← История

История · id 7299

المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام

جواد علي

Полный текст (7 571 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ملك من ملوك معين، هو "اليفع يثع"، وذكر بعده اسم "ابيدع" "أبي دع"١. ولم يلقب أي واحد منهما بلقب "ملك"، وإنما ذكرا بعد ذكر أسماء آلهة معين. وجاء بعد ذلك في جملة تالية "ملوك معين"٢. ويظهر بوضوح من هذا النص أن "اليفع يثع" و"أبيدع" كانا ملكين من ملوك معين. وأن في عهدهما دونت هذه الكتابة، تيمنًا باسمهما، وتخليدًا لتأريخها. وقد لاحظت أن الباحثين في حكومة معين لم يشيروا إلى اسميهما في ضمن القوائم التي وضعوها لحكام تلك الحكومة.

стр. 807

حكومات عدن: انقرضت حكومة "معين" وحلت محلها حكومة "سبأ" غير أن هذا لا يعني انقراض شعب معين بانقراض حكومته، وذهابه من عالم الوجود، إذ ورد اسم المعينيين في عدد من الكتابات المعينية التي يرجع عهدها إلى ما بعد سقوط حكومتهم، كما ورد اسمهم في المؤلفات الكلاسيكية التى تعود إلى القرن الأول للميلاد١. وقد سبق أن ذكرت رأي المتخصصين في العربيات الجنوبية في هذا الموضوع. أما متى خفي اسمهم من عالم الوجود خفاء تامًا، فذلك سؤال لا تمكن الإجابة عنه الآن، إذ يتطلب ذلك التأكد من أننا قد وقفنا على جميع الكتابات العربية الجنوبية والمؤلفات الكلاسيكية، ولا إخال أن في استطاعة أحد إثبات هذا الإدعاء. أعود فأقول: تباينت آراء العلماء في تعيين الزمن الذي ظهرت فيه ممكلة "معين" إلى الوجود، كما تباينت في نهايتها كذلك ذهب "البرايت" إلى أن النهاية كانت في حوالي سنة "١٠٠ ق. م."٢، ثم عدل عن ذلك فجعلها في النصف الأول من القرن الأخير قبل الميلاد، بين سنة "٥٠" وسنة "٢٥" قبل الميلاد٤. وجعلت "بيرين" نهايتها في حوالي سنة "١٠٠ ب. م"٥.

стр. 808

والذي أرجحه أن نهايتها كانت بعد الميلاد، لورود اسمها مملكة إلى ما بعد الميلاد. وقد جعل "البرايت" في أحد رأييه في سقوط حكومة معين سنة "١١٥" قبل الميلاد، وهي مبدأ التقويم السبئي، هي سنة زوال حكم معين، فلأهمية هذه الحادثة اتخذت مبدأ لتقويم يؤرخ به. وذهب آخرون إلى أن نجم معين أخذ في الأفول ما بين سنة "١٢٥" وسنة "٧٥ ق. م."١. وفي خلال الفترة التي انصرمت بين أواخر أيام حكومة معين واندماجها نهائيًّا في ممكلة "سبأ"، وظهرت حكومات صغيرة يمكن أن نشبهها بحكومات المدن، انتهزت فرصة ضعف ملوك معين، فاستقلت في شؤونها، ثم اندمجت بعد ذلك في سبأ، ومن هذه الحكومات "هرم" "الهرم" و"نش" "نشان" و"كمنت" "كمنه" "كمنهو"٢، "كمنا" وغيرها٣. ويمكن اعتبار ممكلة "لحيان" التي كان مركزها في "الديدان" "ددن"، أي "العلا" من الحكومات التي استقلت في أيام ضعف المعينيين٤, وقد كانت في الأصل جزءًا من أرضي هذه المملكة يحكمها كبير. وقد عرفنا من الكتابة الموسومة بـ Halevy ١٥٤ملكًا من ملوك "هرم" سمي "يذمر ملك". وقد غزا مدينة "نشن" "نشان". ودمرها تنفيذًا لطلب الملك "كرب ايل وتر" ملك سبأ، الذي كان معاصرًا له، وقد وهب له "كرب ايل وتر" في مقابل هذه الخدمة جزءًا من أرض "نشن" عرف بخصبه وبوجود الماء فيه٥. وقد ورد اسمه في عدد آخر من الكتابات٦. وكان له ولد اسمه "بعثتر" جلس على عرش "هرم"، وشقيق اسمه "وروال ذرحن" "وروايل ذرحان"٧. وقد ورد في النص الموسوم بـ Glaser ١٠٥٨ اسم ملك آخر من ملوك "هرم"

стр. 809

هو "معد كرب ريدن" "معد يكرب ريدان"، وأبوه هو "هوترعثت"١. وقد تبين من فحص الكتابات المدونة في مملكة "هرم" أن لها خصائص صرفية ونحوية تستحق العناية والدرس، ويظهر أن هذه الخصائص إنما نشأت من موقع هذه المدينة ومركزها السياسي والأحداث السياسية التي طرأت عليها، ومن الاختلاط الذي كان بين سكانها، فأثر كل ذلك في لهجة السكان٢. ويرى "هارتمن" أن لهجة كتابات "هرم" من اللهجات التي يمكن ضمها إلى الجمهرة التي تستعمل حرف "هـ" في المزيد مقابل حرف "س" في الجمهرة التي تستعمل هذا الحرف في الفعل المزيد٣.

стр. 810

مملكة كمنه: ومن ملوك مملكة "كمنه" "كمنهو"، الملك "نبط علي"، وقد ورد اسمه في بعض الكتابات١. وورد في كتابة يظن أنها من كتابات "كمنهو" مكسورة سقطت منها كلمات في الأول وفي الآخر، جاء فيها: وبمساعدة عثتر حجر"هجر" و"نبط علي". المقصود بـ "عثتر حجر" "هجر" الإله عثتر سيد موضع يقال له "حجر" "هجر"، وربما كان في هذا المكان معبد لعبادة هذا الإله، وجاء قبل ذلك: "نبعل دللن" "نبعل الدلل"، وهذه الجملة ترد لأول مرة في الكتابات، ويظهر أن معناها "بعل الدلل" أو "الدليل"، ويظهر أن "الدلل" أو"الدليل" من الصفات التي أطلقها شعب "كمنه" "كمنهو" على عثتر٢. وكان لـ "نبط علي" ولد أصبح ملك "كمنه" "كمنهو" بعد والده، هو: "السمع نبط". وقد وصلت إلينا كتابة، جاء فيها: "السمع نبط بن نبط على ملك كمنهو وشعبهو كمنهو لا لمقه ومريبو ولسبا"٣، أي "السمع

стр. 811

نبط بن نبط على ملك كمنه وشعبه شعب كمنه، لألمقه ومأرب ولسبأ"، وهذه العبارة تظهر بجلاء أن ممكلة "كمنو" "كمنهو" كانت مستقلة في هذا الزمن استقلالًا صوريًّا، وأنها كانت في الحقيقة تابعة لحكومة "سبأ" ولمأرب العاصمة يدل على ذلك تقربها إلى "المقه"، وهو إله السبئيين ولمأرب العاصمة، أي لملوكها ولشعب سبأ، وكان من عادة الشعوب القديمة أنها إذا ذكرت آلهة غيرها فمجدتها وتقربت إليها، عنت بذلك اعترافها بسيادة الشعب الذي يتعبد لتلك الآلهة عليها.

стр. 812

حكومة معين: حكومة معين حكومة ملكية يرأسها حاكم يلقب بلقب "ملك"، غير أن هذه الحكومة، وكذلك الحكومات الملكية الأخرى في العربية الجنوبية، جوزت أن يشترك شخص، أو شخصان أو ثلاثة مع الملك في حمل لقب"ملك"، إذا كان حامل ذلك اللقب من أقرباء الملك الأدنين، كأن يكون ابنه أو شقيقه، فقد وصلت إلينا جملة كتابات، لقب فيها أبناء الملك أو أشقاؤه بلقب ملك، وذكروا مع الملك في النصوص. ولكننا لم نعثر على كتابات لقب فيها أحد بهذا اللقب، وهو بعيد عن الملك، أي ليس من أقربائه المرتبطين به برابطة الدم. كما أننا لا نجد هذه المشاركة في اللقب في كل الكتابات، وهذا مما يحملنا على الظن بأن هذه المشاركة في اللقب، كانت في ظروف خاصة وفي حالات استثنائية، ولهذا خصصت بأبناء الملك أو بأشقائه، ولهذا أيضًا لم ترد في كل الكتابات، بل وردت في عدد منها هو قلة بالنسبة إلى ما لدينا الآن من نصوص. ولم تبح لنا أية كتابة من الكتابات العربية الجنوبية بسر هذه المشاركة أكانت مجرد مجاملة وحمل لقب، أم كانت مشاركة حقيقية، أي أن الذين اشتركوا معه أيضًا في تولي أعمال الحكم كلية، أو بتولي عمل معين من الأعمال، بأن يوكل الملك من يخوله حمل اللقب القيام بوظيفة معينة؟ ولم تبح لنا تلك الكتابات بأسرار الدوافع التي حملت أولئك الملوك على السماح لأولئك الأشخاص بمشاركتهم في حمل اللقب، أكانت قهرية كأن يكون الملك ضعيفًا مغلوبًا على أمره، ولهذا يضطر مكرهًا إلى إشراك غيره معه من أقربائه الأدنين لإسناده ولتقوية مركزه، أم كانت

стр. 813

برضى من الملك ورغبة منه، فلا إكراه في الموضوع ولا إجبار؟ ويظهر من الكتابات المعينية أيضًا أن الحكم في معين، لم يكن حكمًا ملكيًّا تعسفيًّا، السلطة الفعلية مركزة في أيدي الملوك، بل كان الحكم فيها معتدلًا استشاريًّا يستشير الملوك أقرباءهم ورجال الدين وسادات القبائل ورؤساء المدن، ثم يبرمون أمرهم، ويصدرون أحكامهم على شكل أوامر ومراسيم تفتتح بأسماء آلهة معين، ثم يذكر اسم الملك، وتعلن كتابة ليطلع عليها الناس. وقد كانت المدن حكومات، لكل مدينة حكومتها الخاصة بها، ولهذا كان في استطاعتنا أن نقول إن حكومة معين هي حكومات مدن، كل مدينة فيها حكومة صغيرة لها آلهة خاصة تتسمى باسمها، وهيئات دينية، ومجتمع يقال له: "عم"، بمعنى أمة وقوم وجماعة، ولكل مدينة مجلس استشاري يدير شئونها في السلم وفي الحرب، وهو الذي يفصل فيما يقع بين الناس من خصومات وينظر في شئون الجماعة "عم". وكان رؤساء القبائل يبنون دورًا، يتخذونها مجالس، يجتمعون فيها لتمضية الوقت وللبت في الأمور وللفصل بين أتباعهم في خلافاتهم، ويسجلون أيام تأسيسها وبنائها، كما يسجلون الترميمات والتحسينات التي يدخلونها على البناية. وتعرف هذه الدور عندهم بلفظة "مزود"١. ولكل مدينة "مزود"، وقد يكون لها جملة "مزاود"، وذلك بأن يكون لشعابها وأقسامها مزاود خاصة بها، للنظر فيما يحدث في ذلك الشعب من خلاف، ويمكن تشبيه المزود بدار الندوة عند أهل مكة، وهي دار قصي بن كلاب التي كانت قريش لا تفضي أمرًا إلا فيها، يتشاورون فيها في أمور السلم والحرب٢. وتتألف مملكة معين من مقاطعات، على رأس كل مقاطعة ممثل عن الملك، يعرف عندهم بـ "كبر"، أي "الكبير". يظهر أنه كان لا يتدخل إلا في السياسة التي تخص المسائل العليا المتعلقة بحقوق الملك وبشعب معين، ويرد

стр. 814

اسم الكبير بعد اسم الملك في النصوص على عادة أهل معين، وغيرهم من ذكر آلهتهم أولًا ثم الملوك ثم الكبراء في كتاباتهم التي يدونونها ليطلع عليها الناس. ودخل الحكومة من الضرائب ومن واردات الأرضين التي تستغلها أو تؤجرها للناس بِجُعْل يتفق عليه. أما الضرائب فتؤخذ من التجار والزراع وسائر طبقات الشعب الأخرى، يجمعها المشايخ، مشايخ القبائل والحكام والكبراء بوصفهم الهيئات الحكومية العليا، وبعد إخراج حصصهم يقدمون ما عليهم للملك، وأما الواردات من المصادر الأخرى، مثل تأجير أملاك الدولة، فتكون باتفاق خاص مع المستغل، وبعقد يتفق عليه. ومن الضرائب التي وردت أسماؤها في الكتابات: كتابات العقود ووفاء الضرائب والديون، ضريبة دعيت، بـ "فرعم"، أي"فرع" وضريبة عرفت بـ "عشرم" أي "عشر"، وتؤخذ من عشر الحاصل، فهي"العشر" في الإسلام١. وكان للمعابد جبايات خاصة بها، وأرضون واسعة تستغلها، كما كان لها موارد ضخمة من النذور التي تقدم إليها باسم آلهة معين، عند شفاء شخص من مرض ألم به، وعند رجوعه سالمًا من سفر، وعند عودته صحيحًا من غزو أو حرب، وعند حصول شخص على غلة وافرة من مزارعه أو مكسب كبير من تجاراته، وأمثال ذلك. ولهذا كانت للمعابد ثروات ضخمة وأملاك واسعة ومخازن كبيرة تخزن فيها أموالها، ويعبر عن النذور والهبات التي تقدم إلى المعابد بلفظتي "كبودت" و "اكرب"، "أقرب" أي ما يتقرب به إلى الآلهة. وتدون عادة في كتابات تعلن للناس، يذكر فيها اسم المتبرع الواهب واسم الإله أو الآلهة التي نذر لها، واسم المعبد، كما تعلن المناسبة، وتستعمل بعض الجمل والعبارات الخاصة التي تتحدث عن تلك المناسبات مثل: "يوم وهب" و"بذماد بن يدهس"، أي "بذات يده" وأمثال ذلك من جمل ومصطلحات٢. وقد وصلت إلينا نصوص كثيرة من نصوص النذور، وهي تفيدنا بالطبع كثيرًا في تكوين رأينا في النذور والمعابد واللغة التي تستعمل في مثل هذه المناسبات عند المعينيين وعند غيرهم من العرب الجنوبيين.

стр. 815

ويقوم "الناذر" أو الشخص الذي استحق عليه الضرائب أو القبيلة بتقديم ما استحق عليه إلى المعبد، وكانت تعد "ديونًا" للآلهة على الأشخاص. فإذا نذر الشخص للآلهة بمناسبة مرض أو مطالبة بإحلال بركة في المزرعة أو في التجارة أو إنقاذ من حرب وصادف أن مرت الأمور على وفق رغبات أولئك الرجال، استحق النذر على الناذر، فردًا كان أو جماعة، ولذلك يعبر عنه بـ "دين"، فيقال "دين عثتر" أو"دين ... "١. وقد يفوض الملك أوالمعبد إلى رئيس سيد قبيلة أو غني استغلال مقاطعة أو منجم أو أي مشروع آخر في مقابل شروط تدون في الكتابات، فتحدد الحدود، وتعين المعالم، وينشط المستغل للاستفادة منها وأداء ما اتفق عليه من أداء للجهة التي تعاقد معها، ويقوم بجباية حقوق الأرض أن كان قد أجرها لصغار المزارعين وبدفع أجور الأجراء وبتمشية الأعمال، ويكون هو وحده المسئول أمام الحكومة أو المعبد عن كل ما يتعلق بالعمل، وعليه وحده أن يحسب حساب خسائره وأرباحه. ويتعهد الكبراء وسادات القبائل والحكام عادة بجمع الضرائب من أتباعهم ودفع حصة الحكومة، كما يتعهدون بإنشاء الأبنية كإنشاء المباني الحكومية وإحكام أسوار المدن وبناء الحصون والأبراج والمعابد وما شاكل ذلك، مقابل ما هو مفروض عليهم من ضرائب وواجبات أو تفويض التصرف في الأرضين العامة، فإذا تمت الموافقة، عقد عقد بين الطرفين، يذكر فيه أن آلهة معين قد رضيت عن ذلك الاتفاق، وأن المتعهد سيقوم بما اتفق عليه. وإذا تم العمل وقد يضيف إليه المتعهد من جيبه الخاص، ورضي عنه الملك الذي عهد إليه بالعمل أو الكهنة أرباب المعبد أو مجلس المدينة، كتب بذلك محضر، ثم يدون خبره على الحجر، ويوضع في موضع ظاهر ليراه الناس، يسجل فيه اسم الرجل الذي قام بالعمل، واسم الآلهة التي باسمها عقد العقد وتم، واسم الملك الذي تم في أيامه المشروع، واسم "الكبير" الحاكم أن كان العقد قد تم في حكمه وفي منطقة عمله. وتعهد المعابد أيضًا للرؤساء والمشايخ القيام بالأعمال التي تريد القيام بها، مثل

стр. 816

إنشاء المعابد وصيانتها وترميمها والعناية بأملاكها وباستغلالها بزرعها واستثمارها نيابة عنها، وقد كان على المعابد كما يظهر من الكتابات أداء بعض الخدمات العامة للشعب، مثل إنشاء مبان عامة أو تحصين المدن ومساعدة الحكومة في التخفيف عن كاهلها؛ لأنها كانت مثلها تجبي الضرائب، من الناس وتتلقى أموالًا طائلة من الشعب وتتاجر في الأسواق الداخلية والخارجية، فكانت تقوم بتلك الأعمال في مقابل إعفائها من الضرائب، وقد كانت وارداتها السنوية ضخمة قد تساوي واردات الحكومة. وتخزن المعابد حصتها من البخور واللبان والمر والحاصلات الأخرى في خزائن المعبد، وتأخذ منها ما تحتاج إليه، مثل البخور للأعياد وللشعائر الدينية وتبيع الفائض، وقد ترسله مع القوافل لبيعه في البلاد الأخرى، وقد تعود قوافلها محملة ببضائع اشترتها بأثمان البضائع المبيعة، ولذلك كان أرباحها عظيمة، وكان أكثر الكهان من البيوتات الكبيرة ومن كبار الأغنياء.

стр. 817

نقود معينية: تعامل قدماء المعينيين مثل غيرهم من شعوب العالم بالمقايضة العينية، وبالمواد العينية دفعوا للحكومة وللمعابد ما عليهم من حقوق، وبها أيضًا دفعت أجور الموظفين والمستخدمين والعمال والزراع، وقد استمرت هذه العادة حتى في الأيام التي ظهرت فيها النقود، وأخذت الحكومات تضرب النقود، وذلك بسبب قلة المسكوكات، وعدم تمكن الحكومات من سك الكثير منها كما تفعل الحكومات في هذه الأيام. وقد عرف المعينيون النقود، وضربوها في بلادهم، فقد عثر على قطعة نقد هي "دراخما" أي درهم، عليها صورة ملك جالس على عرشه، قد وضع رجليه على عتبة، وهو حليق الذقن متدل شعره ضفائر، وقد أمسك بيده اليمنى وردة أو طيرًا وأمسك بيده اليسرى عصا طويلة، وخلفه اسمه وقد طبع بحروف واضحة بارزة بالمسند، وهو "اب يثع" و"أمامه الحروف الأول من اسمه، وهو الحرف "أ" بحرف المسند، دلالة على أنه الآمر بضرب تلك القطعة، ولهذا القعطة من النقود أهمية كبيرة في تأريخ "النميّات" في بلاد

стр. 818

العرب وفي دراسة الصلات التجارية بين جزيرة العرب والعالم الخارجي. ويظهر من دراسة هذه القطعة ومن دراسة النقود المتشابهة التي عثر عليها في بلاد أخرى، أنها تقليد للنقود التي ضربها خلفاء الإسكندر الكبير، سوى شيء واحد، هو أن عملة "أب يثع" قد استبدلت فيها الكتابة اليونانية بكتابة اسم الملك "اب يثع" الذي في أيامه، ثم ضرب تلك القطعة بحروف المسند، أما بقية الملامح والوصف، فإنها لم تتغير ولم تتبدل، ولعلها قالب لذلك النقد، حفرت عليه الكتابة بالمسند بدلًا من اليونانية. ويعود تأريخ هذه القعطة إلى القرن الثالث أو القرن الثاني قبل الميلاد١. وقد كانت نقود "الإسكندر الكبير" والنقود التي ضربها خلفاؤه من بعده مطلوبة مرغوبة في كل مكان، حتى في الأمكنة التي لم تكن خاضعة لهم، شأنها في ذلك اليوم شأن الجنيه أو الدولار في هذا اليوم، وتلك النقود لا بد أن تكون قد دخلت بلاد العرب مع التجار ورجال الحملة الذين أرسلهم لاحتلال بلاد العرب، فتلقفها التجار هناك وتعاملوا بها، وأقبلت عليها الحكومات، ثم أقدمت الحكومات على ضربها في بلادها بعد مدة من وصول النقود إليها، وأسست بذلك أولى دور ضرب النقود في بلاد العرب, ولا بد أن يكون نقد "اب يثع" قد سبق بنقد آخر. سبق هو أيضًا بالنقد اليوناني الذي وصل بلاد العرب؛ لأن درهم "اب يثع" مضروب ضربًا متقنًا، وحروفه واضحة جلية دقيقة دقة تبعث على الظن بوجود خبرة سابقة ودراية لعمال الضرب، وأدت بهم إلى إتقان ضرب أسماء الملوك على تلك النقود.

стр. 819

الحياة الدينية: كان في كل مدينة معبد، وأحيانًا عدة معابد خصصت بآلهة شعب معين، وقد يخصص معبد بعبادة إله واحد، يكرس المعبد له، ويسمى باسمه، وتنذر له النذور، ويشرف على إدارته قومة ورجال يقومون بالشعائر الدينية ويشرفون على إدارة أوقاف المعبد، ويعرف الكاهن والقيم على أمر الإله عندهم

стр. 820

بـ "شوع"، وقد وردت اللفظة في جملة نصوص معينة١. وقد تجمعت لدينا من قراءة الكتابات المعينية أسماء آلهة معين، وفي مقدمتها اسم"عثتر" "عثتار" ويرمز إلى "الزهرة"، ويقلب في الغالب بـ "ذ قبضم"، فيقال "عثتر ذ قبضم"، أي "عثتر القابض"، "عثتر ذو قبض"، كما ورد أيضًا "عثتر ذ يهرق" "عثتر ذو يهرق"٢. ويهرق اسم مدينة من مدن معين، فيظهر أنه كان في هذه المدينة معبد كبير خصص بعبادة "عثتر". ومن آلهة معين"ود" و"نكرح"، وترد أسماء هذه الآلهة الثلاثة في الكتابات المعينية على هذا الترتيب: "عثتر"، و"ود" و"نكرح" في الغالب، وترد بعدها في بعض الأحيان جملة: "الالت معن"، أي "آلهة معين"٣. أما نكرح"، فيظهرأنه يرمز إلى الشمس، وهو يقابل "ذات حمم" "ذات حميم" في الكتابات السبئية٤. وقد ورد في عدة كتابات عثر عليها في "براقش" وفي "أبين" وفي "معين" وفي "شراع" في "أرحب" ذكر معبد كرس للإله "عثتر" دعي" بـ "يهر". كما ورد اسم حصن "يهر" وقد خصص لـ "عثتر وقبض"، وورد في كتابة أخرى اسم "يهر" على أنه بيت، وربما قصد به بيت عبادة، وورد في كتابة همدانية ذكر "يهر" أنه بيت الإله "تالب" "تألب" إله همدان، وورد اسم "يهر" على أنه اسم موضع واسم شعب. وذكر "الهمداني" أن "يهر" هو حصن في "معين"٥. ويتبين لي من اقتران "يهر" بـ "عثتر"، ومن تخصيص بيت للتعبد به سمي باسمه أن "يهر" جماعة كانت تتعبد لهذا الإله وتقدسه ولهذا دعي معبده باسمها، كما أنه اسم مدينة نسبت تلك الجماعة إليها.

стр. 821

وأما "ود"، فقد ظلت عبادته معروفة في الجاهلية إلى وقت ظهور الإسلام، وقد ورد اسمه في القرآن الكريم١. وقد تحدث عنه ابن الكلبي في كتابه "الأصنام"٢، وذكر أن قبيلة "كلب" كانت تتعبد له بدومة الجندل٣. ووصفه فقال: "كان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، قد ذبر عليه حلتان، متزر بحلة، مرتد بأخرى، على سيف قد تقلده، وقد تنكب قوسًا، وبين يديه حربة فيها لواء ووفضة فيها نبل.."٤. وقد نعت "ود" في بعض الكتابات بنعوت، مثل: "الاهن" "الهن" أي "الإله"، و"كهلن" "كاهلن" "كهلان"، أي "القدير" "المقتدر"٥. وكتب اسم "ود" بحرف بارزة على جدار في "القرية" "قرية الفأو"٦، وذلك يدل على عبادته في هذه البقعة. ويرمز "ود" إلى القمر، بدليل ورود جملة: "ودم شهرن"، "ودم شهران"، أي "ود الشهر" في بعض الكتابات. ومعنى كلمة "شهرم" "شهر" "الشهر"، القمر٧. وتمثل هذه الآلهة المعينية ثالوثًا يرمز إلى الكواكب الثلاثة: الزهرة، والشمس، والقمر. ويلاحظ أن الكتابات المعينية الشمالية، أي الكتابات المدونة بلهجة أهل معين التي عثر عليها في أعالي الحجاز، لا تتبع الترتيب الذي تتبعه الكتابات المعينية الجنوبية نفسه في إيراد أسماء الآلهة، كما يلاحظ أيضًا أن للمعينيين الشماليين آلهة محلية لا نجد لها ذكرًا عند المعينيين الجنوبيين، ولعل ذلك بتأثير الاختلاط بالشعوب الأخرى٨.

стр. 822

مدن معين: ومن أشهر مدن معين، مدينة "قرنو"، وهي العاصمة، وقد عرفت أيضًا بـ "م ع ن" "معن"، أي "معين"، وبـ karna و Karana و Karna عند بعض الكتبة "الكلاسيكيين"١. وتقع على مسافة سبعة كيلومترات ونصف كيلومتر من شرق قرية "الحزم"، مركز الحكومة الحالي في الجوف، وقد وصف خرائبها "محمد توفيق" في كتابه "آثار معين في جوف اليمن"، فقال: إنها تقع على أكمة من الطين منحدرة الجوانب، تعلو على سطح أرض الجوف بخمسة عشر مترًا، وهي مستطيلة الشكل، واستطالتها، من الغرب إلى الشرق وطولها٤٠٠ متر، وعرضها٢٥٠ مترًا، ولها بابان أو مدخلان، أو مدخل ومخرج، أحدهما في جانبها الغربي والآخر في الجهة المقابلة من الجانب الشرقي، وليس لها أبواب أخرى، وسورها الذي كان يحيط بها، وقد قدر ارتفاعه بخمسة عشر مترًا، وقد وجد في بعض أقسامه فتحات المزاغل التي استعملت للمراقبة ولرمي السهام، كما تعرض لبحث البناء والزخرفة في هذه المدينة، وقد حصل على تسع عشرة كتابة، نقل تسعًا منها بكتابة اليد، ونقل عشرًا منها الباقية بالتصوير الفوتوغرافي٢. ويقع معبد "رصفم" "رصف" "رصاف" الشهير، الذي طالما تقدم إليه المؤمنون بالهدايا والنذور إليه؛ لأن يمن عليهم بالعافية والبركة، خارج سور "قرنو". وتشاهد آثار سكن في مواضع متناثرة من المدينة، وقد كانت "قرنو" "القرن" مأهولة حتى القرن الثاني عشر ثم هجرت وتحولت إلى خراب٣. وقد أشار الأخباريون إلى معين، وروى بعض منهم أنها من أبنية التبابعة، وأنها حصن، بني بعد بناء "سلحين"، بني مع يراقش في وقت واحد٤. ومن مدن حكومة معين "يثل" وهي من المراكز الدينية، وعرفت

стр. 823

بـ "براقش" فيما بعد، وكانت قائمة في أيام "الهمداني"، ووصف الهمداني الآثار والخرائب التي كانت بها. وقد ورد في إحدى الكتابات أن جماعة من كهنة "ود"، قاموا ببناء ثلاثين "أمه" أي ذراعًا من سور "يثل" من الأساس حتى القمة٢، والظاهر أن هذا العمل قاموا به، هو الجزء الذي كان خصص بهم عمله على حين قام أناس آخرون، وفي ضمنهم مجلس يثل، ببقية السور. وللأخباريين قصص عن "براقش". وقد زعم بعض منها أنها و "هيلان" مدينتان عاديتان، وكانتا للأمم الماضية. وزعم بعض آخر أنها من أبنية التبابعة٣، فهي من الأبنية القديمة إذن في نظر الأخباريين. وقد كان يسكنها "بنو الأدبر بن بلحارث بن كعب" ومراد في الإسلام٤. ولهم عن سبب تسمية "براقش" ببراقش قصص، فزعم بعض منهم أنها إنما سميت بذلك نسبة إلى كلبة عرفت ببراقش. وزعم بعض آخر امرأة، وهي ابنة ملك قديم، ذهب والدها للغزو، وأودع مقاليد بلاده إليها، فبنت مدينة براقش ومعين، ليخلد اسمها، فلما عاد والدها غضب، وأمر بهدمها. وزعم فريق منهم، أنها باسم براقش امرأة لقمان بن عاد. ومصدر القصص مثل مشهور هو: "على أهلها تجني براقش"٥. و "على أهلها براقش تجني"، وقد أشير في الشعر إليه٦. و"يثل"، وهي مدينة Athlula، Athrula المذكورة في أخبار حملة "أوليوس غالوس" على اليمن، والتي زعم أنها آخر موضع بلغه الرومان في حملتهم هذه. ويزعم القائلون من المستشرقين بهذا الرأي أن لفظة "يثل" لفظة

стр. 824

صعبة على لسان الرومان واليونان، ولذلك حرفت فصارت إلى الشكل المذكور١. ومن بقية مدن معين: "نشق"٢. و "رشن" "ريشان"٣ و "هرم" "هريم"٤ "خربة هرم"٥، و"كمنه" "كمنهو" "خربة كمنه"٦. "كمنا"، "نشن" "نشان" وهي "الخربة السوداء" "خربة السودا" في الوقت الحاضر٧. وقد ورد في بعض الكتابات أن "يدع آل بين" مكر سبأ، كان قد استولى على مدينة "نشق"، غير أننا لا نعرف اسم الملك المعيني الذي سقطت هذه المدينة في أيامه في أيدي السبئيين. ويوجد موضع عادي خرب، يعرف بـ "كعاب اللوذ" وبـ "خربة نشان" "خربة نيشان"، يحتمل في رأي بعضهم أن يكون مكان "نشان" "نشن" ويعارض بعض الباحثين ذلك، ويرون أنه بعيد بعض البعد عن مكان "نشن" المعيني، ويذهبون إلى أن هذا المكان هو بقايا معبد أو قبور قديمة، وأنه يشير إلى وجود مسكن فيه قديم لا نعرف اسمه٨. وقد تبين للباحثين في موضع "الخربة السوداء" التي هي موضع "نشن" "نشان" أن تلك المدينة كانت مدينة صناعية، لعثورهم بين أنقاضها على خامات المعادن، وعلى أدوات تستعمل في التعدين وفي تحويل المعادن إلى أدوات للاستعمال٩.

стр. 825

و "نشن" "نشان"، وهي "نستم" Nestum في كتاب "بلينيوس"١. ويظن أن خرائب "مجزر"، هي من بقايا مدينة قديمة، لعلها المدينة التي سماها "بلينيوس" "مكوسم" Magusum، ويظهر من موقعها ومن بقايا آثارها أنها كانت ذات أهمية لعهدها ذاك، وأنها كانت عامرة بالناس لخصب أرضها ووفرة مياهها٢. وفي الجوف أماكن أخرى، مثل "بيحان" و"سراقة" و"ابنه": و"ابنه" و"مقعم" و"بكبك" و"لوق"، وهي خرائب كانت مواضع معمورة في أيام المعينيين ومن جاء بعدهم فأخذ مكانهم. وقد ذهب "كلاسر" إلى أن موضع "لوق"، هو Labecia الذي ذكره "بلينيوس" في جملة الأماكن التي استولى عليها "أوليوس غالوس"، وذهب "فون وزمن" إلى أنه "لبة"٣ Labbah. ويرى علماء العربيات الجنوبية أن "نشق" هي Nescus، Nesca في كتب المؤلفين اليونان واللاتين القدماء. وهي Aska، Asca في "جغرافيا سترابون". وقد ذكرها "سترابون" في جملة المدن التي استولى عليها "أوليوس غالوس" إبان حملته على اليمن٤. المعينيون خارج أرض معين: وعثر على كتابات معينية خارج اليمن، ولا سيما في موضع "العلا"، وبينهما عدد من كتابات "لحيانية" متأثرة باللهجة المعينية٥. وقد وردت فيها أسماء معينية معروفة، شائعة بين المعينيين، مثل: "يهر" و"علهان"، و"ثوبت" و"يفعان"، كما وردت فيها أسماء آلهة معين، وذلك يدل على نزول المعينيين في هذا الموضع وفي الأرضين المجاورة أمدًا، وتركهم أثرًا

стр. 826

ثقافيًّا فيمن اختلطوا بهم أو جاوروهم وفيمن خلفهم من خلق. وقد جاء هؤلاء المعينيون من معين بالطبع، أي من اليمن، فنزلوا في هذه الأرضين التي تقع اليوم في أعالي الحجاز وفي المملكة الأردنية الهاشمية وفي جنوب فلسطين. ومنهم من تاجر مع بلاد الشأم والبحر المتوسط ومصر. بدليل عثور المنقبين على كتابات معينية في جزيرة "ديلوس" من جزر اليونان١، وفي مصر: في "الجيزة"٢ وفي موضع "قصر البنات"٣. وظهر من كتابة "الجيزة" المؤرخة بالسنة الثانية والعشرين من حكم "بطلميوس بن بطلميوس"، أن جالية معينية كانت في مصر في هذا الزمن، ولعلها من أيام حكم "بطلميوس الثاني"٤. وكان المعينيون يتاجرون في القرن الثالث أو الثاني قبل الميلاد بتجهيز معابد مصر بالبخور٥، ويرجع بعض الباحثين تأريخ هذه الكتابة، إلى السنة "٢٦٤- ٢٦٣ ق. م"٦. وموضع "العلا" المذكور، هو موضع "ديدان" "الديدان" "علت" Ulat في التوراة, وقد قصد به فيها شعب عربي من الشعوب العربية الشمالية، يرجع نسبه إلى "كوش" كما جاء في موضع من "التكوين"٧. وإلى "يقشان" من إبراهيم من "قطورة" Keturah في موضع آخر منه٨. وقد جعلت "الديدان" متاخمة لأرض أدوم Edom، وتقع في الجنوب الشرقي منها٩. وذكر في التوراة أن الديدانيين كانوا من الشعوب التي ترسل حاصلاتاها إلى سوق "صور"١٠ Tyre.

стр. 827

ويرى أكثر الباحثين في دولة معين أن هذه المنطقة منطقة "الديدان" وما صاقبها من أرض، كانت جزءًا من تلك الدولة وأرضًا خاضعة لها، وأن ملوك معين كانوا يعينون حكامًا عليها باسمهم، وأن درجتهم هي درجة "كبر" أي "كبير" على طريقتهم في تقسيم مملكتهم إلى "محافد" أي أقسام، يكون على كل محفد أي قسم من المملكة "كبير"، يتولى الحكم باسم الملك في المسائل العليا وفي جمع الضرائب التي يبعث لها إلى العاصمة وفي المحافظة على الأمن. وقد عثر على كتابات ذكرت فيها أسماء "كبراء" حكموا باسم ملوك معين١. ومعنى هذا أن دولة معين، كانت تحكم من معين كل ما يقال له الحجاز في عرف هذا اليوم إلى فلسطين، وأن هذه الأرضين كانت خاضعة لها إذ ذاك، ولكننا لا نجد في النصوص الآشورية أو العبرانية مثل التوراة ولا في الكتب الكلاسيكية ما يشير إلى ذلك. ولكن القائلين بالرأي المذكور يرون أن حكم معين كان في أوائل عهد معين، أي قبل أكثر من ألف سنة قبل الميلاد فلما ضعف ملوكها تقلص سلطان المعينيين عن الحجاز وبقي نافذًا في المنطقة التي عرفت بـ "معن مصرن"، "معن مصران"، أي "معين المصرية"، ثم ضعف سلطان المعينيين الشماليين عن هذه الأرض أيضًا بتغلب السبئيين على معين، ثم بتغلب اللحيانيين في القرن الرابع أو الثالث قبل الميلاد، حيث استقلوا وكونوا "مملكة لحيان"٢. وقد أثارت "معن مصرن" "معين مصران"، جدلًا شديدًا بين العلماء، ولا سيما علماء التوراة، فذهب بعضهم إلى أن "مصر" "مصرايم" Mizraim الواردة في التوراة ليست مصر المعروفة التي يرونها نهر النيل، بل أريد بها "معين مصران"، وهو موضع تمثله "معان" في الأردن في الزمن الحاضر٣. وأن لفظة "برعو" pero التي ترد في التوراة أيضًا لقبًا لملوك مصر، والتي تقابلها لفظة "فرعون" في عربيتنا، لا يراد بها فراعنة مصر، بل حكام "معين مصران" وأن عبارة "هاكرهم مصريت" Hagar Ham- Misrith، بمعنى "هاجر المصرية"، لا يعني "هاجر" من مصر المعروفة، بل من مصر

стр. 828

العربية، أي من هذه المقاطعة التي نتحدث عنها "معن مصرن" وأن القصص الوارد في التوراة عن "مصر" وعن "فرعون، هو قصص يخص هذه المقاطعة العربية، وملكها العربي١. وقالت هذه الجمهرة: إن ما ورد في النصوص الآشورية من ذكر لـ Musri لا يعني أيضًا مصر المعروفة، بل مصر العربية، وأن ما جاء في نص "تغلاتبلسر الثالث" الذي يعود عهده إلى حوالي سنة "٧٣٤" قبل الميلاد، من أنه عين عربيًّا Arubu واسمه "ادبئيل" "ادب ال" "ادب ايل" "ldiba'il" حاكمًا على "مصري" "Musri" لا يعني أنه عينه حاكمًا على "مصر" الإفريقية المعروفة، بل على هذه المقاطعة العربية التي تقع شمال: "نخل مصري" أي "وادي مصري"٢. ويرى "وينكر"، أن "سبعة" "Sib'e: الذي عينه "تغلاتبلسر" سنة "٧٢٥ ق. م" على مصري، والذي عينه "سرجون" قائدًا على هذه المقاطعة، إنما عين على أرض "مصر" العربية ولم يعين على "مصر" الإفريقية. وقد ورد في أخبار "سرجون" أن من جملة من دفع الجزية، إليه "برعو" Pir'u وقد نعت في نص "سرجون" بـ "برعو شاروت مصري"، أي "برعو ملك أرض مصري"٣. وورد ذكر "برعو" هذا في ثورة "أسدود" التي قامت سنة "٧١١ ق. م"٤ وورد ذكر "مصري" في أخبار "سنحريب" ملك آشور، وكان ملك "مصري" وملك "ملوخة" قد قامة بمساعدة اليهود ضد "سنحريب"، وذلك في عام "٧٠٠ ق. م"، وقد انتصر "سنحريب"٥. ويرى "ونكلر" أن كل ما ورد في النصوص الآشورية عن "مصري" مثل: "شراني مت مصري" "Sharrani Mat Musri"، أي "ملوك أرض مصر"

стр. 829

إنما قصد به هذه المقاطعة العربية١. ويشير هذا الرأي مشكلات خطيرة لقائليه ولعلماء التوراة، فرأي "شرادر" و"ينكلر" وأضرابهما المذكور يتعارض صراحة مع الرأي الشائع عند اليهود وعند التوراة والتلمود والمنشا والكتب اليهودية الأخرى في هذا الموضوع، ويتعارض كذلك مع رأي أهل الأديان الأخرى في الموضع نفسه، ولم يلق هذا الرأي رواجًا بين الباحثين، وهم يرون أن وجود أرض عربية عند "معان" في الزمن الحاضر، تسمى "مصري" وهي تسمية "مصر" في اللغات السامية٢، ووجود حاكم عليها اسمه "برعو"، و"برعو" لقب ملوك مصر"، ويقابل "فرعون" في لغتنا٣، لا يحتم علينا التفكير في هذه الأرض العربية، ومن الجائز على رأيهم أن يكون الآشوريون قد استولوا على هذه المقاطعة وحكموها ونصبوا حكامًا عليها على حين كانت الحوادث الأخرى قد وقعت في مصر الإفريقية، وبناء على ذلك فليس هناك أي داع للإدعاء أن الإسرائيليين لم يكونوا في مصر، وأن فرعون لم يكن فرعون مصر، بل فرعون مصري، التي هي "معين المصرية"، وليستبعد أيضًا أن تكون تسمية "مصري" العربية قد أخذت من مصر، فقيل "معين مصرن" لقربها من مصر، ولتمييزها عن "معن" أي "معين" اليمن. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن "معين مصران" "معين المصرية"، لم تكن جزءًا من حكومة معين، بل كانت مستوطنة مستقلة من مستوطنات المعينيين، وذلك منذ القرن الخامس حتى القرن الأول قبل الميلاد. وأن لقب "كبر" الوارد في نصوص هذه المستوطنة لا يعني أن حامله كان موظفًا في حكومة معين بل هو مجرد لقب حمله صاحب هذه المقاطعة باعتبار أنه كبير قومه وسيدهم والحاكم عليهم، وقد بقيت هذه المستوطنة مستقلة إلى القرن الأول قبل الميلاد، وحينئذ زال استقلالها بزوال حكومة المعينيين الجنوبيين٤. وتعد الكتابات المعنية التي عثر عليها في جزيرة "ديلوس" Delos =Delus

стр. 830

ذات أهمية كبيرة كذلك، في بحثنا هذا، فإنها ترينا وصول المعينيين الجزر اليونانية وإقامتهم فيها، واتجارهم مع اليونان. ومن جملة هذه النصوص، نص مكتوب بالمعينية وبالخط المسند وباليونانية وبالحروف اليونانية، ورد فيه: "هنا" أي "هانىء" و"زبد ايل من ذي خذب نصب مذبح ود وآلهة معين بدلث" أي: بـ"ديلوس". وورد في اليونانية: "يا ود إله معين يا ود"١. وفي هذا النص دلالة على وجود جالية معينية في هذه الجزيرة وسكناها فيها، وعلى تعلقها بدينها وبآلهتا وعدم تركها لها حتى في هذه الأرض البعيدة عن وطنها. ومن يدري؟ فلعلها كانت تتصل ببلادها، وتتاجر وتتراسل معها، تصدر إليها حاصلات اليونان، وتستورد منها حاصلات اليمن والعربية الجنوبية وإفريقية والهند وتعمل مع اليونان شركةً أو تعاونًا في أسواق التجارة العالمية ذلك العهد.

стр. 831

قوائم بأسماء حكام معين: قائمة "البرايت ": وقد رتب "ألبرايت" قائمة لملوك معين على النحو الآتي: ١- اليفع يثع، وهو ابن الملك "صدق ايل" ملك حضرموت. وقد حكم في حوالي السنة "٤٠٠" قبل الميلاد. ٢- حفن ذرح، وهو ابن اليفع يثع. ٣- اليفع ريام، وهو ابن اليفع يثع. وقد كان أيضًا ملكًا على حضرموت. ٤- هوف عثتر "هوفعث". "هوفعثتر"، وهو ابن اليفع ريام. ٥ أب يدع يثع "أبيدع يثع"، وهو شقيق هوف عثتر. وقد كان يحكم في حوالي السنة٣٤٣ قبل الميلاد. ٦- وقه آل ريم "وقه ايل ريام"، وهو ابن هوفعثتر. ٧- حفن صدق "حفن صديق"، وشقيق وقه إيل ريام. ٨ اليفع يفش وهو ابن حفن صديق.

стр. 832

١- اليفع وقه، وقد كان حكمه في حوالي السنة ٢٥٠ قبل الميلاد. ٢- وقه ايل صديق "وقه آل صدق"، وهو ابن اليفع وقه. ٣- اب كرب يثع "أبكرب يثع" أبيكرب يثع"، وهو ابن "وقه آل صدق". وقد ورد اسمه في كتابات "ددان" "ديدان" وذلك في الأيام اللحيانية المتأخرة. ٤- عم يثع نبط "عمي يثع نبط" عميثع نبط"، وهو ابن "ابكرب يثع" "أبيكرب يثع". ١- يثع ايل صدق "يثع آل صدق" "يثع ايل صديق". ٢- وقه آل يثع "وقه ايل صديق". وكان تابعًا للملك "شهر يجل يهرجب" ملك قتبان. ٣- اليفع يشر، وهو ابن "وقه ايل يثع". ٤- حفن ريام "خفنم ريمم"، وهو ابن اليفع يشر. ٥- وقه آل نبط "وقه ايل نبط". وذكر "البرايت" أسماء ما لا يقل عن خمسة ملوك، قال إنه غير متأكد من زمان حكمهم ومن مكان ترتيبهم في هذه القائمة، وهم: أب يدع "ريام؟ " وابنه "خلكرب صدق" "خاليكرب صديق". وهو "حفنم يثع"، وهو ابن "خلكرب صدق" و"يثع ايل ريام" و"تبع كرب" "تبعكرب"، وهو ابنه١. وقد أعاد "البرايت" النظر في قائمته السابقة. وأجرى عليها تعديلات على ضوء دراسة صور الكتابات وتغير أسلوبها بمرور العصور، ثم انتهى إلى وضع قائمة جديدة تتألف من ثلاث مجموعات هي: المجموعة الأولى: ١- اليفع يثع، وهو ابن صدق ايل ملك حضرموت حوالي٤٠٠ ق. م.

стр. 833

٢- اليفع ريام. ٣- حفن عثت، هو ابن اليفع ريام. ٤- أبيدع يثع٣٤٣ ق. م. ٥- وقه آل ريام. ٦- حفن صدق، وهو ابن وقه ايل ريام. ٧- اليفع يفش. ٨- عميثع نبط، "عم يثع نبط"، وهو ابن "ابكرب". ٩- يثع ايل ريام. ١٠- تبع كرب "تبعكرب"، وهو ابن يثع ايل ريام. ١١- خلكرب صدق، وهو ابن أب يدع "ريام؟ ". ١٢- حفن يثع٢٥٠ ق، م. المجموعة الثانية: ١- وقه ايل نبط٢٠٠ ق. م. ٢- اليفع صدق. ٣- وقه ايل صدق١٥٠ ق. م. ٤- أبيكرب يثع "أبكرب يثع". ٥- اليفع يشر الأول١٠٠ ق. م. ٦- حفن ريام. المجموعة الثالثة: ١- يثع آل صدق "يثع ايل صديق". ٢- وقه آل يثع "وقه ايل يثع" ٧٥ ق. م. ٣- اليفع يشر الثاني. نهاية مملكة معين بين السنة٥٠ والسنة ٢٥ قبل الميلاد١.

стр. 834

قائمة "ريكمنس ": وقد دون "ريكمنس" "JRyckmans" أسماء ملوك معين على النحو الآتي: أب يدع "ملك؟ = أب يدع ريام؟ ". خلكرب صدق. اليفع وقه. وقه ايل صدق. أب كرب يثع. عم يثع نبط. يثع ايل ريام. تبع كرب. يثع ايل ريام تبع كرب. اليفع ريام. هوف عثت. اليفع يثع= معد يكرب ملك حضرموت. أب يدع يثع "٣٤٣ قبل الميلاد= يثع ايل "بين؟ ". وقه ايل ريام. حفن صدق.

стр. 835

اليفع يفش. يثع ايل صدق. وقه ايل يثع﴾ شهريكل يهركب ملك قتبان اليفع يشر: حفن ريام. وقه ايل نبط. خلكرب. حفن يثع. يثع ايل حيو١. حفن ذرح.

стр. 836

الفصل العشرون: مملكة حضر موت مدخل ... الفصل العشرون: مملكة حضرموت وعاصرت مملكة "معين" مملكة أخرى من ممالك العربية الجنوبية، هي مملكة "حضرموت"، وقد ظهرت قبل الميلاد أيضًا، وما زال اسمها حيًّا يطلق على مساحة واسعة من الأرض، فلها أن تفخر بهذا على الحكومات العربية الأخرى التى عاشت قبل الميلاد، ثم ماتت أسماؤها، أو قل ذكرها قلة واضحة. وقد قطع اسمها مئات من الأميال قبل الميلاد، فبلغ مسامع اليونان والرومان وسجله كتابهم في كتبهم لأول مرة في القارة الأوروبية، وكتب لذلك التسجيل الخلود حتى اليوم. ولكن سجلوه بشيء من التغيير والتحريف، اقتضته طبيعة اختلاف اللسان، أو سوء السماع، أو طول السفر، فرواه "ايراتوستينس"١Chatramotitae، ورواه "نبوفراستوس" ٢Hadramyta وأما "بلينيوس" فقد روراه "Atramitae" و ٣Chatramotitae. وقد ورد عند "بطلميوس" بشكل٤Chathramitae = Adramitae.

стр. 837

وقد تحدث مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري" عن سواحل حضرموت الجنوبية، فذكر أن فيها مناطق موبوءة، يتجنبها الناس، ولا يدخلونها إلا لضرورة، ولذلك لا يجمع التوابل والأفاويه إلا خول ملك حضرموت وأولئك الذين يراد إنزال عقوبات صارمة عليهم١. وهذا يدل على أن الروم والرومان كانوا قد سمعوا من ملاحيهم ومن غيرهم من ركاب البحر أخبار السواحل، وهي أخبار مهمة بالطبع بالنسبة إلى أصحاب السفن في ذلك العهد. وكلمة "هزرماوت" "حزرماوت" "Hazarmaveth" الواردة في التوراة على أنها الابن الثالث لأبناء "يقطان"، يعني "حضرموت" ومعناها اللغوي "دار الموت"٢ ولعل لهذا المعنى علاقة بالأسطورة التي شاعت عند اليونان أيضًا عن "حضرموت"، وأنها "وادي الموت"، وعرفت في الموارد الإسلامية كذلك٣. وقد وصلت في الإسلام من طريق أهل الكتاب، قال ابن الكلبي: "اسم حضرموت في التوراة حاضر ميت، وقيل: سميت بحضرموت بن يقطن بن عابر بن شالخ"٤. وقد ذهب أكثر من بحث في أسباب التسمية من العلماء العرب إلى أن حضرموت هو اسم "ابن يقطن" أو "قحطان" وأنه كان إنسانًا وبه سميت الأرض، وما بنا حاجة إلى أن نقول مرة أخرى أن هذه النظرية ليست عربية، وإنما تسربت إلى الأخباريين من التوراة، إذ جعلت حضرموت اسم رجل هو "ابن يقطان". وقد ورد اسم "حضرموت" في الكتابات العربية الجنوبية، كما عثر على كتابات حضرمية ورد فيها أسماء عدد من ملوك حضرموت، وأسماء أسر حضرمية ومدن كانت عامرة زاهية في تلك الأيام٥، وبفضل هذه الكتابات حصلنا على

стр. 838

معلومات لا بأس بها عن مملكة حضرموت، وعن علاقاتها بالدول العربية الجنوبية الأخرى، ولما كانت أكثر هذه الكتابات قد عثر عليها على وجه الأرض، أو هي من نتائج حفريات لم تتعمق كثيرًا في باطن العاديات، فإننا نأمل أن يقوم المستقبل بإقناع المحبين للتأريخ العربي، بالقيام بحفريات علمية منتظمة وعميقة في مواطن الآثار، لاستنطاق ما فيها عن تأريخ العرب الجاهليين، وأنا على يقين من أن في باطن الأرض وبين الأتربة المتراكمة على هيأة أطلال وتلول أسرارًا كثيرة ستغير من هذا الذي نعرفه اليوم عن تأريخ حضرموت وعن تأريخ غيرها, من حكومات، وستزيد العلم به اتساعًا. لقد قامت بعثة بريطانية صغيرة بأعمال الحفر في موضع يقال له "الحريضة"، فاكتشفت فيه آثار معبد الإله "سين"، وهو يرمز إلى القمر. وعثرت على عدد من الكتابات تبين أن بعضها سبئية، كما عثرت على قبور عثر فيها على عظام في حالة جيدة تمكن من دراستها، وعلى أواني ومواد من الفخار والخزف وخرز ومسابح يظن أنها من القرن السابع أو الخامس قبل الميلاد١. وعثر في خرائب "شبوة" وفي "عقلة" وفي مواضع أخرى على عدد من الكتابات الحضرمية، كما استنسخ نفر من السياح صور بعض الكتابات التي نقلها الناس من مواضع العاديات إلى المواضع الحديثة حيث استعملوا حجارتها في البناء. وتشاهد في مباني "الحريضة" الحديثة، وهي لا تبعد كثيرًا عن الموضع القديم، أحجار مكتوبة أخذت من تلك الخرائب، شوهت بعضها أيدي البنائين وقضت على أكثرها معاولهم، ومحت آلاتهم كثيرًا من تلك الكتابات، ولا يستبعد وجود عدد آخر من الأحجار أوجهها المكتوبة في داخل البناء، فلا يمكن الوقوف عليها، أو أنها كسيت بطبقة من "الجبس" أو مادة أخرى تجعل الجدران صقيلة ملسًا. ولم تتوصل جهود من بحث في الآثار التي استخرجت من معبد "سن" "سين" في الحريضة" إلى نتيجة قطعية لتأريخ هذا المعبد، ويظن أن المقابر التي عثر

стр. 839

عليها وبعض واجهات المعبد تعود إلى أواسط القرن الخامس فما بعد إلى القرن الرابع قبل الميلاد، وأن قسمًا من بناء المعبد يعاصر العهد "السلوقي"١. ويعرف موضع الخريضة في الكتابات الحضرمية باسم "مذب" "مذبم" "مذاب"، وفي هذه المدينة الحضرمية القديمة، معبد خصص بعبادة "سين"، وعرف عندهم باسم معبد "سن ذ مذبم" "سين ذو مذاب"، وكان الناس ينذرون له النذور، ويتقربون إليه، ليمنحهم العمر الطويل والخير والبركة. وليس علمنا بأحوال حكام "حضرموت" بأحسن من علمنا بأحوال حكام الحكومات العربية الجنوبية الأخرى، مثل معين أو قتبان أو سبأ، فلا نزال لا نعرف شيئًا يذكر عن حكامها الأول وعن عددهم وعن مدد حكمهم وعن أمور أخرى من هذا القبيل، ولا نزال نجد الباحثين في أحوالها غير متفقين لا على مبدأ قيام حكومة حضرموت ولا على منتهاها وسقوطها فريسة في أيدي السبئيين، ثم لا نزال نراهم يختلفون أيضًا في عدد الحكام وفي مدد حكمهم. والحكام الذين يذكر العلماء أسماءهم ليسوا بالطبع هم جميع حكام حضرموت، بل هم جمهرة الحكام الذين وصلت أسماؤهم إلينا مدونة في الكتابات، ولذلك لا نستبعد أن تزيد أسماؤهم في المستقبل، زيادة قد تكون كبيرة، وهي ستتوقف بالطبع على مقدار ما يعثر عليه من كتابات. لقد تبين من بعض الكتابات الحضرمية أن عددًا من المكربين حكموا شعب حضرموت، وذلك قبل أن يتحول هذا الشعب إلى مملكة. وقد ذكر "فلبي" بعضهم في آخر القائمة التي رتبها بحسب رأيه لحكام حضرموت٢. ومن هؤلاء المكربين المكرب "يرعش بن أبيشع"، "يرعش بن أب يشع"، "يهرعش بن أب يشع" "يسكر ايل يهرعش بن اب يسع" "يشكر ايل يهرعش بن أبيع"٣ الذي ورد اسمه في كتابة سجلها "شكمم سلحن بن رضون" "شكم سلحان بن رضوان"، والظاهر أنه كان من الموظفين أو الأعيان البارزين في حكومة

стр. 840

حضرموت. وقد كلفه المكرب بناء سور وباب وتحصينات لحصن "قلت" الذي يهيمن على واد تقطعه الطريق القادمة من مدينة "حجر" والمؤدية إلى ميناء "قانه" "كانه" "قنا"، كما كلف إنشاء جدر وحواجز في ممرات الوادي المهمة لحماية منطقة "حجر" والمناطق الأخرى، من المغيرين ومن كل عدو يريد غزو حضرموت، ولا سيما الحميريين الذين صاروا يهددون المملكة، ويتدخلون في شئونها. وقد وضع تحت تصرفه موظفين ومعماريين للإشراف على العمل، وعمالًا يتولون أعمال البناء الذي تم في خلال ثلاثة أشهر تقريبًا١، وكان ذلك في السنة الثانية من سني "يشرح آل" "يشرح ايل" من آل "عذذ" "ذ عذذم"، ولسنا نعرف اليوم هذا التقويم: "تقويم يشح آل" الذي أرخت به الكتابة. وقد أنجز "شكم سلحان" "شكم سلحن" العمل الذي كلف إنجازه، فبنى الجدار والباب لحصن "قلت"، وبنى الحواجز والموانع الأخرى للمواضع الخطيرة الرئيسية الواقعة في ممرات الوادي ومعابره، لتصد الأعداء والغزاة عن عبوره، وأنشأ استحكامات ساحلية لحماية البر من الهجوم الذي قد يقوم به العدو من جهة البحر. ويظهر أنه أقام حصونًا على لسانين كانا بارزين في البحر، فحمى بذلك الخليج الذي بينهما، كما حصن المنفذ المؤدي إلى وادي "أبنة" وإلى مدينة "ميفعة"، حيث بنى سورًا قويا لها، وبرجين هما برج "يذان "، وبرج "يذقان"، وباب "يكن" وأماكن حماية يلتجئ إليها الجنود إذا لزم الدفاع عن المدينة فضلًا عن بناء الموانع المذكورة وقد قام بهذا العمل الجنود بدليل ورود كلمة "أسدم" في النص، ومعناها الجنود٢. وتوجد اليوم في "وادي لبنة" "لبنا" بقايا جدار كان يسد هذا الوادي في أيام مكربي حضرموت. ويظهر أن بانيه هو "شكم سلحن" "شكيم

стр. 841

سلحان" المذكور، يبلغ ارتفاعها زهاء سبعة أمتار، وقد أقيم من أحجار مكعبة، قطعت من الصخر، ونحتت نحتًا جيدًا، ونضد بعضها فوق بعض ووضعت بين سوفها مادة من نوع السمنت، وفي وسط الجدار آثار باب عرضه خمسة أمتار لمرور الناس والقوافل منها، وقد بني هذا الجدار ليمنع المغيرين القادمين من الجنوب، من الاتجاه نحو حضرموت، وذلك في ضمن الخطة العسكرية التي رسمت يومئذ لتحصين المدن المهمة وإحاطتها بأسوار وجدر قوية في الممرات المهمة، والطرق المؤثرة من الوجهة الحربية لمنع الأعداء من الزحف على حضرموت، ويرى بعض الباحثين أن إنشاء هذا الجدار كان في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد١. ويرى بعض الباحثين أن الكتابة التى دونها "شكم سلحن" "شكيم سلحان" ووضعت على جدار "لبنا" وعثر عليها في مكانها، هي أقدم كتابة حضرمية وصلت إلينا حتى الآن، وتليها في القدم الكتابة التي عثر عليها في "عقبة عقيبة" وتخص ممر "همريان"، وشرق "شبوة". ويرجع هؤلاء زمن كتابة الكتابة الأولى إلى القرن الخامس أو أوائل القرن الرابع قبل الميلاد٢. لقد كان الغاية من سد الأودية بإقامة جدر قوية حصينة بين طرفي الوادي بحيث تمنع الناس من المرور في الوادي إلا من باب يشرف منه الجنود عليها، هو حماية حضرموت من غزو حمير, وكانت مساكن قبائل حمير إذ ذاك تجاور حضرموت. ولهذا صار الحميريون خطرًا على حضرموت. ويفهم من إحدى الكتابات أن جدار "قلت" وحصنه إنما أقيما لصد غارات الحميريين وغزوهم المتوالي لأرض حضرموت. وقد جددت تلك الجدر والحصون ورممت مرارًا وقويت بالحجارة الصلدة التي قدت من الصخر، إذ لم تتمكن من الوقوف أمام سيل غزاة حمير، والظاهر أن غزوهم كان مستمرًّا في أيام المكرب المذكور، فاضطر إلى بناء تلك العقبات والحواجز لمنعهم من تهديد شعبه. لقد كانت مواطن الحميريين في هذا العهد في الجنوب وفي الجنوب الشرقي من "لبنا" "لبنه" ومدينة "ميفعة". ولم ينتقل الحميريون نحو الغرب إلى

стр. 842

المواضع التي عرفت باسمهم إلا في القرن الثاني قبل الميلاد، أو قبل ذلك بقليل، أما دولة حمير في أرض يافع وفي رعين وفي المعافر، فقد قامت في نهاية القرن الثاني قبل الميلاد، واستمرت هجرة حمير إليها إلى ما بعد الميلاد. وقد أطلق "الهمداني" على أرض "يافع" اسم "سرو حمير"١. ويرى "فون وزمن" أن حمير كانت قد استولت على ميناء "قنا" "قانه" في أيام هذا المكرب. وهذا الميناء هو الميناء الوحيد لحضرموت الصالح للاتجار بحرًا مع الهند وإفريقيا، أخذته من حمير، وكانت تتحكم -على رأيه- بطول الساحل بين "عدن" و "قنا"، ولها أسطول من السفن للاتجار مع الساحل الإفريقي الذي ربما كان خاضعًا لها في ذلك الزمن٢. وورد في إحدى الكتابات التى عثر عليها "فلبى" اسم مكرب آخر من مكربي حضرموت يسمى "علهان بن يرعش" "علهن بن يرعش". ويظهر أن "يرعش" والد "علهان" هذا، هو "يرعش" المكرب المتقدم، وقد دون نص "philby ١٠٣" لمناسبة إنشاء طريق في ممر "همربان" "Hamraban" الذي يقع شرق "شبوة"٣. وقد أنشئت هذه الطريق لتسهيل وصول القوافل إلى العاصمة ولأسباب عسكرية قد يكون منها تسهيل مسيرة الجيش إلى مقر الملك للدفاع عنه. وقد زهد آخر "مكرب" من مكربي حضرموت في لقبه هذا، فتركه إلى لقب آخر يتسمى به، يدل على الحكم الدنيوي وحده وعلى السلطان والملك، وهو لقب "ملك" فتسمى به. وانتقلت حضرموت بذلك من طور إلى طور، وصار النظام فيها نظامًا ملكيًّا، وإذا سألتني عن اسم هذا المكرب الذي أبدل لقبه، فصار ملكًا، وصار بذلك آخر مكرب وأول ملك، وأول جامع للقبين في حكومة حضرموت، فإني أقول لك أن علمي به لا يزيد على علمك به، وإن العلماء الباحثين الذين آخذ علمي منهم، لايزالوان في ذلك على خلاف، بل إن علمهم به لا يزيد -ويا للأسف- على علمك وعلمي به.

стр. 843

لقد وضع "فلبي" الملك "صدق آل" "صدق ايل" "صديق ايل" طليعة ملوك مملكة حضرموت، وجعل زمان توليه العرش في حدود عام "١٠٢٠ ق. م."١. أما "البرايت"، فوضع اسم الملك "يدع آل" "يدع ايل" في رأس القائمة التي رتبها لملوك حضرموت، وجعله معاصرًا لـ "كرب آل" "كرب ايل" أول ملوك مملكة سبأ، وقد حكم على رأيه في حوالي سنة "٤٥٠ ق, م"، ثم ترك فراغًا بعد هذا الملك يشير إلى أنه لم يهتد إلى معرفة من حكم بعده، وذكر بعد هذا الفراغ اسم الملك "صدق آل" "صدق ايل" الذي كان ملكًا على حضرموت ومعين، وقد ذكر أنه حكم في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد٢، والفرق كما ترى، كبير جدًّا بين تقدير "فلبي" وتقدير "البرايت". وقد وضع "هومل" الملك "صدق آل" "صدق ايل" على رأس قائمة ملوك حضرموت، وعلى هديه سار "فلبي" في ترتيبة لملوك هذه المملكة، وكان على رأيه يعاصر الجماعة الثانية من جماعات ملوك معين٣, وذكر بعده اسم ابنه "شهر علن" "شهر علان"، ثم "معد يكرب بن اليفع يثع" "معد كرب بن اليفع يثع" ملك "معين" وكان لـ "معد يكرب" ابنان هما: "هوف عثت" "هو فعثت"، و"أب يدع يثع" "أبيدع يثع"، لم يتوليا عرش حضرموت بعد أبيهما، والظاهر أن حضرموت اندمجت بعد وفاة "معد يكرب" في مملكة "معين" مدة لا نعرف مقدارها بالضبط٤. ويرى "فلبي" أنها زهاء ثلاثة قرون إلى نحو سنة "٦٥٠ ق. م"٥. ولدينا كتابة حضرمية من أيام "معد يكرب"، ورد فيها اسمه واسم "شهر علن بن صدق آل"، ملك حضرموت، واسم "أب يدع يثع" ملك معين. وقد تقرب فيها صاحبها إلى الإله "عثتر ذ قبضم" "عثتر ذي قبض" ببناء برج موضع "حرف"، وتيمن فيها أيضًا بذكر الآلهة: "عثتر شرقن"

стр. 844

"عثتر الشارق" و"ود" و"نكرح"١، وتشير هذه الكتابة إلى الروابط المتينة التي كانت بين العرشين: عرش حضرموت وعرش معين. فقد كان "معد يكرب" ملكًا على حضرموت، على حين كان شقيقه ملكًا على معين. ولا ندري إلى متى دام حكم هذه الأسرة التي جمعت بين عرشي المملكتين٢. وقد عثر على هذه الكتابة في "معين"٣ وقد طمست منها كلمات واردة قبل اسم "أب يدع يثع"، ولم يبق منها غير " ... خي.... شو"٤, فلم يعرف المقصود بهذين المقطعين الباقيين. أيقصد بهما ابن أخيه "أب يدع يثع"، أم يقصد بهما أخاه "أب يدع يثع"؟ أم مؤاخيه وحليفه "أب يدع يثع"؟ ويعود الضمير في هذه الجملة إلى "معد يكرب" صاحب هذه الكتابة. وقد ذهب "هومل" إلى أن المقصود بذلك "ابن أخيه"٥. وعلى هذا يكون "أب يدع يثع" الوارد في هذا النص الملك "أب يدع يثع بن اليفع ريام" شقيق "معد يكرب" ملك معين، وهو ابن أخي "معد يكرب" ملك حضرموت. ولورود جملة: "ملك معين" بعد اسم "أب يدع يثع"، وهي جملة ترد في النصوص بعد اسم كلم ملك للدلالة على أنه كان ملكًا -نستنتج أن "أب يدع يثع" كان ملكًا على معين زمن تدوين هذه الكتابة- نعني أنه كان هو ملكًا على معين في الزمن الذي كان فيه "معد يكرب" ملكًا على حضرموت، ولهذا يبدو غريبًا ما ذهب إليه "فلبي" من أن "أب يدع يثع" حكم في حدود سنة "٩٣٥ ق. م."٦ وأن "معد يكرب: حكم في حوالي "٩٨٠ ق. م."٧ وأن مملكة "حضرموت" لم يكن عليها ملك في حدود عام "٩٣٥ ق. م" بل كانت تتبع مملكة معين، فإن هذا الرأي يخالف ما جاء في النص المذكور من تعاصر الملكين. وقد ورد في كتابة معينية وسمت بـ٨Halevy ٥٢٠، اسم "معد يكرب

стр. 845

ابن اليفع"، وذكرت بعده جملة: "ملك معين"، فذهب العلماء إلى أن "معد يكرب" هذا هو "معد يكرب" ملك حضرموت١ الذي نتحدث عنه، وجعلوه ملكًا على معين وعلى حضرموت. ولكن هذا الرأي يخالف ما ذهبوا إليه في ترتيبهم لأسماء ملوك معين، وقولهم إن ملك معين كان في هذا العهد الملك "أب يدع يثع"، وهو ابن الملك "اليفع ريام بن اليفع يثع". وأعود فأكرر ما قلته مرارًا من أن ترتيب الملوك يمثل آراء العلماء ويختلف باختلاف هذه الآراء. فلا مندوحة من الوقوف منها موقف المتفرج الباحث في هذا العهد. وقد سجلت هذه الكتابة لمناسبة بناء برج "ذو ملح" في مدينة "قرنو" عاصمة مملكة معين، وبرج آخر في مدينة "يثل" المعينية. وقد ورد في النص اسما مدينتي "يفعن" "يفعان" و"هرن" "هران" من مدن المعينيين كذلك، كما ورد فيها اسم معبد الإله "عثتر ذو قبض"٢. ويظهر أن هذه الكتابة قد كتبت في زمن مقارب لزمن الكتابة المعينية المعروفة بـ ٣Glaser ١١٥٥، التي تحدثت عن حرب نشبت بين "مذي" و"مصر"، فصاحبها "عم صدق بن حم عثت" "عمصديق بن حم عثت"٤، من "ذ يفعن" "آل يفعان"، ورجل آخر اسمه "سعد بن ولج"٥ من "ذ ضفجن" "آل ضفجان"٦، وكانا "كبيرين" في حكومة معين، وقد ورد فيها اسم "اب يدع يثع" "أبيدع يثع" ملك "معين" و "ومعد يكرب بن اليفع"٧. وأصحاب كتابتنا المتقدمة المعروفة بـ Halevy ٥٢٠" ثلاثة، هم: "عم صدق" و"عم يدع" و "عم كرب" أبناء "حم عثت" من "آل يفعان" "ذ يفعن". فأحدهم، وهو "عم صدق بن حم عثت" أسهم مع صاحبه "سعد بن ولج" في تدوين الكتابة الأولى وأسهم مع إخوته في تدوين هذه
следующие страницы →