، وطرفة بن العبد"٦. وللحارث بن حلزة شعر يذكر فيه "ابن مارية"، وهو "أبو حسان" "قيس بن شراحيل بن مرة بن همام"، وكان ممن سعى في الصلح بين بكر وتغلب. وفي جملة ما قاله فيه: وإلى ابن مارية الجواد وهل ... شروى أبي حسان في الأنس٧

стр. 6480

وفي قصيدة "الحارث بن حلزة" أسماء مواضع من محالهم ومحال حلالهم. وهي قصيدته التي تبدأ بـ: آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء٢ وللحارث بن حلزة ديوان صغير٢، وأشعار منثورة في كتب الأدب والأخبار٣. و"الأعشى" "ميمون بن قيس بن جندل" من "سعد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة"، ويكنى أبا بصير. وهو ممن عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام. ذكر "ابن قتيبة" أنه كان أعمى٤. وهو وهم، وإنما عمي في أواخر أيامه، كما يفهم ذلك من شعره، بعد أن لعب به الكبر، وتحكمت به الشيخوخة، وصار عاجزا، يقوده قائد، يوجهه أنّى يشاء، تسيره عصاه، وهو يخاف العثار٥. وقد وصف شيخوخته هذه وصفا مؤلما، صادرا من قلب منفطر حزين يبكي أيامه الأولى، أيام اللذة والمتعة، أيام اللهو والخمرة والنساء، أيام مضت، حلت محلها أيام سوء، لا يفرق فيها الأبيض من الأسود ولا الليل والنهار، ثم هو وحده لا خمر ولا امرأة ولا لحم دسم، عافته المرأة، لذهاب ماله وشبابه، وتركه الزنا على رغم منه، ولم يعد يرى في هذه الأيام إلا الهم والحزن والألم. وأم الأعشى بنت "علس" أخت المسيب بن علس من بني "جُماعة"، ثم من بني "ضبيعة بن ربيعة بن نزار"، ولد بقرية باليمامة يقال لها "منفوحة"، وفيها داره وبها قبره. ويقال إنه كان نصرانيا، وهو أول من سأل بشعره٦. ويسمى "صناجة العرب". لأنه أول من ذكر الصنج في شعره فقال:

стр. 6481

ومستجيب لصوت الصنج تسمعه ... إذا ترجع القينة الفضل١ وذكر أنه إنما عرف بصناجة العرب لكثرة ما تغنت العرب بشعره، أو لجودة شعره، أو لأن العرب كانت تتغنى بشعره على صوت الصنج، إلى غير ذلك من شروح وتفاسير٢. وقد نشأ "الأعشى" راوية لشعر خاله "المسيب بن علس"، وهو من شعراء الجاهلية المقلين. ثم نبغ هو في الشعر، فعلا اسمه على اسم خاله، حتى حلق في سماء الشعر، ولا سيما في وصف الخمر، حيث حظي الخمر عنده بموقع ممتاز في شعره، فأجاد في وصفه وفي أثره في النفس. وتفنن في وصف الخمر، حتى سبق بوصفه هذا سائر شعراء الجاهلية، ولم يلحق به في هذه الناحية من الشعر أحد. وقد عدّه بعض علماء الشعر رابع الشعراء الأربعة، فهو يأتي بعد امرئ القيس، وزهير بن أبي سلمي، والنابغة الذبياني٣. وقد أجاد أيضا في وصف القيان. قيل: كان الأعشى يفد على ملوك فارس، ولذلك كثرت الفارسية في شعره٤، وزعم أن "كسرى" سمعه يوما ينشد، فقال: من هذا؟ آسْروذ كويذ تازى، أي مغني العرب، فأنشد: أرقت وما هذا السهاد المؤرق ... وما بي من سقم وما بي معشق فقال كسرى: فسروا لنا ما قال! فقالوا: ذكر أنه سهر من غير سقم ولا عشق! فقال كسرى: إن كان سهر من غير سقم ولا عشق فهو لص!! ٥ إلى غير ذلك من قصص مصنوع.

стр. 6482

وكان يفد أيضا على ملوك الحيرة، ويمدح الأسود بن المنذر، أخا النعمان١. وقال له "النعمان بن المنذر": لعلك تستعين على شعرك هذا؟ فقال له الأعشى: احبسني في بيت حتى أقول، فحبسه في بيت، فقال قصيدته التي أولها: أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... وشطت على ذي هوى أن تزارا وفيها يقول: وقيدني الشعر في بيته ... كما قيد الآسرات الحمار٢ وورد في شعر الأعشى قوله: وكنت امرأ زمنا بالعراق ... عفيف المناخ طويل التغن٣ وإذا كان ما نسب إلى الأعشى من قوله: لسنا كمن جعلت إياد دارها ... تكريت تنظر حبها أن يحصدا جعل الإله طعامنا في مالنا ... رزقا تضمنه لنا لن ينفدا مثل الهضاب جزارة لسيوفنا ... فإذا تراع فإنها لن تطردا ضمنت لنا أعجازهن قدورنا ... وضروعهن لنا الصريح الأجردا٤ صحيحا، فإنه يشير إلى أرض يقال لها "تكريت". وقد ذكر بعض علماء اللغة أن "تكريت" بنواحي الموصل، سميت بتكريت بنت وائل، أخت "قاسط"٥. ويظهر أن الساسانيين قد أبعدوا بعض بطون "إياد" إلى هذه الديار، فأجبروهم على الإقامة بها، وأما النسب المذكور، فقد وضع فيما بعد. ويظهر من هذا الشعر أن تلك البطون قد تعلمت الزراعة، فزرعت الحب، والزراعة مزدراة في نظر العرب، ولهذا تبجح الشاعر عليها وافتخر، بكون قومه أصحاب إبل

стр. 6483

ضخمة، يعقرونها لمن ينزل بساحتهم من ضيوف، أما إياد فهم أصحاب زراعة وحصاد. وكان الأعشى ينادم "هوذة بن علي" الحنفي، صاحب اليمامة، وكان نصرانيا على ما يقال. وذكر أن "الأعشى" كان نصرانيا كذلك، وكان يزور "الحيرة" كما كان يزور أسقف "نجران". وله راوية يروي شعره اسمه "يحيى بن متى" من عباد الحيرة، وقد أشار في شعره إلى أمور توراتية مثل حمامة نوح وأخبار سليمان. لا ندري إذا كان قد أخذها من التوراة، أو أنه سمعها من رجال الدين أو من قصص نصارى الحيرة١. وله أشعار كثيرة في مدح "هوذة" "هوذة بن علي بن ثمامة" الحنفي، منها قصيدته التي مطلعها: أحيتك تيًّا أم تركت بدائكا ... وكانت قتولا للرجال كذلكا وأقصرت عن ذكري البطالة والصبا ... وكان سفيها ضلة من ضلالكا إلى أن قال: إلى هوذة الوهاب أهديت مدحتي ... أرجي نوالا فاضلا من عطائكا تجانف عن جو اليمامة ناقتي ... وما عمدت من أهلها لسوائكا وهذه القصيدة تشبه أشعار المحدثين والمولدين في الرقة والانسجام٢. ومن شعره في مدح "هوذة" قوله: له أكاليل بالياقوت زينها ... صواغها لا ترى عيبا ولا طبعا وقوله: وكل زوج من الديباج يلبسها ... أبو قدامة مجبورا بذاك معا٣

стр. 6484

وكان يزور اليمن، ويقف بأبواب أقيالها، لينال منهم هداياهم. وفي خبر يرجع سنده إلى "الأعشى"، أنه قال: "أتيت سلامة ذا فايش "فائش" فأطلت المقام ببابه حتى وصلت إليه، فأنشدته: إن محلا وإن مرتحلا ... وإن في شعر من مضى مثلا استأثر الله بالوفاء وبالـ ... ـعدل وولى الملامة الرجلا الشعر قلدته سلامة ذا ... فائش والشيء حيث ما جعلا قال: صدقت، الشيء حيث ما جعل، وأمر لي بمائة من الإبل وكساني حللا وأعطاني كرشا مدبوغة مملوءة عنبرا، فبعتها في الحيرة بثلاثمائة ناقة حمراء"١. والشعر المذكور هو من قصيدة رقمت برقم "٣٥" في ديوانه وتقع في "٢٤" بيتا، وفي ترتيب بعض أبياتها اختلاف. وقد شكك "ابن قتيبة" في صحة نسبتها إلى الأعشى، كما شك غيره في صحة نسبتها إليه، لأسباب ذكروها٢. وقد نسبها "الهمداني" إلى الأعشى٣. ونسب "الهمداني" إلى الأعشى قصيدة أخرى في مدح "سلامة" أولها: رأيت سلامة ذا فائش ... إذا زاره الضيف حيا وبش وقال لهم مرحبا مرحبا ... وأهلا وسهلا بهم وابتهش٤ وتنسب إلى الأعشى قصيدة أخري في مدح "سلامة ذو فائش"، وهو: "سلامة ذا فائش" بن يزيد بن مرة بن عريب بن مرثد بن حُريم الحميري٥، وقد ذكر "الهمداني" أن "ذا فائش" هذا، هو "ذو فائش الأصغر"، واسمه "سلامة بن يهبر" القيل. وأورد أبياتا في مدحه أولها:

стр. 6485

تؤم سلامة ذا فائش ... هو اليوم حم لميعادها وكم دون بيتك من صفصف ... ودكداك رمل وأعقادها وهي أبيات من القصيدة المرقمة برقم "٨" في ديوان الأعشى، وتقع في "٥٦" بيتا. ودون "الهمداني" أبيات شعر زعم أنها في مدح "ذي فائش"، الذي هو "سلامة بن يهبر" القيل، ذكر أن "إبراهيم بن المحابي"، أنشدها إياه، أولها: وذو فائش قد زرته في ممنع ... من النيق فيه للوعول مواردا١ وذكر "الهمداني" أبياتا من الشعر في مدح "زرعة بن عمرو" "زرع بن عمرو". وكان "زرعة بن عمرو" يتولى وآباؤه للتبابع أعمال "المعافر" و"مأرب" وحضرموت، وكان قد حارب "مذحجا"، وفيه يقول "الأعشى" وقد وفد على بعض أولاده ومدحهم، قصيدة أولها: تسنم في العلا زرع بن عمرو ... وشيد ما بنى عمرو وزادا٢ ودون "الهمداني" أبيات شعر في مدح "حجر بن زرعة" ذكر انها للأعشى، وقال إنه كثيرا ما يفد إلى المعافر، ثم قال: وقيل إنها للمسيب بن علس. وأولها: حللت على حجر بن زرعة بعدما ... برى الجسم مني مشفقات العواذل٣ ونسب "الهمداني" أبيات شعر في مدح "فهد بن النعمان"، وكان قيلا بالمعافر. وقد وفد عليه. وأول هذه الأبيات: ونادمت فهدا بالمعافر حقبة ... وفهد سماح لم تشبه المواعد

стр. 6486

ونسب الرواة إلى "الأعشى" قصيدة في مدح "مسروق بن وائل" الحضرمي. وهو ممن وفد إلى "النبي" في وفد حضر موت فأكرمه١. وهي قصيدة رقمت برقم "٧٠" في ديوانه٢. وفي "يزيد بن صهر بن أبي ثابت" الشيباني، من سادة بني شيبان، وذوي الرأي فيهم، يقول الأعشى: ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل وهي لاميته الشهيرة التي تعد من المعلقات٣. ومما جاء فيها في وصف مجلس الشرب والخمر: نازعتهم قضب الريحان مرتفقا ... وقهوة مزة راووقها خضل لا يستفيقون منها إلا وهي راهنة ... إلا بهات وإن علوا وإن نهلوا يسعى بها ذو زجاجات لها نطف ... مقلص أسفل السربال معتمل ومستجيب لصوت الصنج يسمعه ... إذا ترجع فيه القينة الفضل٤ وكان يبغي من أسفاره هذه جمع المال للاستمتاع بلذة الحياة ولذة الحياة عنده: الخمر والطعام والنساء، وقد جمعها بقوله: إن الأحامرة الثلاثة أهلكت ... مالي وكنت بهن قدما مولعا الخمر واللحم السمين مع الطلى ... بالزعفران ولا أزال مردعا٥ وهو من الشعراء الذين تعهروا في شعرهم، على شاكلة "امرئ القيس". وقد أبدع في وصف صاحبته "قتيلة". وهو لا يخشى من التصريح بأنه إنما يحب النساء، لأجل الاستمتاع بهن. فليست المرأة إلا أداة اللذة في هذه الحياة. فهو يبحث عنها، ولا يبالي من أي نوع كانت، جارية أم حرة، عاهرة أم

стр. 6487

متزوجة، وهو على شاكلة "امرئ القيس" يطيب له أن يصور صاحبته متزوجة، تخون زوجها، وتقدم له الحب واللذة، لأن في الاتصال بالمتزوجة مجازفة من الرجل ومن المرأة، والمجازفة من سيماء العشاق الفرسان الشجعان. وقد تمكن الأعشى باتصاله بملوك الحيرة والغساسنة، وبقيس بن معد يكرب، وسلامة ذي فائش وبسادة نجران، وبهوذة، وبأمثالهم من حكام وسادة، من الحصول على مال طيب، ومن التمتع بمشاهدة مجالس أولئك السادة، ومن الشرب بصحاف الذهب والفضة، ومن أكل أكلات الحضر، التي لا يعرفها إلا أصحاب المال والترف، ومن الاستمتاع بسماع الغناء العربي والأعجمي، ومن التأثر بالحياة الرفيعة التي يحياها أهل الحضر. فأثرت تلك الحياة فيه. وصار يقبل عليها ويبحث عنها في كل مكان. وما الحياة تلك إلا اللهو بالخمر والنساء والطعام الطيب، حتى كان يتلف ماله في سبيلها، إن عسر الحصول عليها بغير ثمن. وهو في شعره صريح يعلن فيه حبه لجمع المال، لا يخشى من التصريح به أحدا، ولعله كان يريد الإعلان عن ذلك، ليرزقه الناس من عندهم، ويزيدوا في ماله. نراه يقول: وطوفت للمال آفاقها ... عمان وحمص فأوريشَلَم أتيت النجاشي في داره ... وأرض النبيط وأرض العجم فنجران فالسرو من حمير ... فأي مرام له لم أرم ومن بعد ذلك إلى حضر موت ... فأوفيت همي وحينا أهم١ ثم هو يعدد المواضع التي زارها فيقول: ألم ترني جولت ما بين مأرب ... إلى عدن فالشأم والشأم عاند وذا فائش قد زرت في متمنع ... من النيق فيه للوعول موارد ببعدان أو ريمان أو رأس سَلْيَة ... شفاء لمن يشكو السمائم بارد وبالقصر من أرياب لو بتَّ ليلة ... لجاءك مثلوج من الماء جامد ونادمت فهدا بالمعافر حقبة ... وفهد سماح لم تشبه المواعد

стр. 6488

وقيسًا بأعلى حضرموت انتجعته ... فنعم أبو الأضياف والليل واكد١ ويظهر من الشعر المتقدم أنه طاف بلادا كثيرة، فيها أرض العجم، وأرض النبط، وبلغ حمص و"أورشليم"، أي القدس، وعمان، وزار جزيرة العرب حتى وصل حضرموت واليمن، وعبر إلى "النجاشي" في داره. وهي أسفار بعيدة متعبة بالنسبة لذلك الوقت، وربما كان هذا الشعر مما أقحم عليه. وله أشعار كثيرة في مدح "قيس بن معد يكرب"٢، الذي كان يرزقه ويغدق عليه المال، وهو لا يجد غضاضة من التصريح في مدحه له أن لا يحرمه من نداه الجزيل. ولهذا عده علماء الشعر أول من سأل بشعره، وابتذل نفسه في السؤال، وأسرف في الترحال من أجل جمع المال. ومن شعره في "قيس" وفي الاستجداء منه، قوله: ونبئت قيسا ولم أبله ... كما زعموا خيرا أهل اليمن فجئتك مرتاد ما خبّروا ... ولولا الذي خبروا لم ترن فلا تحرمني نداك الجزيل ... فإني إمرؤ قبلكم لم أهن وهي قصيدة نونية، موجودة في ديوانه٣. وللأعشى قصيدة في مدح "أبي الأشعث بن قيس" الكندي. والأشعث اسمه "معد يكرب" كان أبدا أشعث الرأس فسمي الأشعث، وهو من الصحابة، وفد على النبي سنة عشرة وأسلم، وكان شريفا مطاعا جوادا شجاعا، وهو أول من مشت الرجال في خدمته وهو راكب، وكان من أصحاب "علي" في وقعة صفين. ومن شعر الأعشى في مدح "أبي الأشعث"، وهو "قيس بن معد يكرب" قوله:

стр. 6489

من ديار هضب كهضيب القليب ... فاض ماء الشئون فيض الغروب أخلفتني بها قتيلة ميعا ... دي وكان للوعد غير مكذوب وكان الأعشى، إذا زار اليمن تخرف بـ "أثافت"، وكان له بها معصر للخمر يعصر فيه ما أجزل له أهل "أثافت" من أعنابهم. وقد ذكرها "الأعشى" في شعره، إذ قال: أحب أثافت وقت القطاف ... ووقت عصارة أعنابها وكانت تسمى "درني" في الجاهلية. وإياها التي ذكرها الأعشى بقوله: أقول للشرب في درني وقد ثملوا ... شيموا وكيف يشيم الشارب الثمل٢ وذكر غير "الهمداني" أن "درني" المذكورة في شعر الأعشى، هي ناحية من شق اليمامة. قال الأعشى: حل أهلي ما بين درني فبادو ... لي وحلت علوية بالسخال فهي ليست بـ "أثافت"، كما ذكر ذلك "الهمداني"٣. نجد الهمداني يذكر "درنا" في مواضع اليمامة. ولما كان "الهمداني" من العلماء بمواضع جزيرة العرب، فلا أعتقد أنه وهم حين ذكر قول "الرئيس الكباري"، إن "درني" هي "أثافت"، فلعل "درني" غير "درنا" اليمامة٤. وقد هجا "الأعشى" "علقمة بن علاثة" من سادات "بني عامر" وأشرافهم. وكان سبب ذلك، أنه مدح "الأسود" العنسي، فأعطاه خمسمائة

стр. 6490

مثقال ذهبا وخمسمائة حللا وعنبرا، فخرج، فلما مر ببلاد "بني عامر" وهم قوم "علقمة" و"عامر بن الطفيل"، خافهم على ما معه، فأتى "علمقة بن علاثة"، فقال له: أجرني! قال قد أجرتك من الجن والأنس. قال الأعشى ومن الموت. قال: لا فأتى "عامر بن الطفيل"، فقال له: أجرني! قال: قد أجرتك من الجن والأنس. قال الأعشى: ومن الموت! قال عامر: ومن الموت أيضا. قال: وكيف تجيرني من الموت؟ قال: إن مت في جواري بعثت إلى أهلك الدية. قال: الآن علمت أنك قد أجرتني. فحرضه عامر على تنفيره على علقمة، فغلبه عليه بقصائد. فلما سمع علقمة نذر ليقتلنه إن ظفر به. فقال الأعشى قصيدة مطلعها: شاقك من قيلة أطلالها ... بالشط فالجزع إلى حاجر ولما نذر "علقمة" دم الأعشى جعل له على كل طريق رصدا. فاتفق أن الأعشى خرج يريد وجها ومعه دليل فأخطأ به الطريق، فألقاه على ديار بنى عامر بن صعصعة، فأخذه رهط "علقمة" فأتوه به. فقال له علقمة: الحمد لله الذي مكنني منك، فقال الأعشى: أعلقم قد صيرتني الأمور ... إليك وما أنت لي منقص فهب لي ذنوبي فدتك النفوس ... ولا زلت تنمي ولا تنقص في أبيات، فعفا عنه، فقال الأعشى ينقض ما قال أولا: علقم يا خير بني عامر ... للضيف والصاحب والزائر والضاحك السن على همه ... والغافر العثرة للعاثر١ وكان "عامر بن الطفيل" لما نافر "علقمة" خرج مع لبيد الشاعر والأعشى، فحكما "أبا سفيان"، فأبى أن يحكم بينهما، فأتيا "عيينة بن حصن" فأبى، فأتيا "غيلان بن سلمة" الثقفي، فردهما إلى "حرملة بن الأشعر" المرّي، فردهما إلى "هرم بن قطبة" الفزازي، فحكم بتساويهما في الشرف والمنزلة.

стр. 6491

ولم يفضل فانصرفا على ذلك١. ويقال إن النبي قال لحسان: يا حسان أنشدنا من شعر الجاهلية ما عفا الله لنا فيه؟ فأنشده حسان قصيدة الأعشى في علقمة بن علاثة: علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر فنهى النبي حسان عن تلاوتها. وذكر أن النبي رخص في الأشعار كلها إلا هاتين الكلمتين: كلمة أمية بن أبي الصلت في أهل بدر، وكلمة الأعشى في علقمة بن علاثة٢. وقد اختلفت الروايات في "علقمة" فرواية تذكر أنه أسلم وصحب الرسول، ورواية تذكر أنه لم يسلم، وأنه كان عند "قيصر"، وأنه أثنى أمامه على الرسول حين كان عنده، بينما تناول أبو سفيان منه، ورواية تذكر أنه أسلم ثم ارتد ولحق بالشام، ثم عاد إلى الإسلام، ورواية تذكر أن "عمر" استعمله على "حوران"، فمات بها. وقد رثاه "الحطيئة" بقصيدة، وكان قد ذهب إليه لنيل نواه، فوجده قد مات، وقد أوصى له بجائزة في حياته، فأعطاه ابنه مائة ناقة يتبعها أولادها. ولما كان الأعشى تاجرا من تجار الشعر، اتخذ الشعر متجرا يتاجر به، فيمدح من يعطيه، ويهجو من لا يحسن إليه ويصله، لذلك صار شعره في الرجال الذين اتصل بهم، بين مدح وبين هجاء. وقد أفادنا "الأعشى" فائدة كبيرة في ذكر أسماء المواضع التي مر بها في شعره. وقد اقتبس "الهمداني" بعض شعره التعلق بهذا الموضوع التي مر بها في شعره. وقد اقتبس "الهمداني" بعض شعره المتعلق بهذا الموضوع. كما أورد شعرا لغيره يتعلق بالمواضع، انفرد به في بعض الأحيان. ومما ذكره من شعر الأعشى في بعض مواضع اليمامة، قوله: قالوا نُمارٌ فبطن الخال جادهما ... فالعسجدية فالأبلاء فالرجل

стр. 6492

فالسفج يجري فخنزير فبُرْقته ... حتى تتابع فيه الوتر والحبل١ ونجد في شعر الأعشى قصصا من قصص أهل الجاهلية، من ذلك ما رواه عن سد "مأرب" في قصيدته التي يقول فيها: ففي ذلك للمؤتسي أسوة ... ومأرب قفّى عليه العرم رخام بنته لهم حمير ... إذا جاءه ماؤهم لم يرم فأروى الزروع وأعنابها ... على سعة ماؤهم لم يرم٢ وهي أبيات نظمت على طريقة ذلك الوقت في ذكر نكبات الماضي، وما حل بالقبائل والمدن والقرى من مصير سيئ، لاتخاذها درسا وعبرة للأحياء. وهي لذلك تكون ذات صبغة أدبية أخلاقية، لا يهتم فيها للتأريخ ولواقع الأحداث، وإنما للقص والتأثير في العواطف والقلوب. ومنها قصيدته التي ذكر فيها من أهلكه الدهر من الجبابرة ومطلعها: ألم تروا إرما وعادا ... أفناهم الليل والنهار وقبلهم غالت المنايا ... طسما فلم ينجها الحذار وحل بالحي من جديس ... يوم من الشر مستطار وأهل جو أتت عليهم ... فأفسدت عيشهم فباروا فصبحتهم من الدواهي ... نائحة عقبها الدمار وقد روى أهل الأخبار قصص هؤلاء الأقوام الذين ذكرهم الأعشى في شعره، وقد رصعوها على عادتهم بالشعر، نسبوه إلى أبطال ذلك القصص٣. وأشار "أبو العلاء" المعري إلى شعر نسب للأعشى أوله: أمن قَتْلَةَ بالأنقا ... ء دار غير محلوله كأن لم تصحب الحي ... بها بيضاء عطبوله

стр. 6493

أناة ينزل القوسى ... منها منظر هوله وما صهباء من عانة ... في الذارع محموله تولي كرمهاأصهـ ... ـب يسقيه ويغدو له ثوت في الخرس أعواما ... وجاءت وهي مقتوله بماء المزنة الغرا ... ء راحت وهي مشموله بأشهى منك للظمآ ... ن لو أنك مبذوله فنفى على لسان الأعشى أن يكون من شعره، أو أن يكون قد صدر عنه١. وقد ورد في بعض الأخبار أن الأعشى كان نصرانيا. ويرى "بروكلمان" أن من الجائز أن يكون نصرانيا، غير أن نصرانيته لم تكن مؤثرة عليه، وهو إذا كان قد تحدث عن الله وعن البعث، وعن الحساب ويوم الدين، فقد تحدث غيره عن هذه الأمور أيضا ولم يكن من النصارى٢. ونحن لا نكاد نجد في شعره ما يؤيد كونه نصرانيا صحيحا قويم الدين، له علم بأحكام شريعته ونواهيها، ولعل نصرانيته الوحيدة البادية عليه، هي في حلفه برهان دير هند، وإشارته إلى عيد الفصح وإلى طوفان نوح، وزيارته "بني الحارث بن كعب" سادة نجران، وهم نصارى، وتشبيهه "قيس بن معد يكرب" بالرهبان في عدله وتقواه٣. وقوله: وإني ورب الساجدين عشية ... وما صك ناقوس النصاري أبيلها٤ وقوله: ربّي كريم لايكدر نعمة ... وإذا يناشد بالمهارق أنشدا٥

стр. 6494

ولكننا نجده يقسم بالكعبة إذ يقول: إني لعمر الذي خطت مناسمها ... تخدى وسيق إليه الباقر الغيل١ ويقول: وإني وثوبي راهب اللّج والتي ... بناها قصيّ والمضاض بن جرهم ويقول: وما جعل الرحمن بيتك في العلا ... بأجياد غربي الفناء المحرم٢ وورد أن الأعشى كان يقول بالقدر. ورد في كتاب "الأغاني": "قال لي يحيى بن متى راوية الأعشى، وكان نصرانيا عباديا، وكان معمرا، قال: كان الأعشى قدريا، وكان لبيد مثبتا، قال لبيد: من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال ومن شاء أضل وقال الأعشى: استأثر الله بالوفاء وبالعد ... ل وولى الملامة الرجلا قلت: فمن أين اخذ الأعشى مذهبه؟ قال: من قبيل العبادين نصارى الحيرة، كان يأتيهم يشتري منهم الخمر فلقنوه ذلك"٣. وقد جعله "المرتضى" في عداد من كان على مذهب أهل العدل من شعراء الطبقة الأولى لقوله البيت المذكور٤. وقد نسب الأعشى هلاك الإنسان وموته إلى فعل الدهر، إذ يقول: فاستأثر الدهر الغداة بهم ... والدهر يرميني ولاأرمي يا دهر قد أكثرت فجعتنا ... بسراتنا ووقرت في العظم

стр. 6495

ومن شعره قوله: وأرى الغواني لايواصلن امرأ ... فقد الشباب وقد يصلن الأمردا١ وهو شعر يظهر أنه قاله بعد أن عبث به الكبر، وفقد الشباب، فقاله على عادة الشعراء في ذمهم المرأة حين بلوغهم هذه المرحلة من العمر. وروي أنه مر بأبي سفيان بن حرب فسأله عن وجهه الذي قدم منه فعرّفه، ثم سأله: أين يقصد؟ فقال: أريد محمدا. فقال: إنه يحرم عليك الزنا والخمر والقمار، فقال له: أما الزنا فقد تركني ولم أتركه، وأما الخمر فقد قضيت منه وطرا، وأما القمار فلعلي أن أصيب منه خلفا. قال: فهل لك إلى خير؟ قال: وما هو قال: بيننا وبينه هدنة فترجع عامك هذا وتأخذ مائة ناقة حمراء، فإن ظهر أتيته، وإن ظهرنا كنت قد أصبت عوضا من رحلتك. قال: لا أبالي. فانطلق به أبو سفيان إلى منزله وجمع له أصحابه وقال: يا معشر قريش، هذا أعشى بني قيس بن ثعلبة، وقد عرفتم شعره، ولئن وصل إلى محمد ليضربن عليكم العرب بشعره، فجمعوا له مائة ناقة وانصرف، فلما كان بناحية اليمامة ألقاه بعيره فوقصه فمات٢. ويذكر علماء الشعر، أن الأعشى كان قد هيأ قصيدة لينشدها أمام النبي، في صلح الحديبية، فلما صرفه "أبو سفيان" عن الذهاب إلى يثرب لم يقرأها. ومطلع القصيدة: ألم تغتمض عيناك ليلة أمردا ... وبتَّ كما بات السليم مسهدا٣ وهي قصيدة نحلت عليه، ولا يمكن أن تكون من شعر هذا الشاعر الذي لم يتعود على التعمق في جزئيات أمور الدين، ثم إن القسم الخاص بمدح النبي من

стр. 6496

هذه القصيدة وبأحكام الإسلام ضعيف الحبك، لا يتناسب مع المطلع ولا مع شعر الأعشى الآخر، ولهذا ذهب أكثر المعاصرين إلى أنها من الشعر المصنوع١. وفيها أمور من المجرمات لايمكن أن يكون الأعشى قد وقف عليها. ومماجاء في هذه القصيدة: ألا أيهذا السائلي أين يممت ... فإن لها في أهل يثرب موعدا فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولامن حفى حتى تلاقي محمدا متى ما تُناخي عند باب ابن هاشم ... تراحي وتلقي من فواضله يدا أجدك لم تسمع وصاة محمد ... نبي الإله حين أوصى وأشهدا إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... وأبصرت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد لما كان أرصدا فإياك والميتات لا تقربنها ... ولا تأخذن سهما حديدا لتقصدا ولا تقربن جارة إن سرها ... عليك حرام فانكحن أو تأبدا نبي يرى ما لا يرون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا٢ وأنت إذا قرأت هذه الأبيات والأبيات الأخرى التي لم أذكرها، فستخرج جازما أنها من الشعر المصنوع المنحول على الأعشى. ففيها نهي عن أكل الميتة، وعن عبادة الأوثان، والحث على الصلاة، وعلى إيصال السائل المحروم وغير ذلك من آراء إسلامية، تجد جذوبها في القرآن. وذكر أن الأعشى سمى قصيدته المحكمة حكيمة، أي ذات حكمة. فقال: وغريبة تأتي الملوك حكيمة ... قد قلتها ليقال من ذا قالها٣ وقال بعض علماء الشعر: الأعشى أغزل الناس في بيت، وأخنث الناس في

стр. 6497

بيت، وأشجع الناس في بيت، فأغزل بيت قوله: غراء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل وأخنث بيت قوله: قالت هريرة لما جئت زائرها ... ويلي عليك وويلي منك يا رجل وأشجع بيت قوله: قالوا الطراد فقلنا تلك عادتنا ... أو ينزلون فإنا معشر نزل١ ومن جيد شعره قوله: عهدي بها في الحي قد درعت ... صفراء مثل الهرة الضامر لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميت الناشر٢ وكان الأعشى سليط اللسان، إذا هجا أقذع، شديدا في هجائه، لذلك كان الناس يخشون جانبه، ويرهبون لسانه، وكان مداحا، يمدح فينال عطاء الممدوحين. وله أسلوب خاص في نظم الشعر، وفي العرض والسبك، وموسيقى النظم، وفي شعره طلاوة، وفي أبياته حلاوة. وقد أبدع في أمور، منها وصف الخمر، ووصف الحمر الوحشية، ولا نجد في شعره مكانة للأطلال والديار، وهو يطيل في النسيب٣. ومن أمثلة ما يروونه عن أثر شعره في الناس، أن رجلا بائسا مسكينا اسمه "المحلق"، كان والد ثمان بنات، ولايملك شيئا سوى ناقة، سمعت زوجته بذكر الأعشى وبمروره منهم في طريقه إلى سوق "عكاظ"، فأشارت على زوجها أن يركض إلى الأعشى ليستضيفه، لعله يمدحه، فيزوج بناته وينال شرف مديحه.

стр. 6498

بين الناس. ففعل، وذبح ناقته الوحيدة وأكرمه مع بناته غاية الإكرام، فلما علم الأعشى بسوء حاله، أعد له قصيدة، ألقاها في عكاظ، مطلعها: لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرق فلما رأى الناس "المحلق"، وقد حياه الأعشى، أقبل الناس يخطبون منه بناته، فما قام من مقعده حتى خطبت بناته جميعا١. ولعل خفة عروض شعر الأعشى ومرونته، وما في شعره من ترنيم ورنين، وما فيه من سهولة، تدل على براعة في الشعر، هي التي حملت بعض علماء الشعر على تقديمه على غيره، أو على رفع مكانته بوضعه في طبقة الشعراء الفحول من الطبقة الأولى، غير أن من العلماء من انتقد شعره، وانتقد إكثاره من إدخال الألفاظ الأعجمية في نظمه٢. وكان للأعشى راوية اسمه "عبيد"، كان يصحبه ويروي شعره، وكان عالما بالإبل. ومنه أخذ الرواة أخبار الأعشى وشعره. وكان "سماك" أحد الرواة المتصلين به، وعنه أخذ "حماد" الراوية أخباره عن الأعشى. وعنه أيضا أخذ "شعبة بن الحجاج" أخباره عن "الأعشى". وعن "شعبة" روى "مؤرج بن عمرو السدوسي" "أبو فيد" أحد علماء البصرة المتوفى سنة "١٩٥هـ". وعنه أخذ "الرياشي" أخباره عن "الأعشى". و "الرياشي" هو "أبو الفضل" العباس بن الفرج مولى سليمان بن علي الهاشمي. وكان عالما باللغة والشعر كثير الرواية عن "الأصمعي". وقد توفي الرياشي سنة "٢٥٧هـ"٣. وقد شك علماء الشعر في صحة نسب بعض الشعر إلى "الأعشى". فقد روى "أبو عبيدة" أن "أباعمرو بن العلاء" زاد بيتا على قصيدة: بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا ... واحتلت الغمر فالجدين فالفرعا وهو البيت الثاني من هذه القصيدة. وروى غيره أن "حماد" الراوية، هو

стр. 6499

الفصل الستون بعد المائة: الشعراء الصعاليك قال صاحب "اللسان": "الصعلوك: الفقير الذي لا مال له، زاد الأزهري: ولا اعتماد. وقد تصعلك الرجل إذا كان كذلك، قال حاتم طيء: غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... فكلا سقاناه بكأسيهما الدهر فما زادنا بغيا على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر١ "والتصعلك: الفقر. وصعاليك العرب: ذؤبانها. وكان عروة بن الورد يسمى: عروة الصعاليك لأنه كان يجمع الفقراء في حظيرة فيرزقهم مما يغنمه"٢، وقيل: الصعلوك: الفقير، وهو أيضا المتجرد للغارات"٣. والصعاليك، قوم خرجوا على طاعة بيوتهم وعشائرهم وقبائلهم، لأسباب عديدة، منهم عدم إدراك أهلهم أو قبيلتهم نفسياتهم، مما سبب نفورهم منهم، وخروجهم على طاعة مجتمعهم، وهروبهم منه، والعيش عيشة الذؤبان، معتمدين على أنفسهم في الدفاع عن حياتهم، وعلى قوتهم في تحصيل ما يعتاشون به، بالإغارة على الطرق والمسالك، وبمهاجمة أحياء العرب المبعثرة، أفرادا أو طوائف، وهم أبدا في خوف من متعقب يتعقبهم، لاسترداد ما أخذ أو سلب، أو متربص يتربص.

стр. 6500

بهم الدوائر ليأخذ منهم ما غنموه بالقوة من غيرهم أو ما قد يجده في أيديهم. ولهذا كانوا يتكتلون أحيانا، بانضمام بعضهم إلى بعض، مكونين جماعات، جمعت بينها وحدة الهدف، وغريزة حماية النفس، والمصلحة المشتركة بعد أن حرمهم أهلهم ومجتمعهم من تقديم أية مساعدة أو حماية لهم، وسحب منهم حق الأخذ بالثأر والانتقام ممن قد يعتدي عليهم، بحق "العصبية"، وبعد أن جعل دمهم هدرا، وتبرأ منهم ومن كل جريرة يرتكبونها، فلا يطالب أهلهم بدمهم، ولا يطالبونهم بأي دم قد يسفحه الصعلوك. ولا أستبعد أن تكون للمغامرة ولإثبات الشخصية، دخل أيضا في حدوث الصعلكة وفي تمرد الشباب على مجتمعهم، على غرار ما نجده اليوم من تمرد على مجتمعاتهم، لإثبات وجودهم وشخصيتهم في هذه المجتمعات، بطريقة البعث بالعرف والعادات وبعدم المبالاة لأوامر العائلة والمجتمع، مما يجعلهم يسيرون سيرة الصعاليك في ذلك الوقت، فلو نظرنا إلى حالة الصعاليك نجد أن منهم من كان من أسرة متمكنة أو لا بأس بأحوالها المالية، ومع ذلك عاش صعلوكا، لما وجد فيها من مغامرات ومجازفات ومطاردة وهجوم ودفاع. فحب المغامرة، وإثبات الشخصية، من أسباب الصعلكة في الجاهلية كذلك. والصعاليك بعد، حاقدون على مجتمعهم، متمردون عليه، للأسباب المذكورة، نبتت في أكثرهم عقد نفسية، تكونت عندهم من سوء معاملة المجتمع لهم، ومن سوء فعلهم وتصرفهم الخاطئ تجاه مجتمعهم، فهم حاقدون لا يبالون من شيء ولو كان ذلك سلبا ونهبا وقتل أبناء قبيلتهم وعشيرتهم، لأنهم خلعوا منها، وحرموا من حق الدم، فكان خلعها لهم سبب شقائهم وبؤس حياتهم، فأي حق بقي إذن يمنعهم من الحقد على القبيلة ومن مهاجمة العشيرة؟ ثم إنهم حاقدون على مجتمعهم، لأن منهم فقراء معدومين، لا شيء عندهم يعتاشون عليه، ولا ملابس لديهم تقيهم من الحر أو البرد أو المطر، وكل ما تقع أعينهم عليه، هو مفيد لهم نافع، ومن حقهم بحكم فقرهم انتزاعه من مالكه، وإن كان مالكه فقيرا معدما مثلهم، لأن النفس مقدمة على الغير، وهم يعيبون الخامل منهم الذي يعيش صعلوكا ذليلا قانعا بما كتب عليه من الذل والتشرد، عائشا على صدقات الناس، ويرون الخلاص من هذا الذل بالحصول على المال بالقنا وبالسيف، فمن استعمل سيفه نال ما يريد، لايبالي فيمن سيقع السيف عليه، وإلا عد

стр. 6501

من "العيال". قال "السليك": فلا تصلي بصعلوك نَئوم ... إذا أمسى يعد من العيال ولكن كل صعلوك ضروب ... بنصل السيف هامات الرجال١ "ولذلك كان صعاليك العرب ولصوصهم وأرباب الإغارة منهم يرون أن ما يحوونه من النعم بالغارة، وينالونه بالسرق والسلة، إنما ذلك مال منعت منه الحقوق، ودفع عنه بالبخل والعقوق، فأرسلهم الله إليه وسببه لهم رزقهم إياه، كما قال عروة الصعاليك: لعل انطلاقي في البلاد وعزمتي ... وشدّي حيازيم المطية بالرحل سيدفعني يوما إلى رب هجمة ... يدافع عنها بالعقوق وبالبخل٢ "وكما أن فيهم من يتمدح ببذل القرى ومعاناة الطوى، وتحمل الكلفة ومواساة ذوي الخلة، فكذلك فيهم البخيل الجامع، واللئيم الراضع، ومن يؤثر التفرد بناره والاستئثار بزاده دون ضيفه وجاره، وينشد لبعضهم: أعددت للأضياف كلبا ضاريا ... عندي وفضل هراوة من أرزن وقال الآخر: وإني لأجفو الضيف من غير بغضة ... مخافة أن يغري بنا فيعود وقال الأصمعي: مر ابن حمامة بالحطيئة، فقال: السلام عليك. قال: قلت ما لا ينكر. قال: إني أردت الظل. قال: دونك، والجبل حتى يفيء عليك. قال: إني خرجت من عند أهلي بغير زاد. قال ما ضمنت لأهلك قراك. قال: إني ابن حمامة. قال: كن ابن نعامة. فمضى عنه آيسا. قال: وخرج الحطيئة يوما من خبائه وبيده عصا، فقال له رجل: ما هذه؟ قال: عجراء من سلم. قال: إني ضيف. قال: للضيف أعددتها"٣.

стр. 6502

والحطيئة من الملحفين في السؤال المستجدين الذين لا يخجلون من الاستجداء. فكان يلح في شعره بالطلب، ويحاول بكل الطرق جمع المال، حتى أهان نفسه، ولم يترك رجلا معروفا إلا ذهب إليه يسأله أن يعطيه مما عنده، فلما عين "عمر" "علقمة بن علاثة" على حوران، قصده "الحطيئة"، فوجده قد مات، فقال: وما كان بيني لو لقيتك سالما ... وبين الغنى إلا ليال قلائل١ فأعطاه ولده مائة ناقة مع أولادها. وقد عاب "الأعشى" "علقمة بن علاثة"، بقوله: تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا٢ وقد وجد الصعاليك في الأغنياء البخلاء، هدفا صالحا لهم. فهؤلاء أصحاب مال، وهم أصحاب جوع، ولا بد للجوعان من أن يعيش، فلم يجدوا في مباغتة الأغنياء أي حرج يمنعهم من السطو على أموالهم، لأنها زائدة عليهم، وهم في حاجة إليها، وبذلك يضمنون لأنفسهم ولإخوانهم الجياع الصعاليك أسباب الحياة، فالحاجة عندهم تبرر الواسطة، وإذا امتنع إنسان على صعلوك وأبى تسليم ما عنده إليه، فهو لا يبالي من قتله، فالقتل ليس بشيء في نظره، منظره مألوف، والفقر ذاته قتل للإنسان، بل أشد فتكا به من القتل، والصعلوك نفسه لا يدري متى يقتل، فلا عجب إذا ما رأى القتل وكأنه شربة ماء. وكان "أبو عبيدة"، لا يستأنس بسماع شعر الصعاليك، لأنهم فقراء، قال "أبو حاتم": "جئت أبا عبيدة يوما، ومعي شعر عروة بن الورد، فقال: فارغ حمل شعر فقير ليقرأه على فقير"٣، فهو من المحبين للأغنياء، وما الذي يجنيه من الفقراء! وكان "أبو مالك عمرو بن كركرة" البصري، مثل "أبي عبيدة" في الابتعاد عن الفقراء، بل كان أشد منه تعصبا عليهم،

стр. 6503

قال الجاحظ: "كان أحد الطياب، يزعم أن الأغنياء عند الله أكرم من الفقراء. ويقول إن فرعون عند الله أكرم من موسى"١. و "ابن كركرة" أعرابي، وكان مرجع الأعراب الوافدين إلى البصرة، وقد تحدث عنه "الجاحظ" في كتبه. وقد عرف الصعاليك بـ "الذؤبان" وبـ "ذؤبان العرب"، "وذؤبان العرب لصوصهم وصعاليكهم وشطارهم الذين يتلصصون ويتصعلكون، لأنهم كالذئاب"٢. وعرفوا باللصوص لأنهم كانوا يتلصصون. واللص السارق، في لغة طيء٣، وقيل لهم: "الشطّار". "والشاطر من أعيى أهله ومؤدبه خبثا ومكرا، جمعه الشطار كرمّان. وهو مأخوذ من شطر عنهم، إذا نزح مراغما. وقد قيل إنه مولد"٤. وعرفوا بـ "الخلعاء"، والخليع الشاطر، "وهو مجاز سمي به، لأنه خلعته عشيرته وتبرأوا منه، أو لأنه خلع رسنه. ويقال: خلع من الدين والحياء"٥. "وكان في الجاهلية إذا قال قائل مناديا في الموسم: يا أيها الناس! هذا ابني قد خلعته، وذلك إذا خاف منه خبثا أو خيانة، أو من هو بسبيل منه، فيقولون: إنا قد خلعنا فلانا، أي فإن جر لم أضمن، وإن جر إليه لم أطلب. يريد تبرأت منه. وكان لا يؤخذ بعد بجريرته وهو خليع"٦. و "الخلعاء" جماعتهم. "واختلعوه إذا ذهبوا بماله"٧. ولعل لهذا التفسير صلة بالصعلكة التي تعني الفقر، فالفقر والإملاق والجوع من أهم الملازمات التي لازمت ورافقت الصعاليك، وفي هذا المعنى أيضا ما جاء في كتب اللغة: "وشفر المال تشفيرًا: قل وذهب"٨، ولعل للفظة "الشنفرى"، صلة بهذا المعنى، وقد تكون للفظة "الرجل" التي تعني البؤس والفقر٩، صلة بهذا المعنى كذلك. فقد عرف الصعاليك بـ "الرجليين".

стр. 6504

وبـ "الرجيلاء"، وعرف الواحد منهم بـ "الرجليّ"١، وقد تكون للفظة "الخلع" صلة بالفقر والإملاق كذلك، بدليل ما ذكروه في تفسير "المعيل" من قولهم: "المعيل: الذي قصر ماله وعليه عيال"٢. وقد عرف الصعاليك بـ "الرجليين" لاستعمالهم أرجلهم في الإقدام والهروب، لأنهم فقراء لا يملكون غير أرجلهم تحملهم إلى المواضع التي يريدون سرقتها، إذ لا خيل لهم يركبونها لعجز أكثرهم عن شرائها، فلا يكون أمامهم غير الاعتماد على الرجل. والجوع حليف ملازم للصعاليك، لم ينفر منهم، ولم يبتعد عنهم لذلك كثر الحديث عنه في شعرهم وفي أخبارهم. وقد كانوا يهربون منه، لكنهم لم يفلتوا منه. فقد كان ممسكا بهم، ملازما لهم، ما داموا صعالكة، فالجوع نفسه جزء من أجزاء الصعلكة. وفي شعر "عروة بن الورد" أن الجوع كان ينزل به، حتى يكاد يهلكه، أنزل به الهزال، وأراه الموت، لولا أنه كان يتهرب منه بالغارة، لينال منها البلغة، فالمنايا خير من الهزال المقيت المميت٣. وفي شعر للسليك بن السلكة، أن الجوع كان يغشاه في الصيف، حتى كان إذا قام تولاه إغماء شديد، يريه الدنيا ظلاما من أثر الجوع٤. وما دامت حياة الصعلكة جوع وفقر، وإملاق وهروب من متعقب، فالموت خير للصعلوك من حياة يعيشها فقيرا، لا أقارب له تعطف عليه، ولا أهل يشفقون عليه، ولا قوم يراجعونه ويتعهدونه بالحماية٥، حياته موحشة قاسية، تفور بالأخطار والتهلكة والمغامرات، لايدري متى يأتيه الموت ومن أين يأتيه، إذا نام، خاف من غادر قد يغدر به، ومن متعقب يتعقب أثره، ومن طالب ثأر يريد الأخذ بثأره، ومن حيوان صعلوك مثله، يريد أن يقضي على

стр. 6505

جوعه بافتراسه، وهو معذور في ذلك لأنه جائع لا طعام له، ومن هنا هان الموت في نظر الصعلوك، فهو معه يتبعه مثل ظله وملازم له، وتولدت في نفسه فلسفة "الآجال": فلسفة أن لكل نفس أجل، وأن كل نفس ذائقة الموت، وأن الإنسان مهما عاش وعمر، فلا بد من أن يلاقي الموت ويستجيب له، لن ينجيه منه قصر "ريمان"، ولا حرس أبوابه المدججون بالسلاح، يمنعون الناس من دخوله، فالموت لايعرف جرس القصور ولا يحول بينه وبين من يريد الوصول إليه حائل مهما كان. قال أبو الطمحان القيني: ولو كنت في ريمان تحرس بابه ... أرجايل أحبوش وأغضف آلف إذن لأتتني حيث كنت منيتي ... يخب بها هاد بامري قائف١ ولقرب الموت من الصعاليك، ولتعقب أصحاب الثأر دوما لهم، لازموا سلاحهم، فكانوا لا ينامون إلا وسيفهم معهم. كما لازمهم الرقاد والسهر بالليل، خشية مباغتة غادر لهم، والليل رفيق الغدر، لذلك كان ليلهم قصيرا، ونومهم قليلا، من شدة قلقهم ومن تحسبهم لتعقب طلاب الثأر لهم، ونجد في شعرهم إشارات إلى مظاهر القلق الذي كان يستولي عليهم، فيحول بينهم وبين النوم. ونجد في شعر للشنفرى توجع وتألم ومرارة، وإن صيغ بصورة الاستهتار بالموت وبالحياة، فهو إن جاءه الموت، فلن يبالي، ولمَ يبالي، وهو إنسان خليع بائس، إن مات لا يجد من يبكي عليه من أحد. فأي توجع أشد من هذا التوجع المصوغ في هذا البيت الساخر: إذا ما أتتني ميتتي لم أبالها ... ولم تذر خالاتي الدموع وعمتي٢ ولكن الحياة على ما فيها من مرارة وشقاء، مطلوبة محبوبة، فرب لحظة فيها حبور تنسي كل ما كابده الإنسان من تعاسة وشقاء، والموت مكروه ممقوت، وإن تمناه المتمني، وما تمنيه له إلا لثورة طارئة في النفس ولضيق في الصدر، فإذا بان الموت لمتمنيه ضاق صدره، وتمنى لو مد في عمره، يدفعه الأمل إلى

стр. 6506

التفكير في احتمال تغير الأوضاع، وتحسن الحال، والحصول على الغنى والمال، بشرط أن يسعى ويضرب في الأرض وأن يكون صادق العزيمة، لايخور أمام المصائب مهما كانت شديدة عاتية ولا ينهار منها: فسِرْ في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا١ وقد كان عماد الصعلوك في حياته، قوته الجسدية وسلاحه الذي يحارب به، وجماعته الذين يأوي إليهم، وكان يقاتل بضراوة، قتال المستميت، لأنه إن لم يدافع عن نفسه، هلك، إذ لا أمل له في وجود عصبية تدافع عنه، أو أهل يقومون بافتدائه وتخليصه من أسر إن وقع فيه، وسبيله الوحيد لخلاصه عند قيامه بغارة: المباغتة والهرب بما قد يحصل عليه بسرعة، كي يأمن العاقبة، وعمل الحيلة في التخلص من المأزق، لكيلا يقع في أيدي متعقبه، فيكون بذلك هلاكه، وفي جملة ذلك الفرار، للنجاة بالنفس من موت محتم. وهو فرار يؤدي به إلى معاودة الغارة والتلصص، إذ لا مورد له في هذه الحياة يتعيش منه غير هذين الموردين. فحاله في هذا الفرار حال "أبي خراش" الهذلي حيث يقول: فإن تزعمي أني جبنت فإنني ... أفر وأرمي مرة كل ذلك أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا ما خفت بعض المهالك٢ ونظرا لفقر الصعاليك، وعدم وجود مال لديهم يكفل لهم شراء فرس يركبونها في غاراتهم، اعتمد أكثرهم على أرجلهم في طلب رزقهم، وفي الحصول على معاشهم، وعلى خفة حركاتهم، وسرعتهم في الهروب من تعقب المتعقبين لهم في حالتي الفشل أو النجاح. وكان من بينهم من ضرب به المثل في زمانه في شدة العدو، وفي سرعة الركض، ورويت عنه الأقاصيص في ذلك. منهم "سليك بن المقانب بن السلكة"، وهو عدّاء بالغ. يقال: أعدى من السليك٣. وقد عرفوا لذلك بـ "العدائين" لشدة عدوهم٤، جمع "عداء"، ومنهم أيضا

стр. 6507

"الشنفرى": "شاعر عداء. ومنه المثل: أعدى من الشنفرى"١، وكان من العدائين. وفي المثل: أعدى من الشنفرى"٢. كما عرفوا بـ "الرجليين" وبـ "الرجيلاء"، وهم "قوم كانوا يعدون. كذا في العباب. ونص الأزهري: يغزون على أرجلهم، الواحد رجليّ محركة أيضا ... وهم سليك المقانب، وهو ابن سلكة، والمنتشر بن وهب الباهلي، وأوفى بن مطر المازني"٣، "والرجلة بالفتح وبالكسر: شدة المشي، أو بالضم القوة على المشي، وفي المحكم: الرجلة بالضم المشي راجلا"٤. وقد صار العدو من أهم صفاتهم ومميزاتهم التي امتازوا بها عن غيرهم، حتى قيل إن الخيل لم تكن تلحق بهم. ونعتوا بأنهم كانوا أشد الناس عدوا، وأنهم "لا يجارون عدوا"، و "لا يلحقون"٥. ومن العدائين: "تأبَّط شرًّا"، و"عمرو بن البراق"، و "أسيد بن جابر"٦. وورد أن العرب كانت تضرب بالسليك المثل في العدو، وتزعم أنه والشنفرى أعدى من رئي٧. وضرب المثل بسرعة عدوهم، واتخذ القصاص من شدة عدو الصعاليك مادة أدخلوها في قصصهم، وبالغوا فيها لتناسب طابع القص وأسلوبه، وقد وجد بعضه سبيلا إلى كتب الأخبار والأدب والعجائب والنوادر. وتؤلف المبالغات في سرعتهم وعدوهم أهم عنصر في القصص الذي يتحدث عنهم، نجد فيها أن الصعلوك يسابق الخيل، فيسبقها، هذا "أبو خراش" الهذلي، يدخل مكة، فوجد "الوليد بن المغيرة" المخزومي، يهم بإرسال فرسين له إلى "الحلبة" فيقول له: ما تجعل لي إن سبقتهما؟ قال: إن فعلت فهما لك، فأرسلا وعدا بينهما فسبقهما فأخذهما"٨. وهذا "تأبط شرا" يوصف بأنه: كان أعدى ذي رجلين وذي ساقين وذي عينين، وكان إذا جاع لم تقم له قائمة، فكان ينظر

стр. 6508

إلى الظباء، فينتفي على نظره أسمنها، ثم يجري خلفه، فلا يفوته حتى يأخذه فيذبحه بسيفه، ثم يشويه فيأكله"١. إلى غير ذلك من قصص وحكايات. وقد فخر العداؤون بشدة عدوهم، وتباهوا بمقدرتهم على العدو السريع، حتى إنهم نسبوا سبب نجاتهم من الموت إلى عَدْوهم هذا، لا إلى قتالهم وشجاعتهم، وبالغوا في شعرهم به، حتى ذكروا أنهم كانوا يسبقون الخيل والظباء بل الطير٢. هو نوع من "البطولة" في مفهوم الصعاليك، حتى إنهم -كما قلت- فضلوه على الشجاعة، وإذا كانت الشجاعة ضرب من الإقدام وإظهار المقدرة والرجولية؛ فالركض فرارًا نوع من البطولة أيضا، فيه مقدرة وشجاعة في ضبط الأعصاب وفي التصميم والإقدام على السلامة والنجاة بالنفس وبقاء الحياة وهكذا وجدوا لفرارهم عذرا اعتذروا به، فهم إن اختاروا الفرار وفضلوه على المعاركة والقتال فإنما اختاروه لأنه فيه أمل المعاودة إلى قتال جديد، ثم إنهم لا يرون سببا يدعو الإنسان إلى أن يرمي نفسه في المهالك، وأن يكون طعاما للوحوش الكاسرة٣. فليس في الهروب جبن، وليس في الإقدام شجاعة، والعاقل من اتعظ فنجى نفسه من الموت، وفي النجاة شجاعة. وقد كان لسرعة عدو الصعاليك العدائين فضل كبير عليهم في النجاة من المهالك المحتمة، هذا "تأبط شرا"، يذكر في شعر له أنه وقع في فخ في موضع "العيكتين"، وكاد يهلك، لولا استعانته بالركض، ولا أحد أسرع منه، وبذلك نجا وخلص من الوقوع في داهية٤. فلا عجب إذن، إذا ما افتخروا بسرعة عدوهم، وجاهروا بما لأرجلهم من فضل ومنة عليهم. فلولا العدو لما خرج "أبو خراش" سالما من موت كان قد أحاق به، ولكنه غلب الموت بشدة عدوه وهروبه منه، فعاد سالما إلى حليلته، فاستقبلته ابنته بقولها: سلمت وما إن كدت بالأمس تسلم وأنقذ بذلك ابنة "خراش" من الوقوع في اليتم٥.

стр. 6509

فلا عجب إذن، إن رأينا"الحاجز الأزدي"، يفدي رجليه بأمه وخالته، وهو فداء في نظرنا غريب، لكنه ليس بغريب، بالنسبة إلى إنسان رجلاه رأسماله في هذه الحياة، بفضلهما سلم من المهالك، وحصل على قوته، ولولاهما لكان من الهالكين: فدى لكما رجلي أمي وخالتي ... بسعيكما بين الصفا والأثائب١ وكان الصعاليك يغيرون فرسانا كذلك، كانوا يجيدون ركوب الخيل والإغارة عليها، وعد بعضهم من خيرة فرسان الجاهلية، ولعروة بن الورد فرس يسمى "قرمل"٢، وللسليك فرس يسمي "النحام"٣، وللشنفرى فرس يسمى "اليحموم"٤، وقد عرفت هذه الأفراس بشدة عدوها. والسلاح للصعلوك، هو الحماية التي يتقي بها أذى الناس، ويستعين بها في القضاء على خصمه، وهو السيف والقوس والرمح والدرع والمغفر، وكان لا يفارق سلاحه، لأنه لا يدري متى ينقض عليه عدو له فيقتله، فكان لا بد له من حمل سيفه معه، واعتناقه له حين نومه، وقد عد "عروة بن الورد"، و"عمرو بن براقة" السلاح رأسمالهما الذي يتكلون عليه في هذه الحياة٥. ولصعوبة تصعلك الرجل بمفرده، تكتل الصعاليك كتلا، وكونوا لهم فرقا، تكونت من أشتات وأنماط من الرجال، فيهم الحر الثائر، وفيهم الضال الغاوي، وفيهم الأسود العبد، وفيهم القاتل الفاتك. وهم بالطبع من قبائل مختلفة ومن بطون متنافرة. فلا تجمعهم عصبية القبيلة، ولا نخوة العشيرة، ومع ذلك فبينهم رابطة قوية، ووحدة جمعت بينهم، هي وحدة الدفاع عن النفس، والذب عنها، والكفاح في سبيل المعيشة، بأي سبيل، وبأية طريقة وجدت ووقعت، حتى بالقتل. فمن وجد شخصا ومعه مال؛ لا يجد الصعلوك والقاتل سببا أخلاقيا

стр. 6510

يمنعه من قتله للحصول على ماله. فلما كان "عروة بن الورد" في أرض "بني القين" يتربص المارة، فمرت به إبل، فيها ظعينة ورجل يحرسها، خرج إليه "عروة" فرمى الرجل بسهم في ظهره، أرداه قتيلا، واستاق الإبل والظعينة١. ولما خرج "الأخينس" الجهني فلقي "الحصين" العمري، وكانا فاتكين، وسارا حتى لقيا رجلا من كندة في تجارة أصابها من مسك وثياب وغير ذلك، طمعا به، فاغتره "الحصين" فضرب بطنه بالسيف فقتله، واقتسما ماله، ثم ركبا، وطمع "الأخينس" في مال "الحصين" فتربص به الفرص حتى أخذه على غرة فقتله واستولى على ما كان عنده، في حكاية تروى، وفيه يقول الأخينس على لسان "صخرة" أخت "الحصين": تساءل عن حصين كل ركب ... وعند جهينة الخبر اليقين٢ فالفاتك لا يجد مانعا أخلاقيا يمنعه من الفتك بأي شخص إن وجد عنده المال ووجد له فرصة مواتية، ثم هو لا يمتنع من الفتك حتى بزميله وصاحبه وشريكه في الإغارة والفتك، والتاجر لا يأمن من حراسه ومن مرافقيه حتي يصل مقره، لأن الفقر لا يعرف أخا ولا صديقا وشريكا، قاتل الله الفقر ووقانا شره! ونجد "تأبط شرا"، يتبجح في شعر ينسب له، فيقول إنه لا يبيت الدهر إلا على فتى أسلبه، أو على سرب أذعره٣. ونجد صاحب "لامية العرب"، إن صح أنها للشنفرى، يصف غارة ملأت الرعب في قلب من وقعت عليهم، قام بها في ليلة باردة، عاد منها سالما معافى بغنائم، وهو فرح بما تركه من قتل وسلب وألم في نفوس النساء والأطفال، إذ يقول: فأيمت نسوانا وأيتمت إلدة ... وعدت كما أبدأت والليل أليل٤ ونجد "السليك" يخرج مع صعلوكين يريدون الغارة، فساروا حتى أتوا بيتا متطرفا، ووجد شيخا غطى وجه من البرد، وقد أخذته إغفاءة، ومعه إبله

стр. 6511

ترعى، فأسرع إليه وضربه بسيفه فقتله، ونهبوا إبله، وعادوا بها مسرعين فرحين، خشية شعور الحي بأمرهم وتعقبهم لهم. قتله دون أن يشعر بوخزة ضمير، لقتله إنسانا نائما طاعنا في السن يرعى إبله، وإن وجدناه يبرر فعلته هذه، بأنه لم ينل هذه الإبل إلا بعد أن صكَّه الجوع، واستولى عليه الفقر، فهو قد قام به مضطرا١، والضرورات تبيح المحظورات. ونرى "صخر الغي" المزني، يقول في شعر له، إنه قتل رجلا من "مزينة" وسلبه ماله، ليقوى به مال رجل فقير، لا يملك مالا: في المزني الذي حششت به ... مال ضريك تلاده النكد٢ وعلى الرغم من هذا العنف، ومن هذه القساوة العنيفة، التي تصل إلى الوحشية نرى عند بعضهم، روحا إنسانية، فيها العطف على الضعيف ومساعدة المحتاج وبذل المال والنجدة، والبر للأهل والأقارب بل وللغريب أيضا. بل نجد هذه الروح أحيانا حتى عند القساة منهم، وسبب ذلك أن الصعالكة في ثورات نفسية، يعيشون عيشة قلقة مضطربة، فإذا كانوا في ثورة جامحة من جوع وحاجة وتألم بما حلّ بهم وبما هم فيه من سوء حال، هاجوا فكفروا بكل شيء، وثاروا على كل شيء وعلي كل أحد، وصاروا لا يبالون بعرف ولا سنة، يقتلون لأتفه الأسباب، لأنهم معرضون أنفسهم في كل لحظة للقتل. ثم إن القتل لا شيء بالنسبة إلى تلك الأيام، وإن تعاظم في نظرنا، فهم في ذلك مثل الأسود الجائعة، لا تعبأ بشيء، وكل همها الحصول على فريسة لتأكلها فتعيش عليها، فإذا وجد الصعلوك غنيمة، وعاد إلى مقره سالما ارتخت أعصابه، وهدأت سورته، وتذكر نفسه وما يقاسيه من ألم وجوع، فيعود إنسانا آخر، بارا بأصحابه حنونا عليهم، نادما على حياة يعيشها جعلته يعيش مثل الوحوش الكاسرة، كريما يعطي مما ناله بقوته وبسلاحه وبذكائه. هذا "عروة بن الورد" و "أبو خراش" الهذلي

стр. 6512

وغيرهما، فنجد فيهم النقيضين، نجد فيهم القسوة بل الوحشية، ثم نجد فيهم العطف والشفقة والرحمة والإشفاق على الضعفاء، وما الجمع بين النقيضين إلا من واقع هذه الظروف النفسية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإدارية التي كانوا يعيشون فيها. وفي شعر ينسب إلى "أبي خراش" الهذلي، امتداح للكرم ولكرامة الإنسان في الحياة، وترفع عن المذلة وتباه بإيثار الغير على نفسه، مع أنه فقير صعلوك، فهو يقول: وإني لأُثوي الجوع حتى يملني ... فيذهب لم يدنس ثيابي ولا جرمي وأغتبق الماء القراح فأنتهي ... إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم أرد شجاع البطن قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم مخافة أن أحيا برغم وذلة ... وللموت خير من حياة على رغمِ١ وقد عاش هؤلاء على المباغتة والغارات، فكانوا يتسترون في المواضع الوعرة، في مفارق الطرق وشعاب الجبال حتى إذا مر بهم مار، ووجدوا أن في إمكانهم الحصول على غنيمة، باغتوه، وأخذوا منه ما هو عنده. وقد يغيرون على الأحياء ليلا، فيأخذون ما يجدونه أمامه، ثم يجرون بسرعة حتى لا يدركهم أحد، ليصلوا إلى مواضع آمنة بعيدة عن التعقيب، مثل الكهوف والمغاور والآكام، يأوون إليها ويعشون بها عيشة الخائف المتشرد الهارب من مجتمعه، الحاقد عليه، لأن في قلبه حقدا عليه، لأنه لم يفهمه ولم يفهم سبب نقمته على مجتمعه. وأكثرهم من الشباب الذين خرجوا على طاعة أوليائهم أو على عرف مجتمعهم، أو عوملوا معاملة أشعرتهم أنها أذلتهم وجرحت كرامتهم، فانفصلوا بذلك عن أهلهم وعشيرتهم أو فصلهم أهلهم عنهم، فلم يبق أمامهم من سبيل سوى التصعلك والتشرد. وكان من هؤلاء مثل "عروة بن الورد" من جمع حوله الصعاليك، ولفّهم حوله، فكان يغزو بالقوي الجسر منهم، فإذا أصابوا مغنما جاءوا به إلى أصحابهم الضعفاء ممن لا يتمكنون أو لا يتجاسرون على الغارة، فيصيبونهم مما أصابوا ويعينونهم بما غنموا، وحياة على مثل هذا الطراز، هي حياة شديدة قاسية ولا شك.

стр. 6513

وقد كانت المرتفعات الصعبة المشرفة على المسالك والطرق الضيقة من أهم الأماكن المحببة إلى نفوس الصعاليك وقطاع الطرق، يجتمعون بالمواضع المشرفة منها على الطرق لمراقبة المارة، من "مرقبة" تخفى معالمها لئلا يراها أو يفطن لوجودها سلاك الطرق، فإذا مروا بها انقضوا عليها منها، وكأنهم هبطوا عليهم من السماء. ونجد لها ذكرا في شعر الصعاليك واللصوص وقطاع الطرق١. وقد اشتهر جبل هذيل بمرقباته، ورد: "والمرقبة جبل كان فيه رقباء هذيل"٢. ونجد في شعر "تأبط شرا" أنه كان يغير على "أهل المواشي" و "أهل الركيب" والحبّ، وعلى "أرباب المخاض"، فعند هؤلاء ما يطمع فيه الفقير الصعلوك من مال وحب يعتاش عليه، ومن نوق حوامل٣. ونرى "الأعلم" الهذلي، يذكر أنه يغزو المترف السمين، الذي يعيش بين الستائر والكنيف، بينما هو وأمثاله لا يملكون شيئا، فإذا هاجموه، خاف وانهدّ كيانه٤. ولهذا صار الساكنون في الأرضين الخصبة والتجار والسابلة من خيرة الأهداف التي كان يترصدها الصعالكة، لعلمهم بوجود شيء عند أصحابها، أكثر مما يجدونه عند الأعراف الضاربين في البوادي النائية المكشوفة. ويطمع الصعاليك أيضا بعضهم في بعض، فالحياة جوع وفقر، والفقر كافر لا يعرف عرف "المهنة" ولا مجاملات الصنف، ثم هم أبناء البادية، ومن طبع البادية، أن يغير أبناؤها بعضهم على بعض، للحصول على لقمة العيش، فكان الصعاليك تبعا لهذه السنة يغير بعضهم على بعض، خاصة إذا كانوا صعاليك متعادية. فكان بين صعاليك هذيل وصعاليك فهم، عداء شديد، وحقد دفين، بسبب العداوة بين الحيين٥، عداوة مرجعها تجاور الحيين، واختلاف مصالحهما الحيوية، وطمع القبيلتين في "بجيلة"، و "بجيلة" في جوار "الطائف"، وهي غير

стр. 6514

بعيدة عن فهم، ولا تبعد منازلها بعدا كبيرا أيضا عن ديار هذيل١. وكان بين "صخر الغي" الهذلي و "تأبط شرا" عداء شديد. وقد سمى "الهذليُّ" "تأبط شرا" بـ "ابن ترني" ازدراء به. ونجد في الشعر الوارد في هجاء الشاعرين بعضهما لبعض لونا طريفا من ألوان هذا الصراع الذي كان يقع بين الصعاليك٢، وهو صراع أسبابه عديدة، صراع متولد من عصبية قبلية، أو من تنافس وتحاسد في الحرفة وعلى الرئاسة والزعامة والصيت والشهرة، أو في طمع كل واحد منهم في الآخر للاستيلاء على ما حصل عليه من مال ليتعيش به. وقد انتشر الصعاليك في كل موضع من جزيرة العرب، ففي كل مكان منها جوع وفقر وصعلكة، حتى صاروا قوة مرعبة مخوفة، لشد بأسهم في القتال، ولمعرفتهم بالمسالك وبمنافذ الطرق وبمداخلها وبأسرار البوادي وخفايا النجاد والجبال، فكانوا أن اتخذوا من الكهوف والمنحدرات والمسترات المشرفة على الأودية والطرق، مواضع رصد واختفاء، يراقبون منها حركات المارة، فإذا وجدوهم دخلوا موضعا صعبا، يمكن حصرهم به، انقضوا عليهم، فأخذوا منهم ما يكون عندهم من متاع هذه الدنيا، ثم هربوا بما غنموا إلى مخابئهم حيث لا يصل إليهم أحد، وإن وجدوا أن السابلة أقوى منهم وأشد بأسا، اتخذوا من الفرار وسيلة للسلامة والنجاة، فلا يلحقهم متعقب، ولايطمع أحد في إصابتهم بمكروه، وهم على علم واسع وخبرة عالية بمجاهل البوادي وبخبايا الأرض وهكذا يكونون في نأي عن التعقيب وفي منجاة من التعقب. ولما سدت السبل في وجه "النعمان بن المنذر" بعد أن غضب كسرى عليه، وأخذ ينتقل من مكان إلى مكان، لجأ إلى "هانئ بن قبيصة" الشيباني، فأجاره وقال: "لزمني ذمامك، وإني مانعك مما أمنع نفسي وأهلي وأن ذلك مهلكي ومهلكك، وعندي رأي لست أشير به لأدفعك عما تريد من مجاورتي، ولكنه الصواب، فقال هاته، قال: إن كل أمر يجمل بالرجل أن يكون عليه، إلا أن يكون بعد الملك سوقة. والموت نازل بكل أحد، ولأن تموت كريما خير من أن تتجرع الذل أو تبقى سوقة بعد الملك. امض إلى صاحبك واحمل عليه هدايا ومالا وألق نفسك بين يديه،

стр. 6515

فإما أن يصفح عنك فعدت ملكا عزيزا، وإما أن يصيبك، فالموت خير من أن تتلعب بك صعاليك العرب ويتخطفك ذئابها"١، وفي نصيحة هانئ للنعمان، وإشارته فيها إلى "صعاليك العرب" دلالة على انتشارهم في كل مكان. وأنهم صاروا خطرا على الأمن، يحسب له كل حساب. ولما خلع "امرؤ القيس"، وصار ضليلا خليعا، "جمع جمعا من حمير وغيرهم من ذؤبان العرب وصعاليكها"٢، وأخذ يغير بهم على أحياء العرب، وما كان "امرؤ القيس" ليجمع جمعهم ويحزبهم حزبه لو لم تكن في نفسه حاجة إليهم، فقد كانوا قوة، وقد صاروا رعبا يخيف الناس، كالذي كان في جبل "تهامة" من تكتل خليط من كنانة ومزينة والحكم والقارة والسودان، من تكتلهم وتحزبهم وأخذهم من كان يمر بالغارة والنهب والسلب، بقوا على ذلك أمدا ثائرين على مجتمعهم، حتى ظهر الإسلام، فكاتبهم الرسول، وأمنهم أنهم أن آمنوا وأقاموا الصلاة، وصدقوا، "فعبدهم حر، ومولاهم محمد، ومن كان منهم من قبيلة لم يردّ إليها، وما كان فيهم من دم أصابوه أو مال أخذوه، فهو لهم، وما كان لهم من دين في الناس رد إليهم، ولا ظلم عليهم ولا عدوان"٣. فهم قوم متمردون ثائرون لايعطون أحدا طاعة، إلا طاعة أنفسهم والمترئس فيهم. ولعل هذا هو الذي حدا بأهل النسب والأخبار أن يقولوا: "والخلعاء: بطن من بني عامر بن صعصعة ... كانوا لا يعطون أحدا طاعة"٤. وهكذا وضع "الصعاليك" أنفسهم في خدمة من يريد استخدامهم لتحقيق أهدافه التي يريدها، مقابل ترضيتهم وإعاشتهم، كما يفعل الجنود المرتزقة هذا اليوم من خدمة الدول الأجنبية، بانضمامهم إلى الفرق الأجنبية، كما هو الحال في "فرنسا" مثلا لاستخدامهم في القتال. وقد جعلت حياة التشرد والغارات والهروب والفرار إلى مواضع بعيدة نائية وفي مجاهل البوادي، الصعاليك من أعلم الناس بدروب جزيرة العرب، وبالمواضع
следующие страницы →