← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

ترعى، فأسرع إليه وضربه بسيفه فقتله، ونهبوا إبله، وعادوا بها مسرعين فرحين، خشية شعور الحي بأمرهم وتعقبهم لهم. قتله دون أن يشعر بوخزة ضمير، لقتله إنسانا نائما طاعنا في السن يرعى إبله، وإن وجدناه يبرر فعلته هذه، بأنه لم ينل هذه الإبل إلا بعد أن صكَّه الجوع، واستولى عليه الفقر، فهو قد قام به مضطرا١، والضرورات تبيح المحظورات. ونرى "صخر الغي" المزني، يقول في شعر له، إنه قتل رجلا من "مزينة" وسلبه ماله، ليقوى به مال رجل فقير، لا يملك مالا: في المزني الذي حششت به ... مال ضريك تلاده النكد٢ وعلى الرغم من هذا العنف، ومن هذه القساوة العنيفة، التي تصل إلى الوحشية نرى عند بعضهم، روحا إنسانية، فيها العطف على الضعيف ومساعدة المحتاج وبذل المال والنجدة، والبر للأهل والأقارب بل وللغريب أيضا. بل نجد هذه الروح أحيانا حتى عند القساة منهم، وسبب ذلك أن الصعالكة في ثورات نفسية، يعيشون عيشة قلقة مضطربة، فإذا كانوا في ثورة جامحة من جوع وحاجة وتألم بما حلّ بهم وبما هم فيه من سوء حال، هاجوا فكفروا بكل شيء، وثاروا على كل شيء وعلي كل أحد، وصاروا لا يبالون بعرف ولا سنة، يقتلون لأتفه الأسباب، لأنهم معرضون أنفسهم في كل لحظة للقتل. ثم إن القتل لا شيء بالنسبة إلى تلك الأيام، وإن تعاظم في نظرنا، فهم في ذلك مثل الأسود الجائعة، لا تعبأ بشيء، وكل همها الحصول على فريسة لتأكلها فتعيش عليها، فإذا وجد الصعلوك غنيمة، وعاد إلى مقره سالما ارتخت أعصابه، وهدأت سورته، وتذكر نفسه وما يقاسيه من ألم وجوع، فيعود إنسانا آخر، بارا بأصحابه حنونا عليهم، نادما على حياة يعيشها جعلته يعيش مثل الوحوش الكاسرة، كريما يعطي مما ناله بقوته وبسلاحه وبذكائه. هذا "عروة بن الورد" و "أبو خراش" الهذلي

стр. 6512

وغيرهما، فنجد فيهم النقيضين، نجد فيهم القسوة بل الوحشية، ثم نجد فيهم العطف والشفقة والرحمة والإشفاق على الضعفاء، وما الجمع بين النقيضين إلا من واقع هذه الظروف النفسية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإدارية التي كانوا يعيشون فيها. وفي شعر ينسب إلى "أبي خراش" الهذلي، امتداح للكرم ولكرامة الإنسان في الحياة، وترفع عن المذلة وتباه بإيثار الغير على نفسه، مع أنه فقير صعلوك، فهو يقول: وإني لأُثوي الجوع حتى يملني ... فيذهب لم يدنس ثيابي ولا جرمي وأغتبق الماء القراح فأنتهي ... إذا الزاد أمسى للمزلج ذا طعم أرد شجاع البطن قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم مخافة أن أحيا برغم وذلة ... وللموت خير من حياة على رغمِ١ وقد عاش هؤلاء على المباغتة والغارات، فكانوا يتسترون في المواضع الوعرة، في مفارق الطرق وشعاب الجبال حتى إذا مر بهم مار، ووجدوا أن في إمكانهم الحصول على غنيمة، باغتوه، وأخذوا منه ما هو عنده. وقد يغيرون على الأحياء ليلا، فيأخذون ما يجدونه أمامه، ثم يجرون بسرعة حتى لا يدركهم أحد، ليصلوا إلى مواضع آمنة بعيدة عن التعقيب، مثل الكهوف والمغاور والآكام، يأوون إليها ويعشون بها عيشة الخائف المتشرد الهارب من مجتمعه، الحاقد عليه، لأن في قلبه حقدا عليه، لأنه لم يفهمه ولم يفهم سبب نقمته على مجتمعه. وأكثرهم من الشباب الذين خرجوا على طاعة أوليائهم أو على عرف مجتمعهم، أو عوملوا معاملة أشعرتهم أنها أذلتهم وجرحت كرامتهم، فانفصلوا بذلك عن أهلهم وعشيرتهم أو فصلهم أهلهم عنهم، فلم يبق أمامهم من سبيل سوى التصعلك والتشرد. وكان من هؤلاء مثل "عروة بن الورد" من جمع حوله الصعاليك، ولفّهم حوله، فكان يغزو بالقوي الجسر منهم، فإذا أصابوا مغنما جاءوا به إلى أصحابهم الضعفاء ممن لا يتمكنون أو لا يتجاسرون على الغارة، فيصيبونهم مما أصابوا ويعينونهم بما غنموا، وحياة على مثل هذا الطراز، هي حياة شديدة قاسية ولا شك.

стр. 6513

وقد كانت المرتفعات الصعبة المشرفة على المسالك والطرق الضيقة من أهم الأماكن المحببة إلى نفوس الصعاليك وقطاع الطرق، يجتمعون بالمواضع المشرفة منها على الطرق لمراقبة المارة، من "مرقبة" تخفى معالمها لئلا يراها أو يفطن لوجودها سلاك الطرق، فإذا مروا بها انقضوا عليها منها، وكأنهم هبطوا عليهم من السماء. ونجد لها ذكرا في شعر الصعاليك واللصوص وقطاع الطرق١. وقد اشتهر جبل هذيل بمرقباته، ورد: "والمرقبة جبل كان فيه رقباء هذيل"٢. ونجد في شعر "تأبط شرا" أنه كان يغير على "أهل المواشي" و "أهل الركيب" والحبّ، وعلى "أرباب المخاض"، فعند هؤلاء ما يطمع فيه الفقير الصعلوك من مال وحب يعتاش عليه، ومن نوق حوامل٣. ونرى "الأعلم" الهذلي، يذكر أنه يغزو المترف السمين، الذي يعيش بين الستائر والكنيف، بينما هو وأمثاله لا يملكون شيئا، فإذا هاجموه، خاف وانهدّ كيانه٤. ولهذا صار الساكنون في الأرضين الخصبة والتجار والسابلة من خيرة الأهداف التي كان يترصدها الصعالكة، لعلمهم بوجود شيء عند أصحابها، أكثر مما يجدونه عند الأعراف الضاربين في البوادي النائية المكشوفة. ويطمع الصعاليك أيضا بعضهم في بعض، فالحياة جوع وفقر، والفقر كافر لا يعرف عرف "المهنة" ولا مجاملات الصنف، ثم هم أبناء البادية، ومن طبع البادية، أن يغير أبناؤها بعضهم على بعض، للحصول على لقمة العيش، فكان الصعاليك تبعا لهذه السنة يغير بعضهم على بعض، خاصة إذا كانوا صعاليك متعادية. فكان بين صعاليك هذيل وصعاليك فهم، عداء شديد، وحقد دفين، بسبب العداوة بين الحيين٥، عداوة مرجعها تجاور الحيين، واختلاف مصالحهما الحيوية، وطمع القبيلتين في "بجيلة"، و "بجيلة" في جوار "الطائف"، وهي غير

стр. 6514

بعيدة عن فهم، ولا تبعد منازلها بعدا كبيرا أيضا عن ديار هذيل١. وكان بين "صخر الغي" الهذلي و "تأبط شرا" عداء شديد. وقد سمى "الهذليُّ" "تأبط شرا" بـ "ابن ترني" ازدراء به. ونجد في الشعر الوارد في هجاء الشاعرين بعضهما لبعض لونا طريفا من ألوان هذا الصراع الذي كان يقع بين الصعاليك٢، وهو صراع أسبابه عديدة، صراع متولد من عصبية قبلية، أو من تنافس وتحاسد في الحرفة وعلى الرئاسة والزعامة والصيت والشهرة، أو في طمع كل واحد منهم في الآخر للاستيلاء على ما حصل عليه من مال ليتعيش به. وقد انتشر الصعاليك في كل موضع من جزيرة العرب، ففي كل مكان منها جوع وفقر وصعلكة، حتى صاروا قوة مرعبة مخوفة، لشد بأسهم في القتال، ولمعرفتهم بالمسالك وبمنافذ الطرق وبمداخلها وبأسرار البوادي وخفايا النجاد والجبال، فكانوا أن اتخذوا من الكهوف والمنحدرات والمسترات المشرفة على الأودية والطرق، مواضع رصد واختفاء، يراقبون منها حركات المارة، فإذا وجدوهم دخلوا موضعا صعبا، يمكن حصرهم به، انقضوا عليهم، فأخذوا منهم ما يكون عندهم من متاع هذه الدنيا، ثم هربوا بما غنموا إلى مخابئهم حيث لا يصل إليهم أحد، وإن وجدوا أن السابلة أقوى منهم وأشد بأسا، اتخذوا من الفرار وسيلة للسلامة والنجاة، فلا يلحقهم متعقب، ولايطمع أحد في إصابتهم بمكروه، وهم على علم واسع وخبرة عالية بمجاهل البوادي وبخبايا الأرض وهكذا يكونون في نأي عن التعقيب وفي منجاة من التعقب. ولما سدت السبل في وجه "النعمان بن المنذر" بعد أن غضب كسرى عليه، وأخذ ينتقل من مكان إلى مكان، لجأ إلى "هانئ بن قبيصة" الشيباني، فأجاره وقال: "لزمني ذمامك، وإني مانعك مما أمنع نفسي وأهلي وأن ذلك مهلكي ومهلكك، وعندي رأي لست أشير به لأدفعك عما تريد من مجاورتي، ولكنه الصواب، فقال هاته، قال: إن كل أمر يجمل بالرجل أن يكون عليه، إلا أن يكون بعد الملك سوقة. والموت نازل بكل أحد، ولأن تموت كريما خير من أن تتجرع الذل أو تبقى سوقة بعد الملك. امض إلى صاحبك واحمل عليه هدايا ومالا وألق نفسك بين يديه،

стр. 6515

فإما أن يصفح عنك فعدت ملكا عزيزا، وإما أن يصيبك، فالموت خير من أن تتلعب بك صعاليك العرب ويتخطفك ذئابها"١، وفي نصيحة هانئ للنعمان، وإشارته فيها إلى "صعاليك العرب" دلالة على انتشارهم في كل مكان. وأنهم صاروا خطرا على الأمن، يحسب له كل حساب. ولما خلع "امرؤ القيس"، وصار ضليلا خليعا، "جمع جمعا من حمير وغيرهم من ذؤبان العرب وصعاليكها"٢، وأخذ يغير بهم على أحياء العرب، وما كان "امرؤ القيس" ليجمع جمعهم ويحزبهم حزبه لو لم تكن في نفسه حاجة إليهم، فقد كانوا قوة، وقد صاروا رعبا يخيف الناس، كالذي كان في جبل "تهامة" من تكتل خليط من كنانة ومزينة والحكم والقارة والسودان، من تكتلهم وتحزبهم وأخذهم من كان يمر بالغارة والنهب والسلب، بقوا على ذلك أمدا ثائرين على مجتمعهم، حتى ظهر الإسلام، فكاتبهم الرسول، وأمنهم أنهم أن آمنوا وأقاموا الصلاة، وصدقوا، "فعبدهم حر، ومولاهم محمد، ومن كان منهم من قبيلة لم يردّ إليها، وما كان فيهم من دم أصابوه أو مال أخذوه، فهو لهم، وما كان لهم من دين في الناس رد إليهم، ولا ظلم عليهم ولا عدوان"٣. فهم قوم متمردون ثائرون لايعطون أحدا طاعة، إلا طاعة أنفسهم والمترئس فيهم. ولعل هذا هو الذي حدا بأهل النسب والأخبار أن يقولوا: "والخلعاء: بطن من بني عامر بن صعصعة ... كانوا لا يعطون أحدا طاعة"٤. وهكذا وضع "الصعاليك" أنفسهم في خدمة من يريد استخدامهم لتحقيق أهدافه التي يريدها، مقابل ترضيتهم وإعاشتهم، كما يفعل الجنود المرتزقة هذا اليوم من خدمة الدول الأجنبية، بانضمامهم إلى الفرق الأجنبية، كما هو الحال في "فرنسا" مثلا لاستخدامهم في القتال. وقد جعلت حياة التشرد والغارات والهروب والفرار إلى مواضع بعيدة نائية وفي مجاهل البوادي، الصعاليك من أعلم الناس بدروب جزيرة العرب، وبالمواضع

стр. 6516

الصعبة منها بصورة خاصة. وقد وصف "السليك"، "البعيد الغارة" بأنه "أدل من قطاة"، ونعت الصعاليك جميعا بأنهم "أهدى من القطا"١، وافتخر الصعالكة أنفسهم بأنهم كانوا يعرفون عن خفايا البوادي والجبال ما لا يعرفه أحد غيرهم، وبذلك كانوا ينجون أنفسهم من تعقب المتعقبين لهم٢. ونجد لشذاذ العرب، ذكرا في أخبار الغزو في أخبار الأخذ بالثأر، وفي أخبار من كان يريد الانتقام من أعدائه، فلما غزا "زيد الخيل" الطائي "بني عامر" ومن جاورهم من قبائل العرب من قيس، "جمع طيئا وأخلاطا لهم، وجمعوا من شذاذ العرب"٣. ولما غزا "زهير بن جناب" الكلبي، بكرا وتغلب أخذ "من تجمع له من شذاذ العرب والقبائل" وغيرهم فغزا بهم٤. وقد كان هؤلاء "الشذاذ" على استعداد لوضع أنفسهم في خدمة من يريد استخدامهم في مقابل أجر، أو يتكفل بإعاشتهم وإرزاقهم، أو من يرزقهم غنيمة من غارة يساهمون فيها، فلما أراد "أبو جندب" الهذلي، الأخذ بثأر جارين له قتلهما "بنو لحيان"، قدم مكة، فأخذ جماعة من خلعاء بكر وخزاعة، وخرج بهم على بني لحيان، وكان قد "قدم مكة، فواعد كل خليع وفتك في الحرم أن يأتوه يوم كذا وكذا، فيصيب بهم قومه"، ليثأر لأخيه٥. وكانت مكة على ما يظهر من أخبار أهل الأخبار، مكانا أوى إليه ذؤبان العرب وخلعاؤهم وصعاليكهم، حتى كثر عددهم بها، لما وجدوه فيها من حماية ومعونة، وكان أحدهم إذا جاءها، نادى قريشا نداء النخوة لتؤويه وتجيره، فيقوم أشرافها بحمايته وتقديم الجوار له، ومن هنا نجد الفتاك وأهل الغي والضلال يجوسون خلالها في أمن وسلام، لحرمة المدينة ولحرمة حقوق الجوار، ولعل المصالح الاقتصادية التي كانت تجنيها قريش من هذا الإيواء، كانت السبب الأول في جعل سراتها يقدمون العون والجوار لأولئك الذؤبان الفتاك الذين كانوا لا يتورعون عن الإقدام على أي عمل مهما كان شأنه خطيرا، حتى وإن كان فيه هلاكهم،

стр. 6517

أو جاء بالأذى على من أحسن إليهم وأجارهم، فهم قوم أصابهم طيش وركبهم التمرد والحقد على المجتمع، فهم لا يبالون بارتكاب أية موبقة ولو وقعت منهم في الحرم، فقد كان في وسع تجار قريش تأمين تجارتهم بالإحسان إلى هؤلاء الذين كان في استطاعتهم مهاجمة القوافل ونهب ما معها من أموال، كما كان بإمكانهم استخدامهم حراسا يخرجون مع قوافلهم لحراستها من بقية الصعاليك إلى وصولها إلى الأماكن التي تريدها، كما كان في استطاعتهم الاستفادة من الفتاك في الفتك بمن يناصبهم العداء، وفي القضاء على كل من يريد التحرش بقرشي أو بأموال قريش أو حلفائهم. وبذلك تمكنوا من حماية تجارتهم من الصعاليك ومن الأعراب الذين تمر تجارة قريش بهم، وإن كانت قريش قد أمنت جانبهم أيضا بعقد حبالها مع سادات القبائل بإيلاف عرف بـ "إيلاف قريش" في القرآن الكريم. وكان "البراض"، وهو "رافع بن قيس" وهو من الفتاك، قد لجأ إلى مكة، فحالف "بني سهم" من قريش، فعدا على رجل من هذيل فقتله، فخلعه "العاص بن وائل" فأتى "حرب بن أمية" فحالفه، فعدا على رجل من خزاعة فقتله وهرب إلى اليمن، فخلعه "حرب"، فلما ضاقت به السبل ذهب إلى الحيرة، وطلب من النعمان أن يجير له "لطيمته"، فقال له "الرحال بن عروة": "أنت تجيرها على أهل الشيح والقيصوم؟ وإنما أنت كلب خليع! " فأعطاها "النعمان" إلى "عروة"، فخرج "البراض" في أثره، فلما انتهي إلى "أوارة" قتله وانتهب اللطيمة، فكان بسببه حرب الفجار بين كنانة وقيس١. وبين الصعاليك قوم من "الغربان" "غربان العرب"، وأغربة العرب سودانهم. شبهوا بالأغربة في لونهم، وكلهم سرى إليهم السواد من أمهاتهم٢. تصعلكوا لازدراء قومهم لهم، ولانتقاص أهلهم لشأنهم، وعدم اعتراف آبائهم ببنوتهم لهم، لأنهم أبناء إماء. أو لفقرهم، وظلم المجتمع لهم، وعدهم طبقة مملوكة، هم والحيوان المملوك سواء بسواء. ليس لأحدهم جسمه، ولا أهله ولا نسله، وكل ما يملكه وما يحصل عليه يكون ملك سيده، ومن خالف أمره منهم، جاز لسيده قتله، ولسيده حق الاستمتاع بمملوكته وبجواريه من غير

стр. 6518

قيد ولا شرط. وهذا ما جعل بعض الرقيق يهرب من سيده، فرارا من ظلمه، لينضم إلى الصعاليك، أو ليكون عصابة تلجأ إلى الجبال والكهوف، تهاجم المارة، والأحياء، لتحصل على ما تتعيش به. ولما ظهر أمر الرسول، كتب لجماعة كانوا في جبل تهامة قد غصبوا المارة، وهم خليط من كنانة ومزينة والحكم والقارة، ومن فر من سادته من العبيد، كتابا، فيه أنهم "إن آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فعبدهم حر، ومولاهم محمد، ومن كان منهم من قبيلة لم يرد إليها، وما كان فيهم من دم أصابوه أو مال أخذوه، فهو لهم، وما كان لهم من دين في الناس رد إليهم، ولا ظلم عليهم ولا عدوان"١. وأغربة العرب، أو أغربة الصعاليك بتعبير أصدق، كثيرون، فقد كانت عادة اتصال العرب بالزنجيات منتشرة في الجاهلية، وقد أولدت طبقة من الهجناء امتازت بسرعة العدو وبالشجاعة، وبتحمل المشقات، وكلها من مولدات الظروف. ولكن أشهر أغربة الصعاليك: السليك بن السلكة، وتأبط شرا. وقد جعل "ابن قتيبة" أغربة العرب ثلاثة: عنترة، وخفاف بن عمير الشريدي، والسليك بن عمير السعدي٢، ولكن عددهم أكثر من ذلك بكثير، يدخل فيهم الصعاليك وغيرهم. أما الباقون، فهم من شذاذ العرب، ومن الخلعاء المطرودين المنبوذين، الذين طردوا من أهلهم أو من عشيرتهم وقبيلتهم، وحرموا من "العصبية"، فلا أحد يسأل عنهم، ولا أحد يسأل عن جرائرهم وأعمالهم، فدمهم هدر، ومسئوليتهم على عاتقهم وحدهم. وهم من عشائر مختلفة، فلا ينتسبون إلى نسب واحد، ونسبهم الوحيد الذي يربط بينهم، هو الصعلكة، والتمرد على المجتمع والتشرد في البوادي والهضاب والجبال، ولهذا نجد الصعاليك من مختلف قبائل وعشائر جزيرة العرب، قد يتكتلون في مجموعات تضم صعاليك من قبيلة واحدة، وقد يتكتلون في جماعات مختلفة. وتكون الألفة بين صعاليك القبيلة الواحدة أشد وأقوى من الألفة التي تكون بين صعاليك القبائل المختلفة، لما يكون

стр. 6519

للنسب والدم من أثر في نفوسهم، وإن كفروا بعرف القبيلة وخرجوا على طاعتها. ونجد في شعر شعرائهم إشادة بأخوة "الصنف" و "الحرفة" تحل محل أخوة العشيرة والقبيلة، إذا مات أحدهم وقتل، حزنواعليه، وإن مرض عالجوه، وإن جاع قدموا له ما عندهم من طعام١. وقد يستجير الخليع بمجير، فيقبل جواره، إلى حين أو بغير أجل محدد، أو على شروط، ففي حديث خروج "امرئ القيس" مطالبا بدم أبيه، أنه لجأ إلى "عامر بن جوين" أحد الخلعاء الفتاك، وعامر يومئذ خليع، تبرأ قومه من جرائره وتنصل أهله منه٢، وفي حديث "البراض بن قيس" الكناني وكان خليعا فاتكا سكيرا، لا ينزل بقوم، إلا عمل منكرا فيهم، أنه لجأ إلى بني "الديل"، فشرب وجرّ جريرة، استوجبت خلعه فخلعوه، فأتى مكة، فنزل على حرب بن أمية، فحالفه وأحسن جواره، ثم شرب بمكة وأساء على عادته، حتى هم حرب أن يخلعه٣، وفي حديث "أبي الطمحان" القيني، وكان خليعا فاسقا، متهتكا، لايعرف خلقا ولا أدبا، أنه نزل بمكة في جوار "الزبير بن عبد المطلب"، "وكان ينزل عليه الخلعاء"٤، ونزل "مطرود بن كعب" الخزاعي، في جوار "عبد المطلب"، فحماه وأحسن إليه، وكان قد لجأ إليه لجناية كانت منه٥. ووجد "قيس الحدادية" من يؤويه، مع أنه كان صعلوكا خليعا، عجز هو وأهله عن دفع دية قتيل قتلوه، فخلعته قبيلته خزاعة، فنزل عند بطن من خزاعة، يقال لهم: "عدي بن عمرو بن خالد"، فأحسنوا إليه، كما نزل في بجيلة على "أسد بن كرز" فأحسن إليه والى قومه٦. ولا ينسى بعض الصعاليك ذكر من أحسن إليهم فأكرمهم ورعاهم وحماهم. هذا "أبو الطمحان" القيني، يثني على من آووه وساعدوه حتى صيروه واحدا

стр. 6520

منهم، لا تتحرش به كلابهم، لأنها عرفت ثيابه، وتأكدت أنه واحد منهم، فلا تهر عليه١. وهذا "حاجز" الأزدي، يفخر بانتسابه إلى "بني مخزوم" من قريش، وهم قوم لا يخذلون أحدا إذا استنصر بهم، وجعل حلفه فيهم، إذا أصاب حليفهم مكروه، هرعوا إليه لنجدته، فهم أهل النجدة والكرم٢. وهذا "قيس بن الحدادية" يثني على "آل عمرو بن خالد" أحسن ثناء، ويدعو الله أن يجزيهم خيرا لما فعلوا من حميد الفعال لصعلوك خليع٣. والصعاليك كثيرون، وقد خلدت أسماء جماعة منهم في كتب الأدب والأخبار، أشهرهم وأبزرهم: "عروة بن الورد"، و "الشنفرى"، و "تأبط شرا"، و "السليك بن السلكة"، وآخرون. وللصعاليك بعد قصص في الكتب، وقد بولغ في قصصهم لتؤثر في المسامع، ولتكون لذة للسامعين ومتعة يستمتعون بها أوائل الليل في أوقات سمرهم، وقد رصعت بشعر، على عادة العرب في رواية الأخبار. وفي بعض هذا القصص والشعر أثر الوضع المتعمد، الذي صنع ليمثل الحالة الاجتماعية في ذلك الوقت، حيث كان الأغنياء متخمين بالمال، بينما جيرانهم يموتون جوعا، فكأن هذا القصص قد وضع ليتحدث عن ذلك الوضع. وقد عرف هذاالقصص عند الغربيين كذلك، حيث كان الغنى وكان الفقر، فظهر الصعاليك، وظهر قصصهم وبولغ فيه، وما "روبن هود" الإنكليزي الذي آثر التصعلك وغزو الأغنياء، لإنفاق مايحصل عليه على الفقراء لإعاشتهم، إلا صورة من صور غارة "عروة بن الورد" وأمثاله من الصعاليك، وقد دونت أخبارهم في قصص، وصيغ بعض منها على صورة أشرطة "سينمائية" عرضت ولا تزال تعرض في دور "السينما" وفي "التليفزيون"، لما فيها من بطولة ومروءة ومساعدة ضعفاء واستهتار في الحياة.

стр. 6521

وأما "عروة بن الورد"، فهو من "عبس" وكان شاعرا فارسا وصعلوكا مقدما، عرف بـ "عروة الصعاليك" "لأنه كان يجمع الفقراء في حظيرة فيرزقهم مايغنمه"١. وهو شاعر بدوي قح، وكان أبوه ممن كان له ذكر في حرب داحس والغبراء، وقد مدحه "عنترة"، وكانت أمه من "نهد"، ولم تكن من أهل البيوتات. وكان لشعره أثر في قومه: حتى كانوا يرون أنه أشعر الشعراء٢. وذكر أنه إنما لقب بعروة الصعاليك لقوله: لحى الله صعلوكا إذ جن ليله ... مصافي المشاش آلفا كل مجزر يعدُّ الغنى من دهره كل ليلة ... أصاب قراها من صديق ميسر ينام عشاء ثم يصبح قاعدا ... يحث الحصى عن جنبه المتعفر ولله صعلوك صفيحة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنور مطل على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهر٣ ويظهر من شعر لعروة، أنه كان نحيلا، شاحب الوجه هزيلا، فكانوا يعيرونه بذلك، وكان يجيبهم بقوله: وإني امرؤ عافى إنائي شركة ... وأنت امرؤ عافى إنائك واحد أتهزأ مني أن سمنتَ وأن ترى ... بجسمي شحوب الحلق والحق جاهد أفرق جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسوا قراح الماء والماء بارد٤ ونحيف نحيل شاحب الوجه، لأنه يشرك الآخرين معه في أكله وشربه.

стр. 6522

أما الهازئ به، فهو أناني، لا يشرك أحد معه في أكله، وإناءه واحد، لايأكل به أحد غيره، ولذلك سمن وثخن من التخمة، أما هو، وهو الوهاب فكان يقتر على نفسه، ويجوع، ليأكل غيره أكله، فأصابه من ثم هذا الهزال. فهو إنسان، يقسم ما عنده وما يأتيه على نفسه وعلى غيره، وقد يقدم غيره على نفسه. ومن هنا "كان يقال: من قال إن حاتما أسمح العرب، فقد ظلم عروة بن الورد"١. ويذكرون أنه أصاب في بعض غارته امرأة من كنانة فاتخذها لنفسه، فأولدها، فلقيه قومها، وقالوا: فادنا بصاحبتنا، فإنا نكره أن تكون سبية عندك قال: على شريطة، قالوا: وما هي؟ قال: على أن نخيرها بعد الفداء، فإن اختارت أهلها أقامت فيهم، وإن اختارتني خرجت بها. وكان يرى أنها لا تختار عليه، فأجابوه إلى ذلك، وفادوا بها، فلما خيروها اختارت قومها، وتركته فنظم في ذلك شعرا٢. وذكر أن "معاوية" تذكر "عروة بن الورد"، فقال: "لو كان لعروة بن الورد ولد لأحببت أن أتزوج منهم". وأن "عبد الملك بن مروان" تذكره يوما، فقال: "ما يسرني أن أحدا من العرب ممن ولدني لم يلدني إلا عروة بن الورد لقوله: وإني امرؤ عافى إنائي شركة ... وأنت امرؤ عافى إنائك واحد٣ وهو بيت يمثل خلق هذا الشاعر ومروءته التي أبت عليه ألا يشرك غيره من الضعفاء والمحتاجين فيما يحصل عليه ويناله من المتمكنين بالإكراه والقوة. إناؤه مليء لبنا، حتى يفيض ويكثر، فإن طرقه إنسان وجد اللبن أمامه، يشرب منه وهو شريكه فيه، شريكه في كل شيء عنده قل أو كثر، وهو يفتخر بذلك ويتبجح بإشراكه غيره إنائه على من حرص على ماله، وبخل بما عنده، مثل "قيس بن زهير"، الذي استأثر بما عنده، فلم يعط لمحتاج شيئا منه. فصار

стр. 6523

يسمن وغيره يجوع، على حين كان "عروة" يختار الجوع، ليأكل الجياع، لتعود إليهم القوة والحياة، ولا يبالي هو بنفسه إن جاع، وفي ذلك يقول: وإني امرؤ عافى إنائي شركة ... وأنت امرؤ عافى إنائك واحد أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى ... بوجهي شحوب الحلق والحق جاهد أقسم جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء والماء بارد وكان قد قال هذه الأبيات ردا على أبيات "قيس بن زهير" التي خاطب بها "عروة" بقوله: أذنب علينا شتم عروة خاله ... بغرة أحساء ويوما ببدبد رأيتك ألَّافا بيوت معاشر ... تزال يد في فضل قعب ومرفد١ وللأخفش حديث عن مروءة "عروة" وعن إنسانيته فيقول: "عن ثعلب عن ابن الأعرابي، قال: حدثني أبو فقعس، قال: كان عروة إذا أصابت الناس سنة شديدة تركوا في دارهم المريض والكبير والضعيف؛ وكان عروة يجمع أشباه هؤلاء من دون الناس، من عشيرته في الشدة، ثم يحفر لهم الأسراب، ويكنف عليهم الكنف، ويكسبهم، ومن قويَ منهم، إما مريض يبرأ من مرضه، أو ضعيف تثوب قوته، خرج به معه فأغار، وجعل لأصحابه الباقين في ذلك نصيبا، حتى إذا أخصب الناس وألبنوا، وذهبت السنة، ألحق كل إنسان بأهله، وقسم له نصيبه من غنيمة إن كانوا غنموها، وربما أتى الإنسان منهم أهله وقد استغنى، فلذلك سمي: عروة الصعاليك"٢. ومن هنا عد من أصحاب الكرم والسماحة والسخاء. حتى قيل إن عبد الملك قال: "من زعم أن حاتما أسمح الناس، فقد ظلم عروة بن الورد"٣. وقيل إنه بلغه عن رجل من بني "كنانة بن خزيمة"، أنه من أبخل الناس وأكثرهم مالا، فبعث عليه عيونا، فأتوه بخبره فشد على إبله فاستقاها ثم قسمها في

стр. 6524

قومه. فقال عند ذلك: ما بالثراء يسود كل مسود ... مثر ولكن بالفعال يسود بل لا أكاثر صاحبي في يسره ... وأصد إذ في عيشه تصريد فإذا غنيت فإن جاري نيله ... من نائلي وميسّري معهود وإذا افتقرت فلن أرى متخشعا ... لأخي غنى معروفه مكدود١ فالسيد بفعاله، وأعماله لا بالمال. وهو يقول في شعر له، إن فراشه فراش الضيف، وأن بيته بيت للضيوف، ويجالس الضيف ويحادثه، فالحديث جزء من القرى: فراشي فراش الضيف والبيت بيته ... ولم يلهني عنه غزال مقنع أحدثه إن الحديث من القرى ... وتعلم نفسي أنه سوف يهجع وفي خبر آخر، أن سنين شديدة أصابت الناس فأهلكتهم، وترك الناس الغزو لجدوبة الأرض، وكان عروة في تلك السنين غائبا، فرجع مخفقا، قد ذهبت إبله وخيله، وجاء "الكنيف"، أي الحظيرة والمأوى، فوجد أصحابه وقد سقطوا من الإعياء والشدة، فندب منهم رهطا، فنحر لهم بعيرا، وحملوا سلاحهم على بعير آخر، وقدد لهم بعيرا، فوزعه بينهم. وخرج بهم غازيا يلتمس الرزق. وهو يقول لهم: إن أصبنا رغبة فذلك الذي نريد، وإن رجعنا خائبين، كنا معذورين. قد أدينا ما علينا، ولن نقعد عن الطلب. فهو يحثهم على الرزق والطلب، دون تفكير في نجاح أو فشل، فالحياة: نجاح وفشل، ومن فشل، عليه المواظبة حتى ينجح ويستعيد قواه، وذلك قوله: وقلت لقوم في الكنيف تروحوا ... عشية بتنا عند ماوان رزح٢ إلى آخر الأبيات: وهو يصف في أبيات حالة الفقير وما يلقى من ظلم، وحالة الغني وما يلقاه

стр. 6525

من إجلال. فيقول: دعيني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرهم الفقير وأبعدهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له حسب وخير ويقصيه النديُّ وتزدريه ... حليلته وينهره الصغير ويلفى ذو الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد صاحبه يطير وله شعر يحث فيه الناس على السير في البلاد، التماسا للزرق، لأن من لم يطلب معاشا لنفسه، وقعد في داره دون أن يعمل شكا الفقر، وصار كلا على غيره، حتى على ذوي قرباه، فيقول: إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا وصار على الأدنين كلا وأوشكت ... صلات ذوي القربي له أن تنكرا وما طالب الحاجات من كل جهة ... من الناس إلا من أجد وشمرا فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا٢ ومن شعره في المال والورثة قوله: متى ما يجئ يوما إلى المال وارثي ... يجد جمع كف غير ملأى ولا صفر يجد فرسا مثل القناة وصارما ... حساما إذا ما هز لم يرض بالهبر٣ ويقول في شعر آخر: أليس ورائي أن أدب على العصا ... فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي رهينة قعر البيت كل عشية ... يطيف بي الولدان أهوج كالرأل يعني: أليس ورائي إن سالمت الناس، وتركت مخاطر التصعلك، أن يلحقني الكبر فأهون ويضجر مني أهلى٤. فهو يعتذر بذلك عن التصعلك واتخاذه الصعلكة حرفة له.

стр. 6526

وقد زعم أن "عبد الله بن جعفر بن أبي طالب"، قال لمعلم ولده: لا تروهم قصيدة عروة التي يقول فيها: دعيني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرهم الفقير ويقول: هذا يدعوهم إلى الاغتراب عن أوطانهم"١. وهو يرى أن الموت خير للفتي من حياته فقيرا. وأن الأقارب إذا ضنواعليه ولم يساعدوه، فعليه بالرحيل عنهم، والتماس الفجاج فإنها عريضة، إذا ضاقت عليه السبل. وهو لا يترك إخوانه أبدا ما عاش، كما أن الإنسان لا يتمكن من ترك شرب الماء: إذا المرء لم يبعث سواما ولم يرح ... عليه ولم تعطف عليه أقاربه فللموت خير للفتى من حياته ... فقيرا ومن مولى تدب عقاربه وسائله أين الرحيل وسائل ... ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه مذاهبه أن الفجاج عريضة ... إذا ضن عنه بالفعال أقاربه فلا أترك الإخوان ما عشت للردى ... كما أنه لا يترك الماء شاربه٢ وهو يحث على المخاطرة بالنفس، فإن القعود مع العيال قبيح، حث عليها في أبيات نسبت إليه، وقيل إنها ليست له، بل هي للنمر بن تولب، هذا نصها: قالت تماضر إذ رأت مالي خوى ... وجفا الأقارب فالفؤاد قريح ما لي رأيتك في الندى منكسا ... وصبا كأنك في النديّ نطيح خاطر بنفسك كي تصيب غنيمة ... إن القعود مع العيال قبيح المال فيه مهابة وتجلة ... والفقر فيه مذلة وفضوح٣ والصعلوك الخامل، القعود الذي يعين نساء الحي، ولا يستعمل سيفه للحصول على رزقه، هو خليق أن يكون ممن يهان ويزدرى، والصعلوك العامل النشط،

стр. 6527

هو الرجل الذي يستحق الحياة، ويصلح أن يكون أنموذجا للرجال، صحيفة وجهه كضوء شهاب القابس المتنور، مطلا على أعدائه، يهابونه ولا يستطيعون الاقتراب منه، إن لقي منيته لقيها حميدا، وإن عاش واستغنى فنعمة كبرى، ينفق منها على من يحتاج إليه من الناس١. وتراه يقول في أبيات أخرى: إذا آذاك مالك فامتهنه ... لجادية وإن قرع المراح وإن أخنى عليك فلم تجده ... فنبت الأرض والماء القراح فرغم العيش إلف فناء قوم ... وإن آسوك والموت الرواح٢ ومعناه: لاتبخل بمالك، ولا تحرص عليه، أعط منه السائل والمحروم والمحتاج، ولا تخش الفقر، فإن أخنى عليك، وقل مالك، وتركك الأصحاب فلا تيأس ولا تخنع لأحد، ولا تجزع، ففي الأرض رزق لكل أحد، ومتسع لكل نفس، وإن كان ذلك نبات الأرض وماؤها، ولا تهن نفسك، وتذل كرامتك، فتعيش على موائد غيرك، من اللؤماء الحقراء، فأكلك منهم، هو الموت الرواح، بل هو شر من الموت، فلا تقرب موائد أصحاب المنة، وإن آسوك وساعدوك، فمؤاساتهم كاذبة، عن مظاهر ونفاق. وفي أبيات شعر، يذكر"عروة" "أصحاب الكنيف" والتواءهم عليه، وكيف تمردوا عليه، مع فضله عليهم، وإشراكه لهم في كل ما كان يكسبه ويغنمه، فيقول: ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم ... كما الناس لما أخصبوا وتموّلوا وإني لمدفوع إليّ ولاؤهم ... بماوان إذ نمشي وإذ نتملل وإذ ما يريح الحي هرماء جونة ... ينوس عليها رحلها ما يحلل موقعة الصفقين حدباء شارف ... تقيد أحيانا لديهم وترحل عليها من الولدان ما قد رأيتم ... وتمشي بجنبيها أرامل عيل

стр. 6528

وقلت لها يا أم بيضاء فتية ... طعامهم من القدور المعجل مضيغ من النيب المسان ومسخن ... من الماء نعلوه بآخر من عل بديمومة ما إن تكاد ترى بها ... من الظمأ الكوم الجلاد تنول تنكر آيات البلاد لمالك ... وأيقن أن لا شيء فيها يُقوَّل١ وهي أبيات، تعبر عن مرارة نفسه، وعن ألمه مما لاقاه من أصحاب الكنيف، مع أفضاله عليهم، وتقديمه لهم على نفسه، وهو يواسي نفسه فيها، فيقول إنهم ناس، ومن شأن الناس أنهم إذا أخصبوا وتمولوا وتحسنت أحوالهم، تنكروا لمن كان صاحب الفضل عليهم، وتجاهلوا كل ما قام به من صنيع نحوهم. أخرجتهم وأجسامهم هزال من شدة الجهد، لا يقدرون على المشي من شدة الضعف من الجوع، وقمت بأمرهم، حتى إذا قووا، ودنوا من بلادهم وعشائرهم، وأقبلت أقسم فيهم ما غنمته من إبل، فأعطيتهم بالتساوي، وأخذت لنفسي نصيب أحدهم، تنكروا لي وصاروا كالأباعد، ليس لهم شكر، خاصموه عارضوه. وكان من شأنهم: أنه خرج مع صعاليكه يبحثون عن غنائم، حتى نزل أرض "بني القين"، فأقام مع أصحابه يوما عند موضع ماء، بانتظار مجيء الرعاة لإسقاء إبلهم، ثم ورد عليهم فصيل، فقالوا: دعنا فلنأخذه، فلنأكل منه يوما أو يومين، فقال: إنكم إذن تنفرون أهله، وإن بعده إبلا. فتركوه ثم ندمواعلى تركه، وجعلوا يلومون عروة على الجوع الذي جهدهم. ثم وردت إبل بعده بخمس، فيها ظعينة ورجل، والإبل مائة، فخرج "عروة" ورمى صاحبها في ظهره بسهم، فخر ميتا، واستاق عروة الإبل والظعينة٢. وأتى بالإبل الكنيف فجعل يحلبها لهم، ثم حملهم حتى إذا دنوا من بلادهم وعشائرهم، أقبل يقسمها فيهم، وأخذ مثل نصيب أحدهم، واستخلص المرأة لنفسه، فقالوا: لا والله لا نرضى حتى تجعل المرأة نصيبا فمن شاء أخذها من سهمه، فجعل عروة يهم أن يحمل عليهم فيقتلهم وينزع ما معهم، ثم يتذكر صنيعه بهم، وأنه إن فعل ذلك أفسد ما كان صنع، ففكر طويلا ثم أجابهم إلى أن يرد عليهم الإبل إلا راحلة يحمل عليها امرأته، فأبوا إلا أن يجعلوا الراحلة لهم،

стр. 6529

فانتدب رجل منهم فجعل الراحلة من نصيبه وأفقرها عروة، أي منحها إياه منيحة إذا استغنى عنها ردها؛ فقال عروة يذكر أصحاب الكنيف والتواءهم عليه تلك الأبيات المتقدمة١. فهو في الأبيات المتقدمة يذكر أن الإنسان ذليل كسير ما دام فقيرا، يتقرب إلى القوي ويتبصبص له، ويتظاهر بحبه وإخلاصه له، فإذا نال حاجته، أو اغتنى تبطر على من كان محتاجا إليه، وتعاظم عليه، ونال منه. وقد عرف "عروة" بـ "أبي الصعاليك" قيل إن الناس كانوا إذا أصابتهم السنة أتوه "فجلسوا أمام بيته حتى إذا بصروا به صرخوا وقالوا: يا أبا الصعاليك، أغثنا". فيخرج ليغزو بهم٢. وقد كان يعد صعاليكه "عياله"٣، وكان يرعاهم ويحدب عليهم حدب الوالد على عياله، ويخرج بالقوي منهم للغزو، بحثا عن غنيمة ينالها لإشباع أتباعه الجياع الصعاليك، بمال غني جمع غناه بالعقوق وبالبخل، لأنه لا يرضى أن يرى إخوانا له يهلكون من الجوع، ثم لا يجد ما يقدمه لهم لسد رمقهم٤، وهو يطوف لذلك في البلاد باحثا عن غني ينفق منه على المعوزين وذوي الحاجات. وشر الناس في هذه الدنيا الفقير، يباعده القريب لفقره، وتزدريه حليلته، ولا يحترمه أحد؛ بينما يعظم الغني ويحترم، لا لسبب إلا لماله ولغناه، ذنبه قليل في نظر الناس، لأنه غني، وللغني رب غفور: ذريني للغنى أسعى فإني ... رأيت الناس شرهم الفقير وأدناهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له حسب وخير يباعده القريب وتزدريه ... حليلته ويقهره الصغير ويلقى ذو الغنى وله جلال ... يكاد فؤاد لاقيه يطير قليل ذنبه والذنب جم ... ولكن للغنى رب غفور٥

стр. 6530

وفي قصيدته: لحا الله صعلوكا إذا جن ليله ... مصافي المشاش آلفا كل مجزر يعد الغنى من دهره كل ليلة ... أصاب قراها من صديق ميسر ينام عشاء ثم يصبح طاويا ... يحبُّ الحصى عن جنبه المتعفر قليل التماس الزاد إلا لنفسه ... إذا هو أمسى كالعريش المجور يعين نساء الحي ما يستعنَّه ... فيمسي طليحا كالبعير المحسر ولكن صعلوكا صحيفة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنور مطلا على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهر فإن يعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوف أهل الغائب المتنظر فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميدا وإن يستغن يوما فأجدر١ معان سامية، تعبر عن نفسية إنسانية، وعن عطف على الفقير والمحتاج والنساء "وصف فيها فضيلة الفقير الحر الباسل وذم الذي يستأجر شغله"٢. وفي شعر "عروة" إشارة إلى الموت، فهو يرى أن الحياة أجل، وأن الإنسان غير خالد في هذه الدنيا، حياته قصيرة، ثم يكون أحاديث للناس. إذا جاء أجله خرجت منه هامة تعلو كل نشز: أحاديث تبقى والفتى غير خالد ... إذا هو أمسى هامة فوق صير تجاوب أحجار الكناس وتشتكي ... إلى كل معروف رأته ومنكر ثم تجاوب هذه الهامة أحجار الكناس، وتشتكي إلى كل معروف تراه ومنكر. أي تصوت في كل حال إذا رأت من تعرف ومن تنكر٣. والموت ملازم للإنسان، وهو ثغر كل ثنية، ولامفر منه: وأن المنايا ثغر كل ثنية ... فهل ذاك عما يبتغي القوم محصر وغبراء مخشي رداها مخوفة ... أخوها بأسباب المنايا مغرر٤

стр. 6531

وقد نسبت له قصيدة مطلعها: لحا الله صعلوكا مناه وهمّه ... من الدهر أن يلقى لبوسا ومطعما ينام الضحى حتى إذا الليل جنّه ... تبين مسلوب الفؤاد مورما ولكن صعلوكا يساور همه ... ويمضي على الهيجاء ليثا مصمما فذلك إن يلق الكريهة يلقها ... حميدا وإن يستغن يوما فربما وقد ذهب بعضهم إلى أن هذه القصيدة لحاتم الطائي، لأن قصيدة عروة رائية، وليست هذه، ولحاتم قصيدة على هذا الروي، وليس فيها هذه الأبيات، وفيها ما يشبهها، وهو: وليل بهيم قد تسربلت هوله ... إذا الليل بالنكس الضعيف تجهما ولن يكسب الصعلوك مالا ولا غنى ... إذا هو لم يركب من الأمر معظما يرى الخمص تعذيبا وإن يلق شبعة ... يبت قلبه من قلة الهم مبهما ولكن صعلوكا يساور همه ... ويمضي على الأيام والدهر مقدما يرى رمحه ونبله ومجنه ... وذا شطب بين المهذة مخذما وإحناء سرج قاتر ولجامه ... معدا لدى الهيجاء طرفا مسوما فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن يحي لا يقعد ضعيفا ملوما١ وفي كتاب "ذيل الأمالي والنوادر" للقالي، أبيات على هذا النمط غير معزوة لقائلها، أوردها على أثر تحدثه عن "الشيظم بن الحارث الغساني"، وكان قد قتل رجلا من قومه، فخافهم، فلحق بالحيرة متنكرا، وكان من أهل بيت الملك، فكان يتكفف الناس نهاره ويأوي إلى خربة من خراب الحيرة، فبينما هو ذات يوم في تطوافه إذ سمع قائلا يقول: لحا الله صعلوكا إذا نال مذقة ... توسد إحدى ساعديه فهوما مقيما بدار الهون غير مناكر ... إذا ضيم أغضى جفنه ثم برشما يلوذ بأذراء المثاريب طامعا ... يرى المنع والتعبيس من حيث يمما يضن بنفس كدر البؤس عيشها ... وجود بها لو صانها كان أحزما

стр. 6532

فذاك الذي إن عاش عاش بذلة ... وإن مات لم يشهد له الناس مأتما بأرضك فاعرك جلد جنبك إنني ... رأيت غريب القوم لحما موضما فهي أبيات في المعاني المتقدمة، لم يعرف اسم صاحبها١. وهو يزجر امرأته سلمى لأنها تلومه على غاراته وغزواته، لما تخشاه عليه من الوقوع في المهالك، ومن ملاقاته حتفه. ويقول لها: إنه إنما يجازف ويخاطر في سبيلها، حتى يغينها فلا تذل بعده أو تستجدي أحدا، ثم إن عليه حق الوفاء لأقاربه وللضعفاء ولإخوانه الصعاليك الذين يلوذون به، فعليه مساعدتهم، وهو لا يتمكن من تقديم المساعدات لهم، إلا بهذه الغارات٢. وروي أن "عروة" كان يتردد على "بني النضير" فيستقرضهم إذا احتاج ويبيع منهم إذا غنم، فرأوا عنده "سلمى" فأعجبتهم، فسألوه أن يبيعها منهم فأبى، فسقوه الخمر، واحتالوا عليه حتى ابتاعوها منه وأشهدوا عليه، وفي ذلك يقول: سقوني الخمر ثم تكنّفوني ... عداة الله من كذب وزور وروي أيضا أن قومها افتدوها منه وكان يظن أنها لا تختار عليه أحدا ولا تفارقه، فاختارت قومها فندم وكان له بنون منها، ثم تزوجها بعده رجل من بني النضير. وفيها يقول عروة: أرقت وصحبتي بمضيق عمق ... لبرق في تهامة مستطير وهي قصيدة أشار فيها إلى "سلمى"، ومفارقتها له، عند "بني النضير"، حيث يقول: وآخر معهد من أم وهب ... معرسنا فويق بني النضير وفي هذه القصيدة البيت المتقدم، الذي يشير إلى أنهم سقوه الخمر، واحتالوا عليه، حتى ابتاعوها منه٣.

стр. 6533

وقد أشار "عروة" في شعر ينسب إليه إلى "التعشير"، وهو أن ينهق الإنسان عشر مرات إذا أراد دخول "خيبر" لكي لا تصيبه الحمى. فقال: وقالوا احب وانهق لا تضيرك خيبر ... وذلك من دين اليهود ولوع لعمري لئن عشرت من خشية الردى ... نهاق الحمير إنني لجزوع١ وقد رفض عروة ذلك، وسخر من هذه الخرافة. قال "الجاحظ": وكانوا إذا دخل أحدهم قرية خاف من جن أهلها، ومن وباء الحاضرة، أشد الخوف، إلا أن يقف على باب القرية فيعشر كما يعشر الحمار في نهيقه، ويعلق عليه كعب أرنب. ولذلك قال قائلهم: ولا ينفع التعشير في جنب جرمة ... ولا دعدع يغني ولا كعب أرنب وقد قال عروة بن الورد، في التعشير، حين دخل المدينة فقيل له: إن لم تعشر هلكت: لعمري لئن عشرت من خيفة الردى ... نهاق الحمير إنني لجزوع٢ ولعروة شعر في يوم "ساحوق"، وهو يوم لبني ذبيان على "بني عامر"، إذ يقول: ونحن صبحنا عامرا في ديارها ... علالة أرماح وعضبا مذكَّرا بكل رقيق الشفرتين مهند ... ولدن من الخطي قد طر أسمرا عجبت لهم إذ يخنقون نفوسَهم ... ومقتلهم عند الوغى كان أغدرا يشد الحليم منهم عقد حبله ... ألا إنما يأتي الذي كان حُذِّرا أي أنهم كانوا ذوي غدر بين، لو أنهم جاهدوا في الحرب وقتلوا، أما الآن فلا عذر لهم بين الرجال في خنقهم أنفسهم. وكان "الحكم بن الطفيل" وأصحابه قد خنقوا أنفسهم، بشد الحبل حول العنق٣، وذلك تحت شجرة بالمروراة،

стр. 6534

خشية الوقوع في الأسر. و "الحكم بن الطفيل" هو أخو "عامر بن الطفيل"، وقد عرف يوم "المروارة" بيوم "التخانق"١. وقد عدت قصيدته التي تبدأ بـ: أقلي علي اللوم يا ابنة منذر ... ونامي فإن لم تشتهي النوم فاسهري من القصائد "المنتقيات"٢. وأما شعر "عروة"، فقد عد أشعر شعر "بني عبس" في رأي أبناء قبيلته. روي أن "عمر بن الخطاب" قال للحطيئة: كم كنتم في حربكم؟ قال: كنا ألف حازم. قال: وكيف؟ قال: فينا قيس بن زهير، وكان حازما وكنا لا نعصبه، وكنا نقدم بإقدام عنترة، ونأتم بشعر عروة بن الورد، وننقاد لأمر الربيع بن زياد"٣. ويرى "بروكلمان"، أنه كان بدويًّا قُحًّا، رويت له أشعار أكثر مما روى لتأبط شرا والشنفرى، لكنه كان دونهما في تصوير حياة الجاهلية٤. ولعروة ديوان برواية "ابن السكيت" "٢٤٣هـ" "٢٤٤هـ"، طبع جملة طبعات. وقد ترجم إلى الألمانية والفرنسية٥، وقد جمع "الأصمعي" شعره في ديوان لم يصل إلينا٦. وفي شعر عروة شعر مصنوع، وضع عليه، وفيه كما رأينا ما ليس له، وقد نسبه بعض العلماء إلى غيره، ونجد في شعره شعرا يمثل طبيعة مجتمع حضري غلبت عليه التفرقة الطبقية، فيه غنى حضر، وفقر أهل مدن، يظهر أنه وضع على لسانه حكاية عن وضع الناس في ذلك الوقت، خشية ناظمه من تعرض الحكام

стр. 6535

أو الأغنياء له بسوء، فيما لو نشره باسمه، فآثر نظمه باسم "عروة". و"الشنفرى"، وهو "ثابت بن أوس" الأزدي، وقيل بل "الشنفرى" اسمه لا لقب، وقيل: بل هو: "عمرو بن مالك" الأزدي، وقيل "عمرو بن براق"، وقيل غير ذلك، من "بني الأواس بن الحجر بن الهنء بن الأزد"١، من اليمانية في عرف أهل النسب. وهو من الصعاليك. ومن العدائين. وكان من المرافقين للشاعر "تأبط شرا" في كثير من غزواته. وكان أكبر منه سنًّا، وتوفي قبله. وذكر أنه حلف يمينا أن يقتل من "بني سلامان" مائة رجل فقتل تسعة وتسعين، فأمسك به رجل عداء، هو "أسيد بن جابر" وهو عداء من العدائين وقتله. فمر به رجل من بني سلامان فركل جمجمته، فدخلت شظية منها في رجله فمات. فوفى الشنفرى بقسمه، وأتم العدد وهو ميت٢. ويلاحظ أن أهل الأخبار يزعمون أن "عمرو بن هند" كان قد حلف يمينا أن يقتل من "بني دارم" مائة رجل، وأن يلقي بهم في النار، فسار إليهم فقتل تسعة وتسعين وأحرقهم بالنار، وبقي عليه أن يبر بقسمه بقتل واحد آخر منهم حتى يكمل العدد، فمر رجل من البراجم شم رائحة حريق القتلى، فحسبه قتار الشواء، فمال إليه، فلما رآه "عمرو"، قال له: ممن أنت؟ قال: رجل من البراجم، فقال: إن الشقي وافد البراجم، وأمر فقتل وألقي في النار. فبرت به يمينه٣. وقد يكون للقصتين ولقصص آخر من هذا النوع علاقة بطقوس أو بأساطير جاهلية قديمة، تجعل الأبطال، ينذرون نذورا تختلف عن نذور سائر الناس، هي قتل مائة نفس قربى إلى الآلهة، بدلا من تقديم الضحايا من الحيوانات. وكان "الشنفرى" يحقد على "بني سلامان" حقدا شديدا، وسبب حقده عليهم، أنه كان قد وقع أسيرا وهو صبي في "بني شبابة بن فهم"، فانتمى

стр. 6536

إليهم، ثم وقع أحد "بني شبابة" أسيرا في "بني سلامان بن مفرج" من الأزد، ففدى "بنو شبابة" الأسير به. فصار "الشنفرى" فيهم، وحسب منهم، ثم إنه أراد الزواج من ابنة رجل منهم، فرده والدها ردا عنيفا، أثر فيه، فعاد إلى "بني فهم"، وأخذ يغير على "بنى سلامان" للإهانة التي لحقته من الرجل، والتي كانت سبب صعلكته١. ويروى أن الشنفرى أغار مع "تأبط شرا" و "عمرو بن براق" على "بجيلة"، فوجدوا بجيلة قد أقعدوا لهم على الماء راصدا، وقد علم "تأبط شرا" أنهم يريدونه، فتآمر مع الشنفرى وعمرو بن براق، على إنقاذه إن وقع في أيديهم، فلما جاء الماء قبضوا عليه، فعمد الشنفرى وابن براق إلى حيلة كانوا قد اتفقوا عليها لغش بجيلة، فأنقذوه، وهربوا ساخرين من بجيلة التي خدعت بها٢. وللعرب قصص ترويه عن بساطة "بجيلة"، وسرعة انخداعها بالحيل. وهو كما سبق أن ذكرت، أحد أغربة العرب، ويظهر أن الملامح الإفريقية كانت بارزة عليه، بدليل تلقيبه بالشنفرى، و"الشنفرى" الغليظ الشفاه، ويظهر أنه أخذ ملامحه من أمه السوداء. وأخباره متناقضة متضاربة، يظهر منها أن أباه قد قتله قاتل من "الأزد"، قتله "حرام بن جابر"، وكان قد قدم "منى" فقيل له: هذا قاتل أبيك، فشد عليه فقتله٣. فحقد على قتلة أبيه، وقرر الانتقام منهم شر انتقام، وأن لا يكف عنهم ما دام حيًّا، فكان يكثر من الغارة عليهم، يغير مع من معه من صعاليك، وقد يغير عليهم وحده٤. ويروى في قتله، أنه قتل من "بني سلامان بن مفرج" تسعة وتسعين رجلا، فأقعدت له رجالا يرصدونه، فلما دنا من ماء ليشرب، قبض عليه رجلان من "بني البقوم" من الأزد، فقبضا عليه، وأصبحا به في "بني سلامان". فربطوه إلى شجرة، فقالوا: قف أنشدنا، فقال الإنشاد على حين المسرة، ثم قال:

стр. 6537

فلا تدفنوني إن دفني محرم ... عليكم ولكن خامري أم عامر إذا حملوا رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثم سائري هنالك لا أرجو حياة تسرني ... سمير الليالي مبسلا بالجرائر١ وذكر "المرتضى" أن هناك من نسب هذا الشعر إلى تأبط شرا٢. وقد نسبه "الجاحظ" إلى "تأبط شرا"، إذ قال: "وقال تأبط شرا: فلا تقبروني إن قبري محرم ... عليكم ولكن خامري أم عامر إذا ضربوا رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثم سائري هنالك لا أبغي حياة تسرني ... سمير الليالي مبسلا بالجرائر٣ ويختلف نص هذا الشعر بعض الاختلاف عن النصوص الأخرى٤. ويذكر لما وقع بأيدي أعدائه، تفننوا في قتله، وأروه أصناف العذاب. قطعوا يده، وصاروا يسخرون منه، ويسألونه أين يدفنونه. فرد عليهم بمقطوعة رائعة، كما رثا يده بأرجوزة لما قطعوها، وقد ذكر أنه طلب منهم ألا يدفن، وإنما يلقى بجسده إلى الضباع. وروي أن رجلا من "بني سلامان" رماه بسهم في عينه فقتله، فقال "جزء بن الحارث" في قتله: لعمرك للساعي أسيد بن جابر ... أحق بها منكم بني عقب الكلب٦

стр. 6538

وقد ضاع أكثر شعر "الشنفرى". وقد طبعت لاميته، وللعلماء شروح وبحوث عليها. وهي في الفخر والحماسة، ولم يعرف كثير من قدماء علماء الشعر القديم هذه اللامية، ومن بينهم مؤلف كتاب "الأغاني". وقد تعرض "القالي" لموضوع "اللامية"، فقال: "حدثني أبو بكر بن دريد: أن القصيدة المنسوبة إلى الشنفرى التي أولها: أقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل له، وهي من المقدمات في الحسن والفصاحة والطول، فكان أقدر الناس على قافية"١. ويعود الضمير "له" إلى خلف الأحمر. أي أن القصيدة هي من صنعه وعمله. وعدة القصيدة ثمانية وستون بيتا. وممن شرحها: الخطيب التبريزي، والزمخشري، وابن الشجري، وابن أكرم وغيرهم٢. وقد ورد في "تأريخ الآداب العربية" لكارلو نالينو: "أما الشنفرى الأزدي فصاحب اللامية المشهورة التي يفتخر فيها بانفراده من قومه ووحشة عيشه في البراري كأنه لم يعاشر إلا السباع. وهي قصيدة غاية في الجمال تنطق بلسان حال الشاعر وإن كان بعض النحويين يزعمون أنها من مصنوعات حماد الراوية المتوفى سنة ١٥٥"٣. وفي قوله: "وإن كان بعض النحويين يزعمون أنها من مصنوعات حماد الرواية" وهم، لا أدري أوقع منه، أم من الترجمة، لأن غالبية العلماء تنسبها إلى خلف الأحمر، لا إلى حماد. كما أن وفاته كانت سنة "١٥٦هـ"٤. وقد ذهب بعض المستشرقين الذين بحثوا أمر هذه القصيدة، إلى أن القصائد التي نحلها "خلف الأحمر" احتفظت دائما بعمود الشعر القديم وطابعه، أما هذه القصيدة، فلها طابع خاص يجعل من الصعب تصور صدورها من "خلف الأحمر"٥.

стр. 6539

وذهب بعض آخر إلى جواز كونها من نظم "الشنفرى"١، وذكر أنها من مصنوعات "حماد" الراوية٢. وفي "المفضليات" قصيدة طويلة له، هي قصيدة تائية، ومقطعات، وفي قصيدته وصف لحياته ولبعض غاراته، وكيف كان يقود صعاليكه في طرق وعرة، وهم على أرجلهم، ثم يصف حاله، فهي قصيدة فيها بعض تأريخ هذا الشاعر وقصص غزوه وتعامله مع رفاقه٣. وقد طبع الأستاذ "عبد العزيز الميمني"، ديوان الشنفرى في "الطرائف الأدبية"٤، وتوجد أشعاره أيضا في "ديوان الهذليين"٥. وقد كان عند العيني ديوان للشنفرى في جملة دواوين عديدة كانت في حوزته٦. وقد كتب عدد من المستشرقين عن الشنفرى وشعره بمختلف اللغات٧. وأما "تأبط شرا"، وهو "ثابت بن جابر بن سفيان"، وقيل "ثابت بن عمسل" فهو من فهم، وكان من أغربه العرب، لأن أمه أمة سوداء. وكان من العدائين المعروفين عند العرب. وله أخبار كثيرة في ذلك، وله مغامرات تحمل طابع القصص والأساطير. وله قصيدة في وصف "الغول" ذكر فيها كيف طير بسيفه قحف ابنة الجن٨. وكان أحد رآبيل العرب. وذكر علماء اللغة أن الرئبال هو الذي ولدته أمه وحده٩، وبه سميت رآبيل العرب، ومن السباع الكثير اللحم الحديث السن، والذئب الخبيث، وترأبلوا: تلصصوا أو أغاروا على الناس

стр. 6540

وفعلوا فعل الأسد، أو غزوا على أرجلهم وحدهم بلا وال عليهم١. وهذا المعنى هو أقرب المعاني وأقرب إلى الصحة في تفسير "رآبيل العرب". فهم الصعاليك الذين نبحث عنهم. ويظهر أن أباه مات وهو صغير، وأن أمه التي كانت أمة سوداء على أغلب الروايات، أو أمة حرة في رواية، تزوجت الشاعر "أبا كبير" الهذلي، وهو من الصعاليك، من صعاليك هذيل، وأن أبناء قبيلته كانوا يعيرونه بسواده، مما ترك أثرا في نفسه، فتصعلك، وأخذ يرافق الصعالكة، ومنهم صعلوك شهير آخر، هو "الشنفرى" الذي رافقه في كثير من غزواته. وقد نعت "تأبط شرا" بأنه كان شاعرا بئيسا، يغزو على رجليه٢. ومما يروى من قصصه أنه كان يشتار عسلا من جبل ليس له غير طريق واحد، فأخذت لحيان عليه ذلك الموضع، وخيروه النزول على حكمهم أو إلقاء نفسه من الموضع الذي ظنوا أنه لا يسلم، فصب العسل الذي معه على الصفا وشد صدره على الزق ثم لصق على العسل، فلم يبرح ينزلق عليه حتى نزل سالما، فنظم في ذلك قصيدة مطلعها: إذا المرء لم يحتل وقد جد جده ... أضاع وقاسى أمره وهو مدبر٣ ولعلماء الشعر قصص في تفسير تسمية هذا الشاعر بـ "تأبط شرا"، فزعم بعض منهم أنه "إنما سمي تأبط شرا لأنه أخذا سيفا وخرج، فقيل لأمه أين هو؟ قالت: لا أدري، تأبط شرا وخرج. وقيل أخذ سكينا تحت إبطه وخرج إلى نادي قومه فوجأ بعضهم، فقيل تأبط شرا. وزعم بعض آخر أن أم تأبط شرا قالت له يوما: إن الغلمان يجنون لأهلهم الكمأة فهلا فعلت كفعلهم، فأخذ جرابه ومضى فملأه أفاعي وأتى متأبطا به، فألقاه بين يديها فخرجت الأفاعي منه

стр. 6541

تسعى فولت هاربة. فقال لها نساء الحي: ما الذي كان ابنك متأبطا له؟ فقالت: تأبط شرا! وقيل: إنه رأى كبشا في الصحراء فاحتمله تحت أبطه، فجعل يبول عليه طول طريقه، فلما قرب من الحي ثقل عليه الكبش، فرمى به، فإذا هو الغول. فقال له قومه: ما كنت متأبطا يا ثابت؟ قال: الغول. قالوا: لقد تأبطت شرا، فسمي بذلك. وإنه قال في ذلك: تأبط شرا ثم راح أو اغتدى ... يوائم غنما أو يشيف على ذحل وقيل سمّي بهذا البيت. قال رجل لتأبط شرا: "بم تغلب الرجال وأنت دميم ضئيل؟ قال: باسمي، إنما أقول ساعة ما ألقى الرجل: أنا تأبط شرا، فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت"١. وقيل إنما سمي "تأبط شرا"، لأن أمه رأته وقد تأبط جفير سهام وأخذ قوسا، فقالت له: هذا تأبط شرا، أو تأبط سكينا فأتى ناديهم فوجأ بعضهم، فسمي به لذلك، وكان لا يفارقه سيفه. قتلته هذيل في رواية، وقالت أخته ترثيه: نعم الفتى غادرتم برخمان ... بثابت بن جابر بن سنان وكانت تسمى "ريطة". وذكر أن أمه هي التي رثته. وقد ذكر في أشعار هذيل٢. وكان سبب قتله، أنه خرج غازيا في نفر من قومه، إذ عرض لهم بيت من هذيل، بين صدى جبل، فأراد مهاجمته، فمنعه من كان معه من مباغتته، لخروج ضبع اعتافوا منه، فلم يبال بتشاؤمهم، فلما قارب البيت رآه غلام، فهرب إلى الجبل، فهجم تأبط شرا مع جماعته على البيت، فقتلوا شيخا وعجوزا،

стр. 6542

وحاز جاريتين وإبلا، ثم أبصر تأبط شرا بالغلام، فاتبعه فرماه الغلام بسهم أصاب قلبه، وحمل على الغلام فقتله، ثم مات هو من السهم، وترك جثة، فاحتملته هذيل، وطرحته في غار يقال له غار "رخمان". فرثته أخته "ريطة" بقولها: نعم الفتى غادرتم برخمان ... ثابت بن جابر بن سفيان قد يقتل القِرن ويَروي الندمان١ وفي بيت شعر ينسب إلى تأبط شرا، هو: ولست أبيت الدهر إلا على فتى ... أسلبه أو أذعر السرب أجمعا٢ معنى يفيد أنه كان يغير على القادم والآيب، يسلبه ويأخذ ما عنده، لا يبالي بشيء إلا بحصوله على غنيمة السلب، وهو إن قابل قافلة، فلم يتمكن منها، يكون قد رضي من فعله بما ألقاه من رعب وذعر في قلوب أصحابها، ويكون قد اشتفى بذلك منها. فهو رجل منتقم، يريد أن يفرج عما ولد في قلبه من غل، بأية طريقة كانت، غل، ولد فيه، من سواد لونه، ومن ازدراء قومه له، ومن فقره وسوء حاله في هذه الحياة، وذلك فيما لو صح أن هذا الشعر هو من قوله. ونسب قوم من الرواة إلى "تأبط شرا" قصيدة مطلعها: ولقد سريتُ على الظلام بمغشم ... جلد من التفيان غير مهبل وهي قصيدة نسبها غيرهم إلى "أبي كبير" الهذلي، ووضعوا حولها قصة في شرح السبب الذي حمل "أبا كبير" أو "تأبط شرا" على نظمها٣. قال "الجاحظ" في كتابه "الحيوان ": "وقال تأبط شرا -إن كان قالها-:

стр. 6543

شامس في القر حتى إذا ما ... ذكرت الشعرى فبرد وظل وله طعمان أريٌ وشريٌ ... وكلا الطعمين قد ذاق كل١ مما يدل على أنه في شك من أمر نسبة هذه القصيدة إليه. وأشعار "تأبط شرا" متناثرة في كتب الأدب. ولم يطبع له ديوان بعد. ومن شعره أبيات، يذكر فيها أن "عذّالة" لامته حتى أكثرت من لومه، فكادت تخرق جلده أي تخراق، وقد عبر عن ذلك بقوله: يا من لعذالة خذالة نشب ... خرقت باللوم جلدي أي تخراق تقول أهلكتَ مالا لو ضننت به ... من ثوب عز ومن بز وأعلاق سدد خلالك من مال تجمعه ... حتى تلاقي ما كل امرئ لاق عاذلتا إن بعض اللوم معنفة ... وهل متاع وإن بقيته باق٢ وهذه هي مشكلة أولئك الصعاليك، كانوا يخاطرون بحياتهم، للحصول على مال، فإذا حصلوا عليه، ونجوا من تعقب الناس لهم، أهلكوه. يتلفونه على ملذتهم، أو على أصدقائهم. وإذا بهم في حاجة إلى مال، وفي عسر وضيق. ومن شعره قوله: لتقرعنَّ عليّ السن من ندم ... إذا تذكرت يوما بعض أخلاقي٣ وله شعر يصف فيه حاله، بقوله: قليل التشكي للمهم يصيبه ... كثير الهوى شتى النوى والمسالك يظل بموماة ويمسي بغيرها ... جحيشا وبَعْرُورِي ظهور المهالك ويسبق وفد الريح من حيث ينتحي ... بمنخرق من شدة المتدارك إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالئ من قلب شيحان فاتك

стр. 6544

ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلة من حد أخلق صائك إذا هزه في عظم قرن تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي ... بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك١ وهي قصيدة مدح بها عمه "شمس بن مالك"٢. وقد شك "الجاحظ" في نسبة هذه القصيدة إلى "تأبط شرا"، إذ قال: "ومن هذا الباب قول تأبط شرا، أو قول قائل فيه في كلمة له"٣. وتنسب أيضا إلى "السليك بن السلكة" أحد غرابيب العرب٤. وله قصيدة ذكر فيها أنه التقى بالغول، وصار جارا للغيلان، وقد وصف حاله معها، حيث قال: وأدهم قد جبت جلبابَه ... كما اجتابت الكاعب الخيعلا إلى أن حدا الصبح أثناءه ... ومزق جلبابه الأليلا على شيم نار تنورتها ... فبت لها مدبرا مقبلا فأصبحت والغول لي جارة ... فيا جارتا أنت ما أهولا وطالبتها بعضها فالتوت ... بوجه تهول فاستهولا وهي قصيدة ذكرها "ابن قتيبة"، وقد اكتفيت منها بالأبيات المتقدمة٥. وقد عمل "ابن جني" ديوان "تأبط شرا"٦، ونشرت بعض أشعاره وترجمت بلغات أعجمية٧.

стр. 6545

وأما "السليك بن السلكة"، فهو من تميم. وأمه أمة سوداء، وكان يغير على القبائل، ولا سيما القبائل اليمانية وقبائل ربيعة. وكان من العارفين باقتفاء الأثر ومن العالمين بالمسالك وبالطرق وبالأرض. يذكرون أنه كان إذا جاء الشتاء استودع بيض النعام ماء السماء ثم دفنه، فإذا كان الصيف، وأغار واحتاج إلى الماء، جاء إلى مواضع البيض، فاستخرج البيض منها وشرب ما فيه من ماء١. وقد نسب "سليك" على هذا النحو: سليك بن يثربي بن سنان بن عمير بن الحرث، وهو مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن سلكة، وهي أمه. ولذا قيل: "ابن السلكة" وقيل اسم والده: "عمرو بن يثربي"، ويقال "عمير"، وهو شاعر لص فتاك عدّاء. يقال: أعدى من سليك"، ويقال له: "سليك المقانب". قال قران الأسدي، وقيل أنس بن مدرك: لَخُطّاب ليلى يالَ برثن منكم ... على الهول أمضى من سليك المقانب٢ وقال أهل الأخبار عنه، إنه أحد أغربة العرب وهجنائهم وصعاليكهم ورجيلاتهم، وكان له بأس ونجدة. وكان أدل الناس بالأرض وأجودهم عدوا على رجليه، وكان لا تعلق به الخيل. وتذكر قصة أنه خرج رجاء أن يصيب غرة من بعض من يمر عليه، فيذهب بإبله، وبينما هو نائم، وإذا برجل يجثم عليه، ويقول له: أستأسر، فتمكن منه السليك، ووجده صعلوكا فقيرا جاء مثله لعله يصيب شيئا، فاتفق معه على أن يغزوَا معا، فلما سارا وجدا رجلا صعلوكا انضم إليهما، واتفقوا على الغزو، ولما كانوا في جوف "مراد"، وجدوا نعما، فطلب "سليك" من رفيقيه الانتظار والتربص ريثما يذهب إلى الرعاء فيلهيهما، ثم يغيرا على النعم. فلما وصل إلى الرعاء، تودد إليهم، ثم قال لهم: ألا أغنيكم؟ قالوا: بلى، فأخذ يغني:

стр. 6546

يا صاحبي ألا لا حيّ بالوادي ... إلا عبيد وآم بين أذواد أتنظران قليلا ريث غفلتهم ... أم تعدوان فإن الريح للعادي فلما سمعا ذلك أطردا الإبل فذهبا بها١. وذكر أن "بكر بن وائل" سارت للإغارة على "تميم". ورأته طلائعهما، فأرادت القبض عليه، حتى لا يذهب إليهم فيخبرهم بزحفهم عليهم. ولكنه ركض مسرعا، ففلت منهم، وأخبر قومه بغزوهم، فكذبوه، فقال في ذلك شعرا، وجاءت "بكر بن وائل" فأغارت عليهم٢. وقد وصفه "عمرو بن معدي كرب" في شعر منه: وسيريَ حتى قال في القوم قائل ... عليك أبا ثور سليك المقانب٣ ومر "سليك" في بعض غزواته ببيت من "خثعم"، أهله خلوف، فرأى فيهم امرأة بضة شابة، فتسنّمها ومضى، فأخبرت القوم، فركب "أنس بن مدرك الخثعمي" في أثره فقتله، وطولب بديته، فقال: والله لا أديه ابن إفال، وقال: إني وقتلي سليكا يوم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر غضبت للمرء إذ نيكت حليلته ... وإذ يشد على وجعائها الثغر٤ وقد ورد البيتان على هذه الصورة: إني وقتلي سليكا ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر أنفت للمرء إذ نيكت حليلته ... وإذ يشد على وجعائها الثغر٥ ومن بقية الشعراء الصعاليك، "حاجز" الأسدي، و "قيس بن الحدادية"

стр. 6547

الأزدي، و "أبو الطمحان" القيني، و "أبو خراش" الهذلي، وصخر الغي الهذلي١، وأخوه الأعلم الهذلي٢، وعمرو ذو الكلب٣. فأما "قيس بن الحدادية"، فهو "قيس بن منقذ بن عبيد بن أصرم بن ضاظر بن حبشية بن سلول"، وله مع "عامر بن الظرب" حديث. وصفه "المرزباني" بـ "شاعر قديم كثير الشعر"٤. وأمه من "بني حداد" كنانة، وقومها يجعلونها من حداد محارب. وكان صعلوكا خليعا٥، ساهم مع جماعة من أهله في قتل رجل من قبيلتهم، وعجز قومه عن دفع ديته، فولوا هاربين، فنزلوا في "فراس بن غنم" ثم لم يلبثوا أن قتلوا منهم رجلا، فهربوا، فنزلوا على "أسد بن كرز" من "بجيلة"، فأحسن إليهم وتحمل عنهم ما أصابوه في خزاعة وفي فراس٦. وقد نسب "قيس" إلى أمه الحدادية، وهي حضرمية من محارب٧. وورد أن أمه من "محارب بن خصفة". و"حداد" من كنانة. ومن شعره: أنا الذي أطرده مواليه ... وكلهم بعد الصفاء قاليه٨ ولا نجد في بطون الكتب شعرا كثيرا لقيس بن الحدادية، بحيث تنطبق عليه جملة "كثير الشعر" التي أطلقها "المرزباني" على شعر هذا الشاعر، مما يبعث على الاحتمال بضياعه منذ عهد طويل. وألف "قيس بن الحدادية"، عصابة ضمت "شذاذا من العرب وفتاكا

стр. 6548

من قومه" وأخذ يغير على عشيرته بسبب خلعها له، وبقي شريدا متمردا يغزو بصعاليكه، إلى أن قتل صعلوكا١. وأما "أبو الطمحان" القيني، فهو "حنظلة بن الشرقي" من بني كنانة بن القين، وكان فاسقا، نازلا بمكة على الزبير بن عبد المطلب، وكان ينزل عليه الخلعاء، وكان نديما له في الجاهلية. اختلف فيه، فمنهم من قال إنه جاهلي، ومنهم من قال إنه أدرك الإسلام. وقد زعم بعضهم أنه عاش مائتي سنة، وأنه ندم على ما اقترفه من الذنوب كالزنا وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير والسرقة، ورووا له شعرا تبرأ فيه من الذنوب. ذكر أنه قيل له: ما أدنى ذنوبك؟ قال: ليلة الدير، قيل له: وما ليلة الدير؟ قال: نزلت بديرانية، فأكلت عندها طفشيلا بلحم خنزير، وشربت من خمرها، وزنيت بها، وسرقت كساءها، ومضيت!؟ وكانت له ناقة يقال لها "المرقال"، وله إبل استقاها قوم نزلوا ضيوفا عليه وشربوا من ألبانها ثم أخذوها معهم، فقال في ذلك شعرا منه: وأني لأرجو ملحها في بطونكم ... وما بسطت من جلد أشعث أغبر٢ وذلك أنه جاورهم. فكان يسقيهم اللبن؛ فقال أرجو أن تشكروا لي رد إبلي، على ما شربتم من ألبانها، وما بسطت من جلد أشعث أغبر، كأنه يقول: كنتم مهازيل فبسط ذلك من جلودكم٣. وروي أنه كان من المعمرين، عاش على حد قول بعضهم مائتي سنة. فقال في ذلك: حنتني حانيات الدهر حتى ... كأني خاتل أدنو لصيد قصير الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيدا أني بقيد٤

стр. 6549

ونسب "المرتضى" له قوله: وإني من القوم الذين همُ همُ ... إذا مات منهم ميت قام صاحبه نجوم سماء كلما غاب كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه وما زال منهم حيث كان مسود ... تسير المنايا حيث سارت كتائبه١ وقد لاقى "أبو الطمحان" مصاعب عديدة، وكان لا يكاد يجد له مكانا يستقر فيه، حتى تقع له حادثة توقعه في مشكلات عويصة وفي شدة ومحنة، فكان ينتقل من جار إلى جار، ثم يهم بالعودة إلى أهله لولا خوفه من أداء الدية التي عليه أن يدفعها، فيحجم عن الذهاب إليهم، حتى استقر أخيرا في "بني فزارة" في جوار رجل يقال له "مالك بن سعد" أحد "بني شمخ"، وكان كريما، فآواه، وأعطاء إبلا لتكون دية جنايته وزاد عليها، وكان قد لمّح له أنه يريد العودة إلى أهله لولا هذه الدية، فلما وجد هذا السخاء من مالك، بقي عنده، وصار أحد عشيرته حتى هلك فيها، وهو طاعن في السن٢. فذكره "السجستاني" لذلك في المعمرين، وأعطاه مائتي سنة من عمر مديد٣! ونسب إلى "أبي الطمحان" قوله: إن الزمان ولا تفنى عجائبه ... فيه تقطع ألاف وأقران أمست بنو القين أفراقا موزعة ... كأنهم من بقايا حي لقمان٤ وله شعر في مدح "مالك بن حمار" الشمخي، وكان شريفا من أشراف العرب قتله "خفاف بن ندمة" السلمي٥، يقول فيه:

стр. 6550

سأمدح مالكا في كل ركب ... لقيتهم وأترك كل رذل فما أنا والبكارة من مخاض ... عظام جلة سدس وبزل وقد عرفت كلابُكم ثيابي ... كأني منكم ونسيت أهلي نمتكم من بني شمخ زناد ... لها ما شئت من فرع وأصل١ وله أيضا: فكم فيهم من سيد وابن سيد ... وفيّ بعقد الجار حين يفارقه يكاد الغمام الغر يزعب إن رأى ... وجوه بني لأم وينهل بارقه٢ وله في "بني نمير" قوله: مهلا نمير فإنكم أمسيتم ... منا بثغر ثنيّة لم تستر سودا كأنكم ذئاب خطيطة ... مطر البلاد وحرمها لم يمطر يحبون ما بين أجا وبرقة عالج ... حبو الضباب إلى أصول السخبر وتركتم قصب الشريف طواميا ... تهوى ثنيته كعين الأعور٣ وله في الاتعاظ والاعتبار بدروس الغابرين، قوله: ألا ترى مأربا ما كان أحصنه ... وما حواليه من سور وبنيان ظل العبادي يسقي فوق قلته ... ولم يهب ريب دهر حق خوان حتى تناوله من بعد ما هجعوا ... يرقى إليه على أسباب كتان٤ ولما في حياة الصعالكة من غرابة وطرافة ومغامرات، تستلذ لسماعها الآذان، وضع الوضاعون عليهم إخبارا كثيرة وأشعارا عديدة، تجد بعضها تحكي الأيام
следующие страницы →